اما على الصعيد الداخلي فهي بعد حفظ الدين وتعاهد القضاءواقامة الحدود وتقدير التقدمات المالية واختيار الاكفياء، ((ان يباشر بنفسه مشارفة الامور وتصفح الاحوال ليهتم بسياسة الامة وحراسة الملة ولا يعول على التفويض تشاغلا.. فقد يخون الامين ويغش الناصح)).

القيود على صلاحيات الحاكم:

تتمثل القيود هذه بالوفاء بالعهود من جهة، وبحقوق المواطنين وحرياتهم من جهة اخرى.

الوفاء بالعهود:

لقد حض الاسلام على الوفاء بالعهود وذلك بقوله تعالى:(واوفوا بالعهد ان العهد كان مسؤولا)على ان لا يقتصر ذلك على عهد الاصدقاء بل يتعداه حتى الى العهود مع الاعداءماداموا محافظين عليها، فقد جاء في سورة التوبة: (الا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم احدا فاءتموا اليهم عهدهم الى مدتهم ان اللّه يحب المتقين)وقد ترجم رسول اللّه(ص) ذلك بقوله: ((من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عهدا ولا يشدنه حتى يمضي امده او ينبذ اليهم على سواء)) ، وذلك لان ((الغادر ينصب له لواء يوم القيامة)).

حقوق الانسان وحرياته: تكريم الانسان:

في هذا المجال، كما في غيره من المجالات، شكل الاسلام قفزة نوعية جبارة بالنسبة الى الانظمة الوضعية، فهو يقيم نظاماللحقوق والحريات الفردية مختلفا نوعيا عما هومعروف.

وقبل ان نحاول تبيان الملامح العامة لهذه الحقوق والحريات، لا بد لنامن تحديد الموقف الاسلامي من الانسان كانسان. لقد اوكل اللّه تعالى الى الانسان خلافته في الارض، اذ يصف للملائكة خلقه آدم فيقول: (واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة).

ومن مقومات هذه الخلافة كان تكريم اللّه تعالى للانسان، الذي قضى به قوله: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحرورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقناتفضيلا). فكيف تجلى هذا التكريم؟ ان هذا التكريم يمكن ان يتبدى في جانبين:

الجانب النسبي: وهو يعني تكريم الانسان واعطاءه درجة على ما سواه وتسخير المخلوقات له.

الجانب المطلق: وهو يعني اقرار كرامة الانسان وترسيخها في علاقاته مع السلطة، وذلك على اسس اهمها:

اولا: معاملة كل انسان وفق الشروط نفسها التي يعامل بها الاخرعندما يكون الاثنان في الوضع القانوني نفسه.

ثانيا: ان تطلق حرية الانسان في التصرف تعبيرا عن انسانيته ومواهبه بشكل يسمح له بالقيام بكل ما هو غير ممنوع.

ثالثا: ان تؤمن له الوسائل لتاءمين العيش الكريم بقدر ما تسمح به الاوضاع الاقتصادية ليقوم بدوره سياسيا واجتماعيا على اكمل وجه.

رابعا: امكانية ان ترفع عنه الظلامات فور وقوعها وتعويضه عن كل ما يطال شخصه او حريته او ماله، ليستمر بدون عوائق،ممارسا لدوره الذي خلقه اللّه من اجله.

وهذا ما سنوضحه في ما يلي:

1- المساواة: ان تكريم الانسان هو تكريم لكل فرد من افراده.وهذا يستدعي من الحاكم ان يعامل الجميع معاملة واحدة عندما يكونون في ظروف واحدة، فيعم الغنم الجميع ويتحمل الغرم الجميع. فقد قال الرسول الكريم: ((كلكم سواسية كاءسنان المشط))، ((وكلكم)) هذه لا تعني فئة من الناس خاصة ولا شعبامعينا، بل هي تعني الجميع، وذلك مابينه(ص) بقوله: ((لا فضل لعربي على اعجمي... الا بالتقوى)).

وبناء على هذه المساواة كانت الشورى لجميع المسلمين، وكان العطاء واحدا طيلة حياة النبي(ص) وخلافة ابي بكر وشطر من خلافة عمر وطيلة خلافة علي(ع) الذي يؤكدذلك بقوله: ((لو ان المال مالي لسويت بينهم، فكيف والمال مال اللّه)).

وكما اقام الاسلام المساواة في المجال السياسي والاجتماعي،اقامها كذلك في مجال التقاضي، حيث يجب على القاضي المسلم ان يعامل الخصوم الذين يمثلون امامه باءقصى درجات المساواة، لا فرق بين ان يكون الواحد منهم قويا او ضعيفا، كبيرااو صغيرا، حاكما او محكوما، حتى ان الخليفة نفسه يجب ان يعامل امام القاضي كما يعامل خصمه اذامثلا امام القضاء. وهذاما اكده لنا التاريخ الذي يذكر، في ما يذكر، حادثتين جرتا للامام علي(ع)، احداهما مثل فيها في مجلس عمر مع يهودي، حيث غضب الامام لان عمر كناه بينما سمى الخصم الاخر باسمه.والثانية مثل فيها وكان خليفة، امام القاضي شريح الى جانب نصراني كان قد وجد درعا اضاعها الامام، ولما راى الامام الدرع معه طلبها منه فلم يعطه اياها فشكاه الى القاضي. ورضخ لحكم القاضي الذي اعط ى الدرع للمسيحي لان الامام لم يكن يملك البينة.

على ان المساواة لم تكن تقتصر على الجانب الموضوعي في موقف القاضي، بل هي تطال الجانب الشكلي، فهو كان مطالباباءن لا تبدر منه، باءي شكل من الاشكال، اية حركة تنم عن انه يبدي اي قدر من المحاباة في النظرة او المخاطبة او مااليهما.

اصل الاباحة:

يعتبر الاسلام ان الانسان حر في تصرفاته ما لم تتعارض مع الاحكام الواضحة للشريعة، يؤكد ذلك قوله تعالى: (لا يكلف اللّه نفسا الا ما آتاها) ويوضح الامام جعفر بن محمدالصاد(ع) ذلك بقوله: ((كل شي ء مطلق حتى يرد فيه نهي)).

والاسلام لم يترك مجالا للتحكم الكيفي، ولم يضع الانسان مكشوفا امام الحاكم يمارس عليه ما يرتئيه حسب اجتهاداته الشخصية، ولا هو خول احدا صلاحية ان يحدد مايجب على الافراد تجاه الدولة والمجتمع. فقد حدد الشرع الحنيف الواجبات والحقوق بشكل واضح. وهذا ما يؤكده الامام علي(ع)عندما يستنكر ما يدعيه البعض مما يتعارض مع هذا المبدابقوله:... ((ام انزل اللّه سبحانه دينا ناقصا فاستعان بهم على اتمامه، ام انزل اللّه سبحانه دينا تاما فقصر الرسول(ص) عن تبليغه وادائه؟)) . فقد بين القرآن حدوداللّه التي تنظم جميع العلاقات ونهى عن تعديها باءي شكل من الاشكال ناعتا من يتجرا على ذلك بالظلم اذ يقول: (ومن يتعد حدود اللّه فاءولئك هم الظالمون) اما الذي يحكم بخلاف ما انزل اللّه فهو كافراو ظالم او فاسق: (ومن لم يحكم بما انزل اللّه فاءولئك هم الكافرون) (.. هم الظالمون) (.. هم الفاسقون).

ولم يقرر اللّه تعالى وصم المخالفين احكامه بما اشرنا اليه ولابوعيدهم بالحساب الاخروي وحسب، بل حض المظلومين على مقاومتهم وقتالهم بشكل فردي وجماعي، ليس فقط لرفع الظلم عن النفس، بل وعن الاخرين. فقد اعلن تعالى كراهة الكلام بالسوء الا في حالة وقوع الظلم حيث يقول: (لا يحب اللّه الجهربالسوء من القول الا من ظلم وكان اللّه سميعاعليما).

كما خول تعالى المظلومين اللجوء الى السلاح وذلك بقوله:

(اذن للذين يقاتلون باءنهم ظلموا وان اللّه على نصرهم لقدير). وحض اخيرا المؤمنين على القتال دفاعاعن المضطهدين بقوله تعالى: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل اللّهوالمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنااخرجنا من هذه القرية الظالم اهلها..).

وهكذا فان الحاكم لا يستطيع ان يقيد سلوك الفرد ولا الجماعة الا بما يقيده اللّه، لان الاصل في التصرفات الاباحة.

وهذا الاصل لا يتضمن فقط ما تقره الانظمة الحديثة من حريات وحقوق بل هويتجاوزها تجاوزا عموديا وافقيا على حد سواء.

فعلى الصعيد العمودي نجد الحريات الاسلامية لا تقيدهاالمعطيات الاجتماعية والسياسية للنظام ولا للحاكمين، بل هي واضحة وثابتة مقررة من اللّه، وما للحاكم الا الامتثال،فهو لايستطيع مثلا ان يضع القوانين التي تفرغها من محتواها، ولوبشكل جزئي، او حتى تقيد التمتع بها كما يجري في الانظمة الحديثة التي تنص قواعدها على الحقوق المتناولة لهذه الحريات، على انها تمارس ضمن الحدود التي يرسمها القانون اواي نص مساو له كالمرسوم الاشتراعي الذي لا يصدر عن البرلمان بل عن السلطة التنفيذية، وهي السلطة التي كانت الشعوب تثور ضدها على مدى التاريخ بسبب الظلم والتعسف وانتهاك الحقوق والحريات.

اما على الصعيد الافقي، فان المساحة التي تغطيها الحقوق والحريات الاسلامية مساحة مفتوحة، وان كانت تحتوي على بعض الاستثناءات المقررة من اللّه تعالى، في حين ان المساحة التي تغطيها الحقوق والحريات في الانظمة الوضعية، حتى من الناحية النظرية، تضيق وتتسع حسب الظروف. فهي واسعة نسبيافي الظروف العادية ولكنها تضيق في الظروف الاستثنائية الى الحد الذي يحفظ النظام الحاكم من التهديد، فنرى الحكومات تلجاء الى اعلان حالات الطوارى ء والحصار، ويلجاء الرؤساء الى الديكتاتورية السافرة كتلك التي ينظمها الدستور الفرنسي لسنة 1958 (م 16) او الدستور الالماني (م 81) او تلك التي يمارسهاالرئيس الاميركي في الازمات، كما فعل الرئيس روزفلت في الحرب العالمية الثانية حين اعتقل احتياطيا مواطنيه المتحدرين من اصل ياباني. اما في الاسلام، فاننا نجد، وبقدر مااتاحت لنا تلك الومضات من التطبيق الصحيح التي عرفهاتاريخه،ان حقوق الانسان وحرياته تبقى هي هي ايا تكن الظروف التي يمر بها الحكم. فالامام علي(ع) لم يضرب الخوارج عندما اخذوا يمتنعون عن الصلاة خلفه، وهو الحاكم،بل ترك لهم حرية التنظيم والعمل، حتى في ظل الظروف الاستثنائية التي تمثلت باعداد الجيش للتوجه الى الشام لقتال معاوية بعد التحكيم، فهو لم يتذرع بحالة الاستنفار ولابمقتضيات النظام العام ولا بمصلحة الدولة العليا، وهو لم يقاتلهم الا بعد ان تعرضوا بالسلاح الى حريات الاخرين وارواحهم.

وهكذا فاننا لو حاولنا ان نقارن بين ما ضمنته القوانين الغربية من حقوق وحريات فردية وما ضمنه الاسلام، لوجدنا ان الاسلام غط ى جميع ما غطته الانظمة الوضعية، ولكن بشكل صادق وعلى مدى يكاد يكون مطلقا، بالاضافة الى امكانات مفتوحة تسمح بالحرية في مجالات قد لا يكون الانسان قد اكتشف ضرورتهاحتى اليوم، وذلك انطلاقا من الاصل العام، اي اصل الاباحة الذي اقره بدون تحفظ.

فمبدا شرعية الجرائم والعقوبات، مكرس في ما جاء به الاسلام،كما اوضحناه في كلام الامام علي(ع) الذي اوردناه اعلاه.

ومبدا الحرية الجسمية المشتق من حرمة الظلم وضرورة معاقبة الحاكم الظالم، منع التعذيب في الاستجواب لاستخراج الاعترافات، ولم ياءخذ بالاعتراف الناتج عن اكراه معنوي. فقدامر علي(ع) ب ((التلطف في استخراج الاقرار ((من الظنين)). واعتبر ان ((من اقر عن تجريد او حبس او تخويف او تهديد فلا حد عليه)).

ومبدا حرية الانتقال مكرس ايضا، ليس استنتاجا من الاصل العام الذي يمنع القيود ما لم تكن واردة في الشرع المنزل، ولكن بقوله تعالى موصيا بالسعي في الارض طلباللرزق، اذ يقول:((فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور)).

ومبدا الحرية الفكرية مضمون في ما لا يؤدي الى الرجوع الى الوثنية والشرك، لان هذا الرجوع ينسف كل نظام الحريات والحقوق، كما ينسف اساس فكرة التوحيد ويعط ي الحاكم سلطات هي في الواقع للّه وحده. وفي ما عدا هذا، فان اللّهتعالى منع الزام الناس بالدين الاسلامي بالقوة: (لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) .

ومبدا حرية الاجتماع والمعارضة كذلك مضمون، فهذا علي(ع)يدع الخوارج ولا يقرر قتالهم، على الرغم من تنظيمهم انفسهم وتحركهم لنشر افكارهم بين الناس، قبل ان يشرعوا في ارتكاب الجرائم ضد المسلمين.

اما حرمة المسكن، فهي ايضا مكرسة باءحكام تمنع دخول البيوت من غير ابوابها، او بدون اذن اصحابها، يقول تعالى:

(واتواالبيوت من ابوابها واتقوا اللّه لعلكم تفلحون) كمايقول: (يا ايها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غيربيوتكم حتى تستاءنسوا وتسلموا على اهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون× فان لم تجدوا فيها احدا فلا تدخلوا حتى يؤذن لكم وان قيل ارجعوا فارجعوا هو ازكى لكم واللّه بما تعملون خبير).

اما السرية والحميمية فهما ايضا مصونتان. وهذا ما ينطبق على حرمة الانسان داخل بيته، كما ينطبق على المراسلات وغيرها ممايخفي الاسرار الخاصة للناس، وذلك بناءعلى قوله تعالى: (ولاتجسسوا) والذي ترجمه الرسول(ص) بقوله: ولا تتبعواعوراتهم (المؤمنين) فان من يتبع عوراتهم يتبع اللّه عورته))ولعل افضل مثال على ذلك قصة عمر مع الرهط الذين كشفهم يعاقرون الخمرة في احد البيوت، فلما اراد محاسبتهم، احتجواعليه بدخول البيت من غير بابه، وباءنه تجسس عليهم ولم يسلم.

اما علي، فقد نهى عن دخول دور اخصامه حتى في الحرب الاباذنه، فكيف بالبيوت. واما في موضوع حرمة الحياة الخاصة، فقد دعا علي ولاته الى ابعاد من يفتش عن عورات المؤمنين، اذ يخاطب مالك الاشتر في عهده اليه، عندما ولاه مصر، بقوله: ((وليكن ابعد رعيتك منك واشناءهم عندك اطلبهم لمعايب الناس، فان في الناس عيوبا الوالي احق من سترها))،كما دعا الى عدم تصديق السعاة، وعدم الكشف عما غاب عن الوالي، لانه غير مكلف الا بمعالجة ما ظهر له.

فيقول في عهده لمالك الاشتر: ((فلا تكشف عماغاب عنك (من العورات) فانماعليك تطهير ما ظهر لك. فاستر العورة ما استطعت وتغاب عن كل مالا يصح لك ولا تعجلن على تصديق ساع فان الساعي غاش وان تشبه بالناصحين)).

واما الملكية الفردية المشروعة، فهي ايضا مصونة، كما اشرنا،ومن فروعها انه لا يجوز منع احد ميراثه، ولا حرمان احد من عطائه، الذي يستحقه شرعا كما لا تجوز مصادرة رزقه.

وقد اكد الامام علي(ع) كل ذلك بقوله: ((قد علمتم ان رسول اللّه(ص) رجم الزاني المحصن ثم صلى عليه ثم ورثه اهله، وقتل القاتل وورث ميراثه اهله وقطع السارق وجلدالزاني غيرالمحصن ثم قسم عليهما من الفي ء)).

على ان الاسلام لم يكتف بتكريس هذه الاصناف من الحقوق والحريات التي لا يكون تدخل الدولة الا لحمايتها، بل هو فرض للمواطنين الزام الحاكم باءن يؤمنها بتدخله،وذلك الى جانب حقوق هي حقوق العيش الكريم التي تكتشف التشريعات الحديثة، من وقت لاخر، نماذج منها في عصرنا الحاضر، وهي المسماة ((الحقوق الاجتماعية والاقتصادية)) ، كحق العمل، وحق العلم، وتاءمين الشيخوخة والامومة والبطالة، فقد اقر الاسلام حق التعليم على الامام، كي لا يبقى الناس جاهلين بالضروريات،وهذا ما اكده علي بن ابي طالب(ع) اذ يخاطب المسلمين قائلا:((يا ايها الناس ان لي عليكم حقا ولكم علي حق، فاءما حقكم علي فهو.. تعليمكم كيما تجهلوا وتاءديبكم كي تعلموا)).

واذا كان هذا التاءكيد ينصب على تعليم الناس العلوم الدينية،التي تغط ي اليوم بعض مجالات ما يسمى بالعلوم الانسانية، فان الاسلام لم يقتصر عليه، وذلك ان الرسول(ص) حث المسلمين على طلب العلم ولو في الاقاصي البعيدة اذ يقول: ((اطلبوا العلم ولو في الصين)) وجعله ((فريضة على كل مسلم ومسلمة)).

وهذا العلم الذي يدفع الرسول(ص) المسلمين اليه، ليس بالعلم الديني فقط، لان هذا العلم لا يوجد في الصين، بل عندالرسول نفسه، ثم عند قادة المسلمين ومعلميهم، ومايوجد في الاماكن الاخرى، هو علوم مختلفة من طبيعية ورياضية... كل ذلك بالاضافة الى كون بعض العلوم ترتبط بالحاجات الانسانية وبمقتضيات التطور المادي، وهذان امران يقع على عاتق الحاكمين ان يولوهما العناية الكافية لتوفير المنعة والقوة للمجتمع الاسلامي من جهة، ولترجمة مساءلة تكريم الانسان من جهة اخرى.

واذا قيل: ان المستفاد من كلام الرسول(ص) هو فرض واجبات على المسلمين لا تعيين حقوق لهم يتوجب على الحاكم حمايتها،فان الرد هو ان ما يكون واجبات للمسلمين تقع على الحاكم مسؤولية تمكينهم من القيام به، والتمكين من القيام لا يمكن ان يكون بالتقييد ولا حتى بمجرد السماح، ولكن بتوفير الوسائل الضرورية لتسهيل القيام بها.

واما حق العمل فان الاسلام لا بد ان يضمنه بعد ان يسر اللّه تعالى سبله وفرضه القرآن على الناس بقوله تعالى: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) ثم يقول: (فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل اللّه).

وفي هذه الحالة ايضا لا يسع الحاكم الا ان يوفر اسباب تنفيذالوصايا الالهية كتمكين الناس من القيام بواجب العمل والسعي للحصول على الرزق الحلال، والا فان الدولة ملزمة بتقديم المساعدة الدائمة للعاطلين عن العمل الفقراء، نظرا لواجبها في تاءمين معيشة جميع المعوزين.

اما سائر الحقوق الاجتماعية، سواء منها التي عرفتها الانظمة الحديثة او تلك التي لم تكتشفها، فانها مضمونة، ولا يكتفي الاسلام منها بما يقيم الاود وبشكل مؤقت، كما عليه الامر في النظم الغربية، بل يتجاوز ذلك الى اغناء الفقراء عن الحاجة ومساعدة المدينين المعسرين على سداد ديونهم، وتاءمين الغرباء والمسافرين الذين ينفد مالهم وتتقطع بهم السبل.

وقد اوضح علي(ع) ضرورة الاهتمام بالفئة الدنيا من المواطنين في عهده الى مالك الاشتر حين ولاه مصر، بشكل لا مطمع لهافيه اليوم، حيث يقول: ((ثم اللّه للّه في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم، والمساكين المحتاجين واهل البؤس والزمنى، فان في هذه الطبقة قانعا ومعترا، واحفظ للّه ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسما من بيت مالك وقسما من غلات صوافي الاسلام في كل بلد، فان للاقصى منهم مثل الذي للادنى، وكل قداسترعيت حقه، ولا يشغلنك عنهم بطر، فانك لا تعذر بتضييعك التافه لاحكامك الكثير المهم، فلا تشخص همك عنهم، ولا تصعرخدك لهم، وتفقد امور من لا يصل اليك منهم، ممن تقتحمه العيون وتحقره الرجال)). اما مقدار ما ينال اصحاب الحقوق هؤلاء، فهو مرتبط بالاحوال الاقتصادية للمجتمع، وقد يبلغ حد البحبوحة عند رخاء هذه الاحوال.

رفع الظلامات:

لقد اقام الاسلام نظاما قضائيا مزدوجا، قوامه: صاحب المظالم والقاضي، ولم يكن يجري اختيار القاضي على اساس كفاءته العلمية، كما يجري اليوم، وحسب، بل وعلى اساس الضمانة الاخلاقية التي يجب ان تتوفر فيه.

اما التقاضي، فكان يؤمن للمظلوم، تحصيل حقه، لا بعد مرورالسنوات كما يحصل اليوم، بل في بضعة ايام. وهو يشكل بمايحمله من ايمان الضمانة للجميع حتى في مواجهة اعلى السلطات، كما راينا في حديثنا عن المساواة.

ضرورة التمسك اليوم بهذه المبادى ء:

اذا كانت هذه طريقة اختيار الحاكم، ثم علاقة الحاكم بالمحكومين، اللتين طبقتا في مرحلة ولو محدودة جدا من التاريخ الاسلامي، وهما الطريقة والعلاقة اللتان اهتدت البشرية الى ضرورتهما واهميتهما اليوم، بعد ان دفعت الدماء الغزيرة ثمنا لذلك، الا نقتنع نحن باءنهما كانتا مفخرة لنا، وان تخلينا عنهماكان سببا في ما وصلنا اليه اليوم، وان رجوعنا اليهما يوفر علينا كل الم آسي والالام والمظالم التي تشل الانسان المسلم، وتقضي على الجزء الاكبر من روح المبادرة لديه، فتطلق له العنان في مجال تحقيق الذات وحمل المسؤولية؟ ان ضرر التنكر لهذين الامرين لم يكن مباشرا فقط، بل كان ايضاغير مباشر، حيث وجد اعداء الاسلام، بل واعداء الانسانية في سلبيتنا تجاه الحاكم ورضوخنا واستسلامنا الى مشيئته، ضالتهم المنشودة، فاءخذوا يستغلون الخنوع لصالحهم على طريق الغاءالاسلام السياسي، ليستبدلوا به انظمتهم ومؤسساتهم وافكارهم،التي لم تنتج الا اتباعا لهم اومقلدين.

فقد بداوا منذ وقت مبكر ردة فعلهم بعد ان استتب الامرللمسلمين، وكان الرد الاستراتيجي هو الحروب الصليبية التي اخضعت السواحل الشرقية الاسلامية للبحر المتوسط،لمدة قرنين من الزمن، حتى اذا صفيت آثارها، بدا اعداء الاسلام بدراسة اسباب هزيمتهم فوجدوها في الاسلام نفسه كعقيدة،حتى بالشكل القاصر التي كانت تمارس به، فاءخذوايخططون للقضاء على الاسلام عن طريق التبشير، ولما لم تؤت هذه المخططات الثمار التي رجوها من ورائها، اخذوا يركزون على مخطط يرمي الى صرف انظار المسلمين عن كل الفكر السياسي الاسلامي، داعين المسلمين الى التاءسي بهم عندما فصلواالكنيسة عن الدولة. ولقد اقتنعت النخبة السياسية الاسلامية باءفكارهم هذه، متناسية الفرق بين الاسلام والمسيحية لجهة وجود نظام سياسي اجتماعي في الاسلام تفتقده الديانة المسيحية في اصولها. واذا بنا نستبدل بمؤسساتنا مؤسسات الغرب النابعة من القانون الروماني،وكاءن المؤسسات والنظم يمكن لها، اذا استوردت، ان تعيش في اية بيئة وفي اي زمان،متناسين انها لا تعيش الا في البيئة التي ولدت فيها، وان المؤسسات القائمة في مجتمع ما،يمكن ان تتطور فتنجح لا ان تجتث ويؤتى ببدائل عنها وان الشرع الاسلامي تطوير للشرائع التي كانت قائمة في هذا الشرق بتاءثير الديانات السماوية جميعها.

فاذا كانت الامور كذلك فما العمل؟ ان المطلوب بعد توحيدالنظرة الى الماضي، توحيدها الى المستقبل.

النظرة الى مستقبل العالم الاسلامي حتى نتمكن من تحديد النظرة الى مستقبل العالم الاسلامي، لابد من ادراك ولو سريع لمشاكل الحاضر ايضا.

وضع المسلمين اليوم:

يعيش المسلمون اليوم وضع الفريسة بالنسبة الى القوى الكبرى في العالم، تحوزها القوة العظمى وتتناهش فتاتها القوى الاقل شاءنا، وهذا ما نبه اليه الرسول(ص) بقوله: ((يوشك الامم ان تداعى عليكم كما تداعى الاكلة الى قصعتها)). فقال قائل:

((ومن قلة نحن يومئذ؟)) قال: ((بل انتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاءالسيل، ولينزعن اللّه من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن اللّه في قلوبكم الوهن)). فقال قائل: ((يا رسول اللّه، وما الوهن؟))قال: ((حب الدنيا وكراهية الموت)).

وهكذا فقد راينا الدول الغربية، منذ القرن الماضي، تتربص بالاسلام والمسلمين، حتى اذا حان وقت تفكيك عرى الدولة العثمانية، تقاسموا اشلاءها، واقاموا على انقاضها كيانات هزيلة،نصبوا على معظمها حكاما من النخبة التي هياءوها مسبقا، دون ان يسمحوا لاي منهم ان يمتلك من اسباب القوة ما يمكنه من تحريرقراره، فاذا تجاوز اي زعيم من هؤلاء الحدود ردوه الى الطاعة،ولعل تجربة صدام الذي سمنوه ليقاوم الاسلام الثائر في ايران،حتى اذا استنفدوه، استدرجوه للمس ظاهرا بمصالحهم من طريق احتلال الكويت،فتداعوا الى الجزيرة العربية، تداعي الاكلة الى قصعتها، ليدمروا قوة العراق العسكرية، ويرابطوا عندمنابع النفط، ويرهنوا الجزء الاوفر منه لعشرات السنين، ثم يفرضوا على الاقطار العربية الصلح مع العدو الصهيوني على حساب الارض والمقدسات.

فما هي اهم مظاهر الازمة التي يعيشها المسلمون اليوم؟ انهم يعيشون ازمة في الثقافة والاقتصاد والسياسة والامن، في حالة مزرية من الضعف، رغم تعدادهم البالغ مئات الملايين من البشر، وفيما ثرواتهم لا تقدر بثمن، في بلادقطعت اوصالهاواستعدي بعضها على بعض، حتى باتت مشاكلها الداخلية لاحلول لها، فيما تحل كل مشاكلها مع اعدائها وعلى حسابها.

كل هذا لم يكن نتيجة تلقائية للحكم الاستبدادي الذي ضرب بمبادى ء الاسلام السمحة عرض الحائط فقط، بل واتى نتيجة لتخطيط غربي طويل المدى كان بديلا لاسلوب الحروب الصليبية الذي فشل، والذي استند على ان الاسلام، بما تبقى منه، يشكل الحاجز، الذي يمنع من اقناع ابناء هذه المناطق بالرضوخ. وبعد فشل محاولات التبشيرالروحي، اعتمد نوع مختلف من التبشير، وهو القائم على نسف الفكر الاجتماعي والسياسي الاسلامي ليخلو الجو للفكر الغربي. كل ذلك ليسيرجنبا الى جنب مع تدميرالاقتصاد وخلق حالة من التبعية في ظل ذراع عسكرية قادرة على فرض ما تشاء، حتى استبدال السكان بغير هم عند الضرورة.

الهجمة الفكرية:

كانت مؤسسات التعليم التي اقامتها الارساليات، والتي دعمتهاالحكومات منها على وجه التخصيص، تهدف الى الغاء الثقافة القائمة في البلدان التي غزتها، لاقامة ثقافة غربية،وزرع الولاءلهذه الدولة او تلك ولعاداتها وتقاليدها، حيث اصبح ((لكل مدرسة (من مدارس البعثات) تلاميذها الذين لم يبق فيهم اي شي ء عربي، حتى ان بعضهم (اخذ) يرتدي الزي الاوروبي..وهكذا فمنهم من يميل الى فرنسا ومنهم من يهوى الانكليزوالنمسويين)). وكان هذا نتيجة تخطيط مسبق هدفت اليه اقامة الجامعات، حيث كان يرد مثلافي الرسائل والتقارير:((حين ننشر في هذا البلد بواسطة اللغة الفرنسية التعليم والاخلاق والفنون المفيدة والزراعة فاننا سنسيطر على الشعب وسيكون لفرنسا هنا في كل وقت جيش متفان)).

ولم يقتصر التخطيط طبعا على الفرنسيين، ولا على سوريا، بل سبق اليه الانكليز في مصر وفلسطين، فقد انشاء اللورد كرومر في مصر ((كلية فيكتوريا))، وقد قال اللورد لويد عن طلاب هذه الكلية: ((كل هؤلاء لا يمضي عليهم وقت طويل حتى يتشبعوابوجهة النظر البريطانية.. فيصيروا قادرين على فهم اساليبناويعطفوا علينا.. وحتى يتسنى للجمهور ان يعرف هذه الكلية اكثرمما عرف عنها في الماضي، ينتبه الاباء الى ان تعليم اولادهم فيهاينمي فيهم من الشعور الانكليزي ما يكون كافيا لجعلهم صلة للتفاهم بين الشرق والغرب)).

فحتى كليات الطب التي انشاءتها الارساليات، بدعم من حكوماتها، كانت ذات اهداف استعمارية، وهذا ما تعبر عنه بوضوح رسائل السفارة الفرنسية لدى الباب العالي الى الخارجية، حيث يرد في احداها: ((ان الغاية الاولى للمؤسسين(لكلية الطب الفرنسية) ان يجعلا من هذه الكلية فكرة سياسية ومؤسسة دعائية)). حيث ان ((للاطباء في سوريا قيمة ونفوذابارزين. لذا وانفاذا لمصالحنا يجب ان نضم الى جانبنا ونربي وفقا لافكارنا عملاء لهم مثل تلك القيمة)). وقد تخرج من كلية الطب 535 طبيبا يحملون الديبلوم الفرنسي ويبشرون بنفوذنا وبفعالية طرائقنا العلمية، لا في سوريا فقط، بل في الامبراطورية العثمانية باءسرها، وحتى في مصر)).

الهجمة الاقتصادية:

لم تكتف الدول الاستعمارية باستغلال ظروف الدولة العثمانية لمراكمة الديون عليها ورهن مواردها، بل هي استفادت من نظام الامتيازات التي منحت لتيسير التجارة مع الدول الاوروبية واميركا، منذ وقت مبكر لتتحكم في ما بعد، بالشؤون الاقتصادية للسلطنة، ولتنتزع التنازلات منها، حتى على الصعيد القضائي والقانوني.

وكانت الثورة الصناعية قد دفعت الدول المتقدمة بسرعة اكبر،على طريق استغلال الاسواق من جهة، والاستيلاء على المواردمن جهة اخرى، فاءخذت، لهذا الغرض، تنافس الصناعات المحلية وتدمرها ((فصناعيو مانشستر مثلا اخذوا يقلدون الاقمشة المصنوعة في دمشق وحلب ودير القمر ثم يبيعونها بنصف الثمن الذي تباع به في بلدان انتاجهاالاصلية)) . كما عمدت صناعات الحرير في فرنسا لتدمير هذه الصناعة في جبل لبنان وسائر مناطق سوريا، لتجعل منها مجرد مصدرة لشرانق الحرير.ثم اتت المشاريع الكبرى، لا سيما مد الخطوط الحديدية وانشاءالمرافى ء والمنارات وما اليهما، لتكمل اسباب السيطرة الاستعمارية على الاقتصاد في الدولة الاسلامية، عن طريق تدمير البنى القائمة لصالح تحويل المواطنين الى مستهلكين والبلاد بكاملها الى سوق استهلاكية لمنتجاتهم، وهو الامر الذي ما زال قائما بخطوطه العريضة حتى اليوم.

الهجمة الاستراتيجية:

بدات في القرن الماضي، ومنذ بداياته، المخططات لتقطيع اوصال ((الرجل المريض)) (الامبراطورية العثمانية)، وبداالنهش في جسمها فانتزعت اقطار الرومللي، ثم انتزعت اقطارالمغرب العربي الواحد تلو الاخر، ثم حصل الاحتلال الانكليزي لمصر واستمر التطويق الاستعماري للجزيرة العربية.

الى ذلك بدات الخطط لفصل المشرق الاسلامي والعربي عن المغرب العربي، وراحت قرائح القناصل والسفراء والاميرالات تتفتق عن خطط عسكرية لاستعمار هذه الجزيرة اوتلك، اولزرع اجسام غريبة في المناطق الاستراتيجية، بحيث تجعل اي امل بالوحدة مستحيلا، وكان الانكليز يخططون لايجاد قوة معادية للعرب والمسلمين على الضفة الشمالية لقناة السويس،بهدف فصل مصر عن بلاد الشام، اللذين كان اجتماعهما تاريخيايوفر قوة هامة، الامر الذي كان يدفع اي قوة تستولي على احدى المنطقتين ان تتابع سيرها للاستيلاء على الاخرى.

وهكذا فقد اصبحنا اليوم، رغم الحجم الكبير، دولا ودويلات متناثرة لا تقوم لمعظمها قائمة، بل هي مضطرة، ولو من اجل الاستمرار على وجه الارض الى مساعدات الدول الاستكبارية، مع الرضوخ لكل شروطها.

الاستعمار الاستيطاني:

بعد محاولات تنصير الزعماء المحليين في سوريا، ك آل ابي اللمع وبعض الامراء الشهابيين، وبعد محاولات الاندساس في الاسلام، كما فعلت فرقة الدونما اليهودية في سالونيك، والتي اثرت على مصائر الامبراطورية العثمانية، بدات في الاوساطالانجيلية في بريطانيا خصوصا حملة لدفع اليهود الى الاستيطان في فلسطين، وقد اخذت هذه الحملة المجاري الديبلوماسية اثناء وجود الجيش المصري في سوريا وذلك بدءا من سنة 1839.

وكان دفع اليهود الى الهجرة الى فلسطين على ايدي البروتستانتيين في محاولة لتحقيق نبوءة عودة المسيح المرهونة في نظرهم باستعمار اليهودفلسطين. وقد استكملت المؤتمرات الصهيونية منذ 1897 ما كان بدا في اواخر النصف الاول من القرن الماضي، حتى تمكنت من السيطرة على فلسطين بكاملها.

على ان محاولات الاستيطان طاولت مناطق اخرى، مثل بلدان شمال افريقيا العربية مثلا، ولكنها في النهاية باءت بالفشل بعدطرد الجيوش الاجنبية من هذه البلدان.

القوة العسكرية الاستعمارية:

على ان هذه المشاريع وغيرها لم يكن ممكنا ان تتحقق بالسهولة المعروفة لولا وجود العصا الغليظة من الجيوش الحديثة المجهزة ب آخر مبتكرات الثورة الصناعية، والتي كانت تتدخل في مناطق السلطنة العثمانية قبل تفكيكها، ثم هي استعمرت كل الاراضي العربية التي كانت تابعة لها لمدد متفاوتة.

وبعد جلاء الجيوش الاجنبية بقيت حالة الضعف والوهن والتخلف والتبعية الاقتصادية قائمة، لان المستعمر مكن لهذه الحالة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا من جهة، كما اوجدالحالة التي كانت تفرز حكومات تابعة له وسائرة في ركابه، حتى اذااخفقت تلك الحكومات في ضبط الاوضاع لم يكن التدخل العسكري مستبعدا.

لقد توكاءت بعض دول العالم العربي والاسلامي عموما على المعسكر الاشتراكي، لتحصيل بعض حقوقها واحراز شي ء من التقدم. ولكن بعد اختفاء هذا المعسكر عادت الهيمنة الاحادية الجانب للمتجبر الاميركي لتفرض نفسها وبالقوة على العالم حيث يدفع العالم الثالث، ومن ضمنه العالم الاسلامي، ثمن الهدر والبذخ والتدخل في شؤونه وشؤون غيره،من امواله الخاصة.

التطور ومعوقاته:

اذا كانت تلك هي حالة المسلمين اليوم، ولا اظن ان احدا يماري في ذلك، فهل هي قدر على المسلمين ام ان ابواب الفرج موجودة، وان تكن موصدة الى حد بعيد؟ ان الفعل الاستعماري قد ادى وظيفته حتى باتت الشعوب الاسلامية نتيجة له في معظم نواحي حياتها الثقافية والاقتصادية، فقد آتت المخططات التي بدات منذ اواخرالقرن الثامن عشر واستمرت ابان القرن التاسع عشر، ثمارها، فتمت صياغة العالم الاسلامي كما تمنى اعداؤه، على رغم الخروق الكثيرة التي حصلت على شكل ثورات وانتفاضات، تم استيعابهااو اجهاضها في ما بعد، لانها قامت على القواعد الفكرية الخارجية نفسها، من راسمالية او اشتراكية او احيانا فاشية.

اما اليوم وبعد ظهور الصحوة الاسلامية، فقد امسى من الضروري اكثر من السابق، الاهتمام بتوحيد صفوف المسلمين،خصوصا وان الدول الاستكبارية الان، لا ترى من عدو لهاالاالاسلام، غير الخاضع وغير المتبني لسياستها ولاساليبها في المجالات السياسية والاقتصادية، فكيف يمكن ان تقوم الوحدة؟ لعل اهم مقومات الوحدة تحديد ايديولوجية واحدة، تتضافرعلى اساسها الجهود المخلصة، لتوفير اسباب القوة والتطور على الصعد الاقتصادية والاجتماعية، على اساس من تكريم الانسان،واقرار مبدا المحاسبة، كل ذلك على طريق تحقيق رسالتناالموجهة الى الانسانية جمعاء.

الوحدة الايديولوجية:

لا يكفي الشعار العام في هذا الموضوع، بل لا بد من طرح الاموربدقة وبصورة منطقية تشكل الرد الفعلي على المشكلات الانسانية، وذلك يتم عن طريق تحديد هذه المشكلات، ودراسة اسبابها ومظاهرها وم آلها، ثم دراسة النظريات الاساسية المطروحة ومواقفها من هذه المشكلات والحلول المعتمدة في مواجهتها، كل ذلك باءسلوب نقدي،بحيث نبين نقاط القوة ومواطن التهافت، ثم نعمد الى الحلول الاسلامية من طريق النفاذ من الفروع الى الاصول، لنكشفها ونحددها بشكل علمي،ثم نعمد الى ربطها بالمشاكل الحاضرة لنتبين حلولها، فنشكل بذلك نسيجا ايديولوجيا متكاملا كنظرية عصرية متقدمة متجاوزة لما هو قائم من نظريات.

اما الفروع التي يجب العمل على تاءصيلها فهي تلك التي ارساهاالقادة الحقيقيون للاسلام ممن تمثلوا الرسالة الاسلامية، حتى استطاعوا ان يصبحوا ممثليها الحقيقيين، بل قل اصبحوا هم الاسلام المتجسد لحما ودما.

ان الطريقة المعاكسة، والتي تبدا من القواعد الاسلامية القائمة باتجاه المشاكل الواقعة، تؤدي الى عدم فهم كاف لمشاكل العصر، لانها ستنظر اليها من منظار معين خاص، وهوالمنظارالمكون في مراحل تاريخية معينة كتلبية لحاجات تلك المراحل، ولعل هذا ما يذهب اليه الشيخ محمد ابراهيم الجناتي عندما يركز على دور الزمان والمكان، في((الاجتهاد فيؤيداستخدام الاجتهاد في المصادر وفي مقام العمل والفتوى، وبعدالنظر بدقة في ابعاد القضايا ودراسة موضوعات الاحكام من زاوية خواصها الداخلية والخارجية))الذي يعتبره ((الاجتهادالمتحرك والتقدمي والمطلوب)).

ولدى تحديد الايديولوجية، يمسي ممكنا توحيد المواقف من القوى العالمية والاقليمية المختلفة، وذلك بعد التعيين الدقيق للخطوط الفاصلة بين الاصدقاء والاعداء، على ضوءالمبادى ءالاسلامية المتفق عليها، وبعد تحكيم هذه المبادى ء تحكيماحاسما لا تهاون فيه. فنعادي الاعداء ونصادق الاصدقاء، ونتقرب من هذه الجهة ونبتعد من تلك، بقدر مايخدم ذلك استراتيجيتناواهدافنا.

توحيد الجهود:

ياءتي توحيد الجهود على اساس ايديولوجية موحدة ليؤسس جسما متراصا متماسكا، على غرار ذلك الذي قام بالفتح في ايام الاسلام الاولى، وحقق الانتصارات الكبيرة، التي نشرت افكارالاسلام ومبادئه من الصين الى الاندلس حيث كان المقاتل،حتى البسيط، يقاتل لا من اجل فلان من الزعماء والقادة ولافلان، بل من اجل رب هؤلاء.

ان توحيد الجهود، وحده، في ظل موازين القوى الراهنة،القادر على ابقاء شعلة الاسلام متقدة ونامية ومتقدمة، الى ان تزول الكوابيس عن صدور المسلمين، ويياءس اعداؤهم من امكانية اخضاعهم، حتى ولو كانت جهود الامبرياليين واعداءالبشرية تسير كلها متناغمة متضافرة.

فاذا ما بقيت حالة التشتت، فهي لا تمكن للوهن والعجز من ان يستفحلا، وهي لا تتيح للاعداء ان يعاملونا على اننا فريسة يسهل اكلها فحسب، بل وهي تجعل من يساعدهم من ابناء جلدتنا،مغط ى ومعذورا من الناحية الشكلية، على اساس انه مجتهد،وعلى اساس ان للمجتهد اذا اخطاء اجر عند اللّه.

الاخذ باءسباب القوة والتطور:

ان الاسلام، حتى يتمكن من رد هجمات اعدائه، ومن ثم تاءدية رسالته الانسانية، لا بد له من الاخذ باءسباب القوة في مختلف المجالات، سواء منها القتالية ام الاقتصادية ام الاجتماعية. فعلى الصعيد القتالي، يمكننا ادراك ما نملك من قوة، اذا ما تاءسيناجميعا بالمقاومين وباءبناء الانتفاضة، حيث تواجه اعداد محدودة من المؤمنين آلة الحرب الاميركية الصهيونية الاكثر تطورا في العالم، فاذا ما اتيح لمئات الملايين من المسلمين ان ينخرطوافي العملية الجهادية، فانهم لا بد من ان يغيروا صورة العالم،ويعطوه الشكل الذي يريده له الاسلام.

على ان القوة لا بد لها من الوسائل الكفيلة باعطائها اقصى مايمكن من الفاعلية، وهذه الوسائل، الى جانب الايمان، هي القدرة العلمية والتكنولوجية التي يحث الاسلام على امتلاكها،بقوله تعالى: (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو اللّه وعدوكم وآخرين من دونهم لاتعلمونهم).

واذا كان اعداء المسلمين يرون في الدين الاسلامي فكرااتكاليا، استنادا منهم الى مقولة القضاء والقدر، فانه يمسي من الضروري اكثر فاءكثر، الرد بالتخطيط والاعداد لتاءمين التطور،ومن ثم تكذيب هذا الاتهام، ليس لدى اولئك الذين يشيعونه، بل لدى المسلمين الذين يمكن ان يكونوا اقتنعوا به فاءخلدوا الى السكينة، بانتظار ان يغير اللّه الحال،متناسين (ان اللّه لا يغير مابقوم حتى يغيروا ما باءنفسهم).

اما المسلمون الذين يعتقدون باءننا معفون من اي حركة حتى قيام المهدي(عج)، فلا بد من تنبيههم الى ان المهدي لا يقوم حتى نستحق قيامه، والاستحقاق يكون بتمهيدالطريق وبالاستعداد للتضحية والاستشهاد.

اقرار مبدا المحاسبة للحكام:

يتحكم بالعالم الاسلامي، في معظم اقطاره، ملوك ورؤساءيمارسون الاستبداد ويكمون الافواه، حفاظا على كراسيهم، التي يدين اغلبهم بها لاعداء الاسلام. واذا كانت جماهيرالمسلمين لاتستطيع اليوم اقامة نظام الاسلام في تلك البلدان، فهي يجب ان تمارس حقها المشروع في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان على الاقل.

ولعل ذلك لا يستقيم مع تمسك بعض المسلمين بطاعة الحاكم،ايا كانت ميزاته وتصرفاته، وذلك على اساس تفسير مغلوط للاية الكريمة: (اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول واولي الامرمنكم)، يعتبر اي حاكم وليا للامر، متناسيا ان ذلك يتناقض مع اوامر اللّه الصريحة بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر،ومتناسيا الاحاديث الشريفة العديدة حول ذلك من قبل ((لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق)) و ((افضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)). ((ومن راى منكم منكرا فليغيره بيده،فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطيع فبقلبه، وذلك اضعف الايمان)).

ولقد كان خلفاء الرسول الاول يقرون هذا المبدا على انفسهم،فهذا ابو بكر يقول في خطبته التي استهل بها عهده:

((ايها الناس،لقد وليت عليكم ولست بخيركم، فان احسنت فاءعينوني وان اساءت فقوموني..)) وقد اشرنا الى ذلك، اما علي بن ابي طالب فقد كان مثالا في تقبل النقد والمحاسبة رغم ظلم منتقديه ومحاسبيه له، حتى انه ابقى الحوار مع الخوارج مفتوحا رغم تكفيرهم اياه، وكان دائما يحث على انكار المنكر وتغييره فيقول:((ايها المؤمنون، ان من راى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى اليه فاءنكره بقلبه فقد سلم وبرى ء، ومن انكره بلسانه فقد اجر، ومن انكره بالسيف لتكون كلمة اللّه هي العليا وكلمة الظالمين هي السفلى، فذلك الذي اصاب سبيل الهدى وقام على الطريق ونورفي قلبه اليقين..)). تكريم الانسان:

يعاني الانسان في معظم البلاد الاسلامية من الظلم والاضطهادوكم الافواه، الامر الذي يتعارض مع ابسط مبادى ء الاسلام في منع الظلم وفي حرية الفكر والعمل، ضمن الخطوط التي حددها الشارع الاسمى حينما امر بالتفكر والتدبر، ومقاومة الظلم، وحينما امر باعتبار كل شي ء مباح حتى يرد فيه نص.

هذا الواقع سلب من الانسان الجزء الاكبر من كرامته ومن قدرته على المبادرة مما ادى الى حالة التخلف والضعف التي نعاني منها، والتي جعلت مواردنا، وحتى كياننا، لقمة سائغة في افواه الدول المتجبرة القوية.

واذا كان بعض المفكرين الغربيين، من خدام الاستعماروالامبريالية حاول ان يقنعنا باءن هذه الحالة نابعة من الاسلام نفسه، وباءنها من صميم تكويننا الفكري والثقافي، وباءن حالة الذلة والمسكنة هي قدرنا، فاننا يجب ان نتصدى لذلك بالفكروالعمل، ونؤكد ان اجدادنا، الذين قاتلوا تحت راية الاسلام وحققوا الانتصارات واصبحوا قادة كبارا على المستوى العالمي،انما استطاعوا ذلك، لا بعلم عسكري اكتسبوه، بل نتيجة لروح المبادرة القائمة على حرية الحركة من جهة، وعلى تحمل المسؤولية من جهة اخرى.

ان اولئك الذين كانوا يقاتلون في اقاصي الارض لم تكن سلطة الخليفة عليهم قائمة ومباشرة وآنية، بل كانوا يتحركون بوحي من ضمائرهم، على ان يؤدوا الحساب، فيما بعد،فحققوا ما حققوه،وهم ابناء اولئك الذين كانوا وقودا لحرب داحس والغبراءولغيرها من امثالها من الحروب.

ان الانسان لا تكتمل انسانيته الا اذا احترمت وكرمت، واذا ماالقينا نظرة على البلدان التي حققت المعجزات العلمية، نراهاكانت سباقة لمنح الانسان من الحرية ما اوهمه انه يمتلك ناصية السياسة بين يديه، فكيف ونحن ملزمون دينيا باءن لا نقبل ان يتصرف حكامنا، تجاهنا وتجاه غيرنا، الا بما امر به الشارع المقدس.

تاءدية الرسالة:

ليس مطلوبا من المسلمين، ان يتدبروا امورهم ويفتشوا عن طريق للدفاع عن انفسهم، وبالتالي لاستمرارهم، بل مطلوب ماهو اهم من ذلك واصعب، واعني به تاءدية الرسالة التي نزلت على النبي(ص)، والتي وعد اللّه باءن تظهر على ((الدين كله)).

واذا كان ذلك مرهونا بظروف معينة، فلا اقل من السعي، لان القعود، عند الشعور بصعوبة امر من الامور، لا يقدم صاحبه خطوة واحدة.

لقد بين فقهاء المسلمين تفوق الاسلام على سائر الاديان في مجال التشريع، وبقي ان يبينوا وبطريقة عصرية، تفوقه كنظام اجتماعي وسياسي، واذا كان البعض يرى ان الاسلام متخلف في مجال الفكر السياسي والنظام السياسي، فما ذلك الا لاعتمادهذا البعض منهجا خاطئا في الدراسة، يقوم على النظر الى واقع النظام كما مورس عبر القرون، دون ان يعودوا الى العهد الاول من الاسلام، لاكتشاف اسلوب الحكم الذي ساد فيه، واعتبار هذاالاسلوب، وبعد تخليصه من كل شوائبه، الاسلوب الاسلامي، واعتماده كمصدر للفكرالسياسي، وحتى الاجتماعي والاقتصادي.

ان العالم يعاني اليوم من ازمات على مختلف الاصعدة، وهذه الازمات تعصر الانسان فيه عصرا، الى جانب الرعب الذي تحدثه الاسلحة الرهيبة، فلنثبت بالحجة والمنطق، ان الاسلام هو الحل،وذلك بالنظام القائم على حقائق التنزيل، في المجال السياسي،حيث يكرم الانسان وفي المجال الاجتماعي، حيث ينال خبزه دون اهدار لكرامته، وعلى الصعيد الاقتصادي الذي يؤمن قيام مجتمع ودولة قويين متماسكين.

الخاتمة:

تلك كانت بعض الافكار التي نراها تصلح لاثارة نقاش حول امكانية اقامة الوحدة الاسلامية في هذا العصر، ونحن نطرحهالعل من يهمهم الامر ان يتوافرون على دراسة المسائل المثارة دراسة مستفيضة موضوعية وعلمية، فتتحدد اوجه الازمة العالمية، وقصور المعالجات المطروحة لها. ويضعون لها حلولامن فكر الاسلام الحقيقي، الذي يمكن البحث عنه قبل مراحل التشويه، مراحل الظلم والاستبداد والاضطهاد والتكل الداخلي، وهو ما ادى الى سلسلة الهزائم التي منينا بها حتى اليوم.

نقد الجابري ل ((العقل العربي)) وسمعة الا بستمولوجيا

د. طراد حمادة

يسعى الدكتور محمد عابد الجابري الى ان يصنع، من مشروعه:((نقد العقل العربي))، حلقة مكتملة في سلسلة الابحاث والدراسات، بل المشاريع، التي تناولت التراث العربي والاسلامي بالدراسة والتقويم. وحتى يبدو في مظهر الباحث المتمكن من ادواته، يكشف عن طريقته في قراءة التراث،ومنهجه المعرفي في النظر الى مناحيه وقطاعاته،وتقوم هذه الطريقة على الجمع بين الموضوع والمنهج في: تعيين حقل البحث وموضوعاته، حيث ينسب هذه الخاصية الى الدرس الابستمولوجي المعاصر بقوله: ((لقد صارمقبولا عند الباحثين الابستمولوجيين والمهتمين بمناهج العلوم القول ان طبيعة الموضوع هي التي تحدد نوعية المنهج. واذن فالخطوة الاولى في كل بحث علمي هي تحديدالموضوع والتعرف على طبيعته.وتكتسي هذه الخطوة اهمية قصوى عندما يتعلق الامر بموضوع كالتراث)).

ويعترف الجابري ان الاهتمام بالتراث اصبح شغلة الباحثين العرب لدرجة صار معها هذا الاشتغال موضع سؤال، ان كان امره يتعلق بردة فكرية، او ((عصاب جماعي))، اصاب المثقفين العرب بعد نكسة 1967. فارتدوا ناكصين الى الوراء، الى ((التراث)).ويضيف ان الذين يقولون هذا يشتكون من ان الاهتمام ب((التراث)) وقضاياه يصرف عن الاهتمام((بالحداثة))ومتطلباتها.

وحتى يزيل الجابري هذه التهمة، من عقول ((المشككين))، ينبه هؤلاء الى ان موقفهم ينم عن عدم تقدير كاف للمشكل المطروح في الثقافة العربية)).. ((لان ما يميز هذه الثقافة منذ عصرالتدوين الى اليوم هو ان الحركة داخلها لا تتجسم في انتاج جديد، بل في اعادة انتاج القديم، وقد تطورت عملية الانتاج هذه منذ القرن السابع الى تكلس وتقوقع واجترار، فساد فيها ماسبق ان عبرنا عنه ب ((الفهم التراثي للتراث))، وهو الفهم الذي مازال سائدا الى اليوم. ويضيف الجابري، في اشارة صريحة الى مقصود نقده للعقل العربي والتطابق مع الحداثة ومتطلباتها،وذلك بتجاوز هذا الفهم التراثي للتراث)) الى فهم حداثي الى رؤية عصرية له))