|
ج- احصاءات عن الواقع الذي يراد ارسال مبلغ اليه، من قبيل المستوى الذهني للناس، توجهاتهم السياسية والمذهبية، مدى اطلاعهم على الدين ومدى حضور ظاهرة التدين عندهم، عنصر الشباب وهمومه، الفراغ الديني بدءا من ابسط المعاملات كالزواج والطلاق والوصية والارث وصلاة الميت والجماعة وقراءة الدعاء ومجالس العزاء الحسيني... اضافة الى المهمات التبليغية الاصعب والاكثر تعقيدا، وضع المراة والطفل في هذا المجتمع، ابرز المشكلات الاخلاقية كعدم صلة الارحام اوالفحش او السرقة او..، تجاربهم مع مبلغين سابقين، هل المشكلة في تعلم الوضوء والصلاة... او في الغيبة والنميمة، او في خلافات سياسية وحزبية حادة، او في ضعف المستوى العلمي والثقافي؟ مدى الحضور العلمي في وسطهم كالمدارس والجامعات ومراكز الابحاث، حوزات علمية، اعداد خريجي المدارس والجامعات، ظاهرة الامية، المطالعة... وباعداد تقرير شامل ودوري حول هذه الموضوعات وغيرها، سواء على مستوى قرية او مدينة ام على مستوى دولة او قارة يمكن ان يوضح الصورة، ويجري العمل على وضع الشخص المناسب في المكان والزمان المناسبين، كما يساعد ذلك على تحديد الاولويات بشكل ملفت، اضافة الى غير ذلك من النماذج. 3- موسسات الفكر الدينيوهي المؤسسات المهتمة بالشان الفكري والثقافي والبحثي كدوائر المعارف، ومراكز تحقيق التراث، ومراكز الابحاث والدراسات، وموسسات النشر والترجمة، وموسسات المعلوماتية ومواقع الانترنت، والمجلات والاصدارات والكتب... ويمكن هنا توظيف الاحصاء في ما ياتي: أ- احصاء مدى التجاوب الثقافي مع الخطاب الديني المتجلي في نتاجات هذه الموسسات، مدى الرغبة والاقبال والتفاعل مع المجلات والاصدارات والكتب الدينية الصادرة يوما بعد يوم، الملاحظات المشتركة عليها، مدى حضورها وترددها في الوسط الثقافي، مدى تاثيرها على الوعي العام، نقاط ضعف هذا الخطاب بالنسبة للشباب، مدى اهتماماتها بمشكلات العصر، احصاء الاصدارات التخصصية سيما المجلات ومعرفة الفرع العلمي الذي يوجد فيه نقص على هذا الصعيد...
ب- احصاء معدلات الانتاج، من حيث عدد الكتب الدينية
والفكرية الصادرة سنويا، المجلات، النشرات، الصحف ذات
الخلفية الدينية، الموتمرات والملتقيات والمنتديات الدينية
ونشاطاتها، اعداد الكتب التراثية المحققة سنويا، اعداد الكتب
المترجمة...وتقديم جداول احصائية في كل فرع من فروع
المعرفة الدينية، من حيث درجة الاصدارات والنتاجات
وتحديد الفرع الاكثرنقصا والاكثر كمالا ... في ضوء النظرية الاسلامية الشيخ قاسم الابراهيمي جاء في المادة الاولى من دستور الجمهورية الاسلامية «نظام الحكم في ايران هو الجمهورية الاسلامية»... الجمهورية لغة واصطلاحا الجمهورية (Republic)، لغة، مصدر صناعي من الجمهور، مستعمل في معان كثيرة، منها: الرمل الكثير المتراكم الواسع،والجماعة من الناس والخيل((197)) والارض المشرفة على ما حولها((198))والكريمة من النساء((199)) وغيرها. لكن هذه المعاني جميعها مصاديق للجمهور واستعمالاته، اما الاصل فربما اخذ فيه الاجتماع، وربما الاستطالة والارتفاع، وربماالكثرة الغالبة، اعني المعظم. والاول ظاهر الفراهيدي((200)) والثاني ظاهر الاصمعي ((201)) وابن السكيت((202)) والثالث صريح ابن دريد((203)) وابي البقاء((204))، وهو المنسوب الى المشهور((205)). واستظهر ابن فارس التركيب من الاول والثاني، حيث قال، في باب ما جاء من كلام العرب على اكثر من ثلاثة احرف اوله جيم:«وذلك على اضرب: فمنه ما نحت من كلمتين صحيحتي المعنى مطردتي القياس...، فمن ذلك قولهم للرملة المشرفة على ماحولها جمهور، وهذا من كلمتين: من جك مك ر، وقد قلنا: ان ذلك يدل على الاجتماع، ووصفنا الجمرات من العرب بما مضى ذكره،والكلمة الاخرى جك هك ر، وقد قلنا ان ذلك من العلو، فالجمهور شيء متجمع عال»((206)). وهو الظاهر لدينا لجمعه بين الاستعمالات، مع ان الاصل في الاستعمال عند الدوران بين ما وضع له وما لم يوضع، الاول، اعني الحقيقة، وتطابقه مع الاصول،اعني المواد اللغوية الاصلية. وتفسيره بالمعظم تفسير بلازم الكثرة تسامحا. والايراد على التركيب منهما: باقتضائه عدم الانطباق على ما لم يجمع بين المعنيين لنا الالتزام به بحمل جميع الاستعمالات عليه، وان غلب احد المعنيين على الاخر. والحاصل ان الجمهرة قريب من معنى الركام في جمعه لمعنيي الاجتماع والعلو ان لم يكن مرادفه. واصطلاحا، نظام من انظمة الحكم ربما عبر عنه بانه من انظمة الحكم الديمقراطي الذي يقوم على مبدا حكم الشعب للشعب، اوبانه مصدر السلطات يتم فيه انتخاب رئيس للدولة، او الجمهورية، اما مباشرة، او بوساطة نواب الشعب ليتولى منصب الرئاسة مدة معينة منصوص عليها في الدستور، وربما سلك ك طريق ثالث يلفق بينهما بان يكون الترشيح للرئاسة من قبل نواب الامة، ثم يعرض المرشح على الامة لاستفتائها بصورة مباشرة. وتكون الرئاسة اما فردية، وهو المشهور بين دول العالم، او ثنائية، وهو نظام للحكم روماني قديم، او جماعية منوطة بمجلس، مثلا، ينتخب منه رئيسا للجمهورية وتكون صلاحياته منوطة مع ذلك بالمجلس، كما في مجلس الرئاسة الاعلى السوفييتي السابق والمجلس الفدرالي السويسري((207)). لكن ما عبر به عن ان الجمهورية نوع من انظمة الحكم الديمقراطي الذي يقوم على مبدا حكم الشعب للشعب، او بان الشعب هو مصدر السلطات، لعله من باب التمثيل بابرز المصاديق، كان منشا ذلك ما عليه المفهوم الامريكي من جعل مفهوم الجمهورية مرادفا لمعنى الديمقراطية كما نبه على ذلك محمد شفيق غربال في موسوعته العربية((208))، والا فلا المدلول العرفي لهذه الكلمة، ولا مادة اشتقاقها الاصلية، فيهما دلالة على هذا المعنى بالخصوص، وانما غاية ما يدلان عليه ابتناء نظام الحكم فيهاعلى آراء الناس بحسب المفهوم اللغوي، وعدم كون الحكم منحصرا بطبقة او اسرة معينة او بشخص محدد مدى الحياة بحسب المفهوم العرفي، ولذا جاء في الموسوعة العربية الميسرة في تعريف الجمهورية: «دولة يراسها حاكم منتخب، سواء قام الشعب بانتخابه مباشرة، او انتخبه البرلمان، او هيئة شعبية اخرى. وتميل معظم الدول الحديثة الى الاخذ بهذا النظام وهجر النظام الملكي الوراثي»((209)). ولا يعني ابتناء نظام الحكم في الجمهورية على آراء الناس كون الشعب هو مصدر السلطات، اذ قد يكون مصدر السلطات غيره، غاية الامر انه ترك للشعب فسحة التدخل كلا او بعضا في ادارة البلاد. انظمة الحكم((210)) تقابل الجمهورية، اي النظام المستند في طريقة تعيين الحاكم الى راي الشعب، انظمة للحكم اخرى منها المك لكية والطبقية،والعهدية، والاستبدادية. فانه اما ان يوخذ فيها ثبوت شانية الحكم لاسرة معينة من دون غيرها تنتقل بين ابنائها بالتعيين او الانتخاب على اساس من العرق والوراثة، ويبقى المعين او المنتخب حاكما للدولة مدى الحياة، فتلك الملكية التي يعرف الحاكم فيها بالملك، والدولة بالمملكة. وترجع جذور فكرة الملكية الى بعض نظريات التفويض الالهي((211)). واما ان يوخذ هذا الشان لطبقة معينة من طبقات الشعب بملاحظة صفات في افرادها تقتضي، في تصورهم، هذا التفوق، كالثراءاو العرق او نوع العمل، او غير ذلك.. وترجع جذور هذا النوع من الحكم الى نظام المدن اليونانية والرومانية، حيث كانت السلطة دوك لة بين عدد من الاسر. ومن امثلته المعاصرة نظام الاتحاد السوفييتي المنهار، حيث حصر دستور الاتحاد السوفييتي لعام 1936م. حق ممارسة السلطة السياسية والوظائف العامة بطبقة الشغيلة((212)). وان اخذ في شانية الحكم ايصاء الحكم السابق وعهده بالحكم الى شخص بعد وفاته، لا على اساس من النسب او الصفة، بل على اساس من اختيار شخصي للحاكم السابق، فكان القانون يعطي الحاكم حق تعيين من يخلفه بعد وفاته، فهو الحكومات العهدية. وهو نوع من الانظمة قديم العهد يرجع تاريخه الى سالف الازمان على ما تنقله الكتب التاريخية، بل والقرآن، من كيفية تصدي الانبياء لنظام الحكم. وقد مارس الرسول الاكرم(ص) والائمة المعصومون (ع) هذه الطريقة في نصب من جاء بعد هم، حيث قام كل منهم بتعيين الخلف بعده. ومارسها ابو بكر ايضا في تعيين عمر خليفة له من بعده. وهذا النظام لا يحدد للرئيس مدة معينة لرئاسته بل تستمر رئاسته مدى الحياة. اما ان اخذت القوة والقدرة ملاكا للحكومة والنظام، فتلك حكومة استبدادية. وغالبا ما لا تنحصر بمدة معينة، بل تخضع لميزان القوى وقدرات الحاكم على البقاء في منصبه، وتمثل حكومة العراق هذا النوع من الحكومات. وتختلف هذه الحكومات، احداها عن الاخرى، في جملة صفات، منها اتصاف الحكم في الحكومات الاستبدادية بحالة التزلزل، وعدم الثبات، والطغيان، والتسلط، والاثرة، وحب الذات، وسحق الحقوق والكرامات الانسانية، ومصادرة الحريات الفكرية، والتلاعب بالقوانين وغير ذلك. وتؤثر سائر التشكيلات وصلاحياتها في ممارسة الحكم تاثيرا كبيرا على ثبات النظام واستقراره. كما تختلف هذه الحكومات من حيث الاستقبال الذي تلقاه، فبعضها يلقى استقبالا كبيرا من الناحية العملية من قبل الناس والحكومات كالجمهورية، في حين يرفض بعضها نظريا لا عمليا فقط كالحكومات الاستبدادية، وما بينهما متوسط. هذا، وقد اتخذت اغلب هذه الحكومات صفة دستورية، واصبحت ذات كيانات رسمية لها وظائفها واختياراتها وامكاناتهاوطريقة عملها وطبيعة الارتباط في ما بينها بما يحول دون تطرق حالة التذبذب والاستئثار بالسلطة والانفلات السياسي الى الحكم والنظام الحاكم، فاصبحت متقاربة في ما بينها من حيث الاثار. وتنبغي الاشارة الى ان التحدث عن هذه الانواع الخمسة لا يعني انحصار انظمة الحكم فيها، وعدم امكان فرض نظم غيرها،وانما كان ذلك بحسب المشهور والمعروف منها فقط. مشروعية النظام (Legitimacy of region) المشروعية، في مفهوم عام، تعني انطباق الامر المتخذ - تشريعيا كان ام تنفيذيا ام قضائيا ام غير ذلك لو فرض - على القواعد النظرية الجارية الاعم من كونها قانونية او عرفية او دينية وشرعية. والبحث عن مشروعية النظام بحث عن احد مصاديقها، فالنظام المطبق للقواعد المذكورة مشروع، وغيره غير مشروع. واذا كانت القواعد النظرية هذه، المسماة في مجال السياسة بالنظريات السياسية، تنبع بالدرجة الاساس من تصورات المجتمع وعقائده، فهي ترتبط ارتباطا وثيقا بالنظرة التصورية له عن الكون ككل، سواء كانت هذه النظرة مدونة في الكتب ومصوغة بشكل قوانين ومواد في دستور الدولة، كما هو المتبع في الدول المتحضرة، ام كانت مجرد ارتكازات ذهنية متاصلة في اذهان افراد المجتمع، ولم تخرج بالتدوين من حيز الذهن الى الخارج بوجود مدون، كما في المجتمعات البدائية التي يقوم نظامها على اساس من السنن والاعراف والرسوم المستمدة من تصورات وعقائد يحملونها في اذهانهم. وكيفما كان فللايديولوجية الفكرية والنظرة الكونية تاثير مباشر على منشا مشروعية النظام.
وعلى اية حال، فالنظريات المطروحة حول مشروعية النظام
يمكن تصنيفها حسب نظرتها الى الكون الى صنفين: النظريات المادية (Matirialis) هي النظريات التي ترفض الايمان بما وراء المادة والطبيعة، وتلخص كل الكون بها، وتنكر كل وجود لشيء خارج عنها. فكل ظاهرة تقع في هذا العالم، ومنها ظاهرة تولي الحكم، محكومة بقوانين عالم المادة واحكامه، ولا بد من تفسيرها على اساس ذلك. واهم هذا النوع من النظريات اثنتان: الاولى: نظرية القوة (Powey Force )ويذهب اصحابها، كبلونارك وديجي، الى ان القوة هي الاساس الذي تقوم عليه السلطة والحكم. فالقوي يفرض سلطانه على الضعيف لتحقيق ارادته، وهذا معنى الحكومة. وكثيرا ما يستشهد هولاء لنظريتهم بامثلة كثيرة من التاريخ قديما وحديثا((213)). وهذا المقدار من البيان غير واف بالمطلوب، فان مجرد قيام حكومات نتيجة تمتعها ببعض القدرات لا يعني بحال من الاحوال شرعيتها، اذ ان الشرعية، بناء على ما بيناه، عبارة عن مطابقة الامر المتخذ للقواعد النظرية الجارية، فمن هنا احتاج هذا البيان الى مزيد تعميق بالقول: ان القواعد النظرية المعمول بها، لما كانت لا يفترض فيها وجود امر وراء عالم المادة يجب تطبيقهاعليه، فهي تعبر عن قناعات واضعيها التي غالبا ما تتاثر سلبا او ايجابا بعد الكسر والانكسار بمراكز القوى السائدة في المجتمع، وقوتها هي الموثرة في صنع القرارات. ولا نعني بالقوة القدرة العسكرية والنظامية فحسب، بل الاعم منها، ومن ذلك القدرة الاقتصادية والسياسية والفكرية والادبية وغيرها. فالحاكم الضعيف، بحسب قدراته الذاتية، لا يسعه الصمود والبقاء طويلا في الحكم، لفقدانه الفكر الحصيف والعزيمة الراسخة مثلا، لكن ارتقاءه موقع الحكومة لا يخلو من عامل قوة فيه دفعه اليه، ولو لانه وريث الحاكم السابق، او لان الاجواء السياسية في صالحه مثلا. لكن بعض هذه العناصر لا تستمر عامل قوة دائما او طويلا، فسرعان ما تخسر موقعيتها ويضعف تاثيرها، ولو بطول الزمان.وخلال تلك المدة ستظهر مراكز قوى جديدة في المجتمع، فتحدث حالة غير مستقرة في ميزان القوى تؤدي ما لم يكسب الحاكم الضعيف عناصر قوة جديدة اليه الى تحول دفعي او تدريجي في مصالح مراكز القوى الجديدة في المجتمع، اذ لا بد لهذه الحالة اللامتوازنة من ان تترك تاثيراتها على الحاكم الضعيف، ما سيخلق للحاكم ازمات عديدة لا مخرج له منها الا بالتعسف الذي ينجر في كثير من الاحيان الى ضعف اكبر فيه، او ادخال هذه المراكز في حل الازمات التي لا بد من ان يثير فيها الدافع الى كسب بعض الامتيازات التي ستضفي قوة جديدة الى قوتها، وتضيف ضعفا جديدا الى الحاكم حتى تحصل حالة من الاستقرار والموازنة في مراكز القوى. وبذا يجاب عن الوجه في التحولات الحاصلة في نظام الحكم. فالقوة هي العامل الموثر الوحيد في خلق معايير جديدة في المجتمع اعم من القدرة العسكرية والفكرية والسياسية والاقتصادية وغيرها بموجبها يحصل التغيير، وهو معنى الشرعية. الثانية: نظرية الديمقراطية (Demacracy )وهي من النظريات العريقة في القدم، اذ يرجعها بعض الباحثين الى عصور اليونان القديمة، حيث منها اشتقت اللفظة التي تعني «حكم الشعب»، وذكرها افلاطون في كتاب الجمهورية، بل مورست نظاما للحكم في اليونان خلال تلك المدة((214)). ثم ان مجيء فلاسفة كبار كهوبز ولوك وجان جاك روسو وتنقيحهم لاصولها اضفى على هذه النظرية لباسا من العلمية،وطبعها بطابع القانون. وتذهب النظرية، على راي هوبز ولوك معا، الى وجود اتفاق بين افراد المجتمع على الانتقال من الحياة الفوضوية الى الحياة المنظمة يختارون بموجبه شخصا يحكمهم، اما مع صلاحيات مطلقة يحولها ابناء الشعب عبر تنازلهم عن جميع حقوقهم كمايعتقد هوبز، او مع صلاحيات مقيدة بالتزامات من طرفه برعاية بعض الحقوق كما يذهب لوك، ويطلق على هذا الاتفاق «العقدالاجتماعي». فالعقد الاجتماعي، براي هوبز، تحويل والتزام من طرف واحد، في حين هو على راي لوك التزام من طرفين. اما جان جاك روسو فيختلف عن هوبز ولوك بذهابه الى ان افراد المجتمع يتنازلون بموجب هذا العقد، بمل ء ارادتهم، عن حقوقهم الفردية لصالح الجماعة، او ما يسميه «الارادة العامة» التي تخلق لهم كيانا سياسيا وتقرر لهم حقوقا في اطار الجماعة غير حقوقهم الفردية يكون التطاول عليها تطاولا على الجماعة باعتبارها المقررة لتلك الحقوق، وهكذا تكون القوانين المحددة لاطر النظام منبثقة عن الارادة العامة الناشئة من اجتماع ارادات الافراد ضمن مصب واحد((215)).
وتستبطن هذه النظريات اصولا موضوعية غير ما فرض، اولا،
من عدم الاعتقاد بما وراء المادة الذي يترتب عليه عدم
وجوداصل حاكم فوقي مستمد منها: ولا يخفى ان المراد بالعقد الاجتماعي واتفاق الافراد على التنازل عن حقوقهم كلا او بعضا وتفويضها الى الحاكم، او الى الجماعة، ليس وجود وثيقة بين الطرفين تنص على ذلك، بل ان اصل انتخاب شخص عليهم يتضمن هذا الاتفاق، فهي اتفاقات ضمنية بحتة، فلا يرد عليه بانكار مثل هذا الاتفاق. كما لا يرد عليه ايضا بعدم حصول الاتفاق لوجود المخالف، فانه على فرض التسليم بوجوده - خصوصا مع متطلبات المدنية الحديثة التي لا تنفك عن اختيار الحياة الاجتماعية، وعجز الفرد عن تلبية احتياجاته من دون الاعتماد على الشرائح الاخرى المختلفة للمجتمع، ما يتطلب نظاما ومنظما - فانه غير مضر بعد تفسير الاتفاق والارادة العامة بالارادة الغالبة التي لا ريب في تعينها بعد فرض ضرورة النظام وعدم البد من التزاحم مع حكم العقل بترجيح راي الاكثر عند دوران الامر بينه وبين الاقل. لكن يواجه هذا النوع من النظريات، اعني النظريات المادية، اشكال بنائي هو عقيدة انصارها القائلة برفض الايمان بوجود قوة وراء المادة لديها قوانين يمكن ان تشكل اصلا كليا حاكما على القوانين الوضعية التي يسنها البشر. النظريات الدينية (Teocracy) وهي نظريات تقوم على اساس الايمان بوجود قوة وراء المادة ذات علم وحياة وارادة هي الله المدبر لامر الكون على سنن وقوانين ثابتة، والمحيط به علما. فما من قوة اك ولى بادارة الكون، واحق بنظام الحكم، منه، فالاصل عند ذلك عدم وجود حاكمية غير حاكمية الله، سبحانه، ولا ولاية لانسان على انسان آخر، لان مناط الانسان بانسانيته وقيمه، فما زاد عن ذلك ليس مرجحايقتضي اختصاص صاحبه ببعض الحقوق والمزايا من دون سائر الناس. وتحصيل انسان الحكم بالقدرة، او المال، اوبانتخاب الشعب له، لا يساوق عندها اكتساب حاكميته المشروعية، بل لابد لتحصيل المشروعية لحكمه من اكتساب صفة الهية. وربما كان هذا النوع من النظريات من اقدم النظريات المطروحة في مشروعية الحكم على الاطلاق، حيث ترجع جذوره الى حضارات عريقة في القدم، كحضارة وادي الرافدين وبلاد النيل واليونان، بل ربما الى ابعد من ذلك بكثير. غير ان نظريات هذا النوع مختلفة شكلا ومضمونا، فمنها: 1- نظرية تأليه الحاكم: وتقوم على وحدة الحاكم والاله، اما بجعل معنى الاله انسياقا مع التصور الساذج هو المالك لمقدرات الامور من المال والقدرة والجاه، والحاكم مالك لها كذلك، فيكون الحاكم هو الاله، كما قد يظهر من بعض المقاطع الواردة في القرآن الكريم حول فرعون، اذ قال تعالى: (ونادى فرعون في قومه، قال: يا قوم أليس لي ملك مصر، وهذه الانهار تجري من تحتي افلا تبصرون. ام انا خير من هذا الذي هو مك هين، ولا يكاد يبين. فلولا القي عليه أسورة من ذهب او جاء معه الملائكة مقترنين) [الزخرف/51-53]. وقال في موضع آخر: (وقال فرعون: يا ايها الملا ما علمت لكم من اله غيري، فاوقد لي يا هامان على الطين، فاجعل لي صرحا لعلي اطلع الى اله موسى واني لاظنه من الكاذبين)[القصص/38] او يجعله قوة غيبية لها القدرة على التصرف بالكون، غاية الامر انها يمكن ان تحل في جسم بشر، فيكون الحاكم ذا طبيعتين: الهية بها يحكم، وبشرية بها يحيا. وعلى كلا التوجيهين يكون الممارس لعملية الحكم هو الله سبحانه وتعالى الذي ثبت له حق السيادة.وقد آلت هذه النظرية بعد تيسر سبل العلم والمعرفة وتنقيح العقائد والاصول الى الانقراض تقريبا، ولا يكاد يرى لها مصداق واقعي اليوم. 2- نظرية الحق الالهي بالتخويل المباشر: وتتفق مع الاولى في ان الحكم حق الله سبحانه وتعالى، وان الناس متكافئون من حيث الانسانية، وان الحكم امر ضروري للناس، لكن الله سبحانه لا يسعه مباشرة الحكم بنفسه لا مجردا متمثلا بصورة بشر،بل يفوض حقه شخصا من الناس، فهو يحكم بمقتضى التخويل المفترض، وبذلك يكتسب حكمه صفة الشرعية. لكن اعطاء الحق هذا اما ان يثبت بمقتضى كلام الله ووحيه، بل تكشف عنه ارادته التكوينية المتمثلة بتمكين الممارس عملية الحكم من الوصول الى سدة الحكم، اذ لو لم يشا الله وصوله اليها لحال بينه وبينها، فوصوله اليها كاشف عن رضاه به((216)) وقد تمسك بمحتوى هذه النظرية بعض خلفاء بني امية والعباس، وتبنته الكنيسة في مرحلة القرون الوسطى((217))، اوبالاستناد الى بعض النصوص القاصرة عن افادة مثل هذا المعنى قطعا كنقل القديس بولس عن المسيح قوله: «ما لله لله ومالقيصر لقيصر»، او قوله تعالى: (وما تشاؤون الا ان يشاء الله) [الانسان/30]، او قوله: (والله خلقكم وما تعلمون)[التكوير/29]. ويتوجه على هذه النظرية ان تفويض الله حقه الى شخص الحاكم يتضمن مضافا الى ما يستتبع من نسبة جميع التصرفات المشينة التي يمارسها الحاكم مقدمة للوصول الى الحكم، او بعد وصوله اليه، الى ارادة الله سبحانه وتعالى، وهو ما يعني اما الالتزام بصدور القبيح منه تعالى عن ذلك، او اخراج الحسن والقبح من دائرة احكام العقل القول بعدم تخلف ارادته التشريعية التي بموجبها يجعل الحاكم عن ارادته التكوينية التي بها يوصله الى سدة الحكم فهو لا يريد غير ما يقع. ومن هنا عد هذا المذهب توجيها وتسويغا للواقع فاسدا كان ام صحيحا، وتاييدا للسلطات القائمة جائرة كانت ام عادلة. 3- نظرية الحق الالهي غير المباشر: وتتفق مع ما قبلها في ان الحكم حق الله سبحانه وتعالى وعدم ولاية احد على احد، وفي ان الله لا يمارس عملية الحكم مباشرة، بل بوساطة انسان، لكنها تختلف معها في ان الاولى تذهب الى التخويل التكويني المباشر من الله حقه للحاكم، في حين تذهب هذه الى عدم التخويل المباشر من الله بل عن طريق الشعب((218))، فمن يختاره الشعب حاكما عليه فهو الحاكم المخول من قبل الله للحكم بين عباده، وصل الى الحكم ام لم يصل، ومن يصل الحكم ولم يختره ليس مخولا من قبله، ولا طاعة له، بل يجب الخروج عليه لانه غاصب لحق الله سبحانه. وهذه النظرية كما تنسجم مع مبنى كون الوصول كاشفا عن الارادة التكوينية لله، عز وجل، المتمثلة بارادة الشعب واختياره له، كذلك تنسجم مع مبنى انفكاك الارادة التكوينية له تعالى عن ارادته التشريعية وانه اعطى حقه تشريعا لمن يختاره الشعب حاكما من دون غيره وان بلغ سدة الحكم، وبالثاني يندفع اشكال عدم التخلف المتقدم، وقد ايد نظرية الحق الالهي بقسميها الفيلسوفان جاك بوسويه الفرنسي وروبرت فيلمر البريطاني((219)). لكن يواجه هذه النظرية عدم وضوح دليل من التشريع في غير شريعة الاسلام يدل على شرعية الانتخاب على التوجيه الثاني، وترتب الاشكالات السابقة على الاول. مشروعية النظام في ضوء النظرية الاسلامية أما في الاسلام فمشروعية النظام تقوم على جملة من الاسس والمبادىء توخذ اصولا موضوعية قد فرغ البحث عنها في علم الكلام. أهمها: 1- الايمان بالله، سبحانه، موجودا حيا عليما قادرا ليس من المادة ولا مفارقا لها، بل قيوم بها، فما يقع فيها من ظواهر واحداث يقع بقدرة الله لا باذنه حسب، ومع ذلك فهو لا يكشف عن رضاه لامكان تخلف ارادته التشريعية عن التكوينية. 2- الايمان بان حياة الانسان لا تقتصر على الدنيا وعالم المادة، بل هناك عالم ثان ونشاة اخرى، او حياة جديدة ينتقل الانسان اليها بعد الموت هي دار الخلد. 3- الايمان بان الله خلق الدنيا دارا لابتلاء الانسان وامتحانه، حيث افصح له عبر اوامره ونواهيه عما يريد منه عمله في الوقت الذي تركه مختارا اختيارا لا يخرج به عما وضعه الله من سنن لهذا الكون، ما يعني خروجه عن قدرته الى اجل معين، ليصنع ما يشاء وكيف يريد، ثم لينتقل بعد انتهاء الاجل الذي اجل الى حيث يوفيه حسابه ان خيرا بخير وان شرا بشر. ومما تقدم يفهم السر في ارسال الرسل وبعث الانبياء واقامة الحجج، فقد تم ذلك ليستنقذوا الناس من الجهالة، وحيرة الضلالة، وليبينوا لهم دينهم، ويضعوا عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم. كما تفهم ايضا الحكمة من جعل الانسان مختارا وتخلف ارادة الله التشريعية عن ارادته التكوينية. كما يفهم كذلك ان هناك تشريعات صادرة من تلك القوة الغيبية ليست امتحانية ولا عبثية، بل منشوها الحكمة والعلم بما به مصالح العباد، ونظام البلاد. وهذه الاحكام تشكل اصلا فوقيا حاكما على جميع السنن والقوانين والاحكام التي يضعها البشرعلى اساس من ادراكهم الناقص لمصالح الاشياء والافعال ومفاسدها. والحكم، بوصفه ظاهرة، في جانبه التشريعي حق الله فحسب، الا ما تركه خلوا لعباده يملوونه بما تمليه متغيرات الزمان، وفي جانبه التنفيذي مراعى بحكم الله ايضا، فالاصل الاولي عدم حكومة احد على احد، ولا تصرفه فيه وما يرتبط به، وكل حكومة اوتصرف لشخص الاصل الاولي فيه عدم مشروعيته حتى يقوم دليل حكم الله فيه فتثبت مشروعيته. وظاهر من خلال ما تقدم ان الاصول التي اعتمدناها لتثبيت النتيجة التي توصلنا اليها، وان كانت مطابقة لما عليه الشريعة الاسلامية، لكنها اصول عقلية بحتة يمكن لكل واحد الانتهاء الى نتائجها مع سلوكه طريقا فكريا صحيحا. اسلامية النظام مما تقدم يظهر ان اللازم رعاية الاحكام الشرعية في ممارسة عملية الحكم، وهو ما يقتضي الرجوع الى الشريعة لمعرفة احكامها. واذ كانت الشريعة الاسلامية اتم الشرائع، واكملها تقصيا للاحوال واوسعها احاطة بالفروع، واقدرها على التكيف مع الظروف، ومواكبة تطورات العصر ومتغيرات الزمان، وان الله سبحانه اوجب العمل بها ان لم يكن على جميع البشر بناء على تكليف الكفار بالفروع، فلا اقل من المسلمين، فلابد من تقيد عنوان نظام الحكم - جمهوريا كان ام ملكيا ام غيرهما - بالاسلامية. ومن هنا كان لزاما علينا من الان فصاعدا التعرض في كل قضية نتناولها بالبحث لوجهة نظر الاسلام فيها. نوع نظام الحكم من وجهة نظر الاسلام قد مضى منا بيان خمسة من انظمة الحكم هي: الجمهورية والملكية والعهدية والطبقية والاستبدادية، ولم نبد هناك نظرا في المختار منها، نظرا منا الى ما بعد الحديث عن اسلامية النظام. اما وقد فرغنا من الحديث عنها فقد آن الاوان للبحث عن نوع نظام الحكم الذي يختاره الاسلام. فهل يرى الاسلام على فرض انحصار النظم بالخمسة المذكورة لزوم العمل باحدها على وجه الخصوص، ام جواز العمل باي او بعض منها، اي هل يرى العمل باحدها على سبيل التعيين او التخيير، ام تراه له نظام خاص به بناء على فرض عدم الانحصار؟ الحق ان ما يهم الشارع المقدس التصدي لبيانه في ما يخص نظام الحكم هو التطبيق الافضل للاحكام الشرعية: الاجتماعية بمباشرتها من قبل الجهاز الحكومي، والفردية بايجاد الجو المناسب لتطبيقها، ما يعني صعود الاقدر والاجدر على العمل بهاتين الوظيفتين، ولا يهمه السبيل المتبع لوصول الحاكم الى سدة الحكم ما دام يحقق له غرضه المطلوب ولا يحصل فيه تعد وتجاوزعلى حقوق الاخرين. ومن هنا قد نجده يوما يختار النصب الالهي المباشر كما في نصب الانبياء والاوصياء((220)): ويوما يحدد مواصفات الحاكم المطلوب له ليتصدى الواجد لها بنفسه للمنصب او ينتخبه عموم الناس لذلك او غير ذلك، كما هو الحال في عصر الامام المهدي(عج) وهو ما سياتي بيانه. نعم، لا ريب في ان مقتضى عدل الله، سبحانه وتعالى، في لطفه عدم تخصيصه احدا بعناية - ومنها الحاكمية - من دون مرجع فيه، فان الناس عنده سواء لا فضل لاحد بلون او لغة او حسب او نسب او شرف او ثراء او قوة او غير ذلك على احد، انما ايمانه وتقواه، وخلقه. واذ كان هذا، فالناس - ما لم يرد دليل خاص على ارادة المولى عز وجل احدا بنحو القضية الخارجية او الحقيقية، اعني بالشخص او بالعنوان - شرع سواء في حقهم للتصدي للحكم، والرضا بالمتصدي له، او رفضه، اذ مقتضى الاصل الاولي عدم ولاية احد على احد وعدم نفوذ احكامه في ما هو لغيره بغير رضا منه، وهو معنى ابتناء نظام الحكم على آراء الشعب الذي فسرنا به الجمهورية. فالجمهورية نظام على مقتضى الاصل الاولي. اما سائر الانظمة، ملكية، وطبقية وعهدية واستبدادية وغيرها، فلا دليل على مشروعيتها في الاسلام. نعم، يكفي اصل البراءة في دفع احتمال منع الشارع عن قيامها، لكن الاثار التكليفية المترت بة على جوازها وضعا من نفوذ احكامها وجواز تصرفاتهافي حق الغير موقوف على رضاه، ما يرجع مشروعيتها الى آراء الشعب مرة اخرى فيكون عودا الى الجمهورية، وان فارقتها في الشكل من حيث انحصار الحكم باسرة او طبقة وتعين الحاكم بالوصاية والعهد والقدرة، لكنه غير مهم بعد استنادها روحا الى راي الشعب بحيث لو شاء اخراج السلطة عن اطارها المتعارف جاز، فالمتابعة شكلية ظاهرية. لكن لو قطعنا النظر عما يقتضيه الاصل الاولي من عدم ثبوت ولاية لاحد على احد فهل ثمة دليل اجتهادي موافق او مخالف له اولا؟ ثم لو فرضنا عدم وجود الدليل المخالف اما بوجود الدليل الموافق للاصل او للاستناد الى الاصل نفسه فهل مقتضى ذلك عند مخالفة بعض افراد الشعب خضوع الاقلية لراي الاكثرية ام هناك ضابط للتحكم في الامر، اي هل تثبت لراي الاكثرية صفة الالزام بالنسبة الى غيرهم او لا؟ هذا ما ينبغي التعرض له في مقالة مستقلة.
تفاعل المسلمين مغاربة ومشارقة ا.د. احمد حطيط 1- مدخل ليس من اهتمامات هذه الدراسة رصد حركة الصليبييين الى المشرق او الى المغرب الاسلاميين، وضبط ايقاع ردود فعل المسلمين اتجاهها، وانما الغرض منها، على وجه التحديد، مقاربة مناخ التضامن والتكافل بين المسلمين في مشرقهم وفي مغربهم، على غير ما صعيد، وذلك محصلة لاستشعارهم مدى خطورة «الحروب الصليبية» التي استهدفت الاسلام، دينا ودنيا،تارة بذريعة استعادة قبر السيد المسيح في فلسطين، وطورا بذريعة ما سمي ب «حرب الاسترداد» التي جند لها الغرب الاوروبي ما تيسر له من قوة، مستفيدا من حالة التهافت والتشظ ي التي كان يعاني منها المسلمون في المشرق وفي المغرب على حد سواء. ومراعاة للمساحة المخصصة لدراستنا، سوف نحصر بحثنا في انعكاسات المناخ آنف الذكر، على المكانة الاجتماعية للمغاربة المرتحلين الى دمشق، حاضرة الشام، ومركز الممانعة والتصدي للفرنج في المشرق العربي الاسلامي، والقطب الجاذب للحركة العلمية في المشرق الى جانب القاهرة، خلال القرنين: السادس والسابع الهجريينر الثاني عشر والثالث عشرالميلاديين، بعد الافول التدريجي لنجم بغداد، منذ القرن الخامس الهجرير الحادي عشر الميلادي. 2- دوافع قدوم المغاربة الى دمشق بدأ الترحال المغربي الى دمشق، منذ المرحلة المبكرة للدولة الاسلامية (الاموية والعباسية)، ثم تطور بشكل لافت وفاعل في عهد الخلافة الفاطمية. فقد انشا الفاطميون، كما هو معروف، دولتهم في المغرب بدعم سياسي وعسكري من قبيلة كتامة، ورافق جند من كتامة جوهر الصقلي، قائد الخليفة المعز الفاطمي، الى مصر، وساعدوا الفاطميين في بسط سلطانهم عليها، كما دخلوامعهم دمشق، ليتبلور الحضور المغربي في المدينة في ايام نور الدين زنكي والسلطان صلاح الدين. ولا جدال في ان الدافع الديني، وفي طليعته الحج الى مكة المكرمة والمدينة المنورة، شكل المحرك الاساسي لانتقال المغاربة الى دمشق، ولو ان ثمة مدنا اسلامية اخرى كانت اقرب الى طريق الحج من دمشق (القاهرة والاسكندرية،...)، وبعيدة عن الاخطار التي شكلها الفرنج والمغول، وبخاصة بعد ان استولى الاخيرون على بغداد، عام 656ه/1258م، واسقطوا الخلافة العباسية فيها، واندفعوا، من ثم، باتجاه بلاد الشام. وياتي طلب العلم في المنزلة الثانية بعد الحج، لا سيما وان المغاربة قد استهوتهم عطاءات المشرق الثقافية، منذ امد بعيد،فارتحل العديد من نخبهم الدينية والادبية والعلمية الى حواضره، حيث نهلوا من معينه المعرفي، واسهموا في تفجير ينابيع الثقافة والحكمة فيه، وانخرطوا في بنيته الاجتماعية منفعلين وفاعلين: فمنهم من استقر في هذه الحواضر، ومنهم من عاد الى بلاده حاملا معه نفيس الكتب، واجازات الكفاءة والتقدير، وشهادات التزكية والاعتبار، واسانيد القراءة والحديث، وسلاسل التصوف وتطهير القلوب والنفوس، بعد ان ترك هناك بصمات من ثقافته بارزة. ويضاف الى ذلك ما كان للظروف الصعبة السائدة في بلاد المغرب، آنذاك، من تاثير مباشر على حركة المغاربة الى المشرق (اضطرابات سياسية، وفتن، ونفي، وهجرات قسرية لاسباب عقدية، وضرورات معيشية، وحب استطلاع...)((221)). 3- الحضور المغربي في دمشق ومكانته الاجتماعية شهدت دمشق، في زمن الحروب الصليبية، قدوم المغاربة اليها، افرادا وجماعات، من مستويات اجتماعية وثقافية مختلفة، جلهم على المذهب المالكي. وكان من بينهم العلماء والادباء واصحاب الثروات والجاه. نذكر من الجماعات: اسرة الزواوي، والبكري،والبرزالي، والشريشي، والقرطبي، والتلمساني. ومن الافراد: ابن مالك، وابن عربي، وابن البوني، والرحالة ابن سعيد. يضاف الى هولاء واولئك، عدد كبير من الفقراء اموا المدينة اثناء رحلتهم الى الديار المقدسة في الحجاز، فمنهم من اقام فيها الى حين،ومنهم من استقر. هل يمكن الحديث عن وجود «جالية مغربية» في دمشق كان لها دور موثر في الحياة السياسية والاجتماعية في حاضرة الشام، في زمن «الحروب الصليبية»؟ اذا كانت المصادر المعاصرة التي وصل اليها اطلاعنا، لا تزودنا بمعلومات كافية تمكننا من ابداء راي حاسم في هذه المسالة الدقيقة، فان ما وقعنا عليه في مذكرات الرحالة ابن جبير، الذي قصد بلاد الشام ما بين عامي 581-583ه / 1185-1187م، وفي «تراجم»، المؤرخ الدمشقي أبي شامة (ت 665/ 1267)، والرحالة علي بن سعيد، الذي زار دمشق مرتين خلال عامي 648ه/1250م و666ه/1268م، تسمح لنا بتوضيح بعض معالم هذه المسالة. لم تأت المصادر، آنفة الذكر، على ذكر حي (حارة) للمغاربة في دمشق، ولعل السبب في ذلك يعود الى ان الهجرة المغربية الى دمشق لم تكن في دفوع كبيرة كي تشكل داخل المدينة كثافة سكانية متميزة، وما ذكره ابن جبير((222)) عن حسن ضيافة الدماشقة للمغاربة قد اسهم، ربما عن غير قصد، في توزع المغاربة في احياء مختلفة من المدينة. وعليه، فاننا نجد، بالاعتمادعلى المورخين الشاميين: ابي شامة((223)) وابن شداد ((224))، ان كثيرا من المغاربة اقاموا في المدرسة العادلية، او في جوارها، وفي مدرسة الكلاسة، وحل بعض منهم في سفوح قاسيون ضيوفا على اسر دمشقية، كما توزعوا، بعد الوفاة، في مختلف مقابر دمشق وضواحيها، فدفن معظمهم في مقابر الباب الصغير في قاسيون، ومقابر الصوفية قرب الميدان الاخضر، وباب الفراديس، وبجوار مقبرة شيخ رسلان على مقربة من باب توما. وثمة عامل آخر عوق امكانية تشكل «جالية مغربية» في دمشق، ويتمثل في ان عددا كبيرا من المغاربة الوافدين ولا سيما الاجيال التي ولدت بدمشق، او ترعرعت فيها قد غادروا مذهبهم المالكي الى احد المذهبين الاكثر شيوعا في المدينة، وهماالشافعي والحنفي. ومنهم: ابن مالك((225)) الذي تحول الى الشافعية، وتبعه ابنه بدر الدين، وابن فرخ المغربي((226)) الذي اعتنق الشافعية بتاثير من شيخه السلمي، وكذلك ابو جعفر احمد القرطبي((227)) الذي انتقل الى الشافعية، هو وولداه اسماعيل ومحمد، بتاثير من الحافظ علي بن عساكر مورخ دمشق. اما جمال الدين محمد بن احمد الشريشي((228)) فاستمر على مذهبه المالكي، فيما انتقل ابنه المولود في دمشق الى الشافعية، ومارس القضاء وتدريس الفقه الشافعي فيها. وثمة مغاربة انتقلوا الى المذهب الحنفي، ومنهم: فخر الدين محمدبن المشرف بن الجنان الشاطبي((229)) ، واحمد بن عبداللهبن مهاجرالوادي آشي((230))، وابن معطي الزواوي، وجمال الدين محمدبن حسن الفاسي((231))، لكن قلما وقعنا على مغاربة في دمشق ممن انتقلوا الى المذهب الحنبلي. اما الذين استمروا على مذهبهم الاصلي فغالبيتهم ممن شغلوا مناصب دينية، وخصوصا في القضاء، منذ العام 664ه/1266م، عندما اقر السلطان المملوكي الظاهر بيبرس مذاهب اهل السنة الاربعة (الحنفي، والشافعي، والمالكي، والحنبلي) مذاهب رسمية لدولته، وابطل ما عداها من المذاهب الاسلامية الاخرى((232)). وكذلك المغاربة الذين تعاطوا مهنة التدريس في المدارس المالكية الاربعة((233)): اثنتان منها انشئتا في القرن السادس، احداهما هي الزاوية المالكية، في الجانب الغربي من الجامع الاموي، قرب المقصورة الحنفية، وكان لها اوقاف كثيرة «منها طاحونتان، وسبعة بساتين، وارض بيضاء، وحمام ودكانان بالعطارين»، و «ان هذا الوقف المغربي يغل اذا كان النظر فيه جيدا خمسمئة دينار في العام((234))، والمدرسة الاخرى هي النورية، المنسوبة الى نور الدين زنكي، ويقال لها ايضا الصلاحية نسبة الى صلاح الدين الايوبي. تقع المدرسة النورية في حارة حجر الذهب، في منتصف الطريق بين القلعة والمسجد الاموي، وقد اضحت هي والزاوية المالكية تابعتين لاسرة الزواوي المغربية، التي كان منها اوائل قضاة المالكية في المدينة. اما المدرستان الاخريان فانشئتا في النصف الثاني من القرن السابع، وهما: المدرسة الشرابيشية، داخل باب الجابية، الى الغرب من المدينة القديمة، وواقفها علي بن محاسن الشرابيشي المغربي، والمدرسة الصمصامية، بين القلعة والجامع الاموي، وواقفها غبريال الاسمري او الاسلمي. وبالاضافة الى المدارس المالكية الاربع، نذكر تربة ام الصالح نجم الدين ايوب، حيث دفن اول «قاضي قضاة» مالكي في المدينة، وكذلك الرباط الناصري، في سفح قاسيون، قرب تربة التكريتي. بنى الرباط المذكور، الذي اختص بالمتصوف المغربي محيي الدين بن عربي، الناصر يوسف، آخر ملك ايوبي بدمشق((235)). ويضاف الى «النخب المالكية»، الذين تشبثوا بمذهبهم، عدد من فقراء المغاربة، من طلبة العلم خصوصا، وهولاء كانوا يعتاشون، اجمالا، من عائدات اوقاف الزاوية المالكية واوقاف المدارس المالكية الاخرى ((236)). والى جانب الموسسات الدينية المغربية هناك مسجد مدرسة الكلاسة شمال الجامع الاموي، وان يكن رواده المغاربة من غير المالكية. وعليه، الا يمكن اعتباركل من المراكز الدينية السالفة، ذات الاغلبية المغربية، شكلا من اشكال الاجتماع المغربي في دمشق؟ يستفاد مما تقدم ان ثمة مكانة اجتماعية استحوذ عليها المغاربة في حاضرة الشام، ما يستدعي السوال الاتي: ما هي مرتكزات هذه المكانة؟ واستطرادا، هل نجح هولاء الوافدون بالاندماج في المجتمع الدمشقي؟ بالعودة الى المصادر المعاصرة المتوفرة لدينا، يمكننا القول: ان المغاربة قد احتلوا منزلة مقدرة في المجتمع الدمشقي،لاسباب عديدة تاتي في طليعتها اسهاماتهم في حركة الجهاد ضد الفرنج، والتزامهم الزهد والتصوف، وسمو المناصب الدينية والدنيوية التي اسندت اليهم، فضلا عما تمرسوا به من وظائف ومهن. (1) مشاركة المغاربة في مجاهدة الفرنج في الشرق قلما خلت المصادر الاسلامية المعاصرة ل «الحروب الصليبية» من لمع عن حركة الحدث، او «متجددات الاحوال»، في شرق المتوسط وغربه، وما كان يتعرض له المسلمون من اخطار في كلا المنطقتين على ايدي الفرنج، بالاضافة الى المراسلات بين الحكام المسلمين انفسهم، بغرض استطلاع الاخبار او لطلب النجدات، او تلك الموجهة من الحكام المسلمين الى اسياد الفرنج، لتحذير الاخيرين من مغبة التمادي بالاعتداء على المسلمين. من ذلك: الرسائل((237)) التي وجهها صلاح الدين الايوبي الى الملك الموحدي يعقوب بن يوسف بن عبد المومن يطلب منه ارسال نجدة بحرية عاجلة لفك الحصار الذي ضربه الفرنج على مدينة عكا، ومما جاء في احداها: «واحوج ما كنا الى النجدة البحرية والاساطيل المغربية». وايضا: الرسالتان((238)) اللتان بعث السلطان المملوكي بيبرس باحديهما الى ملك فرنسا لويس التاسع الذي قاد حملة صليبية الى تونس، عام 670ه/1272م، والاخرى الى صاحب تونس محمدبن يحيى الهنتاتي. انطوت الرسالة الاولى على تهديد صريح لملك فرنسا بان السلطان سيقاتله من دون هوادة اذا ما تابع اعتداءاته على تونس، ويعلم صاحب تونس، في الرسالة الثانية، بانه على استعداد لموازرته في قتال الفرنج، وانه كتب الى عربان المغرب وبرقة طالبا منهم الاسهام في دفع الخطر الفرنجي عن تونس. ويضاف الى ما تقدم، الاخبار التي نقلها الرحالة عن الحروب الدائرة بين المسلمين والفرنج، خلال تجوالهم بين بلاد المشرق والمغرب. كان من الطبيعي، والحالة تلك، ان يسود مناخ تعبوي في مختلف الاوساط الاسلامية، وان يبادر عامة المسلمين وخاصتهم الى قتال الفرنج، بوصفه جهادا ضد اعداء الدين، في ساحتيه المشرقية والمغربية. لذلك، لم يكن غريبا، ان يسهم المغاربة المرتحلون الى المشرق في مجاهدة الصليبيين، وان يلقوا، بذلك، التقدير والثناء من اخوانهم المشرقيين، في مقابل ما تعرضواله من المضايقة والاسر على ايدي الصليبيين. لقد ذكر ابن الاثير((239))، في حوادث 543 ه/ 1148م، انه اثناء حصار الفرنج لمدينة دمشق، خرج العسكر والاهالي لمواجهتهم، وكان في من خرج راجلا مع الجمع الفقيه المالكي ابو الحجاج يوسف الفندلاوي المغربي، وكان طاعنا في السن، فتقدم وقاتل حتى قتل. من ذلك ايضا: مشاركة المغاربة في جيش نور الدين زنكي في اثناء الهجوم على احد حصون الفرنج، ما اثار استياء هولاء، واضمروا الشر للمغاربة، واثقلوا كاهل العابرين منهم للاراضي الخاضعة للفرنج بضريبة المكس «ولا اعتراض على غيرهم من جميع بلاد المسلمين»، ويسوغ الفرنج هذه الضريبة المفروضة على المغاربة حسب ما ذكر ابن جبير((240)) ب«ان هولاء المغاربة كانوا يختلفون الى بلادنا ونسالمهم... فلما تعرضوا لحربنا، وتالبوا مع اخوانهم المسلمين علينا، وجب ان نضع هذه الضريبة عليهم...». كما اشترك البحارة المغاربة في قيادة سفن الحملة البحرية التي ارسلها بيبرس لمهاجمة قبرص، عام 669ه/1271م، فوقع بعضهم في الاسر، ومن بينهم الريس شهاب الدين ابو العباس المغربي((241)). وعكس المؤرخون المشرقيون تقدير عساكر المسلمين لفعالية المنجنيق المغربي في دك حصون الفرنج وقلاعهم المنيعة. من ذلك: ما ذكره ابن عبد الظاهر((242)) في فتح حصن صفد على يد الظاهر بيبرس عام 663ه/1265م، فقال: «ورمى المنجنيق المغربي في هذا اليوم، فاثر آثارا حسنة». كما لفت السلطان صلاح الدين الى تمرس المغاربة بمجاهدة اعداء الاسلام في رسالة بعث بها الى الخليفة العباسي ببغداد، يزف اليه فيها نبا استيلائه على حصن بيت الاحزان، منوها بدور المغاربة في فتح الحصن المنيع، بقوله((243)): «واحتلت به الرجال الذين يعملون في البحر، ويفتكون في البر، ومن هو معروف من المغاربة بغزو بلاد الكفر». لذا، حرص المشارقة على اظهار تقديرهم واعجابهم بما بذله اخوانهم المغاربة، ذودا عن حياض الاسلام في المشرق، بمثل اندفاعهم لجبه الاخطار عن بلادهم، فاحتضنوهم وتعاطفوا معهم، وتمادوا في تكريمهم ومساعدتهم، وقد تمظهر ذلك في الامورالاتية: - الاهتمام بمسالة فك الاسرى المغاربة من قبضة الفرنج، والارتقاء بها الى مستوى الواجب الديني، واعتبارها سبيلا للفوز بالثواب. يذكر اسامة بن منقذ((244))، في سياق اشارته الى سعيه لفك نحو اربعمئة من المغاربة وقعوا في اسر الفرنج، ان معين الدين انر، صاحب دمشق، اصر على ان يسهم بنفقات فك هولاء الاسرى، قائلا لاسامة: «لا، بل انا ازن والله ثمنهم، وانا ارغب الناس في ثوابهم!». والمح ابن جبير((245)) الى تفضيل الحكام المشارقة فك الاسرى المغاربة على فك بقية الاسرى المسلمين، فذكر ان نور الدين زنكي نذر في مرضة اصابته مبلغا كبيرا من المال لفداء اسرى من المغاربة، «فلما ابتل من مرضه، ارسل في فدائهم، فسيق فيهم نفر ليسوا مغاربة - وكانوا من حماه من جملة عمالته - فأمر بصرفهم واخراج عوض منهم من المغاربة، وقال: هولاء يفتكهم اهلهم وجيرانهم، والمغاربة غرباء لا اهل لهم». وفي عام 665ه/1267م، اشترط السلطان بيبرس على اسياد صور الفرنج ان يطلقوا اسارى المغاربة كي يوافق على عقد هدنة معهم لمدة عشر سنين((246)). كما اسقط صلاح الدين ما كان يعرف ب «مكس مكة»، وعوض امير مكة غلالا تحمل اليه في كل سنة، بعد ان «كان يوخذ من حاج المغرب على عددالرووس ما ينسب الى الضرائب والمكوس. فاذا دخل حاج حبس حتى يودي مكسه...، واذا كان فقيرا لا يملك، فهو يحبس ولايترك، وتفوته الوقفة بعرفة»((247)). |