|
لم يقتصر امر فك الاسرى المغاربة على الحكام، بل تغلغل في وجدان جمهور المسلمين المشرقيين، الذين لم يترددوا في بذل اموالهم فداء لاسرى المغاربة، حتى «ان كل من يخرج من ماله وصية من المسلمين، بهذه الجهات الشامية وسواها، انما يعينهافي افتكاك المغاربة... فملوك اهل هذه الجهات من المسلمين، والخواتين من النساء، واهل اليسار والثراء، انما ينفقون اموالهم في هذه السبيل»((248)). - تعظيم اهل دمشق للحجاج المغاربة، والاحتفاء بهم لدى عودتهم من اداء مناسك الحج. فابن جبير قدم لنا وصفا حيا لاستقبال الحجيج المغربي في دمشق. يقول في مذكراته: «ومن اغرب ما حدثناه من ذلك، ان الحاج الدمشقي، مع من انضاف اليهم من المغاربة، عند صدورهم الى دمشق، في هذا العام، الذي هو عام ثمانين، خرج الناس لتلقيهم، الجم الغفير، نساء ورجالا، يصافحونهم ويتمسحون بهم، واخرجوا الدراهم لفقرائهم يتلقونهم بها، واخرجوا اليهم الاطعمة»، على الرغم من قرب مسافة الحج من الدمشقيين، «وتيسير ذلك لهم، واستطاعتهم لسبيله». - توفير سبل المعاش لفقراء المغاربة في دمشق، من خلال اوقاف كانت «اكثر من ان ياخذها الاحصاء»، اختصت بالعلماء وطلبة العلم وايواء المحتاجين (الزاوية المالكية مثلا)، بالاضافة الى تامين عمل في خدمة، تفترض الامانة في شاغلها، لمن ليس له عهد من المغاربة في مهنة: من امامة في مسجد، او التزام زاوية من زوايا الجامع الاموي، او ناطور في بستان، او خادم في حمام، او امينا في طاحونة، او كفالة صبيان، الى غير ذلك من وجوه المعاش((249)). ان رعاية اهل دمشق لفقراء المغاربة قد طاولت بالضرورة المتصوفة منهم ايضا. فدمشق عرفت الفرق الصوفية، في مرحلة مبكرة، وبخاصة في القرن الخامس، لتتبلور صلتها بالتصوف في القرن السابع بتاثير من طروحات محيي الدين بن عربي((250)). فبالاضافة الى المواقع الصوفية الاساسية (خانقاوات وربط) القائمة عند ابواب المدينة القديمة (باب توما، والباب الشرقي، وباب الجابية، وباب السلام، وباب النصر، وباب البريد)، وفي جبل الصالحية، وقاسيون، وفي المقبرة المعروفة ب «مقبرة فقراء المغاربة»، او «مقبرة فقراء الصوفية»، وحول الجامع الاموي (الكلاسة) وفي داخله، فان ثمة احياءاخرى خارج المدينة القديمة، في الشرف القبلي (الجنوب)، والشاغور، وبيت لهية، وقصر الحجاج، وفي الميدان الكبير، تشهد جميعها على حيوية الحياة الصوفية في دمشق، التي كان للمغاربة فيها حضور متميز((251)). وشاهدنا على ذلك ابن عربي الذي حل في دمشق، عام 627ه/1230م، بعد ان ارتحل وطاف بلاد المشرق وغيرها، وتوفي فيها بعد احدى عشرة سنة، ودفن هو واولاده بقبته، في حي من احياء قاسيون، لا يزال يحمل اسمه (حي محيي الدين بن عربي)، تخليدا لذكراه. وعلى الرغم من حالة الجدل التي اثارتها مطارحاته واجتهاداته في الاوساط الدينية في دمشق (موقف كبير الحنابلة الشيخ ابن تيمية)، فان ماكان لابن عربي من هيبة لدى الخاصة والعامة بدمشق، قللت من شان معارضيه في حياته، وحفظت له مكانة عالية بعد وفاته((252)). لهذه الاسباب جميعا، ينصح ابن جبير((253)) اهل المغرب بالترحال الى المشرق، لان المغربي هناك سوف «يجد الامورالمعينات كثيرة»، منوها بدمشق لان «الاحتفال بهذه البلدة اكثر، والاتساع اجود». (2) منصب القضاءثمة خاصية تميز بها قضاة المغاربة في الوسط الدمشقي، والمالكية منهم تحديدا، تمثلت بالبساطة والابتعاد عن مباهج الدنياوبهارجها، ما اضفى على منصب قاضي قضاة المالكية مهابة موكدة. فقد جاء في بعض المصادر((254)) ان زين الدين عبدالسلام الزواوي (ت 681ه/1282م) اشترط على السلطان الظاهر بيبرس، كي يقبل تكليفه بمنصب قاضي قضاة المالكية بدمشق، عام 664ه/1266م، موافقة السلطان على ان لا تصرف له جامكية، فاستمر في منصبه الى ان توفي السلطان عام 676ه/1277م، ليشغله من بعده نفر من اسرته الى ما بعد القرن السابع، كجمال الدين يوسف الزواوي (ت 683ه/1285م)، وجمال الدين محمد بن سليمان الزواوي (ت 717ه/1317م). اما جمال الدين محمد بن احمد الشريشي، فقد امتنع عن قبول منصب القضاء بدمشق، واختار ان يتفرغ للتدريس والموعظة، واستمر المنصب لاجله شاغرا الى ان توفي عام 685ه/1286م((255)). (3) وظيفة التعليم
-
التعليم الديني: وتميز المغاربة المقيمون في دمشق في علم الحديث وتدريسه. نذكر منهم: ابراهيم بن عيسى المرادي الاشبيلي الشافعي (ت 668ه/1269م)، امام المدرسة الباذرائية وشيخ الحديث فيها، بالاضافة الى توليه امامة مشيخة الحديث الاشرفية، بعد ابي شامة، فاستمر فيها الى حين وفاته. تتلمذ على المرادي عدد من مشاهير العلماء، منهم الشيخ محيي الدين النووي (ت 676ه/1277م)، الذي تولى امامة مشيخة الحديث الاشرفية، بعد وفاة ابي شامة عام 665ه/1267م، ودرس فيها كتاب «الجامع بين الصحيحين»، وهو مصنف في علم الحديث، وضعه، قبل قرنين من الزمن، عالم مغربي يدعى الحافظ ابو عبدالله الحميدي الميورقي (ت 488ه/1195م). ونذكر كذلك الحافظ زين الدين محمد بن يوسف البرزالي الاشبيلي، محدث الشام (ت 636ه/1238م)، ومحمد بن سعيد بن الجنان الاندلسي (ت 675ه/1276م). كما بز المغاربة اخوانهم المشارقة في علوم اللغة العربية، وبخاصة في علم النحو، وتفوقوا عليهم فيه. يحضرنا في هذاالسياق ذكر ابن معطي الزواوي صاحب الالفية الاولى، وتلميذه جمال الدين محمدبن مالك الجياني (ت 672ه/1273م)، صاحب الالفية المشهورة في النحو، وابنه بدر الدين محمد المعروف بابن الناظم (ت 686ه/1287م)، شارح الفية ابيه، والقاسم بن احمد اللورقي (ت 661ه/1262م). - التعليم الدنيوي:ثمة مجال تعليمي آخر برع فيه المغاربة في دمشق يتمثل بالطب والصيدلة. فقد كان محمدبن عبداله الباهلي الاشبيلي رئيسا للاطباء في البيمارستان النوري، والطبيب الخاص لنور الدين زنكي. ويذكر ابن شداد((256)) ان الطب في دمشق في عصره كان يدرس في اللبودية النجمية، احدى مدرستي الطب في دمشق، آنذاك. كانت هذه المدرسة منذ انشائها، عام 664ه/1266م، واستمرت لمدة طويلة، مركز استقطاب لعدد وافر من الاطباء المغاربة الذين استقروا في دمشق، كجمال الدين الزواوي، ثاني قاضي قضاة المالكية في دمشق، والجرايحي ياسين بن عبدالله المغربي المراكشي (ت 687ه/1288م)، احداوائل شيوخ الامام النووي، وكذلك احمد النبطي المعروف بابن الرومية (ت 637ه/1239م) المتعدد المعارف، ومنها علم النبات، وعبدالله بن احمد بن البيطار المالقي (ت 646ه/1248م) ((257))، مصنف كتاب «المفردات في الادوية»، وصاحب الباع الطويل في علم النبات الى جانب الطب. كان رئيس الصيادلة في ايام الملك الكامل الايوبي وولده الصالح ايوب، وكذلك منصوربن علي بن عبدالله المغربي، الذي قال فيه ابو شامة بانه «فاضل في علم الطب». الى جانب الوظائف الدينية التعليمية والطبية، اسندت للمغاربة وظائف مختلفة منها: نظر الدواوين، ووكالة بيت المال، وعمل الخزانة، ونظر البيمارستان، وامانة السجن... اما المهن المسماة اليوم ب«المهن الحرة»، وبخاصة تلك المتصلة بالتبادل الاقتصادي، وتجارة العقارات، والتبادل التجاري والمالي، فليس لدينا معلومات تمكننا من الاطلاع على نصيب المغاربة منها في دمشق، باستثناء اشارات سريعة، وقعنا عليهافي بعض المصادر، تلمح الى مهن تعاطاها المغاربة في المدينة، مثل: ملاك، ودقاق في الحنطة، وكتبي (بائع كتب)، وشواء... 4- مسالة الاندماج تستدعي مكانة المغاربة المقدرة في مختلف الاوساط الاجتماعية الدمشقية، الى اعادة طرح السوال حول مسالة اندماج هولاء في مجتمع دمشق، فهل كان ذلك متعذرا او ممكنا؟ واذا كان ما ذكرناه حول المكانة الاجتماعية التي حازها المغاربة في حاضرة الشام يسوغ امكانية استبعاد الاحتمال الاول وترجيح الاحتمال الثاني، فهل كان هذا الاندماج تاما او منقوصا؟ ليس ثمة ما يشجع على القول: ان اندماج المغاربة في المجتمع الدمشقي كان تاما، ولعل قصورنا عن ابداء راي حاسم في هذاالامر يعود، عموما، الى ندرة المعلومات التي يمكن الركون اليها، والى احجام معظم سكان دمشق عن اعتناق المالكية، مذهب اغلبية المغاربة، وتاثير ذلك، بالضرورة، على حركة انتقال عدد كبير من المغاربة الى المذهب الاكثر نفوذا في المدينة، على الرغم من تعزيز مكانة المذهب المالكي فيها، بدءا من عام 664ه/1266م، من جهة، والى شيوع استخدام مصطلح «الغرباء المغاربة» او «الغرباء»، مرادفا لمصطلح «المغاربة»، ليس فقط في المصادر المشرقية المعاصرة والمتاخرة، بل في المصادرالمغربية نفسها ايضا (ابن جبير مثلا)، من جهة اخرى، فضلا عن ان «عالم بيوتات دمشق» قلما عرف العلاقات الاجتماعية اليومية مع المغاربة، وبالتالي، اذا ما حصل شيء من هذا القبيل فانه كان محصورا ومحدود الانتشار. ومع ذلك، فان ثمة ما يشير الى روابط اجتماعية وثيقة نشات بين اسر دمشقية عريقة وبعض المغاربة. فاسرة بني الزكي الشافعية، التي عرفت في عدادها سبعة من ابنائها، على الاقل، ممن تولوا منصب قاضي قضاة الشافعية، ما بين 530-685ه/1136-1286م، احتضنت ورعت المتصوف محيي الدين ابن عربي منذ قدومه الى دمشق، عام 627ه/1229م، فكان لبني الزكي «عليه اشتمال وبه احتفال، ولجميع ما يقوله احتمال» حسب تعبير ابن كثير((258)). ويذكر المقري((259)) ان ابن الزكي كان يقدم لابن عربي ثلاثين درهما يوميا، وان الاخير استقر، في اواخر حياته، والى حين وفاته، ضيفا على قاضي القضاة محيي الدين يحيى بن الزكي (ت 668ه/1270م)، المعروف بمواقفه غير الايجابية من الافكار الصوفية. وتكريما للمتصوف الكبير قرربنو الزكي ان يدفن ابن عربي في تربتهم القائمة عند سفح جبل قاسيون، رغم عدم وجود علاقة نسب او مصاهرة بينهم وبين ابن عربي وذريته. كما نشير، في الاطار نفسه، الى علاقة طيبة قامت بين بني جماعة، الاسرة الدمشقية ذائعة الصيت، وكمال الدين احمدبن جمال الدين محمدبن احمد البكري (ت 718ه/1318م)، احد افراد اسرة الشريشي المغربية الذي تحول الى المذهب الشافعي، اسفرت عن تولي الاخير نيابة الحكم عن قاضي القضاة الشافعي بدر الدين محمد بن جماعة، ومشاركته اياه،لبعض الوقت، مهمة التدريس في المدرسة الناصرية((260)). وتمثل حالة المورخ الدمشقي ابي شامة واسرته مثالا انموذجيا للروابط الاجتماعية الحميمة بين الدماشقة والمغاربة. لقد اشار المورخ في «تراجمه» الى اواصر قربى جمعت بين اسرته والمغاربة، تعود بداياتها الى جيل سابق. فوالده اسماعيل تزوج من امراة مغربية، هي شقيقة شرف الدين يحيى بن المغربي (ت 661ه/1263م)، وان احدى زوجات ابي شامة الثلاث كانت من اسرة العبدري الاندلسية، وقد مدحها مورخنا بقصيدة فريدة بلغت سبعة واربعين بيتا((261))، كما تزوجت ابنته فاطمة من احد افراد اسرة البكري المراكشية الاصل، وان بعض اولاده دفنوا في مقبرة خليل بن زويزان((262))، حيث استقر عددكبير من المغاربة. ومما يعزز امكانية اندماج المغاربة في المجتمع الدمشقي مشاركة هولاء بالمهام والاعباء العامة للمدينة. فثمة اسر مغربية حلت في دمشق في زمن «الحروب الصليبية»، كبني الزواوي، والبكري، والبرزالي، والشريشي، والتلمساني، شاركت في مانسميه اليوم ب «الخدمة المدنية» في المدينة، الى جانب التزامها المهام الدينية، والجهادية من ذلك: تولي علاء الدين علي بن محمد البكري نظر الدواوين ونظر البيمارستان النوري، وتولي عفيف الدين التلمساني الكتابة في الدواوين، وتولي ابنه الشاب الظريف الادارة المالية للمدينة (عمل الخزانة)، واسندت وظيفة امانة سجن دمشق لاحد افراد اسرة اللمتوني. 5- خاتمة عرف عدد كبير من المغاربة المستقرين في دمشق، او من الذين حلوا فيها الى حين، كيف يوفرون لانفسهم مكانة مرموقة وسمعة حسنة في مدينة لم تكن مهياة تماما لاستيعابهم، بسبب تعرضها، وقتذاك، لاخطار داخلية وخارجية مشابهة الى حدبعيد لتلك التي تعرضت لها بلادهم، وقوضت دعائم الاستقرار فيها ودفعتهم لمغادرتها الى المشرق. ومع ذلك، لم ينجح المغاربة في ا حداث اختراق واسع في البنية المجتمعية للمدينة، على قاعدة الانصهار او الاندماج بالسكان. ولعل السبب في ذلك يعود الى جملة معوقات، يتصل بعضها بخصوصيات الجماعات التي تتشبث بتمايزها عن الجماعات الاخرى، محاذرة الذوبان في الاطار الاشمل والارحب، وتظل تفعل فعلها في الوعي واللاوعي الفردي والجماعي عموما، ولا نستثني مما ذهبنا اليه المشارقة والمغاربة العرب والمسلمين، على الرغم من وفرة العناصر التي تجمع بينهم، دينيا وتاريخيا وحضاريا. فالمذهب المالكي السائد في بلاد المغرب، لم يستطع اثبات حضوره الفاعل في حاضرة الشام - وكذلك الامر في بقية مدن الشام - على حساب المذاهب السنية الاخرى، التي لم تكتف باظهار ممانعتها لانتشار المذهب المالكي في حياضها وبين مريديها، بل سعت حثيثا الى استنزافه، باستخدام مختلف وسائل الضغط الادبي والتعليمير المعرفي، «لاقناع» المغاربة بالتحول عن مذهبهم الاصلي الى احد المذاهب الاخرى التي شهدت، وخصوصا المذهب الشافعي، وبدرجة اقل المذهب الحنفي، اقبالا لافتا من قبل المغاربة «الدمشقيين»، من دون ان يعدم المذهب المالكي وسيلة لاستقطاب عدد من عامة الشوام ونخبهم (حالة العلامة ابن الحاجب مثلا)، ما قلص من نفوذ المالكية، وقلل من تاثيرها في الحياة الدينية والثقافية والاجتماعية في دمشق، وسائر مدن الشام، مقارنة مع دورها الموثر في اعلاء شان السنة في غير مكان من العالم الاسلامي، وبخاصة في بلاد المغرب، وبعض الديار المصرية. فكان لزاما على اتباع المالكية في بلاد الشام ان يكونوا، في ما بينهم، شكلا من اشكال الاجتماع، حرص على تعزيز روابطه خارج بلاد الشام، حيث المذهب المالكي اكثر حضورا وفاعلية. وفي مطلق الاحوال، ومع اقرارنا بان انخراط المغاربة في المجتمع الدمشقي لم يرق الى مستوى الاندماج التام، فثمة ثابتة مفادها ان الاحتكاك الحضاري بين المغاربة والشوام كان له كبير الاثر على تطور حركة الفكر والاجتماع في المشرق والمغرب.فعلاقات التثاقف والتواصل التي قامت، منذ امد طويل، بين قطبي العالم العربي الاسلامي، لا سيما في القرنين: السادس والسابع الهجريينر الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، افضت الى حالة حراك فكري ثري، اسفرت عن تلاقح ثقافي واجتماعي، كان له، ولا يزال، حضور ودينامية في النتاجات العربية الاسلامية، في مختلف الميادين، وتاثيرات متبادلة جديربنا ان نمعن النظر فيها بحثا ودراسة وتمحيصا. ا لسيد حسن الامينالتطلع الى تاريخ خراسان لخراسان، في التاريخ الاسلامي، احداث حاسمة توالت حدثا بعد حدث حتى اضحت علامة بارزة في هذا التاريخ. ثم كان ان صارت مدفنا للامام الثامن علي الرضا(ع)، فاكسبها ذلك قدسية جعلت منها مهوى افئدة ملايين المسلمين الذين يهفون اليها بقلوبهم، ويقبلون عليها بجوارحهم. كما قامت فيها حكومات اسلامية منفصلة عن الخلافة في بغداد، كالسامانيين والصفارين والطاهريين وغيرهم، فقصدها الشعراء العرب، فكان لها في الشعر العربي نصيب وافر. ذلك كله جعل التطلع الى تاريخها رغبة هواة التاريخ الاسلامي، واوجب ان يخص هذا التاريخ بدراسات مفصلة، اذا لم يسمح الظرف لنا بها، فانه سمح بالمامة موجزة قد تغني بعض الاغناء، راينا ان نقدمها على حلقات بعد مشقات التتبع والاستقصاء، فليست مصادر تاريخ خراسان موفورة، بل هي عسيرة. ورأينا ان نلم، اولا، بتاريخ خراسان القديم وصولا، بعد ذلك، الى مراحل هذا التاريخ مرحلة بعد مرحلة. اسمها وحدودها يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان، في ما يقول، عن اسم خراسان: ان «خُر»: اسم للشمس بالفارسية الدرية، وأسان: كانه اصل الشيء ومكانه. ويقول المسعودي ما مضمونه: ان الايرانيين اطلقوا اسم خراسان على المناطق الشرقية من بلادهم والمناطق المجاورة لها،وكلمة «خُر»: معناها الشمس، ويقولون عن هذه المنطقة: انها مطلع الشمس، اما المنطقة الغربية فكانوا يسمونها: خُر تبران. اذا كان هذا راي مورخك ين عربيين في سبب تسمية خراسان بهذا الاسم، فهو لا يخرج عن آراء المورخين الايرانيين. يقول محمد رضا قصابيان: خراسان، او بلاد الشمس، او ارض الشمس، اسم بلاد عريقة يتلالا كالشمس منذ القدم في مشرق ايران الكبيرة. ولموقعها الجغرافي الخاص الذي يعد في ايران مطلع الشمس، فان الكثيرين من العلماء الماضين والحاضرين يرون ان كلمة خراسان اقتبست من هذا المعنى. وعلى ذلك، فانها تنسب الى مكان شروق الشمس. على ان في الايرانيين من يرى، في تعليل هذه التسمية، آراء اخرى، فموسوعة «دهمذا» تقول: ان كلمة خراسان كلمة پهلوية استعملت في النصوص القديمة بمعنى الشرق او المشرق مقابل كلمة الغرب او المغرب. وهناك من يقول: ان معناها الارض الساطعة او المنيرة. وحافظ ابر يقول: ان معنى خوراسان هو: انه يشبه الشمس، ومن المورخين من يقول: ان كلمة خراسان مركبة من كلمتين هما: خور بمعنى الشمس، وآسان بمعنى الشروق. اي ان خراسان هي مكان شروق الشمس. والى ذلك يشير الشاعر العربي القديم الذي كان سائرا الى خراسان:
أمطلع الشمس تبغي ان توم بنا؟ ويقول لسترنج: ان خراسان، في اللغة الفارسية القديمة، معناها ارض الشرق. وهذه الكلمة كانت في اوائل القرون الوسطى تطلق على جميع البلاد الاسلامية التي كانت الى الشرق من صحراء لوط امتدادا حتى جبال الهند. اما عن حدودها فليس ما يدل على انها، في العصور التاريخية القديمة، قد عرفت حدودا ثابتة، بل ان حدودها كانت تمتد وتتقلص حسب عوادي الزمن، على ان الاكيد ان خراسان القديمة كانت اكثر اتساعا من خراسان العصور المتاخرة، وقد تعاورتها احداث قبل الاسلام وبعد ظهوره ادت الى تبدلات في حدودها بين الحين والحين حتى آلت الى ما هي عليه اليوم. ويمكننا القول: ان خراسان كانت ممتدة من القرب من السواحل الجنوبية الشرقية لبحر الخزر الى مرتفعات پامير وهندوكش. وكانت احيانا تشتمل على الارض الخصبة في جنوب بحر ارال (خوارزم) والجانب الاخر من نهر جيحون (ما وراء النهر)، على اننا يمكن ان نقول: ان هذه الحدود كانت تتجاوز بلخ والمنطقة المعروفة ب «طخارستان». ومن الغرب تصل الى حدود زاغرس،واحيانا تشمل قومس وجرجان والري ومناطق من طبرستان. وبالرغم من شمول خراسان لما وراء النهر، فان «آمودريا» كان يعرف بانه الحد الشمالي لها. عمرانها في عصور ما قبل التاريخ لقد استنتج العلماء، استنادا الى الاكتشافات الاثرية، ان عمران خراسان يعود الى العصر الحجري، وانها كانت موطن الانسان الاول، وان ناس العصر الحجري الذين نزحوا من الجبال الى السهول استوطنوا اطراف صحراء الملح في مسيرة هلالية الشكل. وخلال الالف الثاني قبل الميلاد، وبعد ظهور العناصر الهندية الاوروبية بين الايرانيين ورحلتهم الى داخل ايران القديمة، كان القسم الاكبر من القبائل الهندية الاوروبية قد زحف نحو الشرق، وبعد اجتياحه نهر جيحون توطن في حوض نهر كابل. ويقول «غير شمن» عن هجرة الفرع الشرقي للمهاجرين الاريين الذين يسميهم الهنود الايرانيين: «ان القسم الاكبر من القبائل التي كانت تشكل الفرع الشرقي من الحركة الهندية الاوروبية، قد رحل تدريجيا نحو الشرق، واجتاح ما وراء النهر وجيحون (آمودريا). وبعد توقف قصير في سهل بلخ صعد معابر هندوكوش وسار في الطريق التاريخي الذي كان قد سار فيه المهاجمون نحو الهند وتوطن في پنديشير ونهر كابل. وقد يكون قد طرد بعض القبائل الى الغرب خلال عبوره من باكتريا (بلخ)». ان اختلاف الراي حول تاريخ انتهاء آخر استيطان في هذا المكان قد يحمل العلماء على الاستمرار في دراساتهم وتحقيقاتهم حول هذا الموضوع، اذ - كما تشير التنقيبات - ان هذه المنطقة كانت قد دمرت تماما في هجمات عنيفة، واذا كان تاريخ هذا الهجوم يعود الى الالف الثاني قبل الميلاد، فان سبب هذا التدمير قد يعود الى الهجرة الهندية الاوروبية المذكورة. واذا كان التاريخ يعود الى العهود الاخيرة من هذا الالف، فان السبب قد يرجع الى تيار جديد من الهنود الاوروبيين الذين جاءوا بالايرانيين الى نجد ايران. وان الفرع الشرقي من الايرانيين الذي كان قد جاء من «ما وراء النهر» لم يكن باستطاعته ان ينتشرباتجاه هند وكوش لان منطقة رجخ والپنجاب كانت قد وقعت في ايدي فرع من العنصر الاري الهندي، وان هولاء كانوا قداستوطنوا هناك في عصر هجوم الهنود الايرانيين. وبذلك يكون الزاحفون الجدد مضطرين الى التوجه نحو الغرب، الى نجدايران على طول الطريق الطبيعي الذي كان يسير من بلخ الى قلب ايران. وبالرغم من ان المستشرق الروسي «بارتولد» لا يعترف بهجرة الاقوام الهندية الاوروبية وكيفية توزعها، الا انه يعد باختر(باكتريا)، او بلخ، التي تقع جنوب آموداريا (جيحون) اقدم مركز للحضارة الايرانية واعرقه، ويقول: «اما عن الاريين، اجداد الهنود والايرانيين، والفرع الرئيسي الاول من الغصن الكبير للشعوب الهندية الاوروبية، فاننا نتساءل: متى ومن اين جاءوا الى باختر (باكتريا) التي سميت في ما بعد بلخ واسسوا مدينة باختر؟ اننا لا نعلم ذلك». ان «غير شمن» يعتقد ان خصوبة اطراف نهر باكتروس (بلخ آب) هي السبب في هجرة الاريين اليها، حيث كانت تمتاز بذلك من غيرها من مناطق هذه البلاد. ثم يستمر في شرح الامر بصورة كاملة، ويقول: «... مدينة باختر، بوصفها المدينة الرئيسية في تلك البلاد، كانت قاعدة التجارة مع الهند، رغم ان بعض المناطق العامرة كانت تتصل بحوض نهر الهند بطرق مناسبة سهلة، كما كانت تتصل بالهند عن طريق سهل خلم، وان مياه الكثير من انهار السفوح الشمالية لهندوكش كانت تصب في آمودريا. واذا امكن الاعتماد على اقوال المورخين القدماء فان مياه نهر بلخ آب (باكتروس) كانت تصب في آمودريا ايضا، وكانت تستخدم لنقل البضائع التجارية الى الهند». ولكن هذه المقولة غير موثوقة. وحسب قول آميان مارسلين: ان السفن كانت تسير من هرات الى بحر الخزر. ومن المستبعد كل الاستبعاد ان تكون اوضاع المياه في ايران قد تغيرت الى هذا الحد خلال الف سنة. وعن مسيرة هجرة الاقوام الارية وكيفية استيطانهم في ايران يقول «بارتولد»: «ليس معلوما كون هجرة الاريين قد تمت على الطريق نفسه الذي كان قد سار عليه المدييون، وهو طريق الشمال، او عن طريق الجنوب عبر سيستان وكرمان، ومنهما الى فارس». ويضيف قائلا: «يبدو ان الهدروس والكرمانيين يعدون من الايرانيين الذين استوطنوا فارس. اي ان فرعا من الايرانيين الذين كانوا يسمون (الپارسي) كانوا قد احتلوا جميع المناطق الجنوبية من ايران الحالية، حيث ان المديين كانوا قد سبقوا الايرانيين في خوضهم الساحة التاريخية. اذا من المحتمل جدا ان تكون الهجرة قد تمت في وقت مبكر عن طريق الشمال. ان مسيرة الاريين من المنطقة الشمالية في ايران كانت على الطريق القديم نفسه الذي كان الطريق الرئيسي من آسيا الغربية الى آسيا الشرقية. اي كان على طول السفح الجنوبي للجبال التي كانت تشكل الحدود الشمالية لهضبة ايران». اذا، فاننا نستنتج من مجموع هذه النظريات ان الطوائف الارية المختلفة قد دخلت ايران عبر طريق خراسان، وزحفت نحوجنوب خراسان الى سيستان. ولما كانت قد وصلت الى مناطق واراض جافة يابسة زحفت نحو الغرب واحتلت هضبة ايران. ويقول غير شمن عن هذه الهجرة بصورة ادق: «ان نفوذ الايرانيين، في بداية الالف الاول قبل الميلاد، يعد جانبا من الهجمة الاولى قبل الف سنة، وان المهاجمين كانوا يدخلون عنفا على شكل تيارات متتابعة، وكانوا، حسب ما يبدو، قد ساروا في الطريق نفسه الذي كانوا ساروا فيه في هجمتهم الاولى، اي القوقاز وما وراء النهر». ثم يقول: «في بداية الالف الاول قبل الميلاد، وقع حادثان مهمان، لا يرتبطان معا، كان لهما الاثر في تاريخ شعوب آسيا الغربية،وهما: هجوم الهنود الاوروبيين واستخدام الحديد. اذا، فحسب القصص والحكايات الاسطورية فان خراسان الكبيرة العريقة كانت في عصور ما قبل التاريخ بورة مستقلة لاحداث حياة العنصر الاري ووقائعها. في العصور التاريخية وفي مستهل دخول ايران في العصور التاريخية، فانه، في بداية الامر، بعد تشكيل حكومة ما دسته سنة 800 قبل الميلاد في الغرب، ثم الحكومة الاخمينية سنة 600 قبل الميلاد، انتقلت بورة الوقائع والاحداث هذه في البداية الى الغرب ثم الى الجنوب. وحسب اعتقاد «ادوارد مي لير» كانت الحكومة الايرانية تمتاز بالاهمية في العالم القديم وكانت تعد اول امبراطورية عالمية سيطرت على عدة شعوب ودول انطوت تحت رايتها. وان ايران، في هذا العصر (عصر الاخمينيين)، كانت تقسم الى دويلات، يحكم كل دويلة حاكم يسمى باللغة الفارسية القديمة (خَشَتر پاون) او (شَتَرَ پاون) باللغة الپهلوية، وكان الحكام ينصبون من العاصمة. اما اليونانيون فسموه «ساتراپ»، وكانت پترشوه الولاية السادسة عشرة، وتضم الپارتيين والخوارزميين والسفديين والهراتيين، وكانت تطابق خراسان الشمالية الحالية. ومن الناحية الجغرافية، كانت جارة لساتراپ ماد في دربند في بحر جرجان من الجهة الغربية، وكانت «خوار» اول منطقة من پارت من الجانب الغربي، وكان اليونانيون قد اطلقوا عليها اسم پارتيا اوپارتوآ، وكانت مدينة «طوس» قاعدة «ساتراب پرتو». الا ان بارتولد يقول: ان ساتراپ پارت لم يكن مهما في عهد الاخمينيين. وحسب قول هيرودوت: ان الپارتيين والخوارزميين والسفديين كانوا في حكومة واحدة. وعند الاشارة الى اسماء مقاطعات الدولة في النقوش والكتابات المسمارية، فان پارت كانت قد ذكرت بصورة مستقلة، وان الايرانيين خلال رحلاتهم في بلادهم كانوا يحاولون ان يمروا سراعا من پارت لفقرها وعدم قدرتها على تامين زاد موكب الملوك. ولكن بعد سقوط الدولة الاخمينية كان الپارتيون هم العناصر السليمة التي تمكنت من اعادة تاسيس دولة ايرانية قوية نجحت في صد هجمات الروم الشرقيين. وفي موسوعة «مصاحب»: پارت = پرتوه: الارض الجبلية القديمة في جنوب شرق بحر الخزر تمتد من جبال البرز نحو الشرق حتى هرات، ومن الشمال تتصل بسهل «استرآباد» الخصيب وصحراء تركستان، ومن الجنوب بصحراء الملح. وبلاد پارت هي بلاد خراسان القديمة، وكانت في عهد الاخمينيين من ولايات الامبراطورية الاخمينية، ثم خضعت للسلوقيين الذين اسسوا فيها مدنا. ويعتقد المستشرق الاثري الروسي «مون غيت» ان خراسان هي نفسها بلاد پارت، وان اسم خراسان اطلق على پارت بعد انتصار اردشير بابكان على الملك الاشكاني. وفي نحوت بيستون جاء اسم خراسان تحت عنوان «برتو». واليونانيون يطلقون على هذه البلاد اسم پارتيا، ويسمونها اليوم پارت. ويقول بهار في كتابه «سبك شناسي»: پرتوه اسم قبيلة كبيرة، او ارض واسعة، كانت موطن قبيلة پرتوه، وهي ارض خراسان اليوم التي كانت تتصل من الشرق بصحراء اتك (سهل خاوران القديم)، ومن الشمال بخوارزم وجرجان، ومن الغرب بقومس(دامغان)، ومن الجنوب بالسند وزابل. كانت قاعدة «پارت» - التي سميت خراسان - مدينة نيساية. وكان اليونانيون يسمونها نيسا (مدينة نك سا). يقول مون غيت عن دولة پارت ومدينة نيسايه: «في الجنوب من جمهورية تركمانستان، وبالقرب من ارض (مترة قورم)، على سفح جبل (كويت داغ)، على مسافة18 كلم من الشمال الغربي لعشق آباد، توجد انقاض مدينتين قديمتين هما: نيسايه القديمة ونيسايه الجديدة». ومنذ سنة 1930م. يقوم فريقان بالتنقيب في هذه المنطقة. ويقول دياكونوفو: «ان علماء الاثار الروس ما زالوا يقومون بالتنقيب في نسا، وكانت هذه المدينة تقع على مرتفع، وتشغل مساحة مقدارها 18 هكتارا». وكانت الدوائر الحكومية والمعسكرات وقصر الحاكم والمعبد في القلعة التي هي اقدم ما في نسا. وفي الجنوب من مدينة نسا مباشرة، كانت قطعة عظيمة منفصلة هي «مهر داوكرت»، وفيها قصور الملوك الفرتيين والمقابر العائلية. وفي احدى التنقيبات عثر على قصر كبير وعلى معبد، ومما عثر عليه تمثال للاله اليوناني آمنا وتمثال «ابو الهول» المصري. يقول لسترنغ في «جغرافية بلاد الخلافة الشرقية»: «ان ولاية نك سا واد عريض اسمه اليوم دره گز». ويقول ابن حوقل: «ان نسا مساوية لسرخس». ويقول القزويني: «ان نك سا ويسمونها فيروز لان الملك فيروز هو الذي اسسها». وفي الجانب الشرقي من نسا، وفي الجهة الاخرى من الجبل والى جانب صحراء مرو تقع البيورد. وحسب لسترنج: ان نك سا هي مدينة درگز الايرانية نفسها. ولكن تحقيقات العلماء الروس وآخرون ادت بهم الى القول: ان مدينة نسا تقع ضمن ما كان يدعى الاتحاد السوفييتي. وتزامنا مع مجيء «داريوش الثالث»، آخر ملوك الاخمينيين، الى السلطة، تولى الاسكندر المقدوني السلطة في اليونان، وبعد اجتياحه آسيا الصغرى استولى على الجانب الغربي من الامبراطورية الاخمينية. وبعد فتح پرسيوليس، توجه الى الشرق واخذ بالاستيلاء على مدن خراسان الكبيرة. وحسب قول غير شمن فانه اسس مدنا جديدة في كل مكان سمى كل واحدة منها باسم الاسكندرية. وقد قاتل حوالى السنتين في هرات وزنگ ورخج في الجنوب من هندوكش للقضاء على تمرد السفديين. وبعد موت الاسكندر، تابع ديورتس الحاكم اليوناني على بلخ طريق الاستقلال، فاستقلت كل من پارت وجرجان. وعلى ما يقول بارتولد، فان الحكومة التي اسسها الپارتيون، وكانت اول دولة ايرانية في المناطق الشرقية في القرن الثالث قبل الميلاد، تختلف عن حكومة الاخمينيين من عدة نواح. وكان نفوذ العناصر الايرانية من الشمال والشرق قويا، وكانت تتصف بصفات الحكومة الوطنية التي كانت قبل الاخمينيين. وعلى هذا، فان الپارتيين الذين كانت الجماعة البارزة فيهم تسمى آپارن، استوطنوا الاراضي الجبلية في جنوب شرق بحرالخزر، التي يحدها شمالا سهل استرآباد الخصب وصحراء تركستان، وجنوبا صحراء الملح، وكانت تمتد من الجنوب من جبال البرز نحو الشرق الى هرات. ويشير ايزيد روخاراكسي، خلال ذكره احد طرق المواصلات القديمة، الى مدينة استا، او اراسكا القديمة الواقعة في مكان خبوشان، او قوجان المعروفة اليوم، وكانت خلال مدة من الزمن بورة احداث العصر الپارتي. وفي عصر الساسانيين صارت خراسان القديمة او، (پارت)، بشكل ما، احدى مقاطعات ايرانشهر المهمة. وكان يدير كل مقاطعة كبيرة حاكم يسمى سيهبد، وكانت مدن مقاطعة خراسان هي: نيساوبر وهرات ومرو ومرو الروذ وفارياب وطالقان وبلخ وبخارا وبادغيس وباورد (ابيورد) وغرجستان وطوس وسرخس وجرجان، يحكمها اسپهبد خراسان الذي يتبعه اربعة حكام يتقاسمون حكم مقاطعاتها الاربع. ويقول التون. ل. بيل: انها مرو ونيشابور وهرات وبلخ التي ربما كانت تشمل ما وراء النهر وباختر. اما حدود خراسان الجغرافية، في عهد الساسانيين، فيقول كريستن سن، اعتمادا على تنقيبات هرتسلد، انها بوابات كاسپين بالقرب من الري، وجبال البرز والزاوية الجنوبية الشرقية لبحر الخزر ووادي اترك، الخط الذي يعبر من صحراء تجن ويصل الى جيحون عبر قوقي. وحسب المسكوكات الساسانية التي عثر عليها فان هذا الخط الحدودي يعبر من قمم جبال حصار، ويصل الى پامير، ويميل نحو الجنوب، ويمتد نحو جيحون وبدخشان، ويصل الى منطقة هندوكش. ومن تلك المنطقة الحدودية، يرجع نحو الغرب، ويصل الى جنوب هرات على امتداد جبال هندوكش. وفي المنطقة الجنوبية يجتاز ترشيزوخاف وقهستان ويتصل ثانية ببوابات كاسپين. ان الجبال المتكاتفة التي تشكل سلسلة طويلة تعد العمود الفقري لهذه المقاطعة، وهذه الجبال باوديتها وانهارها تفصلها عن المقاطعات الاخرى وتميزها منها. وقد جعلتها مجاورتها للسهول الخصبة في آسيا الوسطى مع هضبة ايران، عرضة لهجمات كثيرة، وجعلت من الخراسانيين مقاتلين اشداء، وجعلت السلاح منتشرا فيهم. كانت خراسان اكثر اهمية من غيرها في ايران، فامراء الاسرة المالكة الذين كانوا ينصبون حكاما على خراسان كانوا يحوزون على لقب «كوشان شاه»، وهناك اسباب كثيرة جعلت خراسان بهذه الاهمية: أولا- مساحتها الكبيرة التي كانت تضم خراسان الحالية وجمهورية تركمانستان وطاجكستان وقسما كبيرا من افغانستان وقسما من باكستان. ثانيا- قربها من الهند والصين، والطريق التجاري لهذين البلدين الى داخل ايران، او الى الدول الجنوبية والغربية كان يمر عبرخراسان. ثالثا- اهميتها الاستراتيجية، حيث كانت الدرع الواقي من هجمات الاقوام الشمالية. ومن بين الملوك الساسانيين كان شاهپور الاول وهرمز الاول وبهرام الاول وبهرام الثاني، ممن تولى حكم خراسان قبل وصوله الى العرش. من اهم مراجعنا في هذه الدراسة وما يليها من دراسات بحوث كل من: كاظم مدير شانه چي، ومحمد رضا قصابيان، ولسترنج في ما كتبه عن جغرافية بلاد الخلافة الشرقية. رؤية الشيخ زين الدين بن علي(الشهيد الثاني) التربوية الدكتور عبد المجيد زراقط تحاول هذه الدراسة ان تسهم في تقديم معرفة بالنظرية التربوية الاسلامية كما قدمها، على مستويي التنظير والتطبيق،الشيخ زين الدين بن علي (911 965ه)، المعروف ب«ابن الحجة»، ثم ب«الشهيد الثاني». في كتابه «منية المريد في ادب المفيد والمستفيد»((263)). رؤية عالم مجتهد خبير في شوون التعلم والتعليم أول ما ينبغي التوقف عنده، في ما يتعلق بهذا الكتاب، موقع مولفه ودوره في عملية تحصيل المعرفة وبذلها في عصره، ويمكن بيان ذلك كما ياتي: 1- ينتمي الشيخ زين الدين الى اسرة علمية مارس ابناوها التعلم والتعليم زمنا طويلا، واسهموا في ارساء اصول وقواعد(آداب) في هذا المجال، ما جعله يلقب ب «ابن الحجة»، وما جعل اسرته تعرف باسم «سلسلة الذهب»، وذلك لان العلم تسلسل في هذه الاسرة زمنا طويلا((264)). 2- رحل الشيخ في طلب العلم في بلده: جبل عامل، وفي البلاد المجاورة: دمشق ومصر وبيت المقدس واستانبول وغيرها32، وافاد((265)) من مدارس هذه البلاد وشيوخها...، فمن المعروف، على سبيل المثال، انه تتلمذ على جماعة من علماء مصر خلال سنتي 942 و943ه، ولمدة ثمانية عشر شهرا تقريبا((266))، وانه استفاد من علمهم وخبرتهم وطرائقهم، ومما يدل على ذلك قوله: «فالواجب على المعلم اذا وجد من الطالب نشاطا وقوة على تعدد الدرس، ولم يقدر على تحصيل غرضه بنفسه، ان يرشده ابتداء الى من يقرا عليه درسا آخر، فان ذلك من تمام النصيحة ورعاية حفظ الامانة. وهذا امر اتفق لي مع بعض مشايخي بمصر احسن الله جزاءه»((267)). ويوكد ما نذهب اليه ما يقوله السيد محسن الامين في هذا الصدد، ومنه: «ضم ماوجده نافعا من طريقتهم مما لم يتوسع فيه الامامية الى طريقة الامامية كالدراية والشروح المزجية وتمهيد القواعد الاصولية والعربية لتفريع الاحكام الشرعية»((268)). وهذا يدل على ان الشيخ زين الدين كان عالما كبيرا، متجردا لتحصيل العلم وبذله،بغية تحقيق مشروع اسلامي توحيدي، من طريق امتلاك افضل الطرق الملائمة لذلك، وهذا ما سوف يتاكد لنا في ما ياتي من فقرات هذه الدراسة. 3- امتلك معرفة عميقة وشاملة بعلوم عصره جميعها، علاوة على خبرة طويلة في تعلم هذه العلوم وتعليمها، ما جعله الاكثرمقدرة على التاليف في هذا المجال. يقول السيد محسن الامين في هذا الصدد: «واعطي تدريس المدرسة النورية في بعلبك، ولم يحتج الى شهادة قاضي صيدا كما كان معمولا عليه في ذلك الوقت، ولا يمكن اخذ التدريس بدونه، وذلك بسبب تاليفه خلال ثمانية عشر يوما رسالة في عشر مسائل من مشكلات العلوم... فاقام فيها [اي في المدرسة النورية] خمس سنين يدرس في المذاهب الخمسة، ويعاشر كل فرقة بمقتضى مذهبهم. والحق ان ذلك اقتدار عظيم وعلو همة ما عليه من مزيد، لا سيما مع شدة الخوف في تلك الاعصار بسبب التعصبات المذهبية»((269)).
4- نذر نفسه لاداء مهمة تحصيل العلم وبذله، فمن المعروف،
علاوة على ممارسته التعليم، انه الف سبعين كتابا
ورسالة، وكتب مئة كتاب بخطه، في زمن عصيب اطلق عليه
اسم «زمن الخوف»، ومن الشهادات المعاصرة التي تفيد ذلك
نذكر:
5- امتلك موهلات المعلم المربي الناجح على مختلف
المستويات، وفي سبيل بيان ذلك نذكر بعض ما يذكره
المورخون في هذا الصدد: 6- اهتم بموضوع التعلم والتعليم والتربية اهتماما بالغا، فتفرد بالتاليف فيه، يقول السيد محسن الامين في هذا الصدد:«وتفرد بالتاليف في مواضيع لم يطرقها غيره، او طرقها ولم يستوف الكلام فيها، مثل آداب المعلم والمتعلم، فقد سبقه الى ذلك المحق ق الطوسي، فصنف فيه رسالة صغيرة لا تبل الغليل، والف فيه كتابا هو منية المريد، فلم يبق معها منية لمريد...»((278)). ومما يدل على اهتمامه الشديد بهذا الموضوع انه كان قد كتب كتابين آخرين في هذا المجال هما: «تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم» و «منار القاصدين في اسرار معالم الدين»، وانه لخص «منية المريد» في كتاب سماه «بغية المريد»، وهذه الكتب مفقودة. 7- اولى الشيخ اهتماما خاصا بالابناء وتربيتهم، والدليل على ذلك تاليفه كتاب «مسكن الفواد» الذي يفيد، علاوة على حب الشيخ للابناء وحرصه على تنشئتهم خير تنشئة، انه يحث على الصبر لدى فقدهم رضى بقضاء الله سبحانه وتعالى. 8- ويمكن لتساول السى د محسن الامين الاتي ان يرسم ملامح شخصية الشيخ زين الدين، يقول السيد الامين: «وما ظنك برجل من اعظم العلماء واكابر الفقهاء يحرس الكرم ليلا، ويطالع الدروس. وفي الصباح يلقي الدروس على الطلبة، وكرمه الذي كان له في جبك ع معروف محله الى الان. ويحتطب لعياله ليلا ويشتغل بالتجارة احيانا... ويباشر بناء داره ومسجده الذي هو الى جانبها في قرية جبع، وقد رايتهما، وداره مفتوحة للضيوف والواردين وغيرهم يخدمهم بنفسه»((279)). أهمية الكتاب وتاثيره، في شهادات علماء مختصين يمثل كتاب «منية المريد...» ثمرة معرفة الشيخ زين الدين وخبرته في مجال التعلم والتعليم والتربية، وقد كان له، ومنذ تاليفه،اهمية وفعالية كبريان، يشهد بذلك كثير من العلماء، ومن هذه الشهادات نذكر: - كتب ابن العودي: «مجلد مشتمل على مهمات جليلة وفوائد نبيلة تحمل على غاية الانبعاث والترغيب في اكتساب الفضائل واجتناب الرذائل والتحلي بشيم الاخيار والعلماء والاسرار»((280)). - وكتب الميرزا الشيرازي الكبير(رض): «ما احرى باهل العلم ان يواظبوا على مطالعة هذا الكتاب الشريف وان يتادبوا بالاداب المذكورة فيه»((281)). - وكتب السيد محسن الامين: «منية المريد في آداب المفيد والمستفيد مشتمل على آداب وفوائد جليلة، وهو نعم المهذب لاخلاق الطلاب لمن عمل به»((282)). - وكتب الشيخ عبدالله الماقاني: «... فان كل عمل من غير آدابه غير ممدوح ولا مستحسن، ومن اهم ما هناك اكرام العلماءالعاملين»((283)). - وكتب صدر المتالهين: «... وتركنا سائر الاداب الحسية والوظائف الفعلية تعويلا على المذكور في كتب الاخلاق وغيرها كرسالة... واخرى لزين الملة والدين»((284)). - وكتب علي اصغر حكمت ما ترجمته: «لعل كثيرا من الذين افتتنوا بظواهر الحضارة الاوروبية الحديثة... يظلون غافلين عن العلوم والفنون الشرقية الاسلامية التي كان عظماونا طوال القرون المتوالية قد تتبعوها واستقصوها وبحثوا عنها وقراوا فيهاوخلفوا في شانها كتبا كثيرة. وعلى خلاف هولاء نرى هواة العلوم والمعارف في اصقاع بلاد الغرب ينظرون الى بلاد الشرق كانها خرائب مليئة بكنوز العلوم والفنون الدفينة... فمن ذلك ما اتفق لي ان تحدث الي احد فضلاء الغرب عن كتاب «منية المريد» فاثر كلامه في، فحصلت على نسخة منه، وقراته فوجدته كنزا مشحونا من جواهر الحكم والمعارف مليئا من لالى الاداب والفضائل...» ((285)). وقد نظم الشيخ عبد الرحيم بن محمد علي التستري (ت 1313ه) «منية المريد» في 1250 بيتا من النظم سماها «محاسن الاداب»، فرغ من نظمها سنة 1290ه، ومنها: ... سميتها «محاسن الاداب» للطالبين من اولي الالباب حوت لباب «منية المريد» وهو كتاب شيخنا الشهيد((286)) وهذا النظم يفيد ان هذا الكتاب كان كتابا تعليميا ينظم ليسهل تعلمه وحفظه. هذه شهادات تفيد ان هذا الكتاب كان من الكتب التعليمية او من الكتب التي يواظب طلاب العلم على قراءتها ليتادبوا بدابه، وان عالما كبيرا كصدر المتالهين احال اليه ولم يولف في موضوعه لانه وجد فيه الكفاية، وهذا يعود الى كونه «كنزا من جواهرالحكمة والمعرفة ولالى الاداب والفضائل...». ولاهميته هذه تنبغي العودة اليه لمعرفة ما قدمه احد كبارنا في مجال لا يزال انتاجنا فيه، في الغالب، مرتهنا الى النظريات الغربية. |