يكمل الجابري، في هذه الابانة، ما
كان قد انتهى اليه في
كتابه الثاني في سلسلة ((نقد العقل العربي)) بدعوته
الصريحة
الى((عصر تدوين جديد)) بعدما كشفت ((البنية
المحصلة))لنظمه المعرفية الثلاثة: البيان
والعرفان والبرهان،
والتي بلغت مع فلسفة كل من الشيخ الرئيس ابن سينا
(ت
1037.م) وعبدالكريم بن هوزان القشيري(ت 1072.م)،
مرحلة تصالح وتداخل تلفيقي بين بنيات فقدت
القدرة وصارت
مفككة او قابلة للتفكك عند اول محاولة، الامر الذي
سمح
لتجربة الغزالي بتوجيه ضربة قاضية الى هذه
النظم وتفكيكها،
حتى اصبحت لحظة الغزالي لحظة انفجار ازمة الاسس في
الثقافة العربية الاسلامية وابتداء تاءسيس
الازمة، ازمة العقل
العربي والاسلامي. وكان الجابري قد شرح المكونات
التاريخية
التي تمثلها لحظة الغزالي في الفصل الحادي عشر من
كتابه
((تكوين العقل العربي)). وهو الكتاب الاول في سلسلة
نقد هذا
العقل،وخلص فيه الى القول باءن((انتصار)) العقل
المستقبل))
في الغزالي قد خلق جرحا عميقا في العقل العربي ما
زال
نزيفه يتدفق وبشكل ملموس من كثير من العقول
العربية
الى الان. و ((العقل المستقيل))مصطلح ينحته الجابري
ليعني في ما يعنيه ذلك ((اللامعقول العقلي)) الذي
يسعى الى
دمج العلم في الدين والدين في العلم كعلامة من
العلامات
البارزة عن هويته، ((انه يطلب ان((يعقل اللّه)) حتى
في تلك
الامور التي تركها اللّه للانسان كي يعقلها
مباشرة عن الطبيعة
فيسخرهالمصلحته او يتخذ منها دليلا وهاديا الى
اثبات وجود
اللّه نفسه،فضلا عن تلك الاشياء التي قال فيها نبي
الاسلام(ص): ((انتم ادرى بشؤون دنياكم)). ورغم صراحة
هذا النص في نعت العقل الاسلامي، الذي يجعل من
مسائل
التوحيد (الالهيات)مركزكشوفاته العقلية، يربط فيها
بين الدين
والفلسفة وبين العلم والايمان، الشيء الذي
يعطيه هويته
الاسلامية الصريحة المختلفة، عن العقل اليوناني
الوثني، الصادر
عن بحث في الكون محوره ما يعرف ((بالروح
اليوناني))، فان
الجابري يفرغ كل ميوله الايديولوجية المنافية
لقواعد الدرس
الابستمولوجي في محاولته تعيين مواقع هذا ((العقل
المستقيل))بعد مقدمات مستفيضة حول هرمس.
والهرمسية تكشف عن جهله بواقعية علاقتها بالثقافة
الاسلامية ليعيد تعيين مقصود ((العقل المستقيل))ب
((جميع تلك ((الهمجيات))الدينية او الفلسفية التي
يشحنها
معه الموروث القديم من ركام الهرمسية والغنوصية
والمانوية والصائبة والمجوسية والمزدكية
والفيتاغورية
والافلاطونية المحدثة، ولا سيما في صيغتها
((المشرقية))،
اضافة الى الاسرائيليات والحرانيات والزرداشتيات
وسائر
المعتقدات القديمة السابقة على الاسلام والتي ظلت
تواصل
الحياة في بنية المعتقدات الدينية الجديدة التي
جاء بها الاسلام،
اما كعناصرمستترة لا واعية، واما كتيارات تتنازع
البقاء مع
((المعقول الديني البياني العربي الى ان تم
اندماجها في صيغة
واحدة هي الفكرالشيعي وما يرتبط به من تيارات
باطنية
كالتصوف والفلسفة الاشراقية، وهي التيارات التي
ما فتئت
تنخر العقل العربي وتاءكله من داخله وتحتل لها
مواقع رئيسية
فيه الى ان تم بهااكتساح ساحته كلها تقريبا في عصر
الانحطاط! ).
في هذا النص الغرائبي، انتقاد اكثر الباحثين الذين
تناولوامشروع الجابري بالدراسة والتقييم،
فالمساواة التي
يقيمها على هذا النحو بين ((قطاع اللامعقول)) وبين
((الفكر
الشيعي))ليست محض جرة قلم، بل موقف ايديولوجي
مسبق،
يسعى فيه الى البناء على مقولة المستشرق الفرنسي
ماسينيونكانت الشيعة اول من تهرمس في الاسلام
MASSIGNO ليديرتحليله كما لو ((ان الشيعة
هرامسة)).
واذا كانت ايران من الشيعة،فان فارس بكاملها بدون
ادنى
تمييز، قد تحولت عند الجابري الى مستودع
اللامعقول العقلي
الديني، اي ((الفلسفة تضم امشاجا من الفيثاغورية
الجديدة،
والافلاطونية المحدثة في صيغتها المشرقية
الحرانية والعلوم
السرية الهرمسية، بالاضافة الى عناصر من
الفكرالايراني
الزرادشتي القديم، مما كرس النظام المعرفي في
ايران كلها
وجعله يؤسس هناك الفلسفة بمختلف فروعها ورغم ان
الجابري يقرر ان الجميع قدغرقوا في ((بحرالهرمسية))
((من
الغلاة الاوائل الى الرافضة والجهمية وبعض
التيارات المجسمة
الى مؤسسي التصوف النظري الاوائل الى رسائل اخوان
الصفاء
التي لم يعد يشك في انتمائهاالاسماعيلي وطابعها
الهرمسي،
الى الفلسفة الاسماعيلية في اعلى مراحل نضجها الى
التيارات
الصوفية الباطنية والفلسفة الاشراقية مرورا
باءصحاب الحلول
واصحاب وحدة الوجود الى امتدادات اخرى كفلسفة
ابن سينا
وتصوف الغزالي وحكمة الاشراق للسهروردي الحلبي)).
تلك
هي المواقع الاساسية التي احتلتها الهرمسية،
وكانت مرتع
ازدهار((العقل المستقيل))، وهي كما يظهر جليا لكل
فاحص
فطن، لا تبقي ولا تذر، تخبط خبطعشواء، لتصيب كل
قطاعات
الفكر الاسلامي، من اصول العقائدوعلم الكلام
الى الفلسفة
والتصوف في صيغته العملية والنظرية(العرفان). ان
((العقل
المستقيل)) الذي نسبه الجابري الى العرفان، في
بداية مشواره
لاغتيال العقل في الاسلام، عادوجعل منه عقلامسيطرا
على
بقية المنظومات المعرفية، من بيان وبرهان وعرفان،
والتي
تحولت الى نظام معرفي واحد، عبرت عنه لحظة الغزالي
في
تجربته وانتاجه، لان الغزالي في نظرالجابري يمثل
ظاهرة
فكرية هي عبارة عن ((ملتقى طرق)) انتهت اليه النظم
المعرفية الثلاثة فالتقت عنده التقاء بنيويا.
وحصلت مع الغزالي
(ت 1111.م) تداخلات بين الحقول المعرفية الثلاث
(البياني
والعرفاني والبرهاني، وكان البرهان هوالضحية. لقد
انفتح
البيان لقسم من العرفان (التصوف السني)ولقسم من
البرهان
(طريقة المتاءخرين التي خلطت مسائل الفلسفة
ومسائل
الكلام) وانفتح العرفان لقسم من البيان
(الاخذبالظاهر على
مستوى الشريعة عند ابن عربي فضلا عن
المتصوفة((السنيين)) ولقسم من البرهان(التوظيف
الهرمسي
للمنظومة الارسطية وعلومها، وهي عملية كانت جارية
في
العرفان الاسماعيلي منذ البداية، ونقلها ابن عربي
الى العرفان
الصوفي مؤسسا بذلك التصوف الباطني كما ذهب
معاصره
السهروردي الحلبي مذهبا آخر، مؤسسا الفلسفة
الاشراقية التي
ستبقى حية في ايران الى العصر الحاضر. كان البرهان
هو ضحية
هذاالتداخل((التفكيك)) وذلك مفهوم عند الناقد، لان
البرهان
كماصاغه ارسطو ذو طبيعة نسقية يكفي نفسه بنفسه ولا
يقبل
الانفتاح،واذا انفتح تعرض لخطر التفكك هكذا يتكون
العقل العربي ثم يفقد فعاليته ويصيبه الجمود
والانحطاط، وربما
الافول.
ان ((البنية المحصلة)) للتداخل التلفيقي بين النظم
المعرفية الثلاث، هي حقيقة العقل العربي (بالمعنى
الهيجلي)
نسبة الى الفيلسوف الالماني هيجل دحخ حب . والتي
يعرفهاالجابري بدلالة السلطات المعرفية التي
توجه الممارسة
المعرفية وتحددمرجعيات الفكر ونقطة انطلاقه، ومن
ثم تحدد
منهجية انتاج المعرفة والفكر. وهذه السلطات ثلاث:
1- سلطة اللفظ (اللفظ بوصفه كائنا قائما في ذاته
ومستقلا
عن المعنى، واللفظ بوصفه ظاهرا يقوي وراءه الباطن)
2-سلطة الاصل (سلطة الوسيط العرفاني، الامام،
الولي،
وسلطة السلف الشاهد الذي يقاس عليه الفرع
الغائب). 3-
وسلطة التجويز(التجويز البياني الذي ينفي قانون
السببية في
الوجود ويعزوكل حدث بمعزل عن الاخر الى مشيئة
غيبية اعتباطية هي الصورة الميتافيزيقية لسلطة
الحاكم
المطلق، والتجويزالعرفاني الذي يمنح الاولياء
القدرة على خرق
العادات وايجادالكرامات) .
ان هذه السلطات تتداخل معا تداخلا عضويا ويفترض
بعضهابعضا، فهي تجليات لعائلة معينة من الرؤى،
وخلاصة ما
يصل اليه الجابري، بعد عناء تحليل، هو ان العقل
العربي عقل
يتعامل مع الالفاظ اكثر مما يتعامل مع المفاهيم،
ولا يفكر
اطلاقا الا من اصل او انتهاء اليه او بتوجيه منه.
الاصل الذي
يحمل معه سلطة السلف اما في لفظه او في معناه.
وان آليته:
آلية هذا العقل في تحصيله المعرفة هي المقاربة (او
القياس
البياني) والمماثلة (او القياس العرفاني) وانه في
كل ذلك
يعتمد التجويز كمبدا، كقانون عام يؤسس منهجه
في التفكير
ورؤيته للعالم. وبتعبير مكثف فان العقل العربي هو
عقل فقهي
غيبي سلفي. ان المسلمين تاءخروا... حين بدا العقل
عندهم
يقدم استقالته.. في حين بداالاوروبيون يتقدمون
عندما بدا
العقل عندهم يستيقظ ويسائل نفسه. فالراسمالية هي
بنت
العقل.
في هذه اللمعة الايديولوجية يكشف الجابري عن حقيقة
وجهه كناقد تلبس القناع الابستمولوجي ليوجه سفينة
العقل
الى شواط ىء الغرب، وهو قد فعل ما قام به من
تفكيك لاواصر
العقل العربي واوصاله، لينعي هذا العقل ويترك
منفذا وحيدا
للماءزق الذي صنعه بيديه، وهو الاتجاه ناحية
الغرب الاوروبي.
ويتضح هذا المنحى في الواقع من بداية مشروعه الذي
ارتكزالى خيار ثقافي ايديولوجي، بداه بتعريف العقل
عند
اندريه لالاند، ب اتآپ آپ .آ الفيلسوف الفرنسي
الذي اعتنى بدراسة المصطلحات والعلوم المعجمية،
ولم يوضح
السبب الذي دعاه الى اختيار ((لالاند)) دون غيره،
ولماذا اغفل
تعريفات العقل في الفكر الفلسفي الاسلامي(() )،
الذي بلغ
مرحلة متقدمة على نموذج لالاند، القائل بوجود
عقلين لا عقل
واحد، العقل المكون (بكسر الواو) او الفاعل،
والعقل المكون
(بفتح الواو) اوالسائد. ونكتشف ان العقل الفاعل هو ((الملكة التي يستطيع بهاكل
انسان ان يستخرج من ادراك العلاقات بين الاشياء مبادىء،كلية وضرورية وهي واحدة عند
جميع
الناس اما العقل السائدفهو ((مجموع المبادىء
والقواعد التي
نعتمدها في استدلالاتنا)).
ولا يخفي الجابري اغراضه حين يعالج العلوم العربية
التي
يطلق عليها اسم البرهان، ونجد بدايتها في المشرق
عند
الكندي ت(866.م) والى حد ما عند الفارابي ت (950.م)رغم
تاءثره بالافلاطونية المحدثة الا ان الازدهار
الحقيقي لهذا
النظام المعرفي قد تحقق كما يذهب الجابري في
الاندلس
والمغرب،ولهذا فهو يرى ان الازدهار البرهاني
في المغرب يمثل
زمناثقافيا آخر، مختلفا عن الزمن الثقافي في
المشرق. لقد
قامت الدولة الاموية في الاندلس عام 139ه. وكان لها
خصمان تاريخيان كما يقول الجابري:
الخلافة العباسية
والخلافة الفاطمية. وتقوم كل منهما على
ايديولوجية مختلفة
عن الاخرى.فالاولى سنية والثانية شيعية. ولهذا كان
لا بد من
البحث عن ايديولوجية اخرى. وبما ان
النظم المعرفية
المتناقضة في الثقافة العربية آنذاك كانت ثلاثة
هي البيان،
والعرفان،والبرهان، وبما انه ليس بالامكان اضافة
نظام معرفي
آخر فان عملية التجاوز المطلوبة كان لا بد
ان تبحث لها عن
طريق جديدفي التعامل مع هذه النظم المعرفية.
كانت ظاهرية ابن حزم (ت 1064.م) ذات الطابع
العقلاني النقدي على حد تعبير الجابري بمثابة
اعلان نضالي
للمشروع الايديولوجي الذي يختمر في الاندلس ليكون
السلاح الفطري الذي تواجه به الدولة الاموية
خصميها
التاءريخيين: الفاطميين في القاهرة والعباسيين في
بغداد
اراد ابن حزم ان يؤسس البيان تاءسيسا منطقيا
يقينيا، اي على
البرهان وكان خطاب ابن تومرت ودولته الموحدية
التجسيد
لهذا الزمن الثقافي البرهاني الجديد، وكان يتمثل
ذلك في
رفض مبدا قياس الغائب على الشاهد، وفي الدعوة الى
ترك التقليد والعودة الى الاصول والاستناد الى
الاستدلال
المنطقي الارسط ي. كانت بداية جديدة كما يقول
الجابري
للعقل العربي. بدات بابن حزم وتواصلت مع الشاطبي
وابن
باجة وابن رشد وابن خلدون، ولكن ما ان اكتمل
تاءسيس هذه
المرحلة الجديدة من الزمن الثقافي العربي التي
كانت تتسم
بنظام معرفي هو نظام ((المعقول العقلي)) حتى انطفاء
شعاعهاواخذ يسود عصر الانحطاطواللاعقلانية، اي
استقالة
العقل. ويعود الجابري لينعي هذا التيارمشيرا الى ان
ثمرات
شجرته اينعت في الغرب، في توكيد على قبلة الغرب
الاوروبي.يقول: ((غير ان هذا الاتجاه التجديدي الذي
عرفته
الاندلس والمغرب والذي بقي لمدة تزيد على
ثلاثة قرون،
يغالب ذلك التيار الجارف، تيار التداخل
التلفيقي المكرس
للتقليدفي عالم البيان وللظلامية في عالم
العرفان وللشكلية
في عالم البرهان. اقول: ان هذا الاتجاه التجديدي
قدبقي يتيما
في عصره. لقد كان بمثابة لهيب الشمعة الذي
يتوهج لحظة انطفائها. ان رياح التاريخ، تاريخ
العلم وتاريخ
التقدم كانت قد تحولت الى اوروبا، فبقي العقل
العربي
محكومابالسلطات نفسها التي افرزتها عملية البناء
الثقافي
العام التي شهدها عصر التدوين والتي كرستها ك
(بنية محصلة)
عملية التداخل التلفيقي التي دشنها الغزالي (ت
1111.م)
واكتملت مع الرازي (ت 1209.م) ولا زال مفعولها
قائماحتى اليوم.
ان دراسة اطروحات الجابري وتبيان تهافتها تستلزم
نقد ما
اصله في نقده للعقل العربي والذي بدا مع كتابه
((نحن
والتراث 1980)وحتى كتاب ((العقل السياسي
العربي محدداته وتجلياته ط 1990). عقد من السنين
امضاه
الجابري في متابعة مشروعه، وهو كما يظهر ناقد طموح
يواصل
ابحاثه في حقل التراث (صدر له كتاب التراث
والحداثة 1991)
وفق قاعدة ينطلق منها لتغيير بنية التفكير العربي
الراهن،
بتوجيهها الى جهة الغرب الاوروبي، متكئا على
المنهج
الابستمولوجي في تحليله لجوانب التراث:
اللغوية والفقهية
والكلامية والفلسفية.ويرى اكثر الناظرين في مشروع
الجابري،
ان استخدام المنهج الابستمولوجي محاولة غير
مسبوقة واضافة
غنية الى منهاج البحث في الفكرالعربي، وقد نال
عليها الجابري
شهرة واسعة،حتى بات من الصعب تخليص المثقفين
والمشتغلين في ابحاث التراث والفلسفة، من الوقوع
تحت
تاءثيره دون مواجهته بعمل نقدي يكشف عن
التناقضات التي
تنخر منهجه، وعن تهافت النتائج التي توصل اليها.
لقد شعر
كثير من الباحثين المعاصرين في قضايا التراث،
بخطر النتائج
التي توصل اليهاالجابري ومخاطرها، على مستقبل
الدراسات
الفلسفية الاسلامية بشكل خاص، وعلى مباحث التراث
بشكل
عام. وواجهوا مشروعه النقدي بمجموعة ملاحظات
متفرقة،تكشف عن نقاط ضعف رئيسية في البناء العام،
لكنها لم
تستطع ان تحفر في العمق،لتكشف عن الاساس الباطل
لبنيان
متصدع، ما ان يقوم بناء قوي متماسك قبالته، حتى
ينهارمن
تلقاء نفسه. وهذا يتحصل بكتابة تناظر كتابة
الجابري وتكشف
بطلان نتائجها. ونحن نجد ان هذا المشروع يمكن ان
يتحقق
وفق ما ياءتي:
1- تناول مشروع الجابري، في نقد العقل العربي، بعمل
نقدي
لايكتفي باثارة الملاحظات، والرد على جانب هنا
ومساءلة
هناك،بل يتابعه في قواعده المنهجية التي اصلها
في((تكوين
العقل العربي)) وفي دراستها وفق الاليات التي تحدد
النظم
المعرفية للعلوم العربية في كتابه ((بنية العقل
العربي))، وهو
عمل يتناول المنهج ومصاديق تطبيقه. لقد وقع بعض
الباحثين
كما ذكرنا على ثغرات في منهج الجابري وآخرون على
مشكلات في تطبيق لالية المنهج على النظم
المعرفية، لكن
تلك الاعمال ظهرت هوامش عابرة على متن قوي في
ظاهره،
فيما متابعة هذا المتن في بنيته الداخلية تكشف
بطلانه.
وساءسوق، في هذا المبحث،عدة اشارات وهي تبقى في كل
الاحوال ملاحظات نقدية تعين على المراد منها.
النظر في مطابقة منهج الجابري للدرس
الابستمولوجي.ومتابعته حتى ابعد مصادره، لتبيان
مدى صدق
المنهج مع تطبيقاته. والعمل بعدها على البحث في
صلاحية
هذاالمنهج لدراسة التراث العربي الاسلامي. وقد
ادرك هذه
الناحية كل من الدكتور طه عبد الرحمن في كتابه
((تجديد
المنهج في تقويم التراث)) خالصا الى ان نموذج
الجابري في
تقديم التراث يقع في تعارضين اثنين احدهما:
التعارض بين
القول بالنظرة الشمولية والعمل بالنظرة
التجزيئية والثاني
التعارض بين الدعوة الى النظر في الاليات وبين
العمل بالنظر
في مضامين الخطابي التراثي في الاليات... وان عدم
وقوف
الجابري على دقائق الاليات المنقولة التي
استعملها في
نموذجه التقويمي،افضى به الى اتخاذ مسلك
في تجزىء التراث
يخل اخلالابالمقتضيات التقنية والشروط الاجرائية
لهذه
الاليات... وانه كلما زادت الاجزاء في هذا الجانب
او ذاك من
التراث، زادت معها امكانات اقامة المماثلات
بينها، والعكس
بالعكس، فكلمااتجهت هذه الاجزاء الى الاجتماع فيما
بينها،
تناقصت الامكانات التمثيلية فيها. وقد اقتبس
الجابري وسائل
فوقية متعددة من مجالات ثقافية غربية مختلفة: فقه
العلم
التكويني (بياجيه) وفقه العلم العقلاني (لالاند،
وباشلار)
والبنيوية وفلسفة التاريخ الهيجلية والماركسية.
ورغم ذلك
فقد ظهر التصورالعلمي الارقى للعقل الذي يدعي
الجابري
تحصيله والتوسل به في بناءنظرية للعقل العربي
مدخول من
جانبين اثنين:
ا) تقادم دراسات فقه العلم او (الابستمولوجيا) التي
استند اليها.
ب) فساد فهمه لبعض نواحي هذا العلم.
ويرى محمود امين العالم، في ملاحظاته المنهجية على
نقدالجابري، ان الاشكالية التي يثيرها هذا النقد
هي
منهجه نفسه الذي يتمثل في الاقتصار على
التحليل المعرفي(الابستمولوجي) في نقده للعقل
العربي وفي
الدعوة الى تجديده.. ان استخدام هذا المنهج فضيلة،
ولكن هذه
الفضيلة هي نقطة القصور في هذا العمل النقدي،
فهذاالتحليل الابستمولوجي لا يقوم مفصولا ومنبثا
عن الجذور
والاسس التاريخية لهذا الفكر فحسب، وانما يمتد
هذا التحليل
ليصبح سندا ومرتكزا لاصدار حكم عام قاطع
على العقل العربي
كله. ان التحليل الابستمولوجي لوقائع الفكر عملية
بالغة
الاهمية بغيرشك، ولكن الاقتصار عليها ثم اصدار حكم
شامل
تاءسيسا عليهاوحدها، يسقط هذا الحكم في ما يمكن ان
نسميه
بالنزعة الابستمولوجية، التي لا تفضي الى قصور
هذا الحكم
عن الاحاطة بحقائق الواقع الثقافي والحياتي فحسب،
بل
الى القصور كذلك في منهج هذاالواقع، وتجديده، بل
الى
قصورفي الرؤية العقلانية النقدية عامة.
ويثير جورج طرابيشي، في كتابه ((مذبحة التراث
في الثقافة العربية المعاصرة))، مسائل مشابهة يرى
فيها انه
على الرغم من ان الابستمولوجيا هي في الاساس
منهج مضادللاختزال فان محلل العقل العربي يفاجئنا
باءن هذا
العقل يرتدعنده الى تعبيره العقلي، فكاءن العقل لا
موضوع له
سوى المعقولات. وكاءن اللغة الوحيدة للعقل هي لغة
النثرالعقلي،وكاءن (اللاعقل) لا يؤلف جزءا مقوما من
((العقل)).
وعلى هذاالنحو يستبعد محلل العقل العربي من حقل
تحليله
كل التعابيراللاعقلية عن هذا العقل. يستبعد اولا
الشعرلان
الشعر عنده لغة الحساسية والوجدان، وهذان في
تقديره لا
يدخلان في عدادالعقل، ولا يمكن ان يمثلا احد اشكال
تجلياته،
ويستبعد ثانيا النثرالفني، لان هذا الاخير
لغة الخيال، والخيال
عنده ملكة مفارقه للعقل، بل مضادة له. ويستبعد
ثالثا واخيرا
النثر العلمي، لان لغة العلم، سواء اكان علم
التاريخ او علم
الطب، هي لغة وقائع وعيانيات، بينما لغة العقل هي
تحديدا
وحصرا لغة المعقولات والمجردات... لم يستشهد
الجابري ببيت
شعر واحد، وعرض بازراء لاثر مثل (الف ليلة وليلة))
وبصمت
مطبق للمقامات وقصص اهل الكديه وامثال العرب
وخطبهم
واخبارهم وايامهم ووصاياهم ورسائلهم... وحتى عندما
تناول
بالدراسة والتحليل مؤرخا مثل ابن خلدون فانه
يتناوله
كفيلسوف لا كمؤرخ ولايعني الا بتجديد موقفه من
العقل
وعلوم العقل... ومع ان عقلا حضارياكبيرا مثل العقل
العربي هو
بالضرورة عقل كلي، اي عقل كان مقيضا له ان يعبر عن
نفسه
تعبيرا متساويااو شبه متساو، في كل المجالات التي
تسنى له ان
يبني نفسه فيها بحيث كان يستحيل فعل مفهوم هذا
العقل
لذاته عن مفهومه للعلم. ان الجابري لايجد حرجا لا في
فصل(العقل العقلي) عن (العقل اللاعقلي) في العقل
العربي
فحسب، بل كذلك في فصل العقل النظري عن العقل
العملي
والعقل المعرفي عن العقل العلمي. وعلى هذاالنحو
اباح الجابري
لنفسه ان يقرا ((الشفاء)) لابن سينا من دون ان يقرا
((القانون
في الطب)) وان يصدر على الفيلسوف حكما قاطعاجازما
باءنه
((رائد لعقلانية ظلامية قاتلة)) من دون ان يرى في
مثل هذا
الحكم تناقضا مع الممارسة العلمية لابن سينا بوصفه
واحدامن
كبار اطباء عصره. وعلى هذا النحو فحسب اباح
الجابري لنفسه
ان يخرق القاعدة الابستمولوجية الذهبية التي
ترفض منطق
((من جهة اولى... ومن جهة ثانية) وتشترط رد التنوع
اوحتى
التناقض الى الوحدة.
ان البحث عن الاصول المنهجية لنقد الجابري يبدا في
دراسة مراحل ازدهار ((الابستمولوجيا)) بالمغرب
العربي في
اوائل السبعينات في حماءة انشغال المشتغلين في
الفلسفة باعادية الجدلية والتاريخية، والاعتقاد
باءنها علم.
ولذلك تقبلوا بسهولة دراسات كل من كيدروف سرزححپ
وفاطلييف Fataliev وغيرهما من المهتمين
الماركسيين
(السوفيات)بقضايا المنطق والمعرفة العلمية. وقد
ساعد على
ذلك اطراء ابستمولوجيي الغرب لهذه الدراسات، كما
فعل
المفكر السويسري جان بياجيه(J. Piaget ) وغيره.
وقد كرست مجلة ابحاث دولية (Recherhe
Internationales) الفرنسية اهم اعدادها لققضايا
الابستمولوجية القطاعية كالفيزياء والبيولوجيا
مؤكدة رحابة
صدر المادية الجدلية لاسيتعابها. ثم تطورت
المسالة لصالح
الابستمولوجيا مع مؤلفات روبير بلانشي ( R. Blanche ) التي
نبهت الى اهمية كل من باشلار
(Bachelard ) وكويري(Koyre
A ) وجعل ذلك بموازاة ابحاث التوسير ( altusser.L )
حول
الماركسية وكذلك ابحاث جان كافييه (J. Cavailles)
ومن
بعد ما بلوره تلميذ التوسير لوتور(D. letourt ) وقد
مثلت ابحاث
هؤلاء مادة اغلب المقاات التي بدات بالظهور في مجلة
((اقلام)) المغربية وقد ابنثقت من التحريض الذي
مارسته هذه
الابستمولوجية والاشكاليات المترتبة عنه: كعلاقة
العلم
بالايديولوجية، ومفهوم الممارسة، والاستلاب،
وعلاقة العلم
بالفلسفة،.. ومفهوم البنية، والبنيوية عند ليفي -
ستروس -
ويمكن اعتباركتاب الجابري ((مدخل الى فلسفة العلوم))
نموذجا لهذا الخضم، ويعتبر الجزء الثاني من التاب
نسخا لكتاب
بلانشيه (R. bBlanche ) المنهج strauss.
التجريبى. .)). فهو يقتفي آثاره ويحذو حذوه الى حد ان
النصوص التي ضمها الكتاب، في القسم المخصص لنصوص هي
في اغلبها، ان لم نقل كلها، نفس النصوص التي احتوى
عليها
كتاب بلانشى (Blanche ). في مقدمة كتاب الجابري
توكيد
على ما تكتسيه الدراسات الابستمولوجية من اهمية
بالغة
جعلت منها الميدان الرئيسي الذي يستقطب الابحاث
الفلسفية
في القرن العشرين، وتحسرا، في نفس الوقت، على تخلف
الدراسات الفلسفية في الوطن العربي عن ركب
مثيلاتها في
الغرب.
ويكن القول ان حضور تلك الرؤيا هو ما يؤسس التعامل
الوظيفي والفرضي الايديولوجي مع الابستمولوجية،
يتجلى
ذلك في الكيفية التي يجمع بها الجابري بين
اهتمامه الاصلي
بالفلسفة الاسلامية وانشغاله بفلسفة العلوم. آنها
تقوم اساسا
على اعتبار ان هذه الاخيرة تمدنا بمفاهيم وادوات
اجرائية
تساعد على قراءة التراث قراءة معاصرة.فالدراسة
التي ساهم بها
الجابري في ((ندوة ابن رشد ومدرسته في الغرب
الاسلامي))
سنة 1978 استخدمت مفهوم ((القطعية الابستمولوجية))
بغرض اثبات ان ابن رشد كان اكثرتقدما من سائر.
فلاسفة
الشرق، وبذلك فهو ينجز قطيعة معرفية معهم. ان فتنة
المفهوم واغراءه، جعلت الجابري في توظيفه له، لا
يستاءل عن
مدلوله الابستمولوجي الحقيقي ولاحتى عن حدوده
الاجرائية
وعن مجال انطباقه، فقد اجتثت من ميدان انطباقه
اجتثاثا
ليزرع في تربه غريبة عنه من دون مراعهاة لتلون
الموضوع.
وكل المصاعب التي اعترضت الفكرة والانتقادات التي
وجهت
لها كان مصدرها هذا التوظيف (الايديولوجي)
للابستمولوجية.
يقول: د. سالم يفوت ان محدودية الابستمولوجية،
بمعناها
الضيق. ..وعجزها عن استيعاب القضايا التراثية لم
يمكنها من
الحضور في هذا المشروع التوظيفي الفرضي لها. فقد
استلهمت دون التزام بها بقضها وقضيضها. ذلك ان
الموضوع
المتناول كان يطرح حدودا لها. هذا فضلا عن ((اللغة
الايديولوجية)) التي رفاقت البحث الابستمولوجى في
المغرب
منذ نعومة اظفاره.. وايضا من العوائض التي حالت دون
تقدم
البحث الابستمولوجي في المغرب اهتمامه الاكثر
بالابستمولوجية الفرنسية دون غيرها وعدم الانفتاح
على ما
يجري في العالم الانغلوسكسوني الى جانب العاتق
الايديولوجي
الذي يلزم الابستمولوجية ان تتحول الى مجرد تقنية
في خدمة
خيارات فلسفية او غيرها. وكذلك العائق التعميمي
الذي
يحول، عن وعي، او من دون وعي، الابستمولوجية
الى((مقال
في المنهج)) او ((خطاب في الطرييقة)) بالمعنى
الديكارتي،
خطاب جاهز في غيبة التاريخ العقلي للعلوم، فتغدو
كانها
نظرية العلم على الاطلاق ونظرية المعرفة
العلمية ايا كانت هذه
المعرفة تستجلب لفك الغاز هذه الاخيرة ولاقتحام
مجاهلها.
ان كافة هذه العوائق لها صلة بانحصار افق البحث
الابستمولوجي لدينا خصوصا، مع المتفلسفة، في ما
تطرحه
الابستمولوجية الفرنسية من قضايا..)).
لقد استخدم الجابري مفاهيم الابستمولوجيا، مثل:
((القطعية)) و ((الزمن الثقافي)) و ((فقه العلم
التكويني))، و
((العقلاني)) وغيرها، ليجعل منها ثوبا يعمد الى
تقطيع معارف
وعلوم التراث لتكون على قياسه، ولذلك وقع في
انتقائية
صريحة، وكان ضحية افكار مسبقة، ستتضح لنا عند
متابعة
دراسة مشروعه النقدي. ان عقل الجابري النقدي مزدوج،
يوظف الابستمولوجية في خدمة الحد المزدوج، واكدوا
على
اعتباره حجابا وقديا وعلى عجزه عن بلوغ الحقائق فقد
ابرز
جلال الدين الرومى (ت 1273). بوضوح صارخ الفرق
بين الفكر
(العقل الجزئي) (والعقل الكلي) حيث قال:
هذا الفكر هو الذي شوه سمعة العقل.
ونحن نوافق الرومي، ونقول ان المحصلة العامة لفكر
الجابري
النقدي قد شوهت، في واقع الامر، سمعة
الابستمولوجيا.
تاريخ الفرق والمذاهب تاءملات في
المنهج السائد
السيد محمد الحسيني
-1-
تتصدر قائمة مصادر البحث ومراجعه في
الفرق الاسلامية عدة
كتب متداولة ومشهورة، قد يكون من اهمها ماكتبه شيخ
الاشاعرة ومنظر مذهبهم ابو الحسن علي
بن اسماعيل الاشعري
(المتوفى عام 330ه) بعنوان ((مقالات
الاسلاميين واختلاف
المصلين))، وما كتبه ابو الحسين محمد بن احمد بن
عبدالرحمن المي الشافعي (المتوفى عام 377ه)
بعنوان((التنبيه والرد على اهل الاهواء والبدع))،
وما كتبه
الشيخ عبدالقاهر بن طاهر بن محمد الشافعي البغدادي
الاسفراييني(المتوفى عام 429ه) في كتابه ((الفرق
بين الفرق)) . وقد يكون الاشهر بين هذه الكتب
والمصنفات في
الفرق الاسلامية كتاب((الملل والنحل)) لابي الفتح
محمد بن
عبد الكريم الشهرستاني(المتوفى عام 548ه)، وقداعتمد
كثيرا
على كتاب ((الفرق بين الفرق)) للبغدادي، فيما كتب
تلميذ
الاخير ابو المظفرالاسفراييني (المتوفى عام 471ه)
كتابه
((التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية
عن الفرق الهالكة))
على مثل ما كتبه الشيخ الاستاذ بنحو لا يبدو اي فرق
بينهما،
من حيث الشكل اوالمضمون. ولا يقل عما ذكرناه ما كتبه
ابو
محمد علي بن احمد بن حزم الظاهري(المتوفى عام 456ه)
بعنوان ((الفصل في الملل والاهواء والنحل)).
ولئن تباينت المصنفات المشار اليها من حيث اللغة
والاسلوب
تبعالمؤلفيها، فقد اشتركت من حيث المنهج والمنطلق،
لتاءخذ طابعاواحدا لا تفارقه، وسمتا لا تحيد عنه.
وعلى المستوى العلمي، لا يعد ظهور هذه المصنفات
مؤشراخطيرا في الحياة الاسلامية، فانه من الطبيعي
جدا ان
يعمدرجال الفكر الاسلامي على اختلاف
مناهجهم ومذاهبهم ومشاربهم الى تسجيل الخطوط
العامة
والرؤى الاساسية لهذه المذاهب، والدفاع عن بعضها
وتسجيل
الملاحظات على الراي الاخر منها، وهو امر وصفناه
بالطبيعي انطلاقا من طبيعة الاشياء،ومدى تطابق
وجهات
النظر واختلافها بين الناس، في المذهب الواحد
فضلا عن
المذاهب المتعددة، اذ لا تكاد تعثر على
اثنين يتطابقان في
الرؤية والفكر، وان انتميا الى مذهب واحد
ومنهج واحد.
انما نشاءت الخطورة من الاتجاه الذي اتخذه هذا
العلم اعني
علم الفرق والمذاهب انطلاقا من الحديث النبوي
المشهور
((..لتفترقن امتي على ثلاث وسبعين، فواحدة في
الجنة واثنتان وسبعون في النار))، والذي تلقاه
بعض
المسلمين بالقبول بغض النظر عن سنده ومضمونه.
والحديث المشار اليه ورد بصيغ مختلفة، لا تخلو من
تضارب في احيان كثيرة، الى درجة حاول معها بعض
العلماء
الجمع بينهاورفع وجوه التنافي.
قال رسول اللّه(ص): ((تفرقت بنو اسرائيل عن اثنتين
وسبعين فرقة، وكل ما افترقت عليه بنو اسرائيل في
النار الا
واحدة يقول ذلك ثلاث مرات قالوا: يا رسول اللّه ومن
الواحدة؟قال: الفرقة الناجية المتمسكة بالكتاب
والرسول)).
((تفرقت اليهود على احدى وسبعين او اثنتين وسبعين
فرقة،والنصارى مثل ذلك وتفترق امتي على ثلاث
وسبعين
فرقة)).
((تفترق هذه الامة على بضع وسبعين فرقة اني اعلم
احداها:الجماعة)).
((افترقت اليهود على احدى وسبعين فرقة فواحدة في
الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على
اثنتين
وسبعين فرقة فاحدى وسبعون في النار وواحدة في
الجنة،
والذي نفس محمدبيده لتفترقن امتي على ثلاث وسبعين
فواحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار)).
((... قالوا يا رسول اللّه ومن الواحدة؟ قال:
الجماعة)).
((... قالوا يا رسول اللّه ومن الواحدة؟ قال:
الجماعات الجماعات)).
((... قالوا يا رسول اللّه ومن الواحدة؟ قال: ما انا
عليه واصحابي)).
((... قالوا يا رسول اللّه ومن الواحدة؟ قال: الاسلام
وجماعتهم)).
((... قالوا يا رسول اللّه ومن الواحدة؟ قال: السواد
الاعظم)).
((ستفترق امتي على بضع وسبعين فرقة كلها في الجنة
الاواحدة)).
وان اشتركت الصيغ المتقدمة ما قبل الاخيرة في
الاشارة
الى نجاة فرقة واحدة وهلاك الفرق الباقية، فقد
عكست
الصيغة الاخيرة الامر لتشير الى نجاة الفرق
جميعها عدا
فرقة واحدة.
تعارض الصيغ المشار اليها فضلا عن الاسانيد مع
خطورة المضمون حدد موقف رجال الفكر الاسلامي، بين
مؤيدمتحمس، وآخر معارض متوجس، فقد صححه
قوم وانكره آخرون، وتاءوله فريق ثالث.
ومهما يكن من امر، فقد تلقى عدد كبير من علماء
الاسلام الحديث المشار اليه هكذا مع الرغم من انه
يؤسس
لتقسيم الامة الاسلامية وتفتيت وحدتها و(تلغيم)
وجودها،
بل سعت كل فرقة الى (التخندق) وراءه للنيل من
الفرق
الاخرى. واتهامها بالكفروالخروج على الاسلام، وان
اختلف
(التخندق) من فرقة الى اخرى.
ويلاحظ في هذا الصدد عدم عناية الشيعة بهذا الحديث
الذي عني به الاشاعرة والمعتزلة والزيدية، وقد
يكون ذلك
راجعاالى عدم وفرة طرق الحديث عندهم من
جهة،ومعاناتهم
الدائمة في الدفاع عن انفسهم امام جبروت خصومهم
ومحاولاتهم لدرءاتهاماتهم القاضية باخراجهم من
الاسلام، وقد
جعلت هذه المعاناة المركز الاجتماعي
للشيعة ضعيفا للغاية لا
تؤهله لاتهام الاخرين بالكفر، كما هو عليه الحال
في ما تمارسه
الفرق الاخرى القابضة على زمام الامور، وفي حماية
السلطان
في كثير من الاحيان. نعم ذكره العلامة المجلسي في
موسوعته
((بحارالانوار)) بطرق مختلفة اكثرها من طرق غير
الشيعة، فيمااقتصر الشيخ الصدوق على ذكر حديثين
فقط في
كتابه((الخصال)) . لكنهم في خضم الجدل السائد في
تفسيرالحديث وتحديد الفرقة الناجية افادوا من
روايات
خصومهم لتاءكيد احقيتهم وصواب طريقتهم.
وليس الربط بين علم الفرق والحديث المشهور مجرد
تحليل
اومقولة مكتشفة، بقدر ما هو اعني الربط واضح وصريح،
فقد
كرسه ارباب العلم المذكور انفسهم وبعناية
فائقة،وفي ديباجة
كل كتاب من هذه الكتب في احيان كثيرة.
قال البغدادي: ((ساءلتم اسعدكم اللّه بمطلوبكم شرح
معنى
الخبرالماءثور عن النبي(ص) في افتراق الامة ثلاثا
وسبعين
فرقة منها واحدة ناجية تصير الى جنة عالية،
وبواقيهاعادية
تصير الى الهاوية والنار الحامية، وطلبتم الفرق
بين الفرقة
الناجية التي لايزل بها القدم، ولا تزول عنها
النعم، وبين فرق
الضلال الذين يرون ظلام الظلم نورا، واعتقاد
الحق ثبورا،
وسيصلون سعيرا،ولا يجدون من اللّه نصيرا، فرايت ان
اسعفكم
بمطلوبكم من الواجب في ابانة الدين القويم
والصراط
المستقيم، وتمييزها من الاهواء المنكوسة
والاراءالمعكوسة..)).
وكذلك فعل الاسفراييني في مقدمة كتابه ((التبصير في
الدين))الذي حمل عنوانه مهمة تعيين الفرقة الناجية
في
اشارة واضحة الى حديث الافتراق. قال ((.. فاءردت ان
اجمع
كتابافارقا بين الفريقين، جامعا بين وصف الحق
وخاصيته،
والاشارة الى حججه، ووصف الباطل وشبهه، ليزداد
المطلع
عليه استيقانا في دينه وتحقيقا في يقينه، فلا ينفذ
عليه تلبيس
المبطلين، ولاتدليس المخالفين للدين)).
ومثلهما الشهرستاني في ((الملل والنحل))وقبلهم
الاشعري في تعداده للفرق وختمه الحديث عن الفرقة
الناجية
عنده وهي اهل السنة والجماعة. فيما ظلت
الكتب الاخرى
اسيرة المنهج نفسه، وان لم تصرح احيانا بذلك الربط
الصارم،
وذلك يظهر ايما ظهور في الرغبة العارمة التي تدفع
(المؤلف)
الى الوصول بالفرق الاسلامية الى الرقم(73) وان كان
بتكلف وتعسف شديدين.
وهاهنا تكمن المفارقة الى حد تبدو ملاحظة بعض
المستشرقين جديرة بالتاءمل اذ كان ((يتوقع من
العلماء
المسلمين ان يحاولواالتقليل من عدد الفرق وان لا
يستفيضوا
في الحديث عنها، ولكننانجد عكس ذلك تماما،
فالمؤلفون
الذي اشرنا اليهم (كذا)ضخموا عدد تلك الفرق)) قال
مونتغمري وات. وهو على حق، اذ كان يفترض في
المسلمين والعلماء خاصة وفقا لتعاليم الاسلام ان
لا يطردوا عن
حياضه من يعلن اسلامه ويرددالشهادتين فضلا عمن
اسهم في
الدفاع عنه بنحو من الانحاء،وباءي شكل من الاشكال.
ليس الحديث وحده يدفع تجاه هذه المفارقة. الذهنية
السائدة كانت هي المسؤول الاكبر في هذا الصدد، اذ
كان يمكن
للذهنية هذه، وان صح الحديث ان تعمد للتاءويل
وطالماتاءول
الجمهور اوالتفتيش عن دلالات اكثر انسجاما مع
الروح
الاسلامية، لكن المساءلة كانت على نحو آخر تماما،
وكاءن هدفا
ما وراء الكواليس يدفع الى مهاجمة الاخر
بقوة،لتمزيقه واخراجه
من الدائرة،منبوذا مطرودا مشردا.. لانه خرج على
الطاعة، لانه
يود ان يناقش، ان يصرخ باءعلى صوته، وكل ذلك لا بد
من ان
يكون بمرسوم اشبه ما يكون(بفتاوى جاهزة) في خدمة
السلطان.وذلك يلقي بظلال الشك والريبة ليشير الى ان
ظهور
هذاالحديث انما تم في ظل ظروف كانت السلطة تسعى
جاهدة لتثبت به نجاتها ونجاة مؤيديها، ولتؤكد
ايضا ضلال
معارضيهاوهلاكهم جميعا دونما استثناء.
-2-
تركت هذه الخلفية العقيدية والنفسية بصماتها واضحة
في مناهج كتاب الفرق والمذاهب، ووسمت لغتهم
واسلوبهم
بطابع مليء بالمفارقات، فضلا عن مجافاة العلمية
والامانة والنزاهة،اقول ذلك ليس بدافع التهجم على
علماء
تشهد لهم المكتبة الاسلامية بالاسهام الكبير
والغنى المعرفي
الضخم، ولا بداعي التندر ايضا وانما هو نابع من
نفس
تستشعرالحزن والاسى وهي تنظر الى تراث ضخم كان
يمكن ان
يكون اكثر نزاهة ودقة لو قدرله ان يتخذ مسارا غير
المسار
الذي يبدو.
ويمكن تحديد السمات الرئيسية للخطاب السائد عن
كتاب
الفرق والمذاهب بما يلي:
اولا: يتسم خطابهم بالاحادية او الفردية اذ ينزع
(المؤرخ)
الى تكريس التمزق والتفرق، ورميه الاخر بالكفر
والخروج
على الدين (الاسلام)، ثم استثناء فرقته او مذهبه
من الزيغ والانحراف. وتاءتي نتائج الابحاث في
الغالب مسبقة
ومعروفة سلفا، اذ ما دام الاخر يمثل الخارج عن
الاسلام، في
فكره الدخيل وعقيدته الضالة المستنسخة عن
مصادراجنبية
يهودية(كما في دعوى تاءثيرات عبداللّه بن سباء) او
غيرها، فهو
بالتاءكيدالصورة الحقيقية للهالك المبشر له
بالنار. ولعل الاكثر
غرابة في الامر ان يكون المستثنى اي الهالك
والضال هو الاكثر
عددا فيمايكون الناجي واحدا على الدوام.
هذه الاحادية تدفع البحث دائما الى هجوم صارخ، ولغة
عنيفة،واسلوب حاد، ولذلك تكون مهمة الباحث هنا
مهمة
(الادعاء)،وهي مهمة تختزن الاتهام والنفي والفضح.
يقول البغدادي بعد حديثه عن سبب تاءليف كتابه
((الفرق
بين الفرق)): ((.. فاءودعت مطلوبكم مضمون هذا الكتاب،
وقسمت مضمونه خمسة ابواب هذه ترجمتها:
باب: في بيان الحديث الماءثور في افتراق الامة
ثلاثا
وسبعين فرقة.
باب: في بيان فرق الامة على الجملة ومن ليس منها على
الجملة.
باب: في فضائح كل فرقة من فرق الاهواء الضالة.
باب: في بيان الفرق التي انتسبت الى الاسلام وليست
منها.
باب: في بيان الفرقة الناجية وتحقيق نجاتها وبيان
محاسن دينه..)).
وتبعه على ذلك الاسفراييني، حيث عقد خمسة عشر بابا
جامعااوصاف عقائد اهل الدين، وفضائح اهل الزيغ
والملحدين..
وقدجعل كل باب من هذه الابواب لبيان فضائح هذه
الفرق
والباب الخامس عشر في بيان اعتقاد اهل السنة
والجماعة
وبيان ما لهم من المفاخر والمحاسن والاثار
في الدين).
ويشي كل من نصي البغدادي والاسفراييني بطبيعة
المهمة
التي تتلخص من جانب في الفضح، اي فضح الاخر،
والافتخار
بالانا من جانب آخر.
وتدعو هذه المهمة ذاتها ابن حزم الى تاءليف كتاب
لطيف
على حد وصفه للوفاء بهذا المطلب اذ يقول: ((.. وقد
اوضحنا
شنع جميع هذه الفرق في كتاب لنا لطيف اسمه
النصائح المنجية من الفضائح المخزية والقبائح
المردية من
اقوال اهل البدع من الفرق الاربع المعتزلة
والمرجئة
والخوارج والشيع..)).
ومن جهة اخرى يقول: ((واهل السنة الذين نذكرهم اهل
الحق ومن عداهم فاءهل البدعة فانهم الصحابة رض وكل
من
سلك نهجهم من خيار التابعين رحمة اللّه عليهم
ثم اصحاب
الحديث ومن اتبعهم من الفقهاء جيلا فجيلا الى
يومنا هذا، ومن
اقتدى بهم من العوام في شرق الارض وغربها)).
وقد ادرك بعض كتاب الفرق المفارقة في لغتهم العنيفة
وماتنطوي عليه ابحاثهم من نفي للاخر وابعاد عن ساحة
الاسلام، بمايؤدي الى ترتيب آثار جد مختلفة عما لو
كان الاخر
داخلا في الاسلام، فسعى الى تجزئة الاسلام وامة
الاسلام،
ليسلب الاسلام سلبا تاما تارة، او سلبا جزئيا تارة
اخرى، وفقا
لتصوره لمفهوم البدعة، التي قد تؤدي الى الكفركما
في البيانية
والمغيرية والخطابية ممن يدعي الالوهية والتناسخ
والحلول، او
تحليل نكاح البنت كما عن بعض مذاهب الخوارج كذا
وقد لا
تؤدي وذلك اذا ((كانت بدعته من جنس بدع المعتزلة او الخوارج اوالرافضة الامامية
او الزيدية او من بدع النجاريه او الجهمية اوالضرارية او المجسمة فهو من الامة في
بعض الاحكام، وهو جوازدفنه في مقابرالمسلمين وفي الا يمنع حظه من الفيء والغنيمة ان غزا مع المسلمين، وفي الا
يمنع من
الصلاة في المساجد،وليس من الامة في احكام سواها،
وذلك الا
تجوز الصلاة عليه،ولاخلفه، ولا تحل ذبيحته، ولا
نكاحه لامراة
سنية، ولا يحل للسني ان يتزوج المراة منهم اذا
كانت
على اعتقادهم)) ولاجل ذلك لا يتوانى الباقلاني في
رد
رواية الشيعي وعدم قبولها، فيحكم على كل شيعي
بعدم الوثاقة
وسلب العدالة.
وليس في الامر غرابة اذا قرانا ما يرويه الهندي في
((كنز
العمال))وعن علي عليه السلام بالذات انه قال: ((تفرقت
اليهود على احدى وسبعين فرقة والنصارى على
ثنتين وسبعين
فرقة وانتم على ثلاث وسبعين فرقة، وان من اضلها
واخبثها من
يتشيع اوالشيعة)).
ويبدو الامر اكثر خطورة مع الاسفراييني الذي يبرر
قتل
الاخر،وبالتحديد هنا الشيعي ((فيروي عن ابن عباس عن
علي
عن رسول اللّه انه قال: سيكون في آخر الزمان قوم
لهم نبذ يقال
لهم الروافض، يرفضون الاسلام، فاقتلوهم فانهم
مشركون.
وروى ايضا عن ابن عمر عن علي ان رسول اللّه(ص) قال:
يا علي
تكون انت في الجنة وشيعتك يكونون في الجنة،
وسيكون بعدي
قوم يدعون ولايتك يدعون الرافضة، فان وجدتهم
فاقتلهم
فانهم مشركون، فقال علي: وما علامتهم يا رسول
اللّه؟ فقال: لا
يكون لهم جمعة ولا جماعة ويشتمون ابا بكروعمر)).
وفي الوقت الذي يبدو فيه (الاخر) صورة قاتمة، تبدو
صورة(الانا) باءزهى ما تكون عليه من النقاء والصفاء
والوضوح والاستقامة والجد والاجتهاد والبراعة
والنزاهة. .
وقديكون الامر طبيعيا لان نفي الاخر وفقا لمنهج
حاد وعنيف
يستلزم تزيين(الانا) وتلميعه قدر الامكان، لتكون
المقارنة
واضحة والنتيجة معروفة سلفا. فلم ينس الاسفراييني
في خاتمة
كتابه بيان ما اسهم به علماء السنة والجماعة في
العلوم كلها
وخلو العلم في الفرق الاخرى (من روافض وغيرهم)، وان
كان
لهم في ذلك حظ فهوعبارة عن تكلف للاضلال.
اما شيخه البغدادي فيقول: ((ولم يكن بحمد اللّه ومنه
في الروافض و.. امام في الفقه ولا امام في رواية
الحديث ولا
امام في اللغة والنحو، ولا موثوق به في نقل
المغازي والسيروالتواريخ، ولا امام في الوعظ
والتذكير، ولا امام
في التاءويل والتفسير، وانما كان ائمة هذه العلوم
على الخصوص
والعموم من اهل السنة والجماعة)) .
ثانيا: السمة المشار اليها آنفا دفعت كتاب الفرق
والمذاهب
على تفاوت بينهم، الى التعامل مع موضوع بحثهم بفوقية مفرطة،حيث يظهر الاخر احمق
جاهلا صفيقا ضالا مشركاكافرا.. الى غيرذلك من الفاظ النبذ والشتم ولا يشعر (الباحث)
بشيء من الحرج والضيق، ما دام هذا الاخر
خارجا عن
الاطار الذي يمكن ان يحفظ له كرامته وحرمته.
وقراءة سريعة لكتاب ((الفصل)) لابن حزم كافية
لتاءكيد
هذه الملاحظة، خاصة، وهو يسرد فضائح (الشيعة) كذا
ويرد
عليهم(من فوق) ويسخف عقولهم، ويسمهم
بالالقاب المناسبة!
ولا اقلها(النوكى) التي كررها ابن حزم الفقيه في
حقهم مرات
عديدة.
ومن الطريف ان يصف ابو العباس بن العريف بن حزم
بقوله:((كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين)).
وانما قيل بحقه ذلك وغيره مما لا يستحق التتبع لا
لاجل
الوقيعة بالاخر، بقدر ما اوقع باءهل السنة انفسهم
ومشايخ الاشاعرة، بحيث لم يسلم من لسانه وقلمه
احد.
وقد يكون الاكثر طرافة في هذا المجال ما ينقله
الاسفراييني
من قصة الشيعة مع الجاحظ فيقول: ((..انهم راوا
الجاحظ
يتوسع في التصانيف، ويصنف لكل فريق، فقالت
له الروافض:
صنف لنا كتابا.فقال لهم: لست ادري لكم شبهة حتى ارتبها واتصرف فيها، فقالواله:
اذا دللتنا على شيء نتمسك
به، فقال:
لا ارى لكم وجها الاانكم اذا اردتم ان تقولواشيئا
مما تزعمونه
تقولون انه قول جعفربن محمد الصادق لا اعرف لكم
سببا
تستندون اليه غير هذاالكلام، فتمسكوا بحمقهم
وغباوتهم
بهذه السوءة التي دلهم عليها، وكلماارادوا ان
يختلقوا بدعة او
يخترعوا كذبة نسبوها الى ذلك السيد الصادق..)).
ولا غرابة فالتلميذ على سر استاذه البغدادي الذي
نفى ان
يكون في خصومه عالم او فاضل،وقد عاش معاصرا لجهابذة
الشيعة وغيرهم، ويتقدمهم الشيخ المفيد
المتوفى(عام 413ه).
ثالثا: وفي جو حافل بهذه الروح، ومشحون بالعنف
والصدام،يقبل كتاب الفرق على موضوع بحثهم لا بروح
المستفهم المستطلع، بل بروح المتهم، وقد فرغ من
صياغة
موقفه تجاه(الاخر) وفقا لقائمة الادعاء، دونما
اعادة نظر، وان
على مستوى الاحتمال حتى، لانه اي الاخر غير جدير
بالمراجعة
او اعادة النظر في اسسه الفكرية ومرتكزاته
العقيدية،وهل يملك
شيئامن المرتكزات او الاسس؟! وما دام كذلك فهو ليس
جديرابالمراجعة قطعا.
وفي ظل هذه الاجواء يسود نهج التشكيك والنفي
والاتهام
في قائمة قد تطول احيانا، وقد تقصر، تبعا للاخر،
وحسب
مركزه العقيدي والسياسي.
ومثالا على ذلك يمكن قراءة الفكر الشيعي في كتب الفرق، وقدتضم القائمة فقرات
طويلة، لكن نجتزىء باءقل ما
يمكن.
((والامامية سميت بذلك لجعلها امور الدين كلها
للامام
وانه كالنبي.. وسموا رافضة لرفضهم زيد بن علي وقيل
لتركهم
نصرة النفس الزكية... ويبطلون القياس والاجتهاد
واخبارالاحاد
ولايرون الخروج على الظلمة الا عند ظهوره يعني
الامام
..ومن اكابرهم هشام بن الحكم وغيره، ومما انفردوا
به القول
بالبداءوالرجعة، وان علم اللّه حادث، واطبقوا
الامن عصم اللّه
على الجبر والتشبيه)).
المنية للمرتضى، ص 21.
والهشامية اصحاب هشام بن الحكم الزنديق المفرط
في
التشبيه والتجسيم زعم ان اللّه بشبر نفسه خمسة
اشبار..
والزرارية اصحاب زرارة بن اعين قال بحدوث صفات
اللّه:
القدرة والعلم والحياة وسائر صفاته،
واليونسية اصحاب يونس
الذي يزعم ان الملائكة تحمل ربها،
والشيطانية اصحاب شيطان الطاق زعم ان اللّه لا يعلم الشيء حتى يكون.
المنية للمرتضى، ص 30 ص 31 (اللفظ للاول)
الملل والنحل، 1/104.
الفصل، 3/182
من زعم ان اللّه تعالى جسم كهشام بن الحكم وهشام
الجواليقي
وجل الروافض الا من اختلط منهم بالمعتزلة.. واول من
تجاسر
على اظهار هذا القول هشام بن الحكم، وكان متهما في
دينه،ومجموع قوله في التجسيم وحدوث العلم والجبر
والبداءوالرجعة والطعن في الصحابة، يدل على ان
الرجل لم
يكن يرجع الى دين، وروي انه اجتمع مع ابي الهذيل
فقال في
ساعة واحدة في ربه ثلاثة اقاويل)).
المنية، ص 87.
و((من خصائص مذاهب الرافضة وحماقاتهم من القول
بالغيبة
والرجعة والبداء والتناسخ والحلول والتشبيه...
الملل والنحل، 1/166.
وكان التشبيه بالاصل والوضع في الشيعة، وانما
عادت الى
بعض اهل السنة بعد ذلك، وتمكن الاعتزال فيهم لما
راوا ان
ذلك اقرب الى المعقول، وابعد من التشبيه والحلول.
الملل والنحل، 1/173.
الحكم من متكلمي الشيعة، وجرت بينه وبين ابي
الهذيل
مناظرات في علم الكلام،منها التشبيه، ومنها في
تعلق علم
الباري تعالى. حكى ابن الراوندي عن هشام انه قال:
ان بين
معبوده وبين الاجسام تشابهابوجه من الوجوه، ولولا
ذلك لما
دلت عليه، وحكى الكعبي عنه انه قال:هو جسم ذو
ابعاض، وله
قدر من الاقدار، ولكن لا يشبه شيئا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء. ونقل عنه انه قال: هو سبعة اشبار بشبر نفسه،
وانه في
مكان مخصوص، وجهة مخصوصة، وانه يتحرك، وحركته
فعله،
وليست من مكان الى مكان.. وغلا هشام بن الحكم في حق
علي(رض) حتى قال: انه اله واجب الطاعة،وهذا هشام بن
الحكم صاحب غور في الاصول، لا يجوز ان يغفل عن
الزاماته
على المعتزلة، فان الرجل وراء ما يلزم به
على الخصم، ودون ما
يظهره من التشبيه.
الملل والنحل، 1/184- 185
احد يجيز امامة امراة ولا امامة صبي لم يبلغ الا
الرافضة فانها
تجيز امامة الصغير الذي لم يبلغ والحمل في بطن امه،
وهذا
خطاء لان من لم يبلغ فهو غير مخاطب، والامام
مخاطب باقامة
الدين وباللّه تعالى التوفيق. قال الباقلاني: واجب
ان يكون الامام
افضل الامة.
الفصل، 3/110
لها قديما وحديثا ان القرآن مبدل زيد فيه ما ليس
منه ونقص
منه كثير وبدل منه كثير،حاشا علي بن الحسن بن موسى
بن
محمد ابن ابراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي
بن
الحسن بن علي بن ابي طالب وكان اماميا يظاهر
بالاعتزال، مع
ذلك فانه كان ينكر هذا القول ويكفرمن قاله.
الفصل، 3/182.
ومن الامامية من يجيز نكاح تسع نسوة...
الفصل، 3/182.
|