|
2- الحوار الناقص: هو الذي يفصل بين مجالي التعامل البشري النظري والعملي فصلا يزيل التطابق بينهما (وتلك هي علامة الزيف او النفاق). ويكون عادة بين غير المومنين. انه التواصل الحواري الذي يقصد التعمية عن الحقيقة لتحقيق المخادعة بين المتحاورين، ولنسمه حوارا جحوديا. وهو قد يصبح مطلق الجحود اذا لم يكن بداية مشدودة الى الغاية فيصبح بداية بلا غاية.ذلك ان هذا الحوار يدعي العلم المحيط لقوله بتعين المطلق في النسبي او بنفيه. لذلك فلا يحق للمومنين استعماله بهذاالاطلاق حتى مع الاعدأ لتنافي اخلاق الغدر مع الايمان، فالمكر المباح بل وحتى المكر الواجب في الحروب مع الاعدأ لا يكون غادرا ولا مخادعا لكونه يستهدف الحيلولة دونهما. ولولا ذلك لما نسبه الله الى نفسه((327)). لذلك كانت حضارتنا اول حضارة تضع قوانين انسانية للتعايش بين الملل وللعلاقات الدولية حتى في حالة الحرب. وبذلك يتبين ان جوهر الدعوة الدينية السليمة من التحريف بعامة والرسالة الاسلامية بخاصة يتمثل في الحوار المتواصل بين جميع ابنأ آدم جميعهم لتحقيق رسالة الاستخلاف. لذلك كان الاسلام دعوة دائمة للحوار مع اهل الاديان الاخرى من منطلق البحث المشترك عن الحقيقة للعمل بها وارجأ الفصل للمطلق بينهم الى يوم الدين((328)) وتلك هي علة مقابلتنا في بعض محاولاتنا السابقة بين العولمة الجحودية والكونية الشهودية((329)). فالمطلوب ليس حوارا بين الحضارات بل حواربين البشر لتجاوز ما تتنافى به الحضارات سعيا الى تحقيق الاخوة الانسانية. ذلك ان الحوار الحقيقي لا يجري بين الحضارات، ولا ضمنها، بل هو حوار بين البشر بتوسط ما في الحضارات من صبو الى التجاوز الذاتي نحو ما يتعالى عليها. لذلك فقد عدالقرآن الكريم التعدد الحضاري والعقدي مقصودا ومرادا لكونه شرط واجب التدافع من اجل الامتحان لمعرفة من يعمل بالتواصيين. لكن الحوار((330)) التام الذي هو واقع بين المومنين يمكن ان يصبح مثالا اعلى للحوار بين الملل المختلفة عندما تصبح غايتها طلب الحقيقة والعمل بها مثل المومنين: التواصي بالحق والتواصي بالصبر. كما ان الحوار الناقص الذي هوواقع بين الملل المختلفة يمكن ان يصبح مثالا ادنى بين المومنين عندما يحيدون عن طلب الحقيقة مثل غير المومنين كما هي حالنا الان: عدم التواصي بالحق وعدم التواصي بالصبر.
ولما كان ضربا الحوار قابلين للحصول في الملة الواحدة، اذ قد
ينحط حوار التعارف الى مجرد حوار للتعايش عندما يبتعدطرفا
الحوار المومنين عن التواصيين، او بين الملل المختلفة اذ قد
يسمو حوار التعايش الى مستوى حوار التعارف عندما يقترب
طرفا الحوار غير المومنين من التواصيين، بات من الواجب ان
نعد الضربين درجتين من مفهوم اشمل للحوار يكون حوار
التعايش بدايته وحوار التعارف غايته. والحوار بهذا المعنى
الاشمل هو جوهر الدعوة الدينية عينها بدرجاتها المختلفة التي
اكتملت في الرسالة الخاتمة. لذلك كانت الدعوة الاسلامية
الاداة التي تحرر الانسان من الرد الى اسفل سافلين
لتحقيق الاستثنأ منه، اعني العودة الى التقويم الاحسن الذي
تمثله الفطرة الانسانية اساس الاخوة او وحدة البنوة لادم التي
هي مناط اجتبأ الله للانسان، نفيا لنظرية الشعب المختار، اعني
للنظرية العرقية التي تنفي كل امكانية للحوار بما في ذلك
درجته الدنيا. والحصيلة ان للحوار مدلولين: فاما الناقص فهو حوار المخادعة، وهو الحوار الجامع بين متناقضين هما مصادقة الذات لمخادعة الاخر تسليما بالتنافي المطلق بين البشر بمقتضى رد الافق الكلي الى الافق الجمعي في الموقف الجحودي. واما التام فهو حوار المصادقة المتحرر من الجمع بين متناقضين: مصادقة الذات لمصادقة الاخر ايمانا بالاخوة الانسانية في الموقف الشهودي. ولما كان كل من هذين الجنسين: التام والناقص ذا خمسة انواع مضاعفة، لكونهما يجريان حول موضوعات لا متناهية قابلة للتصنيف حسب انتسابها الى مجالات التقويم الخمسة، مع التقويمات الخمسة نفسها، بوصفها انواع تلك الموضوعات وقابلة لان تكون موضوعات من درجة اسمى، بات الحوار بين البشر قابلا للحصر على النحو الاتي: فبمقتضى الافق يكون الحوار جنسين:الحلولي الذي ينفي التعالي والاستخلافي الذي يثبته. وبمقتضى انواع التقويم يكون لكل جنس خمسة انواع اعضاوها لامتناهية العدد تضاف اليها الانواع الخمسة. وبمقتضى القصد المناظر للافق يكون كل منها حقيقيا للمصادقة او مزيفا للمخادعة بحسب كونه سعيا الى كشف الحقيقة والعمل بها او سعيا الى التعمية عليها والعمل بعكسها في مناخين او افقين متقابلين تمام التقابل هما مناخ الشهود الاستخلافي الذي يطلب الحق للمصادقة، تواصيا بالحق والصبر، بمقتضى الايمان، ومناخ الجحودالحلولي الذي يطلب الباطل للمخادعة تواصيا بالباطل والعجلة. واليك هذه الانواع من الحوار: 1- الحوار حول موضوعات من مجال التقويم الجمالي مع التقويم الجمالي نفسه: تحديد الجميل والدميم في مجال من المجالات او بصورة كلية. 2- الحوار حول موضوعات من مجال التقويم الخلقي مع التقويم الخلقي نفسه: تحديد الخير والشر في مجال من المجالات اوبصورة كلية. 3- الحوار حول موضوعات من مجال التقويم المعرفي مع التقويم المعرفي نفسه: تحديد الصادق والكاذب في مجال من المجالات او بصورة كلية. 4- الحوار حول موضوعات من مجال التقويم الجهوي مع التقويم الجهوي نفسه: تحديد الحر والمضطر في مجال من المجالات او بصورة كلية. 5- الحوار حول التقويم الوجودي حول موضوعات من مجال التقويم الوجودي مع التقويم الوجودي نفسه: تحديد الشهودوالجحود في مجال من المجالات او بصورة كلية. ان الحضارة الاسمى ليست اذن هي الحضارة التي تدعي ان هذه القيم قد تعينت فيها من دون سواها، بل هي الحضارة التي تعدتعالي ضروب القيم الخمسة على الجميع مقتضيا حوارا يتجاوز التعصب للاشكال الحضارية وتقليد الابأ، فيطلب الحقيقة المتعالية عليها جميعا لمعرفتها والعمل بها سواسية، لكون بني آدم اخوة تجمعهم الفطرة الواحدة التي قد تشوههاالتحريفات الحضارية لكنها لا يمكن ان تطمسها((331)). ولعل افضل مثال على هذه الدعوة هو موقف القرآن الكريم من السنن السابقة التي يحتج بها اصحابها لرفض الحق. والمعلوم ان طلب الحقيقة من دون ادعأ حيازتها هو المعرفة الاجتهادية التي استعاض الاسلام بها عن الاحاطة النظرية التي يزعمها السلطان الروحي المتعالي على الاشخاص: السلطة الدينية التي تدعي العصمة والوساطة بين الانسان والعلم بالتمييز بين الحق والباطل. وتقتضي المعرفة الاجتهادية تبرئة الخطا بل واعتباره ماجورا اذا توفرت شروطه الفنية والخلقية. والمعلوم كذلك ان العمل حسب الحقيقة الاجتهادية من دون ادعأ العصمة هوالعمل الجهادي الذي استعاض به الاسلام عن الاحاطة العملية التي يزعمها السلطان المادي المتعالي على الاشخاص: السلطة السياسية التي تدعي العصمة والوساطة بين الانسان والعمل بالتمييز بين الحق والباطل. ويقتضي العمل الجهادي تبرئة الخطا فيه بل واعتباره ماجورا اذا توفرت شروطه التقنية والسياسية. وذلك هو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بوسائله المشهورة. المقالة الثانية: المقومات والشروط الفصل الاول: مفهوم الحوار ومقوماته الذاتية بيّنا، في المقالة الاولى، ان النتائج التي وصل اليها البحث من المنطلق العقلي الى الغاية العقدية (الفصل الاول) هي عينها النتائج التي وصل اليها من المنطلق العقدي الى الغاية العقلية (الفصل الثاني). فتكلمنا عن تمييز الافقين والقصدين وحددنا الجسر الذي يمكن من الربط بينهما. وليس هذا الجسر الا تصور اوسع للحوار لا يمكن من دونه ان تكون الرسالة الخاتمة دعوة عامة للحق تتجاوز جميع الحدود الحضارية. فالحوار التام باطلاق والحوار الناقص باطلاق لا يكادان يوجدان في الواقع الفعلي. والحوار الواقع في الوجود الفعلي مفهوم اوسع لكونه دون الاولين اطلاقا. لذلك فهو لا يكون الا نسبيا يغلب عليه التوجه الاستخلافي او التوجه الحلولي حسب القائمين به، وليس حسب الانتساب الرسمي لهذه الحضارة او تلك. فهو يحصل اما ضمن الحضارات الاستخلافية او ضمن الحضارات الحلولية او بينهما. ومطلوبنا في هذه المحاولة هو هذا المفهوم الواسع من الحوار الذي يكون في بدايته اميل الى الحلولية وفي نهايته اميل الى الاستخلافية. ومن هذه البداية والغاية يتالف مفهوم الحوار الموجود بحق وجودا يكون اميل الى الاستخلاف او الى الحلولية حسب الاتصاف بصفات الاستخلاف او الحلولية، وليس حسب مجرد الانتساب الرسمي لهذه الحضارة او تلك، لان مفهوم «كنتم خير امة» غير مفهوم «الشعب المختار»،والمعلوم ان الميل الى هذا الافق او ذاك او قصده اليه هو الذي يحدد طبيعته، وليس تحقق الافقين فيه لامتناع الاطلاق في الحالتين: 1- فالبداية يكون فيها طرفا الحوار منفصلين لكون الحوار بينهما لا يجري في اطار رهان واحد يتعالى على افقهما الحضاري، بل في اطار الصدام بين رهانين متنافيين اما باطلاق، وعندئذ تكون البداية غاية لا يتجاوزها الحوار، او باضافة لكون نفي الافق المتعالي او رده للافق الجمعي ليس الا نفيا نسبيا. 2- والغاية يصبح فيها طرفا الحوار متصلين لكون الحوار يصبح في اطار الرهان الواحد، الرهان الذي يتعالى على الافق الحضاري تجاوزا للصدام بين الافاق الجمعية المتعددة، ومن دون نفي للتعدد الذي هو شرط الاجتهاد او الرهان الجمعي. وبذلك يمكن الوصل بين البداية والغاية، في معنى البداية الاضافي الى الغاية وفي معنى الغاية، الوصل بينهما بمفهوم شامل لان الفرق بين البداية والغاية عندئذ ليس الا فرقا نسبيا من المنظور الاستخلافي. وهو لا يصبح فرقا مطلقا الا عند القائلين بالحلول العام او الخاص اللذين يقفان عند حوار البداية نفيا لحوار الغاية باطلاق الافق الجمعي ونفي الافق المتعالي عليه. ولما كان اساس عقيدة المسلمين الايمان بان بني آدم، حتى في اشد اللقأات العدائية، لا يخلون من الانتساب الى رهان روحي واحد، اعني رهان منزلة الانسان الذي كرمه الله((332)) منزلته التي يدور الخلاف فيها حول طبيعة ادأ الامانة وشروطها، صاروصف الرسالة الاسلامية بالرسالة الخاتمة امرا مفهوما، وبات تعدد الاشكال الدينية واختلافها امرا نسبيا لا يودي ضرورة الى العداوة والبغضأ، بل هو شرط الاجتهاد الساعي الى معرفة الدين الاصلي بداية قبل الرد الى اسفل سافلين وغاية بعده اعني دين الفطرة الساذجة قبل التحريف ودين الفطرة الواعية بذاتها بعد اصلاح التحريف. فهذه الفطرة الاسلامية امر مشترك لجميع الكائنات، وبخاصة للبشر الذين هم كلهم لادم وآدم من تراب. وتلك هي بذرة الكونية الاسلامية او منزلة الاستخلاف التي هي عينها الامانة التي حملها الانسان. ويعني ذلك ان الانتساب الحقيقي الى الاستخلاف اوالى الحلولية يتجاوز الحدود الحضارية. فالامر لا يتعلق بالانتساب «السياسي الحضاري» الى هذه الملة او تلك بل المقصودهو الانتساب الى الشهود او الى الجحود الموجودين عند البعض من جميع الحضارات مع غلبة هذا الافق في بعضها وذاك في بعضها الاخر. ذلك ان الشهود والجحود من الامور التي لا تتعين الا في الشعور والسلوك الفردي. اما الجماعة فليس لها شعورولا سلوك الا بتوسط نخبها الممثلة المفتوحة((333)). فبما هي كتلة هلامية لا توصف الجماعة باي منهما الا مجازا تعميما للوصف الغالب على نخبها الممثلة لمجالات التقويم الخمسة، اعني النخب المبدعة في الفن والاخلاق والمعرفة والتوجيه (اي في التشريع) والوجود (اي في النظريات الوجودية العامة، وهي الفلسفات الدينية المختلفة).
لكن وحدة البشر الاساسية، او الفطرة ذات القوة الاولى، قابلة
للنسيان او للافساد، وهو المقصود بالرد الى اسفل سافلين
اوالخسر بعد التقويم الاحسن. لذلك فانه ينبغي ان ندرس
البداية بما هي مرحلة موقتة تفهم في ضوء الغاية لكونها
توجهاوسعيالتحقيق الاستثنأ من هذا الرد تحقيقا للفطرة ذات
القوة الثانية. فالبداية المفصولة عن الغاية وهي قابلة لهذا
الفصل عينا اذا يمكن التوقف عندها بخلاف الغاية التي لا تقبل
الفصل الا ذهنا لكونها لا تحصل وجودا من دون الغاية كان
الحوار فيهاحوارا لا يتجاوز طموحه شروط التعايش. وتكون
وظيفة الحوار فيها من جنس المفاوضات بين عدوين، اعني
حوارا ذا اسلوب دبلوماسي او استعلامي غايته التواصل الخداعي
وليس البحث عن التفاهم الحقيقي. انه اذن ضرب من الحرب
الموجلة بسلاح الخداع اللساني الى حين حصول الفرصة
للحرب الفعلية. اما اذا اخذت من حيث نسبتها الى الغاية فانها
تكون بداية للسعي الذي اشرنا اليه ومن ثم فهي جزء من الغاية.
والحوار بهذا المفهوم الشامل يتحدد بخمسة مقومات حللنا
منها اربعة تمثلت في مقومي الافق، اعني ولما كان مضمون هذه المقومات يتغير حسب كونها مقومة لحوار البداية المشدودة للغاية ولحوار الغاية المبنية على البداية، بات تحديد مضمونها مستوجبا التمييز بين مقومات البداية المشدودة الى الغاية ومقومات الغاية التي لا يمكن ان تكون مفصولة عن البداية الا في التجريد الوهمي عند الجحودي. وعلينا الان ان نحلل فسحة الحوار او مداه. فهذا المقوم يمثل المحددالاساسي للهامش الحواري بين ممثلي الحضارات ضمن احداها او بينها وبخاصة في حد البداية. ويمكن ان نصوغ هذه الفسحة صياغة شبه رياضية لكونها ليست شيئا آخر غير العلاقة المتغيرة بين نسبتين هما نسبة القوتين الماديتين ونسبة القوتين الروحيتين عند طرفي الحوار: انها اذن تناسب بين اربعة حدود((334)). ولهذه العلاقة حدان لا يوجدان في التاريخ الفعلي الاوجود الفكرة المجردة او الحدث الاسطوري: الاقتصار على النسبة المادية وحدها في حالة الحوار الجحودي والحلولي المطلق والاقتصار على النسبة الروحية وحدها في حالة الحوار الشهودي والاستخلافي المطلق. لكن الموجود الفعلي منهما هو الاتجاه نحو ذاك الافق او هذا، وذلك في الحوار الجاري في الحضارة نفسها او بين الحضارات. ولو فرضنا ان الحدين موجودان بالفعل لاصبحت السلم الدائمة امرا حاصلا ولصار الحوار حقيقيا دائما فيقع الاستغنأ عنه.لذلك فغاية الاجتهاد الاجماعي الذي يستند اليه الجهاد الاجماعي بين المومنين يمكن تحديدها بالميل الى الحد من تاثير عامل القوة المادية والزيادة من تاثير عامل القوة المعنوية في العلاقات البشرية. لكننا لا يمكن ان نلغي النسبة الناتجة عن علاقة القوة المادية بين المتحاورين الموجودة حتى في الملة الاستخلافية، لكون الايمان يتجاوز حدود الملل، وهو ليس واحدا عندالجميع الا بما هو مثال مطلوب وليس بما هو واقع حاصل. كما ان ذلك لو صح لاصبحت الحرب الدائمة امرا حاصلا كذلك، ولصار الحوار مزيفا دائما فيقع الاستغنأ عنه. لذلك فغاية العلم المحيط المزعوم الذي يستند اليه الاقتتال الجماعي (التنافس الاقتصادي المتوحش الذي هو قتل غير مباشر) بين الكافرين يمكن تحديدها بالميل الى الحد من تاثير عامل القوة المعنوية والزيادة من تاثير عامل القوة المادية في العلاقات بين البشر. لكننا لا يمكن ان نلغي النسبة الناتجة عن علاقة القوة المعنوية بين المتحاورين الموجودة حتى في الملة الحلولية، لكون الكفر يتجاوز حدود الملل، وهو ليس واحدا الا بما هو تصور وليس بما هو واقع حاصل. حالة السلم الدائمة من الاحلام حتى بين المومنين، اذ في دوامها تناقض يتمثل في نفي التدافع الامتحاني لمعرفة الحق والتنافس من اجل تحقيقه. والحرب الدائمة من الاوهام حتى بين الكافرين، اذ في دوامها تناقض لكون القوى المتحاربة متناهية ومن ثم فهي تفنى فتتوقف الحرب لو لم توجد هدن لتجديدها. والفرق بين الحضارات هو اذن فرق في التوجه والقصد. فبعضهايجعل الحرب شذوذا على قاعدة السلم: وتلك هي الخاصية الغالبة على الحضارات الاستخلافية. وبعضها يجعل السلم شذوذاعلى قاعدة الحرب: وتلك هي الخاصية الغالبة على الحضارات الحلولية. لذلك فالحوار يفترض دائما هذه العلاقة بين ميزان القوة المادية وميزان القوة المعنوية رغم تقدم الاول عند الحلوليين وغلبته عليهم وتقدم الثاني عند الاستخلافيين وغلبته عليهم. ولولا هذه العلاقة المزدوجة لما وجدت فسحة للحوار اصلا.ويوجد التقديمان عندما يكون الصراع بين واحد من هولأ وواحد من اولئك، مع تعاكس في الترتيب. ذلك ان الحدين، حد بداية الحوار وحد نهايته، يحددهما قانون التناسب العكسي بين قوتي المتحاورين المادية والمعنوية. فميزان القوة المادي والروحي بين المتحاورين هو الذي يحدد الفسحة التي يجري خلالها الحوار. وبداية هذه الفسحة هي وجود حساب الربح والخسارة المادي عند الاقوى ماديا لكونه لا يشرع في قبول الحوار والتخلي عن منطق الحرب المطلق مع الاضعف ماديا الابمنطق المساومة للحفاظ على اكبر قدر منها. ونهايتها حساب الخسارة والربح المعنوي عند الاقوى معنويا لكونه لا يشرع في رفض منطق الحوار المطلق واللجوء الى منطق الحرب مع الاقوى ماديا الا بمنطق المقاومة للحفاظ على اكبر قدر منها. واذن فدلالة الحوار عند الاقوى ماديا، الاضعف روحيا، غيرها عند الاضعف ماديا الاقوى روحيا: احدهما يحاور بالخداع دفاعا عن الباطل والظلم والاخر يحاور بالحقيقة دفاعا عن الحق والعدل. وليس معنى ذلك ان الاضعف ماديا ليس له حساب ربح وخسارة مادي وان الاقوى ماديا ليس له حساب ربح وخسارة معنويا، بل القصد هو ان كلا منهما يستمد «مدى التحمل» من تراتب القوتين عنده. فمن استقوى بالمادة يكون اضعف روحيا ضرورة لان مدى تحمله يقدر بالمنزلة التي يوليها للقيم المادية التي يريد الحفاظ عليها قبل اي شيء آخر. ومن استضعف بالمادة يكون اقوى روحيا لان مدى تحمله يقدر بالمنزلة التي يوليها للقيم المعنوية التي يريد الحفاظ عليها قبل اي شيء آخر. وهذا من سنن الله التي لن تجد لها تبديلا او تحويلا. لكن ذلك لا يعني ان الاقوى روحيا ينبغي ان يكون اضعف ماديا، اذ المومن الحقيقي ينبغي له الجمع بين القوتين بصريح امر القرآن((335)). ذلك ان القوة الروحية توصل ضرورة الى القوة المادية. وضعف القوة المادية علامة من علامات ضعف الايمان. فالعلاقة بين القوتين هي علاقة الغاية بالاداة: المادي اداة الروحي. وذلك هومعنى الاستقوأ بالروح. اما القوة المادية فانها لا تودي الى القوة الروحية ضرورة لكون الاداة لا تولد الغاية ضرورة بخلاف الغاية. ما يودي اليه الاقتوأ بالمادة ليس قوة روحية بل هو توظيف القيم الروحية وتحويلها الى اداة خداع فلا تبقى مطلوبة لذاتها((336)).. وقد وصف القرآن العظيم صفات قوة المومنين المعنوية فردها الى عاملين هما: الايمان وعلامته التواصي بالحق ثم العمل الصالح وعلامته التواصي بالصبر. وهذا القانون الذي نصوغه في محاولتنا هو السر في انتصار الحق الحتمي حتى في حالة الضعف المادي، فضلا عن انتصاره في حالة الجمع بين القوتين: الروحية والمادية. ويكفي مثالا لذلك: مقاومة جنوب لبنان الاسلامية وانتفاضة الشعب الفلسطيني وقبلهما ثورات المغرب العربي التحريرية. I - مقومات حوار البداية:نبدأ بتحديد مقومات الضرب الاول او مقومات بداية الحوار التي هي بالضرورة امر سلبي لكونها حتى عند اكتمالها ليست الامحاولة للتخلص من الرد الى اسفل سافلين الذي هو علة الاقتتال بين البشر. فالضرب الناقص من الحوار او بداية الحواربمعناه الشامل يتقوم بعناصر جميعها سلبية:
1- موضوع الحوار: ازدواج الموضوع الذي يدور حوله الحوار:
موضوع الحوار وقيمته التي تحدد درجة الاعتراف المتبادل
بين المتحاورين. II - مقومات حوار الغاية:ان مقومات الغاية، كما اسلفنا، لا تقبل الفصل عن مقومات البداية الا في الذهن. وعندما تفصل فهي لا تحدد حوارا فعليا بل هي تحدد مجرد تصور مثالي لواجب ينافي واقعه. وهي عندئذ من الخدع التي يستعملها من لا يومن به. لذلك فهذا المثال الاعزل لايعنينا((337)). فنحن نريد ان نتحدث في مقومات الغاية عندما تكون في الوجود العيني لا في الوجود الذهني. ومن ثم فهي تشترط ان تتقدم عليها مقومات البداية المشدودة بهذه الغاية. فهذه المقومات هي مقومات الضرب التام من الحوار او غاية المفهوم الاشمل للحوار. وهي معلومة عند كل من قرا القرآن الكريم. فهي مقومات التعارف بين المومنين: مقوماته التي تنقسم الى صنفين شارطين للاستثنأ من الخسر او الرد الى اسفل سافلين. أعني: مقومات الايمان والتواصي بالحق لمعرفته وتكون بالاجتهاد الاجماعي. لذلك فاسلوبها لا يمكن ان يكون الا اسلوب البحث الصادق عن الحقيقة لكشفها المشترك: وذلك هو معنى التواصي بالحق. مقومات العمل الصالح والتواصي بالصبر لتحقيقه وتكون بالجهاد الاجماعي. لذلك فاسلوبها لا يمكن ان يكون الا اسلوب السعي الصادق لتحقيق الممكن منها في حدود التكليف، اعني الوسع: وذلك هو معنى التواصي بالصبر. عندئذ يمكن ان يكون الحوار متقوما من هذه الابعاد:
1- فموضوع الحوار لا يدور الخلاف حول تحديده بل حول سبل
البلوغ الى الكمال فيه. الفصل الثاني: شروط الحوار بحسب مقاصده وظروفه I- شروط حوار البداية:كل امرىء يعلم ان غياب التراجح المادي بين الحضارات يجعل الاعتقاد في تراجحها المعنوي وهما قد يودي الى تنويم الضعفأ فيفقدهم الحصانة الروحية، اعني عقيدة التفاضل الروحي الذي يستند الى العقيدة الدينية او اساس القوة المعنوية التي تزول بدوام الهزيمة في التاريخ الفعلي. والحوار في هذه الحالة لن يكون تنازلا من الاقويأ لجبر خاطر الضعفأ بل هو حيلة حربية تستهدف نزع آخر حصاناتهم اعني عقيدة التفاضل الروحي او اساس القوة المعنوية. لذلك فالحوار ليس بديلا يغني بالمثال عن الواقع بل هو جزء من الصراع الانساني من اجل القيم لكون السعي الى التكافو المادي جزءا من التفاضل المعنوي بل هو ثمرته الاساسية. ولولا ذلك لتخلى المسلمون عن الشروط المادية لتبليغ الرسالة الروحية ولامتنع عليهم تحقيق شرطي كونهم خير امة اخرجت للناس، اعني الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. فلا يمكن للضعيف ماديا ان يامر او ان ينهى. واذا فعل فلن يجد من يسمع او يطيع. لذلك قال الامام علي كرم الله وجهه: «لا راي لمن لا يطاع». ان الايمان الحق يستوجب ارث الارض العادل ضرورة. لذلك فمن لم يرثها ليس مومنا بحق. لكن هذا المبدا ليس كلي التعاكس، لان غياب الشرطين يجعل عكسه جزئيا في الايجاب وكليا في السلب. فليس كل سائد مومنا. لكن كل من ليس بسائد ليس بمومن. ومن ثم فلابد للمومن بحق من العمل على السيادة العادلة باسبابها المادية الناتجة عن شروطها الروحية. وذلك هو معنى الصراع بين البشر من اجل تحقيق القيم وتقويم سعي الناس للقيام بهذا الواجب، واجب التدافع. وينتج عن ذلك ضرورة ان المسلمين اليوم ليسوا مومنين بحق لكونهم مستضعفين في الارض ما دام كونهم الاعلين مشروطا بنص القرآن بكونهم مومنين (آل عمران/139): انهم مثل الاعراب اسلموا ولما يؤمنوا. ان الحوار التام، من وجهة نظر الاسلام، هو التعارف الذي يشترط الابقأ على طلب الحقيقة والعمل بها، ومن ثم فلا بد من تحقيق شروطهما المادية والروحية. ويعني ذلك انه لا بد من التنافس المادي مع الحضارات الاخرى بقصد غير قصد اصحابها، لكون ذلك امرا ضروريا لحماية قيم الحضارة الاسلامية، ولا بد من التنافس الروحي معها بقصد غير قصد اصحابها للتبشير بهذه القيم تبشيرا يعتمد على الانموذج الذي نقدمه اولا وعلى تحقيق شروط الامر والنهي المسموعين اخيرا. لذلك فان رفض الصراع باسم الحوار بين الحضارات، الصراع الضروري للتدافع من اجل تحقيق القيم، يعد هروبا من وجوب التنافسين المادي والروحي بينها في مستوى الادوات والوسائل حماية للغايات التي تمثلها قيمها ودلالة على فضل هذه القيم. فالتدافع شرط ضروري لتحقيق القيم. II- شروط حوار الغاية:لما كانت الغاية لا تكون حقيقية الا اذا تجاوزت الوجود الذهني الى الوجود العيني، فانه لا بد لها من تضمن شروط البداية التي تهدد دائما بالبقأ حلولية بمجرد ان يطرا الضعف على دعاة الغاية الاستخلافية. لا يمكن للحوار الغاية ان يحصل من منطلق الضعف لكوننا عندئذ لسنا متيقنين من صدق الدعوة. والاغرب من ذلك هو ان البداية لا تكون فعالة على المدى الطويل الابمقدار توفر شروط الغاية على الاقل في الداخل، لكون القوة المادية وحدها ليست الا هشيما تذروه الرياح. لذلك فالامة التي تخلو من الحوار التام في ما بين ابنائها لا يمكن لها ان تصمد في الحوار الناقص مع غيرها، ومن باب اولى فهي اعجز من ان تصل الى الحوار التام معه. ولما كان شرط الحوار بين المومنين هو شرط شرط الحوار مع الملل الاخرى بات من الواجب ان نحددهذا الشرط الاصلي وان نحدد علة كونه شرط شرط او شرطا اصليا. فقد بينا انه ينقسم الى الايمان او التواصي بالحق والى العمل الصالح او التواصي بالصبر. وليس التواصي بالحق الا كناية عن الاجتهاد الاجماعي. وليس التواصي بالصبر الا كناية عن الجهاد الاجماعي. لذلك فانه يكفي ان نحدد هذين المفهومين تحديدا يحررهما من حصرهما في معنييهما الاصغرين حتى نتخلص من اسباب انحطاط الامة، انحطاطها الذي افقدها شروط القيام المستقل والحر والقادر على محاورة الاخر لكونه قادراعلى محاورة الذات. ولنبدا ب آخرهما فالعلم لا معنى له الا بغايته اعني بالعمل. والعمل في مفهومه الايماني ليس رميا في عماية بل هو فعل على علم.
1-
شروط الجهاد الاجماعى: شروط الدفاع الحر و الناجع عن
العقيدة: والسؤال هو: لماذا استعمل المسلمون صفة التفضيل استعمالا يوحي بوجود معنيين اخرين يؤكدان هذين المعنيين الاداتي في البداية والغائي في النهاية؟ فالاصغر لا يقال بالقياس الى الاكبر، اذ لا يمكن ان يعد الاكبر صغيرا، والاكبر لا يقال بالقياس الى الاصغر، اذ لا يمكن ان يعد الاصغر كبيرا، واذن فلابد من ان يكون للجهاد معنيان اخران، وقع اغفالهما الى الان هما معناه الصغير ومعناه الكبير وسطين بين حديه الاقصيين الاصغر والاكبر. فأما المعنى الصغير الذي يقاس اليه الاصغر فهو جماع شروط حصول الجهاد حصولا يحول دون الشك في ان يتطرق الى تمامه عند حصوله اذا وجب القتال، اعني العمل الدائم لتحقيق شروط المناعة التي قد تغني عن الحاجة الى الحصول الفعلي للجهادالاصغر. وهذه الشروط هي جميع المقومات المادية للمجتمع القادر، اعني المجتمع، أعني المنشأة الاقتصادية والاسرة مؤسستيه اللتين تعود اليهما مناعته الاقتصادية والتربوية بمعناهما الاسلامي. ذلك هو الجهاد الصغير الذي من دونه لا يكون الجهاد الاصغر ممكنا الا اذا حصرناه في الدعوات الجوفأ عند بعض الفقهأ الذين تجاوزهم العصر تجاوزا جعلهم عاجزين حتى عن فهم علة عدم وجود من يسمعهم ((339)). واما الجهاد الكبير الذي يقاس اليه الجهاد الاكبر فهو جماع شروط حصول الجهاد الاكبر حصولا تاما، فعليا وليس امكانيا فحسب، لكون الحاجة الى الجهاد الاكبر ليست ظرفية خلافا للحاجة الى الجهاد الاصغر المشروط بعدوان من يمنع الحرية الدينية. فالحاجة الى الجهاد الاكبر دائمة بالطبع لكونها هي التحرر الدائم من العدوان الابدي للموقف الذي يرفض الحرية اعني العبودية لله وحده وطاعة الامر الالهي. وأبرز أشكال هذا العصيان هو الموقف الحلولي الذي هو مصدر الظن بامكان الاستغنأ عن العبادة لله واستبدالها بعبادة الدنيا والهوى. وهذه الشروط هي جميع المقومات الرمزية للمجتمع المريد، أعني ما يمكن حصره حصرا مستوفيا باعتباره شروط المناعة المنتسبة الى مؤسستي قمة المجتمع، أعني المدرسة والدولة في بعدهماالعملي، مؤسستيه الفاعلتين بالنظر العامل عملا لا تنفصل فيه المعرفة الدنيوية عن المعرفة الدينية بمعنى تطبيق الاجتهاد((340)). ان الجهادين المنسيين يمثلان الاساس الذي غاب في حصارتنا، فحال دونها واعتماد الحوار بين أبنائها أساسا لتحقيق شروط الاجتهادين اللذين لم يبق منهما الا الشكل الاجوف، لغياب المضمون الحي الذي لا يكون الا بحرية الارادة جهادافي تحقيق الادوات من أجل الغايات، بالاستناد الى الحوار الفكري الحر للبحث والاكتشاف اولا وللتطبيق والاستعمال أخيرا. ولما كان الجهاد بمعناه الشامل غير هذه المعاني الاربع فانه ينبغي أن يكون الاصل الذي تتفرع عنه هذه المعاني تفرع المعلول عن العلة. ذلك ان شروط القدرة لا معنى لها من دون أن تكون دالة على ارادة تحررت من الطواغيت السلطانية (الحكام غيرالشرعيين) ومن الاوثان العقدية (التقاليد البالية المنافية للاسلام الصافي)، ارادة لا سلطان عليها غير أمر الله ولا معبود لهاسوى الله. وتلك هي الثمرة الاساسية للادراك الشهودي والمدلول العميق للجهاد. ذلك هو الاستخلاف الاسلامي او الجهاد المطلق في الحياة ببعديها الدنيوي والاخروي المتحدين بفروعه الاربعة التي وصفنا ((341)) واذا كان مجال الجهاد الصغير هوالمؤسسة الاقتصادية والاسرة ومجال الجهاد الكبير هو المدرسة والدولة فان مجال الجهاد الاصغر هو استعمال ثمرات الجهادفي المجالين السابقين لتحقيق سلطان الحق على العالم، ومجال الجهاد الاكبر هو استعمالهما لتحقيق سلطانه على النفس،الامر الذي يجعل مجال اصل الجهاد هو العبودية لله وحده أعني المعنى العميق للاسلام خاتما للرسالات. ان الجهاد الاستخلافي بهذه المعاني الخمسة لا يمكن أن يفهم الا بوصفه نهاية الحاجة الى سلطان روحي خارجي بمقتضى ختم الوحي ونفي الكنائس وبداية عموم الرسالة التي تستغني عمن يفرضها بالقوة. فالله نفسه مكلف بحفظها ولا يستأهل شرف الذب عنها الا من كان مؤمنا بقيمها التي وصفنا، والا صار الجهاد مجرد قتال عديم الوظيفة والدلالة الروحيتين. واذن فالجهادليس الا ثمرة الحرية الدينية وأداة تحقيقها تحقيقا لا يلجى الى الدفاع العنيف عنها الا نادرا، لكون الايمان التام يقتضي تحقيق شروط العزة التي تتحول الى مهابة فتجعل من يحول دون تبليغ الرسالة الاستخلافية قليلا لعلمه بتعذره. ولما كانت المجتمعات الحديثة تدعي التسليم بالمبدأ الاسلامي القائل بالحرية الدينية والداعي الى وجوب حمايتها بات من الواجب تطبيق هذا المبدأ بجميع شروطه، أعني عدم الاقتصار على جزئيه الاصغر والاكبر اللذين يصبحان عاجزين. وانه لمن المفارقات أن يكون المبدأ القائل بالحرية الدينية مميز الاسلام الاساسي وأن يؤول بعض الجهلة مبدأ الجهاد تأويلا ينافيه داخل الملة وخارجها فيجعلونه مقصورا على معنييه الاصغر والاكبر من دون شرطيهما الصغير والكبير. عندئذ يصبح الجهاد مقصورا على الاقتتال البدائي الذي لا يتجاوز الفزات العاجزة للمتواكلين على التعبد التقليدي. الجهاد هو الاجتهاد لتحقيق شروط تبليغ الرسالة الاسلامية بالانموذج، وبالتي هي أحسن لابراز معاني الشهود الاستخلافي عندما يكون تحقيق الوسائل كافيا لحماية هذه الرسالة. لذلك فتحقيق الشروط الاداتية يعد شرط صحة الشروط الغائية والا صارت ممارسة الجهادين الاصغر والاكبر مجرد رسم خال من معناه. فهما قد كانا منذ بدء الرسالة الاسلامية مشروطين بالجهاد الكبير والصغير اللذين لايمكن أن يتحققا من دون تطبيقات الاجتهاد المعرفي، أعني الادوات الضرورية لتحقيق قيم الدين الاسلامي التي وصفنا. وعندما يضطر المسلم غير باغ الى معنى الجهاد الاصغر، اذا حيل دونه وحرية ممارسة معناه الاكبر ثمرة لمعنييه الصغيروالكبير، فانه يجد نفسه قادرا، والا كان توكله اتكالا وعمله ضلالا. ولو لم يكن ذلك هو القصد لما فهمنا صيغتي التفضيل. فالاكبرهو الغاية، والاصغر ليس الا الوسيلة الدفاعية لازالة الحوائل دون الغاية عندما لا يكون الصغير والكبير مغنيين عن الدفاع وقاية لا علاجا. كذلك نفهم لجوء المسلمين الاوائل الى الجهاد الاصغر مرغمين، ونفهم لما كان هذا الجهاد عندهم مقصورا على الدفاع العلاجي او الوقائي ومتوقفا دائما عند ما يكفي منه لتحقيق الغرض من دون وحشية او انتفام. ففتح مكة يقوم أفضل دليل على الطابع الدفاعي الخالص للحرب وكون النزعة التهديمية في الحروب ليست من شيم المسلمين. وليس من المصادفة أن تكون اول حضارة سنت قانونا للحرب يبقيها في حدود خلقية لئلا يعود الانسان الى البربرية هي الحضارة الاسلامية. اماالجهادان الكبير والصغير فانهما قاعدتا الوجود الاسلامي وأساسا بقائه. فبفضل ضمان الشروط المادية للوجود القادروضمان الشروط الرمزية للوجود المريد، نحقق أبعاد الوجود الحر الذي هو الوجود الاستخلافي. وذلك هو مضمون الرسالة الاسلامية للعالمين، وبفضلها نكون خير أمة فيحق لنا أن نشهد لهم او عليهم. فلا نستأهل الشهادة الا اذا وفرنا شروط كونناخير الامم فعلا في وجودنا التاريخي. ولا أحد يستطيع أن يزعم أننا اليوم أمة خيرة، فضلا عن الزعم بأننا الاكثر خيرا: فلم يبق لنا من الاستخلاف الا الاسم. 2- شروط الاجتهاد الاجماعي: حرية الفكر والتفرغ للقيام بشروطه: حددنا شروط الجهاد الاجماعي او التواصي بالصبر منطلقين من المقابلة بين الجهادين الاصغر والاكبر لاتمام المفهوم باضافة معنيين اخرين هما الجهاد الكبير والجهاد الصغير. ثم أرجعنا هذه المعاني الاربعة الى أصل واحد هو الارادة الحرة او الامانة الاستخلافية. فلنحدد الان شروط الاجتهاد الاجماعي او التواصي بالحق قياسا الى تحديد أركان مفهوم الجهاد. فالمعلوم أن الاجتهاد الاجماعي عند الفقهأ يوصف بكونه الفقه الاصغر. وأن الاجتهاد الاجماعي عند أولي الامر يسمى الفقه الاكبر. وبلغة العلوم الانسانية يتعلق الاول بالقانون ويتعلق الثاني بالسياسة. ويمكن تطبيقا للمنطق نفسه أن نستنتج اجتهادا اجماعيا صغيرا او فقها صغيرا يكون الاول بالاضافة اليه أصغر، واجتهادا اجماعيا كبيرا او فقها كبيرا يكون الثاني بالاضافة اليه أكبر. فما هو الاجتهاد الاجماعي الصغير او الفقه الصغير؟ انه الاجتهاد الاجماعي في مجال العلوم النظرية التي تكون الاعمال الجارية في الجهاد الصغير تطبيقا لثمراته، أعني العلوم الطبيعية التطبيقية بالنسبة الى المنشأة الاقتصادية والعلوم الانسانية التطبيقية بالنسبة الى الاسرة التربوية ((342)). وما هو الاجتهاد الاجماعي الكبير او الفقه الكبير؟ انه الاجتهاد الاجماعي في العلوم الطبيعية النظرية او نظريات الطبيعة عامة بالنسبة الى المدرسة في النظر العام، والعلوم الانسانية النظرية او نظريات الشريعة عامة بالنسبة الى الدولة في العمل العام ((343)). ويمكن ان نحدد اصل الاجماع الاجتهادي الجامع بين هذه المعاني الاربعة بالقياس الى اصل الاجتهاد الاجماعي لمعانيه الاربعة.فاذا كان الاصل هناك هو الارادة الحرة التي من دونها لامعنى للاستخلاف لغياب الادوات، فان الاصل هنا هو العقل الحر الذي لامعنى من دونه لتحمل الامانة لغياب الغايات بغياب شرط التكليف ((344)). اما مجالات هذه الاجتهادات الاجماعية فهي عينهامجالات الجهادات الاجماعية التي سبق فحددناها، اذ ان الجهاد الاجماعي مشروط بالجهاد الاجماعي. وبذلك يتبين ان الشروط الحوار بين المؤمنين عشرة: خمسة يتقوم بها الجهاد الاجماعي وخمسة يتقوم بها الجتهاد الاجماعي.وهذه الشروط مشروطة بالحربة الارادية والعقلية المؤسستين للحوار بين ابنأ الامة وشارطة لكل شروط الحوار مع غيرهم. وليست عوائق الحوار مع الاخر الا انعدام هذه الشروط مع الذات. الخاتمة تصنيف وتذليلها حسب الشروط المسلوبة لايحتاج تصنيف المعوقات وبيان كيفية علاجها الى عنأ كبير، بعد ما حددنا الشروط ورتبناها. فهي مبدئيا في تحقيق الشروط سلبا يمنع الحوائل دونها وايجابا بالقيام بما تتطلبه. والسلوب نوعان بحسب الافق والقصد كما بينا في تصنيف ضروب الحوار. I - معوقات الحوار العملية:1- ففي الحضارة الحلولية تنتج المعوقات عن التوحيد بين الافقين وقصد التزييف اللذين يردان ما تعده الحضارة الاستخلافية جهادين اصغر واكبر في خدمة غايات سامية الى اداتين لما يمائل ما اصطلحنا على تسميته بالجهادين الكبيروالصغير. ومعنى ذلك ان استعمال القوة والسيادة على النفس يصبحان اداتين من اجل المنشاة والاقتصاد والاسرة والتربية والمدرسة والتعليم والدولة والسياسة التي صارت جميعها ادوات لاغاية لها الا خدمة الخيارات الدنوية التي لايرون فوقها من خيارات. فالكلي الذي حل عندهم في الجزئي او المطلق الذي حل في النسبي يجعل المثال الاعلى عندهم مقصورا على عبادة النيا والهوى: ومن الامثلة على ذلك الحروب الاستعمارية والتنافس بين القوى الاستعمارية في غزو الاسواق واستعبادالبشر. 2- اما في الحضارة الاستخلافية فتنتج المعوقات عن عدم تحقيق ما يستوجبه التفريق بين الافقين وقصد الحق. فالجهادان الكبير والصغير اللذان هما الاداتان الضروريتان للجهادين الاصغر والاكبر انعدما او كادا. ومعنى ذلك ان المنشاة والاقتصادوالاسرة والتربية والمدرسة والتعليم والدولة والسياسة لم تصبح ادوات ناجعة في خدمة الخيارات الاخروية، اعني في مجاهدة الجحود ومجاهدة النفس لتحقيق غايات تتعالى على الخيارات الدنيوية لكون الكلي والمطلق لا يحلان في الجزئي والنسبي. لكن الفصل بين الافقين قد ينتهي الى نفي الافق المتعالى عليه باسس التمحض للافق المتعالي: وعندئذ يغدو الجهاد بمعنييه الاصغر والاكبر عاجزا لكون الغايات من دون الادوات تصورا اجوف لايمكن من الفعل في الدنيا فعلا يعد الاخرة. ارث الارض العادل اعني المشدود الى التعالي هو العلامة الاصدق عن الايمان الحقيقي.
II- معوقات الحوار النظرية: 2- الامر نفسه في الحضارة الاستخلافية، حيث تنتج المعوقات من عدم تحقيق الاجتهادين الصغير والكبير والاقتصار على الاجتهاد الاصغر والاكبر اللذين يتحولان الى تعبد عاجز لايحقق الغايات التي تتعالى على الخيارات الدنيوية. والحصيلة ان معوقات الحوار جنسان كلاهما مضاعف ((345)): 1- الاول بنوعيه هو الجنس الغالب على الاستخلافيين، حيث تتمثل المعوقات في ظن الغايات قابلة للاستغنأ عن الادوات في المجالين: النظري والعملي، اعني في ظنهم حوار الغاية ممكن مكن دون حوار البداية. فيصبح الايمان كلمة فاقدة لمعناها اعني ان الايمان يفقد مدلوله الذي هو التواصي بالحق طلبا لعلمه، ويصبح العمل الصالح كلمة فاقدة لمعناها اعني ان العمل الصالح يفقد مدلوله الذي هو التواصي بالصبر طلبا لعلمه باسبابه. ويصبح الاستخلاف مرادفا للضعف المادي والخنوع فلايبقى اي امكان للحوار لا في ما بيننا ولا بيننا وبين غيرنا لكوننا لايمكن ان نامر بالمعروف وننهى عن المنكر اذا كنا غيرمسموعين. 2- والثاني بنوعيه هو الجنس الغالب على الحلوليين، حيث تتمثل المعوقات في ضن الادوات قابلة للاستغنأ عن الغايات المتعالية التي استبدلت بغايات متدانية في المجالين النظري والعملي، اعني في ظنهم حوار البداية ممكن من دون حوارالغاية. فيصبح النظر تواصيا بالباطل ويصبح العمل تواصيا بالعجلة. ويصبح الحلول مرادفا للضعف الروحي والتجبرالمادي. فلا يبقى اي امكان للحوار لا في ما بينهم ولا بينهم وبين غيرهم لكونهم لا يومنون الا بتوازن الرعب حتى في ما بينهم.ويسمون ذلك حرية التنافس الخاضع لمبدا البقأ للاصلح.
حول اشكالية الخيار بين الاستاذ الدكتور وجيه كوثراني هل ثمة خيار حيال منطق الدول الكبرى والامبراطوريات والسوق والاعلام؟ يحاول البحث، انطلاقا من هذا السوال، ان يطرح وجهة نظر مفادها انه من الصعب وضع الموقف (سوأ كان الموقف موقف مثقف باحث ام حزب ام هيئة..) امام خيار من داخل هذه الثنائية القاطعة: (حوار او صراع؟). فالمسالة ليست مجرد خيارارادوي لفرد او افراد يقررون كيف يجري فعل الثقافات او الحضارات، وكيف تتحد د مجاريها بين الشعوب والامم سلما او حربا.ان سيرك الوقائع، وبخاصة على مستوى العقليات والذهنيات والافكار، هو امر اكثر تعقيدا وتركيبا لدرجة يصعب (حتى لااقول يستحيل) على الباحث في التجارب التاريخية الكبرى ان يفرد العناصر، بين سلم وحرب، بين حوار وصراع، بين حتميات وممكنات... - هل يمكن للمورخ ان يفرد عناصر الثقافة الهلينية، مثلا، في حوض المتوسط قبل حروب الاسكندر وورثته، او بعدها، او في سياقها، او بين تاثيرات اليونانية او الفارسية او المشرقية القديمة...؟ - هل يمكن للمورخ ايضا ان يفرد عناصر الثقافة الاسلامية العالمية ابان ازدهارها، فيحدد مجاريها ومواقع التلقي والاستجابة بين ما تم عن طريق التفاعل السلمي والحوار والدعوة وبين ما تم عن طريق الفتوح؟ - كذا هو السوال، ايضا، حول ما سمي «الحروب الصليبية» التي لم توقف العلاقات التجارية والثقافية بين الغرب المسيحي والشرق الاسلامي؟
-
اسئلة كثيرة من هذا النوع تطرح حول حروب القرن السادس
عشر في المتوسط، وحول الحروب الاستعمارية في
القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، وحركات التحرر
الوطني في منتصف القرن العشرين.. وصولا الى ما يمكن ان
نسميه حروب العولمة الجديدة التي اوحت بخطابين سائدين
اليوم هما: ان دراسة خبرات التاريخ ودراسة ما يجري اليوم في مسار «العولمة»، قد تساعدان في بلورة منهج للنظر لدراسة طبيعة العلاقة بين الثقافات في التاريخ وفي الحاضر. |