الصفحة السابقة

الصفحة التالية

يقول د. خلف محمد الجراد: التطبيع، في المجال الثقافي، كما تنطوي عليه المخططات الاستراتيجية الصهيونية يستهدف في التطبيق العملي:

1- اعادة كتابة التاريخ الحضاري لمنطقتنا العربية عبر تزييف العديد من الحقائق والبدهيات التاريخية المتعلقة بالطريقة الاستعمارية الاستيطانية التي اقحمت الكيان الصهيوني في الوطن العربي، حيث اقامت دولة اسرائيل على الارض العربية في فلسطين مع تشريد اغلبية شعبها.

2- التوقف عن تدريس الادبيات والوثائق والنصوص المعادية لليهود والصهيونية ودولة اسرائيل، بما في ذلك الوارد منها في بعض الكتب المقدسة كالقرآن الكريم تطبيقا للمادة الخامسة من مواد اتفاقيات كمب ديفيد (البند الثالث)، حيث كثفت اسرائيل جهودها العلمية لرصد المفاهيم الاسلامية المؤثرة في الصراع مع الصهيونية وتسجيلها وتحليلها بوصفها احد ابرز وجود العناصر البنائية للذهنية العربية، ففي اثناء زيارة(بيغن) لمصر، في 25 آب راغسطس 1981، اعرب عن استيائه البالغ من استمرار الطلبة في مصر بدراسة كتب التاريخ التي تتحدث عن اغتصاب اسرائيل لفلسطين، وكتب التربية الاسلامية التي تحتوي على آيات من القرآن الكريم تندد باليهود وتلعنهم كالاية التي تقول: (لعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) «المائدة/78» والاية التي تقول: (لتجدن اشدالناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين اشركوا) «المائدة/82».

اما الدكتور ((ساسون صوميخ))، استاذ الادب العربي في جامعة تل ابيب، فقال: ((لقد ساءني جدا خلال زيارتي لجامعة عين شمس ان اجد مكتباتها مملوءة بالكتب التي الفها متعصبون (كما يزعم) ضد اليهود، وهذه الكتب تباع في المكتبات واكشاك الصحف بحرية تامة، وانني لا اعتب على ادباء مصر الذين يتعاطفون مع اسرائيل كتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ اذا لم يفعلا شيئا لمنع هذه الكتب، ولكنني اعتب على المؤسسات السياسية في مصر التي تستطيع بجرة قلم ان تمنع كل هذه الكتب المناهضة لاسرائيل من التداول)).

3- ان تصبح جامعات العدو ومراكز ابحاثه ودراساته مرجعية علمية للمنطقة باسرها، بحيث تؤسس للمشروع الصهيوني الموجه لتدمير الثقافة والهوية الحضارية للمنطقة العربية باكملها، بل احداث التفكيك والفوضى في داخل كل قطر عربي، عبر اذكاء روح التناحر بين المنتمين للاديان والطوائف والمذاهب والجماعات المختلفة من جهة، وعبر محاولة تحقيق السيطرة الثقافية والعلمية والتقنية من جهة اخرى.

وما عبر عنه ((بيريز))، في كتابه ((الشرق الاوسط الجديد))، بان ((القوة في العقود القادمة في الجامعات وليس في الثكنات))، يعد تلخيصا مكثفا للاستراتيجية الصهيونية في هذا المجال. وتقوم هذه الاستراتيجية على تجريد الامة من ثقافتها، لكي تصبح شبيهة بثقافة الكيان القائم في قلبها، اي من دون ثقافة موحدة((102)).

والتطبيع الثقافي يستهدف تدمير المقومات الذاتية للثقافة والحضارة العربيتين، ولهذا فهو، في نظر خبراء العدو وباحثيه وقادته، العنصر الاهم والاكثر الحاحا في فرض الهيمنة الصهيونية على العرب، وجعلهم يستسلمون نهائيا، تعبيرا عن الهزيمة الحضارية، وانهيار كيانهم الجماعي.

وبالتالي، فالمفهوم الصهيوني للتطبيع هو المظلة التي يرتكب تحتها كل ما يضمن للصهيونية تحقيق اهدافها التوسعية واهدافها الاستراتيجية في نهب موارد الوطن العربي، والسيطرة على مقدراته وتفكيكه والغاءالهوية العربية، وتدمير تراثنا وتاريخنا ومستقبلنا. اما الاساليب والوسائل والبرامج الصهيونية المتبعة لتحقيق هذه الاهداف الخطيرة فهي شديدة الاشعاع والتنوع والتداخل والتجدد.

ومن المعروف ان التطبيع ياتي ضمن مخطط دولي تشارك فيه الصهيونية العالمية واسرائيل والولايات المتحدة الاميركية ومؤسسات وهيئات غربية كثيرة، عبر التركيز الشديد على تقويض حقائق ظلت لعقود متتالية قاعدة للثقافة العربية، ولا يمكن دراسة الظاهرة الطائفية التي تصاعدت في السنوات الاخيرة في الوطن العربي بمعزل عن تاثيرات تلك الجهات والدوائر المشبوهة التي نشرت ما يمكن تسميته ب((ثقافة الفتنة))لدرجة انها اسهمت مباشرة في التمهيد لعدد من عناصر الانهيار والتردي التي تخترق اوصال الامة.

و((ثقافة الفتنة)) تقوم على نبش الاحقاد والضغائن وعناصر التوتر في المجتمع، وبث ثقافة تعميق التضاد والتناحر والاختلاف والتقاتل بين الجماعات المختلفة داخل الامة...

التي يعدها غير كاتب عربي من ابرزالعناصر الميسرة او الخادمة للتطبيع الثقافي، وركنا رئيسا من اركان ثقافة التطبيع، لان التطبيع مع اعداء الامة لا يستقيم الا بالفتنة داخل صفوف الامة نفسها.

وياخذ هذا الاختراق شكل الترويج لقيم وعلاقات تصب مباشرة في تدمير المناعة الثقافية العربية، مثل مهاجمة ((العقل العربي)) و((الشخصية العربية)) والتشكيك بالامة العربية وهويتها الحضارية، والترويج لمزاعم الصهيونية، والتيارات الشعوبية الحاقدة، التي تصر على مزاعم متجددة كالقول: ان ((العرب مجرد نقلة للحضارة)) او مترجمين، او لا يتمتعون بعقل علمي تحليلي نقدي، او الترويج لاطروحة الشعوب والاقوام والقبائل الناطقة بالعربية. وان الثقافة العربية الواحدة والامة العربية الواحدة مجرد وهم وخرافة.

فالعقل الصهيوني بات يدرك انه اذا كانت الثقافة العربية الاسلامية صعبة الاختراق لعراقة جذورها ومتانة مقاومتها، لذلك لجا الى وسيلة ايسر واسهل، تتمثل في اختراق بعض المثقفين العرب، الذين يمكن استخدامهم ادوات لتفكيك حصن الثقافة العربية، ودك اساسها من الداخل. وياخذ هذا الاختراق اشكالا واساليب متنوعة من التطبيع، وتصفية مصادر العداء في الفكر السياسي العربي او منابعه، ومحاولة الغاء مايسمى ب((الطابع السلبي)) السائد في الايديولوجية العربية تجاه اسرائيل والصهيونية، وخلق قاعدة فكرية للتواصل والتعامل المباشر مع بعض القوى والهيئات والجماعات والنخب الفكرية والسياسية القائمة.

لذلك لم يكن مستغربا ان يكون العمل الاول الذي قام به اول سفير اسرائيلي في مصر، عقب تسلم مهام عمله في 17 شباطر فبرار 1980، ان قدم شيكا لتوفيق الحكيم على انه قيمة حقوقه المادية من ترجمة كتبه وطبعها في الكيان الصهيوني((103)).

يقول جاد الكريم الجباعي: اذا كان مفهوم النظام العالمي الجديد ملتبسا، فان مفهوم التطبيع اكثر التباسا، وهو ايضا مفهوم مصدر الينا من امريكا واسرائيل، ولم ينجح المثقفون العرب حتى الان في نقد هذا المفهوم اوتحديد تخومه، والكشف عن مضماراته الا على نحو ((سياسوي)) عارض، وفي كل الاحوال ينبغي القول ان اسرائيل لا تستطيع بحكم نيتها ووظيفتها -بغض النظر عن موقفنا منها- ان تكون دولة طبيعية كسائر الدول المعروفة في التاريخ قديمة وحديثة، ولا تستطيع بالتالي اقامة علاقات طبيعية مع ((دول الجوار)) على افتراض انها من دول المنطقة، وهو افتراض الاجابة عنه متروكة للتاريخ اللاحق.

اما مفهوم التطبيع الثقافي فهو من الاوهام التي يحاربها المثقفون العرب والسياسيون الذين اما انهم يفصلون الثقافة عن السياسة وعن الحياة الاجتماعية فصلا ديناميكيا، او يقبلون التبعية الثقافية للسياسة، على الرغم من اعلانهم، ولنقل رغبتهم في استقلال مجال السياسة عن مجال الثقافة.

نحن من الذين يعتقدون ان الثقافة تؤسس السياسة وتقيمها، واذا كانت كذلك فانها تستطيع ان تقعدها ايضا، وان مهمة الثقافة والمثقف الاولى هي نقد الواقع بشكل عام، والسياسة بشكل خاص، فكيف نتحدث عن مقاومة التطبيع، ولا ننتقد التطبيع الثقافي ولا ننتقد التطبيع السياسي والاقتصادي((104)).

ويمكن تعريف التطبيع ايضا بانه التمدد الاسرائيلي غير الجغرافي: ((وثمة مؤسسات وجهات اسرائيلية عديدة بينها لجان اكاديمية مغروزة بعناية... تعكف منذ عدة سنوات على دراسة الكيفية التي يمكن من خلالهاتسريب الثقافة الاسرائيلية، لا بالمعنى الجذري او الانتربولوجي للثقافة، لان اسرائيل لا تملك ثقافة بهذا المعنى، ولكن من خلال منظومة معارف معاد انتاجها، و((مؤسرلة)) بالمعنى الدقيق. وما نشرته اسرائيل حتى الان من احصاءات حول التعاون الاكاديمي والزراعي والتجاري بينها وبين اطراف عربية يدعو الى مزيد من القلق، لانها بذلك لا تسعى، بوصفها دولة تقليدية، الى ممارسة انشطة مع الجيران بقدر ما تسعى الى تصدير تلك المنظومة من المعارف ((المؤسرلة))! واسرائيل تعرف ان التطبيع السياحي ليس مجرد دخل اقتصادي، من باب هو الاكثر نعومة في اشكالية التطبيع، انه مجال ملائم لتصعيد الاهتمام باللغة العبرية وبالتالي انشاء معاهد لتعلمها، وقد تم هذا بالفعل، وان على نطاق عربي محدود.

واللغة ليست مجرد اداة تفاهم حول البيع والشراء او المجاملة السياحية، انها وعاء ثقافة ومفاهيم، والكيان الذي يطمح الى احياء لغة بائدة ك((اليديشية)) اجدر به ان يطمح الى تدويل اللغة العبرية الرسمية وعولمتها،فالتمدد الجغرافي له تجليات غير تلك التي عرفتها الدول والحضارات القديمة، وقد تنجح اسرائيل في تحقيق مشروعها التوسعي عمقيا وليس افقيا، ذلك حين تحقق تمددها السياسي ونفوذها الاقتصادي ومركزيتها المتماهية تاريخيا عبر المركزية الغربية للكون، والتطبيع وحده يقدم لها المجال الحيوي بامتياز لهذا التمدد، ولهذا لا تحرص اسرائيل على شي ء ذي علاقة بالعرب قدر حرصها على انجاح التطبيع، لانه السبيل الوحيد المتاح الان للحد من تمددها))((105)).

وكما راينا، من خلال هذه المنقولة الطويلة، ان التطبيع الثقافي الذي تدعو اليه اسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة الامريكية والغرب الاوروبي، هو واجهة سياسية يتستر بها الغزو الثقافي الاسرائيلي، وهو بجميع ظواهره التي اشير اليها في المنقولة اعلاه يهدف الى محو الهوية الفلسطينية وسلخ الفلسطينيين من عروبتهم واسلامهم، وتركيز المشروع الصهيوني الغربي وتثبيته في قلب الوطن العربي الاسلامي.

والتطبيع الثقافي هو الواجهة ((الممكيجة)) بزاهي الالوان التي يتستر بها ويختفى وراءها الغزو الثقافي.

واخال اننا الى هنا نكون قد تبينا معنى الغزو الثقافي بوضوح، فعلينا ان ننتقل الى معرفة عوامل الغزو الثقافي المعاصر والمعيش، والمتمثل في الاصدارات الثقافية من بحوث وكتب استهدفت العقيدة الاسلامية بالذات، لنكون على بينة اجلى في فهم آثار هذا الغزو الثقافي المشار اليه، وعلى بصيرة اوعى في انطلاقتنا لمعرفة طريقة صده ونقده.

العوامل الغزو الثقافي المعاصر -ومن خلال واقعه المعيش- حركة راسمالية عالمية، على راسها الولايات المتحدة الاميركية، ومن ورائها الغرب الاوروبي الراسمالي، تعاضدها -وبكل قوة- الصهيونية العالمية، وعلى راسهااسرائيل.

ان هذه المجموعة تسعى دائما للحفاظ على الراسمالية، والاحتفاظ بروافدها، وهي ثروات العالم الثالث ومواقعه، العالم الذي وقع فريسة اطماع العالم الثاني الاشتراكي والعالم الاول الراسمالي.

فقد كان ايام وجود الاتحاد السوفياتي احد عاملي الحرب الباردة بين المعسكر الراسمالي والمعسكر الاشتراكي (الشيوعي) لما فيه من ثروات وقعت موضع اطماع المعسكرين، والعامل الثاني هو عالمية الشيوعية التي كانت تهدد الراسمالية لانها البديل الطبيعي الذي لا بد منه في حتمية كارل ماكس التاريخية، كما كان يقول ذلك ويؤمن به هو واتباعه.

وعندما انتهت الحرب الباردة بين المعسكرين بسقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991م، واصبح العالم احادي القطب، تفرغ المعسكر الراسمالي الغربي، بقيادة الولايات المتحدة الامريكية، لشن الحرب ضدالاسلام سياسيا واقتصاديا وثقافيا، ويرجع هذا للاسباب الاتية:

1- ان الاسلام دعوة عالمية ايضا فهو - الاخر- يهدد وجود الراسمالية والراسماليين في هذا العالم المعاصر.

2- قيام الجمهورية الاسلامية في ايران بوصفها انموذجا لنظام اسلامي ثوري يؤمن بالصمود والثبات في وجه كل من يقف عائقا امام تقدم الاسلام لتحقيق عالميته، وكل من يحاول سلب المسلمين عزتهم وثروتهم.

3- توسع الحركات الاسلامية، وهي تدعو الى تطبيق الاسلام في الحياة.

4- تنامي وعي المسلمين بضرورة تطبيق النظام الاسلامي في الحياة للتخلص من نفوذ الامبريالية العالمية وهيمنتها.

ولمواجهة هذه الامور ليس امام العالم الراسمالي الغربي الا نشر قواعده العسكرية في ربوع العالم الثالث، والقيام بهذا الزحف الثقافي المخطط له، والمنظم، والمكثف. تقول موسوعة ح خذچدژپ ذژخدچژذحذچحذس ح وغير المباشرة على الاسلام في الغرب اليوم، وبعضها ياخذ بعدا خطير الاهمية نظرا لارتباط اصحابه بصناع القراراو بتبوئهم لمراكز حساسة بالمعنى الامني الاستراتيجي الغربي.

وفي طليعة هؤلاء ((ديلي كلابس)) سكرتير عام حلف شمال الاطلسي (الناتو) الذي قال وبالحرف الواحد: ان الاصولية الاسلامية لا تقل خطرا على الغرب من الخطر الشيوعي السابق)).

ومثله فعل -ايضا- الكاتب الامريكي ((صمويل هنتينغتون)) الذي يحيي بافكاره روح الحرب الباردة، ولكن باختلاف الموقع هذه المرة، حيث اشار الى ((ان العدو بات هو الاسلام والعالم الثالث بدل الشيوعية والاتحاد السوفياتي، وغير ذلك كثير)).

ظواهر في نقد الفكر الاسلامي وبعد ان عرفنا جل ما يرتبط بالغزو الثقافي، من حيث المفهوم اللغوي والمدلول السياسي، ننتقل الى الالماح الى ظواهر مهمة في النقد المشار اليه لنقف عندها ونوضحها، ثم نحاول تسليط الضوء على ما فيها من مفارقة ابعدتها عن اصابة الواقع والوصول الى الحقيقة، وهي:

1- رايت هؤلاء الناقدين يفرقون بين الفكر الاسلامي المتمثل في نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف فيعدونه فكرا اسلاميا، وبين الفكر الاسلامي الذي هو نتاج تفكير العلماء المسلمين، وهم يفسرون القرآن ويشرحون الحديث، فلا يعدونه اسلاميا.

ويحاولون ان ينصب نقدهم على الفكر الثاني لانه نتاج بشري قابل لان يصيب الواقع فيصل الى الحقيقة، وقابل لان يخط ى الواقع فلا يصل الى الحقيقة.

ولانه، بوصفه هذا، يصلح لان يكون موضعا للمناقشة والنقد، ولا ضير في ذلك لانه اجتهاد بشري يتغير بتاثير مستوى الاجتهاد وظروف المجتهد، وليس هو فكرا اسلاميا ثابتا لا يجوز الاجتهاد فيه((106)).

2- ورايتهم ياخذون بمناهج العلوم الاجتماعية في تفسير الظاهرة الدينية، فيفسرونها بظاهرة اخرى قد تكون طبيعية، وقد تكون اجتماعية، وقد تكون غير ذلك مبتعدين تماما عما يعرف في الاديان الالهية بالغيب.

3- ورايتهم ينطلقون الى الزام اخذ الاخرين بدعوتهم الى تطبيق العلمانية على المجتمعات الاسلامية من مقارنة وضعنا الراهن بالوضع التاريخي لاوروبا قبل الثورة على الكنيسة الكاثوليكية، معتقدين بان وضعناالقائم لا ينصلح الا بالثورة على الدين (الاسلام).

4- ورايتهم يركزون على ان التخلف الموجود عند المسلمين جاءهم من تدخل الدين في كل مفردة من مفردات حياتهم.

اقول:

ان الدعوة الى التفكيك بين الفكر الاسلامي الالهي والفكر الاسلامي البشري لم تكن مقصورة على ما جاء في كتابات من اشرت اليهم من العلمانيين هنا، او في الغرب، فهي في الوقت نفسه موجودة عندنا، وفي حدود اطلاعي نادى بها في ايران الشيخ محمد رضا حكمي، والف فيها ونشر كتابه، وهو باللغة الفارسية، وترجم الى اللغة العربية، ونشر باسم ((النظرية التفكيكية)).

فالدعوة، كما هي موجودة هناك، هي موجودة هنا ايضا.

وكذلك لا فرق في طريقة البحث على اساس من هذه النظرية، فالباحثون هناك والباحثون هنا ياخذون بمعطيات الفكر الحديث ومتطلبات الحياة المعاصرة.

وياتي الفرق بين الباحثين العلمانيين والباحثين المسلمين في ارضية البحث، فالعلمانيون يتحركون داخل دائرة الايديولوجية العلمانية في ضوء ما انتهت اليه من شكل فلسفي نظامي منذ منتصف القرن التاسع عشر((وفي راس مسلماتها حرية الفكر وحرية كل امرى في مناقشة جميع المسائل الجوهرية من مثل وجود اللّه وخلود الروح واسس الالتزام الاخلاقي))((107)).

والاسلاميون، او المسلمون، يتحركون داخل دائرة الايديولوجية الاسلامية في ضوء الحقائق الالهية، فوجود اللّه - مثلا - حقيقة ثابتة لا مجال فيها للنقاش لانها من البديهيات، (افي اللّه شك فاطر السموات والارض) «ابراهيم/10»، وكذلك خلود الروح، (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات واخبتوا الى ربهم اولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون) «هود/23».

في كتاب ((رياح الشرق)): ((عندما كانت فرنسا تقوم بتجاربها النووية في جزر جنوب المحيط الهادي على مقربة من سواحل استراليا، حملت الصحافة في حينه نبا يقول: ان نقابة المومسات في العاصمة الاسترالية كانبيرا، والتي يبلغ عدد افرادها حوالى المئتين، قد قررت مقاطعة البضائع الفرنسية احتجاجا على التجارب النووية الفرنسية في (نيوكاليدونيا) جنوب المحيط الهادي)).

وذكر ((ان المومسات الاستراليات سيقاطعن جميع ((الماركات)) الفرنسية الشهيرة للملابس الداخلية النسائية، وكذلك مستحضرات التجميل والعطور، الى جانب ((عدة الشغل)) الاخرى التي تصدرها فرنساويداومن على شرائها، وخصوصا ذات الاسماء البراقة.

وصرحت رئيسة نقابة المومسات بان اعضاء النقابة سيمتنعن عن تقديم ((خدماتهن)) لاعضاء السفارة الفرنسية في كانبيرا او ضيوفهم من المواطنين الفرنسيين)).. الخ((108)).

وقرات، في احدى الصحف اليومية العربية التي تصدر في لندن، نبا يقول ان المراة السويدية تقدمت بمذكرة الى الحكومة السويدية تطالبها بسن قانون يبيح للمراة السويدية الزواج باكثر من زوج في آن واحد.

ان البغاء وكذلك تعدد الازواج للزوجة الواحدة في وقت واحد قد تبيحهما القوانين في ظل العلمانية لانها تقر انفلات الالتزام الاخلاقي.

بينما هذه الظواهر الجنسية اللااخلاقية، من بغاء وامثاله، محرمة في الشريعة الاسلامية حرمة ثابتة مؤبدة لا تقبل الاباحة بحال من الاحوال.

وهذا يعني انه لا توجد عند العلمانيين في مجالات العقيدة والتشريع والاخلاق، ثوابت لا مجال للنقاش فيها.

بينما في الاسلام هناك قضايا عقدية وتشريعية واخلاقية هي ثوابت في الفكر الاسلامي، لا مجال للنقاش فيها.

وهذه هي ما يعرف عند المسلمين بالامور الثابتة بالضرورة من الدين.

والنقاش فيها، مع علم الباحث بعدم جواز النقاش فيها من اجل زعزعة ايمان المسلمين بالاسلام، يعد هدما لكيان المجتمع المسلم الذي آمن بها وآمن بان سعادته في الحياة قائمة على الايمان بها وتطبيقها في حياته،والتجربة التاريخية التي رادها النبي محمد(ص) تثبت ذلك.

وقامت عند المسلمين على سلامتها وصحتها بديهيات الوجدان وقواعد البرهان من عقلية ونقلية.

فهذا النقاش المشار اليه لا يعني غير الغزو الفكري الذي هو اخطر من الغزو العسكري.

اما القضايا الاخرى، وهي المتغيرات (اي غير الثوابت) التي هي نتاج اجتهاد المجتهدين، سواء اكان ذلك في العقيدة ام في التشريع ام في الاخلاق، فانها تخضع للنقاش، ويجوز فيها ذلك شريطة الالتزام باصول البحث، وبخاصة موضوعية الباحث وحسن نيته وسلامة هدفه واحترامه لاراء الاخرين واقدارهم.

وبالنسبة الى ظاهرة الاخذ بمناهج العلوم الاجتماعية في تفسير الظواهر الدينية فاقدر انها ترجع الى ان جل علماء الاجتماع لا يؤمنون بان الدين ظاهرة الهية، اي انهم لا يؤمنون بانه وحي منزل من اللّه تعالى على النبيين لتنظم به علاقات الانسان باللّه خالقه وبالانسان نظيره وبما سواهما مما يتفاعل معه في هذا الكون.

ومن يؤمن بالدين منهم في انه من اللّه تعالى يقصره على العبادت وما يعرف بالاحوال الشخصية، او على العبادات فقط.

وطبيعي ان هكذا ايمان يناى بصاحبه عن ان يتعامل دينيا مع الظواهر الدينية فيفسرها من خلال واقع الدين باعتباره وحيا من اللّه تعالى.

فليس امامه، والحال هذه، الا ان يعدها ظواهر اجتماعية تفسر شانها شان الظواهر الاجتماعية الاخرى.

بينما، نحن المسلمين، نؤمن بان الاديان السماوية هي من اللّه تعالى، وقد اثبتت هذا مقارنة الظواهر الدينية في مختلف الاديان بعضها ببعض، ومعجزات الانبياء الدالة على نبواتهم.

كما نؤمن بان الاسلام نظام حياتنا في هذه الدنيا، ولجميع جوانبها العبادية والسياسية والاجتماعية والمالية والاخلاقية والادارية والخ.

فالعلمانيون، عندما يبحثون الظاهرة الاسلامية، يبحثونها بوصفها ظاهرة اجتماعية، والمسلمون عندما يبحثونها، يبحثونها بوصفها ظاهرة دينية.

ويعود هذا الى الاعتقاد بالغيب ومدى تاثيره في حياة الناس.

والموقف العلماني هذا لا بد من ان يمس هذا الاعتقاد، بشكل او ب آخر، وذلك بانكار هذا الغيب، وعلى اساس من هذا ان من يقوم بذلك وهو عالم بما ذكرت، اي ليس في ذهنه شبهة حوله، يعد منكراللغيب.

ومتى حاول ان يدخل هذا الى ذهنيات المسلمين ليشككهم في اعتقادهم بالغيب يعد غازيا لمجتمع المسلمين ثقافيا.

وبالنسبة الى الظاهرة الثالثة، وهي مقارنة وضعنا الراهن، المتمثل في تخلفنا تقنيا، بالوضع الاوروبي ايام سلطة الكنيسة الكاثوليكية عليه، المتمثل في تخلفه حضاريا ومدنيا، مقايسة مع الفارق، ذلك ان الدين المسيحي يامر بالزهد بالحياة واحتقارها، بينما كتابنا (القرآن الكريم) يقول: (وابتغ في ما آتاك اللّه الدار الاخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا) «القصص/77»، (قل من حرم زينة اللّه التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق) «الاعراف/32»، ونبينا (محمد) يقول:

((اعمل لاخرتك كانك تموت غدا واعمل لدنياك كانك تعيش ابدا)).

فالكنيسة كانت تقف عائقا امام التقدم الاجتماعي لا سيما في الجانب الاقتصادي.

لنقرا هذا النص المنقول عن ((موسوعة المورد)) تحت عنوان:

ذژخزچدس ح حژ ((العلمانية الاهتمام بشؤون الحياة الدنيا، وقد يقصد بالمصطلح احيانا ((العلمنة))، اي نزع الصفة الدينية، اوسلطان رجال الدين، عن نشاط من النشاطات او مؤسسة من المؤسسات.

وفي الامكان القول: ان الحركة العلمانية بدات في اوروبا مع عصر النهضة حح ذچژ ژخچذحث خلال العصر الوسيط لسلطان الكنيسة الكاثوليكية التي علمت ان جسد الانسان والارض، وهو جزء منها، ماخوذان بخطيئة آدم.

من هنا فهما لا يستحقان من المسيحي الصحيح اكثر من الازدراء. فلما بزغ عصر النهضة وانهمك اهل المدن في الوان من النشاط تبعث في ذات نفسها على الابتهاج والفتنة، وتفضي الى مكاسب مادية ضخمة، وجد هؤلاء انفسهم في وضع يتعارض مع تعاليم الكنيسة تعارضا كاملا:الكنيسة تدعوهم الى احتقار الجسد، وهم يلهثون وراء كل ما يلبي حاجاته ومطالبه، والكنيسة تطالبهم بازدراء الارض والحياة، وهم يجدون في الارض مصدر الثروة ويعملون لدنياهم في المقام الاول.

وهكذا بدا الانفصام بين الكنيسة وقطاعات كثيرة من اتباعها، حتى اذا حاولت ان تفرض وجهات نظرها على هذه القطاعات تمرد القوم عليها، ودعوا الى الاخذ بالعلمانية، اي الى تحرير النشاطات والمؤسسات على اختلافها من سلطان الكنيسة ورجالها)).

بينما الاسلام يحث على التقدم الاجتماعي بمختلف انماطه:

((طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة))، ((اطلب العلم من المهد الى اللحد))، ((اطلبوا العلم ولو في الصين))، (هو انشاكم من الارض واستعمركم فيها)«هود/61»، (والارض وضعها للانام) «الرحمنر10»، (هو الذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) «الملك/15».

وعليه: فسبب التخلف في اوروبا، آنذاك، يعود الى موقف الكنيسة من التقدم.

اما عند المسلمين الان فليس هو الدين، لان الدين الاسلامي يحث على التقدم الحضاري والتقدم المدني، كما افادت هذا الكثير من النصوص، وكذلك الواقع الذي مرت به تجربة تطبيق الاسلام في الحياة.

وانما هو -اعني سبب تخلف المسلمين- القمع الامبريالي الذي يقف ضد اي عمل من شانه ان يدفع المسلمين الى الامام.

وعليه: فدعوة العلمانيين لنا بان نطبق العلمانية في حياتنا ونتخلى عن ديننا لكي نتقدم كما تقدمت اوروبا، عندما رفضت الكنيسة وطبقت العلمانية، دعوة في غير محلها ولا موقع لها.

وذلك يعود الى الفرق بين دين الكنيسة والدين الاسلامي.

ان الاخذ بالعلمانية، حيث يستلزم التخلي عن الدين، امر مرفوض عند كل مسلم يؤمن باسلامه ووجوب التمسك به عقيدة وتشريعا واخلاقا (ان الدين عند اللّه الاسلام) «آل عمران/19»، (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه) «آل عمران/85».

ويترتب على هذا ان الدعوة الى العلمانية، في بلاد المسلمين، وبين ابناء مجتمعهم، هي غزو للاسلام وحرب عليه.

ومن هنا تكون الدعوة الى الاخذ بالعلمانية من قبل المسلمين الذين يعرفون هذا، وليس عن شبهة علقت في اذهانهم لسبب او آخر، هي غزو ثقافي صريح.

ومنه نتبين ما يرتبط بالظاهرة الرابعة في هذا السياق لما يوجد من فرق في سبب تخلف المسلمين الان وتخلف الاوروبيين قبل الثورة على الكنيسة، ولان في الاسلام من العدل الاجتماعي ما يغنينا عن العلمانية وغير العلمانية.

الموقف الى هنا تكون قد تحددت عندنا القضية التي يدور حولها البحث، انها الكتب والبحوث التي الفت وكتبت من قبل اناس مسلمين، في ايامنا هذه، محاولة منهم لنقد الفكر الاسلامي في مجالات العقيدة والتشريع والاخلاق، فما هو موقفنا منها؟ هل تعد جميع هذه الكتابات غزوا ثقافيا؟ وهل كل ما يعد غزوا ثقافيا يحكم على صاحبه شرعا بالارتداد؟ ثم ما هو موقفنا من هذا الغزو الثقافي فكريا؟ هذا ما سنحاول الاجابة عنه لنتعرف موقفنا منه بوصفنا مسلمين علينا ان نحافظ على ثقافتنا وندافع عنها.

والاجابة عن هذه التساؤلات تتشعب الى ما ياتي:

توضيح بيانات الحكم الشرعي ومستلزماته.

بيان حكم الرد فكريا ومسؤولية.

وجوابا عن السؤال الاول نقول: لا بد هنا، اولا، من تشخيص الموضوع الذي يراد الحكم عليه من ناحية شرعية. وهو امر طبيعي، لان اصدار الحكم مسؤولية امام اللّه تعالى توجب التاكد والتثبت من ان الموضوع يستحق الحكم الذي سيحكم عليه به. وتشخيص الموضوع، في مثل هذه القضايا، يتطلب احالة البحث كتابا او غيره الى بينة عادلة خبيرة تحيط بمحتوى البحث، من حيث المعنى والعبارة.

وثانيا: على القاضي، او الحاكم، ان يتاكد من ان ما يستوجب الحكم بالكفر لم يات عن شبهة علقت في ذهن الباحث او الكاتب.

وثالثا: ان يتاكد ايضا من ان لا يكون الموضوع من المسائل الاجتهادية التي تقبل التاويل.

فانه -والحالة هذه- يختلف موقف القضاء باختلاف موقف الباحث او الكاتب من التاويل.

ورابعا: عند ثبوت الادانة وبكل وضوح، ياتي دور الولي الفقيه وولي الامر اللذين لهما الكلمة الفصل في اقرار الحكم ونوعيته ومستواه، وبخاصة اذا كان الموضوع له علاقة بجانب سياسي يقتضي ان يرجع في تحديد الموقف منه الى الولي الفقيه او ولي الامر.

وفي هدي ما تقدم عرفنا ان تشخيص الموضوع لا بد منه لانه هو الذي يحدد لنا ان هذا الكتاب او البحث هو مما يوجب الحكم على صاحبه بالكفر او لا يوجب ذلك.

وموقف صاحبه من المخالفات الشرعية التي فيه، وشخصيته من حيث الاعتقاد بمضامين هذه المخالفات، هل هي عن شبهة او ليست كذلك، هي التي تحدد لنا ايجاب الحكم عليه او عدمه.

كما يحدد لنا هذا انه اذا كانت الكتابة بدافع سياسي لاجل تشكيك المسلمين بدينهم فيكون غزوا ثقافيا او هو ليس كذلك فلا يعد غزوا ثقافيا.

وهنا اود ان اشير -اغلاقا لباب الفوضى في الافتاء واصدار الاحكام- الى ان اصدار اي حكم، او اية فتوى، في مثل هذه القضايا، هو من حق الولي الفقيه، او قضاء الدولة بعد مصادقة الولي الفقيه عليه.

وهذا يعني ان اي فتوى تصدر عن غير الولي الفقيه، في هذه القضايا وما يماثلها، اذا لم تعتمد من قبله، لا يعتمد عليها.

ويستند هذا الى ان النيابة العامة عن الامام المعصوم عند اختيار الولي الفقيه من قبل المعنيين بذلك تنحصر فيه وتقتصر عليه، وهو امر واضح.

هذه خلاصة ما يرتبط بشؤون الحكم.

اما ما يتعلق بالرد فكريا فنقول:

اولا: ان الرد مسؤولية الدولة الاسلامية، لان الغزو الثقافي لا يختلف في خطورته واضراره عن الغزو العسكري، فكما ان صد الغزو العسكري هو مسؤولية الدولة بالدرجة الاولى، كذلك صد الغزو الثقافي هومسؤولية الدولة بالدرجة الاولى، لان الملاك فيهما واحد.

ثانيا: وفي حالة عدم وجود دولة اسلامية تنتقل مسؤولية الرد الى المرجع الديني الاعلى -عندنا معاشر الامامية- لانه النائب عن الامام المعصوم الذي يقوم مقامه في تحمل مسؤولياته التي منها الدفاع عن العقيدة.

وعند الالتزام بمبدا ولاية الفقيه العامة -كما هو الحق- يكون المرجع الاعلى هو الولي الفقيه، وتقدم بيان وظيفته في ذلك.

ومن التجارب التي ينبغي ان تذكر هنا تجربتان رائعتان، هما:

1- موقف الحوزة العلمية، في النجف الاشرف، ضد الغزو الثقافي الشيوعي في اواخر الخمسينات من هذا القرن العشرين الميلادي، بقيادة المرجع الديني الكبير السيد محسن الحكيم (ت 1390ه)، فقد الفت من الكتب في نقد الفكر الشيوعي والرد على كتابات الشيوعيين ما فيه الكفاية وزيادة بامر منه (قدس سره) ونشرت بتمويله، واهمها: كتابا ((فلسفتنا)) و-((اقتصادنا)) للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر. واصدرت عدة مجلات دورية بامره وتمويله(قده)، واهمها ((الاضواء))، مجلة جماعة العلماء.

وبامره ورعايته شكلت جماعة العلماء برئاسة الشيخ مرتضى آل ياسين وعضوية السيد محمد تقي بحر العلوم والشيخ حسين الهمداني في هيئتها العليا، واصدرت في مجال صد الغزو الثقافي الشيوعي منشورهاالاسبوعي الذي كان يكتب من قبل السيد محمد باقر الصدر، ويذاع عن طريق الاذاعة العراقية ببغداد، ويوزع عن طريق البريد العراقي على مختلف انحاء العراق، وعلى مختلف العشائر العراقية عن طريق مبعوثي جماعة العلماء.

يضاف الى هذا الاحتفالات الكبرى في المناسبات الدينية التي كانت تقام في النجف وكربلاء وبغداد وسواها من المدن العراقية، والتي تعاضد فيها علماء السنة وعلماء الشيعة، اضافة الى فتاوى العلماء من الفريقين ضد الشيوعية، وفي طليعتها فتوى الامام الحكيم.

هذه الاعمال جميعها وامثالها استطاعت ان تصد الغزو الثقافي الشيوعي المشار اليه.

2- والتجربة الثانية: الثورة الشعبية الايرانية بقيادة الامام الخميني العظيم (ت 1409ه) التي اطاحت بامبراطورية الشاه المقبور محمد رضا بهلوي، فانهت بذلك غزو الحضارة العلمانية الغربية والشرقية، وقضت على النفوذ الاستعماري الامريكي.

وتم ذلك، بالدرجة الاولى، بالثورة الثقافية الاسلامية التي فجرها الامام الخميني.

ولا تزال هذه الثورة الثقافية الاسلامية حتى اليوم تقوم بدور صد الغزو الثقافي الغربي للعالم الاسلامي.

وقد وسع المرجع القائد السيد الخامنئي من مجالاتها، وامد في ابعادها، حتى وصلت الى دور اعطاء الصورة المشرقة والمشرفة عن مدى قدرة الاسلام على تنظيم الحياة وادارة شؤون الناس.

وفي المرحلة الاخيرة، يكون الرد من مسؤولية ابناء المجتمع الاسلامي من باب الحسبة.

هذا ما كنت اود ان اثيره حول مسالة الغزو الثقافي العلماني ليكون توطئة لدراسات فقهية اعمق واوسع، واللّه تعالى ولي التوفيق، وهو الغاية.

الشيخ الطوسي مجددا.. الاستاذ الاسعد بن علي الشخصية الفريدة واشكالية التجاوز ان الثقافات، مهما تباينت هوياتها واختلفت منابتها، تلتقي في مفارقة تبدو لنا غريبة انتبه اليها بعض الفلاسفة، وشخصها، وبنى على اساسها موقفا من بعض الظواهر الفكرية والتربوية في المجتمع اتخذ احيانا اشكالابعيدة عن الاعتدال.

هذه المفارقة تتمثل في ان الثقافة تكرس، من حيث تشعر او لاتشعر، ازدواجية في وعي الجماهير، اذ انها في الوقت الذي تمجد فيه الانماط الفكرية السائدة الناتجة عن ابداع الاسلاف ونبوغهم فتعدهم رواد تاريخ المجتمع وحضارة القوم، تسعى الى اقصاء كل معادلة للخروج عن هذا النسق الفكري او التربوي السائد، وترفض جميع المبادرات التي تناى بنفسها عن الموروث القديم.

ولقد عبر الفيلسوف برتراندرسل عن هذه ((العقدة)) قائلا:

ففي الوقت الذي تحرص الانظمة فيه على اخراج رجال من طراز معين موافق للقيم السائدة فان هذه الانظمة نفسها تمجد ابطالها من رجال الماضي وتراهم، على وجه الدقة، رجالا من طراز ثائر، وتمنع من ظهور رجال ثائرين على الوضع القائم((109)). وفي ضوء هذا التحليل، يرفض ((رسل)) جميع الانظمة التربوية لانها في الوقت الذي تمجد فيه ابطال الماضي الثائرين المجددين تمنع من ظهور رجال على طرازهم.

ان في تاريخنا الاسلامي شخصيات كثيرة تمثل خير نماذج توضيحية لهذه الظاهرة الثقافية، والشيخ الطوسي الذي نحاول ان نقرا حياته وابداعه العلمي في هذه الدراسة قد يكون من ابرزهم، فلقد جسد هذا الشيخ الجليل ((عقلا)) جبارا في وعينا الاسلامي عموما، وفي تاريخ الفكر الاسلامي الشيعي خصوصا، فقلب العديد من المفاهيم وفتح ابوابا كثيرة في ميادين معرفية شتى، وقاد العقل الى آفاق رحبة جديدة. وقد ادى الشيخ هذا الدور الرائد حتى غدا عنوان ((الشيخ)) ينصرف اليه بلا تردد، كان مقام ((المشيخة)) جعل له خاصة. ومع ذلك فقد شكل تراثه عقبة كاداء امام التجديد لمن جاء بعده، ف ((مضت على علماء الشيعة سنون متطاولة واجيال متعاقبة، ولم يكن من الهين على احد منهم ان يعدو نظريات شيخ الطائفة في الفتاوى، وكانوا يعدون احاديثه اصلا مسلما ويكتفون بها، ويعدون التاليف في قبالها واصدار الفتوى مع وجودها تجاسراعلى الشيخ واهانة له. واستمرت الحال على ذلك حتى عصر الشيخ ابن ادريس فكان يسميهم بالمقلدة، وهو اول من خالف بعض آراء الشيخ وفتاواه وفتح باب الرد على نظرياته، ومع ذلك فقد بقوا على تلك الحال حتى ان المحقق وابن اخته العلامة الحلي ومن عاصرهما بقوا لا يعدون راي شيخ الطائفة))((110)).

هكذا اضحى من فتح باب الاجتهاد على مصراعيه، ونظر لطريقة الاجتهاد المطلق واسس اصولها، سدا منيعا امام هذا السبيل.

ولا نبالغ اذا قلنا: ان هذه النزعة التقديسية تجاه نتاج الشيخ لا تزال معششة لدى المتاخرين انفسهم، فهذا المحقق الشيخ آغا بزرك الطهراني، في معرض بحثه عن اصول الحديث واصحاب المصنفات، يذكرالصعوبات امام استيفاء هذه الاصول واصحابها ويصرح بعجزه عن ذلك بقياس الاولوية، لان الشيخ نفسه اعترف بعدم القدرة عليه: ((فان كان مثل شيخ الطائفة ذلك البحاثة الشهير يعترف بالعجز عن الاستيفاء فنحن احرى بالعجز))((111))! وفي جميع الاحوال، فان هذا الانبهار بنبوغ الشيخ وعطائه العلمي يوحي لنا اننا امام شخصية فريدة سبقت عصرها عقودا، ما اعجز من جاؤوا بعدها على التفاعل مع هذا الارث وتجاوزه.

هذا النبوغ ربما كان وراء محاولات بعض المخالفين نسبته الى مذاهبهم وطرقهم. كما هو حال السبكي في ((طبقات الشافعية))، حيث اعترف هناك بانه فقيه المسلمين الشيعة ومصنفهم، ومع ذلك يذكر انه ((كان ينتمي الى المذهب الشافعي، قدم بغداد وتفقه على مذهب الشافعية))، وكذلك السيوطي في طبقات المفسرين.

ونسبه بعضهم الى المعتزلة: ((اشتهر عنه انه كان في حداثته يتبع مذهب المعتزلة، ولكن ما وصل الينا من خبر لا يتجاوز هذا التقرير ولا يحتوي على شي ء من التفصيل والبيان))((112)).

ولا شك في ان هذا النبوغ نفسه دفع بعض المؤرخين الحاقدين الى تجاهل دور الشيخ بدافع من التعصب المذهبي المقيت، كما هو حال الخطيب البغدادي الذي ترجم لالاف الشخصيات وتغافل عن ذكره.

فمن هو محمد ابو جعفر الطوسي؟ وما هو الاطار السياسي الذي عاش فيه؟ وما هي اهم ملامح الابداع والتجديد عنده؟ نبذة عن حياة الشيخ ولمحة عن عصره هو محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي، نسبته الى طوس (خراسان). ولد في شهر رمضان سنة 385ه.، تراجمه لا تعطينا معلومات كثيرة عن حياته في المرحلة الاولى التي عاشها في مسقط راسه، فلانعرف من هم اساتذته آنذاك؟ وما اذا كان من عائلة علمائية؟ وما طبيعة البيئة التي نشا فيها؟ سنة 408ه.، حين بلغ الثالثة والعشرين من عمره، هاجر الى بغداد فلازم الشيخ المفيد، ممثل زعامة المذهب الشيعي حينئذ، خمس سنوات.

وحينما انتقلت الزعامة الى السيد المرتضى، علم الهدى، على اثر وفاة الشيخ المفيد سنة 413ه. التحق به الشيخ الطوسي و((عني به المرتضى وبالغ في توجيهه وتلقينه، واهتم به اكثر من سائر تلاميذه، وعين له في كل شهر اثني عشر دينارا))((113)). وبقي معه ثلاثا وعشرين سنة استقل، على اثر وفاته، بالزعامة، واصبح علما للشيعة، وشاع صيته وشهرته الى درجة ان ظفر بكرسي الكلام والافادة من الخليفة القائم بامر اللّه الذي لم يكن يمنح هذا الكرسي الالكبار العلماء الذين يتمتعون بشهرة كبيرة.

ومع الاحداث التي وقعت بدخول طغرل بك، اول ملوك السلاجقة بغداد سنة 447ه.، وبسبب الحملة ضد الشيعة واحراق مكتبتهم العامة في محلة بين السورين في الكرخ وقتل شيخ البزازين، هاجر الشيخ سنة 448 ه الى النجف الاشرف لينجو بجلده من موت محقق، اذ انهم احرقوا كتبه وكرسيه الذي كان يجلس عليه للكلام.

وهناك في النجف ((انطلقت ذهنية شيخنا(قدس سره) على المثابرة في الكتابة والتاليف. فلم يثبت التاريخ لشيخنا غير الجد في التدريس والتاليف وادارة الحوزة العلمية والزعامة المذهبية. واما بقية متطلبات الحياة فلم يكن لها اي نصيب عند شيخ الطائفة كما هو المفروض من امثاله))((114)).

فحياة الشيخ تتمثل في خمس مراحل اساسية:

المرحلة الاولى: من 385ه الى 408ه: الولادة بطوس ودراسة العلوم الدينية هناك.

المرحلة الثانية: من 408ه الى 413ه: خمسة اعوام قضاها في كنف استاذه الاعظم الشيخ المفيد.

المرحلة الثالثة: من 413ه الى 436ه: قضاها في ظل استاذه السيد المرتضى.

المرحلة الرابعة: من 436ه الى 448ه استقل بالزعامة المذهبية ببغداد.

المرحلة الخامسة: من 448ه الى 460ه: هاجر الى النجف واسس الجامعة الاسلامية فيها الى ان وافته المنية هناك.

الاطار السياسي والثقافي لعصر الشيخ ان الحقبة الاساسية، في حياة الشيخ، هي الممتدة من سنة 408ه، بعد سفره الى بغداد، الى حين وفاته بالنجف.

وكان للوضع السياسي اثره البارز في دور الطوسي العلمي والقيادي للطائفة، فلقد عرفت حياته آونة انفراج للشيعة بوصول البويهيين الى مركز القرار في بغداد، ولكن هذا الوضع لم يستمر، فانقلبت الامور مع سيطرة السلاجقة المتعصبين ضد الشيعة، ما ادى الى تعقيد الوضع الامني والسياسي وتعكره.

عموما يمكن ارجاع السمات العامة لعصر الشيخ الى العناصر الاتية:

ا اضطراب سياسي عام بسبب ضعف الدولة العباسية وانحلال وتفكك في اطراف العالم الاسلامي وقيام دول في غير بلد من بلدان العالم الاسلامي (دولة الفاطميين، دولة الحمدانيين...).

ب تفاقم الازمات الاقتصادية نتيجة للاضطرابات السياسية، اساسا، وللعوامل الطبيعية في بعض الاحيان. وقد انهار الوضع الاقتصادي ليبلغ حد المجاعة في بعض السنين. يصف ابن كثير الوضع، في احداث سنة 443ه.، فيقول: ((في هذه السنة زاد الغلاء ببغداد والعراق، بيعت كارة الدقيق ب ثلاثة عشر دينارا... واكل الناس من الميتة والكلاب وغيرها، وكثر الوباء حتى عجز الناس عن دفن الموتى فكانوا يجعلون الجماعة في الحفيرة))((115)).

ويذكر، في احداث 446ه، عن فتنة الاتراك: ((ونهب الاتراك من ورد بغداد، فغلت الاسعار، وعدمت الاقوات، وارسل اليهم الخليفة ينهاهم فلم ينتهوا))((116)).

وجاء في كتاب ((المنتظم)) لابن الجوزي متحدثا عن احداث 448ه: ((... وانقطعت الطريق من القوافل للنهب المتدارك.

وكان اهل النواحي يجيئون باموالهم مع الخفر فيبيعونها ببغداد مخافة النهب، ولحق الفقراءوالمتجملين من معاناة الغلاء، ما كان سببا للوفاة والموت حتى دفنوا بغير غسل ولا كفن، وكان الناس ياكلون الميتة وعدمت الاشربة))((117)).

ج العقلية المذهبية: ان التخلف السياسي وانعدام الامن الاجتماعي ينتجان دوما الارضية الخصبة للعقلية الطائفية والتعصب المذهبي. ولقد احتدت الخلافات بين السنة والشيعة في عصر الشيخ بل بين المذاهب السنية نفسها. ومن النصوص التاريخية التي تفيد ذلك، يذكر ابن الاثير في احداث 448ه:

((وهي السنة التي ملك فيها طغرل بك، اول ملوك السلجوقية، وفيها وقعت الفتنة بين السنة والرافضة على العادة، فاقتتلوا قتالامستمرا. وفيها وقعت الفتنة بين الاشاعرة والحنابلة فقوي جانب الحنابلة قوة عظيمة بحيث انه كان ليس لاحد من الاشاعرة ان يشهد الجمعة ولا الجماعات))((118)).

واكدت المصادر التاريخية ان الحوادث الدامية استمرت من سنة 441ه الى دخول طغرل بك سنة 447ه، حيث بلغت الفتنة ذروتها وتقوض ملك البويهيين الذين كانوا يناصرون الشيعة.

وفي تلك السنة 447ه. اقيم الاذان في المشهد بمقابر قريش ومشهد العقيقة ومساجد الكرخ ب((الصلاة خير من النوم))، وازيل ما كانوا يستعملونه في الاذان من ((حي على خير العمل))، وقلع ما كان على ابواب الدور والدروب من ((محمد وعلي خير البشر))((119)).

وجاء في الكامل حول احداث سنة دخول طغرل بك بغداد:

((وامر اهل الكرخ ان يؤذنوا في مساجدهم سحرا: الصلاة خير من النوم)). واشتدت الحملة على المسلمين الشيعة لدرجة التصفية الجسدية لبعض وجوه الطائفة: ((وامر كبير الوزراء الوالي بقتل عبداللّه بن الجلاب شيخ الروافض لما كان يتظاهر به من الرفض والغلو فيه فقتل على باب دكانه))((120)) ، وكان شيخ البزازين.

وطالت الفتنة العمياء الشيخ الطوسي ((فهرب ابو جعفر الطوسي ونهبت داره))((121)) و((احرقوا كتبه وكرسيه الذي كان يقعد عليه للكلام))((122)).

ان النقلة النوعية التي احدثها الشيخ، في مثل هذه الظروف، لم تكن لتحصل لولا القدرة البارعة التي يتمتع بها في الاستفادة وحسن استثمار الممكنات المتاحة في عناصرها المضيئة، وبخاصة العنصر الثقافي الذي عرف، رغم جميع المعطيات السلبية، نموا، اذ انتشرت الثقافة الاسلامية واحتكت مع ثقافات الشعوب الاخرى بفضل تنامي حركة الترجمة من اللغات الاجنبية وبخاصة من اليونانية والفارسية والهندية، ومع تفاعل ذكي في الاطار الثقافي الذي توفر على هذه الجوانب.

وقد ابدى الشيخ براعة في التكيف مع الجو السياسي والامني الضاغط وتاقلم مع هذه المعطيات المعقدة، ونجح في التخلص من ضغوطاتها فنراه مثلا يجانب بكل قوة الانغلاق الطائفي ويناى بنفسه عن المذهبية الضيقة رغم جميع الاجواء العفنة الملوثة.

ومن جهة اخرى، نرى كيف ينجو بنفسه من خطر هذا التعصب ليؤسس مجالا جديدا وفضاء متالقا يشع على العالم من خلاله بعطائه الغض ونتاجه المتدفق.

عوامل الابداع عند الشيخ الطوسي التجديد، في جوهره، ابداع لان الاخير عبارة عن النشاط الانساني الذي تندمج فيه العناصر الذاتية مع العوامل الموضوعية لتقود في النهاية الى انتاج جديد وذي قيمة((123)). والشيخ الطوسي، في نزعته التجديدية، مبدع مبتكر لانه لم يكن من اولئك الذين يركنون للقديم ويقنعون بالموروث ويرتضون الجمود الفكري، بل هو من ذلك الصنف الذي يستبد به قلق الابداع وتلبية حاجات العصر. ان هذا النزوع لا ينطلق من فراغ وانما نشا من تزاوج عوامل عدة:

1- العامل الزمني: ان الحقبة التاريخية الحاسمة التي مرت بها الامة الاسلامية بعامة (القرن الهجري الخامس)، والكيان الشيعي بخاصة، مثلت تحديا صارخا، حيث ان عصر الشيخ الطوسي يمثل حلقة حساسة في تاريخ تركيز جهاز المرجعية في ظل الغيبة الكبرى للامام محمد المهدي بن الحسن العسكري(ع)، وما تستوجبه من جهود لاستكمال بناء هذا الجهاز وبلورة نظرياته العلمية واطاره المعرفي، وبخاصة في ضوءالمثيرات الخارجية التي كان يمليها تطور الفكر السني في مختلف المجالات.

ويمكننا اعتبار الاونة التي قضاها مع المفيد والمرتضى آونة مخاض انبثقت عنها مدرسة الشيخ الجديدة التي توجت جهود الاساتذة والعلماء السابقين، بتركيز هذا الاطار العلمي للجهاز المرجعي.