وان يكن بنا
الرواية يتخذ، على مستوى بنا الرواية العام، شكل
بنية خطية تصاعدية تتقطع بالتناوب، فانها، على
مستوى
الفصول، تتخذ اشكالا متعددة، وتستخدم تقنيات سردية
متنوعة، فان اخذنا الفصلين: الاول والثاني
انموذجا، نجد ان
الفصل الاول يؤدي وظيفة التعريف، كما قلنا، ويتوقع
القارى
ان يتطور الحدث الى صراع،... ثم يسافر شكيب في مهمة
الى
الزاهرة، ويقرر نجيب ان يرافقه، فينتظر مروره،
فيشاهد
فارساغريبا يمر به، وينظر الى شكيب شزرا...، فيصمم
على
مرافقة صديقه، ويقنعه بذلك، ويسافران.. يحدث قطع
بانتها
الفصل الاول، ولدى القارى شوق الى معرفة هذا
الفارس،
ويتوقع ان يجري حدث كبير، لكن الراوي في الفصل
الثاني
ينتقل الى الجابية فيقص ما دبره تامر لقتل شكيب،
وارساله
طالبا الى الحصن لينفذ ذلك، وهكذا يزداد شوق القارى
ويتحرك خياله ليتوقع ما سوف يحدث، ويعود الراوي
ليستانف
القص من حيث قطعه في الفصل الاول، مخاطبا القارى
يذكره،
ويمضي الصديقان يقطعان الاحراج والوديان...، وهنا
يصف
الراوي طريق الزاهرة الخضرا، المزهرة، ويكشف بها
الطبيعة
وصفاها وطهرها، كانه يمهدلبيان فظاعة ما سوف
يحدث، ففي
قلب هذه الطبيعة البهية بجمالها وطهرها... تطلق
النار، يجرح
شكيب في يده، يحدد نجيب مصدر اطلاق النار، يقصده،
يفاجا
برجلين يتشاجران...، هذه مفاجاة لا يتوقعها
القارى،ثم يكشف
الراوي المفاجاة، فالمتشاجران هما الفارس الذي مر
به عندما
كان ينتظر شكيبا، وصادق صديقه. يحاول الفارس، وهو
طالب،
عندما يرى نجيبا، خدع صادق، لكنه يخفق، فيهرب. لا
يطارده
الصديقان،وانما يهرعان للعناية بشكيب، وهنا يرغب
القارى في
معرفة سبب وجود صادق في هذا المكان، فيترك الراوي
له ان
يقص حكاية اكتشافه مؤامرة تامر وطالب من طريق
اعتقاله
رسول تامر الى طالب، واسمه جابر،بعد ان ارتاب به.
يتخذ هذا الفصل بنية خيطية تصاعدية ارتدادية
متقطعة
بالتناوب، متكسرة بالاسترجاع... تحدث مفاج آت،
لكنها مسوغة
ومقنعة، والراوي وان كان مهيمنا وعليما، فانه حريص
على
توظيف ادق التفاصيل: مرورالفارس ونظره شزرا ادى الى
ان
يصمم نجيب على مرافقه شكيب، تمشي جابر الهوينا
واستراقه
النظر ادى الى شك صادق به ومعرفة تفاصيل المؤامرة،
والاسراع للحاق بشكيب، ما افضى الى الحيلولة دون
تنفيذالمؤامرة، فالعوامل الداخلية هي التي تحرك
تطور الحدث
ذاتيا، وهذا ما يميز هذه الرواية من الحكاية، ومن
الروايات
المعاصرة لها، فهي وان كانت تروي مغامرات تتضمن
تشويقا
ومفاج آت تجعل القارى متلهفالمعرفة كيف حدث هذا؟
وماذا
سيحدث بعد؟ فانها لا تجعل ذلك وليد ارادة الراوي
المهيمن،
او وليد المصادفات، وانما تجعله وليد العوامل
الداخلية للحدث،
والراوي يحرص على ان يوفر للقارى ما يقنعه
بواقعية ما يحدث
روائيا، وقد مر بنا ان المؤلفة قالت في مقدمة
روايتها: ان
الروايات التي تتصف بهذه المزية هي افضل الروايات.
ويبدو بنا الرواية، وان كان يتضمن معلومات تتعلق
بالتقاليد
والعادات، وتفاصيل تاريخية، غير مثقل بالاضافات،
ولا يشعر
القارى بانها مقحمة، وان كان ممكنا للباحث ان يفيد
منها، مثل
العلاقات الوطيدة بين جبل عامل والجولان وحوران،
فتبدو
هذه المناطق كانها مجال واحد ممتد، وان كان لنا ان
نعط ي
مثالا على توظيف هذه التفاصيل والمعلومات فاننا
نذكر على
سبيل المثال نصيحة جابر لتامر بعد ان كتم شكيب اسم
من اطلق النار عليه واسم محرضة، قال جابر لتامر
الباحث عن
طريقة يصل بها الى فارعة:
((الذي اراه ان تتوجه انت بنفسك، وحيث ان عائلتكم لا
تحجب النسا عن ذوي القربى، فبهذه المناسبة
تشاهدها
وتجتهد باستمالة قلبها اليك، وبعد ذلك تخطبها...))((385)).
فهذا الحوار، يقدم معرفة بتقاليد اسر الحكام
العامليين المتعلقة
بالنسا في تلك الاونة، وهذه المعرفة تهم الباحث،
لكنها لم
تقدم بوصفها معرفة مباشرة، والحوار لم يقصد
تقديمها لذاتها،
وانما وظفت هذه المعلومة في تطوير السرد ونموه،
فبنا على
هذه النصيحة قرر جابر السفر الى الزاهرة، وسعى الى
لقا
فارعة...
تضمين الشعر وتوظيفه
والمزية البارزة في هذه الرواية هي الاستشهاد
بالشعر، يستشهد
به الراوي مباشرة، او على لسان الشخصيات، وهو شعر
جميل،
يلائم مناسبة الاستشهاد في الغالب، وهو، ايضا،
مختار بعناية
من ديوان الشعر العربي،وربما كان بعضه من نظم
المؤلفة،
وحبذا لو كانت قد اشارت في الهامش الى ما اقتبسته
والى ما
نظمته هي. الشعر ياخذ مساحة كبيرة من الرواية، وهذا
تقليد
يعرفه القص العربي القديم، وهو هنا يتميز من ذلك
الشعربجودته وجودة توظيفه.
والراوي يحرص على ان يؤدي الشعر وظيفة: اما الكشف عن
الموقف او عن خصائص الشخصيات، او يجعل الشخصية تتخذ
قرارا او موقفا، فيطور الحدث وينميه، والامثلة على
ذلك
كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال استشهاد الراوي
ببيت شعر
ليكشف معرفة نجيب بحقيقة الفارس طالب الذي مر به من
نظرته الى شكيب، ومعرفة نجيب هي التي جعلته يصمم
على
مرافقة شكيب وعلى ان يكون شديد الحذر، قال الراوي:
فركب
طالب جواده ((وتقدم في الطريق الى ان مر بنجيب، وكان
ما
كان من توجسه منه خيفة:
فالعين تعلم من عيني محدثها
ان كان من حزبها او من اعاديها))((386)) ويجيد الراوي
استخدام تقنيات قصصية كثيرة وتوظيفها، مثل الرسائل والحلم والدعا((387)).
الشخصيات
ويبدو ان الانطلاق من رؤية مسبقة الى الشخصيات هو
الذي
تحكم برسمها، فشكيب جميل، طيب، شجاع، محنك... ومحب
ولهان يبكي وينتحب عندما يمر هو، او تمر حبيبته،
بموقف
صعب، ومن نماذج ذلك نذكر: ((ثم بكى وان واشتكى، حتى
تفطر لبكائه قلب الصديقين))، و((ما كاد ياتي على
آخرها حتى
سقط خائر القوى، وقال: هذا هو تعبير رؤياي...، ثم بكى
بكا
شديدا حتى بل الثرى))((388)).
وفي المقابل فان تامرا خبيث ماكر... لا يهتم الا
بتحقيق هدفه
مهما كلف ذلك، فيقول على سبيل المثال: ((... لاني اريد
ان
امنع شكيبا من الاقتران بفارعة، ولو سبب ذلك هلاكي
وهلاك
العالم اجمع))((389)).
هاتان شخصيتان متقابلتان تمثل كل منهما انموذجا،
وكان من
الممكن ان يكونا اكثر اقناعا لولا ما تنطق به
الرواية المبالغة في
تعبير شكيب عن طيبته واستسلامه للبكا والنحيب...
للتعبير
عن عظم حبه، وفي تعبيرتامر عن خبث نفسه وهواه، ولعل
هذه المبالغة كانت لاظهار التناقض بين انموذجين
وبيان ان
الخير المحب هو الذي ينتصر في النهاية... وهذا ما
تنطق به
الرواية في خاتمتها فنقرا:
تصبه على رغم عواقب ما صنع وهو ما يمثل رؤية المؤلفة
التي
ففان الذي يبغي على الناس ظالما صرحت بها في مقدمة
الرواية كما مر بنا.
انجاز لغوي
يستخدم الراوي، في السرد والحوار والوصف، كما يمكن
ان
نستنتج من الاقتباسات التي قراناها على سبيل
المثال، لغة
عربية فصحى، سهلة الفهم، مالوفة الالفاظ، بسيطة
التراكيب،
تؤدي السرد والوصف والحوارمن دون صعوبات، بعد ان
خلصت
من بيانية وركاكة كانتا سائدتين آنذاك، فتكون
الروائية قد
حققت، على هذا المستوى ايضا، انجازا نهضويا جديرا
بالتقدير.
خاتمة القسم الثاني
وهكذا يمكن القول، ان هذه الرواية اتخذت من وقائع
الحياة
مادة روائية، وصنعت منها رواية ذات بنية خطية
تصاعدية
متقطعة بالتناوب، على مستوى الفصول -البنا العام،
تنطلق
الوحدات السردية في تحركها الى تشكيل هذه البنية
من انتظام
مختلف عناصر القص في سياق يتطور بفعل عوامل ذاتية-
داخلية، وان كان الراوي الذي يوكل اليه القص هو
الراوي
العليم المهيمن فانه يحرص على ان يكون مقنعا
بواقعية ما
يروي وصدقيته.
وان تكن هذه الرواية تتصف بخصائص القص العربي
القديم:
قص المغامرات الموكل الى راو يتصف بالكثير من مزايا
حكواتي
الحكايات الشعبية، ومحدث مجالس السمر، وتضمين
مختارات
من الشعرالعربي...، فانها حققت تطورا يقرب بها من
الرواية
الحديثة التي تتميز ببنا روائي متماسك يوظف مختلف
عناصر
القص وتقنياته في سياق روائي مسل ممتع، وينطق، في
مناخ
المتعة الروائية، بدلالة كلية، وهي هناتجسيد
منظومة قيم
الفروسية العربية والدعوة الى التمسك بها مهما كلف
الامر من
تضحيات، وان من يخرج عليها ظالما تصبه عواقب ما
صنع،
وذلك يؤدى بلغة فصحى معاصرة، فتكون هذه الرواية قد
نهضت باداوظيفة نهضوية على مستوى الادب الروائي
والرؤية
الى عالمها واللغة.
ولهذا تمثل هذه الرواية مرحلة كانت فيها الرواية
العربية تسعى
الى تحقيق ريادة نوع روائي ينطلق من النص العربي
ويطوره
في مناخ المؤثرات الاجنبية، وليس بفعل هذه
المؤثرات
وحدها، كما يذهب الى ذلك كثير من الباحثين في نشاة
الرواية
العربية وتطورها.
وهذا ما سبق ان خلصنا اليه في خاتمة القسم الاول
التنظيري. نظريات الدولة الاسلامية الحديثة
الاستاذ علي المؤمن
استغرقت مسيرة الفقه السياسي الاسلامي زمنا طويلا،
وشهدت تحولات كثيرة لتصل الى مرحلة تدوين فقه
الدولة
الاسلامية الحديثة. ويمكن اجمال المراحل التي مرت
بها
المدرستان الرئيستان((390)) في الواقع الاسلامي، بما
ياتي:
1- مدرسة الخلافة
تمثلت المرحلة الاولى، من مراحل هذه المدرسة، في
الكتابات
التي ظهرت في العهد الاموي، ومعظمها عبارة عن
احاديث
وروايات هدفها تسويغ الحكم وممارساته واضفا
الشرعية عليه
من جهة، والتشكيك بالمدرسة المنافسة (الامامة) من
جهة
اخرى. ثم ظهرت المؤلفات الاساسية في العهد العباسي،
ومعها
بدات المرحلة الثانية التي استمرت حتى اواخر القرن
التاسع
عشر الميلادي، حينها دخل الفقه السياسي لمدرسة
الخلافة
مرحلته الثالثة من خلال النتاجات الجديدة للمفكرين
والفقها
الاصلاحيين، وظل يعيش هذه المرحلة حتى الثلاثينات
من
القرن العشرين، حيث بدات المرحلة الرابعة التي لا
تزال قائمة،
وفيهاظهرت مؤلفات وبحوث مهمة استوعبت جميع جوانب
فقه الدولة الاسلامية ونظمها.
2- مدرسة الامامة
تمثلت مرحلتها الاولى في الكتابات التي عمقت مبدا
الامامة
وخصائصها من منظور العقيدة، ثم اتسعت لتشتمل على
الجانب الفقهي ايضا. وقد استوعبت هذه المرحلة زمنيا
عصر
الائمة الاثني عشر، واستمرت حتى ظهور حركة
الاجتهاد ومعها
المدونات الفقهية، فكانت المرحلة الثانية التي
تبلورت خلال
القرن الثالث الهجري، وامتدت الى عصر الدولة
الصفوية، حينها
بدات المرحلة الثالثة التي مثلت نقلة في
المسارالتاريخي
للفقه السياسي الامامي. اما المرحلة الرابعة فقد
بدات في القرن
الثالث عشر الهجري مع ظهور بعض الكتابات الفقهية
السياسية
المهمة. وبظهور بحوث الامام الخميني، في اواخر
الستينات
من القرن الميلادي العشرين، انتهت المرحلة
الرابعة، فكانت
بحوث الامام تمثل مرحلة بذاتها، وهي المرحلة
الخامسة، ثم
بدات المرحلة السادسة مع نشاة الدولة الاسلامية في
ايران.
وشهدت المرحلة الاخيرة ثورة بحثية كبرى في الفقه
السياسي
لمدرسة الامامة، بلغت المؤلفات والدراسات في هذا
المضمار
ارقاما قياسية كما ونوعا، فمجموع ما صدر خلال
السنوات
العشر الاولى من عمرالجمهورية الاسلامية
الايرانية (1979
1988م) كان اكثر بكثير مما كتب خلال الف عام
سبقتها((391)).
والاهم من ذلك هو المستوى النوعي لهذه
المؤلفات، اذ استوعبت جميع موضوعات فقه الدولة
الاسلامية الحديثة ونظمها، وهي موضوعات لم يكن
معظمها
قد طرح على طاولة البحث الفقهي، او انه طرح بصور
افتراضية
مقتضبة. هذا المستوى من الشمولية والوضوح والعمق لم
يكن
يخطر على بال احد قبل تاسيس الدولة الاسلامية
الحديثة، وهو
ثمار جهود استثنائية قادها الفقها والاكاديميون
الاسلاميون
في الحوزات الدينية والجامعات في غير بلد اسلامي،
ولا سيما
في ايران والعراق ولبنان((392)).
وقد اخذ مبدا ولاية الفقيه حقه من التنظير
الاستدلالي
المعمق، حتى في ادق تفاصيله، التي تستوعبها عناوين:
شرعية
ولاية الفقيه، حاكمية الفقيه ومساحتها، موقع الولي
الفقيه في
النظام السياسي الاسلامي،صلاحيات الولي الفقيه،
موقع
الشورى في اطار حاكمية الفقيه، علاقة الفقيه
الحاكم بغيره
من الفقها، علاقة الفقيه الحاكم بالمسلمين خارج
الحدود
الجغرافية للدولة الاسلامية، نصب الفقيه ومراقبته
وعزله
وغيرذلك من قضايا ومسائل.
اما على مستوى نظم الدولة الاسلامية، فانها قامت
على اساس
النظريات والتشريعات الفقهية التي صاغها الفقها
والحقوقيون
والمتخصصون في اطار مجالس تخصصية -غالبا- وهي تمثل
ثمرة الرؤية الفقهية الشمولية للامام الخميني
ومفهومه الواقعي
للاجتهاد. وقد تمثلت هذه النظم جميع تفاصيل النظرية
والتطبيق، واستوعبت حركة الدولة والمجتمع والسلطة
على
مختلف المسارات الاجتماعية والثقافية
والحقوقية والسياسية
والادارية والاقتصادية والعسكرية وغيرها. الا ان
النظام
السياسي للدولة سبق النظم الاخرى في النضج
والتبلور، وفي
زمن قياسي لا يتجاوز السنتين، في حين واجهت
الجمهورية
الاسلامية صعوبات واشكاليات كثيرة على مستوى
النظم
الاخرى، فظلت لسنوات عديدة، ولا تزال، تعيش مرحلة
الاكتشاف واعادة الاكتشاف والتاهيل والاسلمة.
لانها، في
الحقيقة، لم ترث فقها يسد جزءا من حاجاتها الجديدة.
وفي مر حلة((393)) تدوين فقه الدولة
الاسلامية الحديثة،
برزت عدة نظريات واطروحات فقهية في موضوع الدولة
الاسلامية، وهي تنقسم الى اتجاهين رئيسيين:
الاول: لا يؤمن بقيام دولة اسلامية شرعية في عصر
الغيبة،
استنادا الى بعض الروايات والمنقولات التي تعد كل
راية، قبل
المهدي، راية ضلال، واصرت على التفسيرات الخاصة
التي
تحمل رؤى مسبقة. وهي بذلك، كما يقول العلما، لا
تعبر عن
الظهور الموضوعي، او الفهم الموضوعي، للروايات،
فضلا عن
اصطدامها ببديهيات العقل السليم. هذا الاتجاه يرى
ان اقامة
الحكومة الاسلامية هو حق خاص بالامام المعصوم(ع)،
فلا ولاية
للفقيه على الحكم ولا شورى للامة، وانما هناك ولاية
للفقيه
في الامور الحسبية، وهو حق مكفول للامة ايضا، ويعد
واجبا
كفائيا تحدده الظروف، اضافة الى قولها بولايتي
الافتا
والقضاالخاصتين بالفقيه ايضا.
ويبتعد هذا الاتجاه عن اي جهد عملي في الشان
السياسي وعن
ممارسة اي سلوك سياسي، ويحصر جهوده الفقهية في
ابواب
الفقه التقليدية.
ولا ينحصر هذا الاتجاه بمدرسة الامامة، بل ان بعض
المفكرين
السنة يذهب الى الراي نفسه، الا ان المنطلقات
تتباين بالكامل،
فالاتجاه الفقهي الامامي القائل بهذا الراي ينطلق
من رؤى
دينية ويعبر عن فهم فقهي،في حين ينطلق اولئك
المفكرون
السنة من رؤية دنيوية سياسية، وان لم تصرح
بعلمانيتها،
وتتلخص في عدم ايمانها بشمولية الدين لموضوع
الدولة
وبتناول الشريعة لموضوعات الفقه السياسي والنظام
السياسي،وان الذي يمكن طرحه في هذا المجال هو دولة
المسلمين والتجربة التاريخية لدولة المسلمين وليس
الدولة
الاسلامية((394)).
الثاني: يؤمن بقيام الدولة الاسلامية، وهو الاتجاه
السائد والغالب
في حجمه وحجته. هذا الاتجاه يضم النظريات التي تؤمن
بشرعية قيام الدولة الاسلامية في عصر الغيبة،
لكنها تختلف
في عدد من اسسها وادلتهاالشرعية، وتلتقي في معظم
الاهداف والنتائج، وفي مقدمتها هدف اقامة الدولة
الاسلامية
وتحكيم الشريعة وحماية الدين وتحقيق غاياته
والدفاع عن
المسلمين ومقدراتهم. اما الاساس الاهم الذي تختلف
حوله
هذه النظريات فهو صاحب الولاية في الدولة ومصدر
شرعيتها،
حتى اصبح هذا الاساس معيار تقسيم نظريات الدولة
الاسلامية
الحديثة، واشهرها واهمها: نظرية الشورى، ونظرية
ولاية الفقيه
المنصوب، ونظرية ولاية الفقيه والشورى. ونستعرض
هنا اهم
معالم النظريات الثلاث، ليس بهدف دراستها، ولكن
بهدف
دراسة تطور نظرية الدولة في الفقه الاسلامي، على
اعتبار ان
هذه النظريات هي خلاصة اهم ما توصل اليه
الفقهاالمسلمون
المعاصرون بوصفه امتدادا لجهود الفقها المتقدمين.
النظرية الاولى: نظرية الشورى
ويتمسك بها معظم الاتجاهات الفقهية المعاصرة
لمدرسة
الخلافة، اضافة الى بعض الاتجاهات الفكرية في
مدرسة الامامة.
وتتلخص، في مفهومها للولاية، اذ تحصر حق الولاية
بالامة التي
تنتخب من تفوضه في رئاسة الدولة، ليكون وكيلا عنها
وليس
وليا عليها في ادارة الدولة وممارسة الحكم. وتستند
هذه
النظرية الى قاعدة الشورى في اختيار رئيس الدولة
وممارسة
السلطة، عبر عدد من الاليات، اهمها: الاستناد الى
راي اكثرية
الامة، فيمكن حينها لجميع افراد الامة احتلال موقع
رئاسة
الدولة الاسلامية من دون اشتراط العلم الشرعي او
الفقاهة. بيد
ان هذه النظرية لا تمانع في ان يكون رئيس الدولة
فقيها،
ولكن ليس لانه فقيه، بل لكونه مواطنا، اذ ليس
للتخصص
العلمي الشرعي اي مدخلية في الانتخابات والتعيين.
ويذهب فقها هذا الاتجاه من الشيعة الى عدم وجود
شكل
محدد للنظام السياسي في الاسلام، وعدم وجود ولاية
لاحد
على احد من المسلمين. وبذلك تضع هذه النظرية موقع
رئاسة
الدولة، او ولاية الحكم، في اطار الشكل وليس
المضمون.
ويختلف دعاة هذه النظرية حول آيات تنفيذ الشورى،
الامر
الذي قسمها الى عدة نظريات. ولكن على المستوى
النظري،
فان آلية انتخاب رئيس الدولة الاسلامية اما تكون
بالانتخاب المباشر وضمن مرحلة واحدة، اي الابتدا
بالبيعة
والانتها بالتنصيب، او الانتخاب غير المباشر على
مرحلتين،
وفيه يتم انتخاب الحاكم الاعلى من قبل اهل الحل
والعقد
الذين ترتضيهم الامة، ثم تنتهي عملية التنصيب
بالبيعة. وفي
كلتا الحالتين، فان الانتخاب الشعبي هو الذي يمنح
الحاكم
الاعلى شرعية ممارسة الحكم. واذا تجاوزنا الجوانب
العقدية
والمنطلقات الفكرية في هذه النظرية، وامعنا النظر
في نظامها
السياسي وطبيعة ممارسته السلطة، فسنجدها اقرب الى
الديمقراطيات التقليدية.
وحول ارضية نمو الشورى ونضجها، في اطار مدرسة
الخلافة،
يمكن القول: انها ارضية خصبة للغاية، ولعلها الخيار
الابرز
لمدرسة الخلافة، لانسجامها مع المباني العقدية
والفقهية
للمدرسة، فضلا عن مسارهاالتاريخي. يقول احد
الفقها السنة
المعاصرين: ((ان طريقة الاسلام الصحيحة، عملا بمبدا
الشورى وفكرة الفروض الكفائية، هي طريقة واحدة،
وهي اهل
الحل والعقد وانضمام رضا الامة باختياره، واما عدا
ذلك فمستنده ضعيف))((395)).
ولكن، على صعيد مدرسة الامامة، فان نظرية الشورى
تواجه
العديد من العقبات الشرعية، فضلا عن العقبات
النفسية، وهي
لا تمتلك من الادلة ما تعتد به، بالنظر لغربتها عن
مبدا الامامة
وامتداداته، غياب معظم الابعاد الدينية والروحية
لمبدا الامامة
في مضامين الدولة واشكالها وفي علاقة القاعدة
بالقمة، اذ
ستكون هذه العلاقة مجرد علاقة سياسية وعقد
اجتماعي، هشة
في مضامينها الدينية التي تؤكد عليها مدرسة
اهل البيت(ع).
النظرية الثانية: نظرية ولاية الفقيه
وتستند الى دعامة النصب الشرعي للفقيه العادل
الكفؤ وليا
للامة، بوصفه نائبا عاما للامام المهدي(ع)، الامر
الذي يحصر
الحق الشرعي في رئاسة الدولة الاسلامية به، بوصفها
احد
مظاهر ولايته، من دون ان يكون للشورى مدخلية في
منحه
شرعية الحكم، لانها شرعية مكتسبة من ولاية الامام
المعصوم،
ولكن الشورى يمكن ان تكون معيارا للتفاضل بين
الفقها
الجامعين لشروط القيادة فيما لو تعددوا. اما البيعة
فهي
مظهرلاعلان الطاعة من جانب الامة. ويتولى الولي
الفقيه من
امور المسلمين ما كان يتولاه النبي(ص) والامام(ع)،
لانه
مفوض من قبل الامام في قيادة المجتمع عند غيبته.
وتاسيس الدولة الاسلامية واجب كفائي على الفقها
العدول،
ولو اقامها احدهم وجب على الفقها الاخرين اطاعته
وعدم
مزاحمته في مساحة ولايته. وهكذا فالفقيه الحاكم غير
ملزم
بالشورى في ممارسة الحكم الابمقدار الترجيح بين
آرا
المشيرين وان تجاوزت مساحة المشيرين اهل الحل
والعقد
واصحاب الاختصاص الى الامة. وعدالة الفقيه هي ميزان
استمراره في الحكم. والفقيه هو مصدر شرعية الدولة
وسلطاتها.ويقول بهذا الراي معظم فقها مدرسة
الامامة السلف
ممن يعممون ولاية الفقيه على موضوعة الحكم. اما
ابرز من
نظر لها من الفقها المعاصرين فهو الامام الخميني،
الذي
حولها الى واقع عملي. كما اسهم معظم تلامذته،
ومعهم ايضا
فقها ينتسبون علميا الى اتجاهات مرجعية اخرى، في
شرحها
وتعضيد ادلتها وبلورتها. ويقسم بعض اصحاب الاختصاص
ولاية
الفقيه الى مطلقة ومقيدة.
والحقيقة ان نظرية ولاية الفقيه المنصوب لا تلتقي،
من ناحية
مصدر الولاية واطلاقها، مع اتجاهات مدرسة الخلافة،
لتقاطعهما في مبدا شرعية المصدر وحقه في منح
الشرعية،
وهو اساس عقدي مهم عنوانه:الامامة. ولكن من النواحي
الاخرى، كما سياتي، يختفي التقاطع وياخذ الاختلاف
حجمه
الطبيعي، بل قد تنعدم كثير من الاختلافات عند تلمس
النتائج.
النظرية الثالثة: نظرية ولاية الفقيه والشورى
او ولاية الفقيه المنتخب، وهي نظرية حديثة تتوسط
نظرية
ولاية الفقيه ونظرية الشورى، اذ انها تشترط
الفقاهة في ولي
الامر، ولكن اختياره يتم في اطار الشورى التي تمثل
الامة،
وانتخاب الامة هو الذي يمنحه شرعية ممارسة الحكم،
كما ان
اساليب ادارة السلطة متروكة للامة ايضا من خلال
ممثليها.
وبذلك تكون للامة ولاية الحكم، وللفقيه ولاية
الرقابة
والاشراف والادارة العليا، بوصفه نائبا للامام
المعصوم،
ومظاهرهاقيادة الامة ورئاسة الدولة الاسلامية.
وطبقا لهذه
النظرية فان الشورى ملزمة للولي الفقيه.
واول من طرح هذه النظرية وبلورها الامام الشهيد
محمد باقر
الصدر((396))،
الذي يعبر بدقة عن طبيعة هاتين الولايتين
وطريقة تكاملهما، فسمى الاولى خلافة الامة،
باعتبار الخلافة
الممنوحة للانسان على الارض، والثانية شهادة
الفقيه، باعتبار
نيابته العامة للامام المعصوم، ومن خلال انتخاب
الامة للفقيه
سيلتقي خط الخلافة بخط الشهادة، فيكون الفقيه((397))
حينها مجسدا للخطين. ويشترط الشهيد الصدر في الولي
الفقيه ان يكون مرجعا دينيا بالفعل، ومرشحا من قبل
مجلس
المرجعية (اهل الحل والعقد)، ومنتخبا من قبل الامة
(في حالة
تعدد المرجعيات المتكافئة المرشحة). وتقف هذه
النظرية على
عدد من الاسس الشرعية:
1- لا ولاية بالاصل الا للّه تعالى.
2- النيابة العامة عن الامام المعصوم هي للمجتهد
المطلق
العادل الكفوء، وهي مصدر الولاية الممنوحة للفقيه،
بمعنى
القيمومة على تطبيق الشريعة وحق الاشراف الكامل.
3- الخلافة العامة للامة على اساس قاعدة الشورى، هي
التي
تمنحها حق ممارسة امورها بنفسها ضمن اطار الاشراف
والرقابة الدستورية من نائب الامام.
4- فكرة اهل الحل والعقد، التي طبقت في الحياة
الاسلامية،
والتي تؤدي بتطويرها على النحو الذي ينسجم مع قاعدة
الشورى وقاعدة الاشراف الدستوري من قبل نائب
الامام الى
افتراض مجلس يمثل الامة وينبثق عنها بالانتخاب.
وبنا على ذلك، يخلص الشهيد الصدر الى ان الاسلام
يرفض
نظرية القوة والغلبة في تكوين الحكومة، ونظرية
التفويض
الالهي الاجباري، ونظرية العقد الاجتماعي، ونظرية
تطور
الدولة عن العائلة، ويذهب الى ان الدولة ظاهرة
نبوية وتصعيد
للعمل النبوي. اما من الناحية الوظيفية فان الدولة
-كما يقول-
وظيفتها تطبيق الشريعة الاسلامية التي وازنت بين
الفرد
والمجتمع، وتحمي المجتمع لا بوصفه وجودا (هيغليا)
مقابلاللفرد، بل بوصفه تعبيرا عن مجموعة الافراد((398)).
وتبنى هذه النظرية، في ما بعد، وبحثها بمزيد من
التفصيل
والاستدلال عدد من الفقها، الذين وجدوا عند
دراستهم
لنظريات الدولة في فقه الامامة ان القول الظاهر
لفقها
الامامية السلف يتمحور حول نظرية ولاية الفقيه
المنصوب من
قبل الامام المعصوم، والتي لا يكون لانتخاب الناس
اثر في
تعيينه. ويجمع هؤلا الفقها بين نظرية ولاية
الفقيه ونظرية
الشورى بنحو الطولية، باعتبار انهما غير
متقاطعتين، بل تكمل
احداهماالاخرى، ويخلصون الى القول: ان النصب
المباشر
للولاية هو من قبل اللّه تعالى كما في حالة النبي(ص)
والائمة
الاثني عشر(ع)، ولا تنعقد الامامة لغير المنصوب
الهيا مع
وجوده والتمكن منه، وفي حالة عدم وجوده(غيابه) كان
للامة
حق الاختيار، ولكن ليس الاختيار المطلق، بل لمن وجد
الشرائط والمواصفات المعتبرة، وهنا تنعقد الامامة
للفقيه
بانتخاب الامة له. وهناك من فقها مدرسة الخلافة
المعاصرين
من يتبنى هذه النظرية بنحو او آخر، كالدكتور محمد
المبارك
الذي يقول: ان ((رئيس الدولة امام المسلمين واميرهم
هو
المرجع الاعلى في شؤون الدولة للاجتهاد في
التشريع... مع
وجود مبدا الشورى، ولذلك كان الاصل ان يكون رئيس
الدولة
الاسلامية بالغا درجة عالية من فقه الاسلام وفهم
مبادئه
وحسن تطبيقها، وان كان ينبغي ان يكون معه من
العلما من
يستشيرهم وياخذ آراهم تجنبا للاستبداد))((399)).
فهو
يشترط في ولي الامر ان يكون فقيها تفرزه الشورى
ويعمل
بالشورى.
مقارنة
واذا حاولنا عقد مقارنة بين الاطروحتين الاخيرتين
(اطروحة
ولاية الفقيه واطروحة ولاية الفقيه والشورى)، نجد
ان
الاختلاف بينهما لا يتجاوز الجانب النظري غالبا،
ويكاد ينعدم
في الجانب التطبيقي. ويمكن القول:ان اطروحة ولاية
الفقيه
(النظرية الثانية) تتمتع بقبول اوسع في اوساط فقها
الجمهورية الاسلامية الايرانية، ويطلقون عليها
((ولاية الفقيه
المطلقة))، في حين ان نظرية ولاية الفقيه والشورى
(النظرية
الثالثة) والتي يطلق عليها بعضهم ولاية الفقيه
المقيدة، بمعنى
المقيدة بالدستور، وليس بمعنى الناقصة، فهي
النظرية
الحاكمة في الواقع السياسي الايراني القائم، على
مستوى
الدستور والتطبيق، الامر الذي يدل على ان
النتائج التي تفرزها
النظريتان تظل واحدة، ولا سيما في ما يتعلق بمساحة
حاكمية
الولي الفقيه وصلاحياته وهيكلية النظام السياسي.
ويتلخص
جذر الاختلاف في زاوية النظر الى انتخاب ولي الامر،
فنظرية
ولاية الفقيه تقول: ان انتخاب الخبرا (اهل الحل
والعقد) لا
يمنح ولي الامر الشرعية، بل هو كشف وتفاضل. وتقول
النظرية
الاخرى: ان هذا الانتخاب يمنح الشرعية الدينية
والمشروعية
القانونية للفقيه لكي يمارس الحكم،على اعتبار ان
الحكومة
الاسلامية هي عقد شرعي بين الامة والحاكم المنتخب.
ويقود هذا الاختلاف الى فروقات نظرية اخرى، كدور
بيعة الامة
وانتخابها وموقع الشورى وعلاقة اجهزة الدولة
بالشورى
والفقيه وعزل الفقيه وغيرها. فمثلا عزل الفقيه
الحاكم في
نظرية ولاية الفقيه والشورى يتم عبر الخبرا (اهل
الحل
والعقد) اذا فقد احد الشروط المطلوبة، وهو عزل شرعي
وقانوني، ولكن في نظرية ولاية الفقيه المطلقة فان
الفقيه
الحاكم يعزل ذاتيا اذا فقد اي شرط، ويكون دور
الخبرا هو
الكشف عن العزل، اي ان دور الخبرا في نظرية ولاية
الفقيه هو
(الاخبار عن الحكم)، وفي نظرية ولاية الفقيه
والشورى ((انشا
الحكم)).
ومما سبق يظهر ان معظم اتجاهات الفقه السياسي
الاسلامي
المعاصرة لا تحول دون تولي الفقيه العادل الكفوء
قيادة
المجتمع ورئاسة الحكومة الاسلامية ((ومل ء منطقة
الفراغ
التشريعية والتنفيذية والقضائية،والاشراف على
تطبيق احكام
الاسلام واقامة حدوده وفرائضه مما لا خلاف فيه بين
الفقها،
ولا يوجد فقيه يحتمل ان تكون هذه الولاية لاحد من
ابنا الامة
الاسلامية دونهم... وانما الاختلاف بحسب الحقيقة
في امرين:
اولا: في ثبوت هذه الولاية للفقيه على حد ما هو ثابت
للامام(ع) «في ما يرتبط بمساحة الولاية » او
اختصاصها
بخصوص الدائرة التي يتوقف عليها حفظ النظام
الاسلامي
وادارة المجتمع على اساس الاسلام.
ثانيا: في صحة بعض الادلة والنصوص التي استدل بها
لاثبات
هذا المبدا))((400)).
وحتى الاتجاه الفقهي الذي يدعو لنظرية الشورى فانه
يوافق
على تولي الفقيه للحكم اذا انتخبته الشورى، فالقدر
المتيقن
لدى الاتجاهات الثلاثة (السنية والشيعية) هو
اشتراكها في فتح
الابواب امام الفقيه لتولي الحكومة الاسلامية،
وهو ما يمكن ان
يكون قاعدة لتوحيد الركائز العملية او التطبيقية
التي يفرزها
الفقه السياسي الاسلامي بمختلف مذاهبه واتجاهاته((401))،
اذ انها توافق على قرار اهل الحل والعقد في نصب ولي
الامر
وعزله، وكون اهل الحل والعقد هم اهل العمل والخبرة
الذين
ترتضيهم الامة، وان الفقيه العادل الكفوء هو اصلح
من يتولى
الحكم (حسب نظرية الشورى) او ان ولاية الحكم محصورة
به
(حسب النظريتين الاخريين)، وان صلاحيات ولي الامر
تشتمل
على جميع مجالات حركة الدولة. وقد انبثقت هذه
القاعدة
المشتركة بعد مراحل طويلة مرت بها مسيرة الفقه
السياسي
الاسلامي (انظر الشكل الذي يبين التقا النظريتين)
آخذين
بنظر الاعتبار ان تطبيق هذه القاعدة المشتركة بين
الاتجاهات
الرئيسية لمدرستي الخلافة والامامة يصلح لعصر غيبة
الامام(ع) فقط.
حكومة الرسول (ص) مدرسة الخلافة ت مدرسة الامامة
البيعة
الخلافة ت. النصب بالنص الامامة الشورى اشتراط
الاجتهادت
النصب النوعي نيابة الامامة في الحاكم ت (ولاية
الفقيه) التقا
النظريتين امامة الفقيه وشورى الامة وقد انزلت
الدولة
الاسلامية الحديثة (في ايران) هذه القاعدة الى واقع
التطبيق،
بعد ان جمع نظامها السياسي بين امامة الفقيه وشورى
الامة،
ليس بهدف ارضا اتجاهات الفقه السياسي الاخرى،
بل من
منطلق رؤية فقهية متكاملة، فكانت، كما ذكرنا، ثورة
تغييرية
كبرى على مسار الفقه السياسي الحاكم منذ حكم معاوية
بن
ابي سفيان في الشام وحتى الغا خلافة عبد المجيد في
تركيا،
بعد ان كشفت بجلا علمي عن مفهوم ولاية الامر
الشرعية
ومفهوم الخلافة الحقيقية للامة ومفهوم الشورى في
النظرية
والشورى في الممارسة. قيام السلطات في الجمهورية الاسلامية وعلاقاتها
(دراسة مقارنة)
الدكتور محمد ط ي
الجمهورية الاسلامية ر نظام متفرد
لما كان النظام السياسي الايراني نظاما متفردا قام
على اساس
جمهورية اسلامية لاول مرة في التاريخ، كان لا بد
للدستور
الايراني من ان يكون دستورا متميزا عن جميع
الدساتير التي
اعتمدت والتي تعتمد في بلدان العالم المختلفة.
واذا كان هذا النظام يستلهم احكام الشرع الحنيف،
فانه، وان لم
يات شبيها باي نظام اسلامي سابق، اتى ملتزما جميع
القواعد
الموضوعية التي اقرها الاسلام على صعيد الحكم. ذلك
ان
الاسلام حمل القواعدالمتعلقة بالمضمون، فكانت
عامة شاملة
ولم يفرض قواعد تفصيلية متعلقة بالشكل، الامر الذي
يجيز
تغيير الاشكال حسب مقتضيات الظروف.
واذا كانت الانظمة الدستورية اليوم تقوم غالبا على
اساس
الديمقراطية، التي تقتضي ان يكون الشعب مصدر
السيادة
والسلطة، فينتخب السلطة التشريعية على الاقل، فان
النظام
الاسلامي يقوم على اساس ان السلطة للّه يؤتيها من
يشا شريطة
ان يحكم بالعدل حسب المعايير الالهية: (قل اللهم
مالك
الملك تؤتي الملك من تشا وتنزع الملك ممن تشا) «آل
عمران/2».
وقد جا في مقدمة الدستور الايراني (الاحكام
العامة) المادة
الثانية: ((يقوم نظام الجمهورية الاسلامية على اساس:
1- الايمان باللّه الاحد ((لا اله الا اللّه)) وتفرده
بالحاكمية
والتشريع ولزوم التسليم لامره.
2- الايمان بالوحي الالهي ودوره الاساس في بيان
القوانين...)).
غير ان هذا النظام لم تفرضه جهة ما على الشعب
الايراني بل
على العكس من ذلك، فقد عادت قيادة الثورة، التي
اعتمدت
على الشعب، الى هذا الشعب، فاجرت استفتا عاما على
النظام
الذي سيتبع، فاختارالشعب نظام الجمهورية
الاسلامية (م 1 من
الدستور).
ولم يتوقف دور الشعب عند حدود اقامة النظام
الاسلامي، فقد
اعطاه الدستور دورا دائما يتجلى في كونه العمدة في
مسيرته،
فقد جا في المادة السادسة: ((يجب ان تدار شؤون
البلاد في
جمهورية ايران الاسلامية بالاعتماد على راي
الامة)).
وهكذا فان القائد الذي سيؤتى الحكم وينفذ التعاليم
الالهية،
يختاره الشعب. الا ان الاختيار مشروط بتوفر مواصفات
محددة،
فلا بد من ان يكون القائد هو ((الفقيه العادل،
المتقي، البصير
بامور العصر، الشجاع،القادر على الادارة
والتدبير)). كما تقضي
المادة الخامسة من الدستور، وهي المواصفات
الضرورية للقيام
بولاية امر الامة.
وهكذا فان الاختيار الشعبي ليس عشوائيا ولا خاضعا
للهوى ولا
لتاثير المؤثرات المصطنعة، بل هو يقوم على اساس
الايمان باللّه
واحكامه، وينصب على واحد ممن يعرفون هذه الاحكام
ويلتزمون بها.
وبين الشعب والقائد تقوم سائر السلطات، فالشعب
يختار
متسلمي السلطتين التشريعية والتنفيذية، والقائد
يراقب
ويشرف ويحقق الموازين، ويقيم الاجهزة التي تعصم من
الزلل.
ان اول عمل يقوم به الشعب هو اختيار القائد بطريقة
غير
مباشرة، بوساطة ((مجلس خبرا القيادة)). فالشعب
ينتخب
اعضا مجلس خبرا القيادة، حسب منطوق المادة 107 من
الدستور. الا ان ترشيح اعضاالمجلس يجب ان يخضع
للشروط
الاسلامية والعلمية الضرورية، التي يتحقق منها
ويبت بها
((مجلس صيانة الدستور)) (م 107) الذي يسمح تركيبه (ستة
من الفقها وستة من الخبرا الدستوريين) بالقيام
بهذه
المهمة بكل كفاة.
يشكل خبرا القيادة، بعد اختيارهم من قبل الشعب،
المجلس
الذي ينتخب القائد من بين الفقها الجامعين للشروط
المجملة
اعلاه، والتي يفصلها الدستور في المادتين 107 و109.
وقد نصت المادة 107 على ان الخبرا يدرسون ويتشاورون
بشان الفقها الجامعين للشرائط. ومتى ما شخصوا فردا
منهم
بوصفه الاعلم بالاحكام والموضوعات الفقهية
والمسائل
السياسية والاجتماعية، او حيازته تاييد الراي
العام، او تمتعه
بشكل بارز باحدى الصفات المذكورة في المادة
التاسعة بعد
المئة، انتخبوه للقيادة.
فاذا لم يجدوا من يتمتع بهذه المزايا جميعها، فانهم
يختارون
احدهم فيكون متمتعا بالحد الادنى من الميزات
القيادية، التي
يجب ان تتوفر في كل من اعضا مجلس خبرا القيادة
بوصفها
شرطا لقبول ترشحه.
اما عند تعددهم فيختار الافضل.
اما الشرائط التي تحددها المادة 109 والتي عطفت
عليها المادة
السابقة فهي:
1- الكفاة العلمية اللازمة للافتا في مختلف ابواب
الفقه.
2- العدالة والتقوى اللازمتان لقيادة الامة
الاسلامية.
3- الرؤية السياسية الصحيحة والكفاة الاجتماعية
والادارية
والشجاعة والقدرة الكافية للقيادة. وعند تعدد من
تتوافر فيهم
الشروط المذكورة يفضل من كان منهم حائزا على رؤية
سياسية وفقهية اقوى من غيره.
وهكذا يتحدد قطبا السلطة: الشعب الذي يختار
القائمين
بالسلطة والقائد الذي يرعى جميع السلطات، متوليا
اهمها،
مراقبا من يتولى سائرها، فتخضع لاشرافه المطلق
(م 57) الذي
يمارسه اما مباشرة او بوساطة احدمجلسين:
1- مجلس صيانة الدستور، الذي يعين ستة من اعضائه من
الفقها، فيما ترشح السلطة القضائية الستة الباقين
من اعضائه
من الخبرا في الشؤون القانونية، ويصادق على
تعيينهم مجلس
الشورى نفسه (م 91/2).
2- مجمع تشخيص مصلحة النظام الذي يعينه القائد
(م 112).
ولايضاح دور كل من قطبي النظام الايراني من المفيد
ايراد
الامثلة الاتية:
اولا: ((الشعب يختار نواب مجلس الشورى الاسلامي
بالاقتراع
السري المباشر (م 62)، الا ان ترشيح هؤلا النواب
يخضع
لموافقة مجلس صيانة الدستور (م 99) للتاكد من تحليهم
بالمواصفات الاسلامية وبالتقوى(م 67).
اما الصلاحية التشريعية المنوطة بالمجلس مبدئيا
فهي تخضع
لمصادقة مجلس صيانة الدستور للتاكد من انطباقها
على
المعايير الاسلامية من جهة اولى، وعلى الدستور من
جهة
ثانية، فقد نصت المادة 91 من الدستور على ان تشكيل
مجلس
صيانة الدستور يهدف الى ((ضمانة مطابقة ما يصادق
عليه
مجلس الشورى الاسلامي مع الاحكام الاسلامية
والدستورية)).
وحتى يتمكن مجلس صيانة الدستور من ممارسة هذاالدور
ولمزيد من تفصيله فقد نصت المادة 94 على انه يجب على
مجلس الشورى الاسلامي ارسال جميع ما يصادق عليه الى
مجلس صيانة الدستور.
وخلال عشرة ايام على الاكثر من تاريخ الوصول، يجب
على
مجلس صيانة الدستور دراسته وتقرير مدى مطابقته
للموازين
الاسلامية ومواد الدستور، فاذا وجده مخالفا لها،
فعليه رده الى
مجلس الشورى الاسلامي لاعادة النظر فيه ولا يعد
نافذا.
وقد يعمد اعضا مجلس صيانة الدستور، في حالات
العجلة، الى
ممارسة دورهم بحضور جلسات مجلس الشورى، كما تقضي
المادة 97 من الدستور.
وعلى الجملة فانه ((لا مشروعية لمجلس الشورى
الاسلامي
من دون وجود مجلس صيانة الدستور)) (م 93).
اما في حالات اصرار مجلس الشورى على النص الذي
يعترض
عليه مجلس صيانة الدستور، فان الامر يرفع الى مجمع
تشخيص مصلحة النظام (م 112).
اما الصلاحيات البرلمانية الاخرى المعروفة، مثل
الموافقة على
السياسة العامة للدولة والاشراف على تنفيذها من
قبل
الحكومة، فقد اوكلت الى القائد. كما اوكل اليه
اعلان الحرب
والتعبئة العامة. وكذلك صلاحية المصادقة على
تنصيب رئيس
الجمهورية وعزله وقبول استقالته.
وهذه الصلاحيات تمارسها ((البرلمانات)) في دول
العالم. ففي
مجال تحديد البرنامج السياسي ومراقبة تنفيذه يمارس
البرلمان الدور الاساسي:
ففي الانظمة البرلمانية تعد الحكومة بيان السياسة
العامة
وتطلب الثقة من البرلمان على اساسه، وفي الانظمة
الرئاسية
فان البرلمان شريك اساسي في مجال السياسة الداخلية
والخارجية. اما في الانظمة المجلسية،كالنظام
السويسري، فان
البرلمان يهيمن على جميع السلطات ويفوض بعضها الى
المحاكم وبعضها الاخر الى السلطة التنفيذية.
وفي مجال اعلان الحرب، فانه من الممكن للحكومة ان
تخوض
الحرب اذا ما هوجمت البلاد، على ان تحصل عندما
تتمكن،
على موافقة البرلمان اللاحقة. اما في مجال الحرب
الهجومية
فان القرار في يدالبرلمان. فقد نصت المادة 35 من
دستور
الجمهورية الخامسة الفرنسية مثلا على ((ان اعلان
حالة
الحرب يخوله البرلمان الى الحكومة))، كما نص قانون
سلطات
الحرب الامريكي بتاريخ 7 تشرين الثاني 1973على منع
الرئيس
من استخدام الجيش لاكثر من ستين يوما من دون موافقة
الكونغرس.
اما صلاحية قبول استقالة الرئيس فهي منوطة
بالبرلمان
وكذلك صلاحية اقالته.
ثانيا: الشعب ينتخب رئيس الجمهورية (م 114)، الذي يمر
ترشيحه بمجلس صيانة الدستور للتاكد من التزامه
مبادى
الاسلام (م 99) كما يقتضي الترشيح موافقة القيادة في
الدورة
الاولى. والقائد يصادق على انتخابه(م 110/9) ويقيله
(م 110/10)
ويقبل استقالته (م 120).
اما في مجال الصلاحيات، ففيما يمتلك رئيس
الجمهورية
والوزرا صلاحية ممارسة السلطة التنفيذية، كما ورد
في
المادة 60 من الدستور، فان الصلاحيات الاساسية مما
يتولاه
رئيس الجمهورية والسلطة التنفيذية عموما في
الانظمة
القائمة اليوم تعود الى القائد، فالرئيس يتولى
مسؤولية
التخطيط (م 126) كما يتولى مع الوزرا اعداد
الميزانية (م 52
و126)، وكذلك الامور الادارية بما فيها ابلا
الوظائف (م 126)
وكذلك ترؤس مجلس الامن القومي الاعلى (م 176). اما
القائد
فيتولى نصب فقها مجلس صيانة الدستور وكذلك عزلهم
وقبول استقالتهم (م 110/6را).
قيادة القوات المسلحة (م 110/4).
تعيين رئيس اركان القيادة المشتركة (م 110/6ره)
والقائد العام
لقوات حرس الثورة الاسلامية (م 110/6ره)، والقيادات
العليا
للقوات المسلحة وقوى الامن الداخلي (م 110/6رو).
تعيين رئيس الاذاعة والتلفزيون (م 110/6/ج و م 175/2).
اصدار الامر بالاستفتا العام (م 110/3).
ثالثا: فيما يمتلك الشعب ميزة انتخاب مجلس خبرا
القيادة
(م 107) المشروط ترشيحهم بموافقة مجلس صيانة الدستور
(م 99)، يمتلك القائد بالمقابل صلاحية تعيين اعلى
مسؤول في
السلطة القضائية(م 110/6/ب وم 15).
رابعا: فيما يمتلك الشعب اختيار مجلس الشورى
بالشروط
الواردة اعلاه، يمتلك القائد بالمقابل سلطة تعيين
الحكم في
مسائل اسلامية القوانين ودستوريتها، وهو مجمع
تشخيص
مصلحة النظام.
مقارنة قيام السلطات وصلاحياتها بين الجمهورية
الاسلامية
والدول الاخرى
حتى نستطيع تبين حقيقة النظام السياسي الايراني في
ما
يتعلق بقيام السلطات وصلاحياتها، لا بد لنا من
المقارنة
الاجمالية مع مختلف الانظمة السائدة في ما يعرف
بالعالم
المتقدم، فنقارن مع الانظمة البرلمانية والانظمة
الرئاسية
وشبه الرئاسية والانظمة المجلسية.
النظام الاسلامي الايراني والنظام الرئاسي
ان انموذج النظام الرئاسي هو نظام الولايات
المتحدة
الاميركية.
يقوم النظام الرئاسي على الفصل الحاد للسلطات،
بحيث تفصل
وظيفيا وعضويا، فيقوم الكونغرس بصلاحيات كاملة في
النظام
التشريعي والمالي، كما يقوم الرئيس بصلاحيات كاملة
في
المجال التنفيذي، فيما يقوم النظام الاسلامي
الايراني في
مركزه الاعلى على دمج السلطات، التي يقوم القائد
باهمها كما
راينا، غير ان السلطات تنفصل في المستويات الادنى.
وفي
النظام الرئاسي ينتخب رئيس الدولة من الشعب
مباشرة،ويمتلك بمعاونة الوزرا الصلاحيات
التنفيذية كاملة
بالاستقلال عن الكونغرس (البرلمان) (م 6). فيما
تتوزع السلطة
التنفيذية في الجمهورية الاسلامية كما راينا بين
الرئيس ومعه
الوزرا من جهة، والقائد من جهة اخرى. والاول
ينتخب مباشرة
من الشعب بينما ينتخب القائد من الشعب بطريقة غير
مباشرة.
النظام الاسلامي الايراني والنظام البرلماني
يقوم النظام البرلماني على فصل مرن للسلطات، بحيث
يتولى
البرلمان كامل صلاحية التشريع والصلاحية المالية
مع حق
المبادرة للحكومة في المجالين، وصلاحية المراقبة
في مجال
النهج السياسي للحكومة بعداقراره، كما تقوم
السلطات
التنفيذية بالعمل الاجرائي كاملا. وقد يفوض اليها
البرلمان
بعض صلاحياته، فيما يقوم النظام الاسلامي الايراني
كما راينا
على الدمج في الاعلى وعلى الفصل في ما دونه. ولا
امكانية لتفويض السلطة التشريعة الى الحكومة.
ومن جهة ثانية، فان رئيس الدولة في النظام
البرلماني ينتخب
غالبا من البرلمان، فيما ينتخب القائد والرئيس في
ايران من
قبل الشعب: الاول بشكل مباشر والثاني بشكل غير
مباشر، كما
راينا.
واذا تخلينا عن التسميات المباشرة، وعددنا القائد
في
الجمهورية الاسلامية بمثابة رئيس الدولة، فيما
رئيس
الجمهورية يكون رئيس وزرا، كما تراه المادة 134،
فان ما يميز
بين النظام الاسلامي الايراني والنظام البرلماني
هو:
اولا: موضوع انتخاب الرئيس. ذلك ان الانتخاب غير
المباشر
للرئيس البرلماني يتم بواسطة البرلمان، بينما يتم
انتخاب
القائد في الجمهورية الاسلامية بواسطة مجلس خبرا
القيادة.
ثانيا: ان القائد يمتلك بعضا من صلاحيات البرلمان
والصلاحيات القضائية، (كتعيين الرئيس الاعلى
للسلطة
القضائية وصلاحيات العفو، وهي صلاحيات قضائية
اساسا) فيما
لا يمتلك الرئيس البرلماني ايا من صلاحيات
البرلمان، وفي
المجال القضائي لا يمتلك الا صلاحية العفو الخاص من
دون
العام.
ثالثا: ان رئيس الوزرا البرلماني يكلفه رئيس
الدولة، فيما
الرئيس الايراني ينتخب من الشعب مباشرة. هذا اضافة
الى ان
الرئيس في النظام البرلماني هو شخصية ممحية، بينما
يمتلك
القائد الاسلامي الايراني صلاحيات فعلية واساسية
على صعيد
السلطة التنفيذية وغيرها من السلطات.
النظام الايراني والنظام شبه الرئاسي
يطلق بعضهم تسمية النظام شبه الرئاسي على انظمة
شبيهة
بالنظام الفرنسي، بحيث تكون آليته آلية النظام
البرلماني
مطعمة بانتخاب رئيس الدولة من الشعب مباشرة،
ويحتفظ
الرئيس بصلاحيات اساسية تجعله يتقاسم السلطة
التنفيذية مع
الحكومة.
ولعل النظرة المستعجلة تبدي لنا قسطا وافرا من
التطابق بين
النظامين الايراني وشبه الرئاسي، الا ان النظرة
المتفحصة
تبين فروقا، حتى لو عددنا القائد رئيسا للدولة
ورئيس
الجمهورية الاسلامية رئيساللوزرا.
واول الفوارق تكمن في طريقتي انتخاب كل من القائد
من
جهة، ورئيس الجمهورية من جهة اخرى، وثانيا في طريقة
تسمية رئيس الوزرا، وثالثا في مسالة الصلاحيات.
النظام الاسلامي الايراني والنظام المجلسي
يقوم النظام المجلسي على انتخاب متعدد الدرجات،
بحيث
ينتخب الشعب البرلمان (واحيانا بشكل غير مباشر)،
والبرلمان
يختار، مباشرة او بالواسطة، اجهزة السلطة الاخرى
من تنفيذية
وقضائية واحيانا جهة تشريعية تحل محله في غيابه
كالبريزيديوم، الذي كان قائما في الاتحاد
السوفياتي، او
((اللجنة الدائمة للجمعية الشعبية الوطنية)) في
الصين.
وهذا النظام يسود في سويسرا كما ساد في البلدان
الاشتراكية،
وما زال يسود في الصين.
اما في الجمهورية الاسلامية فيقوم النظام على
الانتخاب.
ولكن يتحقق من المستوى الاول، فينتخب الشعب
البرلمان
ورئيس الجمهورية للسلطتين التشريعية والتنفيذية،
ولا
ينتخب السلطة القضائية.
والشعب ينتخب القائد المشرف على السلطات جميعها
والمشارك في السلطة التشريعية بشكل غير مباشر، عن
طريق
فقها مجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة
النظام،
والمتولي صلاحيات خاصة بالبرلمان كما راينا،
والمشارك في
السلطة التنفيذية وكذلك القضائية عن طريق تعيين
رئيسها.
اما على صعيد الصلاحيات، فاننا نجد في النظام
المجلسي انها
تفوض كاملة الى البرلمان (مع استثنا الاستفتا)
وهو يفوض
كلا منها الى جهة.
اما في النظام الاسلامي، فالصلاحية هي بيد الشعب من
جهة
وبيد القائد من جهة اخرى، ودوراهما يتكاملان.
العلاقة بين السلطات في النظام الاسلامي
من اجل استكمال مميزات اي نظام، لا بد من دراسة
العلاقات
بين السلطات التي يقوم عليها. ولعل العلاقة بين
السلطات هي
ما يميز الانظمة التقليدية بعضها عن بعض. وفي
النظام
السياسي الايراني تتخذالعلاقات بين السلطات
الاشكال الاتية:
العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية
تمتلك السلطة التشريعية تجاه السلطة التنفيذية
الوسائل
الاتية:
ا- اقرار عدم كفاة رئيس الجمهورية وذلك باكثرية
الثلثين، كما
تقضي به المادة 98 من الدستور، وذلك على اثر استجواب
(استيضاح) يوجه اليه من قبل ثلث اعضا مجلس الشورى،
على
ان يواجهه في مهلة شهر، (م 89/2)، وكذلك نزع الثقة من
الوزرا (م 136)، وفي الحالتين يرفع الامر الى
القائد لبته.
|
|---|