|
اولى المهمات
تعد ظاهرة «الصحوة الاسلامية» من ابرز الظواهر التي يشهدها
العالم المعاصر واهمها. ويرى الغرب الاستعماري فيها،
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية، عدوا
رئيسيا يمثل خطرا حقيقيا على مشروعه الرامي الى الهيمنة
على العالم والاستحواذ على ثرواته. ولهذا، فهو لا ينفك عن
مواصلة هجومه عليها، على الاسلام، على مختلف الصعد،
وبخاصة على الصعيد الثقافي، مستخدما جميع الوسائل التي
يملكها، ما يكون حالة من الصراع الثقافي الحضاري الحاد بين
خطاب الصحوة الاسلامية والخطاب الغربي، المقدم انموذجا
يبشر به ليس المثقف الغربي فحسب، وانما المثقف المتغرب
في وطنه ايضا، وهومثقف يوظف قدراته في خدمة المشروع
الغربي، مستفيدا من الامكانات التي يوفرها له الغرب بسخاء
ملحوظ.
واذ ندرك هذه الحقيقة نرى انه ليس بعيدا عن الصواب القول:
ان اولى مهمات «الصحوة الاسلامية» ليس الانفعال المفضي
الى رد فعل يتمثل باشكال عديدة، وانما الفعل العقلي المنتج
خطابا يقدم معرفة حقيقية باشكالات الواقع المعيش، تتيح
صياغة اسئلة هذه الاشكالات من نحو اول، وبلورة اجابات عنها
من منظور شرعي مسكون بهموم الواقع الحاضر وآفاق
المستقبل من نحو ثان.
ولا يخفى على اي مسلم واع لحقيقة الاسلام ان الايمان بان
شريعة الاسلام هي الشريعة العالمية الخاتمة يقضي، علاوة على
ماسبق ذكره، بوجوب القيام بهذه المهمة على افضل وجه،
بغية تقديم الانموذج الاسلامي المغاير للانموذج الغربي
والبديل منه،
وهذه المهمة منوطة بالعلماء المجتهدين
القادرين، كل في ميدانه، على النهوض بادائها.
وقد يكون من المسلم به ان عدم القيام بهذه المهمة، كما
ينبغي، سيودي الى ان يسود الحياة الثقافية نوعان من
الخطاب، متفقان ومختلفان في آن، يتفقان في انهما ينهجان
نهجا واحدا هو التقليد، ويختلفان في ان احدهما يقلد الماضي
وينسخ تجاربه، في حين ان ثانيهما يقلد الاخر، وبخاصة الغرب،
ويستنسخ انتاجه، ويروج لانموذجه.
ليس من شك في ان هذين الخطابين يعجزان عن انتاج معرفة
حقيقية بالواقع وباسئلته وبالاجابات عنها لانهما يغيبان
هذاالواقع، ومن ثم يعجزان عن اداء مهمة النهوض، وتحقيق
الوجود الفاعل للامة في مسار التاريخ.
وما يجعل هذين الخطابين المقلدين سائدين هو غياب
الخطاب البديل القادر على تحقيق الانجازات، بوصفه خطابا
يتجاوزالتقليد والنسخ والاستنساخ الى الانتاجر الابداع في
مواجهة قضايا الواقع المتجددة والمتنوعة.
طبيعي ان ما نقوله لا يعني القطيعة مع الماضي، وانما الاتصال
به اتصال استلهام لروح الابداع فيه وليس اتصال
نسخ،فالمجتهد المبدع انما يصدر عن اصول ثابتة تتمثل في
اصول التشريع الاسلامي من نحو اول، وفي اصول الذات
الاسلامية المفروض ان يعيها ويتمثلها من نحو ثان، باعتبار ان
الاسلام، في مساره التاريخي، هو المكون الاساس لهذه الذات.
ومن الطبيعي، ان الابداع لا يقتضي القطيعة مع الاخر، وانما
الاتصال الواعي به، فالمجتهد يدرك، من نحو اول، ان
الانجازات العلمية انما هي تراث انساني تنبغي الافادة منه، وان
كان من تميز من الاخر على هذا المستوى فهو تميز القادر على
التفاعل،ويعي من نحو ثان طبيعة هذا الاخر، وبخاصة الغرب
الاستعماري، في هذه المرحلة من التاريخ الانساني، فهذا
الغرب، ممثلا في الولايات المتحدة الاميركية، يسعى، بوصفه،
كما يزعم، سيد العالم الجديد، ليقيم نظاما تكون فيه ثروات
هذا العالم مادية وبشرية في خدمة مصالحه. وهو في سبيل
تحقيق هدفه هذا يوظف نظريات ينتجها مفكروه، منها كما هو
معروف نظريات نهاية التاريخ وصدام الحضارات وما يسمى
«تاهيل الاسلام».
ان الصحوة الاسلامية تسري في عروق العالم الاسلامي جميعه،
وتضعه على ابواب تحول كبير، وما تحتاجه هو استنهاض الروح
الكامنة، من طريق الفعل -
الابداع، وفي تاريخنا الحديث ادلة
كثيرة على ذلك، منها دليلان ساطعان نعيش في هذه
الايام في اجوائهما، اولهما انتصار الثورة الاسلامية في ايران
التي توجت بقيام الجمهورية الاسلامية في هذا البلد الاسلامي
العريق،على يدي باعث النهضة الاسلامية في العصر الحديث،
الامام الخميني (رضوان الله عليه)، الذي نعيش في هذه الا يام
ذكرى رحيله الثانية عشرة، وقد انجزت هذه الثورة الاسلامية ما
جعل الكثيرين من مراقبي تجربتها المحايدين ينبهرون
بالطريقة التي طورت بها نفسها من داخلها لتكون الرائدة لفكر
اسلامي نهضوي حضاري معاصر يتمثل قيم الاسلام من نحو
اول ويواجه مشكلات الواقع المستجدة من نحو ثان، وثانيهما
الانتصار العظيم الذي حققته المقاومة الاسلامية في لبنان
على العدوالصهيوني المحتل، اذ اجبرته، ولاول مرة في تاريخ
الصراع معه، وبالقوة، على الاندحار من الارض المحتلة من
دون قيد او
شرط.
ان الاسلام، بوصفه الدين الخاتم الذي بلغ الكلية المطلقة
التي تتجاوز الشعوب والقبائل الى الانسانية، والانسانية
الى المخلوقات جميعها، وانطلاقا من اقراره بحق الاختلاف
ودعوته الى التعايش والتعارف: (يا ايها الناس، انا خلقناكم
من ذكروانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، ان اكرمكم عند
الله اتقاكم) [الحجرات/13]...، يقدم الحوار بديلا من
نظريات الغرب الاستعماري، ومنها: نهاية التاريخ وصدام
الحضارات «والتاهيل»...
والحوار المعني، هنا، هو الحوار الحقيقي، بوصفه تفاهما يصل
بين طرفين، يعترف كل منهما بالاخر وخصوصيته ويصغي اليه
بغية تحقيق التعارف ومن ثم مرتبة «الاكرم» المشروطة
بالتقوى...
وهذا الحوار النافذ الى الجوهر، المتجاوز العك رك ضي والزيف
والخداع والتضليل الخ... يقتضي النفاذ الى جوهر القضايا
موضوع
الحوار، واهم شروطه ان يتم الحوار بين انداد يعترف كل منهم
بحق الاخر، اولا، في الوجود الانساني المقتضي توافر
جميع
حقوق الانسان التي نصت عليها الشرائع الانسانية. وثانيا، في
الاختلاف. وثالثا، في توافر شروط فعالية هذا الموجودفي مسار
التاريخ الانساني: خطابا وعملا.
وان انتفى هذا الشرط تكن العلاقة بين الطرفين علاقة تبعية
الاضعف للاقوى، وسعي هذا لالغاء ذاك وتوظيفه
بمختلف امكاناته في خدمة مصالحه.
وفي هذه الحالة من التعايش المحكوم بالصراع او بتوازن
الرعب، او بتبعية والغاء... لا يمكن ان يقوم حوار حقيقي، ولا
يمكن للتابع، او للملغي، ان ينتج فكيف ان يبدع، ومن ثم لا
يمكن ان يكون فاعلا... وهذا ما تنبغي الحيلولة دون صيرورته
واقعا
مكرسا
بمختلف السبل والوسائل...، ومن هذه السبل
والوسائل تحصيل المعرفة بحقائق الامور وامتلاكها وتوظيفها...
واننا، في مجلة «المنهاج»، اذ ندرك هذه الحقائق، وبخاصة
ضرورة انتاج خطاب الصحوة الاسلامية الذي تحدثنا
عنه...،نحاول، الاسهام في هذا المجال، وصفحات المجلة
مفتوحة امام كل محاولة جادة على هذا الصعيد.
وفي هذا العدد تتواصل هذه المحاولة، فنخصص بحثا يتحدث
فيه ا. كمال السيد عن ثورة العشق الالهي عند رائد
النهضة الاسلامية في العصر الحديث، الامام الخميني (رضوان
الله عليه)، ونقدم القسم الثاني من محور «حوار الحضارات»،
باعتبارهذا الحوار بديلا من الصراع والصدام، ويشارك فيه
مفكرون مختصون.
ويواصل آية الله السيد محمود هاشمي بحثه الفقهي في تحديد
موضوع حد المحارب، ويبحث د. محمد لاريجاني في
مسالة العقلانية، مميزا بين شعر عقلانية تقنية يمثلها الانموذج
الغربي وعقلانية اصيلة يمثلها الانموذج الاسلامي، ويسعى كل
من د.عبد الهادي الفضلي والشيخ حيدر حب الله في سبل
تفعيل الموسسات الدينية وقيامها بواجباتها، مستفيدة من
الامكانات التي تتيحها لها العلوم المعاصرة، ويعود كل من د.
عبد المجيد زراقط، ود. محمد طي الى التراث الاسلامي
لبلورة رويته الى التعليم والتربية من نحو اول والى حقوق
الانسان، والطفل بخاصة، من نحو ثان، ويناقش كل من محمد
الحسيني والشيخ قاسم ابراهيم قضيتين مطروحتين على
بساط البحث: اولاهما في الاقتصاد الاسلامي وثانيتهما في
مشروعية النظام في ضوء
النظرية الاسلامية، ويبحث كل من د.
احمد حطيط وا. مختار الاسدي في مسائل تتعلق بقضية
الوحدة الاسلامية وتفاعل المسلمين...
فعسى ان نكون قد وفقنا، والله سبحانه وتعالى، الموفق في
كل
حال.
بحث في تحديد موضوع حد المحارب آية الله السيد محمود الهاشمي المقصود بالبحث تشخيص حدود ما هو موضوع الحد الثابت شرعا للمحارب بنص الكتاب الكريم، في آيتي المحاربة[المائدة/33 و34]. ويقتضي بحث هذا الموضوع الكلام في ثلاث جهات، اولاها: في ما يستفاد من الاية المباركة في نفسها، وقدتم استيفاء البحث فيها في العدد الماضي، وثانيتها: في ما يستفاد من الروايات الخاصة في موضوع هذا الحد، وهي موضوع البحث في هذا العدد، وثالثتها: في تطبيقات وقع، او يمكن ان يقع، البحث فيها، وسيتم استيفاء البحث فيها في العدد القادم. الجهة الثانية: في ما يستفاد من الروايات الخاصة في موضوع هذا الحد. ونورد البحث عن ذلك في نقطتين: الاولى: ما يستفاد منه اختصاص الحد المذكور بالمحارب الشاهر للسلاح. الثانية: ما قد يستدل به من الروايات على تعميم الحد المذكور لكل مفسد. اما النقطة الاولى: فالروايات الواردة في المقام عديدة منها: 1- صحيح محمد بن مسلم عن ابي جعفر(ع) قال: «من شهر السلاح في مصر من الامصار فعقر اقتص منه ونفي من البلد، ومن شهر السلاح في غير الامصار وضرب وعقر واخذ المال ولم يقتل فهو محارب، فجزاوه جزاء المحارب، وامره الى الامام ان شاء قتله وصلبه، وان شاء قطع يده ورجله، قال: وان ضرب وقتل واخذ المال فعلى الامام ان يقطع يده اليمنى بالسرقة، ثم يدفعه الى اولياء المقتول فيتبعونه بالمال ثم يقتلونه»، قال: فقال له ابو عبيدة: ارايت ان عفا عنه اولياء المقتول؟ قال: فقال ابو جعفر(ع):«ان عفوا عنه كان على الامام ان يقتله، لانه قد حارب وقتل وسرق»، قال: فقال ابو عبيدة: ارايت ان اراد اولياء المقتول ان ياخذوامنه الدية ويدعونه، الهم ذلك؟، قال: «لا، عليه القتل»((1)).وقد نقل الرواية في الوسائل: «ومن شهر السلاح في مصر من الامصار وضرب وعقر...»((2)). والظاهر انه سهو من الناسخ،لان الموجود في المصادر الثلاثة للرواية (الكافي والتهذيب والاستبصار): «ومن شهر السلاح في غير الامصار وضرب...» الخ، وهو المناسب، بل المتعين بقرينة المقابلة مع صدرها. ولا شك في ظهورها في ان موضوع هذا الحد هو مجموع القيدين المتقدمين، اعني المحاربة وشهر السلاح بقصد الافساد في الارض بسلب ونهب ونحوه، لانه قد صرح فيها، في صدرها، ان هذا الجزاء جزاء المحارب وانه اذا شهر السلاح وضرب وعقرواخذ المال اصبح محاربا وموضوعا للحد المذكور، ما يعني ان الموضوع لهذا الحد ليس مطلق الافساد في الارض بل المحاربة وشهر السلاح من اجل السلب ونحوه، كما انه في ذيلها علل لزوم قتله وعدم تاثير عفو اولياء المقتول او انتقالهم الى الدية بقوله: «لانه قد حارب وقتل وسرق»، ما يعني ان الميزان، او المعيار، لهذا الحد انما هو هذا العنوان، فان التحليل لا بد من ان يكون ببيان ما هو الموضوع والملاك لترتب حد القتل والذي لا يكون قابلا للعفو او الانتقال الى الدية، فيكون التعليل المذكور في ذيل الرواية خير دليل على تحديد موضوع هذا الحد في ما ذكر فيه، وهو المحاربة والقتل والسرقة، ولكن حيث يعلم من الاية وفهم من الفقرات السابقة ان القتل والسرقة احد شقوق المحاربة، فيكون القيد الثاني لا محالة ارادة ذلك، سواء تحقق ام لم يتمكن منهما او تحقق احدهما من دون الاخر، وهذا واضح. ثم ان هذه الصحيحة فيها نكتتان اضافيتان يجدر الوقوف عندهما: احداهما: ما في صدرها من التفصيل بين شهر السلاح في مصر من الامصار وشهره في غير الامصار، وجعل الاول من موارد القصاص والثاني من المحاربة، وهذا يناسب فتوى العامة بان المحاربة مخصوصة بما اذا كان شهر السلاح من اجل السلب والنهب خارج البلد، والذي يعبر عنه بقطاع الطريق، وقد تقدم عند استعراض كلمات فقهائنا عدم الاختصاص بذلك. هذا، ولكن سوف ياتي في شمول بعض الروايات، بل ورود بعضها في المحارب الشاهر للسلاح في البلد، فلا وجه للاختصاص، فيحمل صدر هذه الصحيحة على من شهر السلاح من دون اخافة وسلب الامن ونحوه كما في بعض الاشقياء داخل المدن آولعل عدم ذكر فرض السرقة واخذ المال في الشق الاول في الصحيحة ايضا قرينة على ارادة ذلك، لا المحاربة وسلب الامن داخل البلد. الثانية: ان ظاهر الصحيحة ان المحارب اذا اخذ المال وعقر، ولكنه لم يقتل، فالامام مخير فيه بين قتله او قطع يده ورجله من خلاف، واما اذا كان قد قتل وجب عليه ان يقتله، وهذا يمكن ان يكون وجه جمع بين ما دل على تخيير الامام في حد المحاربة بين العقوبات الاربع المقررة في الاية المباركة وما دل على ان ذلك لا بد من ان يكون حسب الجناية، فالتخيير للحاكم في الجناية الاخف، واما اذا كان قد ارتكب الاشد، وهو القتل، فليس له ان يختار الا القتل، وكذلك لو كان قد ارتكب القتل والسرقة معا كان على الامام ان يقطع يده بالسرقة ثم يدفعه الى اولياء المقتول لياخذوا منه ما سرق، ثم يقتلونه قصاصا والا كان على الامام ان يقتله ولا يصح العفو عنه، وظاهر هذا الترتيب تقدم القتل قصاصا ان امكن على القتل حدا ايضا بحيث اذا امكن ذلك، وكان يريد اولياءالمقتول القصاص، سمح لهم بذلك حفظا لكلا الحكمين وجمعا بينهما. واياً ما كان فالرواية ليست من ادلة الترتيب بين العقوبات الاربع - كما ادعاه استاذنا السيد الخوئي (ره) في مباني تكملة المنهاج((3)) - بل صدره صريح في تخيير الامام بين القتل والصلب وقطع اليد والرجل من خلاف، وذيله ظاهر في انه مع تحقق موجب كل عقوبة لا بد من اقامتها عليه، فاذا كان قد سرق قطع يده به، واذا كان قتل وجب قتله قصاصا ان طلب ولي المقتول والافحد ا، ولا يمكن العفو عنه، فعدم التخيير بهذا المقدار لا اكثر، والظاهر ان سيدنا الاستاذ((4)) حمل الجملة الاولى في الصحيحة والتي ورد فيها «من شهر السلاح في مصر من الامصار فعقر اقتص منه ونفي من تلك البلد» على المحاربة ايضا اعتمادا على نسخة الوسائل، وقد عرفت وقوع السهو فيها. وان الموجود في الكافي والتهذيب والاستبصار جميعا التفصيل بين من شهر السلاح في مصر من الامصار فعقر اقتص منه وبين من شهر السلاح في غير الامصار فعقر فهو محارب، وجزاوه جزاء المحارب، وهذا كالصريح في ان الشق الاول خارج عن المحاربة وجزائها، ولهذا عبر فيه بقوله: «اقتص منه» والذي امره موكول الى اولياء المجني عليه ولهم العفو او اخذ الدية، واما التعقيب عليه بالنفي من البلد فالظاهر انه نوع تعزير من قبل الحاكم الوارد في موارد عديدة من الجرائم الاخرى ايضا، والله الهادي للصواب. 2- ومن جملة الروايات: رواية علي بن حسان عن ابي جعفر(ع) قال: «من حارب [الله] واخذ المال وقتل كان عليه ان يقتل ولايصلب، ومن حارب وقتل ولم ياخذ المال كان عليه ان يقتل ولا يصلب، ومن حارب واخذ المال ولم يقتل كان عليه ان تقطع يده ورجله من خلاف، ومن حارب ولم ياخذ المال ولم يقتل كان عليه ان ينفى»((5)). وهي من حيث الدلالة واضحة الظهور في اعتبار المحاربة في تمام شقوق هذا الحد والعقوبة المقررة في الاية الكريمة، بل هي صريحة في ان العقوبات الاربع المذكورة فيها كل واحدة منها تكون لحالة من المحاربة غير الاخرى حسب درجة الجريمة فيهامن حيث تحقق القتل تارة وعدمه واخذ المال وعدمه، مع اخذ اصل المحاربة شرطا في تمام تلك الحالات، ما يعني انها الموضوع لهذا الحد بشقوقه ومراتبه الاربع، لا عنوان الافساد الذي لا يتوقف على فرض قتل او اخذ مال. ومن حيث السند يمكن تصحيحه، فراجع الملحق [1]. 3- ومن جملة الروايات: رواية المدائني عن ابي الحسن الرضا(ع) قال: سئل عن قول الله عز وجل (انما جزاء الذين ...) (الاية)، فما الذي اذا فعله استوجب واحدة من هذه الاربع؟ فقال: «اذا حارب الله ورسوله وسعى في الارض فسادا فقتل قتل به، وان قتل واخذ المال قتل وصلب، وان اخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وان شهر السيف وحارب الله ورسوله وسعى في الارض فسادا ولم يقتل ولم ياخذ المال نفي من الارض»((6)). وهي مروية في الكافي والتهذيب والاستبصار بطريقين، في احدهما عبيدالله المدائني عن ابي الحسن(ع)، وهو ممن لم يذكربمدح ولا ذم، والاخر عن يونس، عن محمد بن سليمان، عن محمد بن اسحاق، عن ابي الحسن(ع)، ومحمد بن سليمان ممن ضعفه الرجاليون وان كان الراوي عنه يونس بن عبد الرحمان. ومن حيث الدلالة واضحة في اشتراط المحاربة وشهر السيف في موضوع هذا الحد، بل حيث ان السوال فيها عن الاية المباركة ابتداء، فتكون ظاهرة في تفسيرها بذلك وان مفاد الاية ذلك ايضا، كما ان التفريع في قوله(ع): «وسعى في الارض فسادا فقتل...» ظاهر في ان المراد بالافساد في الارض ما ذكرناه، لا مطلق الافساد. والمستفاد من ذيلها ان المحاربة والسعي والفساد انما يكون بشهر السيف ولو لم يقتل ولم ياخذ المال، وهذا يوكد ان المراد من المحاربة اخافة الناس وسلب الامن بسلاح ونحوه. 4- ومن جملة الروايات: رواية الخثعمي، قال: سالت ابا عبدالله(ع) عن قاطع الطريق، وقلت: الناس يقولون: ان الامام فيه مخير،اي شيء شاء صنع. قال: «ليس اي شيء شاء صنع، ولكنه يصنع بهم على قدر جنايتهم من قطع الطريق، فقتل واخذ المال قطعت يده ورجله وصلب، ومن قطع الطريق فقتل ولم ياخذ المال قتل، ومن قطع الطريق فاخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله، ومن قطع الطريق فلم ياخذ مالا ولم يقتل نفي من الارض»((7)). وهي واردة في قاطع الطريق، لان سوال السائل وقع عن ذلك، ولعله باعتبار ان المركوز في فقه العامة، والمتعارف على السنة فقهائهم وقضاتهم ذلك، خصوصا ان السائل كان في صدد نقل فتواهم «بتخيير الحاكم في اجراء هذا الحد، فنقل ما يفتون به موضوعا وحكما، وحيث ان نظره وسواله عن حيثية التخيير وعدمه، فالامام(ع) ايضا تصدى لخصوص هذه الجهة، فلا يمكن ان يستفاد من اخذ عنوان قطع الطريق في لسان الامام(ع) اختصاص المحاربة به، بل لعل عنوان قاطع الطريق اصبح تدريجامرادفا او مشيرا لعنوان المحارب. ثم ان عبيدة بن بشير الخثعمي مجهول، ولا طريق لتوثيقه. 5- ومن جملة الروايات: مرسلة الصدوق(ره) قال: سئل الصادق(ع) عن قول الله عز وجل: (انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله...) الاية، فقال: «اذا قتل ولم يحارب ولم ياخذ المال قتل، واذا حارب وقتل وصلب قتل وصلب. فاذا حارب واخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله، فاذا حارب ولم يقتل ولم ياخذ المال نفي»((8)). ومضمونها، بل وفقراتها، متطابقة مع ما تقدم في صحيح محمدبن مسلم مع اضافة انه جعل كلام الامام الصادق(ع) جوابا على السوال عن الاية، فذكر ابتداء ان من يقتل من دون محاربة كان عليه القتل فقط وهو القتل القصاصي لا محالة ، واما من قتل محاربا اي من حارب فقتل او اخذ المال كان حكمه ما في الاية المباركة بالترتيب المذكور. ولكن الرواية مرسلة، وان كان يرى بعضهم حجية مراسيل الصدوق اذا كانت مسندة الى الامام(ع) مباشرة. 7،6- ومن جملة الروايات: ما في تفسير العياشي (قدس سره) عن احمد بن الفضل الخاقاني من آل رزين قال: قطع الطريق بحلولا على السابلة من الحجاج وغيرهم وافلت القطاع الى ان قال: وطلبهم العامل حتى ظفر بهم، ثم كتب بذلك الى المعتصم،فجمع الفقهاء وابن ابي داود ثم سال الاخرين عن الحكم فيهم، وابو جعفر محمدبن علي الرضا(ع) حاضر، فقالوا: قد سبق حكم الله فيهم في قوله: (انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا ان يقتلوا او يصلبوا او تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف او ينفوا من الارض)، ولامير المومنين ان يحكم باي ذلك شاء منهم. قال: فالتفت الى ابي جعفر(ع) وقال:اخبرني بما عندك. قال: «انهم قد اضلوا في ما افتوا به. والذي يجب في ذلك ان ينظر امير المومنين في هولاء الذين قطعوا الطريق فان كانوا اخافوا السبيل فقط ولم يقتلوا احدا ولم ياخذوا مالا امر بايداعهم الحبس، فان ذلك معنى نفيهم من الارض باخافتهم السبيل، وان كانوا اخافوا السبيل وقتلوا النفس امر بقتلهم، وان كانوا اخافوا السبيل وقتلوا النفس واخذوا المال امر بقطع ايديهم وارجلهم من خلاف وصلبهم بعد ذلك». فكتب الى العامل بان يمتثل ذلك فيهم((9)). وهي كرواية الخثعمي واردة في قطاع الطريق الا ان الامام(ع) - على تقدير صدور الرواية - في مقام الجواب كانه جعل الميزان اخافة الناس كما في قوله: «فان ذلك معنى نفيهم من الارض باخافتهم السبيل»، او قوله في ابتداء كلامه الشريف: «فان كانوا اخافوا السبيل فقط»، فجعل العنوان والموضوع الاخافة للسبيل في تمام الشقوق، ما يشعر بان المحاربة انما تتحقق بذلك وانه موضوع هذا الحد، لا خصوص قطع الطريق، كما انه اعم من شهر السلاح فيشمل اخافة السبيل بلا سلاح. الا ان الرواية مرسلة، كما هو الحال في سائر روايات هذا التفسير القيم. 8- ومن جملة الروايات: رواية داود الطائي عن رجل من اصحابنا عن ابي عبدالله(ع) قال: سالته عن المحارب وقلت له:ان اصحابنا يقولون: ان الامام مخير فيه ان شاء قطع وان شاء صلب وان شاء قتل. فقال: «لا، ان هذه اشياء محدودة في كتاب اللهعز وجل، فاذا ما هو قتل واخذ، قتل وصلب، واذا قتل ولم ياخذ قتل، واذا اخذ ولم يقتل قطع، وان هو فر ولم يقدر عليه ثم اخذ قطع،الا ان يتوب، فان تاب لم يقطع»((10)). وظاهرها ان المحارب عنوان حقيقي لا تنزيلي، وهو من ينوي السلب والنهب والقتل بالقوة والسلاح، وبقرينة ما جاء في الجواب من ان ذلك محدود في كتاب الله عز وجل، والذي ينظر الى آية المحاربة يفهم ان المراد بالمحاربة في الاية ذلك ايضا، لامعنى آخر اوسع ككل مفسد في الارض او كل من يقاتل مع المسلمين ولو للبغي او الكفر، والا كان ينبغي ايراد ذلك في التشقيق، ولم يكن وجه للاقتصار في مقام تحديد ما هو محدود في الكتاب الكريم بما ذكره من الشقوق، بل لم يكن وجه لذكر القتل والسلب، فان عنوان المفسد في الارض بحسب دعوى الخصم لا يتوقف على ذلك. فالحاصل: لا ينبغي التشكيك في ظهور هذه الروايات جميعا في ان المراد بالمحارب في الاية الكريمة، وفي موضوع هذاالحدالشرعي، هو المعنى المصطلح الذي فهمه عامة الفقهاء والمفسرين من الاية المباركة. وهذه الرواية ضعيفة السند، للارسال ولوقوع سهل بن زياد فيه ايضا، ولا يجدي في رفع الاشكال وقوع احمدبن محمد بن ابي نصر - احد الثلاثة الذين لا يروون ولا يرسلون الا عن ثقة في السند قبل داود الطائي، كما لا يخفى. 9- ومن جملة الروايات: صحيح ضريس - بطريق الصدوق والشيخ في احد طريقيه - عن ابي جعفر(ع) قال: «من حمل السلاح بالليل فهو محارب الا ان يكون رجلا ليس من اهل الريبة»((11)). وهذه الصحيحة، وان لم تكن في مقام حصر المحاربة بمن يشهر السلاح بالليل، ولكنها تدل على ان ما هو موضوع للحد المعروف ان ما هو عنوان المحارب الحقيقي لا التنزيلي، اي من يحمل السلاح او يشهره لا مطلق الافساد، لانها بصدد التوسعة وانه يكفي ان يحمل السلاح ويجهزه في الليل في تحقق المحاربة اذا كان من اهل الريبة، ولا يتوقف على ان يشهره ويحارب به، فهذه الرواية تدلنا على كفاية تجهيز السلاح وحمله مع تحقق الاخافة بذلك، كما اذا كان بالليل في المحاربة، مايعني ان الموضوع الموسع هو المحاربة الحقيقية والاخافة، لانها الحاصلة من حمل السلاح في الليل، كما ان فيها توسعة من ناحية اخرى ايضا، وهي كفاية كونه من اهل الريبة في الحكم عليه بانه محارب ولو ظاهرا، فليست الرواية في مقام التضييق والتقييد بان الشاهر للسلاح لا بد من ان يكون من اهل الريبة كما تقدم عن بعضهم، بل على العكس في مقام التوسعة وان مجرد حمل السلاح في الليل مع كونه من اهل الريبة يكفي في الحكم عليه بانه محارب وانه اخاف السبيل، ولو لم يشهر السلاح بعدولم يهجم على شخص للنهب والسلب، ومثل هذا يناسب ان يكون حكما ظاهريا وامارة على كونه محاربا وقاصدا للافسادبالسلب والنهب ما لم يثبت خلافه((13)). 11،10- ومن جملة الروايات: رواية جابر عن ابي جعفر(ع) قال: «من اشار بحديدة في مصر قطعت يده، ومن ضرب بها قتل»((13)). وهي، وان لم يرد فيها ذكر عنوان المحارب الا انه بقرينة الجزاء والعقوبة اللذين وردا فيها يفهم ان المقصود بيان جزاءالمحاربة وانه من اشار بحديدة - وهي السلاح - فهو محارب تقطع يده اذا لم يضرب بها، وانما اشار بها فقط، والذي هو كناية عن شهرها او التهديد والاخافة بها، واذا ضرب بها قتل، فتدل ايضا على اخذ شهر السلاح والمحاربة الحقيقية في موضوع هذاالحدالشرعي، غاية الامر تدل على كفاية الاشارة والتهديد والاخافة بها، لتحقق المرتبة الاخف من المحاربة وعقوبتها. الا ان في سندها عمرو بن شمر الجعفي الذي ضعفه النجاشي، وقال في حقه: انه زيد في روايات جابر الجعفي، وهو منسوب اليه، والامر ملتبس((14)). كما انها تدل على عدم اشتراط كون ذلك خارج البلد وبعنوان قطع الطريق، بل لو وقع في مصر، اي داخل البلد، ايضا، كان له حكمه، فتكون على وزان ما جاء في رواية سورة بن كليب قال: قلت لابي عبدالله(ع): رجل يخرج من منزله يريد المسجد او يريدالحاجة فيلقاه رجل ويستعقبه فيضربه وياخذ ثوبه. قال: اي شيء يقولون فيه من قبلكم؟ قلت: يقولون: هذه دغارة معلنة، وانماالمحارب في قرى مشركة، فقال: «ايهما اعظم حرمة دار الاسلام او دار الشرك؟ قال: فقلت: دار الاسلام، فقال: هولاء من اهل هذه الاية (انما جزاء الذين يحاربون...) الى آخر الاية»((15))، فانها ايضا واردة في المحاربة داخل البلد، بل هذه الرواية تدل على كفاية مطلق اعمال القوة والتخويف للسلب والنهب والاخذ في المحاربة، ولا يشترط شهر السلاح، لان الوارد فيها عنوان التعقيب والضرب والاخذ لثوبه، وهو وان كان غالبا بالسلاح ولكنه قد يكون بغيره، فتصلح الرواية دليلا على التوسعة من ناحية اشتراط شهر السلاح او تجهيزه والتعدي الى مطلق المغالبة بالقوة القاهرة والمخيفة للناس ولو لم يكن بالسلاح بل بالعصا او الحجر او اية وسيلة اخرى مخيفة للناس، ولعل عنوان المحاولة ايضا كذلك، اي لا يختص بالمحاربة مع السلاح،فاطلاق الاية وبعض الروايات التي لم يرد فيها عنوان شهر السلاح، بل ورد فيها المحاربة ايضا بصالح استفادة هذا التعميم. والرواية المذكورة فيها ضعف من ناحية السند، حيث ان سورة بن كليب لم يثبت توثيقه. 12- وقد يكون من هذا الباب ايضا: ما رواه السكوني عن جعفر(ع) عن ابيه(ع) عن علي(ع) - في رجل اقبل بنار فاشعلها في دارقوم فاحترقت واحترق متاعهم انه -: «يغرم قيمة الدار وما فيها ثم يقتل»((16)). الا ان في سندها النوفلي، وسياتي التعرض لهذه الرواية في بحث قادم. وهكذا يتضح ان المستفاد من مجموع الروايات الواردة في المقام: ان موضوع هذا الحد هو عنوان المحاربة الحقيقي، والذي يكون بشهر السلاح، او ما بحكمه، لاخافة الناس وسلب اموالهم او نفوسهم، وهو المراد بالسعي في الارض فسادا، لا ان المحاربة لله والرسول عنوان مجازي تنزيلي وان الموضوع للحد المذكور مطلق الافساد في حياة الناس ولو بنشر الافكار الباطلة اوتوزيع المخدرات او اشاعة الفحشاء والمنكرات، وان كان ذلك ايضا من اعظم الجرائم والجنايات، وقد يستوجب القتل بعنوان آخر، ولكنه لا ربط له بهذا الحد. روايات قد يتوهم دلالتها على توسعة عنوان المحاربة ثم ان هناك طائفة من الروايات الخاصة واردة في اللص الذي يدخل البيوت للسلب ونحوه، وقد عبرت عنه بانه محارب اومحارب لله والرسول وانه يجوز لك قتله او ان دمه مباح لمن دخل عليه، فينبغي التعرض لها وملاحظة ما يستفاد منها في المقام، وانه هل يكون توسعة لعنوان المحاربة لكل لص وسارق يدخل على الانسان او لا؟ 1- منها: صحيح الحلبي عن ابي عبدالله(ع)، قال: قال امير المومنين(ع): «اذا دخل عليك اللص المحارب فاقتله، فما اصابك فدمه في عنقي»((17)). 2- ومنها: معتبرة غياث بن ابراهيم، عن جعفر(ع)، عن ابيه(ع) انه قال: «اذا دخل عليك رجل يريد اهلك ومالك فابدره بالضربة ان استطعت، فان اللص محارب لله ولرسوله(ص)، فما تبعك من شيء فهو علي»((18)). 3- ومنها: صحيح منصور، عن ابي عبدالله(ع) قال: «اللص محارب لله ولرسوله فاقتلوه، فما دخل عليك فعلي»((19)). 4- ومنها: مرسلة البزنطي، عن بعض اصحابنا، عن ابي عبدالله(ع) انه قال: «اذا قدرت على اللص فابدره، وانا شريكك في دمه»((20)). 5- ومنها: رواية الحسين بن ابي غندر، عن ابي ايوب، قال: سمعت ابا عبدالله(ع) يقول: «من دخل على مومن داره محاربا له فدمه مباح في تلك الحال للمومن، وهو في عنقي»((21)). 6- ومنها: رواية فزارة عن انس او هيثم بن الفرا (فزارة عن ابي هيثم بن الفرا) عن ابي جعفر(ع) قال: قلت له: اللص يدخل علي في بيتي يريد نفسي ومالي، فقال: «اقتله، فاشهد الله ومن سمع ان دمه في عنقي»((22)). 7- ومنها: رواية محمد بن الفضيل، عن الرضا(ع)، قال: سالته عن لص دخل على امراة وهي حبلى فقتل ما في بطنها فعمدت المراة الى سكين فوجاته بها فقتلته. فقال: «هدر دم اللص»((23)). 8- ومنها: رواية السكوني عن جعفر(ع) عن آبائه(ع)، قال: قال رسول الله(ص): «من شهر سيفا فدمه هدر»((24)). 9- ومنها: صحيح ابن سنان، عن ابي عبدالله(ع) قال: سالته عن رجل سارق دخل على امراة ليسرق متاعها، فلما جمع الثياب تبعتها نفسه فواقعها، فتحرك ابنها، فقام فقتله بفاس كان معه، فلما فرغ حمل الثياب وذهب ليخرج حملت عليه بالفاس فقتلته، فجاء اهله يطلبون بدمه من الغد، فقال ابو عبدالله(ع): «يضمن مواليه الذين طلبوا بدمه دية الغلام، ويضمن السارق في ما ترك اربعة آلاف درهم بما كابرها على فرجها، لانه زان وهو في ماله يغرمه، وليس عليها في قتلها اياه شيء، لانه سارق»((25)). 10- ومنها: معتبرة السكوني عن جعفر(ع)، عن ابيه(ع)، عن علي(ع) انه اتاه رجل فقال: يا امير المومنين(ع)، ان لصا دخل على امراتي فسرق حليها؟ فقال: «اما انه لو دخل على ابن صفية لما رضي بذلك حتى يعمه بالسيف»((26)). هذه عمدة الروايات في اللص، وقد ورد في بعضها التعبير عنه بانه محارب لله ولرسوله، وفرع عليه بانه يجوز قتله، ولكن الظاهر ان هذا ليس بملاك العقوبة والجزاء او الالحاق بباب المحاربة، بل من باب الدفاع وانه يجوز في مقام الدفاع قتله اذا توقف عليه كما قيده بذلك مشهور الفقهاء ، ويمكن ان يستفاد منها هدر دمه بنفس دخوله على الانسان في بيته وسكنه ونحوه، ولولم يتوقف دفعه على قتله حيث عرفت تصريح بعضها بذلك، بل لسان بعضها يابى عن التقييد بفرض توقف الدفع على القتل. وعلى كل حال فهذه الطائفة من الروايات اجنبية عن حد المحارب الاصطلاحي، ولا تضيف في مسالتنا شيئا. النقطة الثانية: ما قد يستدل به من الروايات على عموم الحد المذكور لكل مفسد في الارض، ولو لم يكن محاربا، ومنها: 1- رواية الفضل بن شاذان، عن ابي الحسن الرضا(ع) في كتابه الى المامون وقد جاء فيه: «ولا يحل قتل احد من النصاب والكفارفي دار التقية الا قاتل او ساع في فساد (وذلك) اذا لم تخف على نفسك واصحابك»((27)). والرواية معتبرة سندا، فراجع الملحق [2]. ومن حيث الدلالة قد يستدل بها على ان حكم الساعي في الفساد هو القتل، لان الامام(ع) قد استثناه من عدم جواز القتل في دارالتقية، فيدل على ان عقوبة السعي في الفساد هو القتل، وانها بمرتبة من الاهمية بحيث يجوز اجراوها حتى في دار التقية. الا ان هذا الاستدلال مما لا يمكن المساعدة عليه، وذلك: اولا: ان الرواية في مقام بيان حكم التقية وان الكفار والنصاب الذين يحل قتلهم في نفسه لكونهم مهدوري الدم لا يحل قتل احدمنهم في دار التقية الا اذا كان قاتلا او ساعيا في الفساد، لان قتله عندئذ لا يكون من اجل العقيدة والكفر، بل يكون قصاصا اودفاعاودفعا لافساده وتجاوزه. وهذا ما لا ينافي التقية، فتمام النظر الى هذه الحيثية في قتل الكفار والنواصب، لا بيان حكم المفسد في الارض في نفسه، كما اذا لم يكن كافرا ولا ناصبيا، بل كان مسلما، وهذا واضح. فتمام النظر الى قتل الكافر والناصبي،ولهذا قيده مع ذلك بما اذا لم تخف على نفسك واصحابك. والحاصل: ليس هذا المقطع من الحديث في مقام بيان حد المفسد في الارض اصلا ليتمسك باطلاقه لكل مفسد ولو لم يكن محاربا، بل هو ناظر الى وجوب التقية في دار التقية، فلا يجوز قتل الكافر او الناصبي فيه باعتباره مهدور الدم الا اذا كان هناك سبب آخر لقتلهم لا ينافي التقية. وثانيا: ما تقدم سابقا من ان المراد بقتل الساعي في الفساد هو القتل في مقام الدفاع ودفع تجاوزه على المال او النفس ولصوصيته، والذي هو الافساد في الارض، فان من حق كل مكلف يعتدى عليه كذلك ان يدفع الفساد والتجاوز ولو ادى الى قتل المفسد، فالنظر الى الحق الثابت للافراد كالقصاص لا حد المفسد الواجب اقامته على الحكام والقضاة، ومما يشهد على هذاالمعنى كون الاستثناء في الرواية عن عدم الحلية، فيكون بمعنى حلية القتل قصاصا ودفاعا لا وجوبه، وايضا يشهد على ذلك ان التقية انما يبتلى بها المكلف والمستضعف من الشيعة لا الحكام والقضاة المقيمون للحدود والعقوبات على الجرائم العامة كالافساد في الارض، فهذا المقطع لا يناسب اساسا النظر الى باب الحدود وما هو مسوولية الامام والحكام كما لا يخفى، فالرواية اجنبية عن بيان حد المفسد. 2- ما ورد في رواية السكوني عن جعفر(ع)، عن ابيه(ع)، عن علي(ع) في رجل اقبل بنار فاشعلها في دار قوم فاحترقت واحترق متاعهم، انه: «يغرم قيمة الدار وما فيها ثم يقتل»((28)). وقد تقدمت الرواية في جهة سابقة((29)). وقد افتى بمضمونها الشيخ (قدس سره) في النهاية والعلامة في المختلف معللا ذلك بانه من المفسدين في الارض. قال الشيخ(قدس سره): «من رمى في دار غيره متعمدا نارا فاحترقت وما فيها كان ضامنا لجميع ما تتلفه النار من النفوس والاثاث والامتعة وغير ذلك، ثم يجب عليه بعد ذلك القتل»((30)). واستشكل فيه في السرائر بقوله: «وهذا غير واضح، لانه ان كان قتل العمد فليس عليه الا القود فحسب، وان كان قتل شبيه العمد او الخطا المحض فلا يجب عليه القود بحال، فليلحظ ذلك»((31)). وعلق المحقق (قدس سره) في نكت النهاية على كلام الشيخ (قدس سره) بقوله: «وجوب القتل عليه قود ام غير قود؟ فان كان قودا فكيف يقول: كان ضامنا لما تتلفه النار من النفوس؟ وان كان غير قود فبم يجب عليه القتل؟ الجواب: يقتل قودا لا حدا، ولايلزم من قوله: «ثم يجب عليه بعد ذلك القتل» ان يكون ضمان النفوس شيئا غير ذلك. وقد روى السكوني...» ثم ذكر الرواية. ثم قال: «فالشيخ (قده) قصد هذه الرواية، لكن الرواية ضعيفة فلا يمكن التمسك بظاهرها. والوجه انه ان قصد اتلاف الانفس ولم يكن طريق الى الفرار وجب في الانفس القصاص وفي المال الضمان، واما الدار فيلزم قيمة ما تلف من آلاتها وارش ما نقص من طوبها وارضها وآلاتها، ولا يجب مع سلامة الانفس القتل، لكن ان اعتاد ذلك قصداللفساد، وراى الامام قتله حسما لفساده لم استبعده»((32)). وقال العلامة في المختلف: «والوجه ما قاله الشيخ لنا: انه من المفسدين في الارض، وما رواه السكوني عن الصادق، عن الباقر(ع) عن امير المومنين(ع)... الخ»((33)). والانصاف: ان حمل الرواية على القتل قودا خلاف الظاهر، اذ لم يفرض فيها احتراق النفوس، فيكون مقتضى اطلاقها - على الاقل - ثبوت القتل في حقه حتى اذا لم يكن في الدار نفس محترمة، وكذلك كلام الشيخ في النهاية. كما ان حملها على فرض اعتياد ذلك وتكرره منه خلاف الظاهر. فالمتجه بناء على اعتبار سندها وقد تقدمت المناقشة فيه لوقوع النوفلي فيه اما حملها على مااشرنا اليه من انه كان بقصد المحاربة واخافة الناس بالنار لا العداوة الشخصية، وهو كالمحاربة بالسلاح من حيث الحكم، وقديشهد لذلك التعبير بقوله: «في دار قوم» المشعر بالجمع والكثرة، او يكون حكما تعبديا خاصا ولتكن نكتته الافساد في الارض،الا انه سنخ افساد كالمحاربة من حيث التجاوز والعدوان على النفوس والاموال، فلا يمكن التعدي منه الى الافساد الاخلاقي اوالعقدي او ما شاكل ذلك. 3- ما ورد في من اعتاد قتل الذميين: (1) كمعتبرة اسماعيل بن الفضل عن ابي عبدالله(ع)، قال: قلت له: رجل قتل رجلا من اهل الذمة، قال: «لا يقتل به الا ان يكون متعوداللقتل»((34)). (2) وفي طريق آخر اليه معتبر ايضا: سالت ابا عبدالله(ع) عن المسلم: هل يقتل باهل الذمة؟ قال: «لا، الا ان يكون معودا لقتلهم فيقتل وهو صاغر»((35))، وفي نقل الصدوق: «الا ان يكون معتادا لذلك لا يدع قتلهم»((36)). (3) وفي طريق ثالث اليه معتبر ايضا: قال: سالت ابا عبدالله(ع) عن دماء المجوس واليهود والنصارى: هل عليهم وعلى من قتلهم شيء اذا غشوا المسلمين واظهروا العداوة لهم؟ قال: «لا، الا ان يكون متعودا لقتلهم». قال: وسالته عن المسلم: هل يقتل باهل الذمة واهل الكتاب اذا قتلهم؟ قال: «لا، الا ان يكون معتادا لذلك لا يدع قتلهم فيقتل وهو صاغر»((37)). 4- وقد ورد مثل ذلك في من اعتاد قتل المماليك: (1) ففي معتبرة يونس عنهم، قال: سئل عن رجل قتل مملوكه قال: «ان كان غير معروف بالقتل ضرب ضربا شديدا واخذ منه قيمة العبد ويدفع الى بيت مال المسلمين، وان كان متعودا للقتل قتل به»((38)). (2) ومثلها رواية ابي الفتح الجرجاني((39)). وقد اختلفت كلمات الاصحاب في هذه المسالة، وقد جمعها فخر المحققين (قدس سره) في الايضاح عند التعرض لقول والده في القواعد، «وقيل: ان اعتاد قتل اهل الذمة قتل...» بقوله: «اقول: اذا اعتاد المسلم قتل اهل الذمة الملتزمين بشرائط الذمة عمداظلماففيه للامامية اقوال ثلاثة: الاول: قول الشيخ في النهاية: ان يقتل قصاصا بعد ان يرد اولياء المقتول فاضل دية المسلم عن دية الذمي، فان لم يردوه او لم يكن معتادا لم يجز قتله به، ونحوه قال المفيد. الثاني: انه يقتل حدا لا قصاصا، ولكن لافساده في الارض الذي قام مقام المحاربين، وهو قول ابن الجنيد. الثالث: لا يقتل مطلقا، وهو قول ابن ادريس، وهو الاصح عندي، واختاره والدي هنا»((40)). الا ان هنا قولا رابعا - للصدوق (قدس سره) في المقنع - نقله عنه والده العلامة (قدس سره) في المختلف: «والصدوق لم يشترط الاعتياد، بل اطلق القول، فقال في المقنع: وان قطع المسلم يد المعاهد خير اولياء المعاهد فان شاووا اخذوا دية يده وان شاووا قطعوا يد المسلم وادوا اليه فضل ما بين الديتين واذا قتله المسلم صنع كذلك»((41)). ولعل فخر المحققين (قدس سره) كان ينظر الى الاقوال في خصوص فرض الاعتياد، فيكون قول الصدوق (قدس سره)موافقافيه مع قول المفيد والشيخ (قدس سرهما) وان خالفهم في فرض عدم الاعتياد. والظاهر ان القول الاول هو المشهور، بل ادعي عليه الاجماع. قال صاحب الجواهر (قدس سره) - في شرح قول الشرائع: «وقيل:ان اعتاد قتل اهل الذمة جاز الاقتصاص بعد رد فاضل ديته»: «والقائل المشهور... بل عن المهذب البارع انه قريب من الاجماع، بل عن ظاهر الغنية نفي الخلاف فيه، بل عن الانتصار وغاية المراد والروضة الاجماع عليه، بل قد يشهد للشهرة المزبورة انه محكي عن ابي علي والصدوق والشيخين وعلم الهدى وسلار وبني حمزة وزهرة وسعيد والمصنف في النافع والفاضل في بعض كتبه والشهيدين كذلك وابي الفضل الجعفي صاحب الفاخر والصهرشتي والطبرسي والكيدري والحلبي. ومن هنا قال في غاية المراد: الحق ان هذه المسالة اجماعية، فانه لم يخالف فيها احد منا سوى ابن ادريس، وقد سبقه الاجماع، ولو كان هذاالخلاف موثرا في الاجماع لم يوجد اجماع اصلا، والفخر انما هو متاخر عن ابن ادريس، وظاهر المتن والقواعد واللمعة الترددوليس خلافا»((42)). والظاهر ان جملة ممن عددهم ضمن المشهور قالوا بالقتل حدا لا قصاصا، فكان نظره في نقل الاجماع على اصل القتل الاعم من كونه حدا او قصاصا، والا فمثل السيد ابي المكارم ابن زهرة في الغنية والحلبي في الكافي والعلامة في المختلف صرحوا بالقتل لافساده في الارض لا على جهة القصاص. واختاره من المتاخرين المحقق الاردبيلي قائلا: «والذي يقتضيه عموم الكتاب هو عدم القصاص بالذمي مطلقا مويدا برواية محمد بن قيس المتقدمة واجماع ابن ادريس، فكان عدم قتل المسلم بالذمي مما لا كلام فيه عندهم اذا لم يكن ذلك عادة. ومعها لايبعد القتل حدا دفعا للفساد لا قصاصا... فان المقتولين كثيرون فمن يقتل ومن يرد؟»((43)). كما ان القائلين بالقتل حدا لم يتفقوا جميعا على القتل حدا لكونه مفسدا في الارض، بل منهم من عبر بقيامه مقام المحاربين - كما عن ابن الجنيد - ومنهم من عبر بكونه مفسدا في الارض، ومنهم من عبر بدفع الفساد، ومنهم من عبر بجواز قتله من قبل الامام لكي ينكل غيره عن مثل ذلك كما عن الشيخ في التهذيب في من اعتاد قتل العبيد ، ومنهم من عبر بانه يقتل لخلافه على امام المسلمين لا لحرمة الذمي كما عن الصدوق (قدس سره) في الفقيه، قال (قدس سره): «وعلى من خالف الامام في قتل واحدمنهم متعمدا القتل، لخلافه على امام المسلمين لا لحرمة الذمي... وكذلك اذا كان المسلم متعودا لقتلهم قتل لخلافه على الامام(ع)، وان كانوا مظهرين العداوة والغش للمسلمين...» والخلاف على الامام والامتناع عليه يوجبان القتل في ما دون ذلك، كما جاء في المولي اذا وقف بعد اربعة اشهر امره الامام بان يفيء او يطلق فمتى لم يفى وامتنع من الطلاق ضربت عنقه، لامتناعه على امام المسلمين، وقد قال النبي(ص): «من آذى ذميا فقد آذاني»، فاذا كان في ايذائهم ايذاء النبي(ص)، فكيف في قتلهم؟!»((44)). وفي الجواهر: «ومن الغريب ما في الروضة من احتمال القول بالقتل حدا مع رد فاضل الدية، اذ هو مع انه احداث قول يمكن دعوى الاجماع المركب على خلافه - وان سبقه اليه الكركي في حاشية الكتاب - غير واضح الوجه ومناف لما سمعته من النصوص، فليس حينئذ الا القول بقتله قصاصا»((45)). ولعل ما ذكره في الروضة هو ظاهر الفقيه، لانه ذكر ما نقلناه عنه تعليقا على رواية ابي بصير فقال: كما رواه علي بن الحكم عن ابي المعزا عن ابي بصير عن ابي عبدالله(ع) قال: «اذا قتل المسلم النصراني فاراد اهل النصراني ان يقتلوه قتلوه وادوا فضل مابين الديتين»، ومن الواضح ان الرواية ظاهرة في القتل قصاصا. ثم ان الشهرة في من اعتاد قتل العبيد على العكس، اي عدم قتله به مطلقا. قال في الجواهر: «نعم (قيل) والقائل الشيخ في كتابي الاخبار وابنا حمزة وزهرة وسلار وابو الصلاح على ما حكي، (ان اعتاد الحر قتل العبيد) له او لغيره (قتل حسما للجراة) وللفساد بل عن كشف الرموز نسبته الى الشيخ واتباعه: وان قيل انه اوهمه فيه بعض من تاخر عنه، بل عن الغنية نفي الخلاف فيه على الظاهر، وعن ابي علي انه اطلق قتله اذا اعتاد قتل عبيده، وقال في عبيد الغير اذا عرف بقتلهم قتل في الثالثة او الرابعة آثم نقل الاخبار ثم قال: - وما في الرياض - من انه حسن والنصوص شاهدة عليه، ولا منافاة بينهما وبين ما مر من الادلة بعدم قتل الحر بالعبد لظهورها في النفي على جهة القصاص، ونحن نقول به ولكن لا ينافي ثبوته من جهة الفساد يدفعه انها قاصرة عن ثبوته ايضا من هذه الجهة، ضرورة انك قد عرفت عدم القتل حدا بمطلق الفساد بل هو في المحارب الذي لا يندرج فيه مثل ذلك، وعلى تقديره فهو خروج عما نحن فيه، وحينئذ فالمتجه عدم قتله به مطلقا، كما هو المحكي عن الشيخين والصدوق وابن ابي عقيل والجعفي وابني البراج وحمزة والصهرشتي والطبرسي وابن ادريس والفاضلين وغيرهم، بل عليه كافة الاصحاب عدامن عرفت»((46)). |