الصفحة السابقة

الصفحة التالية

عديدة منها الثورة التقنية والعولمة. فمثلا العولمة التي تجلت اولا في الجوانب الاقتصادية ثم السياسية واخيرا الثقافية، والتي لها جوانبها الايجابية والسلبية، نجد ان في جانبها السلبي ان هناك محاولة من اطراف مؤثرة في العولمة تتمثل في قهر وهيمنة واستبداد وتنميط يطال الاشيا والمفاهيم، فكل ما يحدث في مراكز تصدير العولمة يلزم ان يكون على اساسه في المجتمعات الاخرى المستقبلة للعولمة، ومنها ان يكون هناك ضغوط تمارس بصيغ مختلفة قد تكون «لطيفة‏» احيانا لفرض تغيير قسري على المفاهيم والواقع، ومن ذلك مفهوم المثقف، ولعل مقولات نهاية المثقف او موته او عدم قدرة هذا المثقف على ان يكون ذا وجود، كغيره من الفاعلين الاجتماعيين التقليديين او الجدد التي موضوع هذه الدراسة فضلا عن وجود ذات المثقف مسائل واضحة للمتتبع لواقع المثقف ومساره، فواقع اي مجتمعات يفرض على المثقف التعامل مع هذا الواقع وفق فهم متجدد للمثقف قد يطال مفهوم المثقف ايضا.

3- تفجر الاختصاصات، فمع توسع اختصاصات العلوم السياسية والاجتماعية، على سبيل المثال، لم تعد للمثقف تلك القيمة التي كان يحظ‏ى بها في السابق نتيجة المامه بعلوم وافكار سياسية او اجتماعية، فبرز من يمتلك المعرفة المتخصصة، بل الدقيقة اكثر من المثقف، كما هو شان الخبير في الشؤون السياسية او الاجتماعية او الاقتصادية او الشؤون المحلية، حيث بدا هذا الخبير في تكوين مرجعية معرفية على حساب مرجعية المثقف «المعرفية والواقعية‏»، كذلك مع تقدم المعارف والعلوم التقنية اصبح لخبرا تقنية المعلومات دور مهم في حياة المجتمعات مما سحب جزء من البساط لصالحه، فاصبح لهذا الخبير اهمية بين الناس ليس فقط على حساب المثقف، بل وعلى حساب غير المثقف، وينطبق هذا ايضا على اختصاصيين جدد كاعلاميي القنوات الفضائية، فاصبح هذا المثقف امام تفجر الاختصاصات والمعرفة على جميع الصعد يواجه صعوبات لتحقيق حضور فاعل متميز في المجتمعات، فلم يعد يكفي «غرور» المثقف بان له دورا على صعيد المجتمعات، فلا بد من ان يتحول هذا «الغرور» النظري الى واقع عملي، اي يتحول الى دور عملي ان صح التعبير. فتوسع الاختصاصات والمعارف يحتم على المثقفين تمييز اصحاب الاختصاصات، كما يحتم تمييز انفسهم، حتى يتم تمييز كل مجال عن الاخر لا ان توضع المجالات المتشابهة او القريبة الاهداف والمواضيع في مجال واحد من دون تمييز، وهذا يعني انه من الممكن ان يتطور مفهوم المثقف او يتغير مما لا يبقيه على حاله.

4- تمجيد المثقف لخطاباته وافعاله في مقابل التقليل من اهمية خطابات الاخرين وافعالهم، حيث وعد المثقف بتقديم انجازات لهذه المجتمعات بنقلها للحداثة والتنوير والتقدم، او تصويره بان خطابه لا يحتاج للخطابات الاخرى، وانه وحده قادر على التقدم بالمجتمعات العربية، ولان المثقف لم يستطع الوفا بوعوده، تغيرت النظرة اليه سوا كانت من فئة المثقفين نفسها ام من الاخرين، فسادت افكار عديدة عن المثقف اهمها ان دوره لم يعد تغيير العالم، بل تفسيره، وانه يلزم ان يختفي عن الانظار.

5- استناد المثقف الى عدد من المقولات، منها النضال من اجل تحقيق اهداف منشودة ولا سيما المرتبطة بالمشاريع والاهداف السياسية، وحيث لم يعد النضال قادرا على الصمود في مواجهة الاوضاع الحالية كما يرى الكثير، لاسباب كثيرة، منها اشتداد تسلط انظمة حاكمة على مجتمعاتها، والتي في الوقت ذاته تخاف قطبا اوحدا لا يسمح باي تفكير يزعزع محاولاته المستمرة للسيطرة والهيمنة على العالم، اجبر كثيرين على التخلي عن الحديث عن النضال، الذي يعني ان احد المكونات السابقة لمفهوم المثقف قد بدا في الاضمحلال.

6- ممارسة فئة من المثقفين العمل السياسي على حساب العمل الثقافي، حيث كان من المفترض الا يتجاوز فعل المثقف السياسي فعله الثقافي، الا ان كثيرا من المثقفين حمل لعقود صفتي المثقف‏والسياسي معا، او ان بعض المثقفين لم يمارس السياسة، ولكنه حمل خطابها، فهو لا يرى ان هناك فصلا حقيقيا بين الثقافة والسياسة فكلاهما مكمل للاخر، مما ادى لوجود حالات طغى فيها الدور السياسي على الدور الثقافي، فمارس المثقف خطابين مختلفين واحيانا يكونان متناقضين في وقت واحد، عندما راى ان السياسة اهم من الثقافة، ولارث تاريخي تضمن قيام السياسي بمحاولات نجح في بعضها بهدف استلحاق غيره له، بما فيهم من تمثل دورا مشابها لدور المثقف.

7- عدم وضوح مفهوم المثقف في اوساط شرائح كثيرة في المجتمع، فمن خلال التجربة التاريخية في المجتمعات العربية نجد ان للفقيه والسياسي وضوحا لعموم المجتمع، ولكن لا نجد نفس هذا الوضوح موجودا لمفهوم المثقف، حيث لا زالت صورته غير واضحة ضبابية عند «عامة الناس‏»، فعند البعض المثقف هو من يمتلك مقدارا كبيرا من المعلومات، حتى لو كانت هذه المعلومات عامة لا ترتبط بحقيقة الثقافة، وعند البعض هو من يعارض من اجل تسجيل حضور او لمخالفة السائد المقبول والمرضي عنه، الذي جعل شرائح مختلفة من المجتمع تعترض على المثقف في صراعه مع السياسي او عالم الدين او الاخر الخارجي من دون فهم مواقفه ورؤاه، مما افقد المثقف الدعم الذي قد يلقاه من قبلهم، والاشكالية الحقيقية انه حتى بعض من اطلق عليهم مثقفين او اطلقوا على انفسهم مثقفين، لم يتضح لديهم من هو المثقف!! وبالطبع، هناك عدد من الاسباب الاجتماعية والسياسية ادت لذلك.

8- تطور مفهوم المثقف، اخذ مفهوم المثقف لدى غرامشي وسارتر العضوي عند الاول والملتزم عند الثاني مكانة مهمة عند الكثير من المثقفين العرب خاصة عند الماركسيين والوجوديين منهم، الا انه يمكن القول انه مع انحسار فكر الوجودية في المجتمعات العربية الذي راج في الخمسينات والستينات من القرن الاخير، وتراجع الفكر الماركسي ولا سيما عند بعض اتباعه في المجتمعات العربية، بدا مفهوم غرامشي وسارتر للمثقف بالاضمحلال في هذه المجتمعات، فلا يمكن النظر لمفهوم المثقف على انه مفهوم غير قابل للتطور، او ان تجليات المفهوم لا يطرا عليها الانحسار والتغير، فهو يخضع لقانون الصيرورة «رغم مرور عقود على تعريفات غرامشي تلك للمثقف، الا انها ما تزال تسود جزءا كبيرا من الادبيات التي عنيت بدور المثقف في المجتمع. لكن غرامشي كان قد ركز على ذلك الدور في اطار الصراعات الداخلية بين الطبقات، اي داخل نطاق المجتمع المعني.

اليوم تمدد تعريف ودور المثقف، واخذ شكلا اكثر تركيبا من الميكانيكية الغرامشية، على مستوى المجتمع، واوسع ابعادا على مستوى علاقة المجتمع برمته مع العالم الخارجي وضغوطاته. فقد اصبحت لدينا تعريفات اضافية، مثل المثقف الناقد، والمثقف التبريري، والمثقف الداعية.

المثقف الناقد معوله العقل النقدي البنا الذي يعمله في النظر الى الاشيا والقضايا، والذي يمارسه سوا ازا السلطة ام ازا المجتمع او المجموعة التي ينتمي اليها. وهذا النقد هو وسيلته للمساهمة في تحسين الشرط الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي تعيش فيه جماعته.

المثقف التبريري منطقه ووسيلته التبرير للفضا الذي ينتمي اليه، او للشريحة التي يفترض ان يدافع عنها ويسوغ اخطاها. قد يكون مثقف سلطة يدافع عنها دفاعا عن مصالحه، او مثقف ايديولوجيا او حزب او ثقافة يدافع عنها دفاع المستميت مهما كان الانحراف او الخلل باديا.

المثقف الداعية هو صاحب المشروع او الايديولوجيا، يتسنم وظيفة التبشير بفكرة معينة يراها الصواب الاصوب الذي يجب ان يسيطر على جماعته ويقودها»((22)).

اذن، هناك حاجة معرفية وعملية لتعريف المثقف، ومن ثم تمييزه عن غيره في مرحلة تتسم بالتداخل والتغير والتعقيد الشديد، كي تجنب الدارس الوقوع في عدد من المزالق المنهجية عند دراسة المثقف وقضاياه، حيت تتحدد بوضوح دائرة المثقف التي يشتغل عليها، فلا يتجاوز دوائر غيره وتحديد مجاله الذي يشتغل عليه بكفاة وتخصص، «قد يثار سؤال معرفي حول دوافع واسباب الفصل والتفكيك في المصطلح بين المثقف من جانب، والفقيه والمفكر من جانب آخر، في تناول لمجمل الاشكاليات وعنونتها× على اعتبار ان المدلول المعرفي العام لمصطلح المثقف يشتمل على الفقيه والمفكر ايضا.

وعلى حد تعبير بعض علما الاجتماع من ان مصطلح المثقف يستوعب جميع منتجي الافكار وناشريها وحملتها ومستهلكيها، بمن فيهم علما الدين والادبا والكتاب والاعلاميين والفنانين، بل وجميع خريجي الجامعات والمتعلمين تعلما مرموقا.

ولكن، لجوءنا الى الفصل له اكثر من سبب ودافع موضوعي، يرتبط مباشرة بواقعنا الاسلامي× اذ ان المدلول العام لمصطلح المثقف اذا ما طبقناه على الفقيه والمفكر يواجه اشكاليات تخصصية واجتماعية، وربما دينية، في واقعنا الاسلامي.

ودراسة الاشكاليات ومعالجتها مهما كانت يجب ان تنطلق من البيئة والواقع اللذين يحكمان الاشكالية، دون اللجوء الى استعاره معادلات او مفاهيم ومصطلحات من بيئات اخرى، وان اطلق عليها اصحابها صفه العلم والمعرفة.

ومن هنا كان ضروريا اعتماد المداليل الخاصة، المنبثقة من الواقع، والتي تضع فروقات واضحة على مستوى المفهوم والاصطلاح والمعنى بين كل من الفقيه والمفكر والمثقف، وتقسمهم الى ثلاث فئات‏»((23)).

ويبقى التاكيد، على ان البدء، في محاولة التعريف خير من عدمها، وقد يكون، من خلال محاولة حصر المنضوين تحت الثقافة بصورة اوضح، كي يسهل ويتضح التعامل مع المثقفين.

وتهتم هذه الدراسة بالقا الضوء على مداخل تعريف المثقف التي من خلالها يتم تعريف المثقف، بصورة اكثر من هدف الخروج بتعريف دقيق للمثقف.

لا ينحصر تعريف المثقف في مدخل واحد فقط، فهناك عدد من المداخل يتم من خلالها تعريف المثقف، فاختلاف تعاريف المثقفين نابعة من اختلاف هذه المداخل، الا ان الجدير بالذكر، ان هذه الدراسة حاولت الوصول لحصر مداخل تعريف المثقف في ثلاثة، وهذا لا يعني انها مداخل نهائية، فيمكن من خلال دراسات اعمق او وجهات نظر اخرى يتم الوصول لمداخل اخرى اكثر تفصيلا، فليس الحصر هنا عقليا على حد تعبير المناطقة، وتحديد هذه المداخل يمكن من محاصرة مفهوم المثقف بصورة اكثر، مما يتيح القبض على مفهوم للمثقف.

ولكن، قبل الدخول في الحديث عن هذه المداخل هناك حاجة لالقا الضوء على عدد من تعاريف المثقف.

تعريف المثقف تمييز المثقف عن غيره عرف د. محمد عابد الجابري المثقف في كتابه «المثقفون في الحضارة العربية‏» استنادا الى قضية الفريد دريفوس التي جعلت هذا المثقف ناقدا اجتماعيا، فهو يعرف المثقف على اساس هذه القضية بانه «وبعبارة اخرى، ان (المثقفين)، وفقا لهذه التحديدات، هم اولئك الذين يعرفون ويتكلمون، يتكلمون ليقولوا ما يعرفون، وبالخصوص ليقوموا بالقيادة والتوجيه في عصر صار فيه الحكم فنا في القول، قبل ان يكون شيئا آخر»((24)). علما ان د. الجابري يرى «مع ان مفهوم (المثقف) اتسع ليشمل جميع الذين يشتغلون بالثقافة، ابداعا وتوزيعا وتنشيطا، الثقافة بوصفها عالما من الرموز يشمل الفن والعلم والدين‏»((25)).

بينما يعرف د. برهان غليون المثقف في بحث له بعنوان تهميش المثقفين ومسالة بنا النخبة القيادية من خلال اعتباره فاعل اجتماعي «ان المقصود اذا من المثقفين هنا هو فاعل اجتماعي جمعي وليس مجموعة افراد يشتركون في نشاط مهني او علمي او ذهني واحد يقرب في ما بينهم. وعندما نتحدث عن فاعل اجتماعي فنحن نشير الى قوة محركة ودينامية اجتماعية لا الى مبدع فكري‏»((26)).. والتعريفان السابقان كانا ضمن سياق بحثين معينين.

وهناك مصطلح الانتلجنسيا، الذي يستخدم للاشارة الى النخبة المثقفة، وهو مصطلح استخدم اول مرة في روسيا في العام 1860م× ليدل على النخبة المثقفة والمتميزة بميول نقدية نحو الحالة الراهنة((27))، ويخلص د.

محمد الدقس لتعريف الانتلجنسيا «خلاصة القول: يمكن تعريف الانتلجنسيا بانها النخبة المثقفة التي تمتهن الثقافة (المادية والفكرية) ولها تاثير قوي على المجتمع من خلال الوعي الاجتماعي‏»((28)). وبالرغم من انه في الانتلجنسيا تمييز النخبة المثقفة عن عموم المثقفين، الا انه قليل الاستخدام في الكتابات العربية التي تدور حول المثقفين.

يتناول المثقف المعاصر مسائل عديدة منها: الحرية، والحداثة، والتجديد، والاصلاح والتنور، والنهضة والتسامح، والدين والعلمانية، والعلاقات الثقافية وتحديات العصر، والنظام العالمي الجديد والعولمة، والتدخل الخارجي، والتخلف والتبعية، والتغريب والعلاقات بين الحضارات، والديمقراطية وحقوق الانسان، والعدالة والمساواة وغيرها من المسائل سوا كانت لديه صورة ايجابية وصحيحة وواقعية او صورة سلبية وغير صحيحة وغير واقعية عن هذه المسائل، ويمارس المثقفون اشتغالات عملية على هذه المسائل، وتتفاوت اهمية هذه المسائل من مثقف لاخر.

اذن، يتضح ان للمثقف اشتغالات متعددة، منها تحصيل المعرفة ونشرها في المجتمع، ومنها الوصول لوعي ناتج من امتلاك هذه المعرفة ويمارس بنا على هذا الوعي تاثيرا في المجتمع، وممارسة الفعل الاجتماعي الذي قد يكون فيه المثقف حسب تصور سابق لمفهوم المثقف انه قائد وموجه، ولكنه حسب تصور آخر حاضر لمفهوم المثقف انه مشارك في الشان العام والهموم الاجتماعية من اجل تطوير هذا المجتمع، ولكون الانسان في اصل تكوينه مخلوق بكيفية تمكنه من حمل حيثيات كثيرة مختلفة، ولكون المثقف ايضا انسان، فمن الطبيعي ان يحمل المثقف في داخله حيثيات كثيرة مختلفة.

وعلى هذا، قد تتقاطع عدد من حيثيات المثقف مع غيره من الفاعلين الاجتماعيين او الشرائح الاخرى في المجتمع، فمثلا، في النظر المعرفي يتقاطع المثقف مع المفكرين والاكاديميين ورجال الدين، وفي الفعل الاجتماعي كذلك يتقاطع المثقف مع السياسيين او علما الدين والوجها واصحاب الاستثمار، فهناك للمثقف حيثيات اتفاق واختلاف، اتفاق مع غيره حيث يشترك مع غيره بحيثيات معينة، واختلاف عن غيره حيث يختلف عن غيره باختلاف هذه الحيثيات، فمثلا، الاتفاق في حمل حيثيات ثقافية يجعل من السياسي مثقفا، وعدم امتلاك مثل هذه الحيثيات الثقافية تبعد السياسي من ان يكون مثقفا، فلا بد من تحديد تلك الحيثيات الموجودة في المثقف والتي من دون شك تؤثر في مفهوم المثقف والدور الذي قد يمارسه من جهة، وبسببها يختلف عن غيره من جهة ثانية، وهذا لا يعني انه عند اجتماع حيثيات مختلفة لا تحدث هناك تناقضات او اشكاليات لدى حاملها.

في معرض نقاشه لمفهوم المثقف في ندوة مركز دراسات الوحدة العربية المعنونة «المثقف العربي ومهامه الراهنة‏» التي اقيمت في النصف الاول من عقد الثمانينات من القرن الماضي، يرى د. غسان سلامة ان تعبير المثقف العربي، حتى تلك اللحظة، لم يكن واضحا، وذلك لانه يحمل اشكاليتين: اشكالية على مستوى كلمة المثقف× واشكالية على مستوى كلمة العربي، يقول بخصوص الاشكالية على مستوى كلمة المثقف: «ارى الاشكالية الاولى على الشكل التالي: حملت المجتمعات العربية التقليدية انواعا من المثقفين التقليديين يمكن اعتبارهم مثقفين عضويين. بشكل اساسي ارى منهم ثلاثة: اولا: رجل الدين.

ثانيا: رجل التعليم.

وثالثا: في معظم الاحيان رجل الادارة الذي تميز في الطبقات العليا من الادارة.

مثلا في السلطنة العثمانية او في الولايات العثمانية في المنطقة العربية، تميز اجمالا بقدر لا باس به من الثقافة خارج اطار العسكر.

هذه الانواع الثلاثة من المثقفين بعد تدهور السلطة العثمانية وقيام الدولة العربية الحديثة، تضال دورهم وبرز المثقف العربي الجديد اذا صح التعبير، هذا المثقف تميز اساسا بتدريبه العلمي العالي بالاجمال، وعلاقة ما بالغرب اما من خلال المدرسة واما من خلال الاطلاع الشخصي، او من خلال السفر الى الغرب، ولدينا صفحات رائعة عن رفاعة الطهطاوي ولقائه بالغرب. اعتقد اننا ما زلنا في مرحلة انتقالية بالنسبة الى تحديد المثقف العربي في المجتمع الراهن، وهي مرحلة للاسف طويلة اكثر مما كنا نعتقد، او على الاقل مما كنت انا اتامل، بحيث اننا نرى في الفترة الاخيرة فئات من المثقفين التقليدين يعودون الى الواجهة وكانهم المثقفون العضويون دون غيرهم‏»((29)).

يمكن ارجاع احد الاختلافات الحقيقية بين المثقف وغيره من الفاعلين الاجتماعيين للخطاب الذي يحمله كل منهم، اي الاختلاف بين الخطاب الثقافي وغيره من الخطابات سوا كان سياسيا او دينيا او اجتماعيا او اعلاميا، فالخطاب يمنح جوهر المثقف تمايزه عن غيره. فكلمة الخطاب قديمة، ولها استخدام في اللغة العربية منذ قرون اقترنت بالنطق. وايضا، للخطاب استخدام / مستوى آخر غير الاستخدام / المستوى اللغوي الذي كان سائدا، وهو في معناه الاساسي «كل كلام تجاوز الجملة الواحدة سوا كان مكتوبا او ملفوظا»((30))، وهذا ما نجده في كتابات بعض المفكرين المعاصرين، ميشيل فوكو انموذجا، فالخطاب عنده هو شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تبرز فيها الكيفية التي ينتج فيها الكلام كخطاب ينطوي على الهيمنة والمخاطر في الوقت نفسه((31)).

«ان الخطاب ليس مجرد وحدة لغوية مفارقة، وانما وحدة من وحدات الفعل الانساني والتفاعل والاتصال والمعرفة، وانه ليس كيانا ثابتا، جامدا، من الكلمات والدوال، وانما حقل فعال من المشاغل والاهتمامات والتوترات والصراعات والتناقضات التي تكشف عن تنظيم المجتمع ومؤسساته وابنية القوى وادوارها المضمنة‏»((32)).

وفي مستوى آخر عما ذكر، فلكل خطاب بنية محددة تختلف عن بنية الخطابات الاخرى، وهذه البنية قد تتميز بعناصر تنفرد بها عن الخطابات الاخرى وبعناصر تشترك فيها مع خطابات اخرى، ومن الصعوبة ان تكون هناك نظرة موضوعية تستطيع المفاضلة بين الخطابات بنا على الافضلية× لان لكل خطاب حقلا او مجالا يشتغل عليه وله هدف مختلف، ولكن الاشكالية قد تبرز عندما يتبنى المثقف اكثر من خطاب في وقت واحد× لانه يقوم بادا اكثر من دور في وقت واحد لاشتغاله على اكثر من مجال وهدف، الذي قد ينتج عن ذلك تناقضات اذا لم يستطع ان يضعها كلها في سياق وانسجام ينظمها، وغالبا ما لا يستطيع المثقف على ذلك لصعوبته، فدائما تكون هذه الخطابات مختلفة، وقد تكون متعارضة في كثير من المسائل، فمثلا قد يجمع المثقف بين الثقافة والفقه لا الدين او بين الثقافة والسياسة، ولكن ليس القصد ان الحل يكون بالجمع بين الاثنين، ولكن القصد ما هي الاثار التي تترتب على جمع المثقف خطابين مختلفين وقد يتعارضان؟ هل تستطيع ايصاله لاهدافه؟ او ان يمارس المثقف خطابا لا يعي انه يمارسه كما لو مارس السياسة ظنا منه انه يمارس الثقافة، فهناك في بنية هذه الخطابات اختلافات قد يكون من الصعوبة لها الالتقا.

فالخطاب الفقهي يختلف عن الخطاب الثقافي، فالاول يشتغل بالنظر للنصوص الدينية من اجل استنباط الحكم الشرعي، ويفترض فيه الاجتهاد في فهم الواقع ايضا وهو يمارس النقد على مستوى الارا الفقهية الاخرى، بينما الخطاب الثقافي يشتغل على الفكرة والوعي والنقد اللذين لا ينحصران فقط في مسائل دون اخرى، فهي اوسع من المسائل الفقهية، حيث تشمل التاريخية والسياسية والاجتماعية، ومن ثم فهناك مجالات يختلف فيها الخطاب الفقهي عن الخطاب الثقافي.

ولتقريب هذه الفكرة بصور اكثر، يميز د. حسن حنفي بين عدد من الخطابات الموجودة على الساحة الواقعية، ورغم ان د. حسن حنفي لم يفرد للخطاب الثقافي قسما خاصا في دراسة له بعنوان «تحليل الخطاب‏»، الا انه يمكن وضعه قريبا من الخطاب الفلسفي. حيث يرى د. حنفي ان الخطاب الديني هو خطاب عمومي× لانه سلطوي امري تسليمي اذعاني. يطالب بالايمان بالغيب وبالعقائد، يقدسه الناس. يعتمد على سلطة النص اكثر من اعتماده على سلطة العقل. يعتبر نفسه حكما ومقياسا لانواع الخطابات الاخرى.

والخطاب الفلسفي ينزع الى خطاب عقلي برهاني. يقبل الحوار والراي والراي الاخر. قادر على التعميم والتجريد والصياغات النظرية للقوانين. انساني النزعة متفتح على الحضارات الاخرى، احيانا لا يفهمه الا الخاصة.

والخطاب الاجتماعي السياسي الهدف منه الترابط الاجتماعي والصراع احد مظاهره، يبدا بالمجتمع ويصدر عنه. التاثير في الناس وتوجيههم، يكشف عن صراع الاهوا والمصالح والارادات والقوى الاجتماعية والتنظيمات السياسية في حراك اجتماعي((33)).

ويمكن القول ان الخطاب الثقافي يقوم على القبول بالتعددية والتسامح واحترام الاخر والانفتاح على الانسانية من دون قيود او شروط، فهو متجاوز للبيئة التي يعيش فيها، مشتغل على الفكرة، لا يقبل التحالف مع من يختلف معه في وجهة النظر، كما يقوم بذلك السياسي الذي قد يتحالف مع اشد اعدائه العقائديين من اجل تحقيق مصلحة سياسية او للحصول على نصر سياسي، ولا يتعامل مع الواقع بفكرة انه واقع لا يمكن تغييره، وهذا هو الجانب الايجابي للخطاب الثقافي، ولكن هناك جوانب سلبية للخطاب الثقافي فهو قد ينزع بصاحبه للتعالي على الاخرين، وقد يصيبها الابتعاد عن الاخرين× لانها تنزع للمطلق ولا تنظر للامور من منطلق نسبي، وعدم الواقعية في النظر للامور التي قد يصبها نوع من «المثالية‏» غير المبررة.

وكذلك مثلا، هناك من يطرح انه عندما يكون هناك مثقف منتم للمرجعية العلمانية، وفقيه منتم للمرجعية الاسلامية ويتم مقارنتهما، فهنا قد يحدث خطا منهجي في هذه المقارنة× لانها تتعامل مع وظيفتين مختلفتين من خلال مرجعيتين مختلفتين، فقد ينظر الى ان الاختلاف الاساسي هنا هو للمرجعية وليس للخطاب، بينما يمكن ان يكون هناك اختلاف آخر يسلب الاختلاف الاول كونه اساسيا.

المقارنة الاكثر صحة في هذه المسالة، كي تكون المقارنة ادق، هي مقارنة خطاب مثقف ديني بخطاب فقيه ديني ضمن نفس المرجعية، او بين خطاب سياسي علماني وخطاب مثقف علماني ضمن نفس المرجعية، كي يتبرهن ان هناك اختلافا حقيقيا بين الخطابين، وبمعنى دقيق الا يكون هناك تناقض بين الخطابين، باعتبار ان كلا من الخطابين ينزعان الى مرجعية واحدة، ولكن الاختلاف في الوسيلة التي توصل لذلك، فنجد في الوقت الذي يكون هناك اتفاق على المرجعية الفكرية، نجد ان هناك اختلافا في التعامل ضمن المرجعية الواحدة والنظر اليها.

ومن هنا، تنبثق اشكالية اختلاف الخطابات، فهناك في داخل الثقافة الاسلامية اختلافات واضحة في النظر، كما نجد ذلك بوضوح بين الخطاب الفلسفي والكلامي والفقهي والصوفي، وكل هذه الخطابات ترجع للمرجعية الاسلامية. على سبيل المثال، في ايران هناك صراع داخل الثقافة الايرانية الحديثة التي يشكل الاسلام جزءا مهما منها بين تيارين كبيرين المحافظين والاصلاحيين، بحسب التعبير السياسي للاطياف الموجودة في الساحة الايرانية، وكل منهما يضم مثقفين وعلما دين ولا يختلفان على المرجعية.

يرى يحيى محمد في ذلك «ان اساس القطيعة بين المثقف او المفكر والفقيه انما يعود الى الاختلاف الحاصل بينهما على صعيد المصدر المعرفي، ذلك ان ما يتولد عن النص هو ليس نفسه الذي يتولد عن الواقع، وان مد الجسور بينهما يستدعي تاسيس احدهما على الاخر، وهو ما يعمل عليه كل من المفكر والفقيه، ولكن بطريقة مغايرة. فبينما يقوم الاخر بتاسيس فهم الواقع على النص× يخالفه الاول بالعمل على العكس، رغم ان النص والواقع كلاهما عبارة عن كتابين للّه تعالى× تدويني وتكويني‏» ((34)).

كيف يكتسب المثقف تعريفه؟ تعتمد هذه الدراسة على ثلاثة مداخل يمكن من خلالها تعريف المثقف، هي كالتالي: المدخل الاول من خلال المرجعية التي انبثقت منها لفظة مثقف: اي تعريف المثقف انطلاقا من المرجعية الاوروبية، وتحديدا الثقافة والتاريخ الاوروبيين، اي البيئة التي انبثقت منها لفظة المثقف، فاول مرة استخدمت فيها لفظة مثقف كان في «بيان المثقفين‏» الذي كان مصب اهتمام قضية الفريد دريفوس، حيث قام عدد من المفكرين والسياسيين والاكاديميين ونحوهم بالتدخل للتاثير في محاكمة الفريد دريفوس، باعتبار ان قضيته اصبحت شانا عاما في المجتمع الفرنسي آنذاك، والتي انقسمت النخب الفرنسية حول محاكمة الفريد دريفوس.

وميزة هذا المدخل انه يضع المثقف المحلي في حركة تواصل مع العالم، والذي لا شك ان وجه هذا التواصل في الطريق الصحيح سوف يستفيد المثقف منه، وذلك بسبب اطلاعه على تجارب مجتمعات اخرى تمتلك تجارب تاريخية مميزة في مثل مسالة المثقف. فلم يقف المجتمع والفكر الاوروبي على نشوء مصطلح المثقف، بل انه اضاف تراكمات كثيرة للمثقف، من خلال النظر والعمل.

يرى زكي الميلاد ان التعرف على الثقافة بمفهومها الاوروبي له من الاهمية على مستوى الثقافة في الفكر العربي «انه لولا التعرف على مفهوم الثقافة كما وصل الينا من منظومة الثقافة الاوروبية لما التفتنا الى كلمة الثقافة بنظرة جديدة بعد ان كانت مجرد كلمة عادية كغيرها من كلمات اللسان العربي، التي لم يكن لها تحلق او لمعان قبل التعرف عليها، ولما تولد لدينا الحافز لضرورة بنا مفهوم مستقل للثقافة ويكون بحسب الدلالات التي تعط‏ى له في اللغة العربية، لهذا فان المفهوم الاوروبي هو الذي نبهنا الى مثل هذه الحاجة والضرورة، ولا اعلم انه لولا ذلك المفهوم لكنا نلتفت الى كلمة ومفهوم الثقافة عندنا ام لا!»((35)).

ولكن، هناك اهمية لتحديد المسائل التي كان ينظر اليها او يهجس بها او يشتغل عليها المثقف الاوروبي. وصف هذا المثقف الاوروبي عند البعض بصورة عمومية جدا، بانه المثقف المتحرر من الدين، وهذا نتيجة ان منطلقه في هذه المسالة هي العلمنة، ويقوم نقده على اساس الا حدود له سوا كانت دينية او اجتماعية او سياسية، وان لا سلطة عليه سوى عقله، متبنيا في ذلك شعار بان لا سلطة على العقل الا العقل الذي هو احد خلاصات التنوير الاوروبي، وانه لا توجد هناك مسلمات او عقائد تقف امام نقده وتفكيره، فهو ينطلق حرا في اي اتجاه يراه مناسبا له، الا ان هذا الراي يلزم له استدراك، وهو، انه لا يعني ان ليس هناك مثقف اوروبي صاحب ضمير حي وملتزم اخلاقيا وان كان علمانيا، او انه لا يوجد الا المثقف الاوروبي صاحب النظرة الجذرية السلبية للدين.

ففي عقود ماضية كانت هناك عدة اسباب اوجدت «ريبة‏» من مفهوم المثقف عند البعض، وتحديدا بعض الاسلاميين منهم، بغض النظر عن مدى موضوعية هذه الريبة. فمن هذه الاسباب ان مفهوم المثقف ونتيجة لارتباطه بالمرجعية الغربية، تم معه استحضار العلمانية التي تعتبر مكونا مهما للمرجعية الثقافية الغربية، وكذلك استحضار الاستعمار الذي ارتبط بمسائل الصراع ولا سيما في الدول التي عانت كثيرا من الاستعمار.

يعرض زكي الميلاد، حسب تعبيره، هذا الحذر او التوجس من مفهوم المثقف، فيقول: «لا يمكن ان نغفل تاثير ما حصل من اصطدام شديد بين الثقافتين الاسلامية والغربية، وما تركه هذا الاصطدام من تداعيات نفسية وثقافية وقيمية وسياسية، حيث فرض على الفكر الاسلامي ان يتعامل بنوع من الحساسية والتحفظ والحذر تجاه كل ما عبرت عنه الثقافة الغربية من مفاهيم ونماذج وعلائق وانماط وقيم وقوانين.. الخ، ومن جملة المفاهيم التي احاطها الحذر والتوجس مفهوم المثقف الذي يكتسب مرجعيته الفلسفية والتاريخية من الثقافة الاوروبية، خصوصا مع وجود مفهوم آخر ينتسب الى الثقافة الاسلامية، يلازم ذلك وجود نظرة ترى ان الثقافة الاوروبية تحاول فرض مفاهيمها واحلالها مكان المفاهيم التي عبرت عنها الثقافة الاسلامية، ومنها مفهوم المثقف الذي يراد احلاله مكان مفهوم العالم او الفقيه‏»((36)).

ووفق هذا المدخل من التعريف تبرز هنا اشكاليتان: الاشكالية الاولى: ان مقولة ان نشوء المثقف في البيئة الاوروبية، قد فرضت منذ فترات الاحتكاك باوروبا هيمنة الفكر الاوروبي على بعض المثقفين في مجتمعات مختلفة، الذي جعل هؤلا المثقفين يعيشون حالة التتلمذ الدائم على الفكر الاوروبي، وآثار هذه الهيمنة والتلمذة لا زالت قائمة، فلا يمكن تعريف المثقف من دون الرجوع الى المرجعية الفكرية الاوروبية التي انبثق منها هذا المصطلح، وبالتالي لا يمكن التفكير في ان يكون هناك نظر لتجارب اخرى للمثقفين خارج الفضا الاوروبي، ولا سيما بعد التطور الذي شهده مصطلح المثقف او على الاقل ظهور شريحة مهمة من المثقفين في فضاات اخرى في غير المجتمعات الاوروبية كانت لها ممارسات وتاثيرات متميزة، حيث كان للمثقف في هذه المجتمعات دور مشرف ورائد وبارز في التاثير على تاريخ هذه المجتمعات.

فعند هؤلا المثقفين، من دون التجربة الاوروبية المهمة، لا يمكن البحث عن مثقف خارج هذا السياق، وبدونها لا يمكن اعتبار المثقف مثقفا، وهذه الاشكالية تتضمن ان الثقافة الاوروبية لا تمارس فقط توجيها، بل تمارس هيمنة على الاخرين وخصوصا المثقف خارج هذه الثقافة، وهذا ما نراه واضحا عند مجموعة مهمة من المثقفين العرب ولا سيما في العقود الماضية، الذين تمثلوا نظرتين للمثقف نشات في المجتمع الاوروبي: اما نظرة غرامشي التي ترى ان المثقف كائن عضوي، واما نظرة سارتر التي ترى ان المثقف يجب ان يكون ملتزما، ولم تخرج رؤية كثير من المثقفين عن هاتين الرؤيتين، بمعنى ان هاتين الرؤيتين مارست تاثيرا كبيرا على هذه المجموعة، بالرغم من وجود اختلافات حقيقية بين الثقافات التي لا تلزم بالضرورة بما تراه ثقافات اخرى.

فمن المهم التاكيد مجددا، على ان المثقف كظاهرة لها تجليات في كثير من المجتمعات قد طرات عليه تغيرات وبالتالي لا يمكن التغافل عن هذا، فالمثقف بحاجة للتواصل والتفاعل مع العالم ليس فقط مع مجتمعه.

ولكن الاعتماد على تعريف المثقف في المرجعية الاوروبية، يفرض الاخذ بتبعات ذلك، حيث ان هناك واقعا يبين ان هناك مركزية ثقافية اوروبية، والان اصبحت مركزية غربية وان دخل في تكوين هذه المركزية محور الثقافة الامريكية خلال عقود القرن السابق، فما تراه هذه المرجعية الثقافية من تغيرات تصيب المثقف يستلزم ان ياخذ بها اي مثقف بما في ذلك المثقف العربي، فمثلا عندما ابرزت المرجعية الثقافية الغربية المثقف في قضية الفريد دريفوس واهمية مشاركته في الشان العام، وجدنا صدى لذلك في المجتمع العربي، ونجد في مرحلة لاحقة، برز في نفس هذه المرجعية على الاقل جزء منها تنامى فيما بعد وعلى لسان حركة آيار 1968 في فرنسا ان على المثقف الا يفكر نيابة عن غيره، وليس فقط مطالبة المثقف باعادة التفكير في مسالة انه يفكر نيابة عن غيره، بل تجاوز ذلك بان يراد من المثقف ان يكون نسخة من المثقف في المرجعية الغربية، اي بمعنى ليس المطلوب فقط تصحيح الخطا الذي وقع فيه المثقف، بل المطلوب من المثقف الاختفا من الافق كما يحدث او يطالب به على الاقل مجموعة من المثقفين في اوروبا وامريكا، فتفكير المثقف نيابة عن الاخرين لم يات للمثقف العربي من البيئة العربية، بل هو استفاده من المرجعية الثقافية الغربية، وهو الان يتراجع عن ذلك× لان المرجعية الثقافية الغربية تراجعت عن ذلك.

فهنا، تكريس حقيقي للمركزية الثقافية الغربية والتي تضع المثقف باطلاق في دائرة التقليد دون الابداع والاستقلال في النظر، وصنع خياراته، وممارساته النقدية «يمكن ان نقول انه بعد حركة آيار / مايو 1968 الكبرى، وبعد ان اخذت تولي ويتضال معها ما حملته من آمال عراض، بدات فكرة كبرى تشق طريقها الى اذهان المثقفين، وتتعلق باعادة نظر جذرية في صورتهم عن انفسهم، وما كان لهم من دور منذ ان ظهرت ظاهرة المثقف الحديث‏».

لقد بدا مثقفون فرنسيون وغيرهم من الغربيين يرون انه آن الاوان لكي ينتهي دور المثقف الذي يفكر نيابة عن الاخرين ومن اجلهم: «ان المثقف في طريقه الى الاختفا، ذلك الذي يفكر في مكان الاخرين: ان التفكير نيابة عن الاخرين سخف يبطل فكرة المثقف ذاتها». وهو راي سوف يردده ميشيل فوكو حين يقول: «ان المثقف محكوم عليه ان يختفي من الافق باعتباره انسان يفكر بدل الاخرين‏»،((37)) ومعنى هذا بصورة مختصرة وواضحة، ان المثقف مطالب بان يكون تابع للمثقف في المرجعية الثقافية الغربية.

والاشكالية الاخرى: ترتبط بالوجود والمصطلح، فهناك «وجودات‏» لم تصغ لها مصطلحات الا بعد ان اتضحت جيدا للمهتمين بها، وهذا ينطبق على مصطلح (مثقف) الذي بالرغم من كونه مصطلحا حديثا، الا انه لا يمكن الجزم بعدم وجوده الواقعي في العصور السابقة او على اقل التقادير اقدم من ظهور المصطلح، حيث ان المثقف باعتبار اهتمامه وانهماكه في الشان العام موجود فعلا في الواقع وان لم تتم صياغة مصطلح معبر عن ذلك، فلا يمكن من خلال قضية واحدة، كما هي في قضية دريفوس، ان يتشكل وجود المثقف دون وجود مقدمات تاريخية واجتماعية وسياسية وفكرية لتكونه، وما يؤيد الراي الذي يذهب الى وجود المثقف سابق على ظهور المصطلح، ان ليس للمثقف وجود مستقل يصطلح عليه بالمثقف، فالمثقف دائما يرتبط بوجود آخر، حيث نجد هناك طبيبا مثقفا× سياسيا مثقفا× صحفيا مثقفا× عالم دين مثقفا× اكاديميا مثقفا... وهذا لا يعني انه قد يحكم على المثقف بعدم الوجود المستقل مستقبلا بعيدا عن اقترانه او تلازمه باي وجود آخر، فالتركيز على المثقف كمصطلح دون الوجود او المضمون يعني ان هناك حاجة اكثر في التمحيص والتدقيق والنظر، فالاهمية الحقيقية هي للمضامين والوجودات لا للمصطلحات، وبالتالي فهذا المدخل لا يعالج مسالة وجود مفهوم المثقف في مجتمعات مغايرة للمجتمع الاوروبي آنذاك او اسبق تاريخيا منه.

وفي معالجة اخرى للباحث زكي الميلاد لمفهومي المثقف المرتبط بالثقافة الاوروبية والعالم المرتبط بالثقافة الاسلامية، يرى ان العالم يمكن ان يستوعب الدلائل والوظائف والعلائق التي حاول المثقف التقيد بها «في البدء لا بد من الاشارة الى ان الفكر الاسلامي بكل خطاباته ومناهجه، الحديثة والمعاصرة، قد تعامل بصورة عامة بتقبل، ومن دون اي محذور لكلمة الثقافة والمثقف، كالفاظ لغوية، مع تباين واختلاف في التركيب المفاهيمي لهما، الذي قد يختلف او يتعدد باختلاف وتعدد المرجعيات الفكرية والادبية والفلسفية، وهذا التقبل نلمسه من شيوع هذين اللفظين في هذه الخطابات، بشكل يفيد الرضا وعدم التهكم او الممانعة.

وبالتالي فليس القصد احلال لفظ العالم مكان لفظ المثقف، ولا مفهوم العلم مكان مفهوم الثقافة. انما نريد ان نكشف في ان المنظور الاسلامي جا بمفهوم يتضمن من الدلائل والوظائف والعلائق، كالتالي: حاول مفهوم المثقف ان يعبر عنها ويصورها من داخل مرجعية الفكر الاوروبي، من دون التطابق والتماثل الكلي والتام بين المفهومين‏»((38)).

ولا باس من التعرض لمسالة وجود المثقف تاريخيا في المجتمعات العربية الاسلامية، ففكرة وجود المثقف دون سبك مصطلح له، جعلت بعض المثقفين العرب يبحثون عن المثقف في التراث.

هناك من يرى ان المثقف كوجود لم يغب عن تاريخ المجتمعات الحية باجمعها، ولا سيما عند تحديد ادوار او مهام للمثقف التي تتحدد من خلال ادوار معرفية او نقدية او معارضة او العمل من اجل تحقيق مشروع ما ايا كان نوع هذا المشروع، فهذه الادوار قد وجدت في عصور سابقة، فمن الصعب القول مثلا ان التراث العربي لم ينطو على مسائل من هذا القبيل.

ولكن، عند تطبيق هذه الفكرة على المجتمعات العربية مثلا سنصطدم بثلاث اشكاليات: الاشكالية الاولى: تتعلق بوضوح مفهوم المثقف، وبالتالي تحديد وجوده، فمما لا شك فيه ان المفهوم يتضح كلما كثر الحديث عنه وكلما كان له تجليات كثيرة في الواقع، فمفهوم المثقف في اللحظات الراهنة اكثر وضوحا، ولا سيما عند بعض المثقفين من الازمان العربية السابقة، ونجد ان وضوح مفهوم المثقف يصب في صالح الوقت الراهن على حساب الازمنة القديمة في المجتمعات العربية، فكلما استغرقنا في التاريخ ازداد هذا المفهوم غموضا لاسباب عدة، منها مثلا قلة تجليات المفهوم في الازمنة السابقة، ولا سيما قلة وجود الدراسات الحفرية التي تبحث عن وجود المثقف في تلك الازمنة، وتبيان حياته ودوره ومهامه. وعدم وضوح مفهوم المثقف في تلك الازمنة ادى لاختلاف تعيين من هو المثقف في الازمنة، العربية القديمة، بالاضافة لاختلاف «زاوية‏» نظر الباحث في وجود المثقف.

اذن، الاشكالية الاولى، هي ان هناك اختلافا بين المثقفين العرب من الذين يرون ان للمثقف كوجود حضور في الثقافة والتاريخ العربيين في تحديد من هو المثقف. فهناك من راى ان الفقيه باعتبار ارتباطه بالمجتمع وقدرته على التاثير على احداث ومجريات الامور، هو مثقف التراث العربي.

يقول د. عبد الاله بلقزيز: «وليس من شك في ان الفقها كانوا، في ابتدا التجربة الحضارية العربية الاسلامية الوسيطة، الفئة الاكثر ارتباطا ب «العامة‏» وبشؤونها الحياتية من ضمن الفئات المالكة للراسمال المعرفي. ويجوز وصفهم بانهم كانوا المثقفين العضويين للمجتمع العربي الاسلامي! لم يكن الفلاسفة يملكون جلد الاتصال بعالم الوقائع اليومية، ولا كان علما الكلام يرغبون في ذلك. كانوا اهل نظر وتامل في الكليات وفي عالم المجردات، بل هم كانوا يصرحون كثيرا بمواقف الاحتقار تجاه الفكر الذاهل عن الجدل والبرهان، المنغمس في الخطابة والمنطق والقياس البياني، وهم في ذلك يعنون فكر الفقها المنغمس في لعبة القياس الشرعي وحرفة الافتا.

اما المتصوفة، فلم يرثوا من الفلاسفة غير نزعتهم الى التجريد، وانصرافهم عن عالم المحسوسات، وهم اذ شاركوا الفقها ايمانهم بالمطلق الديني وبفكرة التوحيد، اسقطوا التوسل بالنصوص لمعرفة الحق، وانصرفوا الى الحدس والوجد طريقا لمعرفة الحق، واسقطوا الرسوم والاقوال والحواس لرياضة النفس على الشفوف الى عالم الحق المطلق، وتحقيق تطهير يحرر النفس من ادران الجسد حتى تكون اهلا للحلول.

وفي الاحوال جميعا، لم يبق في ميدان «العامة‏»من ينافس الفقيه في ثروته الرمزية: اكتساب السلطة المعرفية في راي الناس واستمالة الجمهور. ولقد استطاع المثقف العضوي ان ينهض بهذا الدور بدءا من حدوده الدنيا (اي فقه الحيض والنفاس ونوازل الاحوال الشخصية) انتها بدوره السياسي في تاليب «العامة‏» على السلطان او في الافتا بشرعية وبوجوب مصالحتها مع السلطان‏»((39)).

وهناك من اعتبر المتكلم والفيلسوف هو مثقف التراث العربي نتيجة الوعي النقدي الذي مارسه، يرى د. الجابري بخصوص ذلك: «اننا الان نرى بوضوح تام انه اذا كان ثمة فئة من العاملين بفكرهم في الحضارة العربية الاسلامية تنطبق عليها، اكثر من غيرها، مقولة: «المثقفون‏» فهي بكل تاكيد الفئة التي تحمل اسم: «المتكلمون والفلاسفة‏». لقد توصلنا الى هذه النتيجة عبر منهج ارتدادي انتقلنا فيه من: «ما بعد» (الاوروبي) الى‏«ما قبل‏» (الاسلامي)، وكان مجال بحثنا يقع خارج موضوعنا، وسيكون علينا الان ان نصل الى النتيجة نفسها بالمنهج التاريخي الذي تتم الحركة فيه من «ما قبل‏» (اي المقدمات) الى «ما بعد» (اي النتائج)» ((40)).

وهناك من اعط‏ى للكاتب صفة المثقف× لانه كان ينافس اهل الاختصاص من اهل الفقه، كما يرى يحيى محمد: «يمكن القول ان مثقفي اليوم هم ككتابنا القدما اعتمدوا على ثقافة دخيلة تنتمي الى حضارة اخرى غير حضارتنا الاسلامية. وفي كلا الحالين انه مثلما كان الكتاب ينافسون ذوي الاختصاص من اهل الفقه في طروحاتهم المعرفية وعلاقتها بالواقعين الاجتماعي والسياسي، فكذا ان المثقفين اليوم يؤدون نفس الدور من المنافسة للفقها، وذلك بغض النظر عن اختلاف الاغراض والوظيفة لكل منهما. اذ كان الكتاب موظفين لخدمة السلطان، في حين عد المثقفون انفسهم مسؤولين عن الامة ومعبرين عن طموحاتها وتطلعاتها»((41)).

يرى لؤي صافي ان مفهوم المثقف لم ياخذ معنى متميزا في الادبيات العربية حتى منتصف القرن العشرين، ومع هذا لا يعني ان غياب الوعي بالظاهرة غياب نفس الظاهرة «لا باس ان نذكر ونحن نتتبع ظاهرة المثقف في الحضارة الاسلامية ان مفهوم المثقف لم ياخذ معنى متميزا في الادبيات العربية حتى منتصف القرن الحالي (يعني القرن العشرين). بيد ان هذا لا يعني ان ظاهرة المثقف كانت غائبة بكل اشكالها عن المجتمع الاسلامي التاريخي. فغياب الوعي بالظاهرة لا يعني غياب الظاهرة نفسها، بل قد ينجم عن استخدام مصطلحات اخرى للاشارة الى الظاهرة المعنية، او جوانب منها، او عن بقا الوعي بالظاهرة على مستوى المعرفة الحدسية المباشرة، وعدم تحوله الى معرفة لفظية تواصلية محددة‏»((42)): ويقول: انه كي يتحدد مفهوم المثقف، يلزم تحديد مفهوم الثقافة في التراث العربي، فمن دون تحديد الثقافة لا يمكن الحديث عن المثقف، فبسبب غياب مفهوم الثقافة غاب مفهوم المثقف «ولعل السبب الرئيسي لغياب مفهوم (مثقف)، هو غياب مفهوم الثقافة التي تشكل بطبيعة الحال المحور الناظم للمجال الدلالي لمفهوم مثقف.

لذلك فان تحديد هوية المثقف في الحضارة الاسلامية، ومن ثم تلمس دوره الاجتماعي والسياسي يتطلب اولا تحديد المفهوم، او مجموعة المفاهيم، التي سبقت تطوير مفهوم الثقافة، واستخدمت للدلالة على الظاهرة عينها.

هنا نجد مجموعة من المفاهيم المرتبطة بمعنى الثقافة ومجالها الدلالي، لعل من ابرزها مفاهيم الملة والنحلة والدين‏»((43)).

وترتبط هذه الاشكالية، وهي البحث عن وجود المثقف في التراث العربي بالفكر العربي المعاصر وتحديدا في مسالة التراث والمعاصرة، فعدد من المفكرين العرب الذي يعنون كثيرا بمسائل التراث والمعاصرة ينطلقون من حضور التراث فينا شئنا ام ابينا، والذي يستلزم الرجوع للتراث ثم الاتجاه للمعاصرة، كي يتحقق الامتداد والشرعية للمعاصرة من خلال التراث. ومن هنا، فالحديث عن المثقف والبحث له عن وجود في التراث تكون بمثابة العملية المقلوبة، فهي ليست من التراث للمعاصرة، بل

الصفحة السابقة

الصفحة التالية