الصفحة السابقة

الصفحة التالية

قال الشيخ المفيد: «ومما يشهد بقول الشيعة في معنى (المولى) وان النبي اراد به يوم الغدير الامامة، قول حسان بن ثابت على ما جا به الاثر... فلولا ان النبي (ص) اراد بالمولى الامامة لما اثنى على حسان باخباره بذلك، ولانكره عليه ورده عنه» ((94)).

ومن ذلك: موقف بعض الصحابة، وكان فيهم عمر بن الخطاب، من النبي (ص) في مرضه الذي توفي فيه لما اراد ان يكتب لهم كتابا لا يضلون بعده، فمنعوه من ذلك واكثروا من اللغو والاختلاف، وقال عمر كلمة اغضبته، فاخرجهم رسول اللّه (ص) من حجرته.

وهذا الموقف سجلته اوثق مصادر الحديث عند اهل السنة ((95))، وهو الذي سماه عبداللّه بن عباس «رزية يوم الخميس»، وقد حدث بعد شهرين او ثلاثة من حادثة غدير خم وحديثها المعروف، ولا شك في ان سببه الوحيدالمتصور انهم «علموا انه (ص)، انما اراد توثيق العهد بالخلافة، وتاكيد النص بها على علي خاصة، وعلى الائمة من عترته عامة، فصدوه عن ذلك كما اعترف به الخليفة الثاني في كلام دار بينه وبين ابن عباس» ((96))، قال في آخره: «لقداراد في مرضه ان يصرح باسمه فمنعت من ذلك اشفاقا وحيطة على الاسلام، لا ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش ابدا، ولو وليها لانتفضت عليه العرب من اقطارها، فعلم رسول اللّه (ص) اني علمت ما في نفسه فامسك، وابى اللّه الاامضا ما حتم» ((97)).

قال ابن ابي الحديد: «ذكر هذا الخبر احمد بن ابي طاهر صاحب كتاب تاريخ بغداد في كتابه مسندا» ((98)).

ومن ذلك: موقف بريدة الاسلمي وقبيلته اسلم لما جاوا بعد بيعة السقيفة، فركز بريدة رايته وسط قومه ثم قال: «لا ابايع حتى يبايع علي، فقال علي (ع): يا بريدة ادخل في ما دخل فيه الناس فان اجتماعهم احب الي من اختلافهم اليوم».روى ذلك ابراهيم بن محمد بن هلال الثقفي ((99)) بسنده عن سفيان بن فروة عن ابيه ((100)).

وفي رواية له اخرى عن عبداللّه بن الحسن: «ابت اسلم ان تبايع، وقالوا: ما كنا نبايع حتى يبايع بريدة، لقول النبي (ص)لبريدة:

«علي وليكم من بعدي»، فقال علي (ع): يا هؤلا ان هؤلا خيروني ان يظلموني حقي وابايعهم او ارتدت الناس حتى بلغت الردة احدا، فاخترت ان اظلم حقي وان فعلوا ما فعلوا» ((101)).

فلولا ان بريدة وقومه فهموا من قول النبي (ص): «علي وليكم من بعدي» النص على ولايته لامور المسلمين وخلافته فيهم من بعده لما امتنعوا من مبايعة غيره حتى ياذن لهم هو بذلك.

ومن ذلك: ما عكسته بعض النصوص التاريخية التي تحدثت عن قضية الخلافة بعد النبي (ص) ووصفت اتجاهات الراي العام في مجتمع الصحابة يومئذ في هذه القضية، ومن الذي كان عامة المهاجرين والانصار يتوقعون توليه للخلافة ويعتقدون انه هو المعهود اليه بها من النبي (ص) دون غيره، فمنها:

ما رواه الزبير بن بكار عن محمد بن اسحاق، قال: «وكان عامة المهاجرين وجل الانصار لا يشكون ان عليا هو صاحب الامر بعد رسول اللّه (ص)، فقال الفضل بن العباس: يا معشر قريش، وخصوصا يا بني تيم، انكم انما اخذتم الخلافة بالنبوة، ونحن اهلها دونكم، ولو طلبنا هذا الامر الذي نحن اهله لكانت كراهة الناس لنا اعظم من كراهتنا لغيرنا، حسدامنهم لنا وحقدا علينا، وانا لنعلم ان عند صاحبنا عهدا هو ينتهي اليه» ((102)).

ومنها: ما رواه الزبير ايضا عن «محمد بن موسى الانصاري المعروف بابن مخرمة، قال: حدثني ابراهيم بن سعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، قال: لما بويع ابو بكر واستقر امره، ندم قوم كثير من الانصار على بيعته، ولام بعضهم بعضا، وذكروا علي بن ابي طالب، وهتفوا باسمه، وانه في داره لم يخرج اليهم، وجزع لذلك المهاجرون، وكثرفي ذلك الكلام» . ((103)) وعكس الطبري في تاريخه وابو بكر الجوهري في كتاب السقيفة ((104)) ما يقرب من هذه الصورة عن اعتقاد الصحابة اوجلهم، في الاقل، بحق علي (ع) بالخلافة، وهذا الاعتقاد يستند بالطبع الى ادلة عرفوها ونصوص سمعوها من النبي(ص). وفي عبارة الفضل بن العباس التي تضمنتها الرواية الاولى تصريح بذلك. وهو يتفق تماما مع ما ذكره علي(ع) نفسه في كتاب بعثه الى اهل مصر قال من جملته:

«فلم ا مضى (ع) تنازع المسلمون الامر من بعده، فواللّه ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي ان العرب تزعج هذا الامر من بعده (ص) عن اهل بيته ولا انهم منحوه عني من بعده..»((105)).

ومن ذلك: ما كاشف به عمر بن الخطاب عبداللّه بن عباس في غير مرة، من ان عليا (ع) كان هو صاحب الامر بعد رسول اللّه (ص) ولكن قريشا منعته منه، وما صرح به ابن عباس لعمر من ان اللّه هو الذي اختار عليا لخلافة رسول اللّه(ص).

ومن روايات هذه المكاشفة والمصارحة: ما رواه الطبري عن ابن عباس، وروى مثله ابن ابي الحديد عن عبداللّه بن عمر،قالا: «فقال (اي عمر): ياابن عباس اتدري ما منع قومكم منهم (من اهل البيت) بعد محمد؟ فكرهت ان اجيبه، فقلت:

ان لم اكن ادري فامير المؤمنين يدريني، فقال عمر: كرهوا ان يجمعوا لكم النبوة والخلافة، فتبجحوا على قومكم بجحابجحا، فاختارت قريش لانفسها فاصابت ووفقت. فقلت: يا امير المؤمنين، ان تاذن لي في الكلام، وتمط عني الغضب تكلمت.

فقال: تكلم يابن عباس، فقلت: اما قولك يا امير المؤمنين:

اختارت قريش لانفسها فاصابت ووفقت، فلوان قريشا اختارت لانفسها حيث اختار اللّه عز وجل لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود. واما قولك: انهم كرهوا ان تكون لنا النبوة والخلافة، فان اللّه عز وجل وصف قوما بالكراهية فقال: (ذلك بانهم كرهوا ما انزل اللّهفاحبطاعماله م).

فقال عمر: هيهات واللّه ياابن عباس! قد كانت تبلغني عنك اشيا كنت اكره افرك عنها، فتزيل منزلتك مني، فقلت: وماهي يا امير المؤمنين؟ فان كانت حقا فما ينبغي ان تزيل منزلتي منك، وان كانت باطلا فمثلي اماط الباطل عن نفسه،فقال عمر: بلغني انك تقول: انما صرفوها عنا حسدا وظلما! فقلت:

اما قولك يا امير المؤمنين: ظلما، فقد تبين للجاهل والحليم، واما قولك: حسدا، فان ابليس حسد آدم، فنحن ولده المحسودون، فقال عمر: هيهات! ابت واللّه قلوبكم يابني هاشم الا حسدا ما يحول، وضغنا وغشا ما يزول...» ((106)).

ومن روايات هذه المكاشفة ما روي عن ابن عباس ايضا: «قال:

دخلت على عمر يوما فقال: يا ابن عباس، لقد اجهد هذاالرجل نفسه في العبادة حتى نحلته، ريا. قلت: من هو؟ فقال: هذا ابن عمك يعني عليا قلت: وما يقصد بالريااميرالمؤمنين؟ قال:

يرشح نفسه بين الناس للخلافة، قلت: وما يصنع بالترشيح! قد رشحه لها رسول اللّه (ص) فصرفت عنه. قال: ان كان شابا فاستصغرت العرب سنه، وقد كمل الان...».

قال ابن ابي الحديد: «نقلت هذا الخبر من امالي ابي جعفر محمد بن حبيب» ((107)).

ومن رواياتها ايضا: ما ذكره ابو بكر الجوهري في كتاب السقيفة عن ابن عباس، قال: «قال لي: يا ابن عباس، اما واللّه ان صاحبك هذا لاولى الناس بالامر بعد رسول اللّه (ص)، الا انا خفناه على اثنين... فقلت: ما هما يا امير المؤمنين؟ قال:خفناه على حداثة سنه، وحبه بني عبد المطلب» ((108)).

ومن رواياتها ايضا: ما ذكره الراغب الاصفهاني في «محاضرات الادبا» عن ابن عباس، قال: «كنت اسير مع عمر بن الخطاب في ليلة وعمر على بغل وانا على فرس، فقرا آية فيها ذكر علي بن ابي طالب، فقال: اما واللّه يا بني عبد المطلب لقد كان علي فيكم اولى بهذا الامر مني ومن ابي بكر، فقلت في نفسي: لا اقالني اللّه ان اقلته، فقلت: انت تقول ذلك ياامير المؤمنين، وانت وصاحبك وثبتما وافترعتما الامر منا دون الناس؟... فقال:

انا واللّه ما فعلنا الذي فعلناه عن عداوة،ولكن استصغرناه وخشينا ان لا يجتمع عليه العرب وقريش لما قد وترها.

قال: فاردت ان اقول: كان رسول اللّه (ص) يبعثه، فينطح كبشها، فلم يستصغره، افتستصغره انت وصاحبك؟ فقال: لا جرم، فكيف ترى؟ واللّه ما نقطع امرا دونه، ولا نعمل شيئا حتى نستاذنه» ((109)).

ومن ذلك: ما كاشف به عثمان بن عفان عليا (ع) وعبداللّه بن عباس في غير مرة ايضا من ان الامر (الخلافة) قد جعله رسول اللّه لعلي، ومن روايات ذلك: ما رواه الواقدي في كتاب «الشورى» عن ابن عباس، قال: «شهدت عتاب عثمان لعلي(ع) يوما، فقال له في بعض ما قاله: نشدتك اللّه ان تفتح للفرقة بابا! فلعهدي بك وانت تطيع عتيقا وابن الخطاب طاعتك لرسول اللّه (ص)، ولست بدون واحد منهما، وانا امس بك رحما، واقرب اليك صهرا، فان كنت تزعم ان هذا الامر جعله رسول اللّه (ص) لك، فقد رايناك حين توفي نازعت ثم اقررت...

فقال علي (ع): اما الفرقة، فمعاذ اللّه ان افتح لها بابا، واسهل اليها سبيلا، ولكني انهاك عما ينهاك اللّه ورسوله عنه،واهديك الى رشدك، واما عتيق وابن الخطاب فان كانا اخذا ما جعله رسول اللّه (ص) لي، فانت اعلم بذلك والمسلمون، ومالي ولهذا الامر وقد تركته منذ حين...» ((110)).

ومن رواياته: ما اخرجه الزبير بن بكار في «الموفقيات» في حوار طويل دار بين عثمان وابن عباس، قال عثمان من جملته:«ولقد علمت ان الامر لكم، ولكن قومكم دفعوكم عنه واختزلوه دونكم، فواللّه ما ادري ادفعوه عنكم ام دفعوكم عنه!».وقال ابن عباس من جملته: «واما صرف قومنا عنا الامر فعن حسد قد واللّه عرفته، وبغي قد واللّه علمته، فاللّه بيننا وبين قومنا!» ((111)).

وصفوة المعنى الذي نخلص الى تاكيده، في ضوء ما سبق من نصوص ومواقف، هو: ان الصحابة خلافا لما يدعيه «الكاتب» قد فهموا من النبي (ص) معنى النص على امامة علي (ع) وخلافته، لان النصوص، من جانب، اما بمجردها،او بوساطة ما يحف بها من قرائن وشواهد، كانت تقتضي منهم، بوصفهم من اهل اللغة، ذلك الفهم، ولان الصحابة، من جانب آخر، قد عكسوا ذلك الفهم وسجلوه على انفسهم تاريخيا في ردود افعالهم ومواقفهم من تلك النصوص سوافي حياة النبي (ص) ام بعد وفاته.

اسباب مخالفة نصوص الامامة ويبرز هنا سؤال مهم، وهو: لماذا، اذن، خالف الصحابة تلك النصوص وبايعوا ابا بكر بالخلافة بعد وفاة الرسول؟ هناك جوابان على هذا السؤال يمكن استخلاصهما من النصوص التي سبق عرضها، والتي عكست موقف بعض الصحابة الذين اسسوا لهذه المخالفة وتزعموها تجاه قضية النص على امامة علي (ع) وخلافته للنبي (ص)، كما عكست ايضا، في مقابل ذلك، موقف علي (ع) وابني عمه: عبداللّه بن عباس، واخيه الفضل:

احدهما: جواب اولئك الصحابة، ويتلخص في ثلاثة اسباب:

الاول: انهم خافوا ان تجتمع النبوة والخلافة في بني هاشم فيطغون ويفخرون على سائر بطون قريش.

الثاني: انهم استصغروا سن علي (ع) وكبر عليهم ان يولوه عليهم وفيهم الشيوخ وزعما البطون.

الثالث: انهم خافوا حدوث الفتنة، لان عليا قد وتر قريشا في معارك الاسلام وقتل قادتها وابناها، فمن المحتمل ان تنتفض عليه ولا تطيعه ويتعرض الاسلام بذلك للخطر.

والاخر: جواب علي (ع) وعبداللّه بن عباس واخيه الفضل، ويتلخص في سببين:

الاول: الحسد الناشى من حب الرئاسة.

الثاني: العداوة والاحقاد القديمة.

ومن الواضح ان الجواب الاول هو محاولة من اصحابه للاعتذار عن مخالفة النصوص بانها كانت مبنية على اجتهاد منهم ورؤية استصلاحية تستهدف مصلحة الاسلام وتجنيب الكيان الاجتماعي الاسلامي الجديد اي هزة داخلية تعرضه لخطر الانقسام او الارتداد، وبالتالي فهي من وجهة نظرهم مخالفة مشروعة، ولا تستلزم تفسيقا او تكفيرالاصحابها.

لكن المنظرين للعقيدة السياسية السنية المبنية على شرعنة حكم الخلفا على كل تقدير، والتماس الاعذار لمن ايدهم من الصحابة وسوغ موقفهم في تجاوز نصوص النبي (ص) في شان من يخلفه لم ياخذوا بهذا الجواب، لانهم ادركواان فيه اعترافا بمخالفة النبي (ص) على اية حال، واجتهادا في مقابل نصوصه، الامر الذي قد يجر الى تفسيق هؤلا،ف آثروا بدلا من ذلك انكار دلالة النصوص من الاساس، ونفي ان يكون الخلفا او احد من الصحابة قد فهموا منهاالنص على امامة علي (ع) وخلافته للنبي (ص)، وبالتالي فهم لم يرتكبوا خطا، ولم يخالفوا نص ا جليا او خفيا من نصوص النبي (ص)، معتمدين في ذلك، من نحو اول، على تاويل تلك النصوص، ومن نحو ثان، على مقولة عدالة الصحابة واستحالة مخالفتهم للنبي (ص) ((112)).

وقد اقتفى «الكاتب» اثر هؤلا المنظرين في كلا طريقيهم هذين، وهو معصوب العينين من دون ان يكلف نفسه محاولة اقناع القارى بما اولوا به تلك النصوص، او بما سوغوا به تلك المقولة! الملاحظة الثالثة: تشكيك «الكاتب» في صدور حديث الغدير وغيره من نصوص الامامة تتعلق هذه الملاحظة بقول «الكاتب»، بعد العبارة التي ناقشناها في الملاحظة السابقة: «ولذلك اختاروا طريق الشورى، وبايعوا ابا بكر كخليفة (كذا) من بعد الرسول، مما يدل على عدم وضوح معنى الخلافة من النصوص الواردة بحق الامام علي، او عدم وجودها في ذلك الزمان».

ومحل الملاحظة من هذا القول هو قوله: «او عدم وجودها في ذلك الزمان»، فهذا القول يؤكد ما سبقت الاشارة اليه في نهاية الملاحظة الثانية من اقتفا «الكاتب» اثر منظري العقيدة السياسية السنية في تسويغ مبايعة ابي بكر بالخلافة على قاعدة القول بعدالة الصحابة، ويزيد عليه خطوة ابعد في ذلك الاتجاه بتشكيكه في صدور نص الغدير وما شاكله من نصوص الامامة والخلافة من النبي (ص) من الاساس، واثارة احتمال كون تلك النصوص موضوعة ومختلقة من قبل الشيعة في زمن متاخر عن زمن الصحابة.

و«الكاتب» يريد بذلك ان يحصر قارئه بين خيارين لا ثالث لهما، اما مصادرة فهمه اللغوي لنصوص الامامة وما يحف بهامن قرائن وشواهد لغوية وحالية توضح معناها وتؤكده، او مصادرة تلك النصوص نفسها واسقاطها جميعا من الاعتبار!وهذا ما لم يفعله اشد غلاة السلفية ومتعصبيهم في مواقفهم من تلك النصوص، فقصارى ما فعله هؤلا الى جانب تاويل مفاد تلك النصوص بالقول ان النبي قصد بها الى تسجيل فضائل علي واهل بيته والتنويه بمناقبهم وليس النص على امامتهم وخلافتهم هو التشكيك بصدور آحاد من تلك النصوص والقول بضعف اسانيدها، اما التشكيك بصدورها جميعا والقول بوضعها واختلاقها في زمن متاخر عن زمن الصحابة جملة وتفصيلا، فهذا ما لم يفعله حتى ابن تيمية والجبهان ((113)).

مناقشة الشبهتين السادسة والسابعة: (دخول الامام علي (ع) في عملية الشورى التي اعقبت وفاة الخليفة عمر بن الخطاب، ومحاججته لاهلها بفضائله وعدم اشارته الى موضوع النص عليه، يدلان على التزامه بنظام الشورى).

قال «الكاتب»: «ومما يؤكد كون نظام الشورى دستورا كان يلتزم به الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب وعدم معرفته بنظام الوراثة الملكية العمودية في اهل البيت، هو دخول الامام في عملية الشورى التي اعقبت وفاة الخليفة عمر بن الخطاب، ومحاججته لاهل الشورى بفضائله ودوره في خدمة الاسلام، وعدم اشارته الى موضوع النص عليه او تعيينه خليفة من بعد الرسول، ولو كان حديث الغدير يحمل هذا المعنى لاشار الامام الى ذلك، وحاججهم بما هو اقوى من ذكر الفضائل» ((114)).

ان الشبهتين اللتين تضمنهما كلام «الكاتب» السابق اثارهما المعتزلة في سجالهم الكلامي مع الشيعة الامامية منذ القدم،وقد سجلهما القاضي عبد الجبار ((115)) المعتزلي في كتابه «المغني» حكاية عن ابي هاشم الجبائي ((116))، حين قال:

«وكيف رضي امير المؤمنين ان يكون في الشورى مع ما ترون ((117)) فيه من القول حالا بعد حال؟ وكيف جاز ان لا ينكرعلى عمر قوله: ان وليت من امر المسلمين شيئا فلا تحمل بني هاشم على رقاب الناس؟ وهلا قال له: انا امام المسلمين،وقد عرفت النص علي والاشارة الي، فليست لي حاجة الى ان اولى؟! فكيف لم يذكر هذا النص الظاهر فيعتده في مناقبه حتى صار الامر اليه، وفي وقت الحاجة، مع انه كان يعد مناقبه في المحافل والمشاهد في ايام معاوية وقبله؟» . ((118)) اسباب دخول الامام علي (ع) في الشورى وقد اجاب علما الشيعة السابقون على الشبهة الاولى، وهي دخول الامام علي (ع) في الشورى التي شكلها عمر بن الخطاب قبيل وفاته لاختيار الخليفة من بعده بثلاثة اجوبة تضمنت ثلاثة وجوه او اسباب دفعت الامام (ع)، جميعها اوبعضها، للدخول في تلك الشورى، نقلها عنهم المرتضى في كتابه «الشافي»، وهي:

الوجه الاول: «انه (ع) انما دخلها ليتمكن من ايراد النصوص عليه والاحتجاج بفضائله وسوابقه وما يدل على انه احق بالامر واولى، وقد علمنا انه لو لم يدخلها لم يجز منه ان يبتدىء بالاحتجاج، وليس هناك مقام احتجاج وبحث، فجعل(ع) دخوله ذريعة الى التنبيه على الحق، بحسب الامكان على ما وردت به الرواية، فانها وردت بانه (ع) عدد في ذلك اليوم جميع فضائله ومناقبه او ذكر بها».

الوجه الثاني: «انه (ع) جوز ان يسلم القوم الامر له، ويذعنوا لما يورده من الحجج عليهم، بحقه فجعل الدخول في الشورى توصلا الى مستحقه، وسببا الى التمكين من الامر والقيام فيه بحدود اللّه، وللانسان ان يتوصل الى حقه ويتسبب اليه بكل امر لا يكون قبيحا».

الوجه الثالث: «ان السبب في دخوله (ع) كان التقية والاستصلاح، لانه (ع) لما دعي الى الدخول في الشورى اشفق من ان يمتنع فيتسبب منه الامتناع الى المظاهرة والمكاشفة، والى ان تاخر من الدخول (كذا) في الشورى انما كان لاعتقاده انه صاحب الامر دون من ضم اليه، فحمله على الدخول ما حمله في الابتدا على اظهار الرضا والتسليم» ((119)).

ولعل الوجه الاخير من هذه الوجوه الثلاثة يحتاج وحده دون الوجهين الاولين الى مزيد من البيان والايضاح ليتبين في ضوء ذلك تماما المعنى المقصود من التقية والاستصلاح اللذين دفعا الامام بحسب هذا الوجه للدخول في عملية الشورى.

وقبل ذلك لابد من ان نضع في الحسبان حقيقة مهمة لها اثرها الكبير في معرفة مصدر الالتباس وسوء الفهم في هذه الشبهة، وفي فهم حسابات الامام علي ودواعيه ايا يكن نوعها وحقيقتها التي افضت به الى الدخول في عملية الشورى ومبايعة الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وهذه الحقيقة هي:

الفرق بين الامامة وتولي سلطة الخلافة ان الامامة الثابتة لعلي وبقية ائمة العترة الطاهرة من اهل البيت (ع) بموجب النصوص الشرعية هي في جوهرها منصب الهي يعين اللّه صاحبه من خلال النبي (ص) ليستحفظه علوم الوحي والتنزيل وسنن الهدي النبوي وليكون امتدادا له في القيمومة على رسالته حتى لا تخلو الارض من حجة ومن شهيد على الناس.

وهذا المنصب هو امتداد لمنصب النبوة وشبيه به من حيث وظيفته ومسؤولياته الا من حيث عدم تلقي صاحبه للوحي،كما يقتضي ذلك قوله (ص): «انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي»، او قوله (ص): «من كنت مولاه فعلي مولاه» وغير ذلك. ((120)) كما ان هذا المنصب ثابت ومستمر في حياة البشرية على الارض، ولا يستطيع احد ان يجرد الامام منه او يمنعه عنه،وذلك بمقتضى قوله (ص):

«اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي، احدهما اعظم من الاخر: كتاب اللّه، حبل ممدود من السما الى الارض، وعترتي اهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض..».

وقوله (ص): «لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة او يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش».

وقوله (ص): «النجوم امان لاهل السما، واهل بيتي امان لامتي» . ((121)) فهذه النصوص لا معنى محصل لها الا بنا على استمرار منصب الامامة من بعد النبي (ص) في عترته واهل بيته.

وتتفرع عن هذا المنصب الالهي وتترتب عليه، من الناحية العملية، مسؤوليتان او وظيفتان للامام (ع):

احداهما: تبليغ الناس ما استحفظهم النبي (ص) من علوم الوحي والتنزيل ومن احكام هديه وسنته، وتحديد موقفهم في ضوء ذلك من مختلف القضايا التي تواجههم.

والاخرى: خلافة النبي (ص) في الحكم والولاية على امور المسلمين العامة.

كل ذلك بمقتضى النصوص السابقة وغيرها ايضا.

وهاتان الوظيفتان ثابتتان للامام نظريا، ولكنه قد لا يتمكن من القيام بهما عمليا، كليا او جزئيا. فوظيفة خلافة النبي (ص)في حكم الامة الاسلامية والولاية على امورها السياسية والاجتماعية قد منع الائمة (ع) من القيام بها واقصوا عنها تماماباستثنا مدة قصيرة من حياة الامام علي (ع) بعد النبي (ص).

اما وظيفة تبليغ ما استحفظوا من علوم الوحي وسنن الهدي النبوي وتحديد الموقف الشرعي للناس، في ضوء ذلك، من مختلف القضايا والوقائع التي تواجههم، فقد سمحت الظروف والاوضاع السياسية المتفاوتة في لينها وشدتها لهم بالقيام بها حينا الى حد غير قليل، وحينا الى حد قليل جدا، ولم تسمح بالقيام بها في حين ثالث مطلقا حتى افضى التدبير الالهي اخيرا الى غيبة الامام الثاني عشر وتواريه عن الانظار.

والنتيجة التي نستخلصها في ضوء جميع ما تقدم هي: ان الامامة لا تعني فقط خلافة النبي (ص) في الحكم، ولا تقتصروظيفتها على قيادة الامة الاسلامية سياسيا واجتماعيا فحسب، فهذه لا تمثل الا جانبا، من مسؤوليات الامام ووظائفه،ولا تتعدى كونها اثرا واحدا من آثار منصبه الالهي لا اكثر، فاذا حصل ما يمنع الامام من القيام بوظيفته هذه واكرهه ذلك على الاغضا عن حقه في ممارسة الحكم والسكوت عن المطالبة به، بل وحتى القبول بتولي غيره للحكم بدلا منه،فان ذلك لا يعني ان ه قد تخلى عن منصبه الالهي في الامامة بوصفه حجة على الخلق وشهيدا على الناس بعد النبي(ص)، ولا يتنافى مع اعتقاده في نفسه انه هو صاحب هذا المنصب وصاحب الحق في ممارسة ما يترتب عليه من مسؤوليات ووظائف وان منع من بعضها.

وهذا ما حدث تماما للامام علي (ع) حينما منع من حقه في الحكم بعد وفاة النبي (ص)، ووجد نفسه مضطرا بحكم الظروف والاوضاع السياسية المحيطة به الى مبايعة الخليفة الاول ومن بعده الخليفة الثاني، ثم الدخول في الشورى لاختيار الخليفة الثالث ومن ثم مبايعته هو ايضا.

وبذلك يتضح مصدر الالتباس وسوء الفهم في هذه الشبهة ولا يبقى مسوغ لطرحها من الاساس.

دخول الامام (ع) الشورى تقية واستصلاحا ويبقى، بعد ذلك، ان نبحث في الاسباب والظروف التي اجبرت الامام (ع) على الدخول في الشورى، وبذلك نعود الى النقطة التي بدانا منها مناقشتنا لهذه الشبهة، وهي ايضاح المعنى المقصود من التقية والاستصلاح اللذين دفعا الامام للدخول في الشورى، حسب الوجه الثالث من الوجوه التي فسر بها ذلك، فنقول باختصار:

ان الاسباب التي دعت الامام علي (ع) للدخول في عملية الشورى هي، من حيث الجوهر، الاسباب نفسها التي دعته من قبل الى الكف عن المنازعة في امر الخلافة ومبايعة الخليفة الاول ومن بعده الخليفة الثاني، والتي كانت، باختصار،عبارة عن:

اولا: تجنب حدوث فتنة في الصف الاسلامي تتمثل في مواجهة مسلحة مع السلطة الفعلية وقاعدتها القرشية، كان الامام يقدر انها سوف تقع اذا ما استمر في معارضته واحجامه عن البيعة، وطالب علنا بحقه في الخلافة، وهو ما اسماه المرتضى ب «المظاهرة والمكاشفة»، وتكون نتيجتها المحتومة قتله وقتل انصاره القليلين وضياع حقه وحق عترته نهائيافي الخلافة.

وهذا هو المقصود في كلام المرتضى ب «التقية».

ثانيا: مراعاة مصلحة الاسلام العليا في تلك المرحلة من تاريخ الامة الاسلامية التي كانت تستدعي توحيد صفوف المسلمين واسناد السلطة الفعلية التي لم يكن من الممكن تغييرها على اية حال في مواجهة خطر المرتدين والمنافقين الذين قوي تحركهم ضد الاسلام بعد تولي ابي بكر للخلافة واستمر حتى قبيل وفاته، وفي دعم حركة الفتح الاسلامي التي اخذت بالتنامي والاتساع بعد تولي عمر بن الخطاب الخلافة. وهذا هو المقصود في كلامه ب «الاستصلاح».

وحينما نصل الى دخول الامام (ع) في الشورى، ونبحث عن وجود هذه الاسباب وراه، فاننا نجدها لا تزال باقية على رغم مرور حوالى ثلاثة عشر عاما على حدوثها، بل ان مرور تلك المدة وما حصل فيها من تطور في الاوضاع السياسية والاجتماعية قد قوى هذه الاسباب واكدها، وذلك لاعتبارات عديدة:

اولها: ان سلطة الخلافة القائمة قد ترسخت قوتها وتعاظمت هيبتها خلال تلك المدة، لا سيما في عهد الخليفة الثاني الذي ادار الحكم بحزم وقوة، وبسط سلطة الدولة الاسلامية على مساحة واسعة من العالم خارج حدود الجزيرة العربية،وحقق لها بفضل الفتوحات التي قام بها رخا اقتصاديا لم تكن تتمتع به في بداية عهده وفي عهد الخليفة الاول الذي سبقه.

كل ذلك قد ضاعف بالطبع من حصانة هذه السلطة ضد اي معارضة لها يبديها الامام علي (ع) تاخذ اسلوب المجاهرة بعدم شرعيتها والتحدي لقرارها القاضي بادخاله في الشورى والزامه بنتيجتها وبالالية المحددة لعملها، ذلك القرارالذي شكل عنصر الالزام الصريح فيه والمدعوم باجراات مسلحة مسوغا كافيا للامام (ع) لعدم مخالفته وتحديه،نعرف ذلك من رواية حادثة تشكيل الشورى التي تجمع عليها المصادر التاريخية، والتي ورد فيها قول الخليفة الثاني لابي طلحة الانصاري:

«يا ابا طلحة، ان اللّه عز وجل طالما اعز الاسلام بكم، فاختر خمسين رجلا من الانصار، فاستحث هؤلا الرهط حتى يختاروا رجلا منهم. وقال للمقداد بن الاسود: اذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلا الرهط في بيت حتى يختاروارجلا منهم، وقال لصهيب: صل بالناس ثلاثة ايام، وادخل عليا وعثمان والزبير وسعدا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة ان قدم، واحضر عبداللّه بن عمر، ولا شيء له من الامر، وقم على رؤوسهم، فان اجتمع خمسة ورضوا رجلا وابى واحدفاشدخ راسه او اضرب راسه بالسيف وان اتفق اربعة فرضوا رجلا منهم وابى اثنان، فاضرب رؤوسهما، فان رضي ثلاثة رجلا منهم وثلاثة رجلا منهم، فحكموا عبد اللّه بن عمر، فاي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم، فان لم يرضوا بحكم عبداللّه بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين ان رغبوا عما اجتمع عليه الناس» ((122)).

ثانيها: ان سلطة الخلافة القائمة تمكنت مع مرور الزمن من تعزيز شرعيتها في نظر الناس بفضل بقائها في الحكم مدة كافية، وادارتها الناجحة لشؤونه بصفة عامة من جهة، وبفضل السياسة الصارمة التي اتبعتها في منع تدوين السنة النبوية الشريفة والتشدد في روايتها حتى لا تظهر النصوص الدالة على حق الامام علي (ع) بالخلافة من جهة اخرى.

وبذلك صار من الصعب على الامام (ع) تحدي شرعية تلك السلطة والمجاهرة ببطلان الاساس الذي قامت عليه من خلال رفضه الدخول في عملية الشورى.

ومما يشير الى ما احرزته سلطة الخلافة من نجاح في تعزيز شرعيتها اشتراط عبد الرحمن بن عوف، الذي آل اليه امراختيار الخليفة الجديد بعد عمر في نهاية مباحثات الشورى، على علي (ع) وعثمان العمل وفق سيرة الشيخين لكي يسلم من يقبل منهما بهذا الشرط مقاليد الخلافة ((123))، الامر الذي يدل على ان شرعية خلافة الشيخين اصبحت امرامقررا في اذهان الناس، بل ان خلافتهما اصبحت مثالا يحتذى به.

ثالثها: ان ما تحقق من انجازات في المدة السابقة من عمر الدولة الاسلامية، سوا على صعيد بنائها واستقرارهاالداخلي، واستئصال شافة الشرك والكفر في محيطها العربي القريب من مركزها، ام على صعيد توسع رقعتها الجغرافية وانتشار الاسلام في العالم الخارجي بوساطة الفتوحات التي قامت بها على حساب امبراطوريتي الروم والفرس وديانتيهما الرئيسيتين، النصرانية والمجوسية، ان كل ذلك قد اكد للامام نظرته الاستصلاحية التي بنى عليها سابقا موقفه في مسالمة سلطة الخلافة القائمة واطاعتها ما دامت غير متجاوزة الا على حقه الخاص في الخلافة، وجعله يحرص اكثرمن السابق على تماسك الجبهة الداخلية وعدم تصديعها بنزاع على السلطة يؤثر سلبا على ما تحقق للدولة الاسلامية من مكاسب وانجازات وما ينتظرها من مسؤوليات.

اسلوب الامام في المطالبة بحقه في مباحثات الشورى تلك اذن هي الظروف والاسباب التي جعلت الامام علي (ع) بحسب الوجه الثالث من الوجوه التي سبق ذكرها آيتفاعل مع قرار ادخاله في الشورى، وباتضاحها تتضح ايضا الظروف والاسباب التي جعلته يكتفي في محاججة اهل الشورى بتذكيرهم بالنصوص الواردة بحقه من النبي (ص)، ولا يسلك سبيل الصدام والمواجهة الحدية مع الخليفة الثاني الذي امر بتشكيل الشورى ومجاهرته بعدم شرعية خلافته وخلافة الخليفة الاول الذي سبقه، وبانه هو الامام والخليفة المنصوص عليه من قبل الرسول (ص)، وانه ليست به حاجة الى ان يستخلف من خلال الشورى او غيرها،الذي هو مفاد شبهة المعتزلة الثانية التي اخذها عنهم «الكاتب» وسلف نقل كلامهم فيها، والتي تسالوا فيها عن معنى عدم سلوك الامام علي (ع) هذا السبيل في محاججة الخليفة الثاني واهل الشورى التي شكلها لو كان يعتقد حقابالنص عليه، فان الاسباب التي فرضت عليه ذلك هي التي فرضت عليه الدخول في الشورى في اول الامر.

على ان قول «الكاتب»، في الشبهة الثانية المشار اليها آنفا، ان الامام (ع) اقتصر في محاججته لاهل الشورى بذكر فضائله ودوره في خدمة الاسلام، ولم يشر الى موضوع النص عليه او تعيينه خليفة من بعد الرسول (ص) ينطوي على مغالطة واضحة، لان ما اسماه بالفضائل تبعا للمعتزلة وغيرهم من منظري العقيدة السياسية السنية ليس هو في الواقع الا مانصت عليه النصوص التي يعتقد الشيعة الامامية ان النبي (ص) قد افهم الصحابة بوساطتها النص على امامة علي (ع)وخلافته من بعده. وقد تلطف الامام (ع) في تذكير اهل الشورى بما فهموه من تلك النصوص بذكر بعضها لهم ومناشدتهم اللّه ان يشهدوا له بها ان كانوا سمعوها من النبي (ص) ، ومن تلك النصوص طبقا للرواية المختصرة والمستفيضة التي اعترف بصحتها ابن ابي الحديد المعتزلي ((124)) حديث الغدير «من كنت مولاه فعلي مولاه»، وحديث المنزلة: «انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي»، وحديث «لا يؤدي عني الا انا او رجل مني» الذي قاله النبي (ص) حين ارسل عليا خلف ابي بكر لياخذ منه سورة براة ويبلغها للناس بدلا منه.

فهذه الاحاديث وغيرها، لو لم تكن واردة اصلا في شان الخلافة ولها علاقة وثيقة بها، لما احتج بها الامام (ع) في موقع التشاور حول من يستحق الخلافة ويتولاها! والغريب ان يقول «الكاتب» مع كل ذلك: «ولو كان حديث الغدير يحمل هذا المعنى لاشار الامام الى ذلك، وحاججهم بما هو اقوى من ذكر الفضائل»! فاي اشارة يمكن ان ياتي بها الامام (ع) في مقام اثبات النص عليه من النبي (ص) ابلغ من ذكر الاحاديث التي تضمنت هذا النص ومنها حديث الغدير؟ ام ان الاشارة الى النص لا تكون بنظر «الكاتب» ونظر المعتزلة الا بان يقول لعمر بن الخطاب ولاهل الشورى: انا امام المسلمين ولست انت ولا ابو بكر الذي تقلد الخلافة من قبلك.. وخلافتكما معا باطلة وقد عرفتم النص علي والاشارة الي ولا حاجة لي بان اولى من قبلك او من قبل اهل الشورى! لقد خاطب الامام (ع) قومه وتكلم معهم بلسانهم في صدر القرن الاول الهجري ولم يكلمهم بلسان متكلمي المعتزلة في القرنين الثالث والرابع، فوقت التنظير والتحليل الكلامي لم يكن قد حان بعد. كما ان الامام، من جهة اخرى، لم يكن في موقع المصادمة والمجابهة التي تفضي به الى امتشاق السيف ومقاتلة سلطة الخلافة القائمة وقاعدتها القرشية، كماسبقت الاشارة الى ذلك.

وحقا ان الاحاديث التي احتج بها الامام (ع) قد تضمنت فضائله، ولكنها اية فضائل؟ هل هي مجرد مزايا وخصال مناقبية ذاتية سجلها النبي في اطار المفاخرة والتمجيد الشخصي بابن عمه، وليس لها اي غرض او بعد ديني وسياسي خارج ذلك الاطار، كما يحاول «الكاتب» ان يقول؟ او انها بيان وبلاغ من النبي (ص) للامة بموقع الامام علي (ع) منه ومن رسالته ودوره في الوصاية على هذه الرسالة وقيادة مسيرة الامة وفاقا لها من بعده، كما يقول الشيعة الامامية، وكما بينوه وشرحوه واقاموا الادلة والشواهد عليه؟ ذلك ما نختلف مع «الكاتب» عليه، ولكنه تحاشى ان يتوقف عند نقطة الخلاف هذه ولم يذكر ادلته على ما ارت آه فيهامصادرا بذلك النتيجة من دون ان يكلف نفسه بيان مقدماتها المنطقية.

الامامة ليست وراثة ملكية وتبقى، في نهاية مناقشتنا لهاتين الشبهتين، ملاحظة اخيرة تتعلق بوصف «الكاتب»، في بداية كلامه الذي نقلناه عنه،امامة علي وابنائه (ع) بانها «نظام الوراثة الملكية العمودية في اهل البيت»، فانه من الغريب والمؤسف ان يصدر هذاالخطا من باحث نشا في اوساط الشيعة وقرا كتب علمائهم ودرس آراهم ومعتقداتهم التي يجمعون فيها على ان امامة اهل البيت لم تكن بالقرابة والوراثة ولم يتوارثها الائمة (ع) كما يتوارث ابنا الملوك الحكم عن آبائهم في انظمة الحكم الملكية، وانما كانت بالاصطفا والنص الالهي الموحى به الى النبي (ص) والمبلغ عن طريقه الى الناس تحديدا في علي (ع) واجمالا في الاحد عشر من عترته، ينقل السابق منهم النص على اللاحق ويسميه.

وليس ذلك بدعا في دين الاسلام وانما هي سنة اللّه في انبيائه واوصيائهم السابقين الذين لم يقل احد ان النبوة اوالوصاية استمرت في ابنائهم حسب «نظام الوراثة الملكية العمودية»، وانما استمرت فيهم بالاصطفا الالهي وبالوحي والنص: (ان اللّه اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين × ذرية بعضها من بعض واللّه سميع عليم) آل[عمران: 32 و33].

للبحث صلة

الانحرافات الاربعة كيف ومتى ولماذا اضعنا الطريق (3)المثالية لا الواقعية في تصوير الذات

 
د. حامد العطية

ينطلق هذا البحث من افتراض مفاده ان نظرة العرب الى ذاتهم واسلافهم وتاريخهم يغلب عليها التفاخر الموروث من ايام الجاهلية، وان تقويمهم الذاتي يفتقر احيانا الى الموضوعية، وبالتالي فان هذه النظرة والتقويم اقرب الى المثال، اوالى ما يجب ان يكون عليه منه الى الواقع والحقيقة. ولا يمكن الاعتراض على التفاخر بم آثر الاجداد والمعاصرين،وبخاصة ان تاريخ العرب والمسلمين حافل بالعظما وانجازاتهم الرائعة، ما دام لا يعوق دراسة التاريخ بتجرد كاف يتيح لنا الاستفادة من عبر الماضي ونقد الذات نقدا موضوعيا وبنا لتشخيص مواطن الضعف فيها وازالتها وتطوير النفس والامة. وينصب الاهتمام في هذه الدراسة على تحري هذا الاتجاه وجذوره ومظاهره وآثاره على الفكروالسلوك.

تمجيد الذات: الجذور والمظاهر تبين دراسة تاريخ الشعوب وحضاراتها المختلفة ان تمجيد الذات تقليد متبع من قبل الشعوب بصورة عامة. ويبدو ان البشر يحبذون ان يكون لهم تاريخ مجيد مليء بالانجازات العظيمة والانتصارات الرائعة التي حققها ابطال افذاذ وقادة محنكون ويحرصون على ذلك. ولا تختلف في ذلك الشعوب المتطورة تقنيا واقتصاديا عن القبائل البدائية، ويكاد لايخلو تراث اي امة من اساطير وروايات تاريخية وكتب دينية تشهد على عراقة اصلها وسموه، مثل تحدرها من نسل آلهة او انصاف آلهة او مخلوقات اسطورية او ابطال عظام خارقين، كما تسرد هذه الموروثات وقائع حربية انتصر فيها الابطال الاخيار من هذه الامة على الاشرار المفسدين من اقوام اخرى من الانس او المخلوقات الاخرى. وبالاضافة الى ذلك تحرص الامم على تدوين تواريخها وحفظها، والتذكير بامجادها التليدة مثل الامبراطوريات الواسعة التي حكمتها،وانتصاراتها الحربية، والاستكشافات الجغرافية والاختراعات العلمية التي حققها افرادها. وفي الوقت نفسه فان الصفحات السود في تاريخ الامة غالبا ما تطوى سجلاتها وتهمل، ولا يستغرب ان تطمس او تحرف وقائعها او تنكرحقائقها جملة وتفصيلا، لغرض تبييض تاريخ الامة باكمله. فالاوروبيون، مثلا، لا يزالون ينظرون بايجابية الى الحروب الصليبية على الرغم من اعتراف قلة من المنصفين بينهم بطبيعتها الاستعمارية العدوانية ويصرون على اعتبار ريتشارد«قلب الاسد» بطلا رغم هزيمته، وحتى الوقت الحاضر توجد حوانيت في بريطانيا تحمل اسم «راس المسلم» ژحذحح چزچث حچحب ، كما يحتفل الفرنسيون سنويا بثورتهم ضد الملكية وسقوط الباستيل متناسين دمويتها، ويتفاخرون بحروب نابليون وانتصاراته التي احرقت اخضر اوروبا ويابسها في زمنها، ولم يبدوا حتى الان استعدادا للاعتراف بوحشيتهم وفظائعهم في الجزائر وغيرها من الدول العربية ورغبة في التكفير عنها. واذا كان اليهود قد اجبروا الالمان وغيرهم على دفع تعويضات سخية عن جرائم الحرب العالمية الثانية، فان الاوروبيين والامريكيين لم يقروا بمسؤوليتهم عن الاستعماروالنهب والتخريب وقتل السكان في معظم بلدان العالم، لان ذلك يسود صورهم التي يريدونها ان تكون براقة جذابة ومتحضرة. وللسبب نفسه انزعج العديد من مواطني الولايات المتحدة الاميركية من التغطية الاعلامية الواسعة لفضيحة الرئيس كلنتون النسوية، ليس لانها غير صحيحة او مبالغ فيها، بل لانها تؤذي سمعة امريكا ومواطنيها في الخارج، وهذه الهيبة بالنسبة لهؤلا اهم من معرفة الحقائق واذاعتها، لذا من الافضل برايهم ستر الاحداث والوقائع التي تؤثر عليهاسلبا.

بالاضافة الى عكس صورة ايجابية ومشرقة عن الامة لدى الاخر، يهدف تمجيد الذات الى تنمية الشعور القومي من خلال اثارة مشاعر الفخر والاعجاب بالامة ومنجزاتها الحضارية في نفوس ابنائها، ودفعهم الى بذل الجهود في سبيل رفعتها ورقيها والتصدي لاعدائها. ولكن من الممكن ان ينحدر هذا التمجيد الى درك التعصب والعنصرية، مثل الادعابان الامة هي افضل الامم وان افرادها هم الارقى، والمثال على ذلك مباهاة اليهود بانهم شعب اللّه المختار، الذي فضله على كل الشعوب، وادعا القيادة النازية في المانيا بان العنصر الاري هو ارقى العناصر.

واستخدمت بعض الامم هذه الادعاات في خدمة اهدافها التوسعية والتسلطية، ففي الماضي سوغت الامبراطورية الرومانية احتلالها لمناطق واسعة والتسلط على شعوبها بان نظامها متطور، فيما اعتبرت الشعوب المحكومة متخلفة وبربرية. وفي الوقت الحاضر تضع الولايات المتحدة الاميركية نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية فوق منصة شاهقة، وتمارس الضغوط المباشرة وغير المباشرة على بقية الامم لاجبارها على تقليد نظمها.

عرفت ظاهرة تمجيد الذات لدى العرب منذ العصر الجاهلي، فكان الجاهليون يتفاخرون بقبائلهم واحسابهم وانسابهم وابطالهم وانتصاراتهم، وبالغوا في هذا التفاخر وفي مدح الذات الى حد الاطناب والمبالغة. وعلى الاغلب لم يكن هذاالتفاخر بالنفس والتعالي على الغير ضربا من النرجسية او نزعة الى التكبر بل اسلوب من اساليب التنافس، افرزه التصارع حول وسائل العيش والبقا، والذي كان الشغل الشاغل للقبليين في الجاهلية. نهى الاسلام عن التفاخر بالذات لانه يتناقض ومتطلبات المجتمع الاسلامي المبني على الت آخي والتضامن والتعاون، ولان المطلوب من المسلم المؤمن ان ينبذ التفاخر حتى لا يظن في نفسه الكمال والمثالية، ولا يغتر بعقله او قوته البدنية او انجازاته، ولا تاخذه العزة بالاثم فيعاند ويكابر ويصر على المعصية والذنب. وبدلا من ذلك عليه ان لا يصعر خده للناس، ولا يمشي بطرا، وان يتواضع لربه وللناس، وان يعترف بان ما اوتي من العلم قليل، ليكون ذلك دافعا لاستمراره في التحصيل وطلب المعرفة، وان تكون نفسه لوامة توبخه كلما اقترف معصية، وتحثه على الاعتراف بالخطا وطلب العفو من المسيء اليه، وتصحيح سلوكه وتطوير ذاته.

لكن تمجيد الذات بين العرب استمر حتى وقتنا الحاضر، فالقبلية لم تنته، وظهرت مجالات جديدة للتنافس اذكت هذه الظاهرة، فالتفاخر على غير العرب كان مهما وضروريا للحكام العرب لتسويغ انفرادهم بالسلطة اثنا العهدين الاموي والعباسي، وحتى قريش التي اضطهدت الرسول (ص) وبعض اتباعه واضطرتهم الى الهجرة من مكة، وقتلت منهم الكثير في ايام قلتهم، تفاخرت بعد اسلامها وانتشار الاسلام على القبائل الاخرى بان الرسول (ص) وكبار الصحابة قرشيون. كما اصبح تمجيد الذات والتفاخر وذم المنافسين والخصوم اسلوبا اعلاميا مهما لدى الفرق السياسية والمذاهب الاسلامية، وانتفع من ذلك المختصون في هذا المجال من قادة وفقها وشعرا وادبا وخطبا ودعاة، ولم يراع العديد من هؤلا الصدق والدقة والموضوعية في تصوير الذات والخصوم وتسجيل الوقائع وتحليلها، كما اتجهواالى تبرئة الذات من المسؤولية عن القصور والضعف وتحميلها عوامل وعناصر خارجية من اجل الحفاظ على نقاصورة الذات وبريقها.

وفي الوقت الحاضر، ينتشر بين الكثيرين من القادة والمثقفين وعامة الناس اعتقاد ايديولوجي، غير قابل للمناقشة، بان العرب امة متفردة في عظمتها ورفعتها، وتمتلك جميع المقومات والصفات الدالة على ذلك من فضائل وخصائل حميدة وقدرات خلاقة وابداعية، وهذه الخصائص ليست طارئة او مكتسبة بل هي قديمة قدم الامة، متاصلة ومتجذرة فيها، يتوارثها جيل عن آخر حتى بلغت الاجيال المعاصرة، كما ان هذه الخصائص الحضارية موجودة في الامة امابالفعل واما بالقوة، وقد برزت في صورتها البراقة عندما توفرت الظروف المناسبة لذلك، اثنا العصر العباسي مثلا، ثم جات ازمنة اختفى فيها هذا البريق وبهت الواقع مقارنة بما هو ممكن، وذلك وفقا لهذا الاعتقاد بسبب ظروف وعوامل قاهرة مثل تغلغل الاجانب في صفوف الامة ونجاحها في اضعافها، او تسلطهم على مقاديرها، وهذا التدهوروالانحطاط حالة مؤقتة وطارئة، واثنا تلك الحقب كمنت عظمة الامة تحت السطح، ولكن الحالة السلبية ليست باكثرمن صدا علق على معدن الامة النفيس، وبعد ان تزول عوامل الضعف الطارئة يعود للمعدن النفيس بريقه.

يتفق السلفيون المتدينون مع القوميين حول عظمة الامة العربية، ولكنهم يختلفون معهم حول نقاط جوهرية، فالسلفيون المتدينون يؤكدون ان هذه العظمة لا ينفرد بها العرب، بل يشتركون فيها مع غيرهم من المسلمين، وان كان العرب يحتلون مكانة خاصة بينهم اكرمهم اللّه بها بانزاله القرآن الكريم بلغتهم، واختيار نبيه محمد (ص) منهم، وكون اغلبية الصحابة من العرب، وهم الذين حملوا شرف الرسالة ونشروا الدعوة، ويختلف السلفيون مع القوميين ايضا حول مصدرهذه العظمة، فبينما يؤكد القوميون بانها متاصلة وموجودة بالكامل في الامة نفسها، يعتقد السلفيون بانها مكتسبة من العقيدة الاسلامية والايمان بها، والعمل باحكامها ومن الجهود والتضحيات الرائعة للرعيل الاول من المسلمين اوالسلف. فالعرب قوم جاهلية قبل نزول الوحي، والفضل في تحضرهم ورقيهم المعنوي والمادي يعود الى الاسلام.وبينما يعتقد القوميون بان عظمة الامة موجودة دائما، بالفعل او القوة، يرى السلفيون ان الامة في مرحلة الرسالة والخلافة الراشدية كانت نموذجية او الاقرب الى النموذج والمثال، عندما كان المسلمون متوادين متراحمين متراصي الصفوف، وكان الحكام عادلين، والناس اتقيا ورعين، عاكفين على تادية فروض العبادة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، لذا فان ذلك النموذج هو المثال الذي يقتدى به، والنبراس الذي يقاس عليه مدى تقدم الامة في الازمنة اللاحقة او تاخرها. ويستنتج من هذا ايضا ان التفسيرات والاحكام الشرعية والفقهية التي توصل اليها علما السلف هي افضل مايمكن التوصل اليه واستنباطه، ولن يستطيع الخلف مهما اوتوا من علم ومعرفة وتوفيق ان يزيدوا عليها ويحسنوا فيها،وحسبهم ان يتعلموا من اولئك السلف احكام دينهم، ويقلدوا طريقة تفكيرهم، ويتبعوا منهجهم وسلوكهم، وكلمااقتربت الامة من ذلك النموذج كلما قويت فيها الصفات الايجابية، وازدادت توفيقا ورفعة وسؤددا، مع الاخذ بعين الاعتبار بانها لن تبلغ تلك القمة والصورة النموذجية لمجتمع تلك الحقبة من الزمن واهلها.

لا يتطابق تحليلا القوميين والسلفيين حول اسباب تدهور الامة تماما، فالقوميون يحملون، عادة، الاعدا الخارجيين وعناصر التخريب في الداخل المسؤولية عن اعاقة مسيرة الامة وافشال محاولاتها في بلوغ كامل عظمتها ورفعتها،ويتفق معهم السلفيون في اتهام المندسين بين صفوف المسلمين باضعاف الامة، ولكنهم يعزون ذلك مباشرة الى ضعف الالتزام بالشريعة واحكامها.

صورة الذات المثالية لدى القوميين