من الركون الى الابا لمجرد انهم يحملون هذه الصفة، فهذا لا
يبرر له ان يعطل عقله،
ويجمد فكره، في مقابل معرفة الحق واتباعه. وانما عليه ان
يستشعر الثقة والشجاعة
في اعمال عقله، وينزع عن نفسه حالة القداسة التي تعمي
العقل، وحالة التقليد التي تجمد الفكر.
ويقارب هذا المعنى ما اشار اليه الفيلسوف الالماني (امانويل
كانت)، في نص شهير له، عندما اجاب في عام 1784م،
عنسؤال طرحته صحيفة المانية على مفكري
المانيا في ذلك العصر، وكان السؤال ما هو التنوير؟
فاجاب (كانت) انه خروج الانسان عن حالة قصوره، ذلك
القصور الذي يكون
الانسان ذاته مسؤولا عنه. واعني بالقصور عجز الانسان عن
استخدام فهمه دون توجيه
الاخرين. وان الانسان ذاته هو المسؤول عن ذلك القصور× لان
السبب لا يعود الى عيب في الفهم، وانما يرجع الى غيابالقدرة
على اتخاذ الموقف، والشجاعة في استخدام الفهم دون قيادة
الاخرين. واعتبر (كانت) ان شعار الانوار يتلخص فيهذه
العبارة: اجرؤ على استخدام فهمك الخاص.
وما ذهب اليه (كانت) يماثل ما اراد ان يقوله القرآن الكريم
عند حديثه عن
اتباع ما وجدنا عليه آبانا، فقد اراد القرآن ان ينبه الانسان الى
عقله، لكي يتحرر من
العجز والضعف والاحساس بالقصور في الفهم.
متى تنطلق حركة التنوير في العالم الاسلامي؟
العالم الاسلامي اليوم بحاجة لان يطلق من داخله حركة تنوير
واسعة وشاملة،
تجابه وتحاصر ما تفشى في محيطه وبيئته من ظواهر التطرف
والعنف والتكفير، التي
وصلت الى وضع خطير للغاية. فلاول مرة في تاريخ العالم
الاسلامي الحديث يظهر
هذا المستوى الكمي والكيفي المتصاعد من العنف، وبهذا
الاتساع الذي يكاد يمتد
على طول الجغرافيا الاسلامية من المغرب غربا الى اندونيسيا
شرقا، ويتصاعد بطريقة
يتجاوز حدود ومساحة هذه الجغرافيا ليصل الى مناطق بعيدة
ومتعدد في جغرافيا
العالم، ويتحول الى مصدر خطر يتاثر منه المجتمع الانساني
برمته، وبشكل اصبح
يخيف العالم، ويظهر العالم بوجه مخيف، بعد ان تحول العنف
الى قوة ضاربة تصل
الى كل مكان من حيث نعلم ومن حيث لا نعلم.
امام هذه الظاهرة المرعبة التي يتملكها الرغبة في القتل
بتمييز او بدون تمييز،
وتحصد معها الكثير من الارواح البريئة والمعصومة، التي لا
تستثني منها الاطفال
والنسا والشيوخ، وهم الفئات التي امرتنا جميع الشرائع
السماوية بمساعدتهم
والاحسان اليهم، امام هذه الظاهرة كان لا بد من انبعاث حركة
تنويرية تكون ردا شافيا
على تلك الظاهرة، ومجابهة وعلاجا لها.
واخطر ما في هذه الظاهرة ذلك الجانب اللامرئي فيها، وهو
عالم الافكار الذي
منه تنسج خيال الحوافز، وتخلق المسوغات ويشرع لها، وتزود
الارادة بالطاقة والرغبة
والاقدام على الفعل. وهذا يعني ان ظاهرة العنف ما تفشت في
العالم الاسلامي الا
عندما تفشت الثقافة او الايديولوجية الحاضنة والمولودة لها،
والمشجعة عليها.
واللافت في الامر هو كيف تفشت هذه الايديولوجية بهذا
المستوى من التجذر
والامتداد، وبهذه القدرة على الفاعلية والتاثير، وكانها
الايديولوجية الغالبة والمتفوقة
على غيرها من المنظومات الثقافية الاخرى! او كانها
الايديولوجية التي كانت تنشط في
غفلة عن تلك المنظومات الثقافية! او كان هذه المنظومات
فقدت سحرها وبريقها،
وتقلص نفوذها وتراجعت، تاركة الساحة لتلك الايديولوجية
تفعل فعلها في عقول
الناس.
ومهما كانت التفسيرات ومعقوليتها ايضا، يبقى ان الجميع
اخذته الدهشة
والحيرة، في ان يكون لمثل هذه الايديولوجية العميا كل هذا
الحظ والحض في
التاثير والغلبة والانتشار.
ولا شك ان هذا الوضع يشكل اعظم حافز لان يطلق العالم
الاسلامي من
داخله حركة تنويرية تساهم في تهذيب تلك الايديولوجية،
واعادتها الى رشدها، او
تساهم في اقتلاعها واجتثاثها من جذورها.
ولكي يتمكن العالم الاسلامي من اطلاق مثل هذه الحركة
التنويرية، بحاجة لان
يتضامن مع ذاته في مجابهة تلك الايديولوجية، التي جعلت
العالم الاسلامي في نظر
العالم، وكانه مصدر ومنبع افكار التطرف والعنف والكراهية،
او انه تحول الى مصدر
خطر وتهديد على امن وسلامة المجتمع الانساني. ولن تتغير
هذه الصورة في رؤية
العالم الاسلامي الى ذاته، او في رؤية المجتمع الانساني له، ما
لم نتقدم باتجاه بعث
حركة التنوير في داخلنا.
وفي تجارب بعض المجتمعات المعاصرة ارتبط انبعاث حركة
التنوير بظروف
تشابه الى درجة، ما يجري اليوم في العالم الاسلامي، فهناك
بعض الباحثين المعاصرين
من يرى ان بدايات حركة التنوير في المانيا جات بعد ما سمي
بحرب الثلاثين عاما
(1618 1648م) وهي الحرب الدينية العنيفة التي حصلت
داخل الديانة المسيحية
بين الكاثوليك والبروتستانت، وقد جا التنوير لكي يضع حدا
لتلك التاويلات
والتفسيرات التي منها انبعثت الحرب الدينية هناك. والسؤال الذي نطرحه نحن على انفسنا، هل ان العالم الاسلامي اصبح جاهزا لان يطلق من داخله حركة التنوير؟
المجتمع المدني الاسلامي قراة اولية في الاشكاليات المعاصرة
ا. نبيل علي صالح(#)
ان التاسيس النظري لبدايات تشكيل وبنا المجتمع المدني
الاسلامي في
عصرنا الراهن، يجب ان يمر اولا على طريق فض النزاعات
والخصومات الفكرية
المعرفية السائدة على الساحة الثقافية والسياسية العربية
والاسلامية حاليا، والتي يمكن
تلخيص جوانبها المختلفة في اشكالية نظرية (وعملية)
موضوعية هامة جدا هي
اشكالية «الاسلام والعلمنة، وقضايا الحرية والديمقراطية
والاخلاق الواقعية العملية»،
وذلك بعنوان كونها بحسب راي التيارات والنخب العلمانية
من مقومات الانتقال
الى المجتمع الاسلامي (العلماني).
ويصل الامر بتلك النخب ان تطرح وتنظر لوجود تصادم
وتناقض دائم بين
البنا الاسلامي، وبين الحرية والاختلاف او تعدد الارا
والاجتهادات، بحيث يبدو
الاسلاميون وكانهم في حالة ازدواجية بين قناعتهم الفكرية
والنظرية وبين ممارستهم
السياسية العملية. اي بينها وبين ركائز وآليات عمل المجتمع
المدني نفسه.((15)) وهذا التعبير نجده واضحا في نقد
النماذجالاسلامية، ومحاولة ايجاد عنصر رابط لكل
تجاربها وانماطها، بحيث تلقي التبعة على قدرة الدين على
بنا حياة سياسية جيدة
متطورة تناسب ازدهار وتطور الحياة المدنية.
لا شك بان هناك اشكالية دائمة تواجه الاسلاميين تستلزم
منهم اجابة شافية
ووافية تتمحور حول السؤال التالي: هل بامكان الاسلام
(السياسي!) بنا نظام اجتماعي
مدني ينتج قانونا اسلاميا مدنيا؟! وما هي حدود العلاقة التي
يقيمها هذا النظام المدني
مع الاخر ايا كان انتماؤه وتوجهاته الفكرية؟! وهل هناك علاقة
بين هذا النظام
الاجتماعي المدني الاسلامي وبين الاخر العلماني؟!
في الواقع، لا تزال المسالة العلمانية تشغل الاوساط الثقافية
العربية والاسلامية
التي لم تتفق حتى الان على تحديد المعنى المصطلح لكلمة
«العلمانية»((16))، وربما يعود
السبب الكامن ورا هذا الاختلاف في فهم المصطلح الى
طبيعة الجدل الذي انطلق
من خلال منشا تلك الكلمة بلفظها ودلالتها في البنية
المعرفية الغربية، ومحاولة
النخب والقوى الثقافية عندنا ايجاد مناخ مناسب لها في فضا
الثقافة الاسلامية، يمكن
ان تنمو فيه «نبتة» العلمانية. وقد قاد هذا الاختلاف الى انقسام
النهضويين والسلفيين
بشان الاسئلة الكثيرة المثارة حول العلمانية وطبيعة علاقتها
بالدين والدولة،
والاشكاليات الناتجة عن طرح هذا الموضوع الفكري في السياق
المعرفي الاسلامي
في ظل المتغيرات الاجتماعية والسياسية المحلية والدولية،
التي لا تزال تشهدها امتنا
حتى الان.
لقد جا تقديم الاجابات عن تلك الاسئلة النهضوية من قبل
مفكري النهضة
ومن جا بعدهم تقريبا دون مستوى الامال والطموح في كثير
من مواقعه واتجاهاته،
متاثرا بعوامل وظروف تاريخية سياسية عديدة، كان من ابرزها
الظروف الناشئة من
حركة الاستعمار الاوروبي لقسم كبير من بلاد العرب
والمسلمين، وما رافق ذلك من
تحولات اجتماعية واقتصادية وفكرية كبيرة. من هنا انقسمت
الاجابات المتعلقة
بالعلمانية بشان نشاتها في بلادنا الى قسمين:
الاول: قدس العلمانية واعتبرها خشبة الخلاص والانقاذ من
بحر الظلمات
والتخلف الذي تعيشه بلادنا في داخلها، بل وغيرها من البلدان
المتخلفة باعتبار ان
مسيرة التاريخ الكوني آيلة الى العلمانية(نهاية تاريخية!!).
اما الثاني: فقد لعنها ورفضها واصدر بحقها الفتاوى
والتحريمات من دون
الوقوف الواعي والمتامل الا فيما ندر امام هذه الظاهرة
التي لا يمكن توصيفها
بسهولة ويسر. باعتبار انها جملة من التحولات التاريخية
والسياسية والاجتماعية
والثقافية والايديولوجية المعرفية.
ويبدو لنا ان هذه الثنائية التناقضية في طبيعة الموقف او رد
الفعل العربي
والاسلامي على مسالة العلمانية قد حرم المشتغلين بقضايا
الفكر والثقافة والتراث
الاسلامي من تقديم قراة نقدية موضوعية جادة لمسالة
العلمانية والنتائج التي ادت
اليها في مجتمعاتنا في سياق حركة التطبيق والفعل ولغيرها
من المسائل الفكرية التي
كانت موضوعا للانقسام الحاد بين رواد النهضة وبين التيارات
الفكرية والسياسية
والاجتماعية المشتغلة بهذه المسائل.
هذا وسنحاول في هذه العجالة الفكرية تقديم قراة نقدية
لمفهوم العلمنة،
واشكالية العلاقة بينه وبين الدين الاسلامي.
ذكرنا سابقا ان القرآن الكريم يقدم الدين الاسلامي للناس
جميعا على اساس
انه عقيدة الهية ناظمة لحركة الواقع الروحي والمفاهيمي،
وينبثق عنها قانون ونظام
كامل للانسان والحياة، لذلك فهو(اي الاسلام) ليس مجرد
علاقة روحية بين العبد
وربه وحسب، فيها شي من الروح ونفحة من الاخلاق تنعكس
على الواقع الداخلي
للانسان، كما انه ليس جملة تصورات قيمية لا تخضع للعقل
والعلم، ولكنه دين حياتي عملي انزله اللّه من اجل اقامة
العدلبين الناس، وبالتالي ايصال كل انسان الى
كماله الممكن له بالكلمة الطيبة والقلب المنفتح والروح
المتسامية. وهكذا انطلقت
الاديان كلها ومنها الاسلام منذ بداية حركة التاريخ وفجر
النبوات من اجل ان
تشرع للانسان القوانين والمبادئ التي تنظم له خط العدل،
عدل الانسان مع ربه، وعدله
مع نفسه، وعدله مع الناس وعناصر الحياة الاخرى من
حوله((17)). وجعلت له في كل ما
يفعل وما يترك قانونا معينا مبرمجا يستمد حيويته وحركيته
مما اراد اللّه من مصالح
للانسان ليقوم بها، وليبتعد عن المفاسد التي نهاه عنها.
من هنا لا يكون الاسلام فكرة روحية واخلاقية مجردة ومثالية
تحلق في عالم
الخيال، او تعيش في داخل الذات في علاقة الذات باللّه. ومن
هنا ايضا يكتمل الجانب
الروحي للاسلام بالجانب السياسي، كونه يمتلك جانبا غيبيا
يتصل بالعقيدة، وجانبا
مدنيا يتصل بالحياة والوجود الخارجي، ولا يوجد فصل او
قطيعة بينهما حتى نتحدث
عن اشكاليات ادخال السياسة في الدين او ادخال الدين الى
عمق الحياة السياسية
والاجتماعية× لانه من المفترض مبدئيا ان يمارس الدين
عمله ووجوده في الواقع
الاجتماعي المدني من خلال الاساليب والادوات العقلانية
المتوازنة التي لا تسي
الى خطوطه العامة، والى اخلاقياته وقوانينه.
ان هذا الراي صحيح عقائديا وفكريا× لان الاسلام وبخلاف
المسيحية التي ساعدت هى((18)) نفسها على احداثالفصل
بين الدولة والدين منظومة من المبادئ
والاحكام والضوابط الشرعية التي يلتزمها الفرد المسلم بصفة
انها واجب رباني مقدس
في مجال الحقوق والواجبات الشرعية والسياسية، وعلى نطاق
المعاملات، والعقود،
والعقوبات، وقوانين خاصة وعامة او تفصيلية في مجال
الحقوق الفردية والاجتماعية
تنظم سلوكية الفرد والجماعة والامة. ثم ان نبي الاسلام ؟
نفسه كان قائدا للدولة
الاسلامية، وهو الذي عقد التحالفات، وخاض الحروب، ونظم
المعاهدات، ووقع
المواثيق، واضطلع بمسؤوليات تنظيم الاجتماع السياسي
والمدني الديني.
اضافة الى ذلك فان التاريخ السياسي والاجتماعي الاسلامي لم
يشهد ابدا اية
حركة قامت على اساس الفصل بين الديني والدنيوي، او
الفصل بين الدين والدولة، او
بين الدين ونظام الاجتماع السياسي او الحقوقي او المدني
(باعتبار ان الاسلام كان هو
الذي اسس للجانب المدني، واكد عليه، وشرع له) على الرغم
من ان نفس هذا
التاريخ قد عرف الكثير من ثورات الاصلاح في داخل الامة،
التي قامت غالبا على مبدا
ضرورة العودة الى روحية المبادئ الاسلامية الاصيلة الاولى
في وجه السلطات
السياسية الحاكمة التي استاثرت بالفي، وبالسلطة،
والامتيازات لوحدها مدعية انها
تحكم بموجب صك الهي مقدس.
ان البدايات الزمنية الاولى لتاريخية الصراع الفكري بين انصار
مشروع الدولة
الاسلامية، وانصار الصيغة العلمانية لا تكاد تتعدى بضعة عقود
من السنين، كان الوعي
الاسلامي قبلها لا يعيش اضطرابا حيال القضية، مفهوما
ومشروعا، بل جل النقد الذي
كتب في هذا المجال كان يتطلع الى ادخال تعديل على
التجربة القائمة فعلا باسم
الخلافة او باسم الدولة الاسلامية. وبضعة عقود في حساب
الوعي التاريخي للامم لا
تعطي شرعية للصيغة العلمانية للدولة اذا اردنا ان ننظر الى
المسالة من زاوية التقادم
الزمني.
فالمسلمون عاشوا طوال قرون مع صيغة الدولة الاسلامية
بصرف النظر عن
نقاشنا لهذه الصيغة ايجابا ام سلبا دون ان تكون هناك
مشكلة نظرية تقود الى
الرفض، واذا كنا قد شهدنا كثرة الصياغات الاجتهادية، فهي
جميعا تلتقي على الايمان
الكامل بالدولة الاسلامية كقاسم مشترك فيما بينها((19)).
ونحن قد نفهم العلمانية في حقيقة مفهومها العلمي الصريح
بانها ليست
ضد الدين، وليست الحادا، بالرغم من وجود فئات ملحدة تتخذ
العلمانية شعارا لها.((20))
وانها لا تلتزم في الواقع القانوني دينا معينا، وليست ملزمة
في الواقع السياسي
بخطوط دين معين. اي ان يغرق الدين والمتدينون في
تسابيحهم وطقوسهم
وصلواتهم وغيبياتهم في داخل الكنيسة والمسجد والقلب
(باعتبار ان عرش الدين
ليس له مكان سوى القلوب والضمائر) وتترك الحياة في
الخارج للناس كي
يدبروها وفقا للتشريعات والقوانين الوضعية التي يرونها مناسبة
وصالحة لمعيشتهم
الدنيوية المتطورة باستمرار.
انني ارى من خلال المقاربة السابقة ان نقطة الخلاف
الوحيدة بين العلمنة
المؤمنة((21)) وبين الاسلام هي في علاقة الدين بمسالة
التشريع والسياسة التي يعتقد
العلمانيون بعدم وجود اية صلة للدين بتنظيم المجتمع
سياسة وتشريعا، في حين يرى
المسلمون ان الدين الاسلامي اساس في عملية التشريع
والسياسة والتدبير، باعتبار ان
العدل يختزن في داخله عدل الحكومة والسلطة والحاكم،
وعدل الشعب وعدل
المجتمع والامة. وعندما يكون الامر كذلك فكيف يمكن ان
تتحرك مسالة العدل في
الواقع الاجتماعي والسياسي؟!
في الواقع لا بد من وجود ادارة تمارس العدل من خلال
الشخصيات التي
تتولى تنظيم وتسيير امور المجتمع والناس، والشخصيات التي
تراقب الذين يتولون
ادارة شؤون الناس، والشخصيات التي تراقب الساحة التي
يتحرك فيها هؤلا واولئك..
هل هذا الا الحركة السياسية في الواقع؟! لا سيما اذا عرفنا ان
هناك عدلا في الامن،
وعدلا في القانون، وعدلا في الحكم، وعدلا في السياسة. اما اذا
اردنا من السياسة،
مفهوم اللعبة الشيطانية التي تسمى «اللعب على الحبال»
وممارسة الالتوا والانحراف،
فهذه السياسة لا يرفضها الدين وحسب، ولكن ترفضها كل
المواقع والاتجاهات
والحركات الحضارية التي تريد للانسان ان ينفتح على قضايا
الانسان والحرية والعدالة
بالطريقة المسؤولة الواعية التي تؤسس لوجوده الفعال وتبني
له انسانيته، بدلا من ان
تسقط له انسانيته من خلال ممارستها لاساليب وفنون اللعبة
السياسية بالمفهوم
المتداول حاليا في مختلف الاوساط الفكرية والسياسية. واذا
كان هدف السياسة الدينية
اقامة العدل بين الناس، وايصالهم الى ما يصلح امورهم
واحوالهم، ويبعدهم عن
الانخراط في اجوا الفساد والانحراف، وبالتالي يحثهم على
السير في خط اللّه والخير
والعدل. واذا كانت السياسة في اعلى تعابيرها واصدق
معانيها تهدف الى اقامة
العدل والتوازن والمساواة بين الناس.. فلماذا نفرق بين ما هو
ديني وبين ما هو سياسي،
يتسال الاسلاميون؟!
اذا، ليس للعدل معنى في الواقع العملي من دون سياسة، كما
ان الدين ليست
له اية واقعية او فائدة من دون عمل.. فلماذا اذا تريد العلمانية
وهذا هو لسان حال
الاسلاميين فرض دينها وتشريعها الوضعي الجديد علينا
كمسلمين، ونحن نزعم باننا
نمتلك قانونا متكاملا ندين به ونحترمه، ونقدسه، ونلتزمه في
مسيرتنا الحياتية
والانسانية بكل مفرداتها وعناوينها، من خلال تشريعات اللّه
الدينية والمدنية الواردة في
القرآن الكريم والسنة الشريفة؟! ولماذا يصر عليها (على
العلمانية) اصحابها بعد ان
ادت الى تحطيم التكوينات السياسية والاجتماعية والثقافية
التقليدية في بلدانها،
وخلخلت التوازنات الاجتماعية المادية والروحية، الامر الذي
كشف لنا بوضوح
عجزها الفاضح عن صياغة معايير ونظم جديدة يمكن ان
تكسبها ولا الجماعة،
وشرعيتها، واجماعها كشرط اساسي لانها التناقضات
الاجتماعية والتوترات السياسية
المتفجرة في كل حدب وصوب من عالمنا الاسلامي، والاسراع
في معالجة الازمة
الحضارية المفتوحة التي من مظاهرها تدهور المناخ الفكري،
ومصادرة الحريات
العامة، وتراجع مناخ الحوار العقلاني والمسؤول.
اننا نريد ان نؤكد هنا على وجود خلاف ثانوي(او اساسي)
حول فكرة او
نظرية، او واقع معين بين التيارات والنخب السياسية والثقافية
المختلفة يجب ان
يكون قاعدة للالتقا، ومنطلقا للبدء بحوار جدي فيما بينها،
بهدف استبعاد الاشكاليات
والتعقيدات الساخنة المتحركة هنا وهناك التي قد تتحول الى
مصدر للنزاعات الدموية، كما يحصل حاليا، بدلا من ان
تكوناساسا للتفاهم وتحكيم لغة العقل والحوار النقدي
الموضوعي الذي كان لغيابه عن ساحتنا الاثر الاكبر في جعل
العلمانية اكبر موضوع
سوء تفاهم على الاطلاق في الفكر السياسي العربي الحديث.
لقد كانت محصلة ذلك التعقيد بين العلمانيين والاسلاميين
ان انتفت علاقات
الوعي والحوار المتواصل بين القوى والنخب الفكرية والسياسية
العربية والاسلامية التي
تورط فرق منها في اقصا ونفي الاسلام نفيا كاملا من دائرة
الاجتماع السياسي×
لظنه خطا بان هذه الطريقة الاستبعادية المازومة هي
السبيل الوحيد لاقامة الدولة
الحديثة بجنتها العلمانية الموعودة، فيما تورط قسم كبير من
الفريق الاخر بمعاداة
الدولة الحديثة× لظنه بانها بديل عن الاسلام، او على الاقل
لظنه بانها بديل عن قيم
الاسلام وشرعيته في المجال السياسي والاجتماعي.
لقد نتجت تلك الورطة التي وقع فيها فريق من الاسلاميين
في اطار موقفهم
الرافض مطلقا لفكرة العلمنة عن وجود خلل منهجي وفكري
في طريقة وعيهم
واستيعابهم لمدلول ومصطلح «العلمنة» من خلال عدم
التفريق اسلاميا بين
موضوعة السلطة كشان بشري خاضع للتصورات والمفاهيم
والتحولات والتغيرات
البشرية بكل عناوينها ومفرداتها، وبين موضوعة الشريعة التي
تعتبر شانا الهيا لا دخل
للانسان فيه مطلقا.
ان الاسلام يؤكد في هذا السياق على ضرورة عدم تدخل
السلطة او المؤسسة
الدينية كسلطة الهية تدعي لنفسها العصمة وعدم الخطا
في حركة المجتمع
والناس، طبعا فيما يخص السلطة والحكم وطرق
(آليات)تداول السلطة التي يجب ان
ترتكز في الوعي الاسلامي على مبدا الحرية والاختيار،
وحق المعارضة في النقد،
وحرية التعبير وابدا الراي الذي ضمن الاسلام وجوده وهيا له
اجواه الخاصة.
وهذا ما تؤكده العلمنة المؤمنة في واقعها النظري في تركيزها
على اهمية حق
المجتمع في اختيار نوعية الحكم والممارسة السياسية التي
يرتضيها لنفسه من اجل
ادارة مختلف شؤونه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية،
والفصل في خصومات ابنائه
وخلافاتهم.
ان الاسلام لا يلغي كسب العلمانية الغربية في ما انجزت من
تحرير للعقل،
وابداعات علمية تقنية، وحريات ديمقراطية، بل يرحب بها،
ويهب لها الرؤية التكاملية
والفكرة الموجهة، بما لا يجعل منها وسائل للتسلط والتدمير،
انما مجرد وسائل لعبادة
اللّه تعالى والتقرب اليه، عبر تسخيرها لخدمة العائلة البشرية
كلها، والمحافظة على
الكون، واعداد الانسانية لنيل رضوان اللّه (خالق الكون
والانسان) والسعادة في الدنيا
والاخرة، وتحقيق التعارف والتعاون والعدل بين البشر استجابة
للندا الالهي لكل
البشر؟يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم
شعوبا وقبائل لتعارفوا
انا اكرمكم عند اللّه اتقاكم؟ (البقرة:13). كذلك فان العلمنة
نفسها لا تفترض ولم
تفترض في اي مكان فصل الدين عن السياسة، او المعارضة
بين قيمهما، فقيم
السياسة لا يمكن ان تصدر عن شي آخر غير معتقدات
المجتمع وايمانه، والا
اصبحت السياسة نفيا لهويته الوطنية.. هذه هي وجهة نظر
فريق الاسلاميين.
ويبقى علينا هنا ان نفكر بعد المقاربة السابقة بعقلانية
متسائلين: كيف نحل
اشكالية الاسلام والعلمنة؟!
في الواقع ان الانسان المسلم محكوم بفكرة (وفطرة) التوحيد..
اي التنزيه
المطلق للّه تعالى. هذه الفكرة تحظى على ما يبدو بالاولوية
المطلقة في فكره،
وعقيدته، وجميع تصوراته عن الحياة والوجود× لتشكل من
خلال ذلك الاساس
الاولي لكيان الامة المسلمة الواحدة. لكن هذا الفرد المسلم
يواجه كغيره من افراد
البشرية واقعا تعدديا متناقضا في عناصره ومعطياته وابعاده..
في طبيعة الواقع الدنيوي
الاجتماعي والحضاري، فكيف يوفق والحال هذه بين
عقيدته التوحيدية ودنياه
التعددية المتنوعة؟! كيف يرضي ربه من خلال الالتزام باوامره
ونواهيه، ويعمل في
الوقت نفسه على فتح امكانات واقعية جديدة له في الحياة
الاجتماعية التي يعيش
بين جوانبها بمستجداتها ومتغيراتها المتناقضة والمناقضة
في كثير من مناحيها
لعقيدته وفكره الديني؟! ما هو الحل؟ وكيف يحسم الامر، اذا
كانت هناك امكانية
للحسم في واقعنا السياسي والاجتماعي المتخلف الراهن؟!
باعتقادي انه لن تكون هناك ثمة امكانية لاي حسم معرفي
عملي لازماتنا
المتتالية، طالما اننا لا نزال مستغرقين في ثقافة تقليدية
مهيمنة على الروح والجسد معا،
وطالما اننا نلف وندور حول ما تعكسه تلك الثقافة في الواقع
من اعمال وانتهاكات
لابسط القيم الانسانية، والانسان في عالمنا الاسلامي لم
ينخرط بعد بفعالية في عملية
التنمية والابداع الحضاري التي لا يمكن ان تتحرك من دون
توفر شرط الحرية× ليكون
باستطاعة مكونها الحقيقي السير والاستفادة الفعالة والمنتجة
من القدرات والطاقات
الهائلة الموجودة داخل هذه الامة، من خلال ضرورة تعبئة
امكانياتها ومواهبها في
معركتها الحاسمة ضد كل مواقع تخلفها واهترائها وانهيارها
الحضاري الاجتماعي
والسياسي، والواقع العملي يثبت صحة ذلك.
اننا نهدف من خلال الطرح السابق الى اطلاق سراح الاجتماع
المدني
والسياسي الاسلامي، وتحرير عناصره ومنطلقاته الموضوعية
المحاصرة بين علمنة
تتسع للاسلام ولكنها تصر على استبعاده وعزله ونفيه، وبين
اسلام يتسع للصيغة
المدنية المؤسساتية المبنية على الديمقراطية والحريات العامة
وحقوق الانسان، ولكنه
يصر على استبعادها من خلال سلوكيات وتنظيرات كثير من
منظري ومنتجي ثقافة
الاسلام المعاصرة.. ولعل في هذه الحقيقة المرة ما يسلط ضوءا
على ذلك الانشطار
العدائي الحاد في داخل المجتمعات العربية والاسلامية بين
المجتمع المدني
والسياسي.
ولذلك، قد يساهم ذلك العلاج الوسطي التقريبي اذا صح
التعبير في تطوير
الواقع السياسي والاجتماعي للمسلمين، ويدفع باجتماعهم
المدني الى المواقع
الضرورية من التقدم، والدرجات العالية من الرقي، وامتلاك
شروط الحياة المعاصرة،
ومواجهة تحدياتها من خلال ضرورة التجديد والاجتهاد في
فهم الدين، ومواكبة
متغيرات العصر والحياة بما ينسجم ويتوافق مع المعطيات
والاسس الحضارية الدينية
الاسلامية، مع المحافظة طبعا على الفكر الذي ينطلق من
صميم قلب الحقيقة بعيدا
عن خصوصيات البيئة، وجزيئات الثقافة والجوانب العاطفية×
لانه يمثل فكر الحياة.
وهذا الامر لا يعني بالضرورة بقا القيم والمعايير التي يفرزها
هذا الفكر مطلقة
ومثالية في آليات تطبيقها في حركة الواقع، ولكن ان تكون
نسبية وواقعية في طرحها
وممارستها من قبل الانسان خصوصا في ظروفنا الحالية
المليئة بالتقلبات والتحولات
اليومية المتزايدة.
ان ذلك يتطلب من القيم الاخلاقية في المجتمع المدني
السياسي ان تكون
واقعية، مرنة، ترتبط ارتباطا مباشرا بالممارسة العملية للانسان،
تخاطب مشاعره
واحاسيسه في اوضاعه الطبيعية المختلفة في الحياة، ثم
نحاول بعد تنمية وعيه
وارادته الارتفاع به الى المثل الذي لا يقترب من خلاله
الانسان الى ذروة الحتميات
التي تعزله عن واقعه، ولكن ان تدفعه الى تقصير المسافة بين
القيمة كنظرية وبين
القيمة كتطبيق× لان القيم لم تصنع اساسا ليبلغها الانسان،
ولكن ليقترب منها، ولتكون
قاعدة لحمايته من الانحراف، وتحديد خط سيره الواقعي.
ان المسالة التي يريد الاسلام للمسلمين ان يحركوها في كل
التزاماتهم
ومواقفهم العملية في الحياة هي ان يكونوا واقعيين فيما
يطلقونه من احكام، وفيما
يحركونه من قضايا، لا بمعنى ان تسقط الواقعية قيمة اخلاقية
هنا وقيمة اخلاقية هناك،
ولكن ان تكون هناك حدود وضوابط لحركة القيم الاسلامية،
تنطلق من الوعي
بحاجات الناس الطبيعية في الارض في اطار تنظيماتهم
المدنية الاجتماعية، والتفكير
بحجم طاقاتهم وقدراتهم الذاتية× لان القيمة المثالية (غير
الواقعية) عقيمة وغير منتجة،
انها تشل حركة الانسان، وتمنحه شيئا من الاستقرار والسكون
في فكره، وسلوكه،
ووعيه.
على هذا الاساس، تكون القيمة الاخلاقية نسبية حتى في
الاديان، ولهذا يقول
الاصوليون(مراجع الفقه والتشريع الاسلامي): «ما من عام الا
وقد خص». لذلك يجب
عدم اثارة القيمة الاخلاقية الاسلامية بطريقة مطلقة× لانها
تجمد المسلم في مواجهته
للتحديات التي تقف امامه وما اكثرها اليوم.
ان القيمة في الاسلام لها قدرة على ممارسة الضبط والتحديد
لحركة الانسان
المسلم. ولكنها تمنحه بالمقابل مساحة واسعة يستطيع
فيها ان يملك حرية الحفاظ
على قضاياه الكبرى. وهذا ما يفرض على العاملين في الخط
الاسلامي التعامل مع
الوقائع المستجدة والتحديات الخطيرة بعقلية واهية
متسامحة، وبفكر انساني منفتح
مرن واع لحسابات الواقع المحلي والعالمي، من اجل اتخاذ
المواقف المدروسة
والمتوازنة على اساس مصالح ضمان مصالحهم ومصالح ناسهم
ومجتمعاتهم التي تنوء
تحت قيود هائلة من الكبت والتخلف والاستبداد.
من هنا، تكون واقعية المبادئ والقيم (كالحرية مثلا) ان
نحاول اكتشاف وسائل
وخيارات واساليب عملية واضحة المعالم والخطوط لحركة
القيمة في الواقع بما
يتلام مع الافاق الجديدة. اي ان نتحرك عمليا لتغيير الواقع
بادوات الواقع التي تحتاج
الى من يصنعها، ويفهمها،وينفتح عليها، ويطورها، ويحركها،
ويصبر عليها وعلى ثمنها
الباهظ.
هذا هو المعنى الحقيقي لواقعية ونسبية القيمة في الاسلام..
انه معنى ينفتح على
تعابير وتجليات المجتمع المدني الحديث في اوضح معالمه،
وسماته، وخصائصه التي
نعتقد انها لا تتعارض في ديناميكيتها وتطورها وحركتها
المستمرة مع القيم
الاسلامية الواقعية باعتبارها قيما ثابتة× لان الحركة ضمن
الثابت وفي اطاره العام لا
تعني تجميد الحركة.. والقول بوجود عناصر للقيم والثقافة
تتسم بالثبات لا ينفي وجود
عوامل تغير (محركة) يمكن ان تؤثر في هذه القيم وتلك
الثقافة، بحيث تعيد تشكيلها
في سياق التفاعل الايجابي مع الحركة الاجتماعية، فتنشا
نتيجة ذلك منظومة
جديدة للقيم والثقافات والمعايير، تختلف قليلا او كثيرا عن
المنظومة التقليدية. وقيمة
وجود تصور ثابت للقيم (نسبيا)، هو ضبط للحركة البشرية مع
وجود الاصيل والمحور
الثابت الذي يرجع اليه الانسان بكل ما يعرض له من مشاعر
وافكار وتصورات، وبكل
ما يجد في حياته من ملابسات وظروف. ومن ثم فهناك ثبات
في الغايات، والاهداف
والنتائج، ومرونة في الوسائل والاساليب. اي ثبات على الاصول
والقيم الدينية
والاخلاقية الانسانية، ومرونة في ايجاد الاشكال المؤسسة في
الواقع المعاش. اما
بالنسبة للتغير كعنوان للحركة التي تعد جوهرا ثابتا للوجود
وقانونا اساسيا في الحياة
فانه يشمل العناصر المتغيرة بفكرها ومعارفها وقيمها من
اجل بروز عناصر اخرى
جديدة تطلبت ظروف الحياة المستجدة ظهورها بغية تحقيق
الاستقرار والانسجام
في مكوناتها وعناصرها بين القيمة والفكر والواقع، بما يؤدي
في النهاية الى كمال
الانسان المسلم في ساحة الوجود ومعترك الحياة في اطار
احساسه العميق بوجوده
الحر المسؤول.
والحرية كمفهوم وفكرة انسانية صميمية ترتبط باصل
القيم الاسلامية
المطلوب تمثلها وتجسيدها في اطار التجربة الانسانية
الواقعية، والتحقق من واقعية
تطبيقها، وتحويلها الى حقيقة قادرة على النمو والانطلاق في
المجال السياسي الغربي
والاسلامي كدافع عملي حيوي اصيل لاقامة المجتمع المدني
الاسلامي، ان ذلك
المفهوم السحري (الذي يشكل احد اهم ركائز واركان
المجتمع المدني الحديث) لا
يعتبر اشكالية معيقة لبنا مجتمع مدني متطور وفق التصور
والرؤية الاسلامية، بل على
العكس من ذلك لقد جعلها الاسلام اي الحرية قيمة
اخلاقية واقعية نبيلة، اعترف
بوجودها كمقابل خارجي لكرامة الانسان، يحرر طاقاته وملكاته
من استعباد الصنميات
والوثنيات المنتشرة هنا وهناك، ويجعل تلك الملكات
والطاقات خالصة للّه ؟يا ايها
الذين آمنوا استجيبوا للّه وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم؟
(الانفال: 23) فكانت
رسالته في العقيدة والشريعة تحرير الانسان، وذلك حتى
تتحرر فيه هذه الملكات،
وتخرج تلك الطاقات الى الواقع ؟الذين يتبعون النبي الامي..
ويضع عنهم اصرهم
والاغلال التي كانت عليهم؟ (الاعراف: 157) فجميع احكام
شريعة الاسلام اذا
تحرير، حتى عندما تحرم الخبائث والكبائر× لان اجتناب هذه
الخبائث تحرير للانسان
من العبودية لها، ومن ثم فكل الاسلام احيا بالحرية، يضع على
المؤمنين به القيود
والاغلال المادية، والقانونية، والخلقية، وينمي ويزكي الطاقات
الخيرة لتغالب وتتغلب
على الاغلال والقيود والاثقال، فتصبح قمة العبودية للّه هي
ذروة الحرية والتحرير
للانسان.
وبهذا التاسيس العملي لقيمة الحرية في الاسلام الذي
يلحظ، باهتمام بالغ،
دور الجوهر والمضمون الانساني في عملية التنمية، وبنا
الانسان الحر من خلال
تنميته لارادته، ووعيه لمقومات شخصيته الذاتية في ضوء
ايمانه بخالقه العظيم تنفتح
امام الانسان مجالات واسعة للمساهمة المركزة الفاعلة في
البنا الحضاري للمجتمع
المدني القائم اساسا على مبدا الحرية كقيمة واقعية فردية
واجتماعية عبر تحريك
طاقته ومواهبه على طريق التنمية والانتاج والابداع. ونحن
عندما نتحدث عن مسالة
التعامل الايجابي للاسلام مع قضية الحرية، فاننا لا نهون ولا
نقلل من حجم التاثيرات
السلبية الكثيرة التي قد تنجم عن سوء فهم واستخدام
وممارسة هذه الحرية في مجالنا
التاريخي الاسلامي، الذي اضحى الاستبداد الفكري والسياسي
طابعا ثابتا فيه، بحيث
اصبحت الطرق المؤدية الى جنة الحرية الباسقة والمثمرة
في تربتنا السياسية
والاجتماعية وعرة وشائكة ومملوءة بالاخطار الداهمة
والمقيمة، خصوصا اذا ما عنينا
بالحرية هنا الحرية الفكرية والثقافية كاساس لحرية تنظيم
مفردات السياسة والواقع
الاجتماعي الخارجي.
ضمن هذا الاطار يفترض (بالنخبة!!) الفكرية والسياسية
العربية والاسلامية ان
تمتنع قليلا عن الجدل القائم فيما بينها حاليا حول البحث عن
مثال وحيد وفريد
للحرية يمكن ان يتحول الى نموذج يحتذى ويقتدى، ويصلح
للتعميم على الامم
جميعا، وذلك كشرط رئيسي من شروط وعي مسالة الحرية،
ودورها الهام في هيكلية
المجتمع المدني والسياسي الاسلامي.. وعليها ايضا ان لا
تتعامل معها (مع قضية
الحرية) بعقل لاهوتي خلاصي، حيث راينا كيف دفعت شعوبنا
الاثمان الباهظة لتاليه
فكرة الحرية، ولا عجب في ذلك فمن يقدس شيئا بهذا
المعنى يقع ضحية له..
فكان عشاق الحرية و«لاهوتيوها» اذا جاز التعبير هم اول
ضحاياها، وهم اول من
اسهم في ضربها واسقاطها عبر نماذجهم العقائدية التراثية
والحداثوية.. اي بين تسلط
مستحاثات (ديناصورات) التاريخ ومسوخ الحداثة.
ومع ان جوهر الحرية واحد، لكن ما اكثر الشعوب التي
تستطيع ان تجرب
وجوها مختلفة للحرية بلحاظ تفاوت واختلاف الاوضاع
التاريخية والاجتماعية، حتى
يكون لها خيارات مختلفة ومتعددة في طريق الحرية، وتحديد
اولويات مراتبها.. اي
ان يتم التعاطي مع الحرية ليس كبعد ثابت (هوية مغلقة
وثابتة، او قيمة مطلقة عالية)
ولكن كبعد متغير نمارس من خلاله قدرتنا العملية على
التحول والابتكار والابداع بما
نجترحه من فضاات وامكانات وصيغ ومعادلات جديدة.. ولن
نستطيع الوصول الى
ذلك ما لم نعمل على ايجاد رؤية واضحة، وتصور سليم،
وتفسير مقنع يخلق ارادة
الفعل، ويفتح افق العمل، ويبعث في الانسان الامل والحيوية
والفاعلية والنشاط.
ان التحولات الايجابية الكبرى والمؤثرة في حركة المجتمع
الاسلامي التي
يجب ان تنطلق فيه استجابة عملية فاعلة ومنتجة للواقع
الخارجي الملي بالتحديات
المحدقة للامة لا يمكن ان نضمن انطلاقتها الواعية تلك من
دون وجود الحرية،
ورسوخها في جوانب هذا المجتمع.. اعني بها حرية الفكر
والراي، وتوفر عناصر الامن
والضمان الواقعي في ابرازه والتعبير عنه، وتهيئة المقدمات
الكفيلة بالحفاظ على هذه
الحرية، وضمان امن الاحرار واصحاب الفكر وحملة الاقلام
الرسالية. كما اعني بها
ايضا الحرية الاجتماعية التي تعبر عن الطاقة والقدرة التي
يكسبها الانسان من المجتمع
على القيام بفعل شي معين، وتعني هذه القدرة ان المجتمع
يوفر للفرد كل الوسائل
والشروط التي يتطلبها القيام بذلك الفعل.
وكما قلنا سابقا من الافضل لنا في هذا المجال الا نكون
مثاليين في طرحنا
لفكرة وقيمة الحرية في المطلق، كما لو كنا نعيش في واقع
مثالي لا حدود فيه ولا
حواجز او تحديات.
اذ اننا نمارس وجودنا في مجتمع ارضي نسبي يجب ان
نتعامل فيه مع حياتنا
ووجودنا بلون من الواقعية العملية فيما يتصل بطبيعة حركة
القيم الانسانية، وسبل
انجازها او الوصول اليها في ظروف كظروفنا ومناخاتنا
السياسية والاجتماعية
والفكرية.
اننا نحتاج الى تحليل علمي وموضوعي للقيمة الذاتية لمعنى
الحرية بعيدا عن
التعابير الفضفاضة والرنانة× لان ذلك وحده يوفر التربة
المناسبة لاستنبات ونمو بذرة
الحرية المطلوبة.
وبهذا المعنى الموضوعي المتوازن لا تكون الحرية وفق
التصور الاسلامي
عائقا او مانعا امام بنا متطلبات وركائز المجتمع الاسلامي
الحديث، بل تصبح عاملا
اساسيا دافعا لوجوده وتكونه، وشرطا ضروريا من شروط قيامه
وتطوره، ونجاح
مسيرته، وتنمية مختلف مواقعه التي ترتبط بقضية الحرية من
حيث انه لا تنمية
يحتاجها مجتمعنا الحديث مع فقدان الحرية والامن،
والاستقرار النفسي والمادي..
ولا تنمية مع عدم وجود اعتراف مبدئي بحقوق الانسان
وضمان ممارسته لحرياته
العامة، حيث انه مع وجود الانسان المضطهد والمقموع لا
يمكن ان تتحقق التنمية
المرغوبة.. كما انه لا تنمية مع الاستبداد السياسي المعيق
للتطور الثقافي والحضاري..
ولا تنمية مع استغلال خيرات البلاد لصالح فئة خاصة او حاكم
معين.. ولا تنمية مع
وجود عقدة الانبهار بالغرب وحضاراته ومنجزاته، وعدم الثقة
بالنفس، واهتزاز الهوية
والخجل من التراث. ان الشرط الاساسي لنجاح واقلاع التنمية
عندنا هو اشراك الامة
كلها والشعب كله في صلب العملية التنموية، ودمجهم فيها،
واستحصال رضاهم
الطبيعي (لا القسري) عن فعاليات التنمية، ونشاطات
وتوجيهات انظمتهم وحكوماتهم
السياسية القائمة وتفاعلهم معها× لان فعل التنمية يستهدف
الحفاظ على الهوية،
وتحقيق التقدم بالتوافق مع النسيج الحضاري للامة.
مما تقدم من تحليل وقراة لبعض الاشكاليات التي ظن
الكثيرون انها يمكن
ان تشكل مانعا من التطور الاجتماعي والسياسي العربي
والاسلامي باتجاه المدنية
والعصرنة يمكن ان نخلص الى اننا نتطلع بشوق الى ممارسة
دور حضاري رائد بين
امم وحضارات العالم كلها. ولا سبيل امامنا نحو ذلك الهدف
الكبير سوى البدء
الفوري بتربية انساننا المسلم على قيم انسانية عملية جديدة
تنطلق من الوعي الفعال
بالتراث الاسلامي، والاستفادة من ايجابيات العصر الراهن، من
خبرات وتجارب
الشعوب الاخرى.. والا فان الفشل ينتظرنا، تماما كما حدث لنا
من فشل لكل
السياسات التي اتبعت لتطوير الواقع منذ عهود الاستقلال
وحتى الان. ولم يكن الدين
ابدا في جوهر فكرته الانسانية الراقية هو المسؤول عن
سقوط وفشل تلك
المشاريع التحديثية برمتها، كما تزعم بعض التيارات القائمة.
وانما الفشل موزع بين
هؤلا جميعا، وبخاصة السياسة والقيادة (الدينية ام العلمانية،
لا فرق) التي اخذت على
عاتقها مهام التنظيم والتوزيع والاستثمار والادارة في
المجتمع، بما في ذلك ادارة
المرافق والراسمال الروحي.. ان السياسات الراهنة هي نفسها
المسؤولة عن تطور
الاوضاع الدينية، والسياسية الدينية الى ما هي عليه اليوم، بما
في ذلك اعاقة حركة
التجديد الديني، وحرمان الدين من امكانيات التطور العقلاني
والروحي.
ولذلك فاننا نتصور ان تحميل الدين في جوهر فكرته
الانسانية مسؤولية
الفشل والخراب المادي والمعنوي الهائل الذي تعانيه
مجتمعاتنا، هو امر خطير للغاية×
لانه يحجب النظر عن حقائق الامور، ويغطي على اصحاب
المسؤوليات الحقيقية،
ويضعف لدى هؤلا (ولدى غيرهم من النخب) الشعور
بالمسؤولية، كما انه يساعد
على زيادة مساحة واقع الفساد والافساد في بلادنا ومجتمعاتنا. من هنا ياتي تاكيدنا الدائم المستمر على ان من اهم العوامل الواقعية في نجاح وضمان استمرارية صعود المناهج والفعاليات التي تتخذ لتنظيم الحياة الاجتماعية، وبنا مجتمع عصري متقدم حديث، هو احترام وتقدير الناس لها، وايمانهم بحقها في التجسد، والتنفيذ، والتطبيق، والاجرا. وهذا المعطى الحضاري النفسي الرائع لن يتحقق الا بتوفير ظروف نجاحه واستمراريته، التي لن تتاتى الا بازالة التناقض بين الاطار المفروض للتنمية والتنظيم، وبين فكر الانسان المشارك او غير المشارك في التنمية، حيث نجد ان الفرد المسلم لا يزال يعتز ويفخر بالانتما النهائي لعقيدته الدينية، ويعتبرها محورا اساسيا لحركته الفردية والاجتماعية. بل، انه يجد فيها سندا قويا وكبيرا، وعاملا مساعدا على انجاح التنمية الموضوعية في اطاره× لان اساس النظام الاسلامي احكام الشريعة الاسلامية، وهي احكام يؤمن المسلمون عامة بقدسيتها وحرمتها، ووجوب اتباعها وتنفيذها وتطبيقها بحسب عقيدتهم الاسلامية، وايمانهم بان الاسلام دين نزل من السما على النبي محمد ؟، وهو عقيدة الهية ونظام اجتماعي وفكري وسياسي تنبثق عنه اطارات وآليات التنمية الحقيقية الشاملة القادرة على خدمة الانسان، وتلبية متطلباته المتجددة، وبنا مجتمع مدني حضاري متطور.
ا. زكي العليو
ان احد المسائل المهمة التي يحتاجها المثقف والمجتمع في
المرحلة الراهنة
هي اعادة النظر في تعريف المثقف، باعتبار ان المثقف كائن
تعرضه التغيرات
والتحولات مفهوما ووجودا، فهو ليس بمناى عن ذلك، ولانه
كثيرا ما اشتغل اي
المثقف على الافكار والقضايا والاخرين، او على المجتمع
والسياسة والدين، ولم
يشتغل كثيرا على نفسه، حيث مؤخرا في هذه المجتمعات،
وتحديدا منذ العقد
المنصرم ظهرت الدعوات المطالبة بمعاملة المثقف نقديا
كغيره من شرائح المجتمع
باعتباره موضوعا للنقد بعد ان كان الناقد. اجمالا، هناك مسائل عدة «تجبر» المثقف على اعادة النظر في ذاته، بما في ذلك التعريف والدور والمكانة التي يحظاها، وتفصيلا منها:
1- من المعلوم، ان هناك الكثير من الافراد يوضعون تحت
مقولة المثقف، ومع
هذا لا يمكن النظر اليهم على انهم كتلة واحدة متجانسة،
حيث الاختلافات الكثيرة
الموجودة بينهم الجوهري والعرضي الذي يصعب تعريفهم
بتعريف موحد ودقيق،
فاحد الاختلافات الموجودة بين المثقفين هو اختلافهم على
تحديد من هو المثقف؟
فبين المثقفين يكثر النقاش حول من هو المثقف؟ وان كان
هذا الاختلاف لدواع كثيرة
منها المعرفي والايديولوجي، وان طفا على السطح ان هناك
اتفاقا بين المثقفين حول
من هو المثقف؟ فهو اتفاق عام وغير دقيق، وهذا يعني، انه في
احيان كثيرة، ان من
يطلق على ذاته او يطلق عليه الاخرون انه مثقف، فليس
بالضرورة ان يعي ذاته
المثقفة، ويدركها بصورة واضحة ودقيقة، الذي يظهر ضبابية
حول مفهوم المثقف.
2- اثر الواقع على المثقف فكرا وممارسة، فباعتبار ان الواقع
مؤثر ومكون ذو
اهمية كبيرة على المثقف، وجدنا ان المثقف تاثر فعلا
بالمتغيرات المحلية والعالمية،
كما هو واضح في المجتمعات العربية، وفي الحقيقة، لا يمكن
اعتبار التاثر بمختلف
التغيرات خطا يقع فيه المثقف، بل تاكيد على اهمية التصاق
المثقف بالواقع المعاش،
فمثلا المتغيرات المحلية تنتج من عدم قدرة الافراد
والمؤسسات في مجتمع على
ممارسة واحداث تغييرات جوهرية وسريعة تمس حياة هذا
المجتمع في حاضره
ومستقبله، او العكس ان هناك قدرة لهؤلا الافراد
والمؤسسات على احداث تغييرات
وطفرات في مجتمعاتهم، ولكن الذي حدث في الواقع العربي
هو حالة عجز الافراد
والمؤسسات في احداث التغيير او الاصلاح في المجتمعات
العربية، ونتيجة النظر
للواقع، بدا الشك يهجم بقوة على الفاعلين الاجتماعيين
وعلى اهمية دورهم الذي
يؤدونه، ومن ضمن هؤلا الفاعلين ياتي بالطبع المثقف. واما المتغيرات العالمية التي لا يمكن فصل اثرها على المتغيرات المحلية التي انعكست آثارها على هذا المجتمع كما على غيره من المجتمعات، بسبب عوامل
|