الامام الخميني وهموم الاصلاح في الحوزة العلمية الشيخ حيدر حب اللّه
عندما نتحدث عن الامام الخميني والمؤسسة الدينية، فنحن
نتناول موضوعا
شائكا غير عادي في حد نفسه× لان المؤسسة الدينية ليست
مجرد مؤسسة عادية في
المجتمع الديني، كما ان الامام الخميني ليس شخصية عادية
في هذه المؤسسة، وفي
مشروع الاصلاح عموما.
1-
ومن خلال تشابك الامر، نلاحظ ان الشخصيات الكبيرة
كثيرا ما يجري
تسليط الضوء على جوانب منها دون اخرى، وكثيرا ما يكون
ذلك بسبب الحاجة التي
يراها الباحث× فيلتمس من احد ابعاد الشخصية ما يرفد
تصوراته، او يقوم احيانا
باسقاط افكاره عليها× بغية توظيفها والاستفادة منها، وهو
خطا يجدر بالباحث
الحصيف تجاوزه وتخطيه، وثمة عينات من هذا الاسلوب في
التعامل مع الشخصيات
الكبيرة، ومن ذلك في راينا تغييب البعد الاصلاحي او
بعض الابعاد الاصلاحية في
شخصية الامام الخميني على صعيد الحوزات الدينية، وهو ما
سنسلط الضوء عليه هنا،
رغم عدم القدرة في هذه العجالة على استشراف تمام مفاصل
هذا البعد× من هنا
ستكون هذه الاطلالة اضاة على القليل من المغيب مؤخرا في
بعض الاوساط
الحوزوية حول رؤية الخميني لهذا الموضوع، وافصاحا عن
المسكوت عنه في هذا
الجانب.
2-
اول عناصر الاصلاح الخمينوي في الحوزة العلمية هو
استحضار الواقع
ووعي الزمان× فالامام الخميني لا يرى من المسموح بعد اليوم
ان يكون المرجع غير
معنى بالحياة السياسية والاجتماعية للناس، ينزه نفسه عن
الدخول في اليوميات على
اساس انه كلي وعام، ولا يحضر في واقع الحياة على اساس
انه يؤتى ولا ياتي.
لم تقف القضية عند هذا الحد، بل طور الخمينى من هذا
الموضوع اواخر
حياته، عندما راى ان الزمان والمكان يلعبان دورا في
الاجتهاد، وفي سياق نصه الشهير
هذا يركز على ملاحظة الموضوعات في ظل التعقيدات الحالية
للحياة السياسية
والاجتماعية (صحيفة نور 21:98)، وهذا يعني ان الصورة
البدوية الاولية التي يرسمها
فقيه ما عن موضوع الحكم لم يعد يمكن الاعتماد عليها دوما،
بل ان ما يتراى لنا
اليوم انه موضوع للحكم الفلاني، ربما لو اطلع الفقيه على
تعقيدات الحياة الاجتماعية
والسياسية الجديدة لراى انه لم يعد هذا المورد موضوعا لهذا
الحكم، بل موضوع
لحكم آخر، اذا فهناك رابط وثيق بين الحضور المعرفي للفقيه
في مجال تغيرات الحياة
وبين رؤيته الفقهية التي اصدر الحكم على ضوئها، ولا يصح
من الفقيه ان يكتفي
بالاجوبة التعليقية التي تستبطنها بعض الفتاوى× لان
الموضوعات التي يلزم منهالو
القيت الى الاحاد من الناس الهرج والمرج تغدو من شؤون من
يملك الاشراف على
الشان العام ومنهم الفقيه نفسه، بوصفه حاكما شرعيا، ومن ثم
لا يمكن له التنحي عن
تحمل مسؤولياته في هذا المجال من هذه الزاوية، وان كانت
وظيفته بوصفه مفتيا لا
بوصفه مرجعا عاما للمسلمين× للفرق بين الافتا والمرجعية
ان يضع الحكم الكلي
على موضوعه الكلي.
3-
ومن خلال هذا المنطلق، يحدد السيد الخميني رؤية اكثر
جذرية للتفكير
الذي ينبغي للفقيه حمله ازا قضايا الدين، وتبدا ترتسم في
ذهنه صورة عن مدرستين
داخل الحوزة العلمية: مدرسة التحجر والقشرية، التي ينتقدها
في بعض نصوصه بشدة،
ومدرسة الصورة الكلية الشمولية للاسلام، التي لا تغرق في
ملاحقة المفردات الفقهية،
مقتطعة كل جزء منها عن الجزء الاخر، لهذا نجده على الصعيد
الثاني يركز على ذوبان
المفردات الفقهية في النظرة الحكومية للاسلام، فعندما يفهم
الامام الخميني الفقه صورة
واحدة مترابطة الاجزا تعد الدولة مختبرها كما تعد مظهرها
وموطن تجليها فهو يصير
الاسلام والشريعة كلية، اي ينظر اليهما بوصفهما كلا واحدا ذا
اجزا، انه يرى درجة
من الترابط بين الاجزا، لا انه يفترضه ويوكله الى العلم الالهي
فحسب، ومن ثم هل
يصح بعد اليوم بحث موضوع الحج مثلا بمعزل عن رؤية
شمولية للتصور الفقهي
الاسلامي للحياة؟!
4 اما على الصعيد الاول، اي مدرسة القشرية والتحجر،
فللامام الخميني
موقف قاطع وواضح وصريح وجري في الوقت عينه، انه يقول
في رسالته الجوابية
لاية اللّه محمد حسن قديري، بعد ان يتاسف وينتقد التفكير
الفقهي الموجب لاندثار
المدنية الحاضرة وعودة البشرية الى عصر الاكواخ وزمن
البدائية، او عيشهم في
اطراف الصحاري على حد تعبيره هو نفسه ؟ يقول : «.. لكنني
انصحكم نصيحة
ابوية ان تسعى لملاحظة اللّه وحده، وان لا تقع تحت تاثير
المتظاهرين بالقداسة
ورجال الدين الاميين× ذلك انه اذا كان اعلان حكم اللّه ونشره
يلحق الضرر بمكانتنا
عند اولئك المتظاهرين بالقداسة الحمقى والمشايخ
الجاهلين، فليكن، وليزدد الضرر
اللاحق بنا نتيجته» (صحيفة امام 21: 150 152).
ان الامام الخميني كان يتكلم في هذه الرسالة جوابا عن اولئك
الذين حملوا
عليه بالنقد والتشهير في الحوزات العلمية لما تحدث عن فتواه
الجديدة في الشطرنج،
ولم يكن يقصد سوى ذلك التيار الذي نعته هنا باشد النعوت،
وهو ادرى بما قال
واعلم، ولم يكن الخميني هادفا تجريح احد كما لم يكن رجلا
سي الخلق مع
العلما، لكن مثل هذه المواقف انما تكشف عن عمق الهوة، وهو
يرسل هذه الرسالة
قبل قرابة العام من وفاته، في اشارة نراها ضرورية لدراسة
شخصية الامام الخميني
عموما، وهو تطوره في تكوين رؤاه بمرور الزمان وخوضه
التجارب.
كان الامام الخميني قد عانى منذ زمن بعيد من تكفير بعضهم
له وتنجيسهم
لابنه مصطفى بالتبعية، كما يصرح هو نفسه بذلك في رسالته
الشهيرة الى علما الدين
قبل اشهر بسيطة من وفاته ؟، ففي الوقت الذي بدا فيه
رسالته هذه بكل المديح
والاطرا للمؤسسة الدينية، اطرا مذهل لا مثيل له ربما
(صحيفة امام 21: 273 275)، شن واحدة من اعنف
انتقاداتهضد بعض تياراتهم التي وسمها بالمتحجرة، انه
يقول: «واليوم هناك جماعة ممن تلبس بلباس التقدس يضرب
اساس الدين والثورة
والنظام حتى كانه لا عمل لهم غير ذلك، ان خطر المتحجرين
والمتظاهرين بالقداسة الحمقى ليس قليلا في
الحوزاتالعلمية، وعلى الطلاب الاعزا ان لا يقصروا ولو
للحظة في التفكير بامر هذه الافاعي الرقطا، انهم يروجون
الاسلامالامريكي، وهم اعدا رسول اللّه...»، ثم يقول: «.. ان ما
عاناه ابوكم الشيخ العجوز من هذه الفئة
المتحجرة لم يره من اى ضغوط او مصاعب من الاخرين..»
(صحيفة امام 21: 278).
وفي نص لطالما ارق مفهومه الكثيرين من المتصدين للعمل
الاسلامي، يقول
الامام الخميني: «يزعم بعضهم ان علما الدين يغدون محلا
للاحترام والتكريم عندما
يغرقون من راسهم الى اخمص قدميهم في السذاجة
والحماقة، اما العالم الديني
العامل والسائس والنشط والفاهم فامره مريب!.. كانوا يعدون
دراسة اللغة الاجنبية كفرا!
ودراسة الفلسفة والعرفان ذنبا وشركا!... لا شك عندي ان
الامور لو سارت على هذا
المنوال فان وضع علما الدين والحوزات كان سيؤول الى حال
الكنائس في القرون الوسطى» (صحيفة امام 21: 278 آ279).
وبالفعل، فهذه مشكلة حقيقية× اذ تجد المفاهيم مقلوبة
احيانا× فكلما انزوى
عالم الدين وظهرت عليه آثار عدم العلم بالحياة وبالمشاهد
الثقافية والاجتماعية
والسياسية، كان اكثر قداسة، وكلما تصدى للفعل السياسي
والثقافي والاجتماعي.. كان
محل شك وتساؤل، حتى ان الاول وهو لم يقدم على فعل شي
يذكر احيانا
للاسلام والمسلمين يحق له ان يقيم دين وايمان وعلم الثاني
الذي ربما صنع اجيالا
من المتدينين، بل وعلما الدين انفسهم، فالموضوع ليس
موضوع نوايا او اخلاقيات،
فلا يجدر التجني على احد، انما موضوع ثقافة، وطريقة تفكير،
ورؤية خاصة.
5-
وفي سياق اصلاح الفقيه والحوزات، يرى ؟ ان التفكير
الذي يسود
بعض الاوساط العلمية في الحوزات الدينية ازا طبيعة
اهتمامات عالم الدين هو تفكير
خاطئ بل قاتل، اذ مازال بعضهم يتصور ان عرض العضلات
العلمية وشحذ الذهن
في مطالب لا نفع منها او تندر الفائدة فيها هو معيار قوة
الاجتهاد وبراعة الاستنباط،
وهذا ما يركزه بعضهم دوما مع الاسف الشديد في اذهان
طلاب العلوم الدينية،
حتى انك لتجد تباريا في هذا الموضوع، وكلما غدوت عرفيا
في فهمك للكتاب
والسنة زادت التهمة بالسطحية ضدك، خلطا بين الاوراق،
وتغافلا عن بعض الامور.
يقول الامام الخميني معلقا على تركه الخوض في مباحث
دليل الانسداد:
والمرجو من طلاب العلم وعلما الاصول ايدهم اللّه ان
يضنوا على اوقاتهم
واعمارهم الشريفة، ويتركوا ما لا فائدة فقهية فيه من
المباحث، ويصرفوا همهم العالي
في المباحث المفيدة الناتجة، ولا يتوهم متوهم ان في تلك
المباحث فوائد علمية، فان
ذلك فاسد× ضرورة ان علم الاصول علم آلى لاستنتاج الفقه،
فاذا لم يترتب عليه هذه
النتيجة فاية فائدة علمية فيه؟! والعلم ما يكشف لك حقيقة
من الحقائق دينية او
دنياوية والا فالاشتغال به اشتغال بما لا يعني.. (انوار الهداية
1: 317).
ويقول ؟ : «ان كثرة اشتغال بعض طلبة الاصول والنظر اليه
استقلالا، وتوهم
انه علم براسه، وتحصيله كمال النفس، وصرف العمر في
المباحث الغير المحتاج اليها في الفقه لهذا التوهم، في
طرفالتفريط، والعذر بان الاشتغال بتلك المباحث يوجب
تشحيذ الذهن والانس بدقائق الفن، غير وجيه» (الاجتهاد
والتقليد: 11 12).
فالمطلوب اذا، بنا صورة انموذجية اخرى في ذهن طلاب
الحوزات العلمية×
كي يقتدوا بها، ويحددوا على وفقها الفقيه المنشود من
غيره، فالخطا في تحديد الهدف يوقع في كوارث، فاذا كنا
اليومنؤمن بالمشروع الاسلامي الكبير الذي قدمه
الامام الخميني فعلينا ان نخدم هذا المشروع، فكم هي
حاجات الفقه المعاصر اليوم
وضرورات الدولة الاسلامية، ولوازم الحركة الاسلامية عموما،
حتى نستجيب لها، بدل
الانشغال وشغل طلاب العلوم الدينية بموضوعات لا تحتاجها
الثورة، ولا الدولة، ولا
الحركة، ولا النهضة، ولا المشروع، الا نادرا، لا اقل من ضرورة
اعادة رسم الاولويات
في هذا الموضوع.
6 وفي الختام، يوجه الكلام لانصار خط الامام الخميني ان لا
ينسوا هذه
المفاهيم، ولا يعيدوا اولئك الذين لطالما سعى الامام الخميني
لمواجهتهم بالكلمة
والفكر والموقف والاخلاق، فينحروا بذلك ومن داخل
المؤسسة الدينية نفسها
مشروع الامام الخميني، وعليهم ان يعوا جيدا خطورة هذه
الملفات، وصعوبة هذه
المواقف، وان يدركوا ان مثل هذه الاخطا ستكلف غاليا في
المستقبل، فالموضوع
ليس والعياذ باللّه موضوع حرب او مواجهة غير اخلاقية، بل
نحن ننشد المرجع
الانموذجي، والفقيه القدوة، والمفكر الامثل، والحوزة النابضة،
دون ان يعني ذلك
وهذا امر حساس وهام اي تجريح او اهانة او تسقيط لاى
رمز او تيار آخر× فتعدد
الراي مفخرة للحوزات العلمية، وسيظل كذلك ان شا اللّه
سبحانه، انما المسالة مسالة
وظيفة فيما نفعله، فعلى كل منا ان يقوم بما يراه حجة بينه
وبين ربه جل ذكره، وهذا
ما يجعل ايماننا بافكارنا رهينا بالانسجام معها عمليا× لنخرج
من هذه الازدواجية، ومن
اللّه نستمد العون، وهو خير ناصر ومعين.
؟الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم
فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا اللّه ونعم
الوكيل # فانقلبوا بنعمة من اللّه وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا
رضوان اللّه...؟
[آل عمران: 173 174]. حيدر حب اللّه
محاضرات في التاسيس للمنطق الذاتي القسم الثاني السيد محمد باقر الصدر
بقلم: السيد عبد الغني الاردبيلي
البحث الحالي عبارة عن ست عشرة محاضرة شرع في القائها
المفكر الاسلامي الشهيد
السيد محمد باقر الصدر؟ على طلابه في النجف الاشرف في 5
/ رمضان / 1384ه، وفرغ
من القائها في 29 منه. وكانت فكرة هذه المحاضرات قد بدات
بالظهور لديه عند بلوغه بحث
(القطع) في دروسه الاصولية في العام 1383ه، قبل ان ينشر
عام 1965م مقالا حول (اليقين
الرياضي والمنطق الوضعي) ضمنه لاحقا في كتاب (الاسس
المنطقية للاستقرا) الصادر
عام 1972م، والذي تعبر هذه المحاضرات عن نواة كثير من
افكاره الرئيسية، حيث قام
هناك بعرضها والبرهنة عليها بشكل اعمق ومنظم. وعلى من
يرغب في الوقوف على آرائه
النهائية حول الموضوع ان يراجع الكتاب المذكور× واهمية
هذه المحاضرات تكمن في
الزاوية التاريخية لدراسة تطور نظرية المذهب الذاتي عند
السيد الصدر.
يشار الى ان ؟المنهاج؟ تنشر هذه المحاضرات للمرة الاولى،
بعد ان بقيت لسنوات
مديدة محفوظة في تراث المرحوم السيد عبد الغني
الاردبيلي؟ احد خلص طلابه الذي
كان قد دونها دون ادنى تصرف، الى ان تفضل (مركز الابحاث
والدراسات التخصصية
للشهيد الصدر؟) في مدينة قم والذي يعنى بتحقيق ونشر
تراث السيد الصدر بوضعها
في متناول يد المجلة، والتي كلفت الشيخ احمد ابو زيد
بتهذيبها وتنظيمها وتصحيحها،
دون المساس بافكارها وبترتيبها.((1))
استرجاع وتعميق لبعض النتائج
قلنا: ان المصادرة الثالثة عبارة عن الايمان بالعقل الاول، ثم
حاولنا اعطا فكرة
عامة عن العقل الاول من وجهة نظر منطق البرهان، وقلنا: ان
قضايا العقل الاول في
منطق البرهان عبارة عن ست قضايا:
الاوليات والفطريات التي ذكرنا هناك انها بلا شك من قضايا
العقل الاول.
اما المتواترات والتجربيات والحدسيات، فلا يمكن ان تكون
كذلك بحسب
تعريفها التقليدي المذكور في منطق البرهان× لانها وكما
ذكرنا ايضا تستند الى
حكم عقلي آخر اسبق منها، فالاولى ان يكون هذا الحكم
العقلي هو احد قضايا العقل
الاول، لا المتواترات نفسها.
اذن، لو تم اصلاح التعريف وفق ما ذكرناه سابقا، فستكون هذه
الاحكام الاولية
التي تقع في مرحلة سابقة على المتواترات هي القواعد الكلية،
ولامكن الاستفادة منها ضمن صيغة القياس
وبالطريقةالموضوعية× لانها اساس التواتر والتجربة والحدس،
فتصبح هي في عرض الاوليات، ويكون من الخطا ان نقول: ان
لديناوليات، وفي عرضها لدينا حدسيات ومتواترات
وتجربيات، بل بنا على اصلاح التعريف على
ضوء الاشكال الذي ذكرناه سيكون لدينا اوليات، وتقف الى
جانبها هذه القوانين العامة، ويكون الاستنتاج منها على
حدالاستنتاج من الاوليات والفطريات عن طريق التوالد
الموضوعي.
نعم، يبقى في المقام ثغرة تتعلق بالحسيات، وهي القضايا
المحسوسة× فانه بعد
الفرض بان التصديق باصل المحسوس امر ضروري ومن
قضايا العقل الاول، لا بد
من التساؤل حول طبيعة القضية التي يدركها الحس، هل هي
قضية جزئية؟ ام قضية
كلية على نهج الاوليات والفطريات والقوانين العامة التي
وقفت خلف تفسير
التجربيات والحدسيات والمتواترات؟ ومرادنا من القضية الكلية
هو ان العقل متى ما
احس بشي موجود، فهذا يعني بالملازمة [التطابق والتشابه
بين الصورة المحسوسة
والواقع الموضوعي].((2))
فاذا قلنا بوجود هذا الحكم الكلي وهو التطابق بين الصورة
المحسوسة
والواقع الموضوعي فسينفتح الباب امام الاشكال الذي تقدم
سابقا لدى الحديث عن
المتواترات والتجربيات× لان الحكم بوجود هذا المحسوس في
الواقع الموضوعي
ليس حكما اوليا، بل مستنبطا وفق موازين الصيغة القياسية،
وذلك بان نقول: ان كل
محسوس موجود (الكبرى)، وهذا محسوس (الصغرى)، فهذا
موجود.
ونحن نلاحظ ان الحكم بوجود المحسوس في عالم الخارج
سيكون حينئذ
من سنخ القضايا الفطرية التي تكون قياساتها معها ويمكن
البرهنة عليها بقياس، لا من سنخ القضايا الاولية× لان العقل
لايصدق بها بمجرد تصور طرفيها، بل يوسط ما لا
يكاد يغيب عن الذهن، الى درجة ان العقل يخطو معه الى
النتيجة بدون فاصل زمني او تامل.
واما ان نقول: ان القضية المحسوسة قضية جزئية لا كلية،
والعقل لا يحكم بان
كل محسوس موجود على نحو القضية الكلية، بل يحكم بان
هذا موجود على نحو القضية الجزئية× وذلك ان
الاحساسيوجد في الانسان التصديق، [ولا شك في ان
الانسان الاعتيادي يذهب الى الاعتقاد بدرجة كبيرة من
التطابق والتشابه بين الصورة
المحسوسة والواقع الموضوعي((3))]، وهذا قانون جعله اللّه
تعالى في الحس، كما جعل
النار موجدة للحرارة، بحيث ينصب القطع على قضية جزئية
من اول الامر.
وهناك عدة فوارق ظاهرة بين هذين التصويرين، احدها: اننا
اذا فرضنا ان
القضية المحسوسة عبارة عن تلك القضية الكلية العامة كما
ذكرنا، فيصدق بهذا ان
معارف العقل الاول كلها معارف شرطية واجمالية ومعلقة،
وليست معارف وجودية
بحسب مصطلح العصر الحديث، او تنجيزية بحسب اصطلاحنا
في علم الاصول×
بمعنى ان جميع معارف العقل الاول ترجع الى قضايا اجمالية
او قضايا شرطية: فان
«الاثنين نصف الاربع» معرفة شرطية وليست معرفة وجودية،
بمعنى انه لو وجد شي
وكان اثنين، فسيكون نصف الاربعة. وهذه القضية لا تنبئ عن
شي في عالم الوجود
بالفعل، وانما تنبئ عنه على نحو القضية الشرطية، وهكذا قولنا
«الجزء اصغر من
الكل». وهذا الامر يجري حتى في القضايا المحسوسة× لاننا
ارجعنا حكم العقل الاول
في القضايا المحسوسة الى قضية كلية، والقضية الكلية قضية
شرطية، بمعنى ان
الانسان اذا احس بشي من عالم الخارج، فهذا يعني ان ما
احس به موجود في ذلك
العالم.
اذن، العقل الاول لا ينبئ عن معرفة وجودية، وانما ينبئ عن
امور ومسائل
معلقة، وما لم تضم اليها صغرياتها وهي عبارة عن الشرط فلا
يثبت شي في عالم
الخارج.
اما الشرط في القضايا الشرطية: فتارة يثبت عن طريق العلم
الحضوري، فتكون
النتيجة محرزة لا محالة ومضمونة الحقانية، باعتبار ان
الكبرى مدركة بالعقل الاول،
والصغرى معلومة بالعلم الحضوري، فينتج عنهما ان الشي
موجود في الخارج.
واخرى يثبت عن غير طريق العلم الحضوري، اي عن طريق
العقل الثالث،
فتكون الكبرى مستفادة من العقل الاول، والصغرى من العقل
الثالث، وتكون النتيجة
تابعة لاخس المقدمات.
عودا على بدء، فانه بنا على ارجاع القضية المحسوسة الى
قضية كلية، يكون
العقل الاول منبئا عن قضايا معلقة وشرطية لا تثبت شيئا
بالفعل، وانما تفتقر الى اثبات
صغرياتها ومقدماتها، ليتم بعد ذلك اثبات النتيجة عن طريق
التوالد الموضوعي. وهذه
الصغريات خارجة عن دائرة العقل الاول، حتى في حال ثبوتها
بالعلم الحضوري.
نعم× لو قلنا بان القطع في القضية المحسوسة ينصب على
القضية الجزئية
مباشرة، فحينئذ سيشكل ذلك استثنا من احكام العقل الاول×
لان قضاياه ستكون
عبارة عن قضايا شرطية معلقة باستثنا هذه القضية، حيث
ستكون قضية وجودية
ومعرفة تنجيزية.
هذا بنا على الطريقة الموضوعية في توالد المعرفة التي لم
يثبت العقلان الاول
والثاني فيها شيئا في الخارج، خلافا للطريقة الذاتية.
هذا ما اردنا بيانه بالنسبة الى مصادرات المنطق الذاتي.
الفائدة العملية للمنطق الذاتي
وقبل الدخول في موضوع بحثنا، تبقى مسالة لا بد من بيانها،
وهي ترتبط
بالفائدة العملية المرجوة من المنطق الذاتي: فالمنطق الذاتي
على ضوء ما عرفناه حتى
الان ياخذ على عاتقه بيان وتوضيح قوانين الطريقة الذاتية
في توالد المعرفة، فهل
لذلك فائدة ترتجى في عصمة ذهن الانسان وصيانته عن
الوقوع في الخطا في الفكر
كما هو الحال لدى اصحاب المنطق البرهاني بحسب ما
يدعونه؟! فان فائدة المنطق
البرهاني تكمن في ان مراعاة قوانينه تعصم الذهن عن الوقوع
في الخطا، او بتعبير
متواضع وصحيح: تحد من الاخطا وتقلل منها. وهذا ما عبرنا
عنه بالفائدة العملية.
اما آليات هذه العملية وكيفية مساعدة هذا المنطق على الحد
من الاخطا،
فبتزويده الانسان بالقدرة على التمييز بين الوهم وبين العقل،
اي بالقدرة على ابطال
القضايا التي تنشا من الوهم، وسنستعرض في البحوث المقبلة
كيف ان الوهم هو احد
مناشئ الخطا الذي يقع فيه الانسان.
اذن، الوهم يجر الانسان في كثير من الاحيان الى الوقوع في
كثير من الاخطا،
ووظيفة منطق البرهان ازا ذلك تزويد الانسان بالقدرة على
التمييز بين العقل والوهم،
وذلك عبر تزويده بصناعة البرهان التي تخوله ترتيب
المقدمات، واستدراج الوهم
بالنحو الذي ذكرناه في محاضرة سابقة، الى ان ينتهي الى
دفعه من خلال البرهنة على
بطلان ما انتهى اليه.
هذه فائدة مهمة سجلت لمنطق البرهان.
وهذه الفائدة بنفسها يتمتع بها المنطق الذاتي وتحظى بها
الدراسات التي سوف
نقدمها الان تحت هذا الاسم× لانها تتكفل بفضح الوهم
والكشف عن جملة من
قضاياه بهدف تغليب سلطان العقل على سلطانه، والحؤول
دون حصول العلم لدى
الانسان من خلال ما يقدمه له الوهم من معطيات.
وقد المحنا سابقا ونذكره الان بشي من التفصيل ان
القضية التي ينتهي
اليها الوهم تكون باحد نحوين:
فتارة تكون بحيث يمكن للعقل الاول والعقل الثاني ابطالها
بالصناعة ابطالا
جازما، وذلك باثبات نقيضها كما في المثال الذي قدمناه في
محاضرة سابقة، حيث
ذكرنا ان الانسان قد يقطع تحت تاثير وهمه بعدم تناهي
العالم، ثم ياتي دور العقل
الاول ليرتب المقدمات بصناعة البرهان وينتهي الى نتيجة
متناقضة تماما مع النتيجة
السابقة، ويفرض بذلك على الانسان القطع بتناهي العالم
والكميات المتصلة فيه. اذن،
انتهى العقل في هذه الحالة الى نتيجة قطعية مضادة للنتيجة
التي اوهم الوهم بصحتها.
وتارة اخرى لا يكون الحكم الذي يصدره العقل في مقابل
الوهم حكما قطعيا،
وانما يولد في مقابله احتمالا لا يصل الى درجة القطع، ولكنه
يعمل على المحافظة
على هذا الاحتمال وصيانته، بحيث لا يمكن القضا عليه الا اذا
تم تهميش دور العقل
بشكل كامل والانصياع الكامل لسلطان الوهم، والانغماس في
احكامه.
والمنطق الذاتي بحسب ما سنبينه في هذه المحاضرات
يتكفل امر محاربة
الوهم على كلا الصعيدين، ويحد من انسياق الانسان مع الوهم
في كلتا الحالتين.
الى هنا نكون قد انتهينا من بيان مقدمات البحث، ولنشرع في
اصل الموضوع.
نطاق المعرفة التي يبحثها المنطق الذاتي
ان المعرفة الناجمة عن الطريقة الذاتية في التفكير تنتمي الى
ميدان الحس
والتجربة× فنحن نعرف ان الصورة المحسوسة التي تحصل
لدى الانسان لها جانبان:
احدهما يرجع الى العلم الحضوري، وآخر الى العلم الحصولي.
اما ما يرجع الى العلم الحضوري فاصل وجود هذه الصورة،
اضافة الى
خصوصياتها المحسوسة بالذات، وهذا كله مما لا علاقة
للمنطق الذاتي به. كما لا
علاقة له بالمقدار الذي يعترف به العقل من مطابقة الصورة
المحسوسة مع الواقع، بل
هو من وظيفة العقل الاول والعقل الثاني.
وهناك علاقات وروابط قائمة بين الاشيا الخارجية المحسوسة
يمكن اثبات
قسم منها بالبرهان ايضا. فمثلا عندما يحس الانسان بالما، ثم
يحس مرة اخرى به،
ويرى تماثل هاتين الصورتين المحسوستين بالذات، فيستكشف
حينئذ ان ما ترمز اليه
هذه الصورة هو نفس ما ترمز اليه تلك من حيث الجنس
والنوع، ولا يحتمل ان يكون
ما اثار الصورة الاولى عبارة عن سائل حار، بينما اثار الثانية
جسم كقرص الشمس،
بحيث يكون التفاوت بين الصورتين كالتفاوت بين قرص
الشمس وبين البحر.
هذا الاحتمال لا يسمح العقل بافتراضه× باعتبار ايمانه بلزوم
السنخية بين الرمز
وذيه، وعن طريق هذا الايمان يعرف التماثل والتقارب. واحيانا
اخرى يدرك التغاير
والتباين لا التماثل، كما لو راى انسانا ثم راى ذئبا، ففي هذه
الحالة لا يحتمل ان ما رآه
في الحالة الاولى هو ما رآه في الحالة الثانية× لانه لا مبرر
لاختلاف الصورة بهذا
الشكل.
اذن، روابط وعلاقات التماثل بين الشيئين الخارجيين او
التغاير بينهما، يمكن
اثباتها بالعقل الاول.
الا ان جملة منها لا يمكن اثباتها بالعقل الاول ولا العقل الثاني.
وهذه المساحة
بالذات هي مساحة المنطق الذاتي وميدان الطريقة الذاتية في
التفكير. فاذا اردنا تحديد
ميدان هذا المنطق، امكننا القول: ان ميدان المنطق الذاتي هو
خصوص العلاقات
والروابط التي لا يمكن ادراكها بالعقل الاول او الثاني. ونجدد
التاكيد على قيد عدم
امكان الادراك بالعقلين الاول والثاني.
وعلى سبيل المثال، فان من جملة هذه العلاقات والروابط
علاقة العلية، اي
كون الشي علة لشي آخر، وهذه العلاقة في ما هو محسوس
بالعرض لا يمكن
اثباتها بالبرهان، وهو ما سنقيم البرهان عليه. وهنا ياتي دور
الطريقة الذاتية في التفكير.
ومثال آخر: حكمنا بان الشخص الذي نراه هو صديقنا× فعندما
نرى السيد
الاشكوري((4)) نحكم بانه هو الشخص الذي نعرفه ونعاشره،
مع ان هذا الحكم ليس
مما يمكن اثباته بالعقل الاول× لان هذا العقل لا يابى عن
تفسير التماثل بين الصورتين
المحسوستين باحد تفسيرين: فاما ان يكون الشخص الذي
نراه هو فعلا صديقنا الذي
نعرفه ونعاشره. واما ان لا يكون هو، ويكون هناك تماثل من
سائر الجهات بين
الصورتين، وهو ما لا يابى العقل الاول افتراضه. وهنا ايضا ياتي
دور الطريقة الذاتية
في التفكير.
اذن، المنطق الذاتي لا يبحث عن نفس الصور المحسوسة
بالذات وعن
العلاقات القائمة بينها، بل عن العلاقات القائمة بين الصور
المحسوسة بالعرض مما لا
يمكن اثباته باللجوء الى العقل الاول.
ما يتعلق بالمحسوس بالعرض((5))
كنا بصدد تحديد نطاق المعرفة التي يتناولها المنطق الذاتي.
وقلنا: انه يتحرك
في ميدان الحس والتجربة. والان نقول: ان ما يحصل العلم به
لدى الانسان:
تارة يكون معلوما بالعلم الحضوري، وهو عبارة عن المحسوس
بالذات، اي ما
يقوم قائما في افق من آفاق النفس.
واخرى يكون معلوما بالعلم الحصولي، وهو عبارة عن
المحسوس بالعرض او
الواقع الموضوعي في الخارج.
والحالة الاولى خارجة بالكلية عن محل الكلام× لانها بتمام
خصوصياتها
وشؤونها معلومة بالعلم الحضوري بفعل قيامها في افق من
آفاق النفس المدركة.
وكذلك الحال بالنسبة الى العلاقات والروابط القائمة بين نفس
الصور المحسوسة
بالذات بما هي محسوسة بالذات× كما لو حكم الانسان بان
هذه الصورة المحسوسة
بالذات اشد بياضا من تلك الصورة الاخرى المحسوسة بالذات
ايضا، فهذا حكم في
نطاق المعلوم بالذات على اى حال، وليس حكما في نطاق
العلم الحصولي.
واما الحالة الثانية التي نبحث فيها عن المحسوس بالعرض،
ففيها عدة مقامات:
المقام الاول: في اثبات اصل وجود المحسوس بالعرض عن
طريق الحس،
وذلك في قبال من يدعي ان ما يحصل من الحس تصور ساذج
لا يكون معه تصديق
بوجود واقع موضوعي.
المقام الثاني: في مطابقة هذا الواقع الموضوعي مع خصوصيات
ما هو معلوم
بالذات، بحيث ان كل ما يتراى لنا في الصورة المحسوسة
بالذات يحكي عن مقدار
مطابقة للواقع الموضوعي الذي ثبت اصل وجوده في المقام
الاول.
المقام الثالث: في العلاقات والروابط القائمة بين الاشيا الواقعة
في الخارج،
والمحسوسة بالعرض، من قبيل علاقة العلية او العينية مثلا.
ففي العلية حيث يكون شي علة لشي آخر لا نتناول العلية
بين الصوريتن
بما هما صورتان، وانما نتناول علية شي في عالم الخارج لشي
آخر في عالم الخارج
كذلك. وكذلك عندما نتناول علاقة العينية، حيث نقول بان
هذا هو ذاك، فهذه العلاقة
ظرفها عالم الخارج. اضف الى ذلك مثلا علاقة المثلية، حيث
نقول بان هذا مثل ذاك،
الى غيرها من العلاقات القائمة في عالم الخارج.
اذن، هذه مقامات ثلاثة:
المقام الاول: في اثبات اصل المحسوس في الخارج
اما المقام الاول وهو اثبات اصل المحسوس في الخارج فهو
على نحو
القضية الكلية الراجعة الى العقل الاول. وحيث ذكرنا سابقا ان
مدركات العقل الاول
عبارة عن الاوليات والبديهيات، فعلينا اخراجها عن محل
الكلام× لانها لا ترجع الى
العقل الثالث ولا تمت اليه بصلة.
المقام الثاني: تطابق الواقع الموضوعي مع المعلوم بالذات
واما المقام الثاني، فقد ذكرنا اننا نتناول فيه مطابقة الصورة
بخصوصياتها مع
الواقع الموضوعي.
ونحن عندما نصف الواقع الموضوعي بالبياض او الحمرة وما
الى ذلك على
اساس انها حالات قائمة بمحسوستنا بالذات، فهذه العملية
مردها الى الوهم× لاننا في
الحقيقة نسحب على المحسوس بالعرض (الواقع الموضوعي)
ما هو محسوس
بالذات (الصورة المنقوشة). وهذا الوهم والخطا ينحو اليه كل
انسان بسذاجته التي
تملي عليه ان المحسوس في عالم الخارج هو المحسوس
بالذات. وهذا الوهم قد
يكون مستحكما الى درجة يصعب معها التغلب عليه.
وما قلناه في ما سبق صحيح، الا انني احتمل الان ان جملة
من هذه
الخصوصيات المحسوسة بالذات ايضا يمكن ارجاعها الى العقل
الذاتي الذي يدرسه
المنطق الذاتي، بمعنى ان جملة من خصوصيات مطابقة
الصورة المحسوسة للخارج
ليست قائمة على اساس الوهم، بل على اساس الطريقة الذاتية
في توالد الفكر، فتكون
متولدة من العقل الاول، لكن بالطريقة الذاتية في التفكير.
ولكن تحقيق هذا المطلب يحتاج الى مزيد من التعب، وسوف
نؤجل البحث
في تحقيق هذه الدعوى التي تحظى باهمية بالغة الى ما بعد
المقام الثالث، حيث
نتحدث عن شؤون العقل الذاتي وقوانينه. وسنستانف تفكيرا
وجهدا في معرفة المقدار
الذي يمكن اثباته بالعقل الذاتي من خصوصيات المطابقة، وما
هو المقدار الذي لا
يمكن اثباته به، [ونعني بالعقل الذاتي العقل في تفكيره بطريقة
ذاتية. ]
المقام الثالث:((6)) العلاقة بين الاشيا القائمة في عالم الخارج
واما المقام الثالث، فنتناول فيه الروابط والعلاقات القائمة بين
الاشيا في عالم
الخرج. وهنا ايضا يمكن اثبات جملة من هذه العلاقات بالعقل
الذاتي، وجملة منها لا
يمكن اثباته به.
ومن هنا، فاننا سناخذ نموذجا رئيسيا من هذه العلاقات
والروابط، لنتحدث عن
العقل الذاتي وطريقته في توليد الفكر وقوانينه التي تحكم هذا
النموذج، حتى اذا فرغنا
عن ذلك وتكونت لدينا معرفة كاملة بقوانين العقل الذاتي،
انتقلنا الى العلاقات الاخرى
واحدة تلو الاخرى، وذلك بحسب الطاقة المستمدة من اللّه
تعالى، فنطبق قوانين هذا
العقل الذاتي على العلاقات المتنوعة التي تندرج في المقام
الثالث.
والنموذج الرئيسي الذي نختاره الان من هذه العلاقات
ونتحدث عنه ونجعله
اداة التعبير في تمام هذه البحوث المقبلة، هو علاقة العلية
والسببية، التي تعتبر من اهم
العلاقات القائمة في عالم الخارج والتي نتناولها في هذا المقام،
وان كنا سوف نخلط
مع هذا النموذج ايضا في الانشا بعض النماذج الاخرى.
وهذه العلاقة التي سوف نتحدث عنها تعتبر ايضا من اهم
ميادين العقل الذاتي،
وسوف نتحدث عنها ونقوم بشرح خصوصياتها على ضوء
المنطق الذاتي وقوانينه.
وتقوم على علاقة العلية في منطق البرهان ثلاثة انواع من
القضايا: هي القضايا
التجربية والحدسية والمتواترة.
التجربيات: ففي القضية التجربية وبحسب كلامهم يحكم
العقل بكون شي
(ا) علة لشي آخر (ب) على اساس تكرر واقتران وجود (ب)
عند ايجاد (ا).
الحدسيات: اما في الحدسيات، فيحكم العقل بسببية احد
الشيئين للاخر نتيجة
لاقترانهما، ولكن من دون عمل وايجاد، [فلم تستفد القضية
من التجربة المباشرة وان
جربت آثارها وعلائمها وقرائنها ].((7))
وابتنا هذين النوعين من القضايا على قانون السببية في غاية
الوضوح.
المتواترات: والكلام نفسه في المتواترات× لان روح التصديق
بالقضية التي
يجتمع عليها جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب هو دعوى
ان الاخبار مرتبط بواقعية
المطلب المخبر عنه، وان واقعية المطلب وثبوته في الواقع هو
علة اخبار هذه
الجماعة.
فاخبار الالاف والملايين عن وجود مكة مرتبط بنحو من انحا
الارتباط السببي
بنفس وجود مكة في عالم الخارج× اذ لو لم تكن موجودة لما
وجد لديهم الداعي الى
الاخبار عن وجودها. ولذا ترجع القضية المتواترة بحسب
الحقيقة الى علاقة السببية.
اذا تحصل لدينا ان هذه القضايا الثلاث التي جعلت ضمن قضايا
العقل الاول
في منطق البرهان، يقوم القطع واليقين فيها في الحقيقة على
علاقة السببية.
مقدمات حول حصول العلم في التجربيات واخواتها
وبعد اخذ كافة المصادرات المتقدمة بعين الاعتبار، ننتقل الى
التساؤل حول
كيفية حصول العلم بالقضية القائمة على اساس التجربة او
الحدس او التواتر؟!
والذي يدفعنا الى اثارة هذا التساؤل هو اننا لا نرى مانعا في
اجتماع شيئين
صدفة من دون ان يكون بينهما علاقة سببية او علية.
ونقصد بالصدفة هنا الصدفة بمعناها العلمي لا الفلسفي:
فالصدفة بمعناها
الفلسفي عبارة عن وجود المعلول بلا علة، وهذا محال فلسفيا.
اما الصدفة بمعناها
العلمي فهي اجتماع معلولين لعلتين مختلفتين صدفة وبلا
علاقة لزومية. كما لو سافر
شخص لعلة، وسافر آخر لعلة اخرى، فان سفر كل منها معلول
لعلة، فلا يكون صدفة
بالمعنى الفلسفي، ولكن اجتماعهما ليس ناتجا عن علاقة
لزومية، اذ ليس سفر هذا
علة لسفر ذاك ولا معلولا له.
وبما ان هذه الصدفة تقع في عالم الخارج ولا تمتنع، فانه
يمكن استحضارها
الى بحث السببية والعلية الذي تقوم عليه القضايا الثلاث
المتقدمة، التجربيات
والحدسيات والمتواترات.
التجربيات: ولناخذ مثالا التجربيات:
فلو تناولنا حبة اسبرين فزال الصداع، وكررنا هذه المحاولة
للمرة الثانية والثالثة،
وفي كل مرة كان الصداع يزول لدى تناول الاسبرين، فهنا لدينا
ظاهرتان: احداهما:
تناول الاسبرين، والثانية: زوال الصداع. واقتران هاتين
الظاهرتين مرده الى احد امرين:
فاما ان يكون زوال الصداع وصحة المزاج معلولا لتناول
الاسبرين.
واما ان تكون هناك علة اخرى غير تناول الاسبرين تقف ورا
زوال الصداع،
ولنفترض مثلا انها حركة خاصة في الدم اتفق وقوعها صدفة
مع تناول الاسبرين،
وكانت هي العلة الحقيقية ورا زوال الصداع.
وهذا الاحتمال غير ممتنع× لان غاية ما يتطلبه هو فرض
اجتماع تناول
الاسبرين مع حركة الدم الخاصة صدفة، وهذا لا يمنعه العقل،
اذ كما لا يمنع اجتماع
الصديقين في السفر صدفة في المثال السابق، فانه لا يمنع
ذلك هنا.
ولاجل تسهيل الامر، سوف نتحدث بلغة رمزية: فنضع (ا) بدل
الاسبرين الذي
نبحث في كونه علة او ليس بعلة، و(ب) بدل المعلول، وهو
زوال الصداع، و(ت) بدل
ما نحتمل كونه علة مجهولة تقف ورا زوال الصداع اقترانا مع
تناول الاسبرين.
اذن: (ا) هو العلة المفترضة، و(ب) هو المعلول، و(ت) هو العلة
المحتملة
المجهولة. فاذا ترتبت (ب) على (ا)، لا يمكن التسرع بالقول
بان (ا) علة ل(ب)، اذ
لعل (ت) كانت هي علة (ب) وظهرت صدفة بالتزامن مع (ا)
الذي لم يكن في
الحقيقة علة ل(ب). وقد قلنا سابقا بان العقل لا يمنع ظهور
(ت) صدفة مع ظهور (ا).
ولو تكررت هذه الظاهرة مرة اخرى، فما المانع في ان تظهر
(ت) صدفة مع
ظهور (ا)، وتكون هي العلة الحقيقية ل(ب)؟
ولو ابتلينا بشخص يثير هذا السؤال في كل مرة ويشكك في
وقوف (ا) ورا
(ب)، محتملا الاقتران بالصدفة بين (ا) و(ت)، فكيف بوسعنا
ان نوضح له السر في
حصول العلم بان (ا) علة ل(ب)؟
هنا تارة نلجا الى المنطق العقلي، فنرجع له القضية الى العقل
الاول، ويكون
علمنا بذلك قائما على اساس طريقة التوالد الموضوعي× واما
ان نرجعه الى قضايا
العقل الاول لكن وفق الطريقة التي يؤمن بها المنطق الذاتي
الذي نحن بصدد بحثه
وبيانه× واما ان نبحث له عن مصدر آخر يخلصنا من هذه
المشكلة.
والمنطق الذاتي هو الذي سيتكفل ان شا اللّه تعالى بالاجابة
عن هذا السؤال
وحل هذه المشكلة اعتمادا على الطريقة الذاتية في التفكير،
وسيبين انه لا يمكن حلها
عن طريق الطريقة الموضوعية في توالد الفكر، ولا على اساس
آخر من الاسس التي
تتصور في المقام مع حفظ المصادرات التي بيناها سابقا.
يبقى ان نشير الى ان كافة موارد التجربة بالمعنى العلمي
الحديث مشمولة
وداخلة ضمن نطاق البحث× لان التجربة بمعناها الحديث فرع
من فروع التجربة
بمعناها المنطقي القديم. وعليه، فالمشكلة هي المشكلة،
والحل هو الحل.
الحدسيات: هذا في ما يتعلق بالتجربيات. وفي الحدسيات،
ياتي الكلام نفسه،
فعند اقتران (ا) و(ب) في المرة الاولى، نحتمل وجود (ت)
مجهولة كانت هي العلة
في وجود (ب)، وان وجودها اجتمع صدفة مع وجود (ا) التي
يظن انها علة (ب).
فالكلام هو الكلام.
المتواترات: وكذلك الامر ايضا في المتواترات، ففي القضية
المتواترة نواجه
اخبار عدد من كبير من الناس، ولكن بوسعنا تحليل هذه
العملية: فلو جانا شخص
واحد واخبرنا عن وجود مكة، لما حصل لدينا العلم بذلك،
لاحتمال كذبه ووجود
مصلحة دعته الى الاخبار بذلك، لا ان واقعية المخبر عنه
وهو وجود مكة هي التي
دعته الى ذلك.
فوجود مكة هو (ا)، واخباره بوجودها هو (ب)، والمصلحة
المحتملة التي
تقف ورا اخبارها عن وجودها هي (ت). فلو فرض عدم وجود
مصلحة في الكذب،
فسيكشف خبره لا محالة عن وجود مكة، واما مع وجود
المصلحة في كذبه ووقوفها
ورا اخباره، وان اخباره ليس ناتجا عن واقعية مكة في عالم
الخارج، فلن يكشف
خبره عن ذلك.
وما ياتي في المخبر الاول ياتي في المخبر الثاني، وهكذا..
ولكن السؤال هو اننا اذا كنا نحتمل في كل مخبر على حدة
وقوف المصلحة
في الكذب ورا اخباره عن وجود مكة، وان هذا الاخبار لم يكن
ناجما عن واقعية
وجود مكة في عالم الخارج، فكيف يحصل لنا الجزم بوجودها
عند ضم هذه الاخبار
الى بعضها البعض؟!
والجواب هنا عين الجواب المتقدم في التجربيات والحدسيات:
فاما ان نلجا
الى العقل الاول وفق طريقة التوالد الموضوعي× واما ان نلجا
اليه ايضا، لكن وفق
طريقة التوالد الذاتي× واما علينا ان نضع اساسا آخر يفسر لنا
ذلك.
التفسيرات المطروحة لحصول العلم((8))
بعد ان طرحنا المشكلة، صار لزاما علينا ان ندخل في صلب
الموضوع لكي
نحاول تفسير عملية حصول القطع والجزم القائمة على اساس
الحس والتجربة.
قلنا: ان اقتران وجود (ا) مع وجود (ب) لا يكفي وحده للحكم
بالعلية عقلا× اذ
من الممكن ان يكون هناك علة اخرى (ت) هي العلة
الحقيقية ل(ب)، واتفق وجود
(ا) صدفة عند تاثيرها في معلولها (ب). وقد قلنا ان هذه
الفرضية فرضية ممكنة
ومعقولة، وتسالنا انه ما المانع في ان نطرح هذه الفرضية في
كل مرة نقوم بها بهذه
التجربة؟ بان نقول في كل مرة: ان (ت) هي التي تقف ورا
ظهور (ب)، وان وجود
(ا) عند تاثير (ت) في معلولها (ب) كان من باب الصدفة.
كما قلنا: ان من الممكن تقديم عدة تفسيرات لحصول العلم
بعلية (ا) ل(ب):
التفسير الاول: هو ارجاع القضية الى العقل الاول او الى العقل
الثاني المتولد
منه، وذلك وفق طرق التوالد الموضوعي للفكر التي يقررها
منطق البرهان، فتكون هذه
المعارف من قبيل المعارف الرياضية التي تتولد من العقل
الاول بطريقة التوالد
الموضوعي.
وهذا الراي هو الذي يبدو من اكابر فلاسفة المنطق العقلي،
وقد اشار اليه
الشيخ الرئيس في منطق الشفا، حيث صرح بان التجربة
بحسب الحقيقة تستبطن
قياسا خفيا مركبا من كبرى عقلية وصغرى:
اما الكبرى، فهي ان الاتفاق لا يكون غالبيا او دائميا. ومراده
من الاتفاق الصدفة
بمعناها العلمي لا الفلسفي، فقد قلنا انها بمعناها العلمي تعني
وجود المعلول بلا علة.
واما الصغرى، فهي ان (ا) و(ب) قد اقترنا غالبا ودائما.
والنتيجة هي ان (ا) علة ل(ب)× اذ لو لم يكن الامر كذلك
للزم كون الاتفاق
غالبيا ودائميا.
ويمكن صياغة هذا البرهان بلغة القضية الشرطية، فنقول: ان
(ا) لو لم يكن علة
ل(ب) للزم كون الاتفاق دائميا وغالبيا× لان (ب) لو لم يكن
معلولا ل(ا) لكان معلولا
ل(ت) في تمام هذه المرات، وكان اجتماع (ت) مع (ا) صدفة
في تمام هذه المرات،
وهذا هو معنى كون الاتفاق دائميا. والتالي باطل، فالمقدم مثله
في البطلان.
هذه طريقة من طرق التوالد الموضوعي التي يقررها منطق
البرهان. ولو تمت
هذه الدعوى، فسيكون علمنا بعلية (ا) ل(ب) متولدا من العقل
الاول بطريقة التوالد
الموضوعي.
والشيخ الرئيس وغيره ممن اشار الى هذا المطلب لم يصرحوا
بان هذه القاعدة
الكلية وهي ان الاتفاق لا يكون غالبيا ودائميا هل هي قاعدة
اولية من مدركات
العقل الاول، ام انها قاعدة مبرهن عليها، فتكون من مدركات
العقل الثاني لا الاول.
وغاية ما يستفاد من كلماتهم ان هذه القاعدة قاعدة عقلية
وماخوذة من العقل
الاول، لكن لم يتضح من كلماتهم هل هي جزء من العقل الاول
ومن الفطريات ام انها
قاعدة مبرهن عليها عن طريق بعض الاوليات والفطريات.
وهذا الكلام ياتي بعينه في تفسير حصول العلم بالقضايا
المتواترة، فيقال: لو لم
يكن الاخبار عن وجود مكة ناتجا عن واقعية وجودها، بل كان
ناتجا عن وجود
مصلحة في الاخبار عن ذلك عند زيد وعمر و... للزم من ذلك
ان تكون مصالحهم قد
اتفقت دائما على الاخبار عن وجودها مع انها في الواقع غير
موجودة، مع العلم بانه لا
ربط لزوميا بين مصلحة احدهما ومصلحة الاخر، والتالي
باطل، فالمقدم مثله في
البطلان.
ورواد المنطق العقلي لم يذكروا تفسيرا آخر لحصول العلم في
هذه الموارد، اما
غفلة منهم، واما بسبب اعتقادهم بان قاعدة استحالة الاتفاق
الدائمي من مدركات
العقل الاول التي لا تحتاج الى برهان.
الا ان تفسير حصول العلم في القضايا التجربية والقضايا
المتواترة على اساس
هذه القاعدة التي يدعى كونها عقلية، سوا كانت من مدركات
العقل الاول، ام مبرهنا
عليها بالعقل الثاني تفسير غير صحيح.
ونحن عندما نقبل بهذه القاعدة، فهذا يعني قبولنا دعوى
القطع من قبل العقل
بعدم اجتماع مجموعة كبيرة من الصدف، بمعنى ان العقل
يحتمل اجتماع (ت) مع (ا)
لمرة او مرتين مثلا، ولكنه لا يحتمل بل يمنع اجتماعهما
صدفة ولمرات كثيرة
متكررة، كمئة مرة او الف مرة مثلا. فلو فرضنا ان الحد الادنى من التجارب اللازم لحصول العلم هو مئة مرة: فعندما نتناول قرص الاسبرين في كل مرة ينتابنا فيها الصداع، ويتكرر حصول ذلك مئة مرة، ونرى ان الصداع يزول في كل مرة من هذه المرات المئة، فهنا يحكم العقل بان من الممكن وجود علة اخرى (ت) هي التي تقف ورا زوال الصداع لا تناول الاسبرين، ولكنه يحتمل ذلك في المرة الاولى والثانية مثلا، ولكنه لا يحتمل وجود
|