اول المنهاج الاسهام في بلورة رؤية الذات الاسلامية تكمل المنهاج، بهذا العدد، سنتها الخامسة. وهي، لا تزال، ومنذ تاسيسها، تسعى من اجل الاجابة عن الاسئلة التي يطرحها الواقع الحضاري المعيش، بغية الاسهام في بلورة رؤية الذات الاسلامية الممتلكة هويتها والمتفاعلة مع الانجازات المعاصرة في مختلف المجالات.
وهي، في هذا العدد، تواصل سعيها في هذا المجال،
فتركز مادتها: دراسات ومحورا ومتابعات على البحث في
قضيتين مركزيتين:
اولاهما قضية التمييز بين ((الغزو الثقافي))، وهو
الوجه
الثقافي للاستعمار الجديد، وبين ((التبادل
الثقافي))، او ((التفاعل الثقافي))، او ((المثاقفة))،
وفيه تكون الذات قادرة على الاخذ والعطا في سياق
بلورة الاجابة عن الاسئلة الثقافية المطروحة
اجابة تعزز خصوصية الهوية في الوقت الذي تتفاعل فيه
مع المعطيات المستجدة، فتحل اشكالية الاصالة ر
المعاصرة، فلا تكون الثنائية التي يشكلها طرفا هذه
الاشكالية ضدية وانماتكاملية.
وان يكن التطور الثقافي المستفيد من التفاعلر
المثاقفة امرا طبيعيا يعزز الوجود الفاعل، فان
تغيير الهوية الحضارية
ومحوها، بغية تحقيق اهداف الاستعمار، هو الغا
تنبغي مقاومته مقاومة فاعلة تعي طبيعة
الخطرو
وسائله واهدافه وسبل القضا عليه.
وفي سياق هذه القضية تنتظم دراسات منها: ((الغزو
الثقافي المعاصر وموقفنا منه)) للدكتور عبد الهادي
الفضلي، و-
((القصة العربية الحديثة: جديد طارى ام قديم يتطور
ويتجدد؟)) للدكتور عبد المجيد زراقط،
و((الدليل
الاستقرائي عند المفكر محمد باقر الصدر)) للاستاذ
يحيى محمد، علاوة على قراة د. منتصر حمادة في
الكتاب الذي يبحث في الظاهرة الادونيسية بتقاسيمها
الثلاثة.
وثانيتهما قضية ((الدولة الاسلامية الحديثة...))، وقد
تمثل
البحث فيها في محور اتخذ موقع ((منتدى المنهاج))، وقد
اولينا هذه القضية مثل هذا الاهتمام بغية اغنا
البحث فيها، من خلال الافساح في المجال للعديد
من الارا ووجهات النظر. وقد تحدث الاستاذ علي
المؤمن عن ((نظريات الدولة
الاسلامية الحديثة))، وبحث د. محمد طي في ((قيام
السلطات في الجمهورية الاسلامية وعلاقاتها)) بحثا
مقارنا، وتحدث الاستاذ نبيل علي صالح عن
الادراك العقلي واشكاليات سلطة العقل في الدولة
الدينية)). والمجال مفتوح امام جميع الباحثين
القادرين على الاسهام في بحث مختلف مسائل هذه
القضية.
وقد بدا واضحا، من خلال هذه الدراسات، ان مسيرة
الفقه الاسلامي انتهت، حسب نظرية الشورى، الى ان
الفقيه العادل الكفوء هو اصلح من يتولى الحكم، وحسب
نظرية ولاية الفقيه الى ان الولاية محصورة في هذا
الفقيه، وحسب النظريتين الى ان صلاحياته تشمل
مختلف مجالات الدولة...
وفي سياق الهدف نفسه، تنتظم بقية الدراسات، فالبحث
الفقهي في قضية ((القسامة))، للدكتور محمد البشير
الهاشمي مغلي، ينتهي الى نتيجة مفادها انه تتجلى في
((القسامة))
مزية اخرى للاسلام تتمثل في حفظ الدما وصون كرامة
الانسان وحماية حياته من جميع ضروب انواع العدوان
عليها، وفي ((المرجعية الدينية والتحولات
المعاصرة)) يرى السيد محمد باقر الحكيم ان التطورات
تقضي بوجود عمل تخصصي علمي لابد من القيام به في
المحافل الفقهية...
وفي ((الشيخ الطوسي مجددا)) يقدم الاستاذ الاسعد بن
علي انموذجا فذا لعلمائنا الكبار الذين راوا الى
واقعهم وعاينوه، وقراوا اسئلته، وعملوا على
الاجابة عنها، اجابات تعزز وجود الذات الفاعلة
الممتلكة هويتهاوالمتفاعلة مع معطيات عصرها.
وهذا الوجود الفاعل هو ما افتقده المجتمع الاسلامي
في
مرحلة تاريخية تحدث عنها المؤرخ السيد حسن الامين
في
اطلالته على التاريخ، فكشف عن طبيعة هذه المرحلة في
دراسته: ((الحال قبل المستعصم وفي عهده))، وبين كيف
تمكن المغول من اجتياح العالم الاسلامي والعمل على
تدمير مجتمعاته: بشرا وانجازات حضارية..
وان كنا نواجه اليوم، في العالم العربي والاسلامي،
غزوا اشد شراسة وهمجية من ذلك الغزو الذي استطعنا
دحره في النهاية، فاننا في امس الحاجة الى تجاوز
تلك الحالة التي يمكن ان نسميها ب((حالة المستعصم))
الى حالة نكون فيها اقويا فاعلين في هذا العالم.
وقد بدت بشائر هذه الحالة في انتصار الثورة
الاسلامية
المظفرة وقيام دولتها في ايران...، وفي انتصار
المقاومة
الاسلامية في لبنان المتمثل في هزيمة جيش الغزاة
الجدد:
الجيش الصهيوني المحتل ودحره.. وفي قيام، ((انتفاضة
الاقصى)) في فلسطين المحتلة... في هذه الايام، وهي
الانتفاضة الشعبية التي تستلزم التاييد والدعم
بغية ان تستمر
وتحقق اهدافها، وهذا ما عبرت عنه حركة الشعوب في
مختلف
انحا العالم العربي والاسلامي. وقد واكبت
((المنهاج)) حركات التاييد هذه، فكان لهذه الحركات
الحظ الاوفر من ((متابعات)) هذا العدد، وهذا اقل ما
ينبغي القيام به، وهو ما تمكنا من فعله في وقت كان
العدد يمثل فيه للطباعة.
ترجو ((المنهاج))، وقد اكملت سنتها الخامسة، ان تكون
قد نهضت بادا مهمتها، وقد قالت كلمتها في هذا
الشان، ويبقى للقرا الاعزا ان يقولوا كلمتهم،
ونحن في انتظار سماعها لنفيد منها..، وبخاصة ان
المجلة على ابواب مرحلة جديدة نرجو ان تكون اكثر
توفيقا، واللّه، سبحانه وتعالى، الموفق في كل حال.
خالد العطية
والهدف المتوخى جبر للتقصير الجماعي تجاه مشهد
الجريمة او حادثتها، اعلمت بطريق مباشر ام غير
مباشر، وسوا اوقعت على فرد ام على جماعة؟ وفي
توقيع مثل هذه العقوبات، وفي تقرير مثل هذه
الاحكام،صيانة من ت آمر الجماعة على الفرد ونفيا
لحالات التواطؤ او التخاذل ومحاربة للتكتم الاثيم
والصمت الاجرامي. وفيها، كما لا يخفى، شحذ للرقابة
الجماعية، وتحميل لمسؤوليتهم جميعا.
فضلا عن ان في حالة القصاص، او الاعتياض، ضربا من
معاني التجريم الخفي، او غير المباشر، او قل القا
بالتبعة عليهم معنويا واخلاقيا لثبوت التقصير او
العجز عن حفظ الارواح او القعود عن المناصرة او
الحيلولة دون الاعتدا على الحياة، كان يكون بسبب
التراضي او اللامبالاة او التواني في اغاثة
الملهوف... وكلها ان قامت البينة على ثبوتها وتضافرت
على وجودها الادلة شكلت مجتمعة او متفرقة مركزا
شرعيا للتحريم والعقاب.
وقد يستخلص، في الاخير، بعد فحص حالات تمثيلية،
وطرح الاشكاليات الحديثة بهذا الخصوص، في السياقات
الاجتماعية والسياسية الطارئة، وبعد دراسة
الاحكام الفقهية لاحدى صور اثبات جريمة
القتل المتكاثرة في عصر المطالبات المتاخرة
بحقوق الانسان ((المتحضر))، الحكمة من ورا هذا
القمع والمقصد الشرعي من هذه العقوبة، وانهما لا
يخلوان من
تحقيق المصلحة العامة ومن دفع للفساد، بل
يتعديانهما
الى حفز للتجنيد العام وتوعية بالاشتراك في
التبعات كيلا
يذهب دم القتيل هدرا حتى في حالة العجز عن تعيين
القاتل...
وفي ذلك وغيره، مما ورد في تفصيلات شريعة الاسلام،
اية صيانة لسلامة المجتمع، واي هنا للجميع، واي
حرص على حماية الانفس في عصر تكنولوجيا النسف
والفنا والتسابق الى
القدرة النووية على الابادة الكروية!
تمهيد
ابرز ما يتجلى حرص الشريعة الاسلامية على حماية
الانفس بما لا يضاهى في غيرها من الشرائع
والقوانين، نجده اساسا في منحاها الفلسفي واتجاهها
الاخلاقي الاجتماعي نحو تقرير
مقاصدي للعقوبات الثنائية،الدنيوية منها
والاخروية، بل وفي جميع حالات القتل باعتباره اخطر
جريمة تتحدى اي مجتمع انساني((1)) . لذلك فهي تتفرد في
سن احكامها الجنائية
بخصيصة الجمع بين رادعي الدين والسلطان،
بهدف تحقيق
قوامع الزجر ومقامع الانزجار.
ولما كان حفظ النفس الذي يرادف بحفظ الدما من اوكد
الضروريات التي يجب مراعاتها في جميع الملل بعد حفظ
الدين((2))،
ذهبت الشريعة فيه مذهب التشديد والتنكيل
بحيث لم تستثن في ايقاع العقوبة حالات الخطا، وانى
كانت ضروب العدوان على النفس، احصلت بقصد ام من دون
قصد، بتسبيب مباشر ام غير مباشر، باشتراك ام
بتواطؤ، ام فرديا، ام بنحو من التبعات... بل حتى في
حالة حدوثه مثلا بالترك اوالقعود عن المساعدة
بالاغاثة.
ولعله من اخص واوضح ما يبدو هذا الاهتمام البالغ في
التفاتها الى تقدير احكام جزائية ليس اقلها الردع
وتغيي العدالة وتحقيق القصاص من اجل صيانة الحياة
الانسانية في الجملة وضمان استقرار العمران
البشري بعامة((3))، وذلك حتى في حالة وجود قتيل
لا يعلم قاتله. فلا يذهبن دمه هدرا بذريعة ما احتف
بقتله من امور مجهولة غير مبرئة. ولا تعفي اطلاقا
محيطه من التبعات التي ابدع الفقها في تصنيف ادق
حالاتهاواكثرها تعقيدا.
وههنا معقد التركيز باقتضاب في مظان هذا البحث.
وعليه فاننا بقيد الموضوع المحدد وايحا العنوان،
نقصر التحليل على الاثر الذي تتوخاه شرعة القسامة
فقهيا، في تحديد المسؤولية الجنائية ومراميها في
حفظ الدما بلا فرز ولا تمييز مسبقين، او تخصيص،
او اشتراط المماثلة في غير الغيلة((4)) او كان التغليب
لخيرية الدين على الحرية((5)) فما هي القسامة اذا؟
تعريف القسامة
لغة بفتح القاف وتخفيف المهملة اسم مصدر لاقسم، لا
مصدر له، لان مصدره الاقسام((6))، وهي اليمين مطلقا((7)). وفي
الصحاح هي الايمان تقسم على الاوليا في الدم((8)).
وخص القسم على الدم بلفظ القسامة.وقال امام الحرمين: القسامة عند اهل اللغة اسم
للقوم الذين يقسمون، وعند الفقها اسم للايمان. وقال في المحكم: القسامة الجماعة
يقسمون على الشيء او يشهدون به. ويمين القسامة منسوب
اليهم، ثم اطلقت على الايمان نفسها((9)).
والقسامة كانت في الجاهلية
واقرها الشرع((10)). وقضى بها النبي(ص) بين ناس
من الانصار في قتيل ادعوه على يهود خيبر((11)).
اصطلاحا قال في ((كفاية الاخيار)): هي الايمان في الدما((12)).
وفي تعريف ادق يقول د. احمد فتحي بهنسي: انها تعني
((شرعا
اليمين باللّه تعالى بسبب مخصوص وعددمخصوص على
شخص مخصوص. ولكي تجب القسامة يشترط ان يكون
المقتول انسانا، والا يعلم قاتله، وان تدفع الدعوى
من اوليا القتيل، وانكار المدعى عليه))((13)).
وفي التخصيص السببي غير حكمة للمتدبر الذي يتوخى
المصلحة العامة للمجتمع. وفي التخصيص العددي بهذه
الكثرة المواطئة للاجماع المقدس ابلغ من تدقيق
للمتحري
في صون الحياة وحقن الدما. ناهيك عما في التخصيص
الشخصي من تعيين هو ((اورع)) في ضبط الجاني على
استحلاف واظهر في انتقاشه من جملة الحالفين
الابريا من اوليا الدم، بل واعزل له من بقية
المدعى عليهم.
ويتضح، بعد عميق التامل، ان المغزى من القول بوجوب
القسامة في ديننا الحنيف تعلق الرجا في مجتمع ((كل
المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله))((14))
الحديث، ب((ان يظهر القاتل بهذا الطريق اويظهروه
فيتخلص غير الجاني اذا ظهر الجاني. ولهذا يستحلفون
باللّه ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا((15))..))،
على ارادة النفي والتبدي. وهو لا يخلو
من تجلية لمعاني الحوط واعلان الطوارى العامة على
حرمة النفس بقسم الضمير الجماعي علانية على الملا
والشاهد اللّه تعالى، ناهيك عن تجنيد ايماني للوعي
العام وهو في وظيفة استنفار نوعي مستحلف بما لا
نظير له في غيره من الاحكام الشرعية طرا على تحقيق
نبيه لابن حجر((16)).
وتف اديا لتلاشي الحياطة الاجتماعية في حرمة
الدما، وتلافيا لتراخي الحزم العام في الرقابة
الجماعية، ودرءا لتدافع المسؤولية، كان الاقتضا
الرشيد بان ((.. يعمل اهل كل بلد على حفظ بلدهم من ان
ترتكب فيه هذه الحوادث ولن ترتكب الا بعلمهم))((17)).
مصدرها الشرعي لئن كانت القسامة احدى الطرق الثلاث
في اثبات جريمة
القتل، فضلا عن الاقرار والبينة بصورهما المختلفة،
فانها
تستقي مصدريتها من الكتاب والسنة.
1- اما الكتاب فقوله تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد
جعلنا لوليه سلطانا) «الاسرا/33» ووكل اللّه تعالى
بيان هذا السلطان للنبي(ص) فبينه بالقسامة((18)).
2- اما السنة، ففي فتح الباري:
((حدثنا ابو نعيم، حدثنا سعيد بن عبيد عن بشير بن
يسار:
((زعم ان رجلا من الانصار يقال له سهل بن ابي خثمة
اخبره ان نفرا من قومه انطلقوا الى خيبر فتفرقوا
فيها ووجدوا احدهم قتيلا. وقالوا للذين وجد فيهم:
قدقتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلا،
فانطلقوا الى النبي(ص) فقالوا: يا رسول اللّه،
انطلقنا الى خيبر فوجدنا احدنا قتيلا، فقال: الكبر
الكبر((19)).
فقال لهم: تاتون بالبينة على من قتله؟ قالوا: ما لنا
بينة. قال فيحلفون.قالوا: لا نرضى بايمان اليهود،
فكره رسول اللّه(ص) ان يطل((20)) دمه فوداه مئة ((21))من
ابل الصدقة)).
وقمين في المامة بعد هذا، نقل كلام بليغ لابن حجر في
معرض حديثة عن فوائد الباب من مشروعية القسامة، جا
فيه باقتضاب: ((.. وعلى هذا فالمراد بالعندية كونها
تحت امره وحكمه، وللاحتراز من جعل ديته على اليهود
او غيرهم، قال القرطبي في ((المفهم)): فعل (ص) ذلك على
مقتضى كرمه
وحسن سياسته وجلبا للمصلحة ودرءا للمفسدة على سبيل
التاليف...))((22)).
وتثمينا لنفاسة هذا الحديث الشريف وقيمة المستخلص
منه يستانف ابن حجر: ((قال القاضي: هذا الحديث اصل من
اصول الشرع وقاعدة من قواعد الاحكام وركن من اركان
مصالح العباد، وبه اخذ كافة الائمة والسلف من
الصحابة والتابعين
وعلما الامة وفقها الامصار من الحجازيين
والشاميين والكوفيين وان اختلفوا في صورة الاخذ
به، وروي التوقف عن الاخذ به عن طائفة، فلم يروا
القسامة ولا اثبتوا بها في الشرع حكما، وهذا مذهب
الحكم بن عتيبة وابي قلابة وسالم بن عبداللّه
وسليمان بن يسار وقتادة ومسلم بن خالد وابراهيم بن
علية واليه ينحو البخاري. وروي عن عمر بن عبد العزيز
باختلاف عنه. قلت: وهذا ينافي ماصدر به كلامه ان
كافة الائمة اخذوا بها...))((23)).
احكام القسامة بين المذاهب
نوجزها على غير تفصيل اورده الفقها وفا بمنهج
البحث.
1- ان يحلف خمسون من اهل المحلة باللّه ما قتلناه ولا
علمنا له قاتلا، فاذا حلفوا يغرمون الدية، وهذا عند
الحنفية.
وعمدة قولهم هو ان الايمان يوجد لها تاثير في
استحقاق الاموال. وحديث مالك عن ابن ابي ليلى ضعيف
لانه رجل
مجهول. وروي عن عمر، انه قال: لا قود بالقسامة ولكن
يستحق فيها الدية((24)).
2- وعند مالك ان كان هناك عداوة ظاهرة بين القتيل
واهل المحلة يستحلف الاوليا خمسين يمينا، فاذا
حلفوا يقتص من المدعى عليه. وعند الشافعي، في احد
قوليه، يقال للولي: عين القاتل، فان عين القاتل،
يقال للولي: احلف خمسين يمينا، فان حلف يقتل
القاتل الذي عينه. وفي القول الاخر، يغرمه الدية.
والا يحلف اهل المحلة، فاذا حلفوا لا شيء عليهم.
وقد اختلف الذين اوجبوا القود بالقسامة، هل يقتل
بها اكثر من واحد؟ فقال مالك: لا تكون القسامة الا
على واحد، وبه قال احمد بن حنبل((25)).
3- ان لم يكمل العدد خمسين وكانوا تسعة واربعين رجلا
يختار منهم واحد يكون عليه اليمين. وذلك لمنصوصية
عدد اليمين في القسامة فلا يجوز الاخلال به وان جاز
تكرار اليمين من واحد كما في كلمات اللعان.
4- لاوليا القتيل اختيار من يحلفونهم من اهل
المحلة، لقول الرسول(ص) لاخ القتيل: اختر منهم خمسين
رجلا، فدل ان
الخيار هو حقه يستوفى بطلبه واليه تعيين من يستوفى
منه
حقه..((26)).
5- ان وجد القتيل بين قريتين تقاس المسافة بين
القريتين ويحلف اهل القرية التي تقرب من جثة
القتيل.
روي في ذلك ان عمر (رض) حكم في قتيل وجد بين قريتين
فطرحه على اقربهما والزم اهلها القسامة والدية.
وكذلك روي عن سيدنا علي(ع) ولم ينقل الانكار عليهما
من احد من
الصحابة، فيكون اجماعا((27)).
6- بل ان بعض فقها المسلمين يذهب الى ابعد من ذلك،
فيوجب القصاص في بعض الحالات التي يوجد فيها قتيل
لا يعلم قاتله على وجه اليقين.
فمن ذلك مثلا ما ذهب اليه الامام مالك(ره)، اذ يقرر
انه ان كان هناك لوث واتهم اوليا الدم واحدا بعينه
يستحلف الاوليا خمسين يمينا على ان من اتهموه هو
القاتل، فاذا حلفوا هذه الايمان يقتص من
المدعى عليه، اي يقتل قصاصا((28)).
واللوث ان تكون هناك علامة القتل في واحد بعينه او
تكون هناك عداوة ظاهرة((29)).
وفي كفاية الاخيار: ((اذا اقترن بدعوى القتل لوث يقع
به صدق في النفس، حلف المدعي خمسين يمينا واستحق
الدية فان لم يكن هناك لوث، فاليمين على المدعى
عليه))((30)).
وفي شرح اللوث طرق: ((منها ان يوجد قتيل بموضع لا
يعرف من قتله ولا بينة ويدعي وليه قتله على شخص معين
او جماعة معينين وتوجد قرينة تشعر بصدقه ويقال له
اللوث...)).
((ومنها ان يتفرق جماعة عن قتيل في دار دخلها عليهم
وهو ضعيف او لحاجة او في مسجد او بستان او طريق او
صحرا، فهو لوث، وكذا لو ازدحم قوم على بئر او مضيق،
ثم تفرقوا عن قتيل ولا يشترط في هذا ان يكون بينه
وبينهم عداوة، ومنها لو شهد عدل ان زيدا قتل فلانا
فلوث على المذهب... ومنها قال البغوي: لو وقع في
السنة الخاص والعام ان زيدا قتل فلانا فهو لوث في
حقه. وسوا في القسامة ادعى مسلم على كافراو
عكسه...))((31)).
وقد يؤيد اللوث بثار الضرب او سم او جراح مما يدخل
في مسمى التدمية الحمرا. فان تخللها تردد او لم يكن
اثر جرح قيل فيها: التدمية البيضا، وحينها يبطل
اللوث فلا
قسامة((32)).
7- ان نكل اهل البلد عن اليمين حبسوا حتى يحلفوا لان
الايمان في القسامة حق مقصود لتعظيم امر الدم، ومن
لزمه
حق مقصود لا تجري النيابة في ايفائه، فاذا امتنع
منه فانه يحبس ليوفي((33)). وللمستزيد فضل تفصيل وغنم
بالدقائق واللطائف في مظانها، وتبعا لاجتهادات
المذاهب الفقهية.
كيفية ادا القسامة
الاصل في ذلك ما روي عن زياد بن ابي مريم انه قال:
((جا رجل الى النبي(ص) فقال: يا رسول اللّه اني وجدت
اخي قتيلا في بني فلان. فقال(ص): اجمع منهم خمسين
فيحلفون باللّه ما قتلوه ولا علموا له قتيلا.فقال:
يا رسول اللّه اليس لي من اخي الا هذا؟ فقال: بل لك
مئة من الابل))((34)).
وصورة الادا على هذا النحو:
(((يقسم) اولياؤه (لمن ضربه) او جرحه (مات) بتقديم
الجار لافادة الحصر (او انما مات منه).. (او) شهادة
(عدل بذلك): اي بمعاينة الضرب او الجرح (مطلقا): عمدا
او خطا تاخر الموت او لم يتاخر.. (يقسم)
الاولياخمسين يمينا صيغتها المشتملة على اليمين
المكملة للنصاب من العدل: (لقد جرحه) او ضربه (ومات
منه): من الجرح او الضرب...))((35)).
.. وهي ((خمسون يمينا)) يحلفها البالغ العاقل متوالية
من دون تفريق بزمان او مكان لانه ارهب واوقع في
النفس، لكن في العمد يحلف هذا يمينا وهذا يمينا حتى
تتم ايمانها ولا يحلف واحد جميع حظه قبل
حظ اصحابه، لان العمد اذا نكل فيه واحد بطل الدم،
واذا بطل بنكول واحد ذهبت ايمان غيره بلا فائدة،
واما في الخطا فيحلف كل جميع ما ينويه قبل حلف
اصحابه لان من نكل لا يبطل على اصحابه.
(بتا) اي يحلفون على البت والجزم، فلا يكفي: لا نعلم
غيره قتله، بل يقولون: واللّه الذي لا اله غيره لمن
ضربه مات او: لقد قتله، واعتمد البات على ظن قوي.
(وان) كان اليمين (من
اعمى او) من (غائب) حال القتل،اذ قد يحصل لهما العلم
بالخبر كما يحصل بالمعاينة((36)).
(وجبرت اليمين) اذا وزعت على عدد وحصل كسران او اكثر
(فقط) فانها تكمل (على) ذي (اكثر كسرها)...((37))،((38)).
والحاصل، بعد هذه العجالة الايضاحية، ان نستشف،
ولا غرو، مناشى هذا التدقيق الحسابي في جبر الايمان
المغلظة وان مقاصد الشريعة بليغة في التعبير عن
ارادة المقسوم به جل في علاه، من حقن الدما
واقامة العدل بين الناس. وليس اقله في استتباب
الامن فيهم قصاص ودية او قسامة. كما لا مغالاة البتة
في ايراد تفاصيل تتعقب الحالات وتتتبع الاحوال على
نحو ما يسمى حديثا في اصطلاح القوانين الوضعية
بالركن النفسي للجريمة بالتحليل وضروب التحري وما
يستدعيه وضع التدابير الاحترازية في مجتمعات لا
تفتا تتعقد مع التطور المتزايد والنمو الديمغرافي
المتصاعد وتضاؤل الوازعات... لا غرو في كل ذلك اذا
كان الامريتعلق بحماية الحياة.
وعليه، فلا يستكثر مدى تشدد الدين الحنيف في
التنكيل الدنيوي والوعيد الاخروي بالمعتدين على
الارواح البريئة. ولا سبيل الى استعظام صلابة
الحدود المسلطة على القاتلين اذا ما هم كانوا
يستهترون بقداسة النفوس الحية او راموا جناية
ازهاق الرقاب او الغا الوجود في الاخرين. فافهم
الحكمة العالية من ترتيب التبعات وتوقيع العقوبات
الاصلية والتبعية((39)).
وبهذا يتهيا مدخل الى سياق المبحث الموالي مقدمة
لتناول اثر القسامة في اثبات القتل في نطاق مجتمع
ايماني على غير المنحى التقليدي للتشريعات الوضعية
ومدى اهمية لجوء الشريعة الاسلامية بما لا نظير
له من الادوات التي تتيحها مدونات القوانين
البشرية الاخرى -وان هي ابقت في انظمتها المختلفة
على صور شكلية لليمين عند التقاضي مثلا، رغم الزعم
بالاتجاه اللائكي، او اليمين الدستورية في مراسيم
التنصيب في الرتب العليا للدولة- لجوءا نوعيا
لتغذيه من طبيعة
هذا الدين روحيا واخلاقيا الى سلطة الاشهاد الالهي
الملزم، التي تختزلها صيغ القسم في الاثبات او
النفي. وكفى بها امرا جللا ياسر الضمير في حالات
الجرم.او قد يحرره في حالات ابرا الذمة امام محكمة
اللّه العليا وامام محكمة المجتمع، فضلا عن
القود او العوض جزا وفاقا.
اثر القسامة في تحديد المسؤولية الجنائية
ليس الغرض من التعرض الى مدى جدوى هذا الاجرا الذي
يسمى، في عرف الفقها، بالقسامة اذا ما رمنا تلمس
استمرار
صلاحيته بل ونجاعته في عصرنا الذي التاثت عليه
ظواهر غريبة ناجمة عن نفايات المدنية المعاصرة
كالارهاب وفنون القتل والاجرام، الاستغنا بها عن
اجراات ضرورية اخرى كرفع الدعوى ضد مجهول او
تحريات الشرطة العلمية او تحقيقات الطب الشرعي او
متابعات التفتيش الامني. كما انها
ليست بمغنية عنها، سوا اخذت مجتمعة ام متفرقة
مهما بلغت
مظاهر تطورها وتقدمها. وانما القسامة وان عطل العمل
بها جهالة في ايامنا، او كان موقف الفقها المحدثين
منها التوقف بسبب الفارق الحضاري المانع
من المواكبة والصاد عن التنمية الاجتهادية، اداة
قوية لم يات عليها الزمن للمتبصر، في خطاب الضمير
المؤمن بالاخص واشهاد الوعي الجماعي بالاستحلاف
كانه يذكر بالمباهلة، اشعارا بالتبعة في مجال
اختصاص هووحده الذي يملكه. وعليه فحري بفقه العصر
المتجدد
استغلال هذا الاجرا واستلفات النظر الى
استخداماته التحفظية من اجل المساعدة على صيانة
الحياة. من ذلك هذه الامثلة:
1- التعرية عن المعاضدة في القتل
واذا كان من نباهة الشرع ان اوجب القسامة رجا ان
يظهر القاتل بهذا الطريق او يظهره المستحلفون،
فيتخلص غير الجاني اذا تعين الجاني((40)) ، فان فيها ايضا
سبيلا الى الكشف عن الاشتراك في الجريمة
بشتى صوره: من التسبيب والتوكيل او التحريض في لغة
فقها القانون الجنائي والاكراه او التهديد مما
اورد التفصيل في اقسامه، صاحب المغ((41))ني....
((وكيفما كان الشكل فالجريمة من جماعة مثل الجريمة
من
واحد، وقد افتى بذلك الصحابة واتفق عليه جمهورهم،
حتى
لقد قتل عمر بن الخطاب جماعة اشتركوا في قتل واحد،
وشدد
في ذلك، وقال رضي اللّهعنه: ((لو تمالا عليه اهل
صنعا
لقتلهم به)). ولقد قتل علي بن ابي طالب الجماعة
بالواحد
ايضا، ولقد اتبع جمهور الفقها الصحابة في ذلك..))((42)).
ولا ريب في ان في هذا التشدد عين الحكمة في باب
استعظام حرمة الدما. والا ((لو لم يقتل الجماعة
بالواحد لادى ذلك الى
ان يستعين القاتل بغيره لكيلا يقتص منه. وبذلك
يستشري الفساد في الارض، ويكون الامر في الحكم
امرا جاهليا، اذ يكون
لذوي العصبيات ان يعيثوا في الارض فسادا..))((43)).
ولهذا السبب يرى ابو زهرة ان الصحابة كانوا يعدون
الشركا في جريمة مرتكبين لها جميعا وان اختلفت
انصبتهم في مقدار الارتكاب((44)). 2- تحميل التبعات
بقطع النظر عن مبادى التحليل القانوني لاساس
التجريم للافعال وما ورد من احاديث كقوله(ص): ((لا
يؤخذ الرجل
بجريرة ابيه ولا بجريرة اخيه)) وان كان هذا يبت في
الموروث من الم آخذ او الحاصل منها لمجردالانتما
او القرابة ودون التضلع فيها. ويعززه قوله(ص) لابي
رمثة وابنه: ((لا يجني عليك ولا تجني عليه)). ولا اوضح
من قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر اخرى)
«الانعام/164».
بيد ان هذه النصوص وغيرها، وان اتجهت الى تقدير
المسؤولية الفردية، لا تعفي في حالة الاعتدا على
النفس من المسؤولية
الجماعية على سبيل الاحتياط وزجر الاهمال. فلا
دلالة فيها مثلا على نفي الدية على العاقلة وهم
العصبات من ذوي القرابة، ((لان الاية -كما يقول ابو
بكر الرازي الشهير بالجصاص- انما نفت ان يؤخذ
الانسان بذنب غيره وليس في ايجاب الدية على العاقلة
اخذهم بذنب الجاني، انما الدية عندنا على القاتل،
وامر هؤلا القوم بالدخول معه في تحملها على وجه
المواساة له من غير ان يلزمهم ذنب جنايته...))((45)).
ومرصد الاهتمام ههنا لا يتجه الى المعاني
الانسانية، او التعبدية، للدية وما قد يترتب على
دفعها من ازالة الضغينة والعداوة بقدر ما يستهدف من
جانب حكم القسامة تحميلا مقصودا للمسؤولية العامة.
الا ترى ذلك بينا في القتيل يوجد بين قريتين كيف
تقاس المسافة بينهما لالقا التبعات بعد
الاستحلاف...((46)) وان افترض امكان الحيلة او
ارادة التلبيس
في وضع الجثة ناحية القرية الاخرى لاضفا التهمة
عليها، او
تقريب انطلا التجريم عليها، بغرض صرف الانظار عن
الجاني
الحقيقي والتغيير عليه او التعمية. اذ المساعد
عليه، وهنا
المعتبر، غفلة المتهم او تهادنه او عجز في دفعها او
ضرب من
اضراب القتل بالترك. والامر جلل يتعلق بالدما
والحال انه لم
يتوق لعصمتها، ففي القسامة او الدية والقود ملتجا
وخير رادع
ومزدجر.
عدا هذا ((فلا قسامة اذا وجد القتيل في الشارع
الاعظم
والسجن والجامع، لان المقصود بها معنى تهمة القتل،
وهذا لا
يتحقق في حق العامة والدية على بيت المال...))((47))
والذي
نراه من زاوية المسؤولية الجنائية انه، وان
تدافعت التهمة على
العموم في محاولة لاقصا التبعة عنهم، رغم الشيوع،
فلا تساهل
مع ذلك في القا التبعة من طريق آخر على الجميع
بالبذل من
بيت المال دية. وهو رمز مادي كاف لجماعتهم. اذا
ماتعذرت
القسامة لافتقاد المعين((48)).
3- تجلي وجوب العقوبة الاصلية في القتل بالازدحام
وهذا القتل من دون اشتراط عداوة هو من نمط ما يصفه
الفقها بكونه شبيها بالخطا من بعض الوجوه. كان
يهلك شخص نتيجة لعمل جماعي ايجابي غير مقصود به
الايذا فيموت في الزحام بفعل ضغط الجماهيرعليه.
فقد ذهبت طائفة من فقها
المسلمين الى وجوب ديته على جميع من حضر، وذهبت
طائفة اخرى الى وجوبها في بيت المال. وذهب الشافعي
الى وجوبها على من يدعي عليه ولي الدم ويحلف انه هو
الذي تسبب في قتله((49)).
والقسامة، في هذا الباب، تزخر بالدفاع الجميل عما
يسمى بحقوق الانسان في ايامنا وتقدير ابلغ ما يكون
في صون
النفوس. سيما انه يذكرنا بم آسي حوادث الزحام،
الذي تذهب
ضحيته خلائق مجهولة في الغالب حين ادا الشعائر.
فلو كان
يعمل باحكام القسامة فيها لكان اودع واحفظ للرقاب
ومتقاة
لتهالك الناس فوضى ايام الحج فيخلصون من التجريم
وتبعاته
نجيا، وربما استرجعوا او حوقلوا على الاحسن او
اولوا
الهلاك قدريا ان لم يغبطوه على محظوظية الموت في
الحج.
ويتكرر الجرم على هذا النحو باستمرار من دون تحديد
للمسؤولية الجنائية للمتزاحمين في ازهاق الارواح
ولا اتخاذ
التدابير الاحترازية والردعية من قبل
ولاة الامور.
الخلاصة لا مندوحة من الاشارة في ختام هذه العجالة
الايحائية الى ان مذهب الاسلام في القسامة سديد.
فلا يضيع دم انسان هدرا مطلقا بغض النظر عن جنس
القتيل او لونه او معتقده، وسوا اكان في محلة ام في
فلاة، ام ضحية زحام ام نتيجة ارهاب ام نحوه،
فالتعويض اما على اهل البلد واما على بيت مال
المسلمين.
وامر ذو بال هو ان الشريعة تتشدد بخصوص الجرائم
الخطيرة التي يتاثر بها امن الجماعة ونظامها تشددا
بالغا يتحرى التدقيق في تحديد الجريمة وترتيب
العقوبات عليها، على غير المنحى في
القوانين الوضعية.
وبهذا تتجلى ميزة اخرى للاسلام في حفظ الدما وصون
كرامة
الانسان وحماية حياته من جميع ضروب العدوان عليها.
الزمخشري ونقد
القراات القرآنية
د. عبد الرحيم مرزوق
كان النحويون القدامى يشيدون صرح النحو العربي على
اساس
متين من القرآن الكريم وقرااته، ولكنهم وجدوا ان
ثمة قراات
قرآنية مستفيضة واخرى غير مستفيضة اتت على وجه خارج
عن القواعد القياسية التي استنبطوها من كلام
العرب، فحكموا عليها بالشذوذ او الرداة او الضعف
او القلة او القبح او الخطا او اللحن، او غير ذلك من
الاوصاف المعيارية التي لا تليق.
والزمخشري، جار اللّه محمود بن عمر (ت سنة 538ه)((50))
واحد من النحويين الذين نقدوا القراات القرآنية.
وهو مسبوق
بهذا النقد، فقد طعن فيها قبله كثير من النحويين
والمفسرين،
منهم سيبويه والكسائي والفرا والمبرد والزجاج((51))
والطبري وغيرهم. ولكن قدر للزمخشري ان يتحمل وحده
وزر
نقد القراات، كانه النحوي والمفسر الذي فتح باب
الطعن على القراات.
وليس ثمة نقد للقراات اثار من الجدل والنقاش
والاخذ والرد مثل نقد الامام الزمخشري في تفسيره
الكشاف((52)).
فقد كاد نقده يكون موضوع حديث المفسرين والعلما
والباحثين، اما دفاعا عن القراات ببيان جراة
الزمخشري على الطعن فيها وتلحين قرائها، والتصدي
له بالنقد اللاذع والاتهام الخطير، او تاثرا
بنقده، بالاخذ به من دون نقاش، او التعاطف معه
تعاطفا يؤدي الى الخبط والاضطراب في
موضوع القراات.
وهكذا انقسم موقف المفسرين والباحثين من نقد
الزمخشري للقراات الى موقفين اثنين:
(ا) موقف طائفة تتسامح مع الزمخشري في نقده
للقراات، وتروي نقده مسلمة به في غير عباراته
القاسية، ومن دون الهجوم عليه بالنقد او التجريح.
ولعل خير من يمثل هذه الطائفة المفسرين الجليلين:
البيضاوي(ت سنة 685ه)،
والنسفي (ت سنة 701ه) وبعض المعاصرين.
(ب) موقف طائفة اخرى تعقبت نقد الزمخشري بالنقاش
الحاد، والرد الشديد، مع التحامل عليه احيانا،
وابرز من يمثل هذه الطائفة: ابو حيان الاندلسي (ت
سنة 745ه)، وشهاب الدين الخفاجي (ت سنة
1069ه)،والكازروني، وفي العصر الحديث:
الالوسي وبعض الباحثين المعاصرين.
(ا) موقف الطائفة الاولى: البيضاوي انموذجا
اختصر البيضاوي، عبداللّه بن عمر بن محمد، تفسيره
((انوار التنزيل واسرار التاويل)) من الكشاف مع نبذ
ما فيه من اعتزال
واثبات مذهب اهل السنة بدلا منه، وينقل البيضاوي عن
الزمخشري نقده للقراات، ولكنه لا يجاريه في
موقفه العنيف منها، اذ ينقدها في عبارات خفيفة
خافتة، ولا يتوسع في هذا النقد توسعه فيه.
ومن نماذج تاثر البيضاوي بموقف الزمخشري نقده
قراة ابي عمرو بادغام الرا في اللام((53)) في
قوله تعالى: (فيغفر لمن يشا ويعذب من يشا)
«البقرة/284». قال: ((وادغام الرا في اللام لحن، اذ
الرا لا تدغم الا في مثلها))((54)). وهو نقد ملخص من
نقد الزمخشري في غير حدته. قال الزمخشري:
((ومدغم الرا في اللام لاحن مخط ىء خطا فاحشا،
وراويه عن ابي عمرو مخط ىء مرتين، لانه يلحن
وينسب الى اعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم.
والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب
في قلة الضبط قلة الدراية، ولا يضبط نح((55))و
هذا الا اهل النحو)).
ويحكم البيضاوي على قراة ابن عامر (وكذلك زين
لكثير من المشركين قتل اولادهم شركائهم)((56))،
فيقول: ((وهو
ضعيف في العربية معدود من ضرورة الشعر))((57)).
يقصد البيضاوي الفصل بين المضاف، وهوكلمة ((قتل)).
وبين
المضاف اليه، وهو كلمة ((شركا)) بالمفعول به الذي هو
((اولاد))، وهي القاعدة التي لا تجوز عند النحويين في
كلام
ولا شعر، وانما اجاز النحويون التفريق بين المضاف
والمضاف
اليه في الشعربالظرف، لانه لا يفصل، فاما بالاسما
غير الظرف فلحن))((58))، وقد قال الزمخشري في هذه
القراة: ((واما
قراة ابن عامر: قتل اولادهم شركائهم برفع القتل
ونصب الاولاد، وجر الشركا على اضافة القتل
الى الشركا، والفصل بينهما بغير الظرف، فشيء لو
كان في مكان الضرورات، وهو الشعر، لكان سمجا
مردودا، كما سمج ورد:
زج القلوص ابي مزاده((59)) فكيف به في الكلام المنثور،
فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته، والذي
حمله على ذلك انه راى في بعض المصاحف شركائهم
مكتوبا باليا، ولو قرا بجر الاولادوالشركا -لان
الاولاد شركاؤهم في اموالهم- لوجد في ذلك مندوحة عن
هذا((60))
الارتكاب)).
ولهذين الانموذجين من تفسير انوار التنزيل نظائر((61))،
وهما خير مثال على تاثر البيضاوي بموقف الزمخشري من
القراات ومتابعته له، بحكاية نقده في غير عبارته
النابية الجارحة.
(ب) موقف الطائفة الثانية من نقد الزمخشري للقراات
قوبل نقد الزمخشري العنيف للقراات من لدن ابي
حيان، ومن تاثر به، بنقد اشد واعنف منه، تجاوزوا
فيه احيانا حد الادب واللياقة في النقاش والرد،
وحملوا الزمخشري وحده وزر نقد القراات كانه
غيرمسبوق.
والظاهر ان ثمة امورا جعلت هؤلا الائمة يوجهون
كبير نقدهم وشديد لومهم الى الزمخشري، ولعل اهم هذه
الامور:
1- اعتزال الزمخشري وجراته على اهل السنة، والدليل
على ذلك قول ابي حيان في نقد ابن عطية لقراة حمزة
بجر
((الارحام))((62)) في الاية الكريمة: (واتقوا
اللّه الذي تسالون
به والارحام) «النسا/1». قال:((واما قول ابن عطية:
ويرد عندي
هذه القراة من المعنى وجهان فجسارة قبيحة منه لا تليق... الا بالمعتزلة
كالزمخشري، فانه كثيرا ما يطعن في نقل القرا((63))
وقرااتهم)).
2- عبارة الزمخشري القاسية، بتلخيصه انتقادات
السابقين
والتعبير عنها تعبيرا ذاتيا، وتلوينها بفكره كانها
صادرة منه
اصلا.
3- تغاير منهج ابي حيان ومن وافقه ومنهج الزمخشري في
تناول القراات بالدرس والاحتجاج، فمنهج ابي حيان
هو
الالتزام في القراات لانها سنة متبعة لا يجوز باي
حال الطعن
فيها او المفاضلة بينها، اما منهج الزمخشري فهو
الالتزام بقواعد
النحاة الصارمة، وبالتالي نقد اي قراة تخالفها،
وترجيح بعضها
على بعض.
4- ان بعض من تعقبوا الزمخشري بالنقد لم يطلعوا -في
اغلب
الظن- على المصادر المتقدمة على الكشاف. فحسبوا ان
صاحبه غير مسبوق في نقده للقراات. فاخذوا يكيلون
له التهم
والردود التي تحمله وحده وزر هذا النقد.
وحسبي ههنا ان اشير الى نماذج تمثل بوضوح ملامح
موقف
هذه الطائفة من نقد الزمخشري للقراات:
كان ابو حيان الاندلسي من اكثر المفسرين الذين
تناولوا
انتقادات الزمخشري للقراات بالنقد والرد
العنيفين، من ذلك
رده على نقد الزمخشري السابق لقراة ابن عامر
(وكذلك زين
لكثير من المشركين قتل اولادهم شركائهم)
«الانعام/137».
قال: ((واعجب لعجمي ضعيف في النحو يرد على عربي صريح
محض قراة متواترة موجود نظيرها في لسان العرب في
غير ما
بيت، واعجب لسوء ظن الرجل بالقرا الائمة الذين
تخيرتهم هذه
الامة لنقل كتاب اللّه شرقا وغربا، وقد اعتمد
المسلمون على
نقلهم لضبطهم ومعرفتهم وديانتهم))((64)).
لا ريب في ان الزمخشري ((اسا في عبارته))((65))،
ولكني لا اجد ابا حيان في رده عليه الا قد جاوز حدود
الادب وسماحة العلما لامام من اكبر ائمة
التفاسير، فمن يقبل قوله فيه: ((عجمي ضعيف في
النحو))!؟ فاذاكان الزمخشري يثلب لكونه اعجميا، فان
كثيرا من المفسرين والعلما والادبا اعاجم،
والاسلام لا يفرق بين عجمي وعربي الا بالتقوى
والعمل الصالح، ثم اذا كان الزمخشري ضعيفا في
النحو، فلم اعتمد النحويون على كتبه يشرحونها
وياخذون ب آرائه واجتهاداته؟! نعم ان النقد يجب ان
يوجه الى الزمخشري، وامثاله، ممن طعنوا في
القراات، ولكن النقد الموضوعي الذي يتم في اطاره التاريخي وبالمنهج العلمي
الهادىء، لا بالتحامل
عليه واتهامه
بسوء الظن بالقرا.
وقبل ان استرسل في ذكر النماذج ابين اني لست ههنا في
محل الدفاع عن الزمخشري، وهو، مهما يكن في امر
اعتزاله او طعنه في القراات، امام من ائمة التفسير
واللغة والادب، لا يحتاج الى مثل هذا الدفاع.وكذلك
لست في محل تجويز نقد القراات معاذ اللّه. ولكني
اسعى الى بيان اسلوب في النقد يحمل في طياته كثيرا
من التحامل على الزمخشري والتعصب عليه.
قرا ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بتحقيق
الهمزتين جميعا في لفظ ((ائمة))، وسهل الثانية نافع
وابو عمرو وابن كثير، واختلف عنهم في كيفية
التسهيل، فذهب الجمهور من اهل الادا الى انها تجعل
بين بين،وذهب آخرون من علما القراات الى انها
تجعل يا خالصة. وقد اختلف النحاة ايضا في تحقيق هذه
اليا وكيفية تسهيلها((66)).
هذه اللفظة التي اختلف فيها القرا والنحويون تعرض
لها الزمخشري عند تفسير قوله عز وجل (فقاتلوا ائمة
الكفر) «التوبة/12»، فقال: ((فان قلت: كيف لفظ ائمة؟
قلت: همزة بين بين، اي بين مخرج الهمزة
واليا.وتحقيق الهمزتين قراة مشهورة، وان لم تكن
بمقبولة عند البصريين، واما التصريح باليا فليس
بقراة ولا يجوز ان تكون قراة، ومن صرح بها فهو
لاحن محرف))((67)).
يتعقب ابو حيان نقد الزمخشري هذا فيقول: ((وذلك دابه
في تلحين المقرئين وكيف يكون ذلك لحنا وقد قرا به
راس
البصريين النحاة ابو عمرو بن العلا وقارىء مكة ابن كثير وقارىء مدينة الرسول(ص)،نافع)).
والحق((67))
انه لا ينقم على الزمخشري هاهنا شيء، فانه انما
قال انها غير مقبولة عند البصريين، ولا يلزم من ذلك
انه لا يقبلها، غاية ما في الباب انه نقل عن غيره،
واما التصريح باليا فانه معذور فيه، اذ اشتهر
بين القرا التسهيل بين بين لا الابدال المحض، حتى
ان الشاطبي جعل ذلك مذهبا للنحويين لا
للقرا، فالزمخشري انما اختار مذهب القرا لا مذهب
النحاة في هذه((69)) اللفظة.
واتصور ان ابا حيان لم يكن يرى في مجال تقويمه الفذ
الشامل لانتقادات السابقين للقراات سوى نقد
الزمخشري المعتزلي.
ففي تفسير قوله جل وعز (ادكر بعد امة) «يوسف/45» يذكر
الزمخشري ان ((من قرابسكون الميم((70)) فقد
خط ىء))((71)).
ينظر ابو حيان الى هذا النقد فيعلق عليه في تحامل
سافر قائلا:
((وهذا على عادته في نسبته الخطا الى القرا))((72)).
من الواضح ان الزمخشري لم ينسب هو نفسه الى القرا خطا، وانما حكى ان بعضهم خطا
هذا القارىء، فانه
قال: ((خط ىء)) بلفظ ما لم يسم فاعله، ولم يقل ((فقد
اخطا)) على انه اذا صح ان من ذكره قرا بذلك فلاسبيل
الى الخطا اليه البتة((73)).
وتمضي السنون، ثم ياتي اصحاب الحواشي، فيتاثر
بعضهم بابي حيان في موقفه من نقد الزمخشري
للقراات، فياخذون في تاثيم صاحب الكشاف واتهامه
بالشك في القراات، وانها في معتقده راي واجتهاد
لانقل وسماع.
ومن هؤلا شهاب الدين الخفاجي، الذي يقول في حاشيته
على ((انوار التنزيل)) غير راض عن نقد البيضاوي
المتقدم لقراة ابن عامر (وكذلك زين لكثير من
المشركين قتل اولادهم
شركائهم) بانه ((تبع فيه الزمخشري، وهو من سقطاته
وسوء ادبه على اللّه الذي يخشى منه الكفر، كما قاله
في
الانتصاف((74))،
والقراات السبع لا بد فيها من نقل صحيح او
متواتر فيما عدا الادا على المشهور، واي مسلم يقدم
على ان يقرا كلام اللّه برايه ويتبع رسم المصحف من
غير سماع خصوصا هؤلا الائمة الاعلام الواقفين على
دقائق الكلام، وهو يظن ان القرآن يقرا بالراي كما
ذهب اليه بعض
الجهلة))((75)).
يا لها من تهم الصقت بالزمخشري ظلما! لقد طعن قبل
الزمخشري في قراة ابن عامر كل من الفرا((76))
والمبرد((77))
والطبري((78)).
ثم جا الزمخشري فنزع من
قوسهم، فكان من المفروض، اذن، ان يوجه النقد قبل
ذلك الى الفرا والمبرد والطبري وغيرهم ممن طعنوا
في هذه القراة.
ولقد كان الامام عبد القاهر البغدادي دقيقا
وموضوعيا حين قال: ((والزمخشري في طعنه على هذه
القراة مسبوق ايضا بالفرا، فكان ينبغي الرد على
الفرا فانه هو الذي فتح، ابتدا، باب القدح على
قراة ابن عامر))((79)). وهل كانوا يظنون هم كذلك ان
القرآن يقرا بالراي؟
انه الايغال في النقد والهجوم على الزمخشري من شهاب
الدين وغيره، والبعد عن النقد العلمي الموضوعي،
والرؤية التاريخية لنقد هذه القراة، والحق ان
الزمخشري لم يشك البتة في القراات، ولا كان
من الجهلة الذين يرون جواز القراة بغير الثابت من
الرواية، ولكن تشبثه المفرط بقواعد النحاة الصارمة
كان هو باعث طعنه في القراات ليس الا.
وياتي، بعد شهاب الدين الخفاجي، ابو الفضل القرشي
الكازروني فيعلق -مثلا- على حكاية البيضاوي لاختيار
الزمخشري قراة (ملك يوم الدين) «الفاتحة/4» بغير
الف((80))
. قال الزمخشري: ((و(ملك) هوالاختيار، لانه قراة اهل
الحرمين،
ولقوله (لمن الملك) «غاف/ج 16» ولقوله (ملك الناس)
«الناس/2»، ولان الملك يعم، والملك يخص))((81)).
والواقع
ان هذا الاختيار من الزمخشري لا يتضمن اي طعن
في قراة (مالك) بالالف ولا يسقطها من حسابه، ولكن
الكازروني يرى رايا آخر في هذا الاختيار، فيعلق
قائلا: ((وانما قال صاحب الكشاف ذلك بنا على
اعتقاده الفاسد من انهم اخذوا ذلك بحسب آرائهم،
وطبائعهم في العربية وتبعه غيره))((82)).
ان الزمخشري تابع من تقدمه ممن فضلوا قراة ((ملك))،
وليس هو اول من رجح قراة ((ملك)) كما توهم
الكازروني، ونص الزمخشري على كل حال افضل من نص
الطبري الذي
ذهب فيه الى ((ان اولى القراتين بالصواب واحق
التاويلين بالكتاب قراة من قراه (ملك يوم الدين) من
دون قراة (مالك يوم الدين)))((83)) وفي الحجة لابي علي:
((قال ابو بكر محمد- سرى: الاختيار عندي (ملك يوم
الدين) والحجة
في ذلك...))((84)). وقال مكي بن ابي طالب: ((فان
قيل: فما اختيارك في ذلك؟ فالجواب: ان القراتين
صحيحتان
حسنتان، غير ان القراة بغير الف اقوى في نفسي لما
ذكرته من الحجج في ذلك...))((85)).
ان الخلاف ايما ابلغ: ملك او مالك خلاف قديم، وترجيح
قراة ((ملك)) بغير الف على قراة ((مالك)) بالالف هو
مذهب
جماعة من المفسرين والنحويين قبل ان يظهر الكشاف
بزمن بعيد. ولو ان الكازروني اطلع على مؤلفات
هؤلا المفسرين والنحويين لما اقدم على اتهام
الزمخشري بان سبب اختياره لقراة ((ملك)) هو معتقده
ان القراة راي واجتهاد من القارىء.
ولما زعم انه هو الذي فتح الباب على ترجيح هذا
الحرف وتبعه غيره.
موقف المعاصرين من نقد القراات في الكشاف: |