تشمل الحضارة شواخص لمختلف ابعاد المهارات والمعارف مما يحصل عبر المسار التكاملي الاجتماعي التاريخي للانسان، عن طريق اكتسابي، اي من خلال التعليم والتربية.

ان ظواهر، من قبيل «الصيرورة الاجتماعية» و «الانفتاح الثقافي»، لتكشف عن علاقة لافتة للانتباه بين الثقافة والحضارة في مضمار العلاقات الانسانية، وعلى صعيد الصلات ما بين الشعوب المختلفة، ومن ثك م تحظ ى اطروحة حوار الحضارات بمعنى كونها ضروبا من التبادل المدني والثقافي، بعراقة وخلفية راسخة ممتدة.

لقد كانت المجتمعات المختلفة على الدوام ولا تزال تحت تاثير الكينونات والتبلورات الثقافية والحضارية. كما ان الثقافة والحضارة يخضعان بدورهما ولا يزالان لتاثير النشاطات الاجتماعية والفعاليات التاريخية للشعوب على مدار التاريخ.

على هذا الضوء، فان اي ضرب من التغيير والتحرك الاجتماعي الذي يتضمن تبادل الثقافات وتفاعلها، انما يحصل من خلال الكينونة الثقافية والحضارية. لذلك تعد الثقافة والحضارة ظاهرتين مترابطتين ومتداخلتين، وقد حصل بينهما ضرب من اللامساواة النسبية واللاتعادل في المواكبة والتجدد، ومن ثم برزت بينهما حالة التباعد، على اثر التحولات الجديدة، وبسبب اختلاف نسبة التحرك بينهما.

على هذا الاساس، لا يلوح في الافق حل للمسائل الناشئة عن الحضارة العالمية الا الاستفادة من القيم البناءة للثقافات المختلفة.والحصيلة انه عندما تطرح مسالة حوار الحضارات في الوقت الحاضر، فهي تستدعي بالضرورة معرفة الذات وبناء الذات الثقافية والاجتماعية، بوصف ذلك خطوة اولى لا محيص عنها باتجاه تحقق هذا الحوار.

بعبارة اخرى، ربما كان الاصلح، في مجال حوار الحضارات، ان يطلق على الحوار فيه حوار الثقافات. على هذا الضوء ينظركثيرون الى الحضارة بوصفها ثقافة استطالت على مدار الزمان، ثم استمرت وامتدت، ثم ارتقت بما لها من ابداع الى مستوى حياة اخلاقية جديدة معقولة.

الثقافة والحضارة هما من المفاهيم التي لها من السعة التاريخية ما يمتد بها على امتداد التفكير الاجتماعي الانساني نفسه، وهما كشجرة مثمرة تنزع جذورها صوب اول موسسة للمجتمع في الحياة البشرية، ويبقى لهما وجود ما كانت الحياة الانسانية.

ادوار حوار الحضارات

تصاب الحضارات، عبر صراعها، بعضها مع بعض، باضطرابات ونواقص متعددة لا يتيسر الطريق الى علاجها الا بايجادالتفاهم والتوفر على فهم آراء بعضها بعضا على نحو افضل. من منظور التحليل الاجتماعي المعرفي تنهض اللغة في مشروع حوار الحضارات بدور مؤثر جدا.

في الواقع ترتد ماهية الحوار الى اضاءة الحقيقة التي تقع موضوعا لمعرفة الطرفين، من خلال الحوار الثنائي وتبادل الكلام بينهما. وبذلك يفضي غياب اللغة المشتركة في العلاقة الحوارية الى بروز ضروب سوء الفهم، انطلاقا من ان اللغة المشتركة هي نقطة الارتكاز في هذه العلاقة ونقطة القوة في عملية التبادل والتفاعل الثقافيين.

يسوغ سوء الفهم بانه عامل تخريبي على صعيد الصلات البشرية. اذ يمكن لهذه الحالة ان تطل براسها بين الافراد الذين يجمعهم اصل عرقي واحد، وثقافة مشتركة ودين واحد، وتوطرهم لغة واحدة بل حتى لهجة واحدة. اما في الحالات التي يتواجه فيها انسانان من اصلين عرقيين مختلفين، وتفرق بينهما الثقافة والدين واللغة، فان احتمالات بروز حالة سوء الفهم ستكون اكثر بمراتب من الحالة السابقة.

تمت الاشارة الى ان موانع خفية غير مرئية هي التي تحول، في الاغلب دون ايجاد الارتباط المنطقي على مستوى الصلات الثقافية، ومن ثم تسوء العلاقات وتتدهور او تنتهي الى الانقطاع الكلي من دون ان يكون هناك سبب في الظاهر. ان هذه العوامل الخفية الغامضة، غير المرئية، هي الباعث الى انهيار العلاقات الانسانية وتدهور التفاعل ما بين الثقافات المختلفة.

لذلك تعد «اللغة»، في اطروحة حوار الحضارات، اهم اداة تملكها البشرية على هذا الصعيد. والامر الثابت هو ان حوارالحضارات يتطلب شروطا خاصة، كما يحتاج في الوقت نفسه الى لغة مشتركة مقبولة وقابلة للفهم في مضمار الثقافات.

ان روى بارسونز وآلتوسر تشير صراحة الى مقولة عنوانها: «تداوم الافكار البشرية» وصورها المختلفة في مسار الحضارات البشرية الاصلية، ما يعني في الواقع ارتضاء ضرب من «المفاهيم المشتركة» بين الحضارات لجهة تهيئة الارضية للحوار المتبادل.

بديهي ان الغزو الثقافي لا يعد لغة مقبولة في مجال الحوار، لانه ينطوي على كثير من الخصوصيات التي تودي الى صراع الحضارات. لذا تدخل حالات التفاهم والتبادل والتساهل ما بين الثقافات بوصفها فرضيات مسبقة يرتكز اليها حوار الحضارات.فالتفاهم ما بين الثقافات يرفع ازمة الصلات والغزو الثقافي. وفي اطار حالة التفاهم والتفاعل في ما بين الثقافات بوصفها لغة مشتركة، يكون بمقدور الثقافات الاكثر نضجا ونموا وعقلانية، والاكثر مرونة ومثالية وتحضرا، ان تسهم في الحوار على نحواكثر جدارة، تماما كما هو حاصل الان بين العلماء والمخترعين ومدراء الصنائع والمهندسين واصحاب الصنائع الانتاجية والتكنولوجية في جميع ارجاء العالم، من حوار ايجابي بناء يفضي الى اتساع رقعة الثقافة العالمية العامة.

يشير قائد الثورة الاسلامية، سماحة آية الله السيد على خامنئي، الى النقاط الاتية في التمييز بين التفاعل، او التبادل، الثقافي وبين الغزو الثقافي، من الحري ان نشير اليها في خاتمة البحث الاصطلاحي بين مصطلحي التبادل والغزو.

يقول سماحته: «الهدف من التبادل الثقافي هو اثراء الثقافة الوطنية وسوقها صوب التكامل. اما الغزو الثقافي فهو يهدف الى استئصال الثقافة الوطنية واجتثاثها.

في مسار عملية التبادل تاخذ الامة ما تراه لائقا جيدا من ثقافة الاخرين، وما هو مورد علاقة بالنسبة اليها.

افرضوا، مثلا، ان الشعب الايراني راى في الشعوب الاوروبية انها تتصف بالمثابرة والتوثب وروح المغامرة، فلو انه اخذ منها هذه الصفات، لكان ذلك امرا حسنا جدا. في مثال آخر، يرى شعبنا، حين يذهب الى اقصى نقاط شرق آسيا، الناس هناك تتحلى بالاحساس بالمسوولية، وبوجدان يقظ في الانكباب على العمل، وبالمثابرة والانضباط والنظم، وتظهر شوقا وافرا للعمل،تستثمر الوقت وتقدر قيمته، تتبادل المحبة في ما بينها وتتحلى بالادب والاحترام، فلو انه اكتسب منها هذه الخصال لكان ذلك امرا حسنا جدا.

يبادر الشعب، في التبادل الثقافي، الى النقاط الصحيحة، وما يقود الى تكامل ثقافتنا فياخذه، تماما كالانسان الذي يصاب بالضعف في بدنه فينكب على تناول الغذاء الجيد او الدواء المناسب، لكي يتعافى وتعود اليه السلامة.

اما، في الغزو الثقافي، فان الشعب المستهدف بالغزو يغك ذى بامور سيئة وثقافة ضارة. مثلا، عندما بدا الغزو الثقافي الاوروبي لبلدنا لم يصطحب الاوروبيون معهم قيما من قبيل روحية احترام الوقت، الشجاعة والاقدام، وتحمل الاخطار في مواجهة الامور،وروحية التدقيق والمثابرة في البحث العلمي، ولم يريدوا لشعبنا ان يتربى على هذه القيم ويتبعها، لكي لا يكون الشعب الايراني شعبا يتحلى بالمسوولية وبضمير يقظ في الانكباب على العمل، ولا ان يتصف بالمثابرة العلمية. كل الذي جلبوه الى بلدنا هو التحلل والاباحية الجنسية»((349)).

خلفية الغزو الثقافي وصراع الحضارات

تشير التجارب العالمية الى ان العلاقة التي تربط ثقافة عالمية معينة مع بقية الثقافات تتمحور حول محور القوة والسلطة، ولاتقوم على اساس الفعل الثقافي. فعنصرا الاكراه والاجبار الموجودان في الصلات الثقافية يفرغانها عادة من محتواها.

ما تلاحظه الشعوب، اساسا، من خلال التاريخ ومسار الحاضر، في صراع الثقافات، هو ميل الثقافة التي تتحلى بالقدرة على التسلط وتتمتع ب آليات اقوى، الى فرض قيمها على الاخرين((350)).

يذهب الكثير من اصحاب الراي الى ان عدم ادراك الثقافات وفهمها على نحو عميق، وعدم وعي البنى والمسارات والمعطيات الثقافية والحضارية، يعد اكبر خطر يهدد العالم المعاصر والمستقبل الانساني، ويكون سببا لصراعات حضارية كثيرة. لقدكانت الخلفية السيئة للغزو الثقافي على مدار التاريخ هي السبب الذي مهد الارضية دائما لصراع الحضارات، وهناك من الشواهد التاريخية والمصاديق ما يدل على ذلك.

على هذا الاساس يستلزم الكشف عن هذا الدور التخريبي للغزو الثقافي، انجاز بحث تاريخي على هذا الصعيد. فاستغلال الفكر والثقافة له خلفية عريقة على امتداد التاريخ الانساني. فقد وظفت القوى المضادة للشعوب جميع الوسائل لفرض هيمنتها على المجتمع البشري، اذا استطاعت على الدوام ان تستخدم الفكر والثقافة وتوظيفهما الى جوار القوة والمال لترسيخ سلطتهاوفرض هيمنتها.

ففي صدر الاسلام، وبالتحديد على عهد خلافة الامام علي بن ابي طالب(ع)، لم يكتف معاوية بدفع جيوشه من الشام صوب المناطق الخاضعة لحكم الامام علي(ع) وحسب، كما انه لم يقتصر على توظيف الاموال واستغلالها في فرض الهجوم الاقتصادي على الامام(ع)، وانما سخر ايضا اهل الفكر وذوي العلم لكي يوولوا الايات القرآنية والروايات ضد الامام(ع)، ولكي يقوموا بمهمة وضع الاحاديث والاخبار. هكذا سخر معاوية المحراب والمنبر والموعظة في سوق الراي العام نحو م آربه،وعكس له صورة مقلوبة عن شخصية الامام علي(ع) واصوله وقيمه التي يدافع عنها.

كان الهدف هو اضعاف حكومة الامام علي(ع) ثقافيا واسقاط هيبتها معنويا، قبل الحاق الهزيمة بها من النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية. لقد شملت هذه المنهجية بقية الائمة المعصومين كالامام الحسن والامام الحسين(ع) اللذين تعرضا للهجوم العسكري تارة، ولضروب الهجوم الفكري والعقيدي والفقهي والثقافي تارة اخرى.

على هذا، لا يعد الغزو الثقافي موضوعا جديدا، بل له خلفية راسخة، ولا يزال يواصل حضوره. غاية ما هناك ان وسائله وادواته والطرق الثقافية التي تستخدم فيه صارت اوسع وتتسم بفاعلية اكبر، كلما ابتعدنا عن الماضي وصرنا اقرب الى الحاضر.

في عصر الاستعمار الجديد، هبت الجماعات التبشيرية واندفعت نحو البلدان الافريقية والاسيوية على نحو رسمي.

تناولت الكثير من الكتب الدينية والسياسية والاجتماعية التي صدرت قبل الثورة الاسلامية موضوع الغزو الثقافي الغربي ضد وجود المجتمعات الاسلامية وهويتها الدينية على نحو مكثف، بوصفه احد معضلات العالم الاسلامي، بل اهمها.

نقرا في نص دال: «الغزو الثقافي الذي اكدنا عليه مرارا هو تعبير عن قضية واقعية واضحة، لا يسعنا ان نقضي على اصل وجودها عمليا بمجرد انكارها. الغزو الثقافي هو واقع قائم وموجود، واذا انكرناه نصير مصداقا لكلام الامام امير المومنين الذي يقول فيه: «ومن نام لم ينم عنه». فاذا غفلت او غشيك النعاس وانت في خندقك، فذلك لا يعني ان عدوك في الخندق المقابل اعتراه النعاس واخذه النوم ايضا. لذلك ينبغي لك ان تستيقظ وتخرج من حال الغفلة»((351)).

كتب «جواهر ال نهرو»، في كتاب: «نظرة الى تاريخ العالم»((352))، عند استعراضه حرب الترياك وهجوم الانكليز على الصين، ما نصه: «لعبت الهيئات الدينية في الصين دورا مهما، حيث كانت في الحقيقة طلائع الامبريالية والاستعمار. لقد حرصت الجمعيات التبشيرية على حفظ المصالح الاساسية لبريطانيا ومصالح امريكا على الدوام. اما في القرون الحديثة وابان ضعف دور رجال الدين والمبلغين في اوروبا، فقد تحول الشطر الاعظم من رسالة هولاء الهجومية الى المثقفين. ان انبثاق العصر الجديد، والسمات الخاصة لعصر اتساع وسائل الاتصال الجمعي، وغلبة الروح الراسمالية الجديدة شبه المادية على الروح المذهبية والدينية السابقة، كلها عوامل املت تدريجيا استبدال رجال الدين بالمثقفين والمتعلمين واضعاف دور رجال الكنائس في مضمار الغزو الثقافي، ما ادى الى انطلاق فصل جديد من البحث في خلفية الغزو الثقافي في التاريخ الحديث.

تشير الوقائع المباشرة الى ان وسائل الغزو الثقافي وادواته وطرقه سارت في تطورها وتعقيدها وتنوعها، على خط مواز مع تطور وسائل الغزو العسكري وتعقد تقنياته ووسائله، وبالاتساق مع تنوع آليات الهجوم السياسي وحداثتها. فمع كل تطورفي آليات الجانب العسكري والسياسي حصل ما يماثله على الصعيد الثقافي، بحيث اضحت ظاهرة الغزو الثقافي تتحرك على نحو معقد وفي ظل اوضاع هي اكثر حساسية بالكامل.

لا يزال الغزو العسكري والثقافي الاسرائيلي، في منطقة الشرق الاوسط، مستمرا، وهو يتسع مع كل يوم ويزداد سوءا.

ان حضور اسرائيل في ارض فلسطين هو نتيجة التسلط العسكري والسياسي لبريطانيا وفرنسا وامريكا على منطقة لبنان وفلسطين وسوريا والعراق ومصر والاردن، في السنوات التي اعقبت الحربين العالميتين الاولى والثانية. وما نلحظه اليوم من السياسات التي يتبعها قادة الحكومات الغربية، هو جنوحها صوب السيطرة على الثقافة العالمية.

ان نظرة سريعة الى الظواهر السابقة للعلاقات الثقافية بين بلدان العالم وتغير ماهية استراتيجية الغزو الثقافي في العهودالمختلفة، يدل على عدم وجود ارضية مناسبة في اي برهة من التاريخ تعين على التقارب الثقافي، وتكون سببا في ايجاد مناخ مناسب للتفاعل والتبادل الثقافيين»((353)).

اذا نظرنا الى هذه الحالة، من زاوية آلية الحياة الثقافية، فهي قد حصلت على اثر قيام سلطة الدول القوية المهاجمة ونزعتها للتفوق على المجتمعات الضعيفة العاجزة. لقد استتبعت هذه الحالة من الارتباط الثقافي آثارا ونتائج سلبية برزت على الدوام بصيغة صراع الثقافات والحضارات.

لقد املت الاوضاع التاريخية ان يعرض العلماء وخبراء الثقافة نظريات عديدة بشان امكان تحقق حالة التفاهم والتفاعل بين الثقافات، ودوام حياة الثقافات والحضارات العالمية.

على هذا الصعيد يعد اسوالد اشبينلجر وآرلود توينبي وويل دورانت من المنظرين الذين يومنون بان الثقافات تتبع قانونا عاما مفاده انها تتحرك من الولادة الى النمو والنضح ثم الممات. على سبيل المثال يكتب توينبي ملاحظة عن تاريخ صراع الثقافات الذي نشا تحت طائلة الهجوم الدائم والمستمر للثقافات على امتداد التاريخ، ما نصه: «يتحرك التاريخ على اساس حالتين هما الهجوم والدفاع. ان للهجوم والدفاع حالة جبرية ومتوالية، تملي بروز ثقافة معينة، وازدهارها، ثم ضعفها،ومن ثم اندثارها، بعد ان تقع صريعة تحت ضربات الغزو الثقافي لمجتمع او حضارة اخرى»((354)).

القاء نظرة متاملة على التاريخ، وعلى العلاقات الثقافية بين الامم والحضارات، يكشف عن ان نظرية توينبي تستند الى شطرمن الواقعيات التاريخية، لكن ليس ك صحيحا ان الموت والاندثار هما الم آل المحتوم الذي تصير اليه الحضارات((355)).

يكتب ويل دورانت في مقدمة «تاريخ الحضارة» ما نصه: «في كل موقع من التاريخ نلمس آثار حضارات بائدة، كانهاجميعاترسل بنداء يقول: ان عاقبة كل شيء الى زوال وفناء»((356)).

لقد انزلقت هذه الروية في مضمار زوال الحضارات والثقافات الى هوة الاحكام المطلقة ايضا .

ان نظرة الى التاريخ تدل بوضوح انه، على رغم المعارك الواسعة بين الثقافات، الا ان هناك في داخل الثقافات ومحتواها مايشهد على وجود معطيات من ثقافات اخرى. وهذه الحالة ناتجة عن خصائص مثل التفاهم والتفاعل والغزو الذي كان يقع بين الثقافات. ما يويد انجذاب الثقافات، بعضها الى بعض، على اساس حالات التفاعل والتبادل والتفاهم وحتى الغزو، وهذه هي الاصول التي مر ذكرها، كاصل وجود الاستعداد لقبول العناصر الثقافية، واصل، او مبدا، الاختيار او حوار الثقافات والحضارات.

في الحقيقة لا وجود لثقافة معزولة ومنفصلة عن سائر ما هو موجود في العالم، فكل ثقافة تعيش تحت تاثير بقية الثقافات، كماانها تترك تاثيرها على ما سواها.

على هذا الاساس، ليست الثقافات بمعزل عن التغيير. لذلك في الوقت الذي ينبغي فيه رفض اسلوب القضاء على الثقافات وتدميرها من دون رحمة من خلال استخدام النفوذ الخارجي للقوى الكبرى، ان يتم الاذعان الى مبدا اختلاط الثقافات، هذاالاختلاط الذي يسهم في تيسير مسار العولمة((357)).

النتائج

يمكن تلخيص نتائج هذه الروية بما ياتي:

* تعد الثقافة، بمقتضى ذاتيتها الخاصة «متغيرة» و«متحولة»، والثقافة التي تبقى في اطار طابعها الجزمي المطلق ولا تستفيد من طاقاتها المكنونة فيها وقدراتها الموجودة فيها بالقوة، ستصاب بالعجز امام غزو الثقافات الاخرى. لذا لا محيص لاي ثقافة من ان توفر لنفسها امكان التفاعل وشروطه، لكي تحقق النمو والازدهار.

* التفاعل الثقافي هو عامل نمو وتفتح واثراء للثقافات. اما الغزو الثقافي فهو يعمد الى تضعيف القيم والملاكات الدينية والوطنية للثقافات المغزوة، ويستبدل ذلك بثقافة لها قيم متعارضة مع الماضي.

* بملاحظة الخلفية التاريخية والمدى الواسع الممتد للغزو الثقافي، في اطار العلاقات غير المتوازنة بين الثقافات، يتضح بجلاءان الغزو الثقافي هو الاساس المفترض لولوج ميدان صراع الحضارات، ومن ثم فان الشرط الضروري لتحقق حوارالحضارات، هو القضاء على حالات اللاتعادل في امكانات النمو والازدهار وازالة الروية التهاجمية ما بين الشعوب والثقافات.

* تكشف الخلفية التاريخية للغزو الثقافي والعلاقات غير المتوازنة بين الثقافات، عن حقيقة تفيد ان الغزو الثقافي هو الفرضية التي يتم على اساسها الدخول الى مضمار صراع الحضارات. لذلك تملي الارضية المناسبة للحوار والتفاعل ما بين الثقافات ان يصار التحرك جزما للقضاء على جميع المناخات والاجواء التي تسمح بنمو حالة الغزو والتعامل اللامتكافىء بين الثقافات.

ان شواخص الغزو الثقافي المنظورة، في اطار الخلفية التاريخية لهذه الظاهرة، تلغي امكانية اي حوار او تسامح ثقافي.

بعض هذه الشواخص، هي:
1- يقوم الغزو الثقافي على اساس التمييز وعدم التكافو بين الثقافة الغازية والثقافة المغزوة.
2- يسعى الغزو الثقافي الى التسلط والهيمنة وايجاد التبعية.
3- يرتكز الغزو الثقافي الى عدم التفاهم المشترك بين الثقافات، ويقوم على اساس اظهار صور مشوهة ومضطربة لطبيعة الارتباط بين الثقافات.
4- يقوم الغزو الثقافي على اساس عدم الثقة، وهو يتضمن عناصر القوة والتهديد.
5- يقترن الغزو الثقافي، على الدوام، بانتصار طرف وهزيمة الطرف الاخر، ومن وجهة الروية الهجومية والاستراتيجية العامة،فهو حرب ضارية مستمرة لا نهاية لها.
6- يستهدف الغزو الثقافي على الدوام افقار الثقافة التي يغزوها وافراغها من محتواها الحضاري والاخلاقي.
7- يطالب قادة الغزو الثقافي ورموزه من المقاتلين وذوي السلطة والقوة بان يكونوا في حالة حرب دائمة ضد الثقافات الاخرى.

من خلال ملاحظة هذه الخصوصيات وانطلاقا من الروية التاريخية لظاهرة الغزو الثقافي، ينبغي التنبيه الى ان الغزو الثقافي هو استمرار لظاهرة السلطة، وهو الى ذلك من العقبات الجادة في مضمار حوار الحضارات.

تفاهم الثقافات منعطف لحوار الحضارات

يحظى عنصر التفاهم بين الثقافات، بوصفه تعبيرا عن اللغة المشتركة لحوار الحضارات، باهمية واضحة. ان ظاهرة التفاهم الثقافي يمكن ان تتحقق في اطار حالة ثقافية تماما، كما هو شان الغزو الثقافي. لذلك من الضروري الاهتمام بالثقافات وماهيتهاالذاتية، لكي تستكشف من بين الخصائص الذاتية للثقافة الارضيات الايجابية والفاعلة وتتم معرفتها وعرضها.

ان دراسة الثقافة والبحث في حالة التعايش ما بين الثقافات، يقوم على اساس الفرضين الاتيين:

1- ان للثقافات (او الثقافة) وللحضارات فاعلية داخلية، بمعنى ان الثقافات تتمتع بخصوصية النمو، وتستطيع من ثم ان تديم حياتها.
2
- بموازاة الفاعلية الداخلية تتمتع الثقافات والحضارات بفاعلية خارجية ايضا. تعد الفاعلية الخارجية للثقافات اقوى محرك لصناعة التاريخ، ويتجلى ذلك على شكل تبادل او تعارض وتضاد.

ان العناية بالفعاليات الداخلية والخارجية للثقافة هي التي تحدد حالة السلام والتفاهم او المواجهة والصراع بين الشعوب. ذلك ان اي توتر او تضاد سيكون منوطا بابراز المحتوى الداخلي والخارجي للثقافات وعرضه على الواجهة. اما اذا كان فعل الثقافة ونشاطها ايجابيا وبناء فسينتهي ذلك الى الحوار والتفاهم.

ان ما هو بارز الان على ساحة العلاقات الثقافية بين الشعوب هو مظاهر تكشف عن الفعالية الخارجية الواقعية للثقافات، يمكن على اساسها الحكم منطقيا على امكان تحقق تفاهم الحضارات والتعاطي في ما بينها.

يكمن الاساس الاهم لايجاد المناخ المساعد لحوار الحضارات بترسيخ الخصائص التي تعد من لوازم الحوار، بحيث يودي غيابها الى تقوية مناخات الغزو الثقافي.

من الضروري التنبيه الى ان نظام السلطة في العالم لا يسمح عمليا بامكان تحقق هذه المجموعة من لوازم الحوار، اذ هناك ضرب من التوتر الثقافي والصراع الذي تقوم به القوى الغربية، وبخاصة امريكا في هذا الجزء وذاك من العالم، من اجل كسب التفوق والهيمنة الثقافية، مما يدخل في العقبات الاساسية للتفاعل الثقافي.

يحدد ماكس فيبر ستة شروط اساسية لحوار الحضارات وللعلاقات المتبادلة في ما بينها، يمكن تحققها على اساس الفعل الداخلي الايجابي للثقافات.

هذه الشروط، هي((358)):
1
- تحويل الله الى محور في جميع الامور، وعلى صعيد الحوار بين مختلف الحضارات.
2- نصب «الكرامة والشرف الانساني» محورا، واحترام الناس جميعا بغض النظر عن العنصر وما الى ذلك.
3- نصب «العقلانية» محورا وجعلها مرتكزا لحوار الحضارات.
4- التحرك صوب عالم ذي مدى اخلاقي، واخلاق ذات مدى عالمي.
5- احترام الاديان الالهية والثقافات البشرية والسنن الانسانية الاصيلة.
6- عدم الايمان بافضلية حضارة ورجحانها على اخرى.

على هذا الاساس ينبغي ان تتمركز عملية تفاهم الثقافات، بوصفها حجر الاساس ونقطة البداية لحوار الحضارات على اساس الاصول والموازين الاتية:
1- ينبغي ان تنهض عملية الحوار على قاعدة التساوي بين الشعوب، لا على اساس التمييز والتفرقة وعدم المساواة.
ويتحتم ان تكون هناك فرص متساوية امام جميع المشاركين من مختلف الثقافات والحضارات، لانتاج خطاب ناضج ومتكامل، ومن ثم لا ينبغي استثناء اي حضارة وتغييبها عن حوار الحضارات لاي سبب كان.

2- ينبغي ان تكون هناك فرصة لمشاركة جميع الثقافات، على كثرتها الكاثرة وتنوعها الكبير، في مضمار حوار الحضارات، كماينبغي ان يكون التعاون بين الثقافات المتنوعة هو الاساس الذي ترتكز عليه عملية الحوار((359)).

3- تدخل عملية ايجاد التفاهم المشترك بين الثقافات المتنوعة والمحبة والتعاضد المتبادل في ما بينها، في اساس تيسير حالة التفاهم الثقافي، كما تعد من لوازم حوار الحضارات.
وعلى مسار تكوين حالة التفاهم من الضروري ان تمتد جسور الثقة بين الشعوب والحكومات على صعيد الساحة العالمية.
هذا الامر يستلزم بدوره المشورة وتحمل الثقافات، ومن ثم ينبغي للمشاركين ان يتحلوا صميميا بالقدرة على تحمل ادعاءات بعضهم، وان يعبروا عن اهدافهم وعما يريدونه بصورة حرة.

4- تقوم عملية التفاهم الثقافي على اساس الوضوح في التعاون والبناء، من خلال الحوار والتفاعل الثقافي.
لما كان مرتكز مثل هذا الحوار مستندا الى الاصل المتمثل في ان الحوار مفيد للجميع، لذلك ستكون هناك امكانية لتحقيقه من خلال حركة منظمة منسجمة ومبرمجة. ان حوارا كهذا من البديهي ان يرتكز الى العقل والنقد ورعاية مصالح الطرفين ومنافعهما وشؤونهما الاخلاقية.
على هذا الضوء، سيكون الادباء واصحاب العقل والفكر والنظر في مضمار التبادل والحوار، هم رموز تفاهم الثقافات، وذلك بخلاف خصيصة الغزو الذي يتحقق عمليا من خلال ذوي النزعات الخشنة وطلاب الحرب.
ينبغي الانتباه الى ان الاستراتيجية العامة للسلام العالمي ولتحقيق العدالة في المجال الدولي لا تتيسر الا عن طريق تفاهم الثقافات فقط. فالحضارات تكتسب طابعا اعمق وتكون اكثر ثراء في اطار هذه الاستراتيجية، كما انها تصير اكثر غنى كلماقطعت خطوات اكثر على هذا المسار.

5- يحتاج المجتمع الانساني المعاصر الى نظام ثقافي يتخط ى مفهوم الاتصال والمعلومات المحضة. ان الثقافة التي تهيمن على العالم المعاصر ونمط التفكير الذي يفرض سيادته على الدنيا، يعد غريبا على اكثرية الشعوب والثقافات، كما ان هذه الثقافة المهيمنة لا تومن الاحتياجات الواقعية للبشرية.

ان «اكولوجيا» الثقافة المهيمنة على النظام العالمي الفعلي والتي تفرض سلطتها عن طريق شبكات الاتصال القوية وعبرالتكنولوجيا المعلوماتية المتطورة، هي بصدد الحفاظ على مركزية امريكا وعدة محدودة من القوى الاوروبية في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية والعسكرية. من الواضح ان من تبعات هذه الاستراتيجية بروز حالة عدم المساواة في انظمة ثقافة العالم الثالث والبلدان الاسلامية، والتقسيم الى شمال وجنوب.

تطل امريكا على العالم بوصفها اللاعب الوحيد في الساحات العالمية، وهي تدعي، انطلاقا من موقعها وهي في ذروة التسلط الثقافي على العالم، انها سيدة هذه الدنيا والماسكة بزمام هداية المجتمع الانساني((360))، ومن ثم فان النظام العالمي الذي تبتغيه امريكا يمثل في حقيقته الموقع المثالي الذي تكون فيه الدنيا في خدمة منافع هذا البلد ومصالحه.

لقد تحدث الرئيس الامريكي الاسبق للمرة الاولى عن النظام العالمي الجديد في 11/ايلول/1990 بعيد ازمة الخليج الفارسي،فقال عنه في اطار جلسة مشتركة لممثلي مجلسي «الكونغرس» الامريكي، مما نصه: «لقد كافح حتى الان ما يربو على المئة جيل من اجل تامين السلام.. واليوم هاهو ذا (العالم الجديد) يكافح من اجل ظهوره وتحققه»((361)).

واليوم، وان كان مسار التحولات العالمية قد املى على معظم دول العالم اللجوء الى الحوار اضطرارا، بوصفه اسلوبا لحل قضاياها، الا ان هناك ضروبا من الضعف والعقد الجدية في مجال الحوار، تكشف عن ان الحوار يعبر عن روية ايجابية متمركزة حول العقل.

لا ريب في ان بعض وقائع العالم المعاصر تختلف الى حدود كبيرة، مع النظرية المثالية للتفاهم الحضاري. ففي اطار مثل هذه السياسة تمثل قضية الحفاظ على المنافع الوطنية خارج الحدود الجغرافية، الاولوية الاولى في العلاقات مع الدول بالنسبة لامريكا والغرب. ترتكز السياسية الخارجية الامريكية في العالم تنفيذيا، على نظرية صموئيل هانتينغتون التي تحث على سياسة الغزو الثقافي. وفي الوقت نفسه تدفع مثل هذه السياسة مشروع حوار الحضارات الذي حولته الامم المتحدة الى فكرعالمي، الى دوامة الحوار الذي لا طائل من ورائه ولا نتيجة ترجى منه.

ان ضروب التدخل العسكري الثقافي الامريكي في البلدان الاخرى، تشجيع الناتو على تقوية عنصر «العسكرتارية» في العالم، والتعامل غير المسوول مع المسلمين والحضارة الاسلامية في ارجاء العالم، كما هو الحال في حماية معارضي البوسنة والهرسك، وبث التوتر واشاعة اجواء الفرقة بين المسلمين كما في افغانستان، وتحريك المسلمين على ضرب بعضهم عسكرياكما حصل في حال حماية العراق في هجومه ضد ايران، هذه العناصر والحالات والسياسات جميعها وغيرها لا يمكن تفسيرها الا في اطار مشروع صموئيل هنتيغتون.

كما ان الحضور العسكري الامريكي الى جوار المجال الجغرافي للحضارة الاسلامية ومتاخمته للحدود مع ايران، حيث تحولت المنطقة الى مخزن للتجهيزات العسكرية الامريكية ومختبر للسلاح الامريكي، ذلك كله ياتي في سياق تقوية نظريات الصراع الحضاري لصموئيل هنتيغتون والاخرين، هذه النظريات التي طرحت في اطار التفوق الثقافي والنفوذ الحضاري عبر مواجهة حضارة الاسلام.

يركز الغرب اليوم على عنصر الصراع والخصومة التاريخية بين حضارة الاسلام والغرب انطلاقا من نظرية هنتيغتون، ويعدذلك امرا ذاتيا في سعيه لاستبدال الشيوعية بالاسلام ووضع الاسلام مكان الشيوعية. من جهتها راحت الاتجاهات السياسية المغرضة والمحافل الصهيونية في الغرب تصر على هذا الامر.

بديهي ان الحركة في هذا الاطار تجر السياسية الخارجية عمليا الى ظاهرة الغزو الثقافي وتدفعها الى اعتماد اصوله ومعاييره.

الحصيلة

ينبغي الاذعان الى ان الاوضاع المهيمنة على النظام العالمي لا تساعد على وجود المناخ الثقافي المناسب لتفاهم الثقافات وتفاعلها، اذ ينبغي ان تكون الاوضاع في صيغة تلتقي فيها مصالح جميع الشعوب والحضارات العالمية ومنافعها، في اطاراستراتيجية عالمية شاملة، تهتم بها الدول، كما ينبغي ان تكون الشعوب والحكومات كافة ملزمة برعاية بعض الاصول الانسانية والقوانين والقرارات ذات الصلات بحقوق الانسان.

ان الساحة العالمية، وان كانت تشهد الان اجواء نسبية تبعث على الامل، كما فيها احساس جدي بضرورة الحوار والتفاهم من قبل العلماء والعقلاء واصحاب الراي، الا ان هذه المهمة لا تتيسر الا بالغاء عوامل الغزو ومحو النزوع الى التفوق الثقافي.

وبذلك فان الخطوة الاولى على مسار تحقيق الحوار الحضاري الذي صار العالم المعاصر يميل اليه بوصفه ضرورة، تتمثل بمبادرة عالمية ضد نزعات التفوق الثقافي، وفي مواجهة حالات التمركز حول الذات الثقافية.

ان مشروع ايران للحوار الحضاري، وان كان يقوم على اساس الحقائق السياسية الاجتماعية لعالم ما بعد الحرب الباردة، وهو الى ذلك دعوة للمجتمعات والحضارات للتحمل والتوجه نحو التعاون، ونبذ العنف والعداء، الا ان تنفيذ مثل هذا الهدف المثالي يتطلب مسارات عمل مناسبة تمت العناية بها في هذه المقالة.

على صعيد المجتمع الدولي، ينبغي ايضا على القوى الغربية ان تهتم بالمعتقدات الاساسية في مجال رعاية اصول التفاعل والتفاهم في مضمار الحوار الحضاري، كما ينبغي كذلك تحديد هذه الامور والتعاطي معها بوصفها منشورا عالميا في دائرة الحوار.

موتمرات وندوات

ملا صدرا والفلسفة المعاصرة
الملتقى الفلسفي العربي - الايراني في جزيرة «كيش»

عقد، بدعوة من موسسة «صدرا للابحاث والحكمة الاسلامية (سيبرين)»،التي تتخذ من طهران مركزا لها، الملتقى الفلسفي العربي الايراني، في جزيرة «كيش»، من 15 الى 17 آذار عام 2001م، تحت عنوان: «ملا صدرا والفلسفة المعاصرة».

شارك، في الموتمر، اساتذة الفلسفة الاسلامية والفلسفة المعاصرة في ايران وعدد من الدول العربية هي: لبنان، مصر، الاردن،العراق، المغرب، عمان. وركز المنتدون، في ابحاثهم، على فلسفة الحكيم صدر المتالهين الشيرازي (ملا صدرا)، المتوفى عام 1604م، وعلى المقارنة بينها وبين الفلسفات المعاصرة، وبخاصة من حيث الحركة والوجود والتاويل.

تحدث، في جلسة الافتتاح، رئيس موسسة «صدرا للابحاث...»، آية الله السيد محمد خامنئي، فعرف الفلسفة من حيث المضمون والذات، فراى انها «بناء شاهق معماره الذات الالهية المقدسة ومشيده الانبياء والحكماء والعقلاء»، ثم عرفها موضوعيا، فراى انها «بنيت على البرهان، اي الاستدلال العقلي الرصين والمبادى الثابتة»، وان «ما تبناه ملا صدرا وكبار حكمائنا في التعقل الانساني وتعبيرهم عنه بالاتصال بالعقل الفعال انما هو اشارة الى هذه الحقيقة، لان العقل الفعال عقل منفصل وحقيقة عالمية ثابتة...».

ثم تحدث عن خصوصيات الفلسفة، ومنها، كما قال:

- ان الانسان الصغير، ونعني به هذا الانسان الجثماني الضعيف، يتسنى له، بمساعدة نفسه الملكوتية، من خلال اتصالها بالعقل الفعال، ان يرسم في ذهنه ونفسه صورة حقيقية عن الانسان الكبير وروحه (Universe و logos)، ويوجد عالما مضاهيا له في نفسه، كما يتسنى له ان يكون متخلقا باخلاقه، ويجسد logos في عقله المتصل حتى يظهر فيه بالتالي فصله الاخير المنطقي اي الناطق، وتخرج منه الحيوانية... ويصبح الانسان الصغير انسانا حقيقيا وهو «الانسان الكبير»، مايصبح مصداقا للبيت المنسوب الى امير المومنين، ومعلم الحكماء والمتالهين، الامام علي بن ابي طالب(ع):

أتزعم انك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الاكبر

- دور الفلسفة الموثر في التقريب بين بني الانسان المتفرقين.

- الاختلاف في الروى لا يسبب التباعد بل يودي الى التقارب والحوار بين الفلاسفة يهدف الى التقريب، وبخاصة بين المسلمين.

ثم تحدث عن تقدم المسلمين في ميدان الفلسفة، وراى اننا «بفضل الفلسفة الاسلامية، لا سيما فلسفة ملا صدرا المتقدمة والمتميزة، يمكننا ان نقول: ان لنا حصة الاسد في عالم الفلسفة». ثم تحدث عن الفلسفة الغربية المعاصرة التي تسير الى التيه والضلال، واعلن عن خشيته من سيادتها، وراى انه في ظل المبادىء الاصيلة للحكمة الاسلامية: النظرية والعملية يتاح للسياسة، وللعدالة الحقيقية، المتلازمتان مع الفضيلة، ان تسودا العالم. وراى ان في الملتقيات ما يعزز الحوار والعلاقات الاخوية التاريخية ويساعد على نمو الحكمة وتطورها...، ودعا الى العمل على هذا الصعيد، واوضح ان الهدف من هذا الموتمرهو «التوصل الى مشروع جديد» خطت موسسة «سيبرين» خطوات كثيرة في طريقه، بعد ان وضعت نصب عينها مبداضرورة الحوار والتقريب بين الروى الفلسفية، مع الحفاظ على الاعتقاد بافضلية الفلسفة الاسلامية والحكمة المتعالية...

ثم تحدث عن انجازات الموسسة، وختم بتكرار الترحيب بالمنتدين واعلان استعداد الموسسة التام للتعاون مع جميع الاوساط الفلسفية في الدول العربية والاسلامية والعالمية.

في الجلسة الاولى، القى الاستاذ الدكتور داوري اردكاني، رئيس المنتدى الثقافي للعلوم وعضو المجلس الاعلى لموسسة صدرا للحكمة الاسلامية، محاضرة، تلاه الاستاذ الدكتور حسن حنفي فالقى محاضرة. ثم تحدث الاستاذ الدكتور اعواني عن «الحب الوجودي في الحكمة المتعالية»، والاستاذ الدكتور شافعي عن «مقارنة للحركة الجوهرية بين ملا صدرا ومحمد اقبال في اطار الفكر الاسلامي»، والاستاذ الدكتور جمال الدين عن الحكيم ملا صدرا، والاستاذ الدكتور ابراهيمي ديناني عن «العلم البسيط والعلم المركب».

وفي الجلسة الثانية، تحدث الاستاذ الدكتور داوري اردكاني عن «ملا صدرا ولغة الفلسفة الجديدة»، والاستاذ الدكتورمصباحي عن «مكانة نظرية الخيال عند الشيرازي على ضوء فلسفة ما بعد الحداثة»، والاستاذ لاريجاني عن الحكمة المتعالية عند صدر المتالهين، والاستاذ الدكتور احمد الطيب عن «مظاهر الحركة الجوهرية في فلسفة ملا صدرا»، والاستاذ الدكتوردهباشي عن «تضامن ابعاد طبيعة المادة من وجهة نظر ملا صدرا وآنشتاين ونتائجها»، والاستاذ الدكتور سحبان خليفات عن «مفهوم الديمقراطية في الاسلام نحو روية مستقبلية»، والاستاذ الدكتور اكبريان عن «الحكمة المتعالية والفكر الفلسفي المعاصر»، والاستاذ فعالي عن «العلم الحضوري نظرة تطبيقية».

وفي الجلسة الثالثة، في اليوم الثاني، تحدث الاستاذ الدكتور حسن حنفي عن «من العرفان الى الثورة: دراسة مقارنة بين صدرالمتالهين والامام الخميني»، والاستاذ الدكتور مجتهدي عن فلسفة ملا صدرا، والاستاذ الدكتور سالم يفوت عن «نحو تجديد الفلسفة العربية»، والاستاذ الدكتور محقق داماد عن «جوهرة العلم فلسفته»، والاستاذ الدكتور توفيق شومر عن «الواقعية البنائية ومبدأ المواءمة»، والاستاذ قائم مقامي عن «الجمع بين العلية والوحدة في فكر ملا صدرا»، والاستاذ الدكتور مدكورعن «اللطف الالهي وموضوع وجود الشر في العالم».

وفي الجلسة الرابعة، تحدث الاستاذ الدكتور ايجئي عن «ميتافيزيقيا الجهات من وجهة نظر ملا صدرا»، والاستاذ الدكتورالراوي عن «من الحكمة المتعالية حتى السفر الخامس»، والاستاذ الدكتور علي آبادي عن «الدلالة والبيان»، والاستاذ سامي نصر عن «الفعل والتكامل»، والاستاذ الدكتور محمدي عن «الاصالة وشهود الوجود عند ملا صدرا ومقارنتها بالفلسفة الغربية»، والاستاذ الدكتور زين الدين عن «مقدمة فلسفية حول ظاهرة العولمة»، والاستاذ محمد رضائي عن «مقارنة بين برهان الصديقين لدى الفلاسفة الاسلاميين (ملا صدرا واتباعه)»، والاستاذ الدكتور محسن صالح عن «منهج صدر المتالهين في تفسير القرآن»، والاستاذ الدكتور البروجردي عن «نظرية الحركة من وجهتي نظر الاسلام والغرب».

وفي الجلسة الخامسة، في اليوم الثالث، تحدث، الاستاذ الدكتور عبد الفتاح امام عن «الوعي السياسي»، والاستاذ الدكتورحسامي فر عن «البرهان النفسي في فكر كانت والفلاسفة الاسلاميين».

وفي الختام، قدم آية الله محمد خاتمي التقرير النهائي، وشكر المنتدين، ثم القي البيان الختامي للموتمر.

اعلان طهران: مفاهيم الحضارة الاسلامية- العربية ستقهر صدام الحضارات

كتب الاستاذ ميلاد حنا، تحت هذا العنوان، في جريدة السفير اللبنانية، وفي الاهرام المصرية، بترتيب خاص، مقالة تحدث فيهاعن مشاركته في ندوة فاس التي بحثت موضوعا عنوانه: «نحو مشروع حضاري نهضوي عربي»، وفي حلقة نقاش،موضوعها: «الحوار بين الحضارات»، دعا اليها مركز الامم المتحدة، في القاهرة، فقال: انه على اثر مشاركته في الندوة وحلقة النقاش وجد ان دول الموتمر الاسلامي قد اصدرت «اعلان طهران»، ثم «اعلان اثينا»، ليكونا وثيقتين محوريتين لصياغة مشروع حضاري اسلامي عربي يقدم للبشرية البديل عن صراع الحضارات الان. ثم، وبعد ان تحدث عن ندوة فاس والتيارين اللذين برزا فيها، وعن الواقع العربي المعيش، والمرجعية الاسلامية التي حققتها بعض الدول باشكال مختلفة، تحدث عن «اعلان طهران»، فقال: انه في صياغة هذا الاعلان ما يتفق مع القيم الانسانية الرفيعة. ومما قاله في صدد هذا الاعلان:

«انبهر كثيرون عندما تابعوا الطريقة الاصلاحية التي طورت بها الثورة الاسلامية الشيعية نفسها من داخلها بطريقة تدريجية تناسب العصر، فبالحوار وخلال انتخابات حرة نزيهة، ربما من اكثر ما عرفها عالمنا العربي والاسلامي شفافية ووضوحا، وهكذا جرى ويجري التطور والتغيير - باقل قدر من العنف او الصدام - الى ان وصلت مفاهيم الثورة الاسلامية لتكون هذه الثورة الاسلامية - ومن خلال تطورها - هي الرائدة لفكر نهضوي حضاري، تتمثل قيم الاسلام في مفاهيمها المتحضرة.

وكان مصدر انبهاري شخصيا عندما قرات المشروع البديل المتحضر لنظرية صدام الحضارات التي تبث - أو على الاقل تغذي - حجم الكراهية التي تودي مع تراكمها الى صراع مسلح قد يتحول الى حرب اهلية فيكون ذريعة لتدخل اميركا للمحافظة على مصالحها وامنها القومي وباسم الامم المتحدة تفرض عقوبات على دول مثل العراق وسوريا والسودان، بل وعلى ايران ذاتها،بدعوى انها دول تحتضن الارهاب على الرغم من ان القرار الذي اتخذته الجمعية العامة للامم المتحدة في جلستها العامة رقم 53 في 4 تشرين الثاني نوفمبر 1998 بان يرتب لعام 2001 ليكون هو سنة الامم المتحدة للحوار بين الحضارات وكانت البداية مرتبطة بمبادرة من الامام الرئيس محمد خاتمي رئيس الجمهورية الاسلامية، ولذا وعقب صدور هذا القرار جاءت استجابة جمهورية ايران الاسلامية سريعة ومنجزة في تقديم البديل، فقد دعت ممثلي روساء الدول الاعضاء في منظمة الموتمرالاسلامي للمشاركة في الندوة الاسلامية للحوار بين الحضارات والتي عقدت بالفعل بمدينة طهران من 3 الى 5 مايو ايار عام 1999، حيث اصدروا وثيقة عرفت ب «اعلان طهران».

وهذه الوثيقة - من وجه نظري - من ارقى - ان لم تكن ارقى - المفاهيم والاعلانات والمواثيق والاسس التي تكون الركيزة لاي مشروع نهضوي حضاري يقدم باسم الحضارة العربية الاسلامية ولذا آثرت ان اقتبس من هذه الوثيقة الهامة ما اراه البديل لنظرية صدام الحضارات الاميركية، ونموذجا يمكن ان تفخر به الحضارة العربية - الاسلامية واتمنى ان تنشر على اوسع نطاق، لكي يستوعب المفاهيم الخاطئة التي نجمت عن تصرفات افغانستان مثلا.

1- القبول الفعلي بالتنوع بوصفه احد الملامح الثابتة للمجتمع الانساني ومصدرا غاليا لتقدم البشرية وازدهارها.

2- الاحترام المتبادل والتسامح في مجال وجهات النظر والقيم الخاصة بمختلف الثقافات والحضارات، وحقوق الافراد المنتمين الى جميع الحضارات في الحفاظ على تراثهم وقيمهم الثقافية، ورفض تدنيس القيم الاخلاقية والدينية والثقافية،وانتهاك الحرمات والمقدسات.

3- رفض محاولات الهيمنة والسيطرة الثقافية والحضارية والتصدي للمذاهب والممارسات الدامية لخلق الصراع والصدام بين الحضارات.
من الجلي ان اعلان طهران يرفض مقولات هنتغتون التي تتبعها الادارة الاميركية.

4- السعي لايجاد ارضية مشتركة بين مختلف الحضارات وداخلها حتى يمكن مواجهة التحديات العالمية المشتركة.

ثالثا: مجالات الحوار بين الحضارات:
1- التجاوب مع تطلعات البشر للتمسك بالايمان والاخلاق.

2- تعزيز التفاهم المتبادل والمعرفة بين مختلف الحضارات.
3- تعزيز مفهوم التسامح (اتصور ان القصد هو قبول الاخر) واحترام التنوع.
4- تشجيع وحماية حقوق المراة وكرامتها والمحافظة على موسسة الاسرة وحماية الشرائح الاجتماعية المحتاجة للدعاية:الاطفال، الشباب، المسنين (هذه العبارة هامة لمن يروج ان الاسلام لا يحمي حقوق المراة).

رابعا: تطبيق الحوار بين الحضارات في المجالات المتازمة من العلاقات الدولية:
1- تحديد اصحاب الشان على المسرح الدولي الذين سيتولون اعداد نظام عالمي يقوم على الاشتراك والحوار والتفاهم والاحترام المتبادلين، عوضا عن المفاهيم التي عفى عليها الزمن والتي قامت على النبذ والتنافس والسياسات والقوة والجري وراء المصلحة الانانية ضيقة الافق (وذلك في مواجهة نظريات هنتغتون لاعادة وضع نظام عالمي جديد يخدم مصالح اميركا وحدها).

2- عدم اللجوء الى الحرب واستخدام القوة او التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية، باستثناء حالات الدفاع المشروع.

تيارات الفكر الاسلامي المعاصر: قضايا الاصلاح  والتجديد

ندوة في بيروت

نظم المعهد العالي للدراسات الاسلامية لجمعية المقاصد الخيرية الاسلامية في بيروت والمعهد العالمي للفكر الاسلامي في الولايات المتحدة الاميركية، ندوة عن «تيارات الفكر الاسلامي المعاصر، قضايا الاصلاح والتجديد»، شارك فيها عدد من المثقفين العرب.

استهلت جلسة الافتتاح بتلاوة آيات قرآنية، ثم القى رئيس المعهد، الدكتور هشام نشابة، كلمة منظمي الندوة، فقال: «ان من اجلى التطورات على صعيد الدراسات المعاصرة ما شهده العالم الاسلامي، في العقدين الاخيرين، من محاولات جادة لدراسة الحضارة الغربية الحديثة وفهمها. واضاف: «بدانا ندرس الغرب ونحلله فكريا واجتماعيا ونستخلص من توجهاته وخبراته الامثلة والعبر، فلم يعد الغرب مثالا لنا نقتدي به الا من حيث المنهجية العلمية».

ورأى أن دور المعهد العالي للدراسات الاسلامية يكمن في بلورة شخصية اسلامية تقبل على التجدد والحداثة اقبالها على التاريخ والسلفية والتراث من دون ان تجد في ذلك تناقضا او تعارضا، لافتا الى ان فلسفة الصراع انحراف عن المسيرة الانسانية السليمة.

وتحدث رئيس المعهد العالمي للفكر الاسلامي، الدكتور عبد الحميد ابو سليمان، عن مهمة المعهد وفلسفته وانطلاقته على ايدي طلاب في الولايات المتحدة الاميركية، فراى ان مهمته فهم الفكر الاسلامي وما اصابه من خلل وسبل استعادة صحته.

ورأى أن العالم بحاجة الى الاسلام لان القرية العالمية تحتاج فلسفة تبنى على السلام، فيما فلسفة الغرب القومية فلسفة صراع ونزاع، داعيا الى اعادة النظر في مناهج فكرنا وتنقية ثقافتنا واعادة بناء مناهجها التربوية.

في الجلسة الاولى، تناول المشاركون موضوع «روية العالم في الفكر الاسلامي المعاصر»، وقد تراسها الدكتور فتحي ملكاوي،وتحدث فيها الدكتور وجيه كوثراني، والدكتور رضوان السيد، وعقب على كلمتيهما الدكتور بسام عبد الحميد وزكي الميلاد.