2- العامل السياسي:
استفاد الشيخ كثيرا من الانفراج السياسي
والامني في عهد البويهيين الذين هيمنوا على الوضع
السياسي
العام، ف ((سيطروا على فارس من بحر الخزر شمالا
والمحيط
الهندي جنوبا، ومن اقليم خراسان شرقا ونهر الفرات
غربا،
وشمل توسعهم هذا بغداد عاصمة الخلافة العباسية
التي
خضعت لهم خضوعا مباشرا بعد دخولهم لها سنة
334ه.))((124)).
وتواصلت سيطرتهم على الوضع السياسي حتى دخول
السلاجقة بغداد سنة 448ه.
ولقد وظف الشيخ هذا الظرف السياسي الملائم، طوال
الاونة
التي قضاها في ظل حكم البويهيين، لخدمة القضية التي
نذر
حياته لاجلها. واستفاد خاصة من اهم الممكنات التي
وفرتها
الدولة البويهية، الا وهي تاسيس المكتبة الكبرى
على يد انو
نصر سابور بن اردشير، وزير بها اللّه بن عضد
الدولة سنة 381ه
على مثال ((بيت الحكمة))، وسياتي تفصيل الحديث عنها
في
العامل الثقافي.
3- العامل الثقافي: يتمثل هذا العامل في تضافر قضايا
هامة
ساعدت الشيخ على تحصيل علمي رفيع ومحيط فكري متطور
ملائم لكل نشاط ابداعي:
ا الاساتذة الاكفا: فلقد لازم الشيخ المفيد خمس
سنوات
والسيد المرتضى ثلاثا وعشرين سنة، ونحن في غنى عن
التعريف بهذين العلمين البارزين في تاريخ الفكر
الاسلامي
والانساني عامة.
كما حضر درس ابن الغضائري وشارك النجاشي في مشائخه.
ب-
المكتبة الضخمة لاستاذه المرتضى، علم الهدى،
التي يروى
انها كانت تحوي ثمانين الف مجلد.
ج-
مكتبة الكرخ، وهي المكتبة سالفة الذكر التي يقول
عنها
الحموي في معجم بلدانه: ((... ولم يكن في الدنيا احسن
كتبا
منها، كانت كلها بخطوط الائمة المعتبرة واصولهم
المحررة،
واحترقت في ما احرق من محال الكرخ عند ورود طغرل بك
اول ملوك السلجوقية الى بغداد سنة 448ه))((125)).
و-
((نافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الاثار ومهام
الاسفار))((126)).
وكانت هذه المكتبة مهمة للغاية، حيث جمع فيها ما
تفرق من
كتب فارس والعراق، واستكتبت ت آليف اهل الهند
والصين
والروم، ويحدثنا ابن الاثير عن حادثة حرق هذه
المكتبة
العظيمة، فيقول: ((واحترقت خزانة الكتب التي وقفها
اردشير
الوزير ونهبت بعض كتبها، وجا عميد الملك الكندري
فاختار
من الكتب خيرها، وكان بها عشرة آلاف مجلد واربعمئة
مجلد
من اصناف العلوم، منها مئة مصحف بخطوط بني مقلة.
وكان العامة قد نهبوا بعضها لما وقع الحريق
فازالهم عميد
الملك وقعد يختارها))((217)).
4- العامل الذاتي: لم تكن العناصر الموضوعية وحدها
كفيلة
بتاطير حركة الشيخ العلمية وانتاجه التجديدي
الغزير، وانما
توفرت في شخصيته خصائص ساعدته على الرقي بالمدرسة
الامامية بخاصة والفكرالاسلامي بعامة، الى حد راى
فيه بعض
المحققين ان العامل الاساسي في نجاح الشيخ وتالقه
في
البحث الفقهي بخاصة هو المؤهلات الشخصية له: ((فما
جدد
شيخ الطائفة، مثلا، في البحث الفقهي لا يرتبط
بتاثيرالمحيط
والعصر وانما هو يرتبط بمؤهلات الشيخ الشخصية
وقابلياته
ونبوغه الشخصي))((218))، لكن مع قيمة هذا الراي فان
التحليل الموضوعي البعيد عن ((الاستغراق الصوفي)) في
شخصية الشيخ لا يمكن له البتة انكار المعطيات
الموضوعية.
ومن المؤهلات الشخصية نذكر:
ا- الذكا:
ان ادنى اطلاع على اعمال الشيخ ومبانيه العلمية
يوحي لك،
بلا ريب، عن حس فكري وقاد عرف كيف يستوعب ثقافة عصره
ويستثمر امكاناتها المتاحة ليقدم حلولا جديدة
ومناهج بديلة. ويتجلى هذا المستوى الراقي من الذكا في الشمولية التي اتسم بها عطاؤه، ورغم ان الاتجاه العلمي السائد في عصر الشيخ هو ((الاتجاه الموسوعي)) فاننا من الصعب ان نجد من تعمق في جميع المعارف والمجالات التي خاض غمارها بالدرجة التي ادركها الطوسي الذي مع امتداد بحوثه افقيا لتغطي جميع المجالات المعرفية في اطار ثقافة عصره، كان لهذه البحوث امتدادها العمودي من حيث العمق والدقة والتجديد حتى صارت اعماله في كل ميدان من الميادين تمثل مرجعية علمية ومعرفية، من المستحيل على كل مختص في ذلك المجال التغاضي عنها. ويقول الشيخ الطهراني في هذا الصدد: ((لا بد من الاعتراف بان شيخ الطائفة بمفرده قام بما لا تقوم به الجماعة، ونهض باعبا ثقيلة لم يكن من السهل على غيره النهوض بها لولا العناية الربانية التي شدت عضده، فان غيره ممن اجهد نفسه الكريمة فكتب والف قد خص موضوعا واحدا كالفقه او الحديث او الدعا او غير ذلك، بينما لم يدع الشيخ بابا الا طرقه ولا طريقا الا سلكها، وقد ترك لنا نتاجا طيبا متنوعا غذى عقول فطاحل عدة قرون واجيال))((129)).
ب- الجراة والشجاعة الادبية:
ان التجديد، في اي مجال، لا بد من ان يصطدم بالنزعة
الاستصحابية المحافظة السائدة في المجتمع. لذلك
يفترض
ان يتميز المجدد بالشجاعة الكافية لطرح آرائه حتى
وان
خالفت المعتقدات السائدة، كمايفترض ان يتصف
بالقدرة
اللازمة للدفاع عن هذه الارا ما دام مؤمنا بها.
والارا والمباني التي انفرد بها الشيخ خير دليل
على جراته
وشجاعته في طرح افكاره. حتى ان بعض آرائه لم يرتضيها
المتاخرون انفسهم، ويمكن ان نستعرض بعض النماذج.
الانموذج الاول: مسالة ما لا يدركه الطرف من الدم،
فقد قال
بانه غير منجس، ولم يحك عدم التنجيس الا عن الشيخ في
الاستبصار والمبسوط((130)).
الانموذج الثاني: مسالة تصوير ذوات الارواح ومنع
المجسمات،
فقد جا في تفسير التبيان حول قوله تعالى: (ثم
اتخذتم العجل
من بعده وانتم ظالمون) «البقرة/51»: ((اي اتخذتموه
الها،
لانهم بنفس فعلهم لصورة العجل لا يكونون ظالمين
لان فعل
ذلك ليس بمحظور وانما مكروه. وما روي عن النبي(ص) انه
لعن المصورين معناه من شبه اللّه بخلقه واعتقد انه
صوره،
فلذلك قدر الحذف في الاية كانه قال: اتخذتموه
الها،وذلك
انهم عبدوا العجل بعد موسى كما قال لهم السامري: هذا
الهكم
واله موسى))((131)). هذا الراي لم يرق بعد حتى
للفقه
المعاصر الذي ما زال يتعامل مع مسالة ((الفنون
التشكيلية))،
خصوصا مع النحت والتجسيم، باحتراز شديد نتيجة عدم
القدرة
على التحرر من انعكاس ظلال الوثنية القديمة
والصنمية
الجاهلية على ذهنيتنا الفقهية، لذلك يفتي
المعاصرون بحرمة
التصوير، لا سيما تصوير ذوات الارواح
ويتشددون اكثر في
المجسمات.
الانموذج الثالث: من الارا الكلامية التي تنسب له
والتي خالف
فيها الخط العام للامامية انه يرى الوعد والوعيد في
الثواب
والعقاب، بمعنى وجوب ثواب المطيع وعقاب العاصي على
اللّه
تعالى، ولا معنى للعفو عن العاصي بلا توبة او
شفاعة في الجملة،
على خلاف المبنى الامامي في هذه المسالة الذي يعتقد
ان من
واعده اللّه على عمل ثواب فهو منجزه، اما من واعده
على عمل
بعقاب فاللّه مخير بين العقاب والعفو.
ولذلك شكك الشيخ آغا الطهراني في نسبة هذا الراي
للشيخ،
فقال: ((افترى ان شيخ الطائفة مع عظيم مكانته في
العلوم
الاسلامية يغفل عن هذا... انما نسب اليه ذلك اعداؤه
وادخله
في ترجمته ابنا العامة الذين ذهب معظمهم الى تلك
الاقوال
والارا، ولم يكن للشيخ في ذلك راي ولا قول))((132)).
ونحن نكتفي بهذه النماذج، وان كان فكر الشيخ يختزن
العديد
منها نستكشفها في ما ياتي، وهي تكشف بوضوح عن قوة
شخصيته وعدم تهيبه لمخالفة الارا السائدة.
ج-
استيعاب الواقع وفهم عميق للمرحلة التاريخية:
ان فهم الحاجات الاجتماعية والعمق في الاحاطة
بجميع
خصائص المرحلة وقوانينها واولوياتها داخل الساحة
التي
يتحرك فيها الفكر مقوم اساسي من مقومات التجديد
والابداع.
والشيخ لم يتميز بهذه الصفة، اذ انه عرف بانفتاحه
على
المذاهب الاخرى، فتتلمذ على يديه من ابنا اهل
السنة اكثر
من ابنا مذهبه، فذكرت المصادر التاريخية انه حضر
لديه ما لا
يحصى عدده من علما المذاهب الاربعة وغيرها، وان
كانت
تلك المصادر لم تحص اسماهم. وتبين بحوث الشيخ
الفقهية
والاصولية انه على علم بفقه السنة وبالاصول على
منهاج
المذاهب الاسلامية جميعها. وتشهد كتبه في الفقه
المقارن
على هذا الاطلاع، خصوصا كتاب الخلاف الذي ذكر فيه
المسائل المختلف فيها عند فقها الاسلام، وحقق
الحق فيها
على مذهب الامامية((133)).
وعلى الرغم من جو التعصب والانغلاق الذي ساد مدة
طويلة
في عصر الشيخ فانه لم يسقط في حبائل الطائفية،
وحاول كسر
هذه الحواجز لتغدو الحقيقة العلمية فوق كل اعتبار،
لذلك
نرى ((اعتدال الشيخ وانصافه في الابحاث الكلامية
ونقله لارا
المذاهب الاسلامية في كتاباته، لا سيما تفسير
التبيان وكتاب
الخلاف وترويجه للفقه التفريعي واشاعته طريقة
الاجتهاد بين
الشيعة على النحو المعمول به عند اهل السنة...
واقتباسه عباراتهم خصوصا من كتب الامام الشافعي،
ولا سيما
في كتابه ((المبسوط)) وايراد الرواية من منسوقهم
وتصحيحه
على جميع روايات الفريقين في كتابه ((تهذيب
الاحكام)) في
بدء العمل وان انصرف عنه في مابعد...))((134)).
وانطلاقا من فهمه العميق لمقتضيات المرحلة جعل الشيخ مؤلفاته اداة في تطوير
الذهنية السائدة، فعندما كانت عقلية القياس والراي مهيمنة على الساحة في اوائل
حياته، حاول ان يهيء الاذهان بتاليفه كتابيه:((التهذيب)) و
((الاستبصار))
على طريقة اصحاب الحديث.
ولما هيمنت النزعة الاخبارية الف كتاب ((المبسوط))
على
طريقة الاجتهاد والقياس والتعمق قصد ايجاد توازن
بين
الطريقتين.((135))
ءمعالم التجديد عند الشيخ الطوسي ان المستقرىء لاعمال الشيخ التي تغطي مجالات
عديدة
(فقه، اصول فقه، تفسير قرآن، حديث، علم رجال، علم
كلام،
دعا...) يكتشف سمات مشتركة توحي لنا بالاطار العام
للتجديد
عنده. ومن هذه السمات:
ا-
اجتناب التعقيد اللفظ ي وسبك عبارات واضحة غير
عصية
على الافهام.
ب-
عقلية منهجية رائدة تظهر في حسن ترتيب فصول كتبه
وابوابها بخاصة.
ج-
تاكيده، في كل كتاب، على هدفه، مع التصريح
بالمستوى
العلمي الذي يتجه اليه في كتابه.
د-
حرصه على ((مجال البحث المعرفي)) المدروس ومحاولته عدم الخلط بين المطالب
المختلفة للفروع المتباينة. ولذلك نراه يحيل القارىء الى كتبه الاخرى، ولا سيما في
((التبيان في
تفسير القرآن)) حتى لا يضيع المطلب الاساسي في غمار
الاستطرادات.
اضافة الى ذلك كان للشيخ، في كل مجال من المجالات
المعرفية المذكورة، الباع الطويل في تطوير مناهجه
وتعميق
بحوثه حتى صارت نظرياته وآراؤه محور الدرس
والتمحيص
لقرون طويلة.
1- في مجال البحوث الفقهية
على يد الشيخ الطوسي دخل علم الفقه مرحلة جديدة في
تاريخه، وذلك بفضل الانقلاب الذي احدثه في هذا
الميدان،
بتحويله الدراسات الفقهية التي كانت تتمحور حول
صياغة
بسيطة للفتاوى انطلاقا من نصوص الرواية الى صناعة
لها
اصولها وفنونها وقواعدها، ((ولاول مرة في تاريخ
الفقه
الجعفري يلمح الباحث ملامح الصناعة في كتابات
الشيخ
الطوسي الفقهية، وطبيعي ان الصناعة الفقهية في هذه
الفترة
كانت تطوي مراحلها البدائية، وكانت مع ذلك بداية
لعهد جديد
وخاتمة لعهد مضى))((136)). وتتسع الابعاد التجديدية، في هذا المجال، للشيخ الطوسي لتغطي((137)):
ا-
تغيير المنهج: كان المنهج السائد يعتمد على ((فقه
النصوص))، اي الفتاوى الماخوذة من نصوص الاحاديث
((حتى
ان مسالة لو غير لفظها وعبر عن معناها بغير اللفظ
المعتاد لها
لعجبوا منها وقصر فهمهم عنها)).
وبمجرد ملاحظة ((ما كتبه علي بن بابويه القمي والد
الصدوق،
وما كتبه الصدوق كالمقنع والهداية وما كتبه ابو
جعفر محمد
بن علي بن الحسين الفقيه الرازي، المتوفى سنة 381ه،
وجعفر
بن محمد بن قولويه وغيرهم من هذه الطبقة يطمئن الى
ان
المنهج العام في ((البحث الفقهي)) في هذه الفترة لم
يتجاوز
حدود عرض ما صح من الروايات والاحاديث))((138)).
اما الشيخ فقد توخى منهجا مغايرا يستند الى قواعد
واصول
محررة في علم الاصول صاغها نظريا في كتابه ((العدة))
اساسا.
وهذا الاتجاه، وان ارجع بعضهم جذوره الى الحسن بن
عقيل
والصدوق والشيخ المفيد، فان رواجه وانتشاره تحققا
على يد
الطوسي، الامر الذي جعل ابن ادريس من علما القرن
الهجري
السادس ينتقد الشيخ بانه اشاع طريقة اهل السنة
(الاجتهاد)
في الشيعة.
ب تفريع المسائل الفقهية: وقد وضع الشيخ طريقته هذه
التي
تعتمد على التفريع مفصلا ومبينا خلفية هذا الخيار
في مقدمة
((المبسوط)) قائلا: ((اما بعد، فاني لا ازال اسمع
معاشر
مخالفينا من المتفقهين والمنتسبين الى علم الفروع
يستحقرون فقه اصحابنا الامامية ويستنزرونه
وينسبونه
وينسبونهم الى قلة الفروع وقلة المسائل، ويقولون:
انهم اهل
حشو ومناقضة وان من ينفي القياس والاجتهاد لا طريق
له الى
كثرة المسائل ولاالتفريع على الاصول، لان جل ذلك
وجهوده
ماخوذ من هذين الطريقين. وهذا جهل منهم بمذاهبنا
وقلة
تامل لاصولنا. ولو نظروا في اخبارنا وفقهنا لعلموا
ان جل ما
ذكروا من المسائل موجود في اخبارنا ومنصوص عليه
تلويحا
عن ائمتنا الذين قولهم في الحجة يجري مجرى قول
النبي(ص) اما خصوصا او عموما او تصريحا او تلويحا.
واما ما
كثروا به كتبهم من مسائل الفروع فلا فرع من ذلك الا
وله
مدخل في اصولنا ومخرج على مذاهبنا لا على وجه
القياس بل
على طريق يوجب علما يجب العمل عليها ويسوغ الوصول
اليها
من البنا على الاصل وبراة الذمة وغير ذلك، مع ان
اكثر
الفروع لها مدخل في ما نص عليه اصحابنا وانما
كثرعددها عند
الفقها بتركيبهم المسائل بعضها على بعض)).
ويضيف: ((فعدلت الى عمل كتاب يشتمل على عدد جميع
كتب الفقه التي فصلها الفقها، وهي نحو من ثلاثين
كتابا، اذكر
كل كتاب منه على غاية ما يمكن تلخيصه من الالفاظ
واختصرت على مجرد الفقه دون الادعية والاداب،
واعقد فيه
الابواب واقسم فيه المسائل واجمع فيه النظائر
واستوفيه غاية
الاستيفا، واذكر اكثر الفروع التي ذكرها
المخالفون واقول ما
عندي على ما يقتضيه مذاهبنا ويوجبه اصولنا بعد ان
اذكر
جميع المسائل. وان كانت المسالة او الفرع ظاهرا اقنع فيه بمجرد الفتيا. وان
كانت المسالة او الفرع غريبا او مشكلا اومىء
الى تعليلها ووجه دليلها ليكون الناظر فيها غير
مقلد ولا
مبحث، واذا كانت المسالة او الفرع فيه
اقوال العلما ذكرتها وبينت عللها والصحيح منها والاقوى وانبه على جهة دليلها لا
على وجه القياس، واذا شبهت شيئا بشيء فعلى جهة
المثال لا
على وجه حمل احداهما على الاخرى او على وجه الحكاية
عن
المخالفين دون اعتبار الصحيح. ولا اذكر اسما
المخالفين في
المسالة لئلا يطول به الكتاب، وقد ذكرت ذلك في
مسائل
((الخلاف)) مستوفى، وان كانت المسالة لا ترجيح فيها
للاقوال
وتكون متكافئة وقفت فيها وتكون المسالة من باب
التخيير))((139)).
وقد نقلت هذا النص على طوله حتى تستبين لنا طريقة
الشيخ
في تفريع المسائل دون اللجوء الى القياس وطرق
المخالفين،
وبذلك يكون الطوسي قد ارسى بكل قوة هذا الاتجاه
التفريعي.
ومن هنا جا تعقيبه في مقدمة كتابه الفقهي
المبسوط: ((وهذا
الكتاب اذا سهل اللّه اتمامه يكون كتابا لا نظير له
في كتب
اصحابنا ولا في كتب المخالفين، لاني الى الان ما
عرفت لاحد
من الفقها كتابا واحدا يشتمل على الاصول
والفروع مستوفيا
مذهبنا، بل كتبهم وان كانت كثيرة فليس يشتمل عليها
كتاب
واحد. واما اصحابنا فليس لهم في هذا المعنى ما يشار
اليه بل
لهم مختصرات واوفى ما عمل في هذا المعنى كتابنا
النهاية
وهو على ما قلت فيه...)).
ج- ((140))
تاسيس الفقه الخلافي او المقارن: اشتدت الحاجة
الى البحوث الخلافية مع تمركز المدرسة الاسلامية
الشيعية
في بغداد وما ادى اليه ذلك من اصطدام بين المدارس
المختلفة وتنوع في البحوث والرؤى. ولئن كانت بذور
البحث
الخلافي المقارن نشات على يد الشيخ المفيد الذي الف
كتاب:
((الاعلام في ما اتفقت الامامية عليه من الاحكام مما
اتفقت
العامة على خلافهم فيه))، وكذلك على يد السيد
المرتضى الذي الف كتاب ((الانتصار)) الا انه يمكننا اعتبار الشيخ الطوسي اول من
درس هذا الفن بشكل شمولي يغطي
جميع المسائل الفقهية ويستوعب جميع ابواب الفقه
ليناقش
ادلة المذاهب الاخرى في اكثر المسائل وينتصر.
ولقد كان تاليفه لكتابه ((الخلاف)) قبل كتابيه:
((التهذيب))
و((الاستبصار))، هذا الكتاب ((الذي ناظر فيه
المخالفين
جميعا وذكر مسائل الخلاف بيننا وبين من خالفنا من
جميع
الفقها، وذكر مذهب كل من خالف على التعيين وبيان
الصحيح
منه وما ينبغي ان يعتقد الى غير ذلك))((141)) .
د- اعتماد ادلة جديدة: سعى الطوسي نحو ذلك لكسر حالة
الجمود التي يعيشها البحث الفقهي، فانبرى الى
((بلورة
ضوابط وموازين استنباطية جديدة تلائم مصادر
التشريع وبنا
الفروع الفقهية على الاصول فيمااذا لم يجد في
الموارد نصا او
لم يسلم بسلامة النص من حيث السند او من حيث
الدلالة))((142)).
وبسبب هذا التوجه ساير الطوسي حالة الاحتجاج
بالاجماع التي
تفاقمت بصورة واضحة في هذا العصر. ولقد طعن بعضهم في
هذا المنحى للشيخ باعتماده الاجماع، مع مخالفته
نفسه
لبعض المسائل التي ادعى فيها الاجماع، وحاول
الشيخ آغا
بزرك الطهراني الدفاع عن الشيخ الطوسي موضحا انه
كان
يستعمل الاجماع ليس على المصطلح عند المعاصرين بل
انه
كان يتمسك بالاجماع في قبال آرا العامة للرد عليهم
بما
هوحجة عندهم حتى في الاصول، مثل مسالة الامامة
والخلافة
ولذا تراه (قدس سره) يستدل بالاجماع في جملة من
الفروع،
ثم يفتي هو في كتابه الاخر بما يخالف ذلك الاجماع((143)).
ه تنظيم ابواب الفقه: هذا الجهد التنظيمي لا يخلو
منه كتاب
من كتب الشيخ الفقهية التي يبلغ عددها احد عشر
كتابا
ورسالتين ذكر منها عشرة كتب في الفهرست((144))
واسقط
ذكر رسالة ((وجوب الجزية على اليهود والمنتمين الى
الجبابرة)).
وقد سبقت الاشارة، في معرض الحديث عن الفقه المقارن
في
((المبسوط))، الى هذا الامر، ولكن نؤكد هنا على كتاب
((النهاية)) للشيخ الذي يتحدث عنه: ((وكنت عملت على
قديم الوقت كتاب النهاية وذكرت جميع ما رواه
اصحابنا في
مصنفاتهم واصولها من المسائل وفرقوه في كتبهم،
ورتبته
ترتيب الفقه وجمعت من النظائر ورتبت فيه الكتب على
ما
رتبت للعلة التي بينتها هناك))((145)).
ورغم هذا الجهد الذي بذله الشيخ فان محاولاته، في
((النهاية)) و((المبسوط))، وغيرهما من الكتب، لا تخلو
من
تشويش انتظر قدوم العلامة الحلي الذي ابتدع تنظيما
جديدا
لابواب الفقه بتقسيمه الى اربعة اقسام:العبادات،
العفو،
الايقاعات والاحكام.
لكن يبقى ابداع الشيخ التنظيمي في ((الجمل والعقود))
غير
مسبوق، وهو يتصف ببلوغ الغاية في تلخيص الالفاظ وعد
الواجبات والمحرمات والمستحبات والمكروهات
والاجزا
والشرائط في مختلف ابواب العبادات.
لقد بلغ ابداع الشيخ ذروته في هذه الرسالة، من حيث
التنظيم
وجدة الاسلوب، ولعل الاتجاه الفقهي المستقبلي نحو
الايجاز
والاختصار للثقافة الشعبية العامة في ظل ظروف
الحياة
الجديدة المزاحمة في اوقاتها،يجد له في هذه
الرسالة خير
نموذج لكتابة فقه مختصر ومبسط.
ءفي مجال علم اصول الفقه
ان علم اصول الفقه، بما هو منطق لعلم الفقه يمونه
بكل قواعد
الاستنباط ومناهج البحث الفقهي، لا يمكن ان ينفصل
في
صيرورته وتكامله عن التطور في المجال الفقهي، لان
العلاقة
التطورية بينهما علاقة جدلية فكل تقدم في احد
الميدانين يؤثر
في التقدم في الميدان الثاني.
ولذلك فان التطور الذي احدثه الطوسي في علم الفقه
كما
سبق بيانه هو الوجه الاخر لجهد علمي فذ بذله في مجال
اصول الفقه، فكما كان كتاب ((المبسوط)) آخر ت آليف
الشيخ
الطوسي يعكس جوانب التقدم الذي حصل في الفقه كان
كتابه
((العدة)) العمق الاصولي لهذا التقدم.
وبلغة الشهيد الصدر نقول: ان علم الاصول ارتقى على
يديه الى
مرحلة عليا ((وانتقل علم الاصول على يده الى دور
جديد من
النضج الفكري كما انتقل الفقه الى مستوى ارفع من
التفريع
والتوسع)).
ووفق نظرية((146)) الشهيد الصدر، في مراحل علم
الاصول،
فان الشيخ هو ممثل للعصر العلمي الكامل الذي انهى
العصر
التمهيدي: ((فقد وضع الشيخ الرائد حدا للعصر
التمهيدي،
وبدا به عصر العلم الذي اصبح اصول الفقه فيه علما
له دقته
وصناعته وذهنيته الع((147))لمية الخاصة)).
ومن الطبيعي ان علم الاصول، في الدور العلمي السابق
للشيخ، كان يتناسب مع مستوى البحوث الفقهية التي
انحصرت في امهات المطالب ولم تتجاوز المعطيات
المباشرة
للنصوص. وهذا لا يعني انكار جهودالسابقين للشيخ في
ميدان
الاصول، بل ان جهود المفيد والمرتضى بخاصة، تعد،
وفق بعض
الدراسات اول محاولة لتمحيص المسائل الاصولية
بصورة
مستقلة عن الفقه. هذه الجهود كانت تمثل الجذر
التاريخي لعطا مدرسة الطوسي الجديدة.
((وقد جا كتاب العدة للطوسي الذي يمثل نمو الفكر
الاصولي
في اعقاب تلك البذور (المفيد وابن الجنيد).. تلبية
لحاجات
التوسع في البحث الفقهي))((148)).
ولم يكن الطوسي غافلا عن الدور الهام الذي سيمثله
كتابه
((العدة))، وكان ملتفتا لعمله التاسيسي الجسيم، فهو
يقول في
مقدمة هذا الكتاب: ((سالتم، ايدكم اللّه، املا
مختصر في اصول
الفقه يحيط بجميع ابوابه على سبيل الايجاز
والاختصار على ما
تقتضيه مذاهبنا وتوجبه اصولنا، فان من صنف في هذا
الباب
سلك كل قوم منهم المسلك الذي اقتضاه اصولهم ولم
يعهد
من اصحابنا لاحد في هذا المعنى الا ما ذكره شيخنا
ابوعبداللّه
رحمه اللّه في المختصر الذي له في اصول الفقه ولم
يستقصه.
وثمة منه اشيا يحتاج الى استدراكها وتحريرات غير
ما حررها،
وان سيدنا الاجل المرتضى، ادام اللّه علوه، وان
اكثر في اماليه
وهو يقرا عليه شرح ذلك، فلم يصنف في هذا المعنى شيئا يرجع اليه ويجعل ظهرا
يستند اليه. وقلتم ان هذا فن من العلم لا بد من شدة الاهتمام به لان الشريعة كلها
مبنية عليه ولا يتم العلم بشيء منها دون احكام اصولها... ومن لم يحكم
اصولها
فانما يكون حاكيا ومعتادا ولا يكون عالما))((149)).
ءفي مجال التفسير
الف الطوسي في التفسير ثلاثة كتب هي:
1- التبيان في تفسير القرآن: ولم يذكره في ت آليفه
في
الفهرست.
2- المسائل الدمشقية: شاملة لاثنتي عشرة مسالة في
تفسير
القرآن.
3- المسائل الرجبية في تفسير آي من القرآن((150)).
في الفهرست يذكر الشيخ المصنف الثاني والثالث، اما
((التبيان)) فلم يشر اليه رغم انه اهم مؤلفاته في
مجال
التفسير، وهو يعد فتحا جديدا في هذا الباب، لانه
((اول من
جمع في التفسير جميع علوم القرآن))((151)).
وهو كذلك
((اول تفسير شيعي جامع بين النقل والعقل وبين
الرواية
والدراية))((152)).
عالج الشيخ، في ((التبيان))، مختلف المسائل من لغة
واعراب
واسباب النزول والمحكم والمتشابه والناسخ
والمنسوخ
والقراات.. الخ.
وقد كانت الامامية تفتقر الى تفسير جامع مثله، وهو
يوضح
ذلك فيقول: ((فان الذي حملني على الشروع في عمل هذا
الكتاب اني لم اجد احدا من اصحابنا قديما وحديثا من
عمل
كتابا يحتوي على تفسير جميع القرآن ويشتمل على
فنون
معانيه، وان المؤلفين السابقين قد تباينت طرقهم في
تفسير
القرآن فاستوعب بعضهم كل ما قيل من الفنون وقصر آخر
فاقتصروا على الغريب ومعاني الالفاظ وسلك الباقون
المتوسط.. وانا،ان شا اللّه تعالى، اشرع في ذلك على
وجه
الايجاز والاختصار لكل فن من فنونه))((153)).
واحتل تفسير ((التبيان)) مكانة مرموقة في تراثنا
القرآني شهد
له بها امام المفسرين الطبرسي في مقدمة تفسيره مجمع
البيان، فقال: ((وقد خاض العلما قديما وحديثا في
علم تفسير
القرآن واجتهدوا في ابراز مكنونه واظهار مصونه،
والفوا فيه كتبا
جمة غاصوا في كثير منها الى اعماق لججه وحققوا في
تفتيح
ابوابه وتغلغل شعابه الا ان اصحابنا، رضي اللّه
عنهم، لم يدونوا
في ذلك غير مختصرات نقلوا فيها ما وصل اليهم
من الاخبار
ولم يعنوا ببسط المعاني وكشف الاسرار الا ما جمعه
الشيخ
الاجل السعيد ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، قدس
اللّه
روحه، من كتاب التبيان فانه الكتاب الذي يقتبس منه
ضيا
الحق ويلوح عليه رواالصدق))((154)).
وامتاز هذا الكتاب بميزات اهمها: 1- التوسط في العرض، فلا اختصار مخل ولا اطناب ممل: ((وانا اشرع في ذلك على وجه الايجاز والاختصار لكل فن من فنونه ولا اطيل فيمل الناظر ولا اختصر اختصارا يقصر فهمه عن معانيه))((155)).
2- استثمار البحوث اللغوية، في مختلف تفرعاتها
النحوية
والبلاغية والصرفية، قصد ترجيح بعض الاقوال او
المذاهب في
التفسير او لعلاج حالات معينة من التعارض.
3- عدم اعتماد الماثور اذا خالف ظاهر الايات الا اذا عضده اجماع او تواتر،
ويوضح الشيخ في مقدمة تفسيره سبب هذا الاحتراز: ((ولا ينبغي ان ينظر في تفسير آية
لا ينبىء ظاهرها
عن المراد تفصيلا او تقليد احدمن المفسرين الا ان
يكون
التاويل مجمعا عليه فيجب اتباع الاجماع، لان من
المفسرين
من حمدت طرائقه ومدحت مذاهبه كابن العباس والحسن
وقتادة ومجاهد وغيرهم، ومنهم من ذمت مذاهبه كابي
صالح والسدي والكلبي وغيرهم))((156)).
4- الاستناد الى الادلة الشرعية والعقلية ومجانبة
تقليد
السابقين: ((واما المتاخرون فكل واحد منهم نصر مذهبه
وتاول
على ما يطابق اصله، ولا يجوز لاحد ان يقلد احدا منهم
بل
ينبغي ان يرجع الى الادلة الصحيحة اما العقلية او
الشرعية من
اجماع عليه او نقل متواتر به لمن يجب اتباع قوله...))((157)).
5- اعتماد المنهج العقلي في الرد على مقولات المذاهب
الاخرى ودفع الشبهات الواردة على معتقدات
الامامية.
6- تاييد الارا الفقهية الامامية استنادا الى
احاديث النبي
والائمة(ع).
في مجال علم الرجال
في الفهرست ذكر الشيخ كتبه الرجالية الثلاثة:
1- الابواب، المعروف ب((رجال الشيخ))، وهي يشمل 9800
ترجمة لرواة الحديث ممن روى عن النبي(ص) والائمة
الاثني
عشر(ع) وكذلك لارباب الت آليف، وقد عقد لكل باب
ورتبه
على ترتيب الحروف،وختم الابواب بباب من لم يرو من
الرجال((158)).
2- الفهرست: ويحوي اسما وتراجم 900 نفر من مصنفي
الشيعة مع ذكر آثارهم وكتبهم، ((وهو كتاب جليل ثاني
الاصول الاربعة في علم الرجال))((159)).
3- اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشي، وهو
اختصار
كتاب الفه ابو عمرو محمد بن عمرو بن عبد العزيز
الكشي باسم
((معرفة الناقلين عن الائمة الصادقين)).
وهذه المصنفات الثلاثة، الى جانب رجال النجاشي،
مثلت
اصول الرجالات الاربعة التي تمحورت حولها البحوث
في هذا
العلم الى يومنا هذا.
من المعلوم ان اهتمام المسلمين بعلم الرجال يعود
الى العهود
الاولى، فصنف عبداللّه بن ابي رافع صاحب امير
المؤمنين، سنة
40ه، كتابا فيه اسما اصحاب رسول اللّه الذين شاركوا
الامام
عليا حروبه وسماه الشيخ في الفهرست ((تسمية من شهد
مع
امير المؤمنين معركة الجمل وصفين والنهروان من
الصحابة))، كما الف عبداللّه الكناني (ت 214ه) كتابا
في الرجال
وكذلك الحسين بن فضال (ت 224ه) وعلي بن الحسين
بن فضال وغيرهم كثيرون كابن عقدة والكشيبي
والعقيم.
غير ان هذه الكتب لم تصل الينا، وانما الموجود الذي
تدور
حوله رحى البحوث الرجالية ما كتب في القرنين الرابع
والخامس، وهو اساسا الاصول الرجالية الاربعة سابقة
الذكر.
ولا تقتصر قيمة كتب الشيخ ومصنفاته في علم الرجال
على
انها حفظت للاجيال الكثير من مواد المصنفات التي لم
تصل
الينا، بل لقد تميزت هذه المصنفات بصفات علمية عظمت
اكثر من شانها:
1- تدارك النقص الحاصل في فهارس الاصحاب: يقول الشيخ
في مقدمة الفهرست: ((فاني لما رايت جماعة من شيوخ
طائفتنا من اصحاب الحديث عملوا فهرست كتب اصحابنا
وما
صنفوه من التصانيف ورووه من الاصول، ولم اجد احدا
استوفى
ذلك ولا ذكر اكثره بل كل منهم كان غرضه ان يذكر ما
اختص
بروايته واحاطت به خزانته من الكتب، ولم يتعرض احد
منهم
لاستيفا جميعه الا ما قصده ابو الحسن بن الحسين
بن عبيداللّه
(ابن الغضائري) رحمه اللّه فانه عمل كتابين: احدهما
ذكر فيه
المصنفات والاخر ذكر الاصول واستوفى علما بل مبلغ
ما وجده
وقدر عليه، غير ان هذين الكتابين لم ينسخهما احد من
اصحابنا)).. ثم يتعرض لالحاح الشيخ الفاضل عليه في
ما يجري
هذا المجرى الى ان يقول: ((عمدت الى كتاب يشمل الاصول
والمصنفات ولم افرد احدهما عن الاخر لئلا يطول
الكتابان لان
في المصنفين من له اصل فيحتاج ان يعاد ذكره في كل
واحد
من هذين الكتابين فيطول...))((160)).
وهكذا تميز فهرس الشيخ عن فهارس السابقين (كابي
غالب
الرازي) بالشمول والتفصيل، لذلك يعد اقدم فهرس مفصل
وصل الينا في هذا المجال.
2- التنوع في طريقة العرض والترتيب: فلئن اعتمد
الطوسي
في ((الفهرست)) على طريقة خاصة يوضحها فيقول: ((وترتيب هذا الكتاب على حروف المعجم... ليقرب على الطالب الظفر بما يتلمسه ويسهل على من يريد حفظا ايضا ولست اقصد ترتيبهم على ازمنتهم واوقاتهم))((161)) . نراه يعتمد طريقة الترتيب حسب العصور والازمنة في كتابه ((رجال الشيخ))، وخالف المنهج السائد باستقصائه اصحاب النبي والائمة حسب ترتيب ازمنتهم ومن روى عنهم بقطع النظر عن كونه مؤمنا او منافقا اماميا او غير امامي.
3- تاليفه ((اختيار معرفة الرجال)) الذي اختلف
المحققون
حول طبيعة العمل الذي قام به الشيخ في تهذيبه لرجال
الكشي، فهناك من ذهب الى ان الشيخ اختار الخاصة فقط
من
كتاب الكشي الذي جمع بين العامة والخاصة، وهناك من
يرى
انه اكتفى باسقاط الروايات التي بها خدش او صححها.
ولكن الخصوصية الاساسية التي تميز هذا التاليف الذي اعتمد فيه ايضا الترتيب حسب
العصور ((هو عبارة عن التركيز على نقل الروايات المربوطة بالرواة التي يقدر القارىء الامعان فيها
على تمييز الثقة عن الضعيف، وقد الفه الشيخ على
نهج
الطبقات مبتدئا باصحاب الرسول والوصي الى ان يصل
الى
اصحاب الهادي والعسكري عليهما السلام ثم الى الذين
يلونهم،
وهو بين الشيعة كطبقات ابن سعد بين السنة))((162)).
4- من المطالب الدقيقة التي اثرت على مبانيه
الاصولية ايضا
تجويزه للعمل بخبر الواحد مخالفا بذلك استاذيه
المفيد
والمرتضى. ويبدو ان الشيخ، في آونة ما، كان يذهب
مذهبهما اذ
نراه في تفسيره الاية (ياايهاالذين آمنوا ان جاكم
فاسق بنبا
فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما
فعلتم نادمين)
«الحجرات/6» يقول: ((في الاية على ان خبر الواحد لا
يوجب
العلم، ولا العمل لان المعنى ان جاكم فاسق بالخبر
الذي لا
تامنون ان يكون كذبا فتوقفوا فيه، وهذا التعليل
موجود في خبر
العدل لان العدل من الظاهر يجوز ان يكون كاذبا في
خبر
فالامان غير حاصل بخبر))((163)).
لكن في ((الاستبصار)) يرى جواز العمل به، فيقول:
((ويجوز
العمل به «يقصد خبر الواحد» على شروط، فان كان
الخبر لا
يعارضه خبر آخر، فان ذلك يجب العمل به لانه من الباب
الذي
عليه الاجماع في النقل، الاان تعرف فتاواهم بخلافه
فيترك
لاجلها العمل به))((164)). وحسب ما ذكر في الفهرست
فللشيخ رسالة في هذا الموضوع: ((رسالة في العمل بخبر
الواحد)).
ءفي مجال الحديث
لما كان الاجتهاد عند الشيعة يقوم اساسا على الكتب
الاربعة:
الكافي للكليني، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق،
والتهذيب
والاستبصار للشيخ الطوسي، نستطيع ان نقول اذا: ان
الثقل
الاكبر في هذا الاتجاه له، بما انه استاثر بنصف
الاصول الحديثية
المعتبرة عندهم..
تهذيب الاحكام الفه الشيخ واستخرجه من الاصول
المعتمدة
لدى القدما التي كانت في متناوله. وقد جعل كتاباته
الاولى
منه: من الطهارة الى الصلاة بعنوان، الشرح على
المقنعة،
لاستاذه المفيد. واشتمل التهذيب على ثلاثة وعشرين
كتابا من
الطهارة الى الديات. وابوابه 393 بابا واحاديثه 13590
حديثا.
ولقيمة هذا الكتاب عده المحدث النوري ((اعظم كتب
الحديث في الفقه منزلة واكثرها منفعة بل هو كاف
للفقيه في
ما يستقيه من روايات الاحكام مغن عما سواه في
الغالب ولا
يغني عنه سواه))((165)).
اما كتاب ((الاستبصار في ما اختلف من الاخبار)) فهو
مستخرج من احاديث التهذيب، تبلغ ابوابه تسعمئة
وخمسة
وعشرين بابا (925) واحاديثه خمسة آلاف وخمسمئة واحد
عشر حديثا (5511).
واختص كتاب ((الاستبصار)) بما اختلف فيه من الاخبار
عالجها الشيخ بما يعالج به الاخبار المختلفة،
بينما اشتمل
تهذيب الاحكام على الخلاف والوفاق. يقول الشيخ في
((الفهرست)): ((وهو يشتمل «يقصدالاستبصار» على عدة
كتب
تهذيب الاحكام غير ان هذا الكتاب مقصور على ذكر ما
اختلف
من الاخبار والاول يجمع الخلاف والوفاق))((166)).
وكالعادة لا يغفل الشيخ عن الاشارة الى ابعاد
محاولاته
التاسيسية في ثنايا بحوثه التي يمكن ان نستعرضها في
ثلاث
نقاط:
اولا: ان كتاب التهذيب كان ردا على طعون المخالفين
على
المذهب ومحاولتهم ابطال المعتقد بسبب شدة الخلاف
بين
الاصحاب في الاحاديث، ما جعل الامر يلتبس على
بعضهم،
لذلك عمد الشيخ الى ((شرح كتاب يحتوي على تاويل
الاخبار
المختلفة والاحاديث المتنافية، فالاشتغال بذلك من
اعظم
المهمات في الدين، ومن اقرب القربات الى اللّه
تعالى، لما فيه
من كثرة النفع للمبتدى، والريض في العلم))((167)).
ثانيا : على خلاف تصانيف الاحاديث الاخرى التي
تكتفي
باستعراض الاحاديث الواردة عن النبي والائمة(ع) في
كل باب
فان الشيخ لا يعزز ذلك ببيان منهجه الاستدلالي الذي
يوضحه
في مقدمة ((التهذيب))متسلسلا حسب الاولوية في
الاستدلال:
ظاهر القرآن او صريحه او فحواه او دليله.
فالسنة المقطوع بها في الاخبار المتواترة.
فاجماع المسلمين ان كان فيها من اجماع الفرقة
المحقة.
فالنظر في ما ورد من احاديث مشهورة.
فالنظر في ما ورد من احاديث تنافيها وتضادها
ومحاولة الجمع
بينها لان الجمع مهما امكن اولى من الطعن في
اسنادها.
ثالثا: ان كتاب ((الاستبصار)) محاولة جديدة ((اذ لم
يسبق الى
هذا المعنى احد من شيوخ اصحابنا المصنفين في الفقه
والاخبار والحلال والحرام))((168)) وجهود الشيخ، في
هذا
الكتاب، مركزة حول معالجة الاخبارالمخالفة، حيث
يبدا اولا
في كل باب بايراد ما اعتمده من فتوى واحاديث فيه، ثم
يعقب
بالاخبار المخالفة ملتمسا وجوه الجمع بينها محاولا
الاستيفا
في ذلك.
ءمساهمات الشيخ في المجالات الاخرى
تعرضنا، حتى الان، الى العمل التجديدي الابداعي
للشيخ في
اهم المجالات المعرفية. ونحن اذ نقتصر على ذلك لا
نلغي ولا
ننفي هذه النزعة في المجالات الاخرى، وبخاصة في علم
الكلام ومجال الادعية والاعمال، حيث اصبحت مؤلفات
الشيخ
ايضا مدار البحث والتلخيص والتهميش، وسنكتفي بعرض
جل
مصنفات الشيخ في هذه الميادين المعرفية كما ذكرها
هو في
الفهرست، ولكن بترتيب آخر:
في ميدان علم الكلام، له:
1- تلخيص الشافي في الامامة، وهو تلخيص وتنظيم لكتاب
السيد المرتضى.
2- المفصح في الامامة، وهو كتاب مختصر جامع في
الامامة.
3- شهيد الاصول، وهو شرح الجزء المختص بالكلام من
كتاب
السيد المرتضى.. محل العلم والعمل..
4- الاقتصاد الهادي الى طريق الرشاد في ما يجب على
العباد
من اصول العقائد والعبادات.
5- منفذ في المدخل الى علم الكلام، وقد قال عنه: ((لم
يعمل
مثله)).
6- اصول العقائد.
7- الغيبة: في غيبة الامام المهدي(عج).
8- مسالة في الاصول وصفها بانها مليحة.
9- المسائل الرازية في الوعيد.
10- النقض على ابن شاذان في مسالة الغار.
11- مسائل اصول الدين.
12- الفرق بين النبي والامام.
في ميدان الادعية والاعمال، له:
1- مصباح المتهجد في اعمال السنة.
2- مختصر المصباح في الادعية والعبادات او المصباح
الصغير.
3- ((يوم وليلة)): في اعمال اليوم والليلة من الصلوات
والتعقيبات.
4- هداية المسترشد وبصيرة المتعبد في الادعية
والعبادات.
كتب في التاريخ:
1- مقتل الحسين.
2- مختصر اخبار المختار الثقفي او اخبار المختار.
كتب متنوعة:
1- المسائل الالياسية: تحوي مئة مسالة في الفنون
المختلفة.
2- انس الوحيد: اما ان يكون في الادعية او مجموعة
متنوعة.
ءلماذا تعطلت الحركة العلمية بعد الطوسي؟
ان هذا العطا الكبير للشيخ الطوسي الذي كان قوامه
ما يقارب
الخمسين مصنفا وتاليفا (ذكرت جلها في ثنايا
الدراسة)،
والمتصف بنزعة تجديدية، يرتكز على طرح المفاهيم
المختلفة: العقائدية، الكلامية،
الفقهية،الاصولية، ويبحث في
مختلف المجالات المعرفية وفق حاجات العصر، انطلاقا
من
قراة متانية واستيعاب كامل لتراث السابقين، اي
على قراة
لاعمال الاولين بمنظور العصر الذي عاشه والتحديات
التي
احاطت به، لذلك فان عددا كبيرا من التصنيفات لم
يكتبها الا
بطلب من مريديه، وبخاصة من يسميه بالشيخ الفاضل:
كالتبيان، والمبسوط، والتهذيب، والاستبصار..
ولقد كان من المتوقع ان تحدث ((هذه الحركة الثورية))
التي
قام بها الشيخ في مختلف الفروع كما يسميها الشهيد
الصدر
حالة مستمرة متصاعدة على يد العلما من بعده في
اتجاه
الابداع والتجديد بما فتحته انجازات الشيخ من
آفاق رحبة امام
الحركة العلمية.
فعودا على بدء نسال عن القضية التي طرحناها في
مقدمة
الدراسة: كيف تحولت اعمال الشيخ الرائدة الى عقبة
ابستمولوجية؟ ولماذا تعطلت هذه الحركة العلمية من
بعده؟
يرجع الشهيد الصدر هذه الظاهرة الى عوامل اساسية
ثلاثة
هي:((169)).
1- انفصال الشيخ عن حوزة بغداد: فالحوزة الفتية التي
اسسها
في النجف كان من الطبيعي الا ترتقي الى التفاعل
المبدع مع
القفزة النوعية التي حققها الشيخ في الفكر العلمي.
اما حوزة
بغداد فلم تتفاعل لانه كان يمارس عمله منفصلا
عنها.
2- التقديس العظيم في نفوس تلاميذه له، ما اضفى على
آرائه
وافكاره هيبة جعلتها تتعالى عن النقد والتمحيص.
3- ضعف عامل الاثارة الخارجي: والمتمثل اساسا في
الفكر
السني، وبخاصة في ميدان اصول الفقه، حيث كان حافزا
لدراسة مطالبه في الاطار الامامي حتى ان الشيخ عبر
عن
الاستجابة لهذه الاثارة، وان تاليفه((للعدة)) هو
نتيجة هذه
الاستجابة: ((ان من صنف في هذا الباب سلك كل قوم
المسلك الذي اقتضاه اصولهم ولم يعهد من اصحابنا
لاحد في
هذا المعنى))((170)).
وحينما اتجه الفكر السني نحو التقليد واغلق باب
الاجتهاد
عندهم ضعف هذا المثير.
ولكن هذا التوقف عن التفاعل مع فكر الطوسي ومنهجه التجديدي لم يكن سوى مرحلة
انتقالية استجمع خلالها هذا الفكر قواه وواصل مسيرته للارتفاع الى مستوى التعطي مع
آرا الطوسي وخبراته العلمية،والى ان يكون
الاستجابة الحية
المتجددة لتحديات المرحلة وحاجاتها.
وبذلك استحقت المدرسة الامامية ان يكون عنوانها
الكبير
((الطوسي)) صاحب هذا المنهج التجديدي المتاصل واحد
رموز الابداع في تاريخنا الاسلامي، مؤكدة مرة اخرى
عبر
التكامل العلمي لهذه المدرسة انهاتمثل ابدا
الاجابة الحاسمة
لكل مرحلة مهما كانت تعقيداتها، كما كان الطوسي في
القرن
الهجري الخامس.. ويحق لنا ان نتسال، ونحن نعيش عصر الانفجار المعلوماتي وعهد الطرق السيارة العالمية للمعلومات والثقافات، وفي ظل هذا التقدم الكبير في مختلف العلوم والميادين، وبخاصة منها العلوم الانسانية: اين يقف فكرنا الفقهي والاصولي من زماننا؟ اين تقف مؤسسة الطوسي متمثلة في الحوزة العلمية من تحديات عصرها؟ هل استوعبت هذه المؤسسة الدرس الاكبر من الشيخ: ان تكون شاهدة عصرها بتوظيف عطاالماضي وممكنات الحاضر لاجل تحقيق خطوة الى الامام ترتقي بالفكر الانساني نحو غاياته الكبرى؟!
د. سعيد يعقوب
المفهوم الحقيقي للامامة
هناك قطاع واسع من المسلمين يعد الامامة فرعا من
فروع
الدين، وهناك قطاع آخر، اقل عددا، يعدها اصلا من
اصول
الدين يكمل مفهوم النبوة.
وبالرجوع الى المعاجم، نجد ان الجذر اللغوي
للامامة هو
((ام))، والامام هو الذي يقتدى به، وجات كلمة الامام
بمعنى
الكتاب، وبمعنى الطريق الواضح، وجات بمعنى
الدليل، ويؤم
فلان اي يقصد. وفي محيط المحيط: الامام هو قيم الامر والمصلح له. وحين نقرا قول
الامام علي(ع): ((انما مثلي بينكم كمثل السراج في الظلمة يستضيء به من ولجها))((171))
نجد
ان الاكتفا بالاصل اللغوي للكلمة لا يكفي ولا يفي
بالغرض،لذا
لا بد من الاهتمام بمفهوم الامامة كما هو متاصل في
عمق
النفس البشرية، ومن حيث ان هذا المفهوم اصبح شانا
اجتماعيا.. اذ ان للامامة مفهوما تترتب عليه نتائج
اكثر شمولية
واشد تعقيدا من جملة القضاياوالمناصب الادارية
والسياسية
والاجتماعية.
لقد وصف الامام علي(ع) اهل البيت بانهم ((ابواب الحكم
وضيا الامر))((172))، وهناك عدة مواضع، في
القرآن الكريم،
وفي السنة الشريفة، تربط بين اهل بيت النبوة وبين
الضيا
والنور، ما يفهم منه ان الابتعادعنهم وتركهم هو
دخول في
الظلمة والتمسك بهم هو انفتاح على النور..
فان كان هذا هو المفهوم الحقيقي للامامة، فهل يعني ذلك انها لا تشمل القيادة
بالمعنيين السياسي والاجتماعي للكلمة؟ بالعكس فان مفهوم الامامة يشمل، اولا، البعد
الشمولي الذي يحقق متطلبات النفس البشرية،ويشمل، ثانيا، البعد القيادي الدنيوي، على
ان هذا لا يزيد الامامة شرفا ولا ينقصها عزا، وقد قال الامام علي(ع): ((اللهم انك
تعلم انه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماسا لشيء من
فضول الحكام)).
وقال الامام،((173)) ايضا، معبرا عن المعنى
الشمولي للامامة:
((ايها الناس، اني قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ
الانبيا بها
اممهم، واديت اليكم ما ادت الاوصيا الى من
بعدهم))((174)).
دور الامام في حياة الناس
يتحدث علما الاثار والانتروبولوجي عن وجود دائم
لرموز
عبادية عند مختلف الامم، ومنذ القدم، بحيث يصعب فصل
الدين، او الاساليب التي تعبر عن العبادات، عن
مسيرة البشرية.
فالتدين، بمعنى ركون الانسان الى اعتقاد من نوع ما،
فكرا من
جهة وتعلقا عاطفيا من جهة اخرى، يتناغم مع الانسان
ويتوافق
مع نفسيته وفطرته التي فطر عليها..، فليس هناك انسان
غير
محتاج الى دين ما: معتقدات معينة((175)).
طبعا، هذا من اساس الفطرة، وقبل ان تتدخل مجموعة
الاحتياجات الغريزية واللذات الجسدية، فتحجب هذه
الفطرة
مع مرور الازمنة والاجيال عند بعض الناس. وان اغلب
آمال
الناس وميولهم تنبع من عالم ماورا الطبيعة حسب
تعبير وليم
جيمس.
حين نقرا الاية القرآنية الكريمة، حين يقول تعالى
في
ابراهيم(ع):
(واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن
قال اني
جاعلك للناس اماما)، وحين نرى ان الالوسي حمل
((العهد))،
في هذه الاية، على الامامة وجعلهاشاملة للنبوة
والخلافة، وهذا
راي كثير من المفسرين، نستخلص ان ابراهيم حاز هذه
المرتبة
كما حازها محمد(ص) ايضا باحقيته بابراهيم: (وان اولى
الناس
بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي)، كما حازها
علي(ع) ايضافي
حديث المنزلة: ((انت مني بمنزلة هارون من موسى))، وفي
حديث ((من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من
والاه..
الخ)). وقد ادى الرسول(ص) الامانة كاملة، حين قام
بابلاغ
المسلمين عن ائمتهم رحمة بهم، وبذا فان قلوب
المسلمين
تلتفت الى الامام الجامع لخصال النبوة والخلافة
والامامة
والذي تلجا اليه النفس بالفطرة كما ذكرنا.
ان الدور الذي يقوم به الامام في حياة الناس هو دور
انساني
شامل، باعتبار الوشائج التي تربطه بالانبيا بعامة، ولهذا الدور جدلية دائمة
مستمرة في ما بين النفس البشرية وبين تعلقها واملها، فهي بطبيعتها ميالة نحوالسعادة
غير راغبة بالشقا((176))،
وهي باحثة لا محالة عن هدف وباحثة ايضا عن
مرشد الى هذا الهدف.
وان هذه النقطة نجدها في ادبيات الانسان منذ اقدم
عصوره
حتى عصور الكتابة، ادبياته التي تعبر عن مشاعره
وتاملاته.
والواقع ان الهدف الانساني متعلق بالمثال فان حظ ي
بمرشد
تحسس لذة وان لم يعثر عليه شعر بالضيق والخوا.
ولننظر الى هذه الفقرة من ((ملحمة جلجامش)) التي تجمع
تصورات البشر ما بين الالف الرابع والالف الثاني
قبل الميلاد
في بلاد ما بين النهرين. وهذا المقطع هو: ((هو الذي راى كل شيء فغني بذكره يا بلادي، وهو الذي عرف جميع الاشيا وافاد من عبرها، وهو الحكيم العارف بكل شيء، لقد ابصر الاسرار وكشف عن الخفايا المكتومة وجا بانبا ما قبل الطوفان)).
|
|---|