|
في موضوع الكتاب، شرائط تحصيل العلم ووظائفه يفيد عنوان الكتاب ان الشيخ زين الدين قدم ما يتمناه مريد تحصيل المعرفة وبذلها من آداب هذين الصنيعين، اي من احكام وشروط واخلاق... ولا تفوتنا الاشارة الى ايحاءات كلمة «مريد» المستقاة من عالم الصوفية، فهو من يسعى الى بلوغ المرتبة العليا في مجاله، وهو ادب المفيد والمستفيد هنا. ويمكن ان نفهم المقصود بكلمة «ادب» عندما نعلم ان عملية التعلم والتعليم كانت تسمى قديما «التاديب»، وان ما ينبغي ان يتوافر لها لتتم على افضل وجه كان يسمى الاداب، ومنه النصوص المستخدمة في هذا السبيل، فسميت ادبا. واليوم نحن نعرف ان عملية التعلم والتعليم لا تقتصر على تقديم المعرفة من معلم وتحصيلهامن متعلم، وانما تتعدى ذلك الى امرين: اولهما اتاحة الفرص للمتعلم كي يتمكن من تحصيل المعرفة بنفسه، وثانيهما الاسهام في تكوين شخصية قادرة وفاعلة. وهذا ما يطلق عليه اسم «التربية» في مقابل التعليم: تكوين الشخصية الفاعلة في مقابل التلقين. فالتربية عملية شاملة تفضي الى تكوين شخصية الانسان من مختلف النواحي: الجسمية والعقلية والخلقية والفاعلية، اماالتعليم فهو نقل العلم: المعرفة الى الانسان، فهو بوصفه هذا وسيلة من وسائل التربية((287)). وعندما يتحدث الشيخ زين الدين عن «ادب المفيد والمستفيد» فان رويته تصنف في الاتجاه الذي يعنى بالتربية في مقابل الاتجاه الذي يعنى بالتعليم. ولعل تقرير الشيخ زين الدين ان العلم لا يوخذ من الكتب وانما من الشيوخ يوكد ما اشار اليه في عنوان كتابه، فالكتب تقدم المعلومات، والشيوخ يقدمون المعرفة الموظفة في تكوين شخصية الانسان الممتلكة كفايات ومهارات تتيح لها ان تكون قادرة وفاعلة. وهذا هو موضوع الكتاب كما يقدمه الشيخ زين الدين، فبعد ان يقرر ان «كمال الانسان انما هو بالعلم» يستدرك ب «لكن» فيقول:«لكن ليس جميع العلم يوجب الزلفى، ولا تحصيله كيف اتفق يثمر الرضا، بل لتحصيله شرائط ولترتيبه ضوابط، وللمتلبس به آداب ووظائف، ولطلبه اوضاع ومعارف، لا بد لمن اراد شيئا منه من الوقوف عليها، والرجوع في مطلوبه اليها، لئلا يضيع سعيه ولا يخمد جده». ثم يقرر الموضوع فيقول: «وقد وفق الله سبحانه، بمنه وكرمه، في ما خرج من كتابنا الموسوم ب منارالقاصدين في اسرار معالم الدين» لتفصيل جملة شريفة من هذه الاحكام مغنية لمن وقف عليها من الانام، وقد راينا في هذه الرسالة افراد نبذة من شرائط العلم وآدابه وما يتبع ذلك من وظائفه...»((288)). وهكذا فلتحصيل العلم شرائط وآداب، وله بعد ان يحصل وظائف وآداب، وهذا ما ينبغي ان يتدبره كل من المفيد والمستفيدليصل الى بغيته، وهو ما يبحثه الشيخ زين الدين في هذا الكتاب. اهداف الروية التربوية يهدف البحث في شرائط تحصيل العلم وآدابه، وما يتبع ذلك من وظائف الى تحقيق ما ياتي: 1- تحقيق الهدف من العلم: يطلب العلم ليس لذاته، وانما لهدف آخر هو ثمرته وغايته المعتبرة. ومعرفة الشرائط والاداب،موضوع الكتاب، هي التي تمكن هذا الطالب من تحقيق الهدف وبلوغ الغاية، يقول الشيخ في افتتاحية الكتاب: «وكم راينا بغاة هذا العلم الشريف دابوا في تحصيله، واجهدوا نفوسهم في طلبه ونيله، ثم بعضهم لم يجد لذلك الطلب ثمرة ولا حصل منه على غاية معتبرة...»((289))، ثم يقول في خاتمة الكتاب: «وهذه العلوم بمنزلة الالات القريبة او البعيدة للعمل، كما حققناه في الباب الاول...»((290))، فالعمل هو ثمرة العلم وغايته المعتبرة. 2- تسهيل تحصيل العلم وجعل المتعلم، المتادب ب آداب هذه الروية، يحصل في برهة يسيرة قليلة اضعاف ما حصله سواه في مدة مديدة طويلة. 3- الاسهام في تكوين شخصية انسان عالم يسعى الى بلوغ الكمال من دون يمنعه شيء عن ذلك، فيصدق عليه قول الله تعالى: (انما يخشى الله من عباده العلماء) [فاطر، 35/28]. المنظور العقدي الذي تصدر عنه الروية/فلسفة الروية
في النظريات التربوية الحديثة يبدا المنظرون البحث بالكلام
على فلسفة النظرية، او المنظور الذي يكشف لها الكون
واشياءه وقضاياه. وقد فعل الشيخ زين الدين ذلك، فصدرت
رويته من منظور الى الكون عميق وشامل تكونه العقيدة
الاسلامية. يرى الشيخ، من هذا المنظور، «ان الله، سبحانه، جعل
العلم هو السبب الكلي لخلق هذا العالم العلوي والسفلي طرا...»،
وذلك مايتبينه الشيخ من قوله تعالى في محكم الكتاب الكريم: فما ينبغي على الانسان هو ان يسعى، بعد ان انعم الله عليه بنعمة الايجاد، الى تحصيل النعمة التي تليها، وهي تعل م ما لم يعلمه، اي ما علمه اياه الله بغية ان يرقى الى الكمال، فيكون من اولي العلم الذين يقرنهم الله تعالى بذاته وبالملائكة، في الاية الكريمة: (شهد الله انه لا اله الا هو والملائكة واولو العلم)[آل عمران، 3/18]. وهذه الشهادة التي يتيحها العلم هي الهدف منه،ولهذا، وبه، كان علم التوحيد اساس كل علم ومدار كل معرفة((292)). ويؤكد الشيخ ما يراه من منظوره العقدي في غير مكان من كتابه، ففي صدد امتياز الانسان بالقوة الموجبة لتحصيل العلوم وباستعمال العلم في ما خلق له، يقول مخاطبا هذا الانسان: «ان امتيازك عن سائر جنسك من الحيوانات ليس الا بهذه القوة العاقلة التي خصك الله بها من بينها، المميزة بين الخطاوالصواب، الموجبة لتحصيل العلوم النافعة لك في هذه الدار وفي دار الم آب، فقعودك عن استعمالها في ما خلقت له،وانهماكك في مهلكك من الما كل والمشرب، وغيرهما من الاعمال التي يشاركك فيها سائر الحيوانات حتى الديدان والخنافس آفانها تاكل وتشرب وتجمع القوت وتتناكح وتتوالد مع انك قادر على ان تصير من جملة الملائكة، المقربين باستعمال قوتك في العلم والعمل، بل اعظم من الملائكة عين الخسران المبين»((293)). ويمكن تركيز فلسفة هذه الروية كما ياتي: ان الله، سبحانه وتعالى، خلق الانسان من علق، كما خلق سائر الحيوانات التي تشاركه في الاكل والشرب وجمع القوت والتناكح والولادة، وميزه منها، بعد نعمة الايجاد، بقوة عاقلة موجبة لتحصيل العلم خصه بها، فان استعملها في تحصيل العلم والعمل به، وهي النعمة الاخرى التي تلي نعمة الايجاد، ارتقى الى الكمال، فغدا من اولي العلم الذين يقرنهم الله، سبحانه وتعالى، بذاته وبالملائكة... والسعي في سبيل هذا الكمال سفر بين حالتي الانسان: «ما لم يعلم» و «علم ما علمه اياه الله سبحانه»، وهذا السفر طويل وشاق... وبغية ان يغدو سهلا ومفضيا الى الهدف كانت هذه الرسالة «منية المريد...»، اي منية المسافر في درب الكمال... منهج الكتاب حكمت طبيعة الرؤية منهج بيانها، فاتبع الشيخ منهجا استنباطيا، فالشرائط والوظائف التي يتحدث عنها، وكما يقول: «مستنبطة من كلام الله تعالى وكلام رسوله(ص) والائمة (ع) وكلام اساطين الحكمة والدين والعلماء الراسخين»((294)) وهي مفيدة ليس لاي شخص، وانما لذلك القادر على التميز باستخدام القوة التي خصه الله بها ليصير من حائزي مرتبة الكمال، اي لمن يتدبرها بعد ان ينقشها على صحائف خاطرة. وشروط الافادة (القراءة والفهم والتدبر والعمل) تنتظم في سياق الاسهام في تكوين شخصية الانسان الذي يسعى الى امتلاك نعمة العلم التي ترتقي بصاحبها الى مرتبة الكمال. الانسان - المريد بلوغ الكمال هو محور الروية
يفيد ما سبق ان الرقي بالانسان المريد بلوغ الكمال هو محور
هذه الروية، اذ ان شرائط تحصيل العلم وبذله ووظائفه
تهدف الى تحقيق هذا الرقي. وهذا ما يخلص اليه قارىء كتاب
«منية المريد» ومتدبره. فالساعي في سفر الكمال ينبغي عليه: وفي ما ياتي نقدم، على سبيل المثال، ما يفيد ما ذهبنا اليه: * «اول ما يجب عليهما [المعلم والمتعلم] اخلاص النية لله تعالى في طلبه وبذله، فان مدار الاعمال على النيات»((295)). ويستنبط هذا من آيات قرآنية واحاديث شريفة كثيرة، نذكر منها: - (وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء...) [البينة 98/5]. (فاعبد الله مخلصا له الدين الا لله الدين الخالص)[الزمر39/2 و3]. - قال رسول الله(ص): «من طلب العلم لاربع دخل النار: ليباهي به العلماء، او يماري به السفهاء، او ليصرف به وجوه الناس اليه، او ياخذ به من الامراء» (سنن الدارمي، 1/103). «ما ازداد عبد علما فازداد في الدنيا رغبة الا ازداد من الله بعدا» (شرح المهذب، 1/40 - سنن الدارمي، 1/107). * «وهذه العلوم بمنزلة الالات القريبة او البعيدة للعمل. وما اجهل واخسر واحمق من يتعلم صنعة لينتفع بها في امر معاشه، ثم يصرف عمره ويجعل كده في تحصيل آلاتها من غير ان يشتغل بها اشتغالا يحصل به الغرض منها»((296)). - قال رسول الله(ص): «كل علم وبال على صاحبه يوم القيامة الا من عمل به» (الترغيب والترهيب، 1/127). «اني لا اتخوف على امتي مومنا ولا مشركا، فاما المومن فيحجزه ايمانه، واما المشرك فيقمعه كفره، ولكن اتخوف عليكم منافقا عليم اللسان يقول ماتعرفون ويعمل ما تنكرون» (الترغيب والترهيب، 1/127، كنز العمال، 10/199). - عن ابي عبدالله(ع): «ان العالم اذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا» (الكافي، 1/44، كتاب فضل العلم، باب استعمال الحديث، حديث 3) «من كان فعله لقوله موافقا فانت له بالشهادة، ومن لم يكن فعله لقوله موافقا، فانما ذلك مستودع» (الكافي، 1/45). وهكذا يبدو الفارق بين ذلك العالم المريد بلوغ الكمال، وذلك العالم عليم اللسان المستودع. - ويصف الله، سبحانه وتعالى، العالم التارك لعلمه «عليم اللسان/المستودع» في الايتين الكريمتين: (فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث)[الاعراف، 7/176] (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل اسفارا) [الجمعة، 62/5]. تمثل الروية في كتاب محكم البناء تنشئه منهجية علمية صارمة ان يكن الشيخ قد استخدم المنهج الاستنباطي في بيان رويته، فذلك يعود الى طبيعة الروية نفسها والى موقعه العلمي، فالروية هي روية العقيدة الاسلامية الى هذا الموضوع، وصاحبها عالم اسلامي مجتهد، وطبيعي ان يعود الى مصادر هذه الروية الاساس ليستنبط منها احكام الموضوع الذي يبحث فيه وشروطه ووظائفه، غير انه لم يكتف، عندما يقتضي الامربالاستنباط، وانما كان يتعدى ذلك الى الاقناع العقلي الجدل من نحو اول، والى استقراء الواقعين: التاريخي والحياتي من نحوثان، واقام من ذلك كله كتابا محكم البناء يتجلى فيه نظر عميق الى الامور يتبين جوهر كل منها وفكر منظم ومنطق صارم. فالكتاب يتالف من افتتاحية ومقدمة ومن ابواب اربعة وخاتمة وتتمة، وكل باب يقسم الى اقسام وكل قسم الى انواع، وفي النوع امور، وتتفرع من بعض الامور فصول.. ولكل مكون من مكونات الكتاب وظيفته في البناء، فالافتتاحية، على سبيل المثال، تتحدث عن تسويغ بحث الموضوع: كمال الانسان بالعلم، ليس كل علم يحقق الكمال، لا بد من شرائط ووظائف، من الضروري معرفة هذه الشرائط والوظائف، ليتم الكمال، وهذا ما يسوغ بحث الموضوع ويبين مشروعيته واهميته، والتتمة تبدو كانها ما يعرف،اليوم، ب «الملحق»، اذ انها تقدم نصائح مهمة لطلاب العلوم... والبحث، في ذلك كله، يودى بلغة علمية بسيطة سهلة متينة في آن، دقيقة الاداء تبلغ المراد بسهولة، ليس من ايجاز مخل اواطناب ممل او استطراد مشتت. والواضح ان الشيخ يملك عنان البحث، فينشى مسارا تنتظم فيه العناصر باحكام لتودي الدلالة، فيتطرق الى المسالة،ويتناول منها ما يتعلق بموضوع الكتاب فحسب، ويصرح بذلك، وهذا يمثل منهجية واضحة صارمة تحدد هدفها وتمضي اليه،ومن الامثلة الدالة على ذلك نذكر: يقول الشيخ عن آداب المعلم في درسه: «وهي امور: الاول: ان لا يخرج الى الدرس الا كامل الاهبة، وما يوجب له الوقار والهيبة في اللباس، والهيئة والنظافة في الثوب والبدن، ويختار له البياض، فانه افضل لباسا... وقد اشتمل كتاب الزي والتجمل والمروءة من كتاب الكافي على الاخبار الصحيحة في هذا الباب بما لا مزيد عليه، ويخرج التعرض له عن موضوع الرسالة» ((297)). واذا لاحظ ان هناك تكرارا، كما في امر حسن النية، يقول: «لكن اعيد هنا لينك به على كونه من اسباب التحصيل، وهناك من اسباب الفائدة الاخروية»((298)). ويترك الاستقصاء ان راى ان ذلك يخرجه عن موضوع الرسالة((299)) ويعمد الى الاختيار من موضوع عام لا دخل له بالباب الذي يبحثه ما يناسب المقام وله مدخل واضح في اصل الرسالة((300)). وهذا جميعه يدل على ان الشيخ كان يمتلك قدرات الباحث الناجح ومهاراته فتمثلت رويته في كتاب محكم البناء تنشئه منهجية علمية صارمة. الرؤية شاملة، نظرية وتطبيقية تشمل رؤية الشيخ مختلف مجالات عملية تحصيل العلم ومكوناتها، فيبحث في مختلف صنوف التعلم والتعليم: آداب المعلم والمتعلم، آداب الفتوى: المفتي والمستفتي، المناظرة وشروطها وآدابها وآفاقها...، ثم يبحث في آداب الكتابة والكتب التي هي آلة العلم، وفي مواد التعليم وبرمجتها من خلال الكلام على اقسام العلوم الشرعية وما تتوقف عليه من العلوم العقلية والادبية ومراتب احكام العلم الشرعي وما الحق به وترتيب العلوم بالنظر الى المتعلم... كما ان قارى الكتاب يمكن ان يتبين طرائق تعليم راى الشيخ ضرورة اتباعها. وان تكن هذه الروية تصدر عن منظور فلسفير عقدي الى الكون، او عن روية نظرية شاملة متماسكة، فانها تعنى في الوقت نفسه بمختلف عناصر عملية تحصيل العلم الاساسية والجزئية والتفصيلية، ما يجعلها روية تشمل مختلف عناصر عملية تحصيل العلم من نحو اول، وروية نظرية تطبيقية، في آن، من نحو ثان. وان كنا قد تحدثنا عن المبدا العام النظري، فاننا سنشير الى بعض التفاصيل التطبيقية، على سبيل المثال: قال الشيخ: من آداب المعلم في درسه: «... ان يتحرى تفهيم الدرس بايسر الطرق، واعذب ما يمكنه من الالفاظ... ان لا يطول مجلسه تطويلا يملهم... ولا يقصره تقصيرا يخل ببعض تقريره او ضبطه او فهمه... ان لا يشتغل بالدرس وبه ما يزعجه ويشوش فكره... ان لا يكون في مجلسه ما يوذي الحاضرين من دخان او غبار او صوت مزعج او شمس موجبة للحر الشديد.. ان يصون مجلسه عن اللغط، فان الغلط تحت اللغط... ان يلازم الارفاق بهم (طلابه) في خطابهم... وهو من اهم الاداب اذا سئل عن شيء لا يعرفه او عرض في الدرس ما لا يعرفه فليقل: لا اعرفه، او لا اتحققه او لا ادري او حتى اراجع النظر في ذلك... ان ينصب لهم نقيبا فطنا كيسا يرتب الحاضرين...»((301)). وهذه امور تعليمية تفصيلية تتعلق بطرق التعليم، وتوفير شروط نجاحه على مستوى المعلم الناجح والمجلس الافضل وضبط العملية التعليمية والتعامل مع الطلاب... الخ. وفي الباب الرابع من الكتاب، وعنوانه: «في آداب الكتابة والكتب التي هي آلة العلم» وما يتعلق بتصحيحها وضبطها ووضعهاوحملها وشرائها وعاريتها، وغير ذلك. يجد القارىء، في هذا الباب احكاما عامة ومبادىء نظرية، ومن ثم قواعد وشرائط تفصيلية تفيد ان الشيخ كان عالما مجتهدا من نحو اول، وخبيرا قديرا في شوون الكتابة، وتعود عنايته الكبرى بهذه الشوون الى المنظور العقدي الذي يرى منه الى مختلف امور الوجود، فالكتابة، من هذا المنظور «من اجل المطالب الدينية... وهي، في زماننا هذا، بالنسبة الى الكتاب والسنة موصوفة بالوجوب مطلقا...»((302)). يقرر الشيخ هذا الوجوب، ويشرحه فقهيا، ثم يتحدث عن موقع الكتابة ودورها واهميتها، فيذكر بمبدا الاخلاص، ويقول: «يجب على الكاتب اخلاص النية لله تعالى في كتابته،كما يجب اخلاصها في طلبه العلم، لانها عبادة وضرب من تحصيل العلم وحفظه...»، ويضيف «ان ثواب الكتابة ربما زاد على ثواب العلم في بعض الموارد بسبب كثرة الانتفاع به ودوامه، ومن هنا جاء تفضيل مداد العلماء على دماء الشهداء..((303)).
وانطلاقا من هذه الروية تحدث عن مختلف امور الكتابة
والكتب((304)): وجوب تحصيلها، حفظها، شروط اعارتها
والنسخ منها والقراءة فيها وترتيبها في اماكن حفظها، وخصص
للخط غير فقرة، ومن نماذج عنايته بالامور التفصيلية
التطبيقية نذكر: قد نقول: ((307)) ان كثيرا من هذه الاحكام لم تعد ذات اهمية بحلول الطباعة محل النسخ، وهذا صحيح، لكن هذه الاحكام تمثل،من نحو اول، وثيقة تاريخية ذات اهمية كبرى في تطور الحضارة: الكتابة وانتاج الكتب وحفظها والتعليم... ومن نحو ثان مبادىء يمكن ان تستقى منها احكام خاصة بالطباعة وبما يستجد من وسائل، ومن نحو ثالث مبادىء ينبغي ان نتعلمها نحن وابناءنا لنجيد التعامل مع الكتب، والكتابة، وبخاصة ان علم الخط لم يعد ذا اهمية في مدارسنا الحديثة. المادة التعليمية وبرمجتها/منهجية التعليم قسم الشيخ زين الدين المادة التعليمية - العلوم((308)) الى قسمين: اولهما العلوم الشرعية الاصلية، وثانيهما العلوم الفرعية، او ما يتوقف على العلوم الاصلية من العلوم العقلية والادبية. والعلوم الشرعية الاصلية اربعة: علم الكلام وعلم الكتاب العزيز وعلم الاحاديث النبوية وعلم الاحكام الشرعية المعبر عنها بالفقه، فاما علم الكلام، ويعبر عنه باصول الدين، فهو اساس العلوم الشرعية وقاعدتها، فبه يعرف الله تعالى ورسوله وخليفته، اما علم الكتاب، فقد استقر فيه الاصطلاح على ثلاثة فنون قد افردت بالتصنيف واطلق عليها اسم العلم: احدها علم التجويد وثانيها علم القراءة وثالثها علم التفسير. اما علم الحديث فهو ما اضيف الى النبي(ص) او الى الائمة المعصومين(ع) قولا او فعلا او تقريرا او صفة حتى الحركات والسكنات واليقظة والنوم، وهو ضربان: رواية ودراية، فالاول العلم بما ذكر، والثاني: وهو المراد بعلم الحديث عند الاطلاق،وهو علم يعرف به معاني ما ذكر ومتنه وطرقه وصحيحه وسقيمه، وما يحتاج اليه من شروط الرواية واصناف المرويات ليعرف المقبول منه والمردود ليعمل به او يتجنب. اما الفقه فاصله، في اللغة، الفهم او فهم الاشياء الدقيقة، وفي الاصطلاح: علم بحكم شرعي فرعي مكتسب من دليل تفصيلي، سواء كان من نصه ام استنباطا منه. والعلوم الفرعية هي التي تتوقف معرفة العلوم الشرعية عليها فهي: المنطق، النحو، التصريف، الاشتقاق، اللغة، المعاني، البيان، البديع، لغة العرب، اصول الفقه، علم الرجال، فهذه عشرة علوم ترجع بحسب ما استقر عليه تدوين العلماء الى ثمانية، فان علم الاشتقاق قد ادرج في اصول الفقه غالبا وفي بعض العلوم العربية، وعلوم المعاني والبيان والبديع قد صارت علماواحدا في اكثر الكتب الموضوعة لها، والتصريف داخل على النحو في اكثر الكتب. وبقي علوم اخر بعضها محرم مطلقا كالسحر والشعبذة وبعض الفلسفة وكل ما يترتب عليه اثارة الشكوك، وبعضها محرم على وجه دون آخر كاحكام النجوم والرمل، فانه يحرم تعلمها مع اعتقاد تاثيرها وتحقيق وقوعها ومباح مع اعتقاد كون الامرمستندا الى الله تعالى... وباقي العلوم، من الطبيعي والرياضي والصناعي اكثره موصوف بالاباحة بالنظر الى ذاته..
طالب هذه العلوم اثنان: وثانيهما، القاصر عن درك هذا المقام، الممنوع بالمعوقات عن الوصول الى هذا المرام. ويقدم الشيخ زين الدين برنامجا للطالب الاول ويسوغه، وملخص هذا البرنامج:
1- حفظ كتاب الله تعالى وتجويده على الوجه المعتبر. ويقدم الشيخ برنامجا للطالب الثاني فيرى ان هذا يمكن ان يقتصر من هذه العلوم على ما يمكنه الوصول اليه متدرجا...، فان لم يكن له بد من الاقتصار فلا اقل من الاكتفاء بالعلوم الشرعية والاحكام الدينية، وان ضاق الوقت او ضعفت النفس عن ذلك فالفقه اولى من الجميع. ثم، «فاذا فرغ عما خلق له من العلوم فليشتغل بالعمل الذي هو زبدة العلم وعلة الخلق». ويمكن للقارىء ان يلاحظ، في صدد المادة التعليمية وبرمجتها، ما ياتي:
1- تحكم الروية العقدية الاسلامية الى العلم ووظيفته بالمادة
التعليمية وبرمجتها...، فالعلوم شرعية اصلية وفرعية مساعدة،
ومحرمة ومباحة تقتضيها ضرورات الحياة. فرضية للنقاش ونرى، في ختام هذه القراءة، ان نركز بعض المعطيات التي تتيح لنا طرح فرضية للنقاش في ضوء ما يتوافر لنا من معلومات: 1- سعى الشيخ زين الدين، وهو العالم الامامي، الى ان يحصل العلم على ايدي شيوخ المذاهب الاسلامية الاخرى... 2- عقد صلات علمية وشخصية وطيدة مع عدد من علماء هذه المذاهب، وليس بعيدا عن الصواب القول: انه تباحث معهم في امور خلافية. 3- افاد من تعلمه ذاك وصلاته تلك على غير مستوى، كما ذكرنا آنفا. 4- سافر الى اسطمبول، مقر السلطنة، وتمكن نتيجة علاقاته وامكاناته العلمية من الحصول على اجازة بالتعليم في المدرسة النورية في بعلبك، ولتلميذه الشيخ حسين بن عبد الصمد على التعليم في مدرسة اخرى، ومن دون ان يحصل اي منهما على موافقة قاضي صيدا، وهي شرط كان لازما للتدريس آنذاك. وقد مارس التعليم على المذاهب الخمسة ونجح في ذلك. 5- لم يلبث ان عاش مدة من الزمن متخفيا، وفي خوف على دمه (سنة 955ه كانت خاتمة اوقات الامان). 6- ارسل قاضي صيدا في طلبه، وهو مختف في كرم له في جُبَع، فانكر اهل القرية وجوده، وللتخلص من الطلب رحل الى الحج، فتابع القاضي سعيه، فقدم شكوى الى السلطان تفيد ان الشيخ يشيع البدع، فارسل هذا في طلبه ليحقق في الامر، فتابع القاضي الامر، ما ادى الى ان يقتل الشيخ، وهو في طريقه الى اسطمبول، حيث كان سيتم التحقيق معه. 7- تمكن اصدقاء الشيخ، في ما بعد، من قتل قاتله.
هل تتيح لنا هذه المعطيات طرح الفرضية الاتية للنقاش:
ضرورة الحوار في الموضوعات الخلافية وشروطه مختار الاسدي جاء هذا الكتاب((311)) بقلم الدكتور محمد عبدة يماني، وزير الاعلام السعودي السابق، وتاتي هذه القراءة النقدية مرورا سريعا على بعض موضوعاته بغية اثراء عنوانه الرئيسي وملء بعض الفراغات التي لا بد من املائها، وفي دائرة احترام الراي والراي الاخر. ونقول: قراءة سريعة، لانها لم تتوقف كثيرا عند بعض العناوين، تحاشيا من الانجرار الى ما اراد الدكتور الكاتب عدم الانجراراليه، حرصا منه على وحدة الصف الاسلامي وتقريب وجهات نظر المسلمين ضمن قاسم مشترك كريم اختاره ان يكون هذه المرة «محبة آل بيت النبي(ص)». فوقف مشكورا على ارضية مشتركة يمكن ان يقف عليها عموم المسلمين، انطلاقا نحو هدف كبير في توحيد كلمتهم وترسيم معالم وحدتهم، ونحو غد يمكن ان يكون اكثر محبة واكثر مودة، متمنين، ايضا، ان يكون اكثرنضجا واكثر وعيا ومسوولية، لبناء مجتمع مسلم متين قائم على اسس الحق والقسط ومبادىء العلم والقيم. الاختلاف المندوب جميل جدا ان يكون الاختلاف بين الافراد والجماعات سببا من اسباب التكامل، واجمل منه ان نفهم الاختلاف ضرورة من ضرورات هذا التكامل، وبخاصة اذا اقتحم الفرق والطوائف الاسلامية، ولم يكن منه بد او محيص، واجمل من كليهما ان يفهم هذاالاختلاف بوصفه سنة كونية، او الهية، لتمحيص الناس واحقاق الحق وتاكيد الارتقاء نحو عالم المثل الطاهر الذي اراده اللهسبحانه وتعالى لبني البشر. (يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا...) [الحجرات/13]، ولكن على اساس هذه السنة الالهية الكريمة القائلة: (ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك ولذلك خلقهم) [هود/118و119]. والاخرى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة، ولكن ليبلوكم في ما آتاكم، فاستبقوا الخيرات الى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون)[المائدة/48]. وحين نقول: ان الاختلاف ضرورة، وضرورة جميلة، او سبب جميل للتكامل، فانما ننطلق من ضرورة وجود قاسم مشترك، اومعيار معين، توزن به الاعمال والافعال وتحاكم على اساسه النوايا والاهداف. او قل: لا بد من قول فصل في نهاية المطاف يلتقي فيه او حوله «المعتدلون والمتطرفون»، او «الحمائم والصقور»، او اليمين واليسار، كما يقولون في المصطلحات الحديثة، اي كما صار ينظر في الحكومات والمجتمعات المعاصرة... ولعل اجمل ما تفضل به الله، سبحانه وتعالى، على المسلمين في هذا العصر والعصور جميعها وحببه اليهم وزينه في قلوبهم هو الايمان به سبحانه واجتماعهم على اصول دين لم يختلفوا فيها، والحمد لله، كالتوحيد والنبوة والمعاد، وجعل لهم كتابا يرجعون اليه يستنطقونه، ويلتقون على ثابته واوامره ونواهيه، وجعل لهم في الوقت نفسه قاسما مشتركا اختلفوا ويختلفون حوله لتحقيق هذه الهدفية الكريمة في الرقي والتكامل، وجعله معيارا جميلا لتمحيصهم والارتفاع بهم الى مستوى المثل الالهية التي هي غاية الانسان في سعيه الحثيث لتحقيق هذا الارتقاء والتكامل... (يا ايها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه) [الانشقاق/6]. هذا الهدف الكريم وهذا السعي الحثيث وهذه الضرورة الجميلة، جميعها، اراد الدكتور محمد عبدة يماني تحقيقها في كتابه القيم هذا... ولم يجد قاسما مشتركا افضل من اهل البيت(ع) لتاكيد هذه الاهداف الكريمة... بين الطائفتين المسلمتين المعروفتين عبر التاريخ الاسلامي الطويل.. نعم، وجد الدكتور يماني هذا القاسم المشترك الجميل، وهو الدعوة لحب آل البيت(ع) لتاكيد حرصه الكريم على توحيد هاتين الطائفتين عبر الاعتراف بحقهم او ب«برهم واكرامهم وتوقيرهم»، ولكن مع «عدم الغلو فيهم او رفعهم فوق منزلتهم، واضافة ماليس لهم اليهم»، كما جاء في مقدمة الكتاب المذكور (ص 19). وبكلمات العصر يمكن القول: ان آل البيت(ع) ومنهجهم، يمكن ان يكونا معيارا مهما لتحقيق هذا الغرض، وهو كونهم (سلام اللهعليهم) كابحا لمن يريد ان يمزق وحدة المسلمين عبر «الغلو فيهم او رفعهم فوق منزلتهم» ورادعا لمن يريد التفريط في تجاهل خطهم او هلهلة منهجهم، وبالتالي تضييع المقياس العظيم الذي من خلاله يرتقي الانسان الى عالم القيم والمثل العظيمة التي رسموها، او حاولوا رسمها، ودعوا الناس الى الارتقاء اليها جهد امكانهم... من هم اهل البيت؟ ان هذا القاسم المشترك الذي اراد الدكتور يماني تجليته، متفضلا مشكورا، رغم حرصه على ان يكون علميا ودقيقا، ولكن بدا آمع الاسف غير دقيق، اذ انه اكد قائلا: روى الامام احمد والترمذي عن ام سلمة انه لما نزل قوله تعالى: (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) ادار النبي(ص) كساءه على علي وفاطمة والحسن والحسين(ع) فقال: «اللهم هولاء اهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» (ص 16). ولكن في الفقرة التالية مباشرة، راح يروي رواية اخرى وبالدقة نفسها والاسناد نفسه ومن الكتب التاريخية والحديثية المعتبرة نفسها، وبنص واضح للنبي(ص)، حين سئل، او ساله الناس عن اهل بيته في غدير خم، فقال: «هم آل علي وآل عقيل، وآل جعفر وآل عباس» (ص 17) من دون التمييز بين النصين والروايتين والواقعتين. وياتي التشويش اكثر حين يروح الدكتور يوكد، في عموم كتابه، ومن رووس فصول الكتاب وفهرسته ان اهل البيت هم: «راس البيت الكريم، سيد الاولين والاخرين محمد رسول الله(ص)، وام المومنين خديجة (رضي الله عنها) والسيدة فاطمة الزهراء(رضي الله عنها) والامام علي (رضي الله عنه) والامام الحسن بن علي(رضي الله عنه) والامام الحسين بن علي(رضي الله عنه) وعلي بن الحسين، وزينب بنت رسول الله ورقية المهاجرة الصابرة وام كلثوم وابراهيم ابن رسول الله(ص)..». ثم يعدد امهات المومنين (رضي الله عنهن) زوجات النبي السيدات الكريمات: خديجة وسودة وعائشة وحفصة وزينب بنت خزيمة وهند بنت ابي امية (ام سلمة) وزينب بنت جحش، وجويرية وصفية ورملة بنت ابي سفيان وميمونة الهلالية وماريا القبطية.. ثم يضيف الدكتور الكاتب الى اهل بيت النبي، ايضا، اعمامه حمزة والعباس، وعماته وسراريه ومواليه. وقد افرك دك الدكتور الكاتب فصلاخاصا لكل اسم من هذه الاسماء الكريمة في معرض احصائه، او قراءته لاهل البيت هولاء، حسب تشخيصه طبعا... وهكذاحتى يكاد حديث الكساء الاول ينسى تحت سلسلة «اهل البيت» الاخرى الطويلة المطروحة.. لا سيما وان الاية القرآنية الكريمة النازلة في التطهير لم توضح، او تشرح هي الاخرى، الا في ظاهرها المالوف المعروف: (يا ايها النبي، قل لازواجك... * يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة... * يا نساء النبي لستن كاحد من النساء ان اتقيتن فلاتخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا * وقرن في بيوتكن ولا تبرّجن تبرّج الجاهلية الاولى واقمن الصلاة وآتين الزكاة واطعن الله ورسوله، انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا... * واذكرن ما يتلى في بيوتكن...) [الاحزاب/29-34] الى آخر هذه الايات الكريمات... من هذا التشخيص، وبالاحرى اللاتشخيص، الذي لم يحدد فعلا من هم اهل البيت المعنيون بآية التطهير وحديث الكساء، وحرصا على عدم استبعاد احد من اهل هذا البيت الطاهر، وبنية استقطابهم جميعا، او استقطاب المسلمين جميعا، بجميع فرقهم ومذاهبهم وطوائفهم على حبهم، حاول الدكتور المولف تحقيق هدفين رئيسيين كريمين لا نشك في ذلك، وهما: الاول: منع المغالين والمتنطعين بالانتساب لهذا البيت الكريم من ممارسة وصايتهم على الاخرين، وتحذيرهم من الاعتماد على النسب فقط من دون الفعل والعلم انطلاقا من قوله(ص): «من ابطا به عمله، لم يسرع به نسبه» (ص 38) او قوله الشريف الاخر،حين سئل عن تفسير: (وانذر عشيرتك الاقربين)، قال: «يا معشر قريش، انقذوا انفسكم من النار.. يا معشر بني عبد المطلب، انقذوا انفسكم من النار..، يا فاطمة بنت محمد انقذي نفسك من النار، فانني والله لا املك لكم من الله شيئا، الا ان لكم رحما سابلها ببلالها». اي ساصلها بما امر الله من صلتها (ص 48). الثاني: تقريب المسافة بين محبي اهل البيت او المنتمين اليهم نسبا فعين اولئك الجاحدين حقهم، الجافين لهم، المنكرين لفضلهم. اذ ناشد الصنف الثاني بان يصفحوا عمن اساء لهم من آل البيت ويتجاوزوا عن خطئه اكراما لرسول الله(ص) (ص 42)، او على الاقل التشبه بهم، كما قال: فتشبهوا ان لم تكونوا مثلهم، ان التشبه بالكرام فلاح، فيما ناشد الصنف الاول، اي آل البيت، ب«ان يكونوا مصابيح هداية للمسلمين علما وعملا، وان يكونوا اكثر الامة غيرة على دين الله من ان يضيع، وعلى حرماته من ان تنتهك، وعلى سنة نبيه من ان تترك... وان يكون لهم بجدهم(ص) اسوة في اعراضه عن الدنيا واقباله على الاخرة، وان يكونوا آمرين بالمعروف سابقين له، ناهين عن المنكر متجافين عنه... وان.. وان» (ص 47). التسوية البريئة في خضم هذا الحرص النبيل على وحدة الصف وتلاقي الكلمة لم يتردد الدكتور يماني في ان يوصي المسلمين عموما ب«ان يرضوا بما وقع على انه قدر لا يرد، وقضاء لا يغير، وحكم لا معقب عليه الا الله، وكفى بالله حسيبا» (ص 52). وفي محاولة بريئة وصادقة لاختزال الفتن واسدال الستار على الماضي الذي سبب لنا هذه المحن جميعها، يروح يلتقط المواقف الشريفة لهذا الصحابي او ذاك في حبه لاهل البيت وتفضيله على غيرهم، لا سيما وان (تلك امة قد خك لك ت لها ماكسبت ولكم ما كسبتم ولا تسالون عما كانوا يعملون)[البقرة/134]، وكيف «ان عمر كان محبا لعلي وولديه الحسن والحسين (رضي الله عنهم)... وكيف فرض لكل منهما خمسة آلاف ولولده عبدالله الفا، فلما راجعه في ذلك قال: «ويحك يا عبدالله، هل لك جد كجدهما، او جدة كجدتهما، او ام كامهما او اب كابيهما!!» (ص 53) وهكذا... واقول: محاولة بريئة وصادقة لانه كان يعبر على بعض المواقف عبورا سريعا لا يريد ان يلتفت اليه احد، او لا يريد ان يلتفت اليها من قبل احد، فيقول عن الزهراء مثلا: «انها (رضي الله عنها) كانت ذات ارادة قوية لا تلين، فقد بدا ذلك من زواجها وفي محاجتها لابي بكر وعمر..» (ص 84)، من دون الاشارة الى هذه المحاجة او سببها او نتائجها وآثارها، وهل ماتت (رضي الله عنها) راضية عنهما ام غاضبة عليهما...، لا سيما ورسول الله(ص) هو القائل: «فاطمة بضعة مني، فمن اغضبها فقد اغضبني..» (رضي الله عنها) وهل يترتب على هذا الغضب، او الرضا، موقف جديربالدراسة والتامل، حتى مع التماس العذر للرجلين الصحابيين الراشدين الجليلين، ام لا. وكذلك في عبوره على قول الامام علي (رضي الله عنه): «انه لعهد النبي الامي الي انه لا يحبني الا مومن ولا يبغضني الا منافق»(ص 104، رواه مسلم) وتركه موضوع الحرب التي وقعت بين علي ومعاوية مثلا، وهل هي حب او بغض او نفاق او ايمان، رغم انه علق على ذلك في الهامش قائلا: «اما الحروب الواقعة بين الصحابة، فان وقع من بعضهم لبعض بغض فان ذلك من غير هذه الجهة، بل للامر الطارىء الذي اقتضى المخالفة، ولذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق، وانما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الاحكام..». فتراه يقول: معاوية (رضي الله عنه) وعلي (رضي الله عنه)...، اي ان حربهما كانت مجرد اجتهاد في احكام، وان الدماء التي سالت بسبب الحرب هي للطارىء الذي اقتضى المخالفة، وكان الله يحب المحسنين... ومن دون الاشارة، ايضا، الى السنة التي سنّها معاوية في سب علي (رضي الله عنه) وهل يعدها من الطوارىء او من المقتضى، مع انها دامت اكثر من ثمانين سنة كما هومعلوم. ومما يجدر ذكره، هنا، ان احد اصحاب علي(ع) مر يوما على قبر حجر بن عدي (رضي الله عنه) فوجد شيخا اعرابيا يبكي عنده، فقال له: ما يبكيك يا هذا؟ فقال: ابكي على حجر بن عدي الجليل (رضي الله عنه). فقال: ولماذا تبكي عليه؟ فاجاب: لانه مات مقتولا (رضي الله عنه). فقال صاحبه: ومن قتله؟ فاجاب: قتله سيدنا معاوية (رضي الله عنه). فقال: ولماذا قتله معاوية (رضي الله عنه)؟ فاجاب: لانه امتنع عن شتم سيدنا علي(رضي الله عنه). وهنا تظاهر صاحب الامام علي(ع) بالبكاء، فساله الاعرابي: وانت ماذا يبكيك؟ فقال: وانا ابكي عليك رضوان الله عليك! وهكذا في عائشة، ام المومنين (رضي الله عنها) في حربها مع علي امير المومنين (رضي الله عنه).. مع انه يقول، في المنقبة الخامسة التي احصاها لعلي انه (رضي الله عنه) يقاتل على تاويل القرآن كما قاتل رسول الله على تنزيله (ص 109)، وهل القتال على التاويل يعدل القتال على التنزيل؟ وهل كان ذلك القتال فعلا بمقتضى الطوارىء ومقتضيات الحال او انه قتال سالت فيه دماء وحرفت مناهج وغيرت سنن وتبدلت احوال!؟ وحين يصل الى الامام الحسن (رضي الله عنه) وخلافه مع معاوية (رضي الله عنه) لم يزد الدكتور (حفظه الله) عن ذكر مشكور طبعا للمنقبة التي سجلها هذا الرجل العظيم في تحقيقه لنبوءة النبي(ص) وقوله فيه: «ان ابني هذا (يقصد الامام الحسن) سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين من المسلمين» (ص 125) وانه رضوان الله عليه: «لم يهرق في خلافته محجمة من دم» (ص 125). وعلى الرغم من تاكيد الكاتب على ان الحسن شرط شرطا في صلحه مع معاوية خلاصته كما قال: «انه لا يحق لمعاوية ان يعهدلاحد بعده، بل يكون الامر شورى» (ص 129)، ولكنه مع الاسف الشديد لم يعلق، ولم يسال: هل وفى معاوية بهذا الشرط، وهل جعلها شورى بين المسلمين، او انه اكتفى بذكر المنقبة الاولى للامام الحسن واعادها: «ان ابني هذا سيد..» واكتفى بالتعليق على موقف المتخاصمين بقوله: «بتنازله (اي تنازل الامام الحسن) انتهت مدة الخلافة الراشدة التي ذكر النبي(ص) انها ثلاثون سنة» (ص 130). وكأن الذي انهى الخلافة الراشدة هو «المتنازل»، وليس الذي مزق الشرط ووضعه تحت قدميه، كما يقول التاريخ. اي انه قفزعلى هذه الحقيقة التاريخية التي كانت سبب الكوارث على الاسلام والمسلمين قفزة تستحق الرثاء ان لم نقل غير ذلك فعلا. بهذه التسويات البريئة يستمر الدكتور الكاتب ملتمسا عذرا لهذا، وغاضا الطرف عن ذاك، على الرغم من انه لم يعدم الوسيلة في عرض جانب واحد من احدى الحقائق لا سيما حين يذكر في المتن والهامش، مثلا، كيف ان «السبطين الكريمين كانا اسبق الشباب الهاشمي في الدفاع عن الخليفة عثمان (رضي الله عنه)، حين حاصره الثوار، بامر من ابيهما علي (رضي الله عنه) حتى تخضبا بالدماء...». ويضيف: «ولثبات البطلين السبطين في الدفاع لم يستطع الثوار الدخول الا بتسور الدار من الخلف بينماالحسنان يدافعان لدى الباب..». ثم يذكر في الهامش معلقا على هذا الموقف: «تامل هذا الاخلاص وهذه التضحية دفاعا عن الخليفة العظيم عثمان...، وقارن ذلك بما يقوله الشانئون عن عثمان وصاحبيه ابي بكر وعمر رضي الله عنهم اجمعين» (ص 138)، وذلك من دون ان يذكر اسماء الثوار، وسبب خروجهم وثورتهم، وكيف قال علي فيهم وفي قتيلهم مثلا: «استاثر فاساءالاثرة، وجزعتم فاساتم الجزع»، بل اكتفى بذكر الخليفة العظيم والموقف العظيم والسبطين العظيمين البطلين وابيهما البطل العظيم! ومع ابي هريرة، تتكرر الحكاية، اذ يذكر الكاتب موقفا له حين راح يوما «ينفض التراب عن قدمي الحسين اللتين اغبرتا في تشييع جنازة، فقال له الحسين: اتفعل هذا؟ فقال ابو هريرة: دعني، فوالله لو علم الناس منك ما اعلم لحملوك على رقابهم» (ص 140).. ويخرج من هذا الموقف ليكتب في هامشه معلقا: «انظر هذا الوفاء وهذا الحب والتعظيم من ابي هريرة (رضي الله عنه) لال البيت، وقارن ذلك بموقف الرافضة منه، وما يصفونه به من اوصاف ظالمة..» (ص 140). عن استشهاد سيدنا الحسين(ع) ولعل اكثر ما يثير الشجون، ويثير الالتفات، في كتاب الدكتور يماني القيم هذا، هو قراءته الاحادية الجانب هذه، وبخاصة في فصل مهم يعد من اهم فصول الكتاب وضعه تحت عنوان: «استشهاد الحسين (رضي الله عنه)». اللافت الاهم، في هذا الفصل، هو خلوه من المصادر التاريخية والهوامش، علما بان الكتاب، ومن اول صفحة الى آخر صفحة فيه، مليء بالهوامش والمصادر التاريخية الموثقة والمدققة والمحققة... ولا نريد، في هذا المقام، محاكمة هذا الفصل، او قراءته قراءة ثانية، لان ذلك لا يناسب هذه القراءة السريعة التي اخترناها لهذاالكتاب، فضلا عما يمكن ان يثيره من شجون حاول الكاتب جزاه الله خيرا عدم اثارتها، واكتفى بنقل القصة مجملة تحت عنوان لافت هو: «مجمل قصة استشهاده»، مفتتحا هذا المجمل بالقول: «كان معاوية بن ابي سفيان (رضي الله عنه) قد جعل لابنه يزيد ولاية العهد من بعده..» من دون الاشارة الى هذه المفارقة المرعبة في تاريخ الاسلام..، واكتفى مضيفا: «ولم يعتد نفر من الصحابة (لاحظ نفر) بما وقع من البيعة ليزيدبن معاوية على اعتبار انها تمت خلافا للطبيعة (لاحظ خلافا للطبيعة) التي اتبعها الخلفاء الراشدون (رضي الله عنهم)، ونظر بعضهم اليها على انها غير ملائمة ولا منسجمة مع ذلك النهج، وكلهم مجتهدون ولم يدخلوا تحت راي غيرهم ممن بايع» (ص 147). |