ومن هذه
المحاولات ((حديث عيسى بن هشام)) لمحمدبن
ابراهيم المويلحي (1868- 1930) الذي حقق امرين اساسيين:
اولهما ابتكار شخصية تجسد هموم الناس، وتنطق
برؤيتهم،
فتعبر، بذلك، عن شخصية تنتمي الى واقعها، او الى
الحياة
المعيشة، وثانيهما استخدام لغة قصصية تخلص اللغة
العربية
الفصحى، الى حد بعيد، من قيود المحسنات البديعية،
ومن
الركاكة في الوقت نفسه، وتخطو الخطوة الاولى في
مسارتحديث هذه اللغة. ولا يخفى ان هذين الامرين
كانا من
ابرز المهمات التاريخية التي كانت منوطة بالادب
آنذاك.
ومن هذه المحاولات، ايضا، مقالات عبداللّه النديم
(1845
1896) القصصية التي كان ينشرها في جريدته: ((التنكيت
والتبكيت)). فقد كان يسرد، في هذه المقالات، حوادث
ووقائع
في صورة، يصفها بقوله ((ترتاح اليها النفس، ويميل
اليها القلب،
ويخبرك ظاهرها المستهجن ان باطنها له معان مالوفة.
وينبهك نقابها الخلق بان تحتها جمالا يعشق...))((348)).
وقد اتصفت الصور التي كانت تتضمنها هذه المقالات
القصصية
بخصائص تمهد لنشوء فن الاقصوصة. ومن هذه الخصائص:
-اختيار المادة القصصية ذات الصلة بالحياة المعيشة
-ادا
المادة بلغة سهلة غير ركيكة،((مفارقة)) للغة عصرها
المثقلة
بالزخارف -طلاوة السرد وايحائية المفردات
والمواقف-
الحرص على التشويق في تنمية للسياق الذي يكتمل
ناطقا
بمغزى...
عاد النديم الى الاحدوثة، وعاد المويلحي الى
المقامة... وكان
ممكنا ان تتكون تجربة تطعم (نستعير هذا التعبير من
علم
النبات لدلالته على طبيعة تواصل كان ممكنا) فيها
الاشكال
التراثية بلقاح الحياة المعيشة فتنتج اشكال
جديدة، غير ان
مستجدات الحياة، وابرزها معرفة الاشكال القصصية
الاوروبية،
من طريق الاتصال المباشر بها، او من طريق الترجمة،
كونت،
لدى كثير من الكتاب، تجربة مغايرة، تتمثل باختيار
هذه الاشكال والنسج على منوالها...
وفي سياق هذه التجربة التي حولت اتجاه النمو حاول
بعض
رواد كتاب القصة الافادة من التراث القصصي العربي،
من
طريق استلهام بعض نماذجه الناجحة: احداثها او
شخصياتها او
اطارها. ومن المحاولات التي تذكر، في هذا الصدد:
محاولات
طه حسين في ((على هامش السيرة)) و((الوعد الحق))
و((احلام شهرزاد)). ومحاولات محمد فريد ابو حديد في
((عنترة)) و((الوعا المرمري)) و((الملك الضليل))
و((ملكة
تدمر)).ومحاولات توفيق الحكيم في ((اهل الكهف))
و((شهرزاد)) و((السلطان الحائر)). ومحاولات عزيز اباظة
في
((شجرة الدر)) و((قيس لبنى)). ومحاولات محمود تيمور في
((اليوم خمر)) و((ابن جلا))... ومنها، ايضا،
مؤخرا،رواية ادوار
الخراط ((اضلاع الصحرا))، الصادرة عام 1987.
وان يكن الخراط قد عاد الى الحدث التاريخي لينشى من
مادته
رواية، مثله في ذلك مثل كثيرين آخرين، فانه لم
يستلهم انواع
القص العربي واشكاله... وقد عرفت محاولات استلهام
التراث
تجربة مختلفة تتمثل بالعودة الى انواعه واشكاله
بغية الافادة
منها في تقديم انتاج قصصي جديد. ومن هذه المحاولات
الحديثة، التي لا تزال قائمة، على سبيل المثال، ما
يجريه
القاص والروائي المصري جمال الغيطاني من
تجارب...والملفت، في هذه المحاولات جديتها ونجاحها.
وهذا
امر طبيعي، اذ ان طبيعة تجربة الكتابة تغيرت، فلم
تعد نسجا
على منوال شكل، وانما غدت تفاعلا يهدف الى انتاج
جديد
يجسد تجربة العيش، كما ان الاطلاع على التراث
القصصي
العربي غدا ميسورا للكثيرين، من كتاب القصة
الموهوبين. هذا
اضافة الى العديد من الدراسات التي تناولت فنية
القص العربية.
ويمكن للباحث، في تطور القصة العربية الحديثة،
ملاحظة ان
الانتاج القصصي الذي اتبع الاشكال الغربية بقي
متصلا بالتراث
القصصي العربي العريق. ويتخذ هذا الاتصال الفاعل
مظاهر
عديدة يمكن ان نشير منهاالى ثلاثة مظاهر، نحاول
تبينها، على
سبيل التمثيل، لدى اهم قاص وروائي عربي، وهو نجيب
محفوظ.
يتمثل المظهر الاول في ان ذلك الانتاج القصصي كان
يخرج
على القالب الغربي وقواعده واصوله، ولا يتقيد بها.
وقد اشار نجيب محفوظ الى ذلك عندما قال: ((ان القصص
القصيرة التي نشرها، قبل الستينات، كان معظمها
قصصا
قصيرة لا تتقيد بقواعد هذا الفن المقررة... وكان
عبارة عن
ملخصات رواية قديمة لم تنشر...))((349)).
ونحن، اذ نقرا هذه الاشارة، نسال: الا يتيح لنا هذا
الكلام
ملاحظة ان القصص الذي كان ينشره القصاصون العرب،
((قبل
الستينات))، اي في مرحلة النشاة وما تلاها من
بدايات، لم يكن
وليد التاثر بخصائص الاشكال المترجمة وحدها،
وانما كان
قصصا تدخلت عوامل عديدة في انتاجه، ومنها من دون شك
القصص الغربي الذي كان يقتبس احيانا، ويحتذى
احيانا
اخرى... ويتم التفلت منه في كثير من الاحيان بفعل
التجربة الخاصة التي يدخل في تكوينها التراث
القصصي العربي،
الذي بقي فاعلا، وان بشكل مستتر، وسوف نرى ظهور هذه
الفاعلية في ما ياتي.
اما المظهر الثاني فيتمثل في ان ذلك الانتاج
القصصي، كان
يتصف، وهو يتخذ قالب الرواية الحديثة، في المثال
الذي
نقدمه، بخصائص القص العربي. وقد بينت د. سيزا قاسم،
وهي
تدرس بنا الرواية دراسة مقارنة بين ثلاثية نجيب
محفوظ
وروايات غربية مشابهة لها، ومنها ((ايجنيه غرانديه))
لبلزاك
الفرنسي ما ياتي((350)):
على مستوى البنا:
تدرس د. سيزا الفصول الثلاثة، من ((قصر الشوق))، التي
تعالج
علاقة ياسين بام مريم، وترى انها تمثل وحدة قصصية
مستقلة،
لها بدايتها ووسطها ونهايتها،... وبعد ان تبين
المنحى الذي
تتخذه في التاليف تقرر:((فكل فصل من هذه الفصول له
زمانه
ومكانه وعقدته، ويمثل وحدة مستقلة. ثم ان الفصول
الثلاثة
تكون وحدة اكبر تتميز، ايضا، بالصفات نفسها. ونرجح
ان هذا
البنا ياتي من المؤثرات العربية التي يعمل في
ظلهانجيب
محفوظ. فالمقامة العربية هي وحدة قصصية مستقلة لها
بنيتها
الخاصة. ويجب الا ننسى ان الرواية في مصر بدات في ظل
هذا
الشكل المقامي. ولا بد ان صداه ظهر في المؤلفات
الاولى،
وامتد بشكل اخف في الانتاج القصصي بعد ذلك. هذا
بالاضافة
الى الف ليلة وليلة التي تتكون من وحدات قصصية
صغيرة
داخل اطار اوسع، وتمثل كل قصة وحدة مستقلة متماسكة
داخل الاطار العام. وينتفي فيها تداخل
الوقائع والشخصيات،
لان كل قصة، رغم تقسيمات الليالي التي تصبح جد
مفتعلة،
هي قصة قائمة بذاتها)).
وفي تقديرنا ان التاثير الفاعل يعود، ليس الى
المقامة القالب
القصصي القصير المستقل، وانما الى نمط القصة
الاطار ومن
نماذجه المشهورة الف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة،
السائد في
التراث الشرقي. وقد طوره القصاصون العرب
والمسلمون،
وعرفه الاوروبيون من طريق الترجمة، فكان الاساس في
نشاة
الرواية الحديثة. وهذا مظهر من مظاهر تاثير التراث
القصصي
العربي في اغنا فن القص العالمي وتطوره.
وقد خلصنا في دراسة بنا اثنتي عشرة رواية لبنانية
صدرت،
خلال الاونة الممتدة من عام 1972 الى عام 1992، الى ما
ياتي:
((ان الحلقة، او الفصل، او القسم، يمكن ان يكون عملا
قصصيا
مكتملا ينطق بدلالة خاصة، وينتظم في الوقت نفسه في
بنا
الرواية العام لينطق بدلالة كلية، وان بنا القصة
القصيرة، او
الطويلة، يطغى على وحدات الرواية، وتنتظم هذه
الوحدات
لتنشى بنا الرواية. وان روايتين تتخذان، في
بنائهماالعام
ودلالته، بنا القصة القصيرة...)).
وراينا ان طغيان بنا القصة القصيرة، او الطويلة،
يعود الى
امرين: اولهما طبيعة التجربة التي يحياها الروائي
اللبناني،
وهي تجربة تنتج توترا سريعا حادا... وثانيهما التاثر
بالقصص
التراثي العربي، وهو قصص يتميزباكتمال بنا الوحدة
القصصية
المنتظمة في اطار عام، ما يجعل لها بعدين مفردة
ومنتظمة((351)).
على مستوى الوصف رالسرد - التصوير السردي
ترصد د. سيزا خصائص الوصف والسرد عند نجيب محفوظ،
وترى انه لا يصف، على سبيل المثال، دكان السيد احمد
عبد
الجواد في تفصيلاته، وانما يصف عبد الجواد في
نشاطاته
المختلفة، ويقدمه الينا في اطارالصورة الوصفية
التي تذكرنا
الى حد بعيد باسلوب الجاحظ في الوصف. فالاديب
العربي الذي
قدم نماذج قصصية في كتبه، كالبخلا والبيان
والتبيين
والحيوان، كان يلجا الى التصوير السردي... وتورد د.
سيزا
صورة قصصية ساقها طه الحاجري، في مقدمة كتاب
البخلا،
بوصفها انموذجا لفن تصوير الجاحظ للشخصية ورسمه
لها،
وترى، بعد ان تناقض تعليق الحاجري، ان الصورة كلها،
من اول
كلمة: ((وكان اذا اكل ذهب عقله...))تقف على الفعل، وعلى
السلوك وطريقة تناول الطعام، وتهتم بالايحاات
والحركات
الدالة على الايحاات النفسية الخفية، وتبين الصلة
بين
الحركات اللاشعورية المختلفة وبين الحركات
والصفات الظاهرة...
وتقرر د. سيزا، استنادا الى ما ترصده وتكشفه، امرين:
اولهما:
((... ولا شك ان الجاحظ -وقد لقبوه بخالق النثر العربي-
قد
استحدث اسلوبا نراه ممتدا الى كاتب الثلاثية. حيث
ان
التفاصيل الدقيقة عند محفوظ تقترب من هذه
الايماات التي
عرف بها الجاحظ، واعطت صورة دلالتها الاجتماعية
والخلقية،
حيث ان الصور عند الجاحظ صور اخلاقية. ونرى ان
محفوظ،
في هذا المجال، ينضوي تحت لوا الجاحظ
وتقاليدالنثر العربي
في الحكي والقص)).
وثانيهما ((ان الوصف، في روايات فلوبير وبلزاك
وزولا يقف
عند تفاصيل الاشيا. اما الوصف في الثلاثية فيقف
عند تفاصيل
الافعال)).
اما المظهر الثالث فيتمثل بتاثر يشمل بنا الرواية
العام وسياق
نموها، المتشكل ليكشف رؤية الى قضية الوجود
الكبرى، وسبل
ادراكها. فنجيب محفوظ، ينتج شكلا روائيا تنتمي
اصوله الى
التراث العربي الاسلامي، كما راينا. وان حاولنا
تبين الرؤية الى
العالم في احدى رواياته، ولتكن ((اولاد حارتنا)) على
سبيل
المثال، فاننا نرى انه متاثر، برؤية اتجاه من
اتجاهات هذا التراث،
وبالاتجاه الذي تمثله منظومة ((منطق الطير))،
للمتصوف
الفارسي الاسلامي الكبير، فريد الدين العطار على
سبيل
التحديد. فنجيب محفوظ يرى، كما العطار، ان العلم
الذي
يمثله ((عرفة)) في ((اولاد حارتنا)) عاجز عن الوصول الى
المعرفة الالهية، فهذه اشراقية تقتضي سفرا تحكى
((منطق
الطير)) مراحله. واذ نعلم ان اصول هذه المنظومة تعود
الى
اشكال من التراث القصصي العربي الاسلامي عديدة
ندرك
عمق جذور تجربة نجيب محفوظ التراثية. ولا يخفى
ان بيان
هذا التاثر يحتاج الى دراسة نصية تكشف فنية القص في
((منطق الطير)). وهذا ما فعلناه في دراسة مستقلة((352)).
ب في نشاة القصة الاوروبية الحديثة وتطورها يثير موضوع ((القصة في الادب
العربي)) قضية فاعلية هذه القصة ودورها في تطور فن القص، ليس على مستوى الادب
العربي، فحسب، وانما على مستوى الادب العالمي ايضا. ويعطي بعض الباحثين القصة العربية، على هذا
المستوى، دورا
اساسيا، فيرى المستشرق ميكائيل ((ان اوروبا مدينة
بقصصها
للعرب)). ويرى المستشرق ((البارون كارادفو))، في بحثه
المطول في الحكايات العربية((انه لم يسبق الادب
العربي اي
ادب آخر في نوع الاقاصيص))((353)).
ومن الامثلة التي يقدمها الباحثون، في هذا الصدد،
ما يقوله
المستشرق جب، في بحثه القيم في كتاب ((تراث
الاسلام)):
((ان قصة شوسر (+ 1400م)، المسماة حكاية الفارس الغلام (
حزخس زث حدچژ
ويضيف موسى سليمان الى ما يقتبسه عن جب قوله: ((ولم
يقف اعجاب الاوروبيين بالف ليلة وليلة عند هذا
الحد، بل قام
رجال التربية فيهم يعملون على جمع الحكايات
الطريفة في
حوادثها، الشيقة في مفاج آتها،المليئة بالوان
الشرق، تلك
الحكايات الخصبة الخيال التي توافق روح الاحداث،
فطبعوها
على حدة طبعات جميلة ووضعوها بين ايدي احداثهم
وطلاب
مدارسهم))((354)).
واذ ندرك تاثير هذه القصص في الاجيال الجديدة
نستطيع
تقدير دورها في تطور فن القص الاوروبي الذي عرف، في
مرحلة تالية، ظهور اشكال القصة الحديثة، هذه
الاشكال التي
تم تصنيفها في نوعين هما القصة القصيرة والرواية.
ولم يقتصر التاثير على ((الف ليلة وليلة))، وانما
تعداه الى كتب
اخرى، مثل ((كليلة ودمنة)) التي تركت اثرا واضحا في
الادب
الغربي. فهناك آثار لاتينية كثيرة وتراجم انكليزية
متعددة، كما
يقول جب ((استمدت من هذاالكتاب، فاستفاد منها كتاب
الغرب وشعراؤه وقصصيوه، وفي مقدمتهم: ماسنجر
الانكليزي
ولافونتين الفرنسي))((355)).
((وقد اشار مؤرخو الادب الاسباني الى امكان تاثير فن
المقامات العربية في مولد فن جديد، في الادب
الاسباني،
المعروف باسم القصة البيكارسية. وهو تعبير تصعب
ترجمته
بدقة، وان كان اقرب ما يقابله بالعربية هو قصص
الشطار))((356)).
وفي هذا السياق يتحدث كثير من الباحثين عن تاثر
القصص
البطولي الاوروبي بالقصص البطولي العربي. ويرى
هؤلا ان
القصة الاوروبية تطورت الى شكلها الحديث بفعل
مجموعة من
العوامل، منها معرفة القصص العربي الذي ترجم الى
اللغات
الاوروبية في آونة مبكرة.
يعد مؤرخو الادب قصة سرفانتس الاسباني (1547 1616):
((دون كيخوته - دون كيشوت)) فاتحة فن الرواية. ويبدو
ان
هذه القصة كانت سليلة القصص البطولي وقصص الشطار،
المتاثر كما ذكرنا آنفا، بنماذج من القصص العربي.
وكانت اوروبا
-العصور الوسط ى قد عرفت هذا القصص الذي يبرز فيه
البطل
رالفارس الشجاع الشهم الكريم العادل...، فجات قصة
((دون
كيخوته))، بوصفها علامة على نهاية تلك العصور
وبداية عصر
الصناعة بقيمه المختلفة... فكانت مغامرات الفارس
الاتي من
عصر سلف مغامرات متوهمة تثير السخرية في الوقت الذي
تثير
فيه التعاطف مع قيم الماضي والحنين اليها.
وقد عرفت هذه القصة نجاحا قل نظيره، فقد اعيدت
طباعتها،
في عام 1906، خمس مرات، ثم اعيدت طباعتها ستين مرة، في
السنوات العشر التالية. وكان الكتاب، آنذاك، وان
كان مشهورا
لا تعاد طباعته سوى مرة واحدة في كل عقد من السنين.
ويعود هذا النجاح الى تمكن سرفانتس من كتابة قصة
تطور فن
القص السائد الى انتاج شكل جديد، يجسد التجربة
المعيشة،
على مستويي: التجربة الشخصية والجماعية، فترقى
بذلك الى
تجسيد تجربة العصرالجديد.
كان سرفانتس يتصف باخلاق عصر الفرسان، وقد عاش
تجربة
شخصية عميقة ومرة... عاد من الاسر، وكتب هذه القصة في
مناخ الصراع على المستعمرات بين الدول الصناعية،
وبالتحديد في بداية تدهورالامبراطورية الاسبانية
(تحطم
اسطول الارامادا، وهو اعظم اسطول بحري، آنذاك، سنة
1588م).
يروي سرفانتس قصة شخص عادي قرا قصص الفروسية،
واعجب ببطولات الفرسان، فقرر ان يستعيد امجاد
هؤلا،
فاختار اسم ((دون كيخوته))، وانطلق على حصانه
الهزيل،
يرافقه تابعه ((سانخو بانسا))، وهو فلاح بسيط،
واقعي النظرة...
وتثير المفارقة بين رؤية ((دون كيخوته)) ورؤية تابعه
السخرية... وخصوصا عندما يتذكر الفارس حبيبته
الجميلة
((ولتينا)) وهي فلاحة دميمة كما يعرفها سانخو...،
وعندما
يقاتل الفارس، في مسيرته، طواحين الهوا التي
يراها عمالقة،
وقطعان الاغنام التي يراها جيوشا جرارة... وهكذا
يخوض
معارك متوهمة خاسرة مع اشيا عالمه التي ترمز الى
القوى
التي غدت تملك مقدرات عالمه، وتسيره وفق نظام
للقيم مغاير
لنظام القيم التي يؤمن بها، ويحارب من اجلها...
ولكنه، وهو
يتصدى الى هذه الرموزر القوى يخفق، ويثير سخرية
الناس منه
وتعاطفهم معه في آن. ويبدو كمن يواصل مهمات مستحيلة
في عالم لن يعود الى الورا. وهكذا يحكي سرفانتس
حكاية خيبة
الفارس الاتي من الماضي وعبثية سعيه، فغدا هذا
الفارس
شخصية عالمية تفوق مبتكرها شهرة، وتقف الى جانب
الشخصيات الادبية الكبرى، مثل آخيل وهاملت ودون
جوان
الخ..
ان رصد سعي الفرد المحدد، المعين، لا الانموذج، في
مكان
وزمان معينين وتتبعه الى النجاح او الاخفاق الخ...
اهم ما يميز
الرواية الحديثة، كما يرى ((ايان قط)) في كتابه ((نشاة
الرواية)). وهذا الفرد المحدد، المعين لم يكن حاضرا
في
القصص الاوروبي القديم، وذلك ان هذا القصص كان يبصر
(في
المسرح والقصة) الانموذج في حركة الحياة، وكان يعنى
بالكائن ذي الصفات العامة وليس بالفرد... وكان يعنى،
ايضا،
بالكليات الثابتة والعموميات، وليس بالمتغير
والتفاصيل... وكان
يرسم صراع المبادى العامة بموجب جدلية الخير
والشر... وكان
يبصر (في الملحمة) بطولة الانموذج الذي يمثل
الجماعة...
فجا القصص العربي ليقدم قصصامختلفا يعنى بالفرد
المعين
وبالمتغير والتفاصيل... في مرحلة من التاريخ عرفت
فيها
مجتمعات اوروبا تغيرا شاملا صار فيه للفرد وخبرته
اهمية، فتم
التاثر بذلك القصص، وكانت له فاعليته. ومن الامثلة
على ذلك
قصة((سندباد)) الماخوذة من الف ليلة وليلة، التي
استوحاها
قصاصو اوروبا، وانعكست روحها في انتاجهم، كما نرى
في
((رحلات جاليفر)) لسوينت الانكليزي، و-((روبنسون
كروزو))
1709، لدانيال ديفوالانكليزي.
ويرى مؤرخو الادب ان رواية ((روبنسون كروزو)) هي
الظاهرة
الاولى، من الظواهر الجديدة في القصص الاوروبي، اذ
انها تصور
كفاح شخصية من الطبقة الوسط ى، في جزيرة منعزلة،
ليسيطر على عالمه ويحددمصيره. وهي، من ناحية اولى،
تشبه
قصة حي بن يقظان، لابن طفيل، ومن ناحية ثانية تذكر
بسندباد الذي يغادر بغداد، عاصمة العالم، في حينه،
ويترك
موقعه، ويرحل باحثا عن موقع جديد، يسعى لتحقيقه
بنفسه
من طريق المغامرة الفردية.
وان يكن ((دون كيخوته)) الاسباني يجسد خيبة مغامرات
الفارس الاتي من عصر مضى، فان ((روبنسن...)) الانكليزي
(ولنتذكر هزيمة اسبانيا وانتصار انكلترا في الحرب
التي دارت
بينهما) يجسد نجاح سعي الفردالعملي، وهو نجاح يعلن
قدرة
المستعمر الاوروبي، في بداية عصر الصناعة والبحث
عن
المستعمرات، على قهر البلاد الاخرى واستغلالها،
فتكون
الرواية علامة على علاقة استعمار قادم بالبلاد
التي يقهرها...
ان هذه الحقائق لا تنفي تاثر الروائي الاسباني بقصص
الفروسية
والشطار، وتاثر الروائي الانكليزي بقصص قدم له
اطار القص
وميدانه (من حي بن يقظان) والشخصية الفردية
المغامرة (من
سندباد) والمناخ العام(من القصص العربي بعامة).
ويستشهد الباحثون، في دور ((القصة العربية في تطور
فن
القص))، بمثال آخر ياخذونه من تاريخ الادب
الاوروبي، وهو
قصص ((الديكاميرون)) للايطالي جيوفاني بوكاشيو (1313
1375). فمن المعروف ان بدايات فن القصة القصيرة، كما
عرفها
الادب الاوروبي والعالمي، في ما بعد، ظهرت في
ايطاليا، في
ناد ادبي اطلق عليه اسم ((مصنع الاكاذيب))، كانت تقص
فيه
النوادر الطريفة. وقد دون شخص غريب الاطوار،
اسمه((يوتشيو)) النوادر التي قصها وسمعها في ((مصنع
الاكاذيب))، فاعطاها بذلك شكلا ادبيا اسماه
((الفاشيتيا)). ثم
ظهرت محاولة ثانية قام بها بوكاشيو الذي تخيل ان
جماعة من
الرجال والنسا اجتمعوا في قصر احدهم،في الريف،
واتفقوا على
ان ينسوا آلامهم بان يقص كل منهم قصة، فكانت قصص
((الديكاميرون))، او المئة قصة.
وفي هذا الصدد يقول احمد الخميس، في قراته لكتاب
ميلان
كونديرا: ((فن الرواية)): في اطار الرؤية الذاتية
للتاريخ يرى
كونديرا ان الرواية ((ابتداع اوروبي))، ويتجاهل
تاريخ الرواية في
الحضارات الشرقية، ولايتذكر ان ((الديكاميرون
تنويع على
لحن الف ليلة وليلة)). ويضيف الخميس مقررا انه لا
يمكن
لكاتب كبير الا يعرف ان الحضارات بروافدها جميعها
ورا اي
انجاز وان ((الطابع الاوروبي في تاريخ الرواية هو
مجردنقطة
محددة من تطورها))((357)).
ويبدو ان هذه القصص -اي قصص ((الديكاميرون))- كانت اما
ذات اصول عربية، او شبيهة باحاديث السمر العربية.
فهي
احدوثات طريفة تسلي وتمتع، وهي متاثرة، سوا من حيث
طبيعتها ام حيث الاطار الذي يجمعها ام من حيث
وظيفة
القص، بمجاميع القصة العربية، وخصوصا بالف ليلة
وليلة.
وان يكن اعلام القصة القصيرة قد تطوروا بالاحدوثة
الى تقديم
حدث نام يصور الفرد العادي تصويرا يرشح برؤية الى
العالم، فان
هذا التطور ذو جذور في القصص السالف، والعربي منه
بخاصة،
وقد سبق ان تبين لنا هذا عندما تحدثنا عن الرواية.
خاتمة القسم الاول
ان الراي الذي يقول: ((ان الرواية والقصة القصيرة
تطوير
جذري لقوالب فنية قديمة لتتفق مع الحياة الحديثة))
لصادق
بعامة، وهو اكثر صدقا في تاريخ الادب العربي بخاصة،
فالقصة
الحديثة فيه، بمختلف اشكالها، ان هي الا تجدد
ينبثق من جذر
بفعل عوامل كثيرة منها: الاطلاع على القصص الغربي،
علاوة
على العوامل النهضوية الكثيرة: الطباعة، الصحافة،
المدرسة،
انتشار التعليم وتوسع المدن ونشوء الطبقة
المتوسطة، وهو
مااتاح للقصة الحديثة ان تنهض بادا وظيفة تاريخية
نهضوية
افضت الى ازدهارها.
ويمكن القول في الختام: ان تلك الانواع رالاشكال
القصصية
القديمة والتطوير الحديث لها ليس سوى حصيلة جهد
بشري
لم يتفرد شعب واحد في بذله... وانما اسهمت فيه
البشرية
جمعا، فكان لكل مرحلة تاريخية اشكالها القصصية...
او بتعبير
آخر: ان لكل مرحلة تاريخية معادلها الادبي، والمؤكد
ان القصة
القصيرة والرواية لن يبقيا قادرين على معادلة
التجربة الحياتية
الى ما لا نهاية. اذ ان التجارب الجديدة
ستنتج انواعا قصصية
جديدة. وهذا ما بدا يحدث في غير مكان من العالم،
وسوف
يستمر في الحدوث ما بقيت الحياة...
القسم الثاني: في الخطاب الروائي
يجري هذا القسم قراة نقدية في رواية ((حسن العواقب
او غادة
الزاهرة)) لزينب فواز.
طبعات الرواية
اصدر المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، سنة 1984،
كتابا،
حققته وقدمت له السيدة فوزية فواز، ويتضمن رواية
((حسن
العواقب او غادة الزاهرة))، ومسرحية ((الهوى
والوفا)) للسيدة
زينب فواز.
وجا، في مقدمة السيدة فوزية للكتاب، انها اعتمدت
نسخة
واحدة لكل من الرواية والمسرحية لم يكن لديها
سواها، وهي
مطبوعة في مصر: الهوى والوفا سنة 1893م، وحسن
العواقب
سنة 1899م، وتقرر ان ايامنهما لم تطبع طبعة اخرى بعد
ذلك.
وتعود فتقول في موضع آخر، ولدى حديثها عن مؤلفات
صاحبة
الرواية: ان هذه الرواية طبعت سنة 1899م بمصر، بمطبعة
هندية، شارع المهدي بالازبكية، وهذا ما
تفيده الصفحة الاولى
من هذه الطبعة المثبتة في صدر الرواية طبعة المجلس
الثقافي...، اضافة الى المعلومة الاتية: ((والطبعة
الاولى، طبعت
في مطبعة هندية، بشارع المهدي بالازبكية، سنة 1316ه
1899م)).
كانت المعلومات المعروفة تفيد ان هذه الرواية
وهكذا
صدرت، في طبعتها الاولى، سنة 1899م، في مصر، وفي
طبعتها الثانية سنة 1984م، في لبنان، غير ان الكاتب
المصري
حلمي النمنم يقدم، في كتابه((الرائدة المجهولة،
زينب فواز))
معلومات جديدة، عندما يقول: ان زينب فواز اصدرت اول
رواية
بالعربية المعاصرة: حسن العواقب او غادة الزاهرة...
وصدرت
طبعتها الاولى في اغسطس (آب) 1892م، ولكن يبدومن
المقدمة انها كتبت قبل ذلك، اذ ان هناك قصيدة
شعرية، في
مدح تلك الرواية ومؤرخة بالعام 1885، وهذا يعني انها
سبقت
زينب للدكتور هيكل باكثر من ربع قرن...))((359))،
ويضيف
النمنم ان مطبعة هندية بالازبكية اصدرت سنة 1899
طبعة
من ه ذه الرواية((360)).
لا يذكر النمنم المصدر الذي استند اليه، وان تكن
معلوماته
صحيحة، تكن زينب فواز انهت كتابة روايتها سنة 1885م،
واصدرتها في طبعة اولى في آب (اغسطس) سنة 1892م، وفي
طبعة ثانية سنة 1899م، ثم اصدرها المجلس الثقافي
للبنان
الجنوبي محققة، عن الطبعة الثانية، سنة 1984م.
زينب فواز
قد يكون من حق هذه الاديبة الرائدة، علينا، ان نبدا
الكلام على
روايتها بالتعريف بها، وان بايجاز، اذ ان كثيرا من
كتب تاريخ
الادب العربي تغفل ذكرها، وان ذكرها بعض هذه الكتب،
يورد
اسمها واسم بعض مؤلفاتها فحسب، وهي التي ارخت
لاربعمئة
وست وخمسين امراة من سيدات الشرق والغرب، في
كتابها:
((الدر المنثور في طبقات ربات الخدور)) لم تذكر شيئا
عن
نفسها وحياتها واسرتها.
لم تكن زينب فواز غير معروفة في عصرها لنسوغ
الاغفال، او
الاهمال، بهذا السبب، وانما كانت اديبة معروفة
مقدرة، وسيدة
بارزة فاعلة من سيدات مجتمعها، فيقدمها ناشر
روايتها، في
طبعة مطبعة هندية، بقوله:((حضرة الكاتبة، الفاضلة،
الاديبة
الكاملة، نادرة زمانها وفريدة عصرها واوانها))((361)).
ويقول
عنها الشيخ احمد عارف الزين، صاحب مجلة العرفان:
((من لم
يسمع بذكر هذه النابغة العاملية في هذا القرن، سوا
في سورية
او في مصر، او في سائر الاقطار العربية))((362)) .
ويكتشف
حمدي النمنم، عندما يبحث عن كتاباتها في صحف تلك
الاونة، انه ((امام اسم لامع، يعامل بتقدير، ويقدم
باحترام شديد
على صفحات تلك الصحف))((363))، ويلاحظ انها كانت تلقب
ب((سيدة عصرها)) و((احدى معجزات المراة المصرية))،
و((نادرة العصر واميرة النظم والنثر)) و((الشاعرة
الناثرة
والفاضلة الاديبة النادرة، حجة النسا في سائر
مدعياتهن باسرها
على ال((364))رجال)).
والمعروف انها كانت ذات توجه وطني مؤيد لمصطفى
كامل،
زعيم الحزب الوطني الداعي الى خروج الانكليز من
مصر،
وكانت تشارك في اجتماعات هذا الحزب ونشاطاته،
وبسبب
وجودها غير مصطفى كامل الصيغة التي يبدا بها خطابه
من
سادتي الى سيداتي سادتي.
ولدت زينب علي فواز في بلدة تبنين، ويختلف المؤرخون
في
سنة ولادتها بين 1860 و1850 و1846((365)). ويقول حلمي
النمنم: ((ان احدى طبعات كتابها الدر المنثور في
طبقات
ربات الخدور كتب على غلافه ما ياتي: السيدة
الاديبة زينب
علي فواز، السورية الاصل، المصرية النشاة، ال((366))مولودة
سنة 1276ه 1860م)).
وان تكن فوزية ترجح ولادة زينب فواز سنة 1846م، فان
حلمي
النمنم يرجح ان تكون ولادتها سنة 1860م.
ويبدو ان اسرتها كانت ذات صلة جيدة بعلي بك الاسد،
متولي
امر جبل عامل، المقيم في قلعة تبنين، وقد اتاحت هذه
العلاقة
للفتاة الفطنة الذكية ان تحظ ى باعجاب السيدة
فاطمة بنت
اسعد الخليل (ولدت في الطيبة سنة 1256ه)، زوجة علي بك
الاسعد ورعايتها، وكانت سيدة متعلمة تقول زينب
فواز في
ترجمتها، في كتابها: ((الدر المنثور)): ((حفظت القرآن
ودرست العلوم والتفاسير والفقه على اشهر علما
الشيعة،
وكان لها اهتمامها بالعلم والادب شعرا ونثرا)).
اقامت الفتاة النابهة مع السيدة المتعلمة المتميزة
في قلعة
تبنين، فعلمتها القراة والكتابة، ووفرت لها فرصة
الاطلاع على
ما تحتويه مكتبتها، ومكتبات عاملية اخرى من كتب.
وكانت، كما تصفها فتحية محمد: ((جميلة المنظر، عذبة
المنطق، لطيفة المحضر، بعيدة عن الادعا
والكبريا. تجتنب
الكلفة والمجاملة في احاديثها، وهي من خيرة ربات
البيوت
علما وتربية واتقانا)).
ثم تزوجت((367))
الفتاة الجميلة المتعلمة، الراغبة في
تحصيل المزيد من المعرفة، من احد رجالات ((البيك))،
وهو
محمد حمود فواز، وكان يعمل ((صقارا))، و((رئيس سواس))
في القلعة. ولم يكن ممكنا لهذاالزواج ان يطول، بسبب
التفاوت
الكبير في المستوى الفكري والثقافي، وفي الميول
والطباع
والاهداف، بين الزوجين، فلم يلبث محمد فواز ان
طلقها
((لعدم امتزاج طبعيهما)) كما جا في العرفان.
وسعت الاديبة الناشئة الطموح الى تحقيق ذاتها،
فسافرت،
مثلها مثل اقرانها من ادبا الشام، الى مصر،
بمساعدة اخيها
محمد علي فواز، وكان كما تصفه في احدى رسائلها،
محاميا
معروفا في مصر، اذ انها طلبت ان توجه الرسائل
المرسلة اليها
الى اخيها ((محمد علي فواز الافوكاتو بمصر)). ويبدو
ان اخاها
تزوج في مصر وانجب، اذ ان جريدة المؤيد عزت عندما
نشرت
نعيها ((ابن اخيها الفاضل علي افندي فواز)).
واتيح((368))
لها في مصر ان تحصل وتنتج معرفة، فكانت
تنشر انتاجها في الصحف المصرية واسعة الانتشار، في
الاقطار
العربية، ما جعل صلة مراسلة تنشا بينها وبين الاديب
السوري،
المصري الاصل، اديب نظمي الدمشقي، وآلت هذه الصلة
الى
الزواج، فسافرت الى سوريا، وفوجئت بان زوجها متزوج
من
ثلاث نسا اخريات، ف آذاها هذا الامر، وبخاصة انها
كانت ضد
تعدد الزوجات وكثيرا ما كتبت في مساوئه، ولم تجد
في سورية:
(اقامت في دمشق، ثم في قرية الشيخ مسعد في حوران، ثم
في
دمشق) ما كانت تجده في مصر من فرص كتابة ونشر، ونشاط
اجتماعي، ولم تكن راضية عن وضعها زوجة رابعة، فطلبت
الطلاق،ولبى زوجها طلبها فعادت الى القاهرة وبقيت
مقيمة
فيها يحدوها الحنين الى موطنها الاول، جبل عامل،
فقد
ارسلت الى الشيخ احمد عارف الزين تقول: ((ذكرتني، يا
صاحب العرفان ما لا انساه من معالم، فنطق لساني
مخاطبا
قلعة تبنين:
فيا ايها الصرح، ان الدمع منهمل
فهل تعيد لنا، يا دهر، من رحلوا ف... ابكيك، يا صرح،
كالورقا
نادبة
شوقا اليهم الى ان ينتهي الاجل ف... تبنين! ان كنت في
بعدي
على حزن
فاليوم، يوم رجوعي، القلب يشتعل فوقفت وقفة مشتاق
به
شغف
علي ارى احدا يحيا به الامل فاذ الاحبة قد سارت
ركابهم
فزاد شوقي، كما قلت بي الحيل((369)) نلمس، في هذه
الابيات، حنين زينب فواز الى وطنها، غير انها كانت
تعرف ان
احبتها قد رحلوا، وان الامور في القلعة قد تغيرت.
وهي، وان
كانت تكابد الشوق الذي لاينفك يزداد، الا انها لا
تستطيع ان
تفعل شيئا، فتقف وقفة العاجز الذي يعيش حالة
عنوانها ثنائية:
القلب يشتعلر قلت بي الحيل.
بقيت الاديبة تعاني هذه الحالة الى ان توفيت في
السادس عشر
من كانون الثاني (يناير) 1914، فنشرت جريدة المؤيد
نعيها في
عددها الصادر يوم السبت السابع عشر من كانون
الثاني، وقالت
الجريدة: ((... كانت عنوانا شريفا ومثالا حسنا
للاديبات
الشرقيات.. وتركت عالمنا تودعها قلوب الامة المصرية
بل
والامم العربية))((370)).
تركت زينب فواز مجموعة من الكتب هي: الهوى والوفا،
مسرحية طبعت عام 1893، الدر المنثور في طبقات ربات
الخدور، ترجمت فيه لاربعمئة وست وخمسين امراة
شرقية
وغربية، صدر سنة 1313ه،1895م. الملك قورش، رواية
تاريخية، حسن العواقب او غادة الزهرا، رواية،
طبعت سنة
1892 و1899م. الرسائل الزينبية، مجموعة مقالات، صدرت
سنة 1322ه، ((كشف الازار عن مخبئات الزار))
مجموعة مقالات تتعلق ب((الزار))، سير مدارك الكمال
في
تراجم الرجال (مخطوط، فقد)، الدر النضيد في م آثر
الملك
الحميد، ديوان شعر (مخطوط، فقد)، وتوجد مقطوعات منه
في الصحف والمجلات.
وهكذا كانت زينب فواز اديبة ملات كتاباتها اسماع
ابنا عصرها،
ويقول حلمي النمنم في هذا الصدد: ((واذا عدنا الى
ثمانينيات
وتسعينيات القرن الماضي، فستقابلنا سيدة ملات
كتاباتها
اسماع ذلك الزمان: مقالات ومناظرات وتاليف كتب
ومشاركة
في القضايا السياسية والاجتماعية، مع التركيز
القوي على
قضايا المراة وحقوقها، هي زينب فواز، وكانت معاصة
لعائشة
تيمور، وقد كتبت التيمورية قصيدة في الاشادة باحد
مؤلفات زينب، وسبقت باحثة البادية بعقود))((371)).
في احداث الرواية وتشكل بنيتها
تروي ((حسن العواقب...)) قصة صراع يدور بين اميرين
ابني
عم، من امرا جبل شامخ هما: شكيب وتامر، من اجل
الفوز
بامارة الجبل وتولي زمام الاحكام فيه وبحسنائه
ابنة عمهما
فارعة.
تبدا القصة في حصن حصين يقع في جبل شامخ، ويقطن فيه
امير عظيم، له اربعة اولاد ذكور هم: اسعد وحامد وحسن
وناصيف. قسم الامير ارزاقه بينهم بالسوية واعط ى
كل واحد
منهم قسما من ارضه بنى فيهاقصرا وقرية اهلها
بالسكان، فاقام
حسن في الجابية القريبة من الحصن، وناصيف في
الزاهرة
الواقعة شرقي الحصن على مقربة من نهر غزير الما.
وقد اباح
الاب للاكبر منهم سنا سكنى الحصن وتولي زمام
الاحكام من
بعده، ثم يكون ذلك للارشد فالارشد من اخوانه الى
انقراض
ذريته.
توفي الامير، فتولى اسعد الحكم، وانجب غلاما سماه
شكيبا، ثم
توفي وابنه لا يزال في السابعة من عمره، فتولى اخوه
حامد
الحكم، واقترن بزوجة اخيه، وعني بتربية شكيب كانه
ابنه، اذ
انه لم يرزق بابنا، وكان الامير الصغير جميلا
خلوقا متواضعا
محبوبا من الناس.
توفي الاخوان حسن وناصيف في حياة اخيهما حامد، وخلف
اولهما تامر وسالم وثانيهما عزيز وخالد وفارعة،
وقد ((افرغت
هذه في قالب الحسن والجمال، وتوشحت بوشاحي البهجة
والكمال))((372)).
((كان تامر اكبر ابنا العم سنا واعظمهم مكرا ودها
واخبثهم
سريرة و...))((373))، وقد راى ان عمه يعتمد على
شكيب في
جميع اموره، فقرر ان يوقع به قبل وفاة العم كي لا
يتولى
الحكم من بعده، فهذا الحكم من حقه هو لانه اكبر
سنا، ووصية
جده تنص على ان الحكم للارشد.
تبدا الرواية -الفصل الاول، بوحدة سردية تؤدي وظيفة
التعريف، بامكنة الرواية، شخصياتها، نظام علاقات
يمثل وضعية
مستقرة متوازنة في ظاهرها، متضمنة عوامل النمو
والتطور في
داخلها، فتامر، كما يقدم، يرى من خلال الوقائع، ان
قرارا اتخذ
بتولية شكيب زمام الحكم، ولما كان هو الاكبر سنا
بين ابنا
العم ووصية جده تقضي بان يتولى زمام الحكم من هو
ارشد،
يرى ان شكيبا انما يسلبه حقه، ومن الطبيعي ان يفكر
في اخذ
هذا الحق، ولما كان ماكرا خبيثا، كما تقدمه
الرواية، فانه اتخذ
قرارا بقتل شكيب، ويتم التنفيذ في الفصل الثاني، ما
يعني ان
الرواية بدات بتعريف، في الفصل الاول القصير،
افضى، وبايقاع
سريع للاحداث، الى بدء الصراع، في الفصل الثاني،
ويتخذ هذا
الفصل بنا قصة قصيرة جيدة، وينتظم في الوقت نفسه
في بنا
الرواية العام.
يكلف تامر احد اعوانه طالب بقتل شكيب في الوقت الذي
تسنح
له فيه الفرصة، وعندما يقصد شكيب الزاهرة، يغتنم
طالب
الفرصة، فيطلق النار عليه في الوادي فيصيبه في يده،
ويطارد
مرافقه اليقظ: نجيب الذي ادرك ان امرا ما يدبر فاصر
على
مرافقته، مطلق النار فيجد زميله صادقا يلتحم معه في
شجار..،
فيهرب طالب، وتبوء المؤامرة بالاخفاق، ويكمل شكيب
طريقه
الى الزاهرة، حيث يعالج، ويلتقي فارعة،
ويتبادلان الحب..
واذ يعلم تامر باخفاق ما دبره، يجدد اتخاذ قراره،
في اتجاه آخر،
فيقرر ان يتزوج فارعة، ليضم ابني عمه عزيز وخالد
الى صفه،
ويذهب الى الزاهرة، لينفذ ما قرره، غير انه في
الوقت الذي
يلقى فيه القبول من اخوي فارعة وامها، ترفض هي
طلبه،
لسببين: اولهما عدم قناعتها بشخصه وثانيهما حبها
لشكيب،
وهكذا تتشكل الحبكة، ويصبح هدف تامر نيل فارعة،
مهما كلف
الامر من جهد ومال وخروج على التقاليد، وهنا
يحدث تحول
في الهدف، من طلب الامارة بوسيلة الزواج من فارعة
الى
الوسيلة نفسها، ويتاكد هذا التحول بعد وفاة حامد
وتولي
شكيب مقاليد الامور.
يدور الصراع فيخطف اعوان تامر فارعة، ويخلصها شكيب
واعوانه، ثم يهاجم هذا يؤازره عزيز وخالد الجابية،
ويبارز
غريمه، وياسره، لكن اعوان تامر يخلصونه، فيبادر
الى خطف
فارعة من جديد ويهرب بها الى الجولان، فحوران،
متنقلا من
قبيلة الى اخرى، ويطارده شكيب...، وتحدث مغامرات
كثيرة،
ومعارك، وينتهي الامر بلقا الحبيبين، وفرار تامر
الى الاستانة
حيث راح يدبر مكائد لم تجده نفعا.
بين الوقائع -التاريخ والادبية- الروائية
في الرواية، وفي مقدمتها تحديدا، ما يشير الى انها
تروي احداثا
جرت فعلا في مكان وزمان معينين. ففي بداية الرواية
يدعو
الراوي قارئه، ويسميه ((رائد سطح الارض، السائح في
فسيح
الاقطار...)) ليتجه واياه الى سورية وفلسطين، ويسرح
النظر في
مرتفعات جبل شامخ، حيث يجد حصنا حصينا، ويقول له:
ففقف هناك وحول نحوه البصرا
واسمع فعن اهله اروي لك الخبرا وهذا الحصن الذي
يوجد في
داخله قصر بديع، كما يقول الراوي، قد احكم بناؤه من
عهد
هيوسنت اومر((374))، والمعلومات التاريخية
تفيد ان قلعة
تبنين بناها هيوسنت او هوك بن اومر سنة ((375))501ه،
1107م وان آل الاسعد، جعلوها مقرا لهم، وكانت زينب
فواز
تقيم في هذه القلعة في ايام علي بك الاسعد، برعاية
زوجته
فاطمة، ويمكن للقارى الملم بجغرافية جبل شامخ
(جبل عامل) وتاريخه ان يعرف ان الزاهرة هي قرية
الطيبة
والجابية هي مزرعة التامرية، وذلك من خلال الوصف
وسياق
الاحداث.
وفي متن الرواية ينص الراوي، في غير موضع، على ان
احداث
الرواية جرت في سنة 1860م، ومن ذلك قوله: ((وكان، اذ
ذاك
القطر الشامي في اضطراب وهياج بسبب الحرب الستيني
المشهور)).
وتصرح المؤلفة((376))، في مقدمة الرواية، بانها
انما تروي
احداثا جرت فعلا، فتقول: ((قد تعمدت، في هذه
الرواية، تبديل
الاسما والاشخاص والبلدان، تحاشيا من ذكر الباقين
منهم في
قيد الحياة، وحرصا على شرف البيوت الكريمة التي
دنسها بعض
ابنائها الذي هان لديه بذل شرفه في سبيل نوال
شهوته، فالبس
عائلته ثوب خزي كلما ابلته الحوادث جددته الاوقات،
حمانا
اللّه ووقانا))((377)).
ان هذه الاشارات التي تفيد بان الاحداث واقعية،
بمعنى
وقائعية، تجعلنا نظن ان حامدا هو حمد المحمود،
المعروف
بحمد البيك الذي جدد بنا القلعة عام 1854م. وان شكيبا
هو
ابن اخيه علي بك الاسعد، وان فارعة هي ابنة اخيه
فاطمة بنت
اسعد الخليل.. غير ان هذا جميعه لا يجعل الرواية
رواية وقائعية
او تاريخية، وانما هي بنا متخيل، مثلت الوقائع فيه
المادة
الروائية التي صنعت منها الروائية رواية تتخذ
الوقائع مادة
لها،فتنظمها في بنا روائي ينطق برؤيتها الى
عالمها، وقد
استفادت من هذه الوقائع لتضفي على روايتها مزية
الواقعية،
بمعنى الصدقية الروائية، واقناع القارى بواقعية ما
يروى
وصدقيته، وهي بذلك تصدر عن رؤية الى ماينبغي ان
تكون
عليه الرواية من نحو اول والى وظيفته من نحو ثان.
فتقول على المستوى الاول، اي الاقناع بصدقية ما
يروى:
((وكان اجل الروايات الادبية قدرا، واسماها منزلة
ومكانة ما
قرب من الواقع، او مثل حقيقة الوقائع))((378)).
وتقول على
المستوى الثاني، اي ما يمكن تسميته وظيفة الرواية
التي
تسميها ((ادبية))، وليس تاريخية او خبرية: ((وسميتها
بغادة
الزاهرة بالنظر لحقيقتها الظاهرة، وعنونتها بحسن
العواقب لما
فيها من بدائع مجريات العجائب)). واذ تفعل ذلك انما
تريد ان
تحقق للقارى التسلية والمتعة والتفكير باحداث
الحياة والتامل
لاخذ الذكرى والاعتبار، فتقول: ((فلما كانت
الروايات الادبية
من اهم المؤلفات التي تنجلي بمطالعتها مرآة
الافكار وتزول
بلذتها غمامة الهموم والاكدار وتاخذ منهاالنفوس
على قدر
عقولها من الذكرى والاعتبار))، اعتمدت نشر هذه
الرواية... فلكل متلق اذا ما يسعى الى تحصيله من الرواية((379))، وهذا يعني وعي المؤلفة تنوع مستويات قرائها في ذلك الزمن، فكل يتلقى بقدر مستواه.
وهذا يعني ايضا ان المؤلفة تدرك انها انما تكتب
رواية ادبية،
وتعمد الى ان تحقق لها مزية الواقعية الادبية وان
استخدمت
وقائع تاريخية، وتهدف الى ان تحقق هذه الرواية
لقارئها المتعة
والتسلية، والحث على التفكير بالاحداث وتاملها،
بغية الافادة
من دلالتها، ولكل ان يحصل معرفة بالقدر الذي
يستطيعه،
فالمعرفة التي تقدم هنا، ليست تاريخية او اخلاقية
مباشرة،
وانما هي معرفة روائية غير مباشرة يحصلها القارى
بقدرامكاناته، وان كان من معرفة تاريخية يمكن
تحصيلها فهي
موظفة في السياق الروائي، وليست مقصودة لذاتها.
بين الراوي والحكواتي ومحدث مجالس السمر توكل المؤلفة ادا القص الى راو يقع
خارج احداث الرواية، لكنه يعرف كل شيء، وهو الراوي التقليدي كلي المعرفة، او
((الراوي العليم))، كما يسمى. يلاحظ القارى، ومنذ بداية الرواية، ان هذا الراوي
ينشىءعلاقة مباشرة مع القارىء، فيبدا
بخطابه، كما مر
بنا: قم بنا ايها الرائد سطح الارض... تجد ثمة حصنا
حصينا..
ففقف هناك، وحول نحوه البصرا
واسمع فعن اهله اروي لك الخبرا ثم يصف الحصن واهله،
واهم
الامكنة التي تدور فيها الاحداث، ثم يكمل القص،
فيبدو كانه
((الحكواتي)) الذي كان يحكي الحكايات والسير الشعبية
في
المقهى، او المحدث البارع في مجلس السمر، فعلاوة
على ما
ذكرناه من البدء بخطاب القارى مباشرة باستخدام
ضمير
المخاطب، يمكن ان نلحظ ما ياتي:
1- يخاطب القارى مباشرة عندما ينتقل من فصل الى فصل،
فيذكر باحداث، ويسترجع احداثا ويلخص...، ويضع
المخاطب
في مناخ ما سوف يبدا بروايته، ومن نماذج ذلك نذكر
على
سبيل المثال: ((غادرنا شكيباطريح الفراش يعالج
جراحه، وهو
يغازل تلك الفتاة البديعة... ولم يزل يتدرج في الصحة
والعافية،
يوما بعد يوم، الى ان شفي تماما..)). ((ولندعه، الان،
هنا، ثم
نتوجه بالقارى جهة الجابية، لنعلم ما حصل لجابر
بعدمبارحته
الزاهرة...)). -((لنرجع بالقارى الكريم الى الزاهرة،
ونقص عليه
ما جرى بها بعد ذهاب فارعة، فنقول...)). -((فلندعهم في
سيرهم، ونرجع الى فارعة التي كنا تركناها بمنزل
الراعي، فقد
كنا اسلفنا...))((380)).
2- يتوقف عن القص ليفسر بعض ما يرد في السرد او
الحوار او الوصف، فيقول على سبيل المثال: ((وقد قصدت
فارعة بهذا الكلام ان تنذرها حتى لا تعذلها، ولا
تشير عليها
بالسلوان)). -
((ولا بد ان يكون علم القارى غاية سميرة
من
البقا في محل الراعي، وهو طمعا بان ترى حبيبها
ومنقد
حياتها مرة((381)) اخرى)).
3- يحث القارى على تبين دلالة الحدث، فيتوقف ليقول
على
سبيل المثال: ((ولا حاجة لبيان قصد فارعة من الالحاح
على
تامر بالبقا، فالقارى الكريم يعلمه بدون توضيح))((382)) .
4- يشوق القارى، فيستبق الاحداث، ويشير الى ما سوف
يحدث، ويعد بذكر التفاصيل في ما بعد، ومن ذلك على
سبيل
المثال: ((ولما مضى زمن ولم يات تامر وفات ميعاد
حضوره،
وانتظر شهرا آخر ولم يحضر،وذلك لما حال دون مجيئه
من
محاصرة شكيب وعزيز له وتضييقهما عليه، كما سياتي
تفصيل
ذلك في الفصل الاتي))((383)).
وان تكن هذه الاقتباسات تذكرنا بخصائص الحكواتي،
او
المحدث البارع في مجلس السمر، فان الراوي في هذه
الرواية،
يضع تدخله ايا كان نوعه، ومنه ذكر المعلومات
اللازمة
للايضاح((384))
بين قوسين، وهذايعني انه يدرك ما يفعله
ويقصده مقتصدا في الكلام، فهذا التدخل عنصر خارج عن
السياق الروائي، لكنه مقصود لينهض بادا وظائف شد
انتباه
القارى وحثه على التفكير وتشويقه الخ...، وهذه
الصفات
من خصائص الراوي في كثير من انواع القص العربي
القديم.
بنية الرواية وخصائصها
يؤدي الراوي القص بمهارة، فينشى سياقا روائيا يتصف
بالرشاقة
والحيوية والتشويق، ويتخذ هذا السياق، لدى اكتمال
تشكله،
بنية خطية تصاعدية تتقطع، على مستوى البنا العام،
بالتناوب
من فصل الى آخر، بين حدث وآخر، من احداث الحدث
الكلي،
فيتم البدء، فالقطع، ثم البدء بحدث آخر، فالقطع، ثم
استئناف
ما سبق قطعه، فالقطع...، وهكذا... وهذه تقنية ترجى
وتشوق...
وتنتهي الى اكتمال التشكل في مناخ قوامه القص
الحيوي
المشوق والمتابعة الواعية...، وهذا هو مناخ انواع
كثيرة من
القص العربي القديم. |
|---|