(كنتم خير امة اخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن
المنكر) لاحظ! لا من موقع الايمان، ولكن من موقع
«الامربالمعروف والنهي عن المنكر»، وبعدها «وتؤمنون باللّه». ((265))
غيض من فيض وقليل من كثير لا نريد الاستشهاد به ومما
يعرفه الاستاذ حرب قبل غيره، ومما دفع النبي ضريبة «فتحه»
آمن فتح الفتوح المارة الذكر جوعا ومطاردة وحذفا واقصا
وشطبا ومحاولات قتل وتصفية وابعاد واستبعاد، وهوالصادق
الامين قبل النبوة، والمستقيم الرؤوف بعدها بعد ان ملك
الملك بل لم يمارس الملك حسب معنى المعنى عند حرب
الا ضد اولئك الذين عملوا على تمييع تلك النصوص او اجهاض
محاولات تطبيقها على ارض الواقع،فسادا او افسادا، هوى
و«بربرية»، «توحشا» و«شرنقة»، «انغلاقا» و«جاهلية»، «دوغمائية»
و «اصطفا» وكل ما حاربه حرب اودعا ويدعو الى محاربته اليوم
وبعد اليوم ان شا اللّه..
اما دعوته الناس لطاعته وسعيه لاخضاعهم وحملهم على
التسليم، والالتزام وتجييش الجيوش لذلك، ووو...
واعجابه بالنسا والطيب، و.. و... لم تكن الا لتفعيل تلك المبادى
ومحاربة تلك البربرية او ترويضها، وممارسة تلك
«المتعة»المعرفية والعملانية، هذا، ان كانت متعة فعلا، ولم تكن
رسالة وهدفا ودعوة وفهما ونظرية ورؤية تستحق التقدير
اكثرمما تستحق التعريض، ثم التعريض المختفي ورا
الزمخشري، والمستتر خلف الماوردي.. ((266)).
وبعد الانجرار الى هذا المازق الذي صنعه الاستاذ حرب لنفسه
مع الاسف، وتشرنق فيه، في قراته العاجلة للنبوات،وكيف انها
انتجت بولس الرسول «لاهوت للسيطرة» ، (حسب تعبيره)
وانتجت واقعا من ظواهر، ان خلفا محمد هم «اول من خرج
على شريعته وظلم اهل بيته» ((267)) من دون استنطاق او
قراة اهل البيت انفسهم الذين تم الخروج عليهم فعلا، وهل
يمكن حسابهم او احتسابهم في صف «المرتكز» الذي حاول
حرب تجاهله، او «الترجمة» التي حاول تسفيهها، او «الاصل»
الذي حاول نسفه!! ((268)).
اي هل من الانصاف ان يحمل غارودي جريرة «تهويماته او
هواماته» في هذه التجربة، فيقال عنها: «انها لم تترجم في
يوم من الايام» او «انها صورة مفبركة لا مرتكز لها في التاريخ، ولا
واقع في الامر، ولا الاصول ولا الفروع...»!!
اليس خطا او شطحة من شطحات علي حرب وهو يستحضر
جانبا من جوانب النبي على فرض صحته ويستبعد
جانباآخر، وهو القائل:
«ليس الخطا مجرد نقيض للصواب، بل هو ما يسكت عنه
الخطاب، او يستبعده او يهمشه..» ((269)) مقترح جيد، ولكن!
اقول: بعد هذا الانحياز او الازاحة او الانزياح، يقدم الاستاذ علي
حرب المقترح العلمي الاتي:
«الاجدى ان يعيد النظر في التعامل مع الاصول والنماذج،
بحيث نقراها قراة جديدة لا تقوم على نفيها والقفز فوقها،
اذذلك جهل وعبث، ولكن لا تقوم في المقابل على استعادتها
والتماهي معها، اذ ذلك وهم وخداع..» ((270)).
ولكن كيف؟! هذا ما لم يوضحه الاستاذ حرب، وهو يضع نفسه
مع الصف الذي يدين «التحامل والتخوين والادانة والالغا»
مشكورا طبعا وينسى في خضم «لعبته» وتحامله هو وتخوينه
وادانته والغائه لتجربة النبوات وترجمتها،فيتحرق مخلصا
وصادقا طبعا على «جحيم الحرب في افغانستان» و«ذبح الكتاب
في الجزائر» و«تطليق» او محاكمة ابي زيد، وازمات طه حسين
وفرج فودة ونجيب محفوظ، ولكنه ينسى في حماة تحرقه ايضا
والمه انه لم يقف على الارض التي كان رجالها هم السبب في
جميع تلك المذابح والمحارق والمحاكم، لا سيما حين راحوا
يمارسون «اللاهوت الديني» الذي جهل او يجهل استقلاليته،
وجحد او يجحد «دهريته ودنيويته»، لا سيما حين يسفهون
عقائد الناس الاخرين «بلاهوتية» مفرطة في «القطع والبت»،
وينسفون لا معقول الاخرين ايضا الذي يستحيل التخلص منه،
كما يرى حرب، بلا معقولهم هم الدوغمائي الاحادي المغلق،
فينسون قولتهم «العظيمة»: «لا يخلو عقل من لا معقوله»
((271)) وهم
لا يفتاوون، في كل هذا التسفيه والشطب والالغا
والتهميش للاخر، يرددون ما يردده حرب دائما:
«ان النقد فاعلية فكرية وممارسة وجودية، وليس انشغالا
بالادانة والتجريح، او تلهيا بالثنا والمديح..» ((272)).
هل التسوية مستحيلة فعلا؟
هذا من جانب، ومن جانب آخر، اذا كان الاستاذ علي حرب
يستكثر على «ابو زيد» مثلا خطابه او خطاب الدفاع عنه
«بانه مؤمن مسلم لا شك في ايمانه واسلامه»، لانه، حسب
تعبيره بهذا الخطاب «يناهض الاصولية ولكنه يقف على
ارضها»،ويؤكد ان ذلك «سذاجة وخداع للذات والاخر وتضليل»،
فكيف يستطيع هو نفسه ان يكون غير ذلك؟ اي «لا لاهوتيا»
او«تنويريا» حسب زعمه، وهو لا يفتا يكرر: «ان الاسلاميين قوى
خرافة واساطير وتهويمات»!
بكلمة اخرى: كيف يمكن ان يتحرر من «لاهوتيته واهوائه»، وهو
يدين الاخرين ب «لاهوتيتهم»؟! وانهم «قوى الخرافة والاسطورة
وقتل العقل»، ويزعم انه ومن يقف على ارضه «العملانيين
العقلانيين المتنورين» الذين يقفون مع «قوى التقدم والعقل
والحرية»!
فهل بعد هذا التجريح تجريح؟! وهل بعد هذا الثنا والمديح، ثنا
ومديح؟!
وبشكل اقسى واوضح: كيف يمكن ان نخرج من هذا المازق
الذي اوقع علي حرب نفسه فيه، واوقعنا معه (المازق اللاهوتي
الوحداني الدوغمائي بكلا بعديه الديني والالحادي) ، وبخاصة
حين راح يقول وبضرس قاطع:
«ان محاولة تاويل الدين واستخدامه من قبل العلمانيين لا
تخدم الا اهله ((273))، اي الجماعات الاسلامية، وبالتالي
فان التسوية مع المؤسسة الدينية مستحيلة الا اذا غلبت على
امرها، كما حصل للكنيسة في الغرب... اي ما دامت
تمارس السلطة والعمل التاريخي باسم الغائب المقدس، وتتستر
على دنيويتها وجحد دهريتها..» ((274)).
اقول: اذا «قطع» حرب باستحالة التسوية، و«بت» بدنيوية الاخر
ودهريته، ودعا الى استبعاده وتهميشه، ان لم نقل
تهشيمه(غلبت على امرها)، فكيف يمكن ان ينتظر من الاخر
القبول به وبنقده ونصه وغائبه المقدس الذي يؤكد «انه من
قوى العقل والحرية» فيما صاحبه الاخر «من قوى الخرافة
والاسطورة»؟!
اليس هذا «شرنقة عقائدية» حسب تعبير الاستاذ علي حرب؟
ولاهوتية مفرطة تنسى عقل لا معقولها اثنا مخاتلة
الذات بالكلام؟!
اننا تماما مع الاستاذ «علي حرب» في رفض اية وصاية دينية
لاهوتية او علمانية «لاهوتية»، كما اننا ضد اية مرجعية
عقدية سلطوية، دينية او تنويرية، «فالحجة تقارع بالحجة،
والمنطق يجابه بالمنطق، وعقلانية تخترق عقلانية اخرى
بقوة مفاهيمها وفاعلية نماذجها او مصداقية مناهجها»
. ((275))
ومن هنا ايضا، وكما يقول حرب:
«لا احد اولى بالايمان من احد»، ولكن في الوقت نفسه لا احد
اولى «بالجحود» من احد، فكما يختلط الايمان والجحود،والتقى
والفجور والاسلام والزندقة حسب تعبيرات حرب طبعا،
ونصوصه وهي فعلا كذلك ((276)) وكما لا يحق لسدنة
الايمان تكفير غيرهم بعدم الايمان بدينهم، لا يحق لسدنة
الكفر تكفير غيرهم بعدم الايمان بدينهم، ما دام كل ناسوتي
لاهوتي وكل لاهوتي ناسوتي في دوغمائية البت والقطع،
وجزمية لا معقولية العقل، كما يقول حرب طبعا،وكما هو فعلا
من التنقيب خلف المختفي ورا النص، ومستنداته السرية..
نقول: لا يحق لاحد تكفير الاخر في دينه، لان الدين هنا هو
المختفي ورا النص فعلا وليس المخاتل به، او المتماهى معه،
اي «لكم دينكم ولي ديني»، وهذا ما اكده اللاهوت الحقيقي في
قوله تعالى: (قل يا ايها الكافرون، لا اعبد ماتعبدون، ولا انتم
عابدون ما اعبد، ولا انا عابد ما عبدتم، ولا انتم عابدون ما اعبد،
لكم دينكم ولي دين) [الكافرون: 1 آ6].
وحين يتحقق ذلك تصبح التسوية غير مستحيلة لا من منطلق
ان يؤمن واحد بالاخر، وانما تمثل ذلك او التوفر عليه، اومحاولة
الاقتراب بالوقوف على ارض مشتركة او حدود مشتركة يمكن
بعدها او عندها الحديث عن الافضل وليس الاصح مثلا، اي
«الايمان بالخالق العظيم، ام الانفجار الكبير» ((277)).
وبعبارة ادق «الايمان باللّه ام الايمان بالايمان باللّه»، حسب تعبير
الدكتور علي الوردي المعروف، اي ايهما افضل قيادة الناس
وجرهم الى الكفر باللّه وجحوده، ام قيادتهم واستدراجهم الى
الايمان به واعتناق حبه..
وبتعبير آخر، وكما يريد الاستاذ حرب، وبما ان «الانسان
العقائدي» ليس هو الحل المنشود «فلنسع الى ابتكار
شعاراقل نرجسية واكثر تواضعا، او اقل عقائدية واكثر عملانية»
((278)) قد يتسع لنا وله وللاخرين بلا ادانة او تجريح او
«تله بالثنا».
ولكني هنا، اتسال، واتسال فقط: كيف يمكن المراهنة على
انسان «اكثر عملانية» اكثر من الرهان على انسان
«اكثرعقائدية»!؟ وبخاصة اذا اتفقنا ان العقائدية «السليمة طبعا»
تنضح عملا، فيما العملانية الخالية من العقائدية اقل نضوحااو
نضحا بهذه العملانية؟! لان العقائدية تمنح عملا واملا فيما لا
تمنح العملانية الا العمل. . وعمل وامل افضل من عمل بلا امل،
اليس كذلك؟
هذا اولا، وثانيا، ايهما افضل للابداع، الانسان العقائدي المطعم
بالعملانية، ام الانسان العملاني المطعم بالعقائدية، ام كلاهما؟! اظن لا فرق، لان
كلاهما الانمودج الافضل بلا بتر او اجتراح او جدع اولي او طي، او او او... مخاتلة او تماه اومماهاة!!
واظن ايضا ان التسوية الممكنة وغير المستحيلة هي اعتراف
الواحد بالاخر، وعدم ممارسة الشطب او الحذف اوالزحزحة،
عفوا والازاحة «لان الزحزحة لابد منها كما يرى الاستاذ حرب
ونرى ايضا» ولا باي شكل من الاشكال، لا في النص، ولا في
معنى النص، ولا في نقد النص ولا في «مفهوم النص»، ولا
بالمختبى خلف النص الملتف فيه او المتماهي معه... ولعل
الجزء الاهم في هذا التساؤل هو العودة الى عقائدية «الخالق
العظيم» اكثر منه الى «عقائدية» «الانفجارالكبير».
بكلمة اخرى، اننا لسنا مع علي حرب حين يقول:
«الدين ليس اداة تحرير بقدر ما هو دعوة الى الخضوع والطاعة
للّه وللرسول ولاولي الامر» ((279)) من دون دراسة هذاالنص، اي فلسفة
الطاعة لهؤلا، ونقدها ومعرفة «مستنداتها واسرارها»، ومن دون اتمام الاية (فان
تنازعتم في شيء...)اي من دون
قراة هذا النص وهذا النص فقط من قبل ناقدنا الكبير مع
الاسف، واخيرا الحكم عليه من ظاهره، وليس المختبى وراه او المتعسف فيه، والوقوف في
الصف المقابل (صف العقل والنور والتنور والتنوير)، وربما التنور، لاندري...!!
ونقول: التنور، لان لكل شيء حدا، ولكل معقول لا معقول،
وبالتالي فلا بد من الاتفاق على حد معقول فيه الحد الاقل من
«اللامعقول» خشية الاندياح مع اللامعقول تحت شعار المعقول
وخشية الياس من عدم القدرة على ادراك «الحقيقة»بلام
التعريف، اي المعرفة باللام.
ولسنا كذلك مع الذين يقولون:
«الاسلام هو الحل»، ولكنهم يمارسون ما لا يريده الاسلام نفسه
ولا يقره وان قرره، ويفترضون بل يفرضون وصايتهم
على الاخرين لا من موقعهم المعرفي او الواقعي او العملاني او
النبوي او القرآني او الاسلامي ((280)) وانما من
موقعهم السلطوي السياسي اللاهوتي الدوغمائي، ويوحون
للاخرين انهم يستمدون شرعيتهم من «حقيقة متعالية» هي
في الحقيقة حقيقتهم هم او «حقيقتهم» المتوحشة البربرية
العنيفة التي تشطب وتحذف وتزيح وتزحزح، اي لا
تكتفي بالتزحزح وانما بالازاحة والاقصا وبشكل لا يقل دموية
احيانا عن الاخر ان لم نقل اكثر منه في بعض
المقاطع والاحيان.
القضية باختصار: ان «البعض» هم فعلا، او يمثلون «قوى الخرافة
والاسطورة وقتل العقل» و«البعض الاخر»، يمثلون او هم فعلا
«يخاتلون الذات بالكلام» ويمارسون لا معقولهم كالمعقول
تماما، فيما هم يقولون: «لا يخلو عقل من لا معقوله»((281))،
واذا قيض لهم لا نقول انفعالا اذا لم يغلبوا على امرهم
فانهم يذبحون الاسلاميين في الجزائر كما تذبح الطيور وقد
فعلوها فياتي رد الفعل ان يذبح الاسلاميون «الكتاب» كما
تذبح الخراف، وهذا على سبيل المثال لا الحصر طبعا،ولا
للاستعدا او الاستقوا، او ما صار او ما هو صائر حتى كتابة هذه
السطور.. بلا مزاعم (ديمقراطية) او ادعاات رحمانية او
تهويمات «حربية» ((282))!!! او دعاوى امريكية او امبريالية او
غير امبريالية!
الثورة الحقيقية فعلا كما يقول حرب «هي الانتصار على
الذات» ((283)) وعدم مخاتلة الذات بالكلام نعم حتى
بالكلام فرب شرارة احرقت سهلا ورب كلمة اشعلت حربا،
ولعل اول خطوة على الطريق السليم، وكما يقول الاستاذ
حرب ايضا وبلا تحفظ:
«ان نعيد النظر في ترسانتنا الفكرية، فلا يجدي نفعا ان نفكر
بعقلية الرسالات القديمة ولا بعقلية الادلوجات الحديثة،لعلنا
نحتاج الى نمط جديد من التفكير، بل الى تعامل جديد مع
الفكر والواقع في آن» ((284))، لكن كيف؟!
هذا هو ما تركه علي حرب، ونترك بابه مفتوحا ايضا، لعلنا
نهتدي الى كوة او نافذة، قد ينفتح لنا منها ثقب صغير،
لاضاة هذا النفق المظلم المسدود، وربما سنعثر على هذا
الثقب او عود الثقاب في استكمال هذا الحديث، وفي
الكلمة الاخيرة التالية...
ازمة الاستاذ علي حرب كلمة اخيرة
يمكن ان تكون ازمة الاستاذ علي حرب، في قراته للنصوص،
ناشئة من ازمته السياسية قبل الفكرية، وان كان هذاالمعنى
مختفيا تماما ومستترا ويحاول حرب وضعه في مدار بعيد
وبعيد جدا عن هذا الفهم، ويمكن ان تكون ازمته ناشئة ايضا عن
مسالة نفسية او فلسفية من غير السهل تفكيكها او الاعتراف
بها، لانه يظهر او هكذا يظهر نفسه (في نصوصه) انه فوق
الازمات وفوق التحديات واعصى على الضعف واقوى على
الاعتراف بحقيقة، لابد له من ان يضع لها«لام التعريف» او
يكتبها «بالخط العريض»... لكي ينسجم مع نفسه ونصوصه
واطروحاته..
احاول تلخيص هذه الازمة بسطور مقتضبة ومضغوطة جدا،
وارجو الا تاتي مبتسرة او متعالية او جازمة او «امبريالية»
اوقاطعة.
في نقده ل «غارودي» مثلا الذي اكد «بعد استلابه او ارتداده»
طبعا ان البدايات كانت عظيمة ولكن التشويه او التحريف جاا
كبيرين جسيمين بعدئذ، يرى علي حرب ان هذا الفصل
«المتعسف» بين البدايات والنهايات، او بين الاصل النقي
آالمزعوم برايه طبعا ونسخه المزيفة يفضي الى الاستبعاد
والالغا، اي الغا حقائق التاريخ واستبعاد المختلف
المغايرويؤكد انه لا اصل، ولا نقاوة ولا صفا ولا اصطفا ولابداية
عظيمة ولا نسخ مزيفة ولا نص اصيل ولا نبوة عظيمة
ولاحقيقة متعالية ولا هم يحزنون، وان ذلك كله تحميل
وتاويل، ونسخ وتزييف، ولعب بالنصوص، وتوظيف للمعنى،
و...و...
ويقول بالحرف الواحد: ان «م آل الفصل بين البدايات العظيمة
والنهايات الكارثية: يفضي الى او يراد منه «الدفاع عن اساطير
الاولين لادانة اساطير المحدثين، والتستر على المشكلات
اللاهوتية بادانة الممارسات البشرية... انه استبعادالاشكال
الاعظم من دائرة الضوء..».
ولا يتردد في تعريف هذا الاشكال الاعظم او توصيفه بقوله:
«ان هذا الاشكال يتمثل في محنة المعنى باشكاله الدينية
الثلاثة وتاويلاته اللاهوتية المختلفة: الاله الذي يختار
شعبامعينا يعتبره شعبه المختار جاي اله موسى وشعبه ج،
والاله الذي يتجسد ويولد ثم يصلب ويبعث جاي اله
عيسى وقومه ج، والاله الذي يخلق انسانا يعلم انه يسفك الدما
ويفسد في الارض لكي يضعه موضع الامتحان والبلا..» [اي اله
((285)) وامته، ناسفا الاديان الثلاثة طبعا اليهودية
محمد
والمسيحية والاسلام، غير هياب ولا متحفظ الاباضافة
عبارة اخرى في الهامش عل ق فيها على هذه الاشكالات
الفضائح (اشكالاته هو طبعا) هي:
«هذه الاشكالات اشبه بفضائح او مفارقات لاهوتية ثلاثة». وحين
تشتد ازمته «السياسية» والفكرية والروحية يروح يؤكدفي
الهامش طبعا: «... وعلى كل حال، فان تاريخ الفكر (لاحظ) كما
يكشف عنه نقده، هو تاريخ المفارقات والفضائح،سوا على
جبهة الدين او جبهة الفلسفة..» ((286)).
وبعد ذلك مباشرة، ينزلق انزلاقة واضحة، فيزيح معنى ويضع
معنى آخر، متحاملا على ما اسماه «تهويمات غارودي الروحانية»
التي تحدثت عن «الاله الذي صار انسانا» لكي «يصير الانسان
الها» فيقول: «انها خديعة الانسان لنفسه عن مصدره وم آله
الالهي، او عن حقيقته وماهيته المتعالية».
ويضيف: «وهذه الخديعة لم تخفف يوما من وحشية الانسان
على امتداد تاريخه الحضاري ومسيرته التقدمية» ((287)).
وينزلق اكثر بعد عدة صفحات قائلا:
«فغارودي الذي يعتبر القرآن كتابه ومرجعه يحدثنا عن شريعة
الهية واحدة وعن اديان متعددة، فيما الاية القرآنية تؤكدوتجزم
(ان الدين عند اللّه الاسلام)»، متغافلا وفي هذه المرة فقط
كما مر ذكره عن دلالة كلمة «الاسلام» هذه او
مدلولها،ومتعمدا عدم استنطاقها او هتكها او فضح مكتومها،
وهو صاحب النقد والهتك والنقد والاستنطاق، بل صاحب
القولة الشهيرة المارة الذكر: «القرآن تقرا فيه كل الشرائع
والعقائد ويستغرق في مفهومه ومعناه الاسلام نفسه». ومن هنا
قال اويقول دائما: «ان النص يخفي استراتيجيته ولا يفضي بكل
مدلولاته، ولهذا فانا اذهب والقول له طبعا الى ان قوة
كل نص هي في حجبه ومخاتلته، لا في افصاحه وبيانه، في
اشتباهه والتباسه لا في احكامه او احكامه، في تباينه واختلافه لا
في وحدته وتجانسه..» ((288)).
ولا نظنه هنا لا يعرف كلمة «الاسلام» تشقيقا واشتقاقا، ملفوظا
ومنطوقا، دلالة ومدلولا وبنص القرآن ايضا
وتصريحاته وفصاحته، لا بمخاتلته او حجبه او «تهويماته» او
تمويهاته:
(ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما..)
[آل عمران: 67].
(يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون
والاحبار..) [المائدة: 44].
(قالوا آمنا باللّه وما انزل علينا وما انزل على ابراهيم واسماعيل
واسحاق ويعقوب والاسباط وما اوتي موسى وعيسى والنبيون
من ربهم لا نفرق بين احد منهم ونحن له مسلمون) [آل
عمران: 84].
وعلى لسان ابراهيم: (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا امة
مسلمة لك... وتب علينا انك انت التواب الرحيم)[البقرة: 128].
واخيرا وليس آخرا: (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين)
[الحجر: 2].
وهذا يعني ان «الاسلام» استوعب جميع «العقائد والشرائع» في
دلالته ومدلوله، واتسع في كتابه و«فضائه الدلالي»،لجميع
المعاني والخطوط العريضة للعقائد.
اللهم الا في الشروح والشروح على الشروح، اي في التفصيلات
والتاولات والتاويلات التي يعشقها علي حرب ويتمتع باللعب
على نصوصها، لانها في ابسط التفسيرات واكثرها سذاجة،
اختلاف، والاختلاف حوار، والحوار نقد، والنقدتكامل، والتكامل
رحلة ممتعة، وكلام ممتع ربما اعذب من التكامل نفسه كما
يقول هو نفسه، ويؤكد في كتبه العديدة.
اقول: ان الاستاذ حرب المتخصص بنقد النصوص واللعب بها
وعليها واكتناه مكنوناتها وهتك استارها، لم يتكلف هذه المرة
ممارسة لعبته العظيمة في استنطاق كلمة «الاسلام» وكشف
حجبها وحجاباتها، فنراه مع الاسف يخبط خبط عشوافي عدم
توقفه او تامله «لشعب اللّه المختار» الذي هو ربما كل شعب او
امة سلكت طريق «العدل والاحسان» بلا ماض ولاتاريخ ولا
مستقبل، وان عنت شعبا معينا. في تاريخ معين وحقبة زمنية
معينة، لتقريب المعنى وتوضيح الدلالة ووصف المدلول، لان
هذا الشعب نفسه وبنص القرآن ايضا، وبعد ان زاغ وانحرف، با
بغضب من اللّه وحلت عليه لعنات السما:
(.. قال اتستبدلون الذي ادنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فان
لكم ما سالتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباوابغضب من
اللّه ذلك بانهم كانوا يكفرون ب آيات اللّه ويقتلون النبيين بغير
الحق..) [البقرة: 61].
اما الاله الثاني الذي يتجسد ويولد ثم يصلب ويبعث، فلم يفرق
حرب عند «استنطاقه» بين النص والمعنى ومعنى المعنى
والمختبى ورا المعنى، المستتر به، ولا بين لاهوته وناسوته
الذي نراه ضليعا تماما بتاويله وتوجيهه، لو شا،وليس المرور
عليه بهذه الجدحة او الشرارة او قل «الادانة الصارخة والتجريح
الفاضح»، كما لا نظنه يجهل «تهويمات»بعض اهل العرفان في
جميع الاديان وتوحيدهم وتثليثهم وثنائيتهم او تثنيتهم
المعروفة وشطحاتهم «الجميلة»:
انا من اهوى ومن اهوى انا
نحن روحان حللنا بدنا
فاذا احببته احببتني
واذا احببتني احببتنا
او الاخرى:
مزجت روحك في روحي كما تمزج الخمرة بالما الزلال فاذا مسك شيء مسني
فاذا انت انا في كل حال
ولا اراه ايضا عاجزا عن استنطاق النص الاخر الثالث والتنقيب
في حفرياته والاشتغال على رمزيته، ولماذا خلق «الاله الثالث»
انسانا يعلم انه مفسد وسفاك (عدا الاستاذ حرب طبعا الفرع لا
الشخص) وهل يمكن ان يسعد حرب بغير فهم الاضداد والتمتع
بكشفها «فالضد يكشفه زيفه الضد»، والاستئناس بجمال الكلام
عنها وهو الذي يؤكد غير مرة ان الكلام عن حدث معين احيانا
اجمل من الحدث نفسه، او كما قال بالنص:
«الكلام الجميل عن الحياة يصبح اجمل من الحياة نفسها وربما
بديلا عنها» ((289)) وانه «ليس هناك اروع وامتع من ان
يقع الانسان تحت تاثير امراة تفتنه ويمارس سلطانه عليها»
. ((290))
واكثر من ذلك، وكما يقول ايضا: «لا شيء يعوضك عن التنزه
مع امراة جميلة» ((291)).
ولكن هذا الانسان او «امراته» نفسه هو السفاك القاتل الذي
«احتج» حرب على «الاله» الذي خلقه، وعرض به وبخالقه،ناسيا
او متناسيا ان جمال المراة التي فتنته وسحر بها ما كان يمكن
ان يكون او يعرف لولا قبح الاخرى، وان متعة التنزه معها ما كان
يمكن تذوقه لولا جمالها الساحر المنبعث من قبح الاخرى
السافر:
فلولا القبح ما عرف الجمال ولولا النقص ما عرف الكمال وهذا واضح طبعا، اي تسطيح
المسالة او تبسيطها، لو كانت جميع النسا جميلات لضاع الجمال او لما بقي شيء
اسمه «جمال». ولولا متعة هذا الجمال لما كان هذا السفاك
المفسد «الممتحن المبتلى» هو نفسه المتمتع المتنزه
المفتون بالمراة وجمالها وسحرها الذي يقدم كتابه المهم
لفاتنته ويهديه لها وباسمها وبالنص والحرف:
«الى فاتنة،
بجهدك اكتب وفي مدارك اقع
الى ماهر وعامر،
لكما اكون واليكما اتطلع»!!
فهلا يعرف الاستاذ حرب انه بصراع الاضداد هذا صار طعم
الكمال لذيذا، ومن قبح الدنيا ومساوى اهلها صار الهيام بالاخرة
عذبا، بل لولاها ما كان للاخرة معنى او لا يكون، كما لولا القبح
ما صار للجمال معنى، ولولا النقص ما صارللكمال معنى «بل ما
صار له نص»، ولولا النصوص ما صار للعب عليها وبها متعة، اي
ما صار لها جمال او كمال او لهو اواشتغال او انس او فتنة او
افتتان او تطلع او سحر..
وبكلمة: لولا التدافع ((292)) لصارت الدنيا بائرة فاترة، والاخرة
صمت ومقبرة او بالعكس، ولما عشنا الامل ولا عرفناالعمل، ولا
تذوقنا طعم الكلام الجميل عن الحياة الذي هو «اجمل منها بل
بديل عنها»..
نعم، وباختصار شديد، هل بغير دنيا مرة نعشق آخرة حلوة، وهل
بغير قبيحة نحب جميلة؟ وهل بغير آخرة نفهم دنيا؟هل بغير
«يزيد» نتصور «حسينا»؟ وهل من دون وضاعة ابي لهب ندرك
عظمة محمد، او قل هل بغير النفرة من خسة الاول يمكن
الاستمتاع بنكهة عظمة الثاني؟! (الاخر..).. وهل وهل وهل..
اذن، لو لم يكن الذي كان، لما صار الذي صار، اي لما صار هذا
الحديث جميلا، ولما مارس الاستاذ حرب الكتابة هواية ومتعة
((293))، ولما تطلع الى «فاتنة ودار في مدارها»، ولما
ولعبة
استمتع بالتنقيب عن «حفريات» حسن حنفي و«تهويمات»
غارودي، و«لاهوتية» جلال العظم، و«ناسوتية» حامد ابو زيد
بل «لاهوتيته» هو الاخر ولما استانس بنقدعلاقة الجابري مع
غيبه، و«انفلات» اراكون و«ميوعته»، وقوقعة الصادق النيهوم
واصوليته، وعرفانية محمد عمارة ومخاتلته، وعقلانية ديكارت
البسيطة الاحادية الجانب واستبدالاته و و و... ما لا عد له ولا
حصر..
ولما كتبت انا هذا الموضوع الذي ارجو ثوابه والذي اتمنى
ان يمارس (حرب) عليه لعبته ومتعته وشغله مرة اخرى،لعلنا
نتكامل او نلتقي في يوم هو آت.. اقل روعة فيه «اجر غير
ممنون»، كما يقول القرآن الكريم، وانهم «غير ممنون» هنا:بلا
منة، وليس فقط «غير مقطوع»، كما يقول المفسرون. واقل
عتاب فيه: «اقرا كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا»!!
ولا اقل «بحكم اللّه بيننا وبين عرب» في مشهد اخير، يقول فيه
حاديه:
(ان ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون)
[السجدة: 25] او (ان اللّه مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه
تختلفون) [المائدة: 48].
وبكلمات حرب نفسها ونصوصه ومعانيه وعمقه وسحر كلماته:
«وما دام الاختلاف آية من آيات الخلق، فعلينا ان نعترف بحق
الاخر، اذا اردنا ادراك الحقيقة وبلوغ الوحدة. ..» ((294)).
نعم «المطلوب عقل المختلف لا نبذه او اقصاؤه او تصفيته او
ابادته» ((295)).
والمطلوب ايضا وحسب حرب ايضا:
«مجاهدة للنفس، ووعيا مضادا للذات، وتلك هي ثورة الحق»
((296))، فهل سنكون مع حرب «اكثر انفتاحا ومرونة
تجعلنااقدر على استيعاب الاختلاف والتنوع وعلى اكتشاف
غنى النص واتساعه..» باعتباره «فضا دلاليا»، ام ترانا
«امبرياليين» لانعرف الا وجها واحدا، ووجها قبيحا جدا، يسفك
الدما ويفسد في الارض؟! فيما «حرب» ونحن والاخر جميعا
نؤكددائما وابدا «الضد يظهر حسنه الضد.. وبضدها تتميز
الاشيا»؟
نعم.. واخيرا وليس آخرا، وكما يقول حرب:
«الاختلاف آية من آيات الخلق وطريق الى النشوء والارتقا،
وسبيل الى التجدد واداة للتعارف وباعث على العجب والدهشة.
فلو لم يختلف الخلق عن الحق لما عرف الحق. ولو لم تتميز
الاشيا بعضها عن بعض لما كان ثمة امكان لمعرفة اي شيء،
ولحل العما. ولو لم تتبدل الاشيا وتتباين لما كان ثمة تجديد
وتطور. ولو لم يختلف الناس بعضهم عن بعض لما تعارفوا، ولما
عرفوا انفسهم اذن، ولولا اختلاف المراتب والدرجات لما انتظم
امر، ولسادت الفوضى، ولولم تختلف الذكورة عن الانوثة
لانتفت الغرابة والدهشة ولحلت البلادة والتفاهة، ولو لم
تختلف الارا والعقول لسيطرالجمود وحل الاستبداد» ((297))
ولولا الشك لما عرف اليقين، بل بالشك عرف اليقين..
(ولولا دفع اللّه الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن اللّه
ذو فضل على العالمين) [البقرة: 251].
فالاختلاف حسب حرب ايضا هو مولد المعنى وهو ايضا
رحمة» ((298)).. والاختلاف عند نبينا «رحمة» اختلاف امتي
رحمة .. وبالتالي. . فلا تهويمات «غارودية» ولا «هوامات»
قرآنية، ولا «اشكالات» او «فضائح» دينية ولابدايات لاتختلف عن
نهايات، ولا اصول او نصوص «حربية» لها معنى واحد لا غيره،
كل واحد يجد شيئا يفتقده الاخر، وكل واحديدرك شيئا وتغيب
عنه اشيا، ويبقى «فوق كل ذي علم عليم»، «واللّه اعلم» وهو
«احكم الحاكمين»، وبلا تحامل اوتحميل او تمحل او تنطع او
مخاتلة او لعب او لف او دوران او احتكار «ايمان» او «استعدا»
كفر او استقوا ب «لاهوت»على ناسوت او ناسوت على لاهوت
وبلا اختفا ورا «لام للتعريف» صارت وراها «لامات» او
موضوعية مزعومة جرت خلفها «موضوعات» لا موضوعيات...!
وكلمة اخيرة وكما يقول حرب ايضا:
«الماركسية لم تسقط لانها مادية تاريخية واقعية جدلية، بل
على العكس من ذلك، انها سقطت لانها مثالية لاهوتية
غيبية طوباوية..» ((299)).
وهكذا مع ناقدنا الكبير وحقيقته ونصه، ونقده للنص ونقده
للحقيقة ونقده للنقد (اي نقد نقد الاخرين).. وكما بدانانعود.. تهافت الفلاسفة.. وتهافت التهافت، وتهافت «تهافت التهافت» وهكذا دواليك.. ويبقى الاهم من ذلك كله.. هو«فضح ما يتستر عليه البشر «وان كان الستر جميلا وليس التستر طبعا»، في اقوالهم ومعارفهم وممارساتهم، على اختلاف هوياتهم» اي انقاذهم من «التعمية والزيف، او الجهل والنسيان، او من الارهاب والطغيان» ((300)). المسعودي المؤرخ امام المؤرخين وفلاسفة التاريخ
الاستاذ صائب عبد الحميد
حياته
هو علي بن الحسين بن علي المسعودي، من ذرية الصحابي
عبداللّه بن مسعود ((301))
لم يعلم تاريخ مولده بالتحديد، ولكن قدره بعضهم بسنة
287ه، والظاهر ان مولده قبل هذا التاريخ كما يبدو من
تاريخ رحلاته، اذ ابتدا سنة 300ه رحلة طويلة قطع بها بلاد
فارس حتى السند والهند، امتدت حتى سنة 304ه كماسياتي.
ولد في بابل ونشا فيها، ثم انتقل الى بغداد فعد في البغداديين.
قال المسعودي معرفا بمسقط راسه، وهو يصف اقليم بابل:
«واوسط الاقاليم الاقليم الذي ولدنا به، وان كانت الايام انات
بيننا وبينه، وساحقت مسافتنا عنه، وولدت في قلوبناالحنين
اليه، اذ كان موطننا ومسقطنا، وهو اقليم بابل» ((302)). ثم
بسط بعده كلاما جميلا في الحنين الى الاوطان واقوال الحكما
في ذلك، استظهر منه بعض الباحثين ان مولده في بغداد
التابعة لاقليم بابل.
نشط المسعودي بالرحلات مبكرا، فذكر انه، في السنوات: 300
304ه، طوف في بلاد السند، وهي بلاد الافغان وبعض
جمهوريات آسيا الوسط ى، ثم الهند، وجزيرة سرنديب. وفي
سنة 309ه كان في الحجاز، وتنقل في سنتي 313و314ه في
بلاد الشام، من طبريا في فلسطين الى انطاكية المتاخمة
للاراضي التركية، وطاف في اطراف الجزيرة العربية،وسافر
بحرا من عمان الى جزيرة شرقي الساحل الافريقي سماها
(قنبكو) وتردد بينها وبين عمان عدة مرات، قيل انه اراد بهذه
الجزيرة «مدغشقر» وقيل «الزنجبار». وركب عدة من البحار
كبحر الصين والروم والخزر والقلزم واليمن وبحرالزنج (شرق
افريقيا)، ومر في اثنا ذلك كله ببلاد واسعة ومدن يصعب
حصرها.
وفي سنة 332ه، كان في البصرة، وفيها كتب «مروج الذهب»،
ثم انتقل سنة 334ه الى مصر لاسباب غامضة. فقال بعدوصفه
لاقليم بابل ومدينة السلام (بغداد) : «واشرف هذا الاقليم مدينة
السلام. ويعز علي ما اصارتني اليه الاقدار من فراق هذا المصر
الذي عن بقعته فصلنا... لكنه الزمن الذي من شيمته التشتيت.
..» ((303)) وهذا القول اظهر في انتسابه الى بغداد.. وقد تمثل
في وصف اسفاره المتواترة بابيات لابي تمام، يقول فيها:
خليفة الخضر، من يربع على وطن
في بلدة، فظهور العيس اوطاني
وقال:
فغربت حتى لم اجد ذكر مشرق
وشرقت حتى قد نسيت المغاربا ((304))
وتمثل ايضا في وصف اسفاره:
تيمم اقطار البلاد فتارة
لدى شرقها الاقصى وطورا الى الغرب
سرى الشمس لا ينفك تقذفه النوى
الى افق نا يقصر بالركب ((305))
وفي فسطاط مصر (القاهرة القديمة) كانت وفاته في سنة 345
او 346ه.
وللمسعودي مؤلفات عديدة في التاريخ واصول الدين والملل
والنحل وغير ذلك، وقد ذكرها في مقدمتي كتابيه:«مروج
الذهب» و«التنبيه والاشراف».
مذهبه
وقد اختلف العلما في مذهبه:
فالسبكي عده شافعيا، وترجم له في طبقات الشافعية، بحجة
انه علق على ابي العباس بن سريج الشافعي رسالة «البيان
في اصول الاحكام». غير ان في هذا الكتاب نفسه ما يقلل من
اهمية هذه الحجة، اذ فيه تصريح بان هذه الرسالة قد كتبت في
مجلس جامع عند ابن سريج في مرضه الذي توفي فيه، وقد
ضم المجلس رجالا من جميع اصحاب المذاهب «من
الشافعيين والمالكيين والكوفيين والداوديين وغيرهم من
اصناف المخالفين» ((306)) وايضا فقد ذكر ابن العماد الحنبلي
ان المسعودي المؤرخ هو غير المسعودي الفقيه الشافعي
. ((307))
وقال آخرون: انه كان معتزليا ((308)) ولم ينسبه ابن العماد
الحنبلي الى مذهب، فيما راى ابن حجر العسقلاني ان
كتب المسعودي «طافحة بانه كان شيعيا معتزليا»، ثم قدم على
تشيعه ادلة ضعيفة، ولم يات بما يشير الى كونه معتزليا
((309))
والذي يرجح على ذلك كله كونه شيعيا صريحا، وليس دليل
تشيعه الوحيد هو ترجمة النجاشي له بين مصنفي الشيعة،بل
كتبه الكثيرة في الامامة دالة على ذلك، وقد احصى منها
بقلمه: «الصفوة في الامامة» و«الاستبصار في الامامة»
و«رسالة البيان» في اسما الائمة، و«حدائق الاذهان» في مناقب
اهل البيت واخبارهم. هذا غير الكتاب الاخر «اثبات
الوصية»الذي نسبه اليه النجاشي، بعد ان اخذ اخباره من احد
تلامذته والحائزين على اجازته برواية كتبه ((310)). ولكن قد
داركلام حول هذا الكتاب اذ لم يذكره المسعودي في اسما
كتبه التي ذكرها في مقدمة «التنبيه والاشراف» وهو آخر
كتبه،ولاختلاف اسلوبه عن اسلوب المسعودي في «مروج
الذهب»، و«التنبيه والاشراف». ولوجود اختلاف في
بعض المعلومات بين هذا الكتاب وبين مروج الذهب خصوصا
في اسما بعض الانبيا وفي تسلسلهم ((311)).
ومن هذا الاختلاف في تحديد مذهبه يتبين كم كان
المسعودي متوازنا في طرحه، موضوعيا في استعراضه
لاحداث التاريخ ومقولات الفرق والمذاهب، متعاليا على الروح
المذهبية، فاذا تناول المذاهب تحدث عنها جميعا بنفس
واحد،وساق ادلتها بكل احترام، وتكلم عن الجميع بضمير
الغائب: «قالوا، اجمعوا...»، ولم ينسب نفسه الى اي منها ولا
تعرض لشيء منها بالقدح والتنقيص، رغم انه كان ناقدا لا يرحم
حين يجد مسوغا موضوعيا للنقد، كما ستاتي الاشارة اليه
في نقده لسنان بن ثابت بن قرة الحراني، والجاحظ.
المسعودي مؤرخا
هو احد ابرز المؤرخين الكبار، تميز بالروح العلمية والعقلية
التاريخية، اضافة الى معرفته الواسعة بمختلف العلوم العقلية
والاداب واللغات العالمية، احاط بمعظم ما كتبه المسلمون
قبله في التاريخ وتاريخ الفرق، واطلع على تواريخ الامم ومصادر
ثقافاتها، وزاد على ذلك كله مصدرا حيويا آخر وهو الترحال
الواسع والهادف، ترحال الباحث المستكشف، فوفرت له رحلاته
ما لم توفره مصادره، ووضعت بيديه مفاتيح الحكمة على قضايا
تردد فيها غيره او تكلم فيها بغير علم، فوجد في ذلك دافعا
كبيرا نحو كتابة التاريخ: «فلكل اقليم عجائب يقتصر على علمها
اهله، وليس من لزم جهة وطنه وقنع بما نمي اليه من الاخبار
عن اقليمه كمن قسم عمره على قطع الاقطار ووزع ايامه بين
تقاذف الاسفار،واستخراج كل دقيق من معدنه، واثارة كل
نفيس من مكمنه» ((312)).
ولقد تفوق المسعودي بعد ذلك بعقليته التاريخية التي تجلت
في عناية بالتاريخ العالمي لم يسبق لها مثيل، فصنف فيه سبعة
كتب مختلفة بين البسط والايجاز، مشحونة باهم المعارف
الكاشفة عن ثقافة الامم وخصائصها. ولقد عرف المسعودي
بكتبه هذه واحصاها على الترتيب، كما ياتي:
1-
اخبار الزمان وما اباده الحدثان، وهو اول مصنفاته واوسعها،
وقد قدر بثلاثين مجلدا.
2-
الكتاب الاوسط، اختصر فيه كتابه الاول.
3-
مروج الذهب ومعادن الجوهر، مطبوع في اربعة مجلدات،
وهو التالي للكتاب الاوسط، اختصر فيه ما ذكره في الكتابين،
واضاف اليه ما لم يكن فيهما من انواع المعارف. وفيه احالات
كثيرة اليهما، ولا سيما الى «اخبار الزمان» كافية
في اعطا
صورة عن ذينك الكتابين المفقودين. وقد ابتدا تاليفه في
مدينة البصرة سنة 332ه، وانتهى منه سنة 336ه بفسطاط
مصر، في خلافة المطيع للّه العباسي ((313)).
4-
فنون المعارف وما جرى في الدهور السوالف.
5-
ذخائر العلوم وما كان في سالف الدهور.
6-
الاستذكار لما جرى في سالف الاعصار.
7-
التنبيه والاشراف، وهو آخر هذه القائمة تصنيفا، مطبوع في
مجلد واحد. وقد صنفه بالفسطاط سنة 344ه، ثم زادعليه في
نسخة اخرى كتبها سنة 345ه، وجعل المعول على هذه
النسخة الاخيرة، وهي النسخة المطبوعة.
ولقد كان يطالعه امل حين انتهى من تاليف «مروج الذهب» في
تصنيف كتاب آخر بمنهج جديد، وقد عنونه مبكرا قبل الشروع
به، وهو: «وصل المجالس بجوامع الاخبار ومختلط الاثار»
((314)). لكنه لم يذكر هذا الكتاب في مصنفاته التي ذكرها
مرتبة في كتابه الاخير «التنبيه والاشراف»، فلعله غير عنوانه
بعد تاليفه الى «فنون المعارف» الذي جعله تاليا لمروج الذهب.
مصنفات تاريخية اخرى للمسعودي
للمسعودي طائفة كبيرة اخرى من الاعمال التاريخية يكن
تصنيفها تحت عنوانين رئيسين:
العنوان الاول: في التاريخ الخاص، وتمثل في عدة مؤلفات
افردها في مسير اهل البيت (ع) واخبارهم ومناقبهم،وهي:
1-
رسالة البيان في اسما الائمة، وفيه نبذ من اخبارهم
ومقادير اعمارهم ((315)).
2-
مزاهر الاخبار وطرائف الاثار: في اخبار آل البيت (ع)، وقد
تضمن اخبار ابنا الامامين الحسن والحسين الى زمانه((316)).
3-
حدائق الاذهان: في مناقب آل بيت رسول اللّه واخبارهم،
ومما جا فيه «اخبار ابن الزبير مع اهل البيت (ع)» ((317)).
اضافة الى هذه الكتب فهو يتطرق الى اخبارهم في مصنفات
اخرى كتبها في مباحث الامامة وآرا المسلمين فيها،وهي:
1-
الصفوة في الامامة.
2-
الاستبصار في الامامة.
3-
كتاب الزاهي ((318)).
والعنوان الثاني: تاريخ الاديان والمذاهب (الملل والنحل).
وللمسعودي فيه قدم راسخ، ومنهج خاص، مع كثرة ما كتب
فيه، من مصنفات، وهذه الكتب هي:
1-
المقالات في اصول الديانات.
2-
نظم الادلة في اصول الملة.
3-
الابانة في اصول الديانة.
4-
المسائل والعلل في المذاهب والملل.
معالم المنهج
من كتابي المسعودي المطبوعين: «مروج الذهب» و«التنبيه
والاشراف» نقف على المعالم المهمة لمنهج المسعودي
في كتابة التاريخ، ونوجزها في ما ياتي:
1-
التزم المسعودي تقسيمه التاريخ بحسب الموضوعات،
فجعل الامم والانبيا والملوك والاسر والخلفا محاورلدراسته،
وهو النهج الذي سبقه اليه اليعقوبي في تاريخه، ثم ابو حنيفة
الدينوري في «الاخبار الطوال».
2-
تابع المنهج الذي اعتمده اليعقوبي قبله باسقاط الاسانيد
ووصل الاخبار، والاكتفا بذكر مصادره في مقدمة الكتاب،لكن
للمسعودي زيادة وتطوير في المنهج، فمصادره تنوف على
الثمانين من كتب المؤرخين المعروفين، عدا غيرهم،فمن كان
اقل شهرة لم يذكره المسعودي، وعدا المصادر الجغرافية
الكثيرة التي اعتمدها ((319)).
فالمسعودي، مثل اليعقوبي، لم تتكرر عنده الروايات في
الحدث الواحد، بل كان ينتقي من بين مصادره الخبر الذي
يراه اقرب الى الحقيقة وادعى للقبول.
وفي مواضع من كتابه كان المسعودي يذكر مصدره، وغالبا ما
يكون ذلك في مواضع الخلاف التي لم يقطع فيها
براي((320)).
ويذكر المصادر، وربما سلسلة الاسناد ايضا في المواضع التي
يجري فيها مقارنة ونقدا ((321)).
وربما ذكر الاسناد كاملا ايضا في المواضع الحساسة التي قد
يشم منها رائحة طائفية، كما في موقف عروة بن الزبير
من الهاشميين، واعذاره اخاه عبداللّه في حصاره اياهم
ومحاولته احراقهم ((322)).
3-
تجنب المسعودي تاثيرات المواقف السياسية والمذهبية
على كتابة التاريخ، فكتب بتوازن وموضوعية قل ان تجدنظيرها
بين المؤرخين، من دون ان يتخلى عن ايمانه بالاسلام والقيم
الاصيلة، فكان صادقا وليس مدعيا حين وصف كتابه «مروج
الذهب» بقوله: «وليعلم من نظر فيه اني لم انتصر فيه لمذهب،
ولا تحيزت الى قول، ولا حكيت عن الناس الامجالسهم»
. ((323))
ولقد كان حريصا على تجنب ما فيه من اثارة الروح المذهبية
والطائفية، فلما اتى بخبر عروة بن الزبير وموقفه من بني هاشم
ابتداه بذكر اسناده اليه كاملا، فقال: «حدث النوفلي في كتابه
في الاخبار، عن ابن عائشة، عن ابيه، عن حماد بن سلمة، قال:
كان عروة بن الزبير يعذر اخاه اذا جرى ذكر بني هاشم وحصره
اياهم في الشعب وجمعه لهم الحطب لتحريقهم، ويقول: انما
اراد بذلك ارهابهم ليدخلوا في طاعته اذ هم ابوا البيعة في ما
سلف». ثم قطع الحديث الى هناقائلا: وهذا خبر لا يحتمل ذكره
هنا، وقد اتينا على ذكره في كتابنا في مناقب اهل البيت
واخبارهم، المترجم بكتاب «حدائق الاذهان» ((324)).
والذي يتجن ب المسعودي ذكره هنا هو كلام عروة في تشبيه
صنع اخيه مع بني هاشم بصنع عمر بن الخطاب قبله، اذكان
قد جمع الحطب حول بيت فاطمة (عليها السلام) وهم فيه
وهددهم بالحرق ان لم يخرجوا لبيعة ابي بكر.
4-
جمع المسعودي، في كتابيه، الى جانب اخبار التاريخ،
الكثير من فنون العلوم، اكثرها واهمها: الجغرافية، وما
وضعه فيها من علوم واسعة في تقسيم الاقاليم وتقسيم البلدان
والممالك ومساحاتها. وذكر الجبال والبحار والانهار
واوصافها،وذكر الرياح واصنافها.
والى جانب ذلك، كان كثير التنقل بين انواع مختلفة من
العلوم، كالفقه ((325))، والفلسفة ((326))، كما اعط ى لتاريخ
الفرق والمذاهب نصيبا مهما حافظ فيه على منهجه الحيادي
الموضوعي في التعريف بها من دون ان يبخس بعضها او
يغمز به . ((327))
كما ادخل في كتابيه كثيرا من انواع العلوم والنوادر، فتحدث
عن: تواريخ الامم والمناسبات المعتمدة عند كل امة في ابتدا
تاريخها ((328)) وسني الامم وشهورها وما اتصل بذلك
((329)). واصول الطب ((330)). وتصور الجنين في
الرحم((331)). وكروية السما والارض ((332)). وملاهي الروم
((333)). والحدا والغنا عند العرب، وانواع الطرب، وانواع
الرقص((334)). وانواع الشطرنج والنرد ((335)) وغير ذلك
كثير.
5 تقسيم العالم قبل الاسلام الى امم سبع عظيمة حية هي
الجديرة بالدراسة والنظر في تواريخها وطبائعها، والتمييز
بين الامم السبع باعتماد الخصائص المميزة لكل منها. فيبين
في مقدمته انه سيعنى ب «ذكر الامم السبع في سالف
الازمان،ولغاتهم وآرائهم، ومواضع مساكنهم، وما بانت به كل
امة من غيرها، وما اتصل بذلك» ((336)). وهذه الامم السبع
«تتميزبثلاثة اشيا: بشيمهم الطبيعية، وخلقهم الطبيعية،
والسنتهم» ((337)). وهذه الامم هي: الفرس، والكلدانيون
وهم السريانيون، واليونانيون والروم والصقالبة والافرنجة ومن
اتصل بهم من الامم في الجربي، وهو الشمال. والرابعة:
لوبيا،منها مصر وما اتصل بذلك من اليمن، وهو الجنوب وارض
المغرب الى بحر اوقيانوس المحيط. والخامسة: اجناس
من الترك الخرفلية والغز وكيماك والطغرغنز والخزر.
والسادسة: اجناس السند والهند وما اتصل بذلك. والامة
السابعة:الصين والسيلي وما اتصل بذلك. ولكل امة لغة واحدة
وملك واحد، وان كان بين اجزائها تباين يسير في اللغات،
وذلك لان اللغة انما تكون واحدة بان تكون حروفها التي تكتب
واحدة، وتاليف حروفها تاليف واحد، وان اختلفت بعد ذلك في
سائر الاشيا الاخر، كالفهلوية والدرية والاذرية وغيرها من لغات
الفرس ((338)).
وهذا النوع من الدراسة هو الذي استخدمه توينبي في القرن
العشرين.
6 ومزية اخرى فائقة الاهمية، كاشفة عن عقلية وحس
تاريخيين نادرين، وللمسعودي فيها ايضا سبق كبير على
توينبي الذي اتخذ منها قاعدة اساسية في اكتشاف عوامل نمو
الحضارات وسقوطها، وتلك هي المقابلة والتشبيه
بين الحضارات والامم في الادوار المتماثلة، فالمسعودي حين
ينتهي من وصف ضعف ملوك الدولة العباسية وضياع هيبتهم،
حيث تقسمت البلاد وتغلب على اطرافها اقوام متفرقون، وصار
الملوك مقهورين خائفين قد قنعوا باسم الخلافة ورضوا
بالسلامة، حين يصل الى هذا الوصف ينتقل الى تاريخ الامم
السالفة ومنحنى الحضارات فيقول: «ومااشبه امور الناس
بالوقت الا بما كانت عليه ملوك الطوائف بعد قتل الاسكندر بن
فيلبس الملك داريوش وهو دارا بن داراملك بابل، الى ظهور
اردشير بن بابك الملك.. كل قد غلب على صقعه، يحامي عنه،
مع قلة العمارة، وانقطاع السبل،وخراب كثير من البلاد،
وذهاب الاطراف...» ((339)). 7 ومزية اخرى اظهرت المسعودي مفكرا يتمتع بالقدرة على تحليل التاريخ وتفسير حركته، وليس استعراضه والتعليق عليه وحسب، ومرة اخرى يكون للمسعودي السبق في ما اصبح بعده يمثل الخلاصة في نظرية توينبي في تفسيرالتاريخ، والمعروفة بنظرية التحدي والاستجابة، وبالتحديد طبيعة التحدي الذي يحفز على الاستجابة، ذلك حين يثيرالمسعودي مسالة فائقة الاهمية عند توينبي لاحقا، والمتمثلة في السر الكامن ورا عدم سكنى بعض الارض لينتهي بذلك الى علتين: احداهما افراط الحر واحراق الشمس وكثرة تواتر شعاعها على الارض. والثانية افراط البرد في الجوواستيلا القر والجليد. وهذه البلدان التي تراها مفرطة الحرارة والبرودة هي تناسب ما ذكرنا من هذه الديار البلاقع((340)). |
|---|