يميز الشيخ البوط‏ي بين الخط السياسي والخط الاسلامي، وهوفي هذا يبتعد عن منطوق العصر فعلا، فلا انفصال عن السياسة،ولا يمكن فصل السياسة عن الايديولوجيا عبرالعلم.

فقد ثبت‏تاريخيا ان الايديولوجيا هي التي تقود العلم وليس العكس،وهناك العديد من الامثلة التي تؤيد هذاالاتجاه. ثم ينطلق مؤكدا: نحن لا شاءن لنا بالسياسة،السياسة‏تحير الالباب في هذا العصر وتحير العقول، قد تراه صاعدا وهوهابط، قد تراه هابطا وهو صاعد، قد تراه يمشي ذات اليمين وهويخطط للاتجاه الى اليسار. ثم ان‏السياسة ذات الوان واطياف.عهد ياءتي بلون، وعهد آخر ياءتي بلون ثان. هذا الشي‏ء اعان اللّهاصحابه عليه.

اما الاسلام فاءمر آخر (كما يقول) هو عبارة عن احكام ثابتة‏مستقرة. فهو يعتبر الاسلام الثابت الوحيد في متحولات الحياة‏وسياسة الحكام. لهذا فان احاديث الرسول حول هذاالموضوع‏ثابتة. ثم يستخدم الاية الكريمة: (ولا تهنوا وتدعوا الى السلم‏وانتم الاعلون) اي عندما يكون حقكم سلبا. الشيخ يعود الى ربط السلم بالعدل. وهذا السلم المدعو اليه‏بعيد عن الشروط التي امر بها اللّه. ويضرب مثالا بالاردن (رغم‏ان النظام هناك لم يقم بتغطية نفسه بفتوى). وهويعتقد ان‏الاوضاع هناك ستؤدي الى سيطرة اليهود وتدمير اخلاق الناس.

ثم يؤكد الشيخ البوط‏ي ان موقف سوريا هو الموقف الاقرب الى‏الاسلام، ويقول: ((اقل المراتب خروج اسرائيل من المرتفعات‏السورية وخروجها من لبنان، اقول هو اقرب‏المراتب على دين‏اللّه سبحانه وتعالى)). هكذا ورغم كل الحماس للهجوم على‏الفتوى، فان الشيخ يصل الى ان السلطة التي يعمل في اطارهاتسعى الى حل وسط. وقدوضع الدكتور نفسه من دون ان يدري‏على خط العودة، ولم يدمر جسوره الممدودة الى هناك، نحوالمؤسسة الرسمية مطلقا، رغم انه يؤكد ان الحق لا يتجزا.. وانه‏في المحصلة‏الاخيرة لن يتدخل بالسياسة.

2- وجهة نظر المؤسسة الدينية للازهر:

لعل الشيخ يوسف القرضاوي كان من اوائل الذين تصدوا لفتوى‏ابن باز عبر تعاليمه في مجلة الامان‏اللبنانية الاسلامية. والشيخ الدكتور يوسف كان من اساتذة‏جامعة‏الازهر، وله دراسات اسلامية عديدة.

كان رد الشيخ يوسف اكثر تفصيلا، ما يدل على اطلاعه على‏مضمون الاتفاقات الموقعة في معاهدات السلام المعقودة، لذافانه يناقش الامور في صميمها بخبرة ودراية. ومن‏هذا الموقع‏يرفض اعطاء المشروعية الاسلامية لها، ويرفض موقف المؤسسة‏الدينية السعودية منها، ويلمح، كما فعل الشيخ البوط‏ي، الى‏تاءثير السلطة هناك لاسباب يرفض‏الطرفان ذكرها، مع اصرارهماعلى ان يكونا مجاملين، فيمنحان ابن باز من المديح لعلمه ودينه‏ما اعتقد يقينا انه اكبر من موقعه الحقيقي او بمضمون ما هو عليه‏فعلا. ((احذروازيغة الحكيم ولا يثنيكم ذلك عنه فانه لعله‏يراجع)) قولة معاذ بن جبل هذه استحقت ان تكون مدخلا للرد.

في راي الشيخ يوسف لا ينطبق الحكم الفقهي في الفتوى، رغم‏صحته، على واقع الحال للقضية الفلسطينية، فاليهود لم يجنحواللسلم ابدا حتى يمكن ان ينطبق عليهم مضمون‏الاية الكريمة(وان جنحوا للسلم فاجنح لها...) فما هو في واقع الحال ان‏اليهود كمن اغتصب دارا لانسان، ثم قال له: اعطيك غرفة منهاونتصالح، فهل يعتبر هذا جنوحا للسلم؟ثم يناقش الشيخ‏الاتفاقات باعتبارها منحت اليهود ملكية فلسطين لتصبح دولة‏اسرائيل بينما هي ملك المسلمين منذ ثلاثة عشر قرنا. وهذااعتراف بحق اسرائيل في ارضناالعربية الاسلامية.

واكتسبت‏بذلك شرعية القوة، فهي اذن ليست مجرد هدنة مؤقتة.

يعتبر القرضاوي ان الفتوى كان يجب ان يسبقها تشاور في رابطة‏العالم الاسلامي التي تشكل اطارا تجمع الشيخين مع آخرين،وان يستشار متخصصون في السياسة وغيرها،كما جرت العادة،ويكرر الشيخ: ان المغتصب لا يعد جانحا للسلم حتى يرد مااغتصبه الى اهله. وهو هنا تطابق مع وجهة نظر الشيخ البوط‏ي‏تماما.

يهاجم الدكتور القرضاوي الاتفاقات السلمية الموقعة، ولايعتبرها الا سلاما هزيلا، ويشير الى القدس واللاجئين‏والمستوطنات والحدود، فاءين يقع السلام اذن؟ فلسطين كلها ارض اسلامية، وليست ملكا للفلسطينيين يتصرفون‏بها وحدهم، فهي ملك الامة الاسلامية،ولو فرض جيل وتقاعس‏لا يجوز ان يفرض تقاعسه وتخاذله على‏سائر اجيال الامة‏الاسلامية. فمن لم يستطع القتال بالسيف فليقاتل بالكلمة.والفلسطينيون ايضا يرفضون هذه الاتفاقيات. وهل يصبح العدوصديقا بين ليلة وضحاها؟ ان الدكتور يوسف القرضاوي، اضافة الى رد الفتوى، يقدم دفاعافليس هناك ما يمكن ان يضاف الى دفاع حار كهذا.

فالشيخ يتابع‏معركته ضد الفتوى في مقال ثان في‏المجلة‏نفسها مضيفا الى رايه تسمية الامور باءسمائها..

فاءنورالسادات استخدم الاية المشار اليها وعقد اتفاقه الذي يصفه‏الشيخ بالخيانة، وكانت حصة عرفات من الامر اقل‏واسوا مما قام‏به السادات، ويشير الشيخ الى مذابح الحرم الشريف واقامة‏المستوطنات، واغتصاب الاراضي الزراعية واقامة الحفريات في‏المسجد الاقصى لبناء الهيكل على‏انقاضه.

هل هناك سلام (يتابع الشيخ) مع الترسانة النووية، وحلم‏اسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات؟ ثم يكرر رفضه لسحب‏منطوق صلح الحديبية على واقع الحال في هذه الايام،وذلك‏للاختلاف الكبير في عناصر الموضوعين: الماضي والراهن.

هنا يدخل مرة اخرى في قلب المساءلة الايديولوجية الاسلامية،عندما يقول: ان ما يفعله الرسول هو فعل انسان معصوم مدعوم‏من اللّه وباءمر اللّه، كما قال لمن حاوره:

((اناعبداللّه ورسوله ولن‏اخالف امره ولن يضيعني)). وهذا لا ينطبق على ما يفعله اولياءالامور، لان صلحهم يحرم حلالا ويحلل حراما، وهذا يخالف‏الاسلام.

ولعل الدكتور القرضاوي يتلمس في الفتوى عناصر من تشجيع((البراغماتية)) والانتهازية بين المسلمين، في قول ابن باز ان‏على المسلمين ان يحاربوا عندما يقدرون وان‏يدعوا الى السلم‏عندما يضعفون، وهذا يخالف القيم الاسلامية ايضا.

ومن ذلك تفسير آية (ولا تهنوا وتدعوا الى السلم وانتم الاعلون)مستندا في ذلك الى تفسير الالوسي وناقضا تفسير الحافظ بن‏كثير. ثم ينتقل الى مساءلة فقهية في ما يتعلق‏بجهاد الطلب وجهادالدفع، ويعتبر ان المسلمين في حالة دفاع عن النفس هذه‏الايام، فهي فرض عين على كل مسلم وليست فرض كفاية.

واخيرا، يصل الدكتور القرضاوي الى صلب الموضوع، محللاجدلية السلطة والفقيه واطاعة اولي الامر. فهو يعتبر ان اولي‏الامر في الاسلام، تبعا لمنطوق الاية (اطيعوا اللّهواطيعواالرسول واولي الامر منكم)، هي في المفهوم القرآني اوسع‏واشمل من كونها تدل على مجرد اصحاب السلطة والحكم، ومع‏ذلك يتابع القرضاوي: وهذا ما يدهش حقامن انسان في مؤسسة‏السلطة: ان الحكام اولي الامر يشترط في اطاعتهم انهم‏حصلوا على البيعة من الامة. ((اما حاكم ليس له سلطة الا في‏حدود ما يسمح به اعداؤه له،فليس هذا ولي الامر الشرعي‏الواجب اطاعته. ومن امر بمعصية فلا طاعة له كما صحت‏الاحاديث)).

القضية الفلسطينية ليست عادية، وارض فلسطين ليست كغيرها،وليست شاءنا للفلسطينيين وحدهم. فهي قضية جميع المسلمين‏اينما وجدوا ولهم يرجع القرار الحسم‏بشاءنها.

3- موقف المؤسسة الشيعية من الفتوى:

في لقاء جمعنا، في مدينة النجف الاشرف، ظهيرة الثالث عشرمن ايلول 1974 قال الامام الشهيد محمد باقر الصدر:

((ان‏اسرائيل تعبير عن مصالح الصهيونية وامريكا في‏السيطرة على‏العالم الاسلامي باءسره، ان السلطات العربية تشيع هذه الايام‏وفي المستقبل مناخ التسوية معها تمهيدا لقبولها امرا واقعا من‏قبل المسلمين والعرب. . ان من يقبل‏الصلح مع اسرائيل فقدخرج من الاسلام..)) ظل موقف المؤسسة الشيعية، من القضية الفلسطينية، منسجمامع تراثها في التصدي للسلطات الحاكمة واساليبها.

واعتبرت من‏خلال طروحات المرجعيات، في كل مكان، ان‏قيام اسرائيل ماكان له ان يكون لولا خضوع السلطات العربية للامبريالية‏والاستعمار. بهذا لا نجد فتاوى كثيرة حول هذه المساءلة تنطلق‏كردود افعال. وللسبب نفسه لم تثر فتوى‏ابن باز اي ردود فعل تذكر في هذه المؤسسة، حتى من قبل المرجع الاكبر في لبنان‏السيد محمد حسين فضل اللّه. فلم تؤثر عنه اية فتوى مقابلة، فيماعدا مواقفه المعلنة من‏مساءلة التسوية والتي كانت تملا صفحات‏في معظم الدوريات اللبنانية خلال تلك الاونة: نهاية عام 1994وبداية عام 1995. وما زالت.

عندما قامت الثورة الاسلامية في ايران في 12 شباط 1979 كان‏ذلك قمة انتصار المؤسسة بالوصول الى السلطة في احد اكبرالاقطار الاسلامية. وبهذا الانجاز وضعت نظرية‏ولاية الفقيه‏موضع التطبيق بشكل تدريجي، واعتبر الامام الخميني (رحمه‏اللّه) الولي الفقيه للجمهورية الناشئة. وبناء على تقاليدالمؤسسة الشيعية الثابتة، فلم يعتبر السيد الامام‏المرجع الديني‏الوحيد للتقليد، فهناك العديد من المقلدين.. ولكنه بموقعه‏الديني والسياسي معا، اعط‏ى الكثير مما يمكن اعتباره موقف‏المؤسسة من الكيان الصهيوني. وبما ان‏مواقف معاكسة لم تبرزخلال حياته او بعد رحيله، فان هذا الموقف يعتبر موقف‏المؤسسة بكافة مرجعياتها كون الامام ولي امر المسلمين بحكم‏منصبه السياسي.

لهذا يمكن النظر الى كتاباته حول الصهيونية والكيان‏الصهيوني، في فلسطين، بوصفها تمثل راي المؤسسة الذي يلتزم‏به كافة مرجعيات التقليد في انحاء العالم.

في نداء، بمناسبة يوم القدس العالمي، 1/8/1981 يقول‏الامام:

((يا مسلمي العالم ومستضعفيه، انهضوا وكونوا سادة انفسكم..الى متى تستمر غفلتكم، وتسمحوا لواشنطن وموسكو لتقررمصائركم؟ الى متى تظل قدسكم تدنسها اقدام‏اسرائيل الغاصبة،صنيعة امريكا في المنطقة؟ الى متى تخضع القدس وفلسطين‏ولبنان والمسلمون المظلومون فيها لسلطة الجناة المجرمين،وانتم تتفرجون بلا مبالاة ويقوم‏بعض حكامكم الخونة باعانتهم‏على جرائمهم؟ الى متى يلتزم ما يقارب المليار مسلم بمن فيهم‏المائتي مليون عربي جانب الصمت رغم ما يتمتعون به من ثروات‏وقدرات(...)الا يعلم زعماء القوم ان الحوار السياسي مع ساسة‏التاريخ الجبابرة الجناة لا ينقذ القدس وفلسطين ولبنان(...)لتحرير القدس يجب الاستفادة من الاسلحة المستندة الى‏الايمان‏وقدرة الاسلام وترك الالاعيب السياسية التي تفوح منهارائحة المساومة وارضاء القوى العظمى‏جانبا...)).

ينطلق النداء من ثوابت رئيسية تتمثل بما يلي:

1- الدعوة الى ثورة عالمية ضد النظام العالمي الذي كان قائماقبل سقوط الاتحاد السوفييتي بنداء: يا مستضعفي العالم اتحدواوانهضوا.

2- اعتبار اسرائيل مشروعا امريكيا.

3- الدعوة الى تحرير المناطق المحتلة في فلسطين ولبنان من‏قبل المسلمين جميعا.

4- اتهام السلطات الاسلامية باءنها عميلة النظام العالمي وصنيعته.

5- اعتبار الكفاح المسلح، وليس المفاوضات، الطريق الوحيدلتحرير فلسطين، ويجب ترك الالاعيب السياسية والمساومات‏والتنازلات.

وقبل ذلك بعشرين عاما، بعيد خروجه من السجن عام 1963اوضح الامام الخميني بجلاء موقف المؤسسة في خطاب القاه في‏مدينة قم، وكان ذلك في قمة نهوض النظام‏الشاهنشاهي‏المرتبط بالنفوذ الامريكي والصهيونية، فقال: ((اننا نعارض‏الفساد، ونقول بصراحة: ان برامج الحكومة تنظمها اسرائيل..اجل اسرائيل، وانكم تاءتون بالخبراءالعسكريين من اسرائيل،وترسلون الطلاب ببعثات دراسية الى اسرائيل(..) ان جميع‏الدول الاسلامية وقفت صفا واحدا مقابل الكفر واسرائيل، اماانتم ودولة تركيا فقد وقفتم‏صفا واحدا الى جانب اسرائيل(...)كل المسلمين في جانب ودولة ايران في جانب آخر.

وهذاسيسي‏ء الى سمعة الشعب الايراني، وسيظن اخواننا اهل السنة‏ان الشيعة هم عبدة‏اليهود.. يا شعوب العالم، اعلموا ان شعبنايعارض التحالف مع اسرائيل، وان حلفاء اسرائيل ليسوا منا،وليسوا من شعبنا، وليسوا من علمائنا، وان ديننا يلزمنا بمعارضة‏اعداءالاسلام ومخالفتهم)).

ثم يهاجم الامام بجلاء الاتجاهات القومية الفارسية لدى نظام‏الشاه قائلا: ((تعال نتحاسب (يخاطب الشاه) لنعرف اي الفريقين‏احق باءن يوصف بالرجعية.. انت الذي تدعي باءن‏دولتكم اصبحت‏امدن دولة، وتحتفل بمرور الفين وخمسمائة سنة على تاءسيسها،ولا تزال تتبجح وتفتخر بعظام نخرة ورفات بالية قذرة تريداحياءها خلافا للاسلام، وانت‏الذي تفتخر باءمبراطوريتك‏وقدمها تتقهقر الان في اواخر عمرك فتعاهد اسرائيل واذا قلنا: لاتعاهد اسرائيل، قلت: انكم رجعيون! تبا لهذا المنطق، وتبا لكم‏وسود اللّهوجوهكم..)).

لم يكن ممكنا ان نجد موقفا اكثر وضوحا يعبر عن المؤسسة‏الشيعية، قبل ما يزيد على الثلاثين عاما، من هذا الخطاب.والسيد الامام يحدد الخطوط العريضة التالية في‏فتواه.

1-ان النظام الحاكم مرتبط باسرائيل والصهيونية ارتباطا وثيقا.وهؤلاء مسؤولون مباشرة عن الفساد الاجتماعي والسياسي في‏ايران.

2- يوضح دور تركيا المرتبط بالحركة الصهيونية (وهذا ما يؤكده‏دورها المقرر في النظام الشرق اوسط‏ي بعد اسرائيل).

3- المؤسسة الشيعية، بكل علمائها ومرجعياتها، ضد اسرائيل،وكل من يعترف بها يعتبر خارجا عن المؤسسة.

4- الاسلام يلزم المسلم بمعارضة اعداء الاسلام. واسرائيل‏تمثل قمة الكفر واي معاهدة او ميثاق معها هو خروج على‏الاسلام.

لقد كان للامام فتاوى، عام 1960 اكثر جلاء تتضمن تحريم اقامة‏اي علاقات تجارية وسياسية مع اسرائيل. اضافة الى اعتقاده‏الجازم باءنها تسعى لتحطيم الاسلام والقرآن‏وتكره علماءالاسلام، وقام عملاؤها بمهاجمة المدرسة الفيضية في قم عام‏1962 وانها تسعى للسيطرة على الاقتصاد والزراعة ونهب‏خيرات ايران وثرواتها(() ).

وقد ظل الامام متاءثرا بردود فعل العالم الاسلامي على تحالف‏ايران الشيعية مع اسرئيل يردد في معظم خطبه ان الشيعة هم‏اعداء اسرائيل، وانهم بريئون من حكوماتهم في‏الدول التي‏يقيمون فيها التي تعترف باسرائيل.

كان لهذا الموقف ان يتصاعد، بعيد نفيه من وطنه، فاءصدر فتواه‏البالغة الاهمية اثر معركة الكرامة (21 آذار 1968) اعلن فيهاجواز صرف الزكاة والتبرعات والصدقات لدعم‏الفدائيين‏الفلسطينيين. وفي هذا المجال، كان للمؤسسة بكاملها اثركبير في دفع جماهير الشيعة في جنوب لبنان لاحتضان الثورة‏الفلسطينية ودعمها بالمال والرجال‏وحمايتها من النظام‏والهجمات الصهيونية في آن معا.

وكان لكثير من كوادر الثورة‏الاسلامية معسكرات دائمة في جبهة القتال مع الصهاينة، نذكرمنهم الشيخ منتظري وصالح‏الحسيني وجلال الدين الفارسي‏ومصطفى شمران وغيرهم.

بعد قيام الثورة، وبروز الجمهورية الاسلامية، وحتى رحيل‏الامام لم يتغير موقف المؤسسة الشيعية في هذا المجال، بحيث‏لا نلاحظ اي فتاوى جديدة لتعزيز، او اضافة مزيد الى‏ما قام به‏الامام (رحمه اللّه).

ومن الجدير ذكره ان اعلان يوم القدس العالمي، في الاسبوع‏الاخير من كل رمضان، ظل التعبير الابرز عن مساهمة المؤسسة‏الشيعية في المساءلة الفلسطينية. ولا تنسى مواقف‏حزب اللّهوالسيد محمد حسين فضل اللّه في لبنان، على الرغم من‏الاضطراب والتشوش الذي تتسم به احاديثه السياسية الكثيرة.ولكنه بالخلاصة ومن منطلق اسلامي يؤكددائما ان هناك تسوية‏قادمة مع العدو الصهيوني للانظمة التي تحكم العالم العربي‏والاسلامي، هذه التسوية سوف تؤدي الى ثورة عارمة تجتاح‏هذه الانظمة بما يؤدي الى سقوط‏النظام العربي برمته. فما كان‏قائما قبل التسوية هو غيره بعدها. هناك اوضاع جديدة قادمة‏تختلف جذريا عما كانت عليه قبل التسوية مع العدو. وبالمحصلة‏فلن يكون هناك‏سلام قادم، بل ثورة وسقوط انظمة وفوضى ولن‏يكون هناك نظام شرق اوسط جديد مستقر تراسه‏اسرائيل.

4- مواقف مؤسسات اسلامية اخرى:

شمل الموقف المضاد لفتوى الشيخ عبد العزيز بن باز بجوازالصلح مع اسرائيل معظم العالم الاسلامي. واصدر العشرات، من‏كبار رجال الدين والعلماء، فتاوى وآراء تخالف‏مضمون الفتوى،وتحمل الحكام وحدهم مسؤولية قرارهم في الصلح. هؤلاءالعلماء يمثلون مؤسسات بعضها مرتبط بالسلطة وبعضها معارض‏لها، وبعضهم فيها، اذا اعتبرناتجاوزا الشيخين قلب الدين حكمت‏يار وبرهان الدين رباني على راس السلطة في افغانستان في‏خندقيهما المتقابلين.

شعار هذه الفتاوى واضح باءنه لا يجوز الاعتراف لليهود بشبرواحد من فلسطين، وان فلسطين مسؤولية اسلامية، ولا احديملك حق التنازل عنها.

تراوحت الفتاوى التي كانت اشبه بعرائض وقع عليها اولئك‏العلماء بين النظرة الدينية التي ركز عليها ستون عالما مشرقيا،وبين التحليل السياسي والديني في المذكرة التي وقع‏عليها 23عالما مغربيا.

تنطلق المذكرة الفتوى الاولى من قدسية فلسطين وتاريخ‏تحريرها من قبل المسلمين الذين بذلوا الدماء لاعادتها الى‏حوزة الاسلام قبل اربعة عشر قرنا. وقالوا: ((ان مهمة‏علماءالمسلمين واهل الراي ان يكونوا عصبة للمسلمين وان يبصروهم‏اذا احتارت بهم السبل وادلهمت عليهم الخطوب)).

والواقع ان هذه العبارات تثير اشكالية الثقافي الديني‏والسياسي بين العالم الذي يبدي رايه والحاكم الذي ينفذالقرارات التي تمليها عليه ارتباطاته السياسية‏والضغوطات‏والمناورات والمصالح الانية القطرية. فهل يعط‏ي ذلك مؤشرات‏على صدام وشيك بين المؤسسة الدينية والسلطة، وعلى‏الانفصال بينهما بعد الخطوات المهرولة نحوالصلح التي اتخذت‏في هذا العقد من الزمن؟ وبما اننا لا نرجح ذلك، فان المؤسسة‏الاسلامية التي يعبر عنها اولئك العلماء لن تقطع الخيوط مع‏السلطة الحاكمة لاسباب يقف‏العجز في طليعتها، وبؤس‏الثقافي العربي في مواجهة السياسي الطاغية. وربما كانت تلك‏سمة التاريخ الاسلامي برمته.

((نحن الموقعين على هذه الوثيقة نعلن للمسلمين في هذه‏الظروف الصعبة ان اليهود هم (اشد الناس عداوة للذين آمنوا)اغتصبوا فلسطين واعتدوا على حرمات المسلمين‏فيها(.

.) وان‏الجهاد هو السبيل الوحيد لتحرير فلسطين وانه لا يجوز، بحال‏من الاحوال، الاعتراف لليهود بشبر من ارض فلسطين، وليس‏لشخص او جهة ان تقر اليهود على‏ارض المسلمين او تتنازل لهم‏عن اي جزء منها او تعترف لهم باءي حق فيها.)).

ويصف هؤلاء العلماء الموقعون على الفتوى ((ان الاعتراف‏باسرائيل خيانة للّه وللرسول وان تحريرها سيتم حتما كما فعل‏صلاح الدين الايوبي..)).

اذن هذا هو كل ما تستطيعه المؤسسة الدينية الاسلامية، ممثلة‏بكبار علمائها في مشارق الارض ومغاربها. ان تبدي رايا تظن انه‏يمكن ان يحرص على الثورة ضد ما هو قائم،منحرف وفاسد.لكنها، في الان ذاته، ترفض منطق العنف في التصدي الاسلامي‏وغير الاسلامي، وتسعى للحفاظ على كيانها من السلطة كما هوماءثور عن المؤسسة الدينية في‏المملكة الاردنية ومن بين‏افرادها الدكتور ابراهيم زيد الكيلاني احد الموقعين.

بالتوازي ينطلق بيان علماء المغرب العربي من الهجوم على‏الولايات المتحدة الامريكية ومؤتمر مدريد الذي يصفونه باءنه‏عقد لتصفية القضية الفلسطينية، وبما ان العرب يمرون‏بحالة من‏العجز المفرط فانهم يرون واجبهم كعلماء مسلمين ان يذكروابفتوى سابقة صدرت عام 1989 عن 61 عالما يمثلون جميع اقطارالمسلمين تحرم الصلح مع اليهودوتطالب بتحرير فلسطين، وان‏رابطة علماء المغرب اصدرت فتواها عام 1979 برفض معاهدة‏كامب ديفيد بين السادات واسرائيل وانها باطلة شرعا وقانونا.

هذه المذكرة تنطلق، في التحليل السياسي، الى مداه، عندماتذكر بحرب الخليج الثانية التي شنها حلفاء امريكا على شعب‏العراق، وكون هذه الحرب منطلقا لمرحلة تتسم‏بفرض‏الاستسلام واسكات صوت الشعب الفلسطيني، واتاحة الفرصة‏لقيام اسرائيل الكبرى.

لهذا، فانهم يؤكدون ان القضية الفلسطينية مسؤولية اسلامية، لايحق لاحد التصرف فيها بقرار صلح الا بما نص عليه القرآن‏والسنة، وكل اعتراف او تنازل يعتبر خارجا على‏الشرعية‏الاسلامية.

هذا البيان يتهم الحكومات الاسلامية باءنها لم تستشر شعوبها في‏عقد الصلح باءي من طرق الديمقراطية السليمة، لهذا، فان اي‏اتفاقات توقع لا تلزم الشعوب الاسلامية. ويعودهذا البيان‏الفتوى الى مرحلة الحروب الصليبية، محللا التاريخ الاسلامي،في تلك الفترة بفقرة تقول ((انه لم يثبت، خلال مرحلة تلك‏الحروب التي استمرت 95 عاما، ان احدا من‏قادة الدول‏الاسلامية على اختلاف جنسياتهم وقومياتهم اعترف بشرعية‏الحكم الصليبي لفلسطين، او تنازل عن اي حق من حقوق‏شعبها)).

ولكن من خلال الحقائق التي رسخت، عبر تاريخ تلك المرحلة‏يبدو هذا القول بعيدا عن الدقة التاريخية، ذلك انه لم يكن‏مطلوبا في تلك الايام بغياب اية مؤسسات دولية‏تراقب‏المعاهدات والوثائق ان يؤكد انه لم يتم تنازل او تحالف مع‏الصلبيبيين. فقد قام حكام وامراء بالتعاون مع الصليبيين ضدحكام مسلمين، وهذا اصبح من الامور التي‏يضرب بها المثل عن‏مقارنة واقع اليوم بتلك الايام. فلا معنى لعبارة اعتراف ((بشرعية‏او تنازل)) ما دام الغازي المحتل لم يطلب ذلك اصلا. بينما تتسم‏القضية الفلسطينية اليوم‏باءنها تتحرك في عصر ((الشرعية‏الدولية)) والوثائق والمعاهدات والانظمة المرتبطة بالمركزالامبريالي في نظام عالمي وحيد القطب.

هذا البيان الذي وقعه 23 عالما مغربيا من كبار اساتذة الجامعات‏الاسلامية هناك يختتم فتواه بتفسير للقرآن الكريم من فاتحة‏سورة الاسراء (وقد اوحينا الى بني اسرائيل‏لتفسدن في الارض‏مرتين..) ليقول ان الامة تعيش عصر الافساد الاول لبني اسرائيل‏في الارض المقرون بالعلو الكبير. ولا شك ان الانتصارالنهائي سيكون للمسلمين.

5- رد اسامة بن لادن:

يذكر الشيخ ابن لادن تلميذ ابن باز، في رده على استاذه، بفتوى‏ابن باز السابقة التي يقول فيها ((انني ارى انه لا يمكن الوصول‏الى حل تلك القضية الا باعتبار القضية اسلامية‏وبالتكاتف بين‏المسلمين لانقاذها وجهاد اليهود جهادا اسلاميا حتى تعودالارض الى اهلها وحتى يعود شذاذ اليهود الى‏بلادهم)).

يقول ابن لادن: ((هب ان هذا العدو اليهودي عدو يجوز معه‏الصلح وتوافرت فيه الشروط فهل ما تقوم به الانظمة والحكومات‏والطواغيت العربية الانهزامية مع اليهود من سلام‏كاذب مزعوم‏يعتبر سلاما تجوز اقامته مع العدو))؟ ويتهم ابن لادن شيخه باءنه يعط‏ي الشرعية للانظمة التي لم تعداسلامية، ويعتبر الفتوى تلبيسا على الناس لما ما فيها من اجمال‏مخل وتعميم مضل، فهي لا تصلح فتوى في‏حكم سلام منصف،فضلا عن هذا السلام المزيف مع اليهود، ويهاجم ابن لادن الشيخ‏ابن باز ويطلب منه الاعتزال لكبر سنه وضعف عقله وخضوعه‏للسلطة. ويذكره ايضا بفتاواه‏القديمة: تكفير الانظمة العلمانية‏والحكام الطواغيت.

تمثل الفتوى التي اطلقها ابن باز حالة تزوير للعقيدة الاسلامية‏ليس له مثيل في تاريخ المسلمين. والغريب ان الشيخ سبق له‏واصدر فتوى مضادة تماما قبل سنوات قليلة. .

لم‏يتغير الوضع ولاالمصادر ولا التراث ولا السلطة، كل المتغيرات في الثوابت‏المشار اليها هو مصلحة النظام السعودي في ظروف نضجت،براي مركز القرار الامريكي، لا قرارالتسوية وبناء نظام شرق‏اوسط‏ي ليس لاي طرف عربي او اسلامي دور فيه. وهنا ياءتي دورالمؤسسة الدينية الرسمية الوهابية بعد ان اكتسبت ثقلهاالتاريخي بفعل اموال النفط‏ومشاريع الثورات والدكاكين‏الثورية وشراء المثقفين وبناء المؤسسات الموازية المرتبطة بهابما اصبح يطلق عليهم (المثقفون النفطيون).

ركائز اساسية للوحدة الاسلامية

د. محمد طي

مقدمة اصبحت الوحدة الاسلامية، اليوم، ضرورة هي امس الضرورات،لبقاء المسلمين وخلاصهم في هذا العالم الذي تعدهم القوى‏النافذة فيه اعداءها الاساسيين، فتشن عليهم حرب‏الغاء هي‏الاشرس بعد زوال المنظومة الاشتراكية. وعلى الرغم من ذلك،فان المسلمين يعانون من الانقسامات والانشقاقات التي بلغت‏حد الاقتتال ليس بين دولهم فحسب، بل‏في داخل كل دولة،واخذت عمليات التكفير والتشريك تطل براسها، من حين الى‏حين، فتبيح سفك الدماء، واحيانا سبي الذراري‏والنساء.

فبالامس قامت حركة تنادي بالتجديد في الاسلام، واذا بهاتؤاخذ المسلمين، لا على الضعف والخنوع امام طلائع العصرالاستعماري، بل على ممارسات لهم من شاءنها ان‏تربطهم بقادتهم‏وعظمائهم، وعلى شعائر يكرمون بها اولئك الذين كانوا السبب‏في قوتهم وعزتهم. واستنادا الى ذلك خاضت الحروب الدامية‏التي كانت تنتهي، اذا انتصرت،بقتل الرجال واسترقاق النساءوالاطفال، واذا بالتجديد ينتهي ارتماء في احضان اعداءالاسلام، ومباركة للصهاينة اليهود.

واليوم تشن الانظمة حربا عسكرية وسياسية وفكرية ضدالتنظيمات التي تطرح الاسلام منهجا للخلاص، وترد التنظيمات‏بالاساليب نفسها: اساليب القتل والتدمير، بل الاغتيال‏والتفجير،في معركة لا يعرف مداها الا اللّه.

كل هذا ياءتي ليضاف الى الانقسامات والتوترات التي عانى منهاالاسلام تاريخيا، والتي اسهمت، الى جانب قيام انظمة حكم من‏اسوا ما عرف العالم، في ايصال الاسلام الى‏الدرك الذي وصل‏اليه اليوم.

والى جانب هذا النمط من الخلاف: الخلاف الداخلي او الخلاف‏مع الذات، هناك الموقف من الاخر، من الخصم وحتى من‏الصديق، الذي ما زال يزكي الخلافات ويفجرالتناقضات.

ذلك‏ان القوى التي تطمع بالخيرات وتعمل على طمس الهوية‏وتمارس الالحاق، استطاعت ان تشكل نخبا، بل وانظمة، تنوب‏عنها في التبشير الفكري وفي قمع‏المعارضة وتسهل الطريق‏لعمليات النهب والاستتباع.

نتيجة لذلك، ضاعت المعالم وغامت الرؤية واصبح العدو صديقالهذا الفريق واصبح الصديق عدوا بنظر ذاك الفريق، وهكذا لم‏يقتصر ضياعنا على انفسنا وتصرفاتنا، بل اصاب‏نظرة الاخرين،من الحلفاء الموضوعين الينا واصاب تصرفاتهم بالارباك.

وباختصار، لقد عدنا متفرقين اعداء، من ذلك النمط الذي تم‏انقاذنا منه حين قضى اللّه تعالى بالتاءليف بين قلوبنا، فاءصبحنا(بنعمته اخوانا).

فما هو الحل؟ يرى بعض الباحثين ان الحل يكمن في العودة الى الماضي، يوم‏كنا قوة دوخت العالم المشرك وارشدت الكثير من شعوبه الى‏سبل الهداية، من الصين الى الاندلس، فاذا مااستلهمنا ذلك‏العصر ومؤسساته وطرائق العمل والحكم فيه، يكون خلاصنا.والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو:

اذا كان ذلك صحيحا، واذا كان صحيحا ان الحاضر هو ابن‏للماضي، فمتى بدا تكون الحاضر في رحم الماضي؟ وما كانت‏مظاهر ذلك؟ وعلى العكس يرى بعض الباحثين الاخرين ان الحل يقوم على‏نسيان الماضي والتطلع الى المستقبل، من طريق اختطاط نهج‏شبيه بذاك الذي اختطته الامم المتقدمة. ولكن‏هذا الحل جرت‏تجربته، وفي ظل تلك التجربة ازددنا تدهورا وضياعا. فنحن بعدان ثرنا على العثمانيين، ونظام حكمهم الذي كان من اسوا انظمة‏الحكم، اغتصبت فلسطين‏وتشرذمت الامة، واصبحت وحدات‏متناثرة. وقد حاولت بعض هذه الوحدات ان تلحق بمسيرة‏الانسانية، ولكنها فشلت، او افشلت، والنتيجة هي ما نرى اليوم.

واخيرا، يرى فريق آخر باءن نعود الى الماضي، فننتقي من تراثناما يتوافق مع روح العصر، فنحييه وندع ما لا يتوافق معها، ثم‏ناءخذ بالاساليب العصرية، فنكون بذلك اوفياءلذاتنا دونماتحجر، ونمتلك القدرة على التطور والارتقاء، فلا يكون ذلك‏التطور هجينا يمسخ شخصيتنا ويغربنا عن ذاتنا.

ولكن هذا الفريق الانتقائي لم يحدد لنا كيفية الاختيار ولا هواختار، كما انه لم يبين لنا كيف ننتقي من حضارة معينة عناصرمحددة لنتبناها، ونجمع هذه العناصر الى عناصراخرى غريبة‏عنها، علما باءن ما تقتلعه من محيطه يصبح مهددا بالذبول‏والزوال، فاذا هجنته لا تدري ما الذي ستحصل عليه.

يضاف الى هذه المشكلة السؤال المبدئي القائل: ما المراحل‏العظيمة في تاريخنا؟ وما ميزاتها؟ هل هي فترات التوسع‏العسكري مثلا؟ هل هي الفترات التي سادت فيها الرحمة؟هل‏هي الفترات التي كان فيها الحاكم يخضع للشرع؟ ان عدم الاجابة الواضحة عن هذه الاسئلة يجعل الرؤيا ضبابية‏والحل بعيد المنال، بل متعذره.

ومن هنا فان الحل بنظرنا يقوم على نظرة عصرية الى الماضي‏والمستقبل في الوقت نفسه.

النظرة العصرية الى التاريخ:

ان النظرة العصرية الى التاريخ لا تعني تقويم احداثه وتفسيرهاحسب قوانين الحاضر ومعطياته، بل تعني الانطلاق من النتيجة‏لمعرفة الاسباب. وتعني كشف الفترات المضيئة‏من التاريخ، على‏ضوء المعايير الانسانية الدائمة في موضوع تفتح الانسان وتحقيق‏انسانيته.

فاذا كنا ننطلق من النتيجة لتحديد اسبابها، فاننا لا نقوم بذلك‏لنعط‏ي حكما قيميا معياريا بالضرورة، بل لنعمد الى متابعة‏السلسلة معكوسة بارجاع كل حلقة الى مسبباتها،وهكذا حتى‏نعود الى مرحلة النبي(ص) وخلفائه، فنعثر على بداية‏المشكلة، او على بداياتها وارهاصاتها، فالاسلام اتى دينا عالميا..(وما ارسلناك الا رحمة للعالمين) كمااتى دينا نهائيا لارادة‏اللّه ان يظهر على كل الاديان (ليظهره على الدين كله)ولان محمدا اتى خاتما للانبياء. وهكذا فان الاسلام، منذنزوله صالح لكل زمان ومكان،ومن هنا فانه صالح لهذا الزمان.

ولما كانت حالة المسلمين على ما هي عليه اليوم، فهم بالضرورة‏بعيدون عن الاسلام الذي وعد اللّه بتاءييده وبظهوره، فكيف‏جرى هذا الابتعاد؟ حتى نحدد بدايات الابتعاد، لا بد من تحديد حالات الاتحاد،التي لا بد ان تكون بدات محاولة تحقيقها مع النبي(ص). وهنايبقى السؤال: الى متى استمرت هذه المحاولة؟وعندما نحددالفترات المضيئة، نعتقد اننا نكون قد عثرنا على الجواب. فما هي‏مواصفات المرحلة او المراحل المضيئة؟ يرى بعض الباحثين ان المراحل المضيئة هي مراحل الفتح‏والتوسع، اي ان المقياس هو مقياس الانتصارات العسكرية،وتوسيع رقعة الارض وزيادة عدد الخاضعين لحكم‏المسلمين. وهذا فعلا مقياس جيد، بل هو ضروري ولكنه غير كاف. لانه لواخذ بمفرده لكانت غزوات المغول مراحل مضيئة في التاريخ،ولكان الفتح الروماني اكثر اضاءة، لانه‏شمل مناطق واسعة كتلك‏التي انضوت تحت حكم المسلمين.

من هنا يكون المعيار الاول شيئا آخر غير الفتح، فما هو هذاالمعيار؟ عندما امر الرسول(ص) علي بن ابي طالب(ع) ان يهاجم‏الحصن الاول في خيبر، ساءل علي(ع) الرسول(ص) قائلا:((علام اقاتلهم يا رسول اللّه؟)) فقال: ((على ان يشهدوا ان لااله الااللّه وان محمدا رسول اللّه، فلئن يهدي اللّه بك رجلا واحدا فهوخير لك مما طلعت عليه الشمس)). وقد تكرر ذلك عن‏النبي(ص) مرارا.

اذا فالمعيار هو في الهداية، اي في اقبال الناس على الاسلام‏وايمانهم به. فمتى كان ذلك؟ لقد كانت مرحلة حياة الرسول(ص) وخلفائه اخصب المراحل،في موضوع اقبال الناس وهدايتهم، رغم ما التبس مع ذلك من‏عوامل الردة عن الاسلام وحروب القبائل في عهدابي بكرالصديق، من جهة، ومن عوامل الابتعاد عن روح الاسلام التي‏قاومها علي بكل ما اوتي من قوة، من جهة اخرى.

اما ما حصل في العهود اللاحقة، فلا يمكن ان يوصف بالاضاءة،وذلك بسبب من التنكر لروح الاسلام ونصوصه، سواء في مجال‏اختيار الحاكم، ام في ممارساته، ام في القيم‏والمعايير التي‏ارساها.

ففي العصر الاموي، بدات مساءلة التمرد على الخليفة الشرعي‏التي نسفت مبدا اساسيا من المبادى‏ء السياسية الاسلامية. كمابدات، وبكل صراحة، مرحلة تسلط الخليفة على‏اموال‏المسلمين وتقريب المؤيدين لشخصه واسرته وابعاده‏المعارضين باسم الدين، كما اخذت توضع العوائق في وجه‏اعتناق الاسلام، لا سيما في ايام المروانيين. واخيرا، لاآخرا،دشنت مرحلة من التمييز العنصري. ولعل اخطر ما كرس هو قتل‏المسلمين من دون ذنب يوجب ذلك.

ففي مساءلة الخلافة، بعد ان كان الاختيار يجري بحرية، كماحصل لدى مبايعة علي، فقد استخدم معاوية قميص عثمان‏وخدع المسلمين، كفعل من يقولون: (آمنا باللّه وباليوم‏الاخروما هم بمؤمنين. يخادعون اللّه والذين آمنوا، وما يخدعون الاانفسهم وما يشعرون) متناسيا قول الرسول(ص): ((من غشنافليس منا))، و ((ما من وال يلي رعية من‏المسلمين فيموت وهوغاش لهم، الا حرم اللّه عليه الجنة))، و ((ما من عبد استرعاه اللّهرعية فلم يحطها بنصيحة الا لم يجد رائحة الجنة)).

وهذا ما فعله خلفاء بني امية، من بعد، فمارس معاوية الاكراه في‏بيعة يزيد، حيث كلف يزيد بن المقنع باعلان الامر فخطب فقال:((امير المؤمنين هذا (واشار الى معاوية) فان‏هلك فهذا (واشارالى يزيد) فمن ابى فهذا (واشار الى السيف))). فقال معاوية:((اجلس، انك سيد الخطباء)). وهذا ما شكل السابقة‏لتصرفات بني امية وبعدهم بني العباس،حتى ان سليمان بن عبدالملك دعا بقرطاس فكتب فيه العهد وختمه، واخذ بيعة الناس‏للمعهود له من دون ان يعرفوه.

وقد ارسى معاوية، اضافة الى هذا، تقليد التحكم باءموال العطاءوسائر اموال المسلمين، ذلك التقليد الذي سار عليه الخلفاءاللاحقون. وقد لاحظ ابو ذر الغفاري تصرف معاوية‏هذا منذ كان‏اميرا على الشام ايام عثمان، فخاطب معاوية‏قائلا:

((ما يدعوك الى ان تسمي مال المسلمين مال اللّه؟)).قال:

((يرحمك اللّه يا ابا ذر، السنا عباد اللّه والمال ماله‏والخلق‏خلقه والامر امره))، تبريرا لتحكمه في توزيعه على المقربين.واستشهد ابو ذر، احتجاجا على تنعم معاوية باءموال المسلمين‏واستئثاره بها، بالاية الكريمة: (والذين‏يكنزون الذهب والفضة‏ولا ينفقونها في سبيل اللّه فبشرهم بعذاب اليم).

كل ذلك‏بعد ان كان ابو بكر ينال اربعة دراهم في اليوم وعمر ثمانين‏درهما في الشهر. وبعد معاوية لم‏يعد الخلفاء يقيمون وزناللشريعة في مسائل الاموال، بل كانوا يوزعونها على المحاسيب‏والازلام وفقهاء القصور، وعلى الظرفاء والشعراء من دون‏حساب.

ولما عجزت واردات الدولة عن توفير الاموال المبذولة، اخذعمال بني امية يتفننون في التحصيل على حساب الدين، فاءبقواالجزية على من يسلم من اهل الذمة بحجة ان‏هؤلاء يسلمون‏هربا من الجزية.

كما فكر معاوية اضافة الى هذا، في قتل طائفة من الموالي‏لمجرد انهم موال، فهو يقول للاحنف بن قيس: ((اني رايت هذه‏الحمراء قد كثرت.. فقد رايت ان اقتل شطرا وادع شطرالاقامة‏السوق وعمارة الطريق)).

ولم يكتف معاوية وسائر الخلفاء الامويين بهذا التمييز العنصري،الذي كان سببا لما سيعرف فيما بعد بالشعوبية، بل عمق الشرخ‏بين قريش والانصار كما احيا النزاعات‏والانقسامات القبلية،ليستفيد بنو امية من بعض القبائل ضد بعضها الاخر.

اما المساءلة الاكثر خطرا، وقد دشنت في بداية العصر الاموي،فهي قتل المسلمين دون مبرر شرعي، فقد اغتال معاوية حجر بن‏عدي واصحابه بعد ان كان اغتال مالكاالاشتر، ثم اغتال‏الحسن بن علي(ع). اما يزيد فحدث ولا حرج. وكرت‏السبحة ايام بني امية وبني العباس ذبحا وصلبا وتقطيعا وخوزقة‏حتى نهاية الدولة العثمانية.

كماكرس في زمن الدولة الاموية‏اسلوب استرقاق المسلمين، بدءا من موقعة الحرة التي اجبربعدها اهل المدينة على المبايعة باءنهم خول ليزيد بن معاوية، مرورا بولاية الحجاج‏في العهد المرواني، فقد سبى زياد بن ابيه‏ذراري قريب وزحاف الخارجيين، كما سبيت بنت لعبيدة بن‏هلال اليشكري وبنت لقطري بن الفجاءة المازني واسترقتا، كمااسترق‏واصل بن عمرو القنا وسعيد الصغير الحروري وام يزيد بن‏عمر بن هبيرة، كما بيع معز ابو عمير بن معن الكاتب، وباع‏الحجاج علي بن بشير بن الماحوز. ..

وقد اتى العصر العباسي شبيها بالعصر الاموي من هذه الجوانب،لا بل يرى بعض الباحثين انه اكثر مغالاة فيها.

اذا فالمرحلة المضيئة يمكن تحديدها بعهد النبوة والعهوداللاحقة حتى العصر الاموي، فكيف كانت تلك المرحلة وما الذي‏يميزها عما تلاها؟ لقد حملت هذه المرحلة تكريما للانسان ورفعا لشاءنه وتفضيلا له،لانه خليفة اللّه في الارض، لقوله تعالى: (واذ قال ربك للملائكة‏اني جاعل في الارض خليفة)(() ). واهم مايميز تلك المرحلة،التمسك باءهداب الرسالة في مختلف المجالات، لا سيما في‏مجال الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا بين الناس بعضهم‏تجاه بعض، بل بين الناس وبين‏الحاكم الذي كانت الطريقة‏المثلى التي اتبعت في تعيينه هي الاختيار الذي قام به‏المسلمون، وبخاصة المهاجرون والانصار، والذي كان يرى انه‏ملزم بتاءمين حقوق الناس‏وخاضع لمحاسبتهم، مقابل طاعة‏الناس له وتنفيذهم اوامره في ما ينسجم مع الشرع الحنيف.

فلنتفحص بعض هذه الامور:

اختيار الحاكم الاعلى للدولة:

لقد جرى اختيار الخليفة بطريقتين بعد وفاة الرسول(ص)،الاولى هي طريقة الاختيار التي افضت الى نظرية اختيار اهل((الحل والعقد))، والثانية هي طريقة العهد من الخليفة‏السابق.ولما كان هذا العصر لا يحتمل وجود خليفة باستطاعته التعيين،يبقى النظر في الطريقة الاخرى.

لقد جرى اختيار ابي بكر من قبل المسلمين بطريقة معينة، قامت‏على نقاش وجدال في سقيفة بني ساعدة، تبعه طلب للبيعة من‏عامة الناس. ولما تخلف بعض الناس، عمدالخليفة الى تاءلف‏بعضهم، وبذل محاولات لاقناع بعضهم الاخر، ولم يستخدم‏الاكراه وان كان بعض معاونيه حاول ذلك.

اما اختيار علي بن ابي طالب فقد جرى على ايدي كافة‏المسلمين الذين تواثبوا الى داره، ثم الى المسجد حيث لم‏يتخلف الا عدد لا يتجاوز اصابع اليدين من المهاجرين‏والانصار.

على ان ذلك الاختيار لم ينصب الا على رجل من كبار المسلمين،من ذوي السابقة والفضل والقوة على القيام باءمور المسلمين،الى جانب العلم والعدل الركنين الاساسيين‏لاستنباط الاحكام‏واقامة الانصاف بين الناس.

ومن هنا فان الاختيار يجب ان يؤدي الى تولية العالم العادل‏القوي على القيام باءمور المسلمين. وهذا ما يشترطه علي بن ابي‏طالب اذ يقول: ((ان احق الناس بهذا الامر اقواهم‏عليه واعلمهم‏باءمر اللّه فيه)) ويضيف: ((لا ينبغي ان يكون الوالي على‏الفروج والدماء والمغانم والاحكام وامامة المسلمين، البخيل،فتكون في اموالهم نهمته ولا الجاهل‏فيضلهم بجهله، ولا الجافي‏فيقطعهم بجفائه ولا الحائف للدول، فيتخذ قوما دون قوم ولاالمرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف فيها دون المقاطع‏ولا المعطل للسنة‏فيهلك الامة)).

وهكذا يظهر لنا ان الشروط المطلوبة هي العلم والعدالة الى‏جانب الرحمة والقوة، وهذه الصفات هي التي ركز على وجودهاعلماء المسلمين، الى جانب شروط اخرى، منهاالبديهية كالبلوغ‏وسلامة الحواس الضرورية لقيامه بمهماته، ومنها ما لا تظهرضرورته اليوم كالقرشية.

الا ان بعض العلماء وقفوا عند ظاهرة الاغتصاب، وحاولوا اقرارالاعتراف بها حقنا للدماء استنادا الى الحديث الشريف المروي عن طريق انس والقائل: ((اسمعوا واطيعوا ولواستعمل عليكم‏عبد حبشي كاءن راسه زبيبة))، والذي تصرف على اساسه‏عبداللّه بن عمر حيث كان يقول: ((نحن مع من غلب))، وذلك‏حين سئل عن الموقف في موقعة‏الحرة، فقال: ((لا اقاتل في‏الفتنة واصلي وراء من غلب))، ((فكان لا ياءتي امير الا صلى خلفه‏وادى اليه زكاة امواله)).

ونحن نعترض على تفسير الحديث بهذا الشكل، ونرى انه لو صح،يكون معناه الزامية الطاعة لمن يستعمل من قبل الحاكم‏الشرعي لا المغتصب، لان المغتصب لا يكون‏مستعملا.

ولكن هنا لا بد من طرح السؤال: من الذي يختار؟ يقول علي بن ابي طالب(ع)، وهو الذي كان مضطرا لحجاج‏خصومه المختلفين: ((الواجب في حكم اللّه وحكم الاسلام على‏المسلمين، بعدما يموت امامهم او يقتل، ضالا كان‏او مهتديا، ان لايعملوا عملا ولا يقدموا يدا ولا رجلا قبل ان يختاروا لانفسهم اماماعفيفا...)). ومن هنا فان الذين يختارون الامام هم‏المسلمون، ولكن الامام يخصص،فيحدد من المسلمين فئات‏هي اهل الشورى وفئات لا علاقة لها بها، وهذا ينسحب على‏الاختيار، فيقول: ((انه بايعني القوم الذين بايعوا ابا بكر وعمروعثمان على ما بايعوهم‏عليه، فلم يكن للشاهد ان يختار ولاالغائب ان يرد، وانما الشورى للمهاجرين والانصار، فان اجتمعواعلى رجل وسموه اماما كان ذلك للّه رضا...)) وهذا يعني، ان حاضرالبيعة ليس له ان يختار غير ما اجمع عليه المهاجرون‏والانصار. وان الغائب لا ينتظر حتى يحضر.

واما المستبعدون من الشورى فهم الطلقاء الذين اسلموا ابان‏فتح مكة. والحكمة في الاشراك والاستبعاد، هي تمكين من‏رسخ الاسلام في قلوبهم وعقولهم من الاختيارومنع الذين يشك‏في صحة ايمانهم من التاءثير.

اما اليوم، حيث لا يمكن التمييز بسهولة بين صحيحي الاسلام‏وسقيميه، فانه لا بد من اشراك جميع المسلمين. ولكن ماالضمانة في اختيار من تنطبق عليه الصفات المذكورة‏اعلاه؟ ان الضمان هو في قيام هيئة من كبار العلماء ممن يتصفون بالعلم‏ونفاذ الرؤيا والالمام بشؤون الحكم وتقدير الظروف، بمهمة‏تحديد من تنطبق عليهم الصفات المطلوبة، فتكون‏مهمتهم هناشبيهة بمهمة المجالس الدستورية التي تقبل الترشيحات وتبت‏بها، بحيث لا يسمح بترشيح الا من تنطبق عليه صفات الحاكم‏المطلوب، وعند ذلك، فان الفائز يكون‏معروفا، سلفا، باءهليته لذلك.

على انه لا بد من القيام بعملية تثقيف وتوعية للجماهير، تتناول‏اعادة الكشف عن القيم الاسلامية في المجالات السياسية‏والاجتماعية والاقتصادية، والقضاء على المفاهيم‏المنافية‏للاسلام والنابعة من الفردية الانانية والدافعة الى اللهاث وراءالمصالح الخاصة، والوصول السريع والسباق لاقتناص الفرص‏دون كفاية، وبغير وجه حق، بحيث تسودمفاهيم وقيم موحدة بين‏الجميع ليسود التفاهم بينهم.

ولعل هذا ما قامت به الانظمة المتقدمة اليوم، اذ انها انبعثت من‏عقائد ومفاهيم جرى زرعها والنضال من اجلها على مدى قرون‏من الزمن، حتى اصبحت مشتركة، وصار اختيارالحاكم يجري‏بناء على معاييرها فاءخذت تفرز حكاما يشاطرون شعوبهم الثقافة‏نفسها، فكون المواطنون باءنفسهم او بواسطة ممثليهم هيئة‏للرقابة على الحاكم، فاذا خرج‏عن الخط المتوافق عليه او تعدى‏ما تسمح به الايديولوجية السائدة، جرت محاسبته على ذلك.

المحاسبة والعزل:

لما كان الحاكم مقيدا من قبل الشارع، كما سنرى ذلك مفصلا،فانه لا بد ان يكون خاضعا للمراقبة والمحاسبة، وهذا ما اقره‏الخليفة ابو بكر في خطبته عند توليه الخلافة حيث‏يقول:

((فاذارايتموني قد استقمت فاتبعوني وان زغت‏فقوموني)).

وانطلاقا من مبدا امكانية المحاسبة يدعوعلي(ع) اهل الكوفة عند مسيره الى البصرة فيقول: ((..فاني‏خرجت من حيي هذا اما ظالما واما مظلوما واما باغيا واما مبغياعلي، وانا اذكر اللّه من بلغه كتابي لما نفر الي، فان كنت محسنااعانني وان كنت مسيئا استعتبني)).

ولعل مبدا المحاسبة هو المكرس في الحديث الشريف:

((من‏راى منكم منكرا فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم‏يستطع فبقلبه، وذلك اضعف الايمان)). والذي طبقه‏المسلمون‏بمواجهة مروان بن الحكم وغيره.

واذا كان ما ارتكب الحاكم يعدحدثا، اي تغييرا للسنن وانقلاباعليها فان العقوبة هي العزل، وهذا ما يتاءكد من قول علي(ع)ردا على موقف طلحة والزبير: ((.. الا ان تخرجاني‏مما بويعت‏عليه بحدث، فان كنت قد احدثت حدثا فسموه‏لي..)).

المال الشخصي والمال العام:

حرص الاسلام على التفريق بين المال العام ومال الحاكم، بحيث‏يحرم على السلطة ان تتصرف بالمال العام حسب الراي‏الشخصي، لان اللّه قد فرغ من تحديد مصادر الجباية‏وطرق‏الانفاق ومستحقي المساعدة، ولم يترك للحاكم الا الاجتهاد في‏مجال التنفيذ، وهذا امر سبق فيه الاسلام الحكومات الحديثة،عندما قرر المسلمون راتبا للخليفة، وحددعطاؤه كواحد من‏المسلمين، بعد ان كان القرآن قد حدد طرق صرف الانفال‏والزكاة وسائر انواع الضرائب.

شرعية الجرائم والعقوبات:

وهذا مبدا حديث قطع على الحاكم طريق الانتقام من معارضيه‏باختراع جرائم لهم لم ينص عليها القانون او بانزال عقوبات لم‏ينص عليها القانون ايضا. وفي الاسلام حسمت‏هذه المساءلة‏عندما حدد اللّه، عز وجل، الجرائم من كبائر وصغائر كما حددالعقوبات، ولم يبق على الحاكم الا الالتزام. فالحرام حرام منذان بلغه الرسول(ص) والحلال حلال.يقول علي(ع) في هذاالصدد: ((... ان المؤمن يستحل العام ما استحل عاما اول، ويحرم‏العام ما حرم عاما اول، وان ما احدث الناس لا يحل لكم شيئا مماحرم عليكم، ولكن‏الحلال ما احل اللّه والحرام ما حرم‏اللّه..)) دون اي مجال للزيادة او للنقصان، لان اللّه تعالى‏لم يترك شيئا لم يبلغه الى رسوله، بدليل قوله تعالى: (ما فرطنافي الكتاب من‏شي‏ء) وقوله: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانالكل شي‏ء).

واجبات الحاكم:

حدد فقهاء المسلمين واجبات الحاكم على الصعيدين:

الخارجي‏والداخلي، فكانت على الصعيد الخارجي:

ل ((حماية البيضة والذب عن الحوزة لينصرف الناس الى‏المعايش ولينتشروا في الاسفار آمنين)).

ل ((تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظفرالاعداء بغرة ينتهكون بها محرما ويسفكون فيها دما))، كل هذاالى الجهاد في سبيل اللّه.