مالك بن معاوية قال: قال لي الشعبي وذكرنا الرافضة... يا
مالك، اني درست الاهواء كلها فلم ار قومااحمق من الرافضة،
فلو كانوا من الدواب لكانوا حميرا، او كانوامن الطير لكانوا رخما. ثم قال: احذرك الاهواء المضلة شرهاالرافضة، فانها يهود هذه
الامة،يبغضون الاسلام، كما يبغض اليهود النصرانية، ولم يدخلوا
في الاسلام رغبة ولا رهبة من اللّه،ولكن مقتا لاهل الاسلام
وبغيا عليهم، وقد احرقهم علي بن ابي طالب (رض)بالنار،
ونفاهم الى البلدان، منهم: عبداللّه بن سباء، نفاه الى ساباط،
وعبداللّه بن سباب، نفاه الى الجازر، وابوالكروس، وذلك ان
محنة الرافضة محنة اليهود، قالت اليهود، لايكون الملك الا في
آل داود، وقالت: الرافضة: لا يكون الملك الا في آل علي بن ابي
طالب، وقالت اليهود: لا يكون جهاد في سبيل اللّه حتى يخرج
المسيح المنتظر، وينادي مناد من السماء،وقالت الرافضة: لا
جهاد في سبيل اللّه حتى يخرج المهدي،وينزل سبب من
السماء، واليهود يؤخرون صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم،
وكذلك الرافضة، واليهود لاترى الطلاق الثلاث شيئا، وكذا
الرافضة، واليهود لا ترى على النساء عدة وكذلك الرافضة،
واليهود تستحل دم كل مسلم، وكذلك الرافضة،واليهود حرفوا
التوراة وكذلك الرافضة حرفت القرآن، واليهودتبغض جبريل،
وتقول: هو عدونا من الملائكة، وكذلك الرافضة تقول: غلط
جبريل في الوحي الى محمد بترك علي بن ابي طالب، واليهود
لا تاءكل لحم الجزور، وكذلك الرافضة، ولليهودوالنصارى
فضيلة على الرافضة في خصلتين، سئل اليهود من خيراهل
ملتكم؟ فقالوا: اصحاب موسى، وسئلت النصارى،
فقالوا:اصحاب عيسى وسئلت الرافضة من شر اهل ملتكم؟
فقالوا:اصحاب محمد، امرهم اللّه بالاستغفار لهم فشتموهم،
فالسيف مسلول عليهم الى يوم القيامة... العقد الفريد، 2/149-150 . يعني مثل ما ذكره سابقا من القول بالتناسخ والحلول والغيبة
و.. غلاة الامامية وخصوصا الاثنا عشرية، فهم يزعمون ان الثاني
عشر من ائمتهم وهو محمد بن الحسن العسكري ويلقبونه
بالمهدي دخل في سرداب بدارهم في الحلة وتغيب حين
اعتقل مع امه وغاب هنالك وهو يخرج آخرالزمان فيملا الارض
عدلا يشيرون بذلك الى الحديث الواقع في كتاب الترمذي في
المهدي، وهم الى الان ينتظرونه ويسمونه المنتظر لذلك
ويقفون في كل ليلة بعدصلاة المغرب بباب هذا السرداب وقد
قدموا مركبا فيهتفون باسمه ويدعونه للخروج حتى تشتبك
النجوم ثم ينفضون ويرجئون الامر الى الليلة الاتية، وهم على
ذلك لهذا العهد... مقدمة ابن خلدون،/199. .. وكانت هذه المذاهب الثلاثة هي مذاهب الجمهور المشتهرة
بين الامة وشذ اهل البيت بمذاهب ابتدعوها وفقه انفردوا به
وبنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح، وعلى
قولهم بعصمة الائمة، ورفع الخلاف عن اقوالهم، وهي كلها
اصول واهية، وشذ بمثل ذلك الخوارج... مقدمة ابن خلدون،446. وقد تطول قائمة الاتهام وتاءخذ ابعاداخطيرة، كما عند ابن
تيمية وغيره، وربما يفي ما قدمناه بالغرض،وهو يبدو اقرب ما
يكون الى (السيناريو) المفرط في الضعف والتهافت،خاصة
عندما لا يقدر كاتب تلك السطور على ضبطنفسه، ويترك
المجال لقلمه (بالهذر) والانفلات. رابعا: وفي خضم هذا الصراع تغيب الامانة والورع والتزام الدقة
العلمية، اذ لا يجد كتاب الفرق اية غضاضة في توزيع الاتهامات
ونسبة الاقوال على خطورتها تارة وسخافتهاتارة اخرى الى هذه
الفرقة او تلك، دونما تريث او انصاف او احتمال الخلاف حتى،
لتكون النتائج في الغالب مصادرات ومسلمات لانزاع فيها، ولا
يسمح ان تكون محلا للجدل او التشكيك، او فرض الخلاف او
العكس، فضلا عن اثباتهما. ولاجل ذلك عقب الشريف المرتضى في كتابه الشافي
على خصمه القاضي عبد الجبار المعتزلي بعد حكايته وادعائه
على الشيعة الامامية قولهم من انه لولا الامام لما
قامت السموات والارض ولا صح من العبد الفعل، اذ بعد
مناقشته ونفي صحته ونسبته اليهم يقول: ((وفي الجملة
فليس يحسن بمثله من اهل العلم ان يحكي في كتابه ما لا
يرجع في العلم بصحته الا اليه، ولا يسمع الا من جهته، فان
فضلاء اهل العلم يرغبون عن ان يحكواعن اهل المذاهب الا ما
يعترفون به، وهو موجود في كتبهم الظاهرة المشهورة)). ولا اعرف سببا علميا يدعو كتاب الفرق الى ان لا يحفلوا
بكتب الخصم ومصادره الفكرية، وهي موجودة ومشهورة
ومتداولة،الى درجة يوصف معها ابرز تلامذة الامام الصادق(ع)
هشام بن الحكم باءنه من المجسمة، ونقل الاقوال الواهية عنه
وكاءن بعضهم يريد ان يتهم الامام الصادق(ع)، ليحفظ وصية
رسول اللّه(ص)في بيته الذي امر بالتمسك به مع القرآن
الكريم!!
خامسا: وقد نتج عن هذا المنهج خلل بالغ الخطورة، بدت
معه كتب الفرق متناقضة ومتهافتة، فضلا عن منهج التكفير وتوزيع الاتهامات الطائشة، فعلاوة على التخبط الذي
يظهربوضوح في تعداد الفرق ومحاولة الوصول الى الرقم (72)
فرقة هالكة بتعسف وتكلف شديدين، نجد التفكيك يجري
بقسوة بالغة،بحيث يتم تهوين الخلافات تارة وتهويلهاتارة
اخرى، الى درجة قد تتفق الفرقة الناجية مع الفرقة الضالة
باءكثر مما تختلف، ومع ذلك تبقى هذه الفرقة هي الناجية،
وتبقى الاخرى هي الهالكة دون ان تفيض الاولى على الاخيرة
بشي ء من الهداية والنجاة!فمثلا نجد ((ان الاشعرية قد تشبع
فكرها بالجبر والارجاء ومع ذلك تصنف كل فرق الجبرية
والمرجئة ضمن الفرق الهالكة، ولاتستثني منهم احدا، وكذلك
الزيدية ترمي بكل فرق المعتزلة ضمن الفرق الهالكة. ولا
تستثني منهم احدا، بالرغم من ان دعوى الزيدية لنجاتها تتمثل
في امرين: انها تقول بالعدل والتوحيداي على مذهب المعتزلة
والثانية انهم من شيعة اهل البيت)). ومثلا آخر على ما نقول ما ذكره كتاب الفرق عن فرقة
الخطابية وعدها في فرق الشيعة في الوقت الذي يعدها السبكي
في كتابه((طبقات الشافعية)) في بعض مذاهب اهل السنة
اذ يقول:((وقد بلغ الحال بالخطابية وهم المجسمة في زماننا
هذا، فصاروايرون الكذب على مخالفيهم في العقيدة، لا سيما
القائم عليهم بكل ما يسوؤه في نفسه وماله،وبلغني ان كبيرهم
استفتي في شافعي ايشهد عليه بالكذب؟ فقال: الست تعتقد ان
دمه حلال،قال: نعم، قال: فما دون ذلك دون دمه، فاشهد
وادفع فساده عن المسلمين. قال السبكي: فهذه عقيدتهم،
يرون انهم المسلمون،وانهم اهل السنة، ولو عدوا عددا لما بلغ
علماؤهم، لا عالم فيهم على الحقيقة مبلغا يعتبر، ويكفرون
غالب علماء الامة، ثم يعزون ذلك الى الامام احمد بن حنبل وهو
منهم بري ء)). وفضلا عن ذلك فقد عد احد اعمدة الاتجاه السني ((وهو
ابوحنيفة)) في المرجئة الى درجة استغرب معها
بعض المستشرقين ان يصنف مثل ابي حنيفة في
فرق المبتدعة. -3-
قد تكون هذه الملامح هي الابرز في المنهج السائد لكتب الفرق
والمذاهب والاكثر حضورا في خطابها، دون ان يعني ذلك غياب
ملاحظات هنا وهناك تفصيلية تفتقر ملاحقتهاالى بحث
مسهب وفصل خاص. وربما لا نسي ء الظن بكتاب الفرق القدماء، ولا نبالغ في
ادانتهم،فقد عاشوا عصرا قلما سادت فيه روح التسامح، وندر ان
عملت فيه اجواء الحوار العقلاني الحر، انما الذي يريب من جهة،
ويقلق من جهة اخرى، هو سيادة هذا المنهج وبقاؤه حيا حاضرا
وفاعلافي الحياة العلمية ومراكز الابحاث، في وقت يفترض ان
تسودفيه لغة العقل والمنهج العلمي الحر. ولا اجدني مبالغا اذا
زعمت ان رجال فكرنا اليوم يمثلون الوريث الحقيقي لكتاب
الفرق الاقدمين، وان ادعوا النزاهة والتقيد بالمنهج العلمي
الصارم، فها هي كتبهم مشحونة بما لا يصدقه العقل، ومملوءة
يما تتناقله كتب الفرق من ادعاءات، دونما تمحيص او تدقيق،
واذا كان كتاب الفرق الاقدمون يومذاك في عذر، ربما
لصعوبة الاطلاع ومتابعة المصنفات، لا يعذر رجال الفكر اليوم،
وها هي كتب الفرق والمذاهب ومصنفاتهم على تعددها
وتنوعها، في متناول الجميع، وتقذف بها المطابع الى
الاسواق بعشرات الطبعات خاصة المشهور منها والمعتمد. ويكفي للتدليل على ما نقول استعراض عدد من النماذج
الحية والمعاصرة لما كتبه اعلام في الفكر والادب على
اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم الفكرية والسياسية. 1- نموذج احمد امين
يدرك احمد امين الصعوبة التي تنتظره في ابحاثه الكلامية،
خاصة في ظل اضطراب الاهواء التي عملت في العقائد الدينية،
وضياع كتب بعض الفرق الاسلامية، ولذلك يعترف بادى ء ذي
بدء بصعوبة تحرير المذهب كما يتصوره اصحابه، واوضح مثال
عنده على ذلك مذهب المعتزلة، حيث ابيدت كتبهم، وعدا
خصومهم على آثارهم، ولم يبق من افكارهم الا ما حكاه عنهم
الخصوم. ومع ذلك يصر السيد احمد امين على الحكم على
المذاهب الاسلامية وعدم الاكتفاء بطريقة عرض الافكار كما
هي طريقة الشهرستاني،تبعا لطريقة ابن حزم الظاهري وان اخذ
عليه طريقته في النقد لانها حسب رايه انفع للقارى ء واصدق
في اداء المؤلف للواجب وادل على شخصيته،متناسيا ملاحظته
التي اشاراليها من عدم التوفر على كتب عددمن الفرق
الاسلامية، حيث يستحيل الحكم على افكارهاومرتكزاتها
الفكرية والعقيدية. ويتجاوز السيد احمد امين هذه المشكلة في الحديث عن
الشيعة اذ كتبهم موجودة ومتوفرة ولذلك سيكون من السهل
عليه الحكم عليهم بالسلب والايجاب، لذلك عمد الى مناقشتهم
بضميرمطمئن وعقل بارد. يقول: ((.. وسنعمد في شرح وجهة
نظرهم على كتبهم فذاك انصف لهم، فننقل خلاصة ما ورد عن
الامام في كتاب ((الكافي)) للكليني فهومن اوثق كبتهم)) . ولم ينس السيد احمد امين من التذكير في الهامش والاشارة
الى قيمة ((الكافي)) عند الشيعة وانه عندهم بمنزلة البخاري
عند اهل السنة. وهي اشارة لاتخلو من مكر او قلة اطلاع الى
التملص من مناقشته باءسانيد ما نقله عن الكافي حيث اكتفى
بنقل الاحاديث الضعيفة احيانا او المفسرة بغيرها احيانااخرى،
وقد انتقاها بدقة بعيدا عن الاطار العام ايضا. مع العلم
ان((الكافي)) للكليني وان كان من الكتب الحديثية الموثوقة
لدى الشيعة الا انهم لم يتعصبوا للعمل به كما تعصب اهل السنة
للعمل بصحيح البخاري. وعلاوة على ذلك فقد حاول احمد امين تضليل قارئه اذ
وعده بمعالجة الاشكاليات العقيدية شيعيا من الكتب الشيعية
نفسها ثم لم يعتمد سوى كتاب ((الكافي)) دون ان يعتمدكتابا
واحدا من كتبهم في علم الكلام التي تعتبر الاساس في صياغة
النظرية الكلامية. ومن اظرف ما يكون اتهامه هشام بن الحكم بالتجسيم
والتشبيه والجبر اعتمادا على كتب الخصوم متجاوزا الوعد
الذي قطعه على نفسه بل انه لم يحترز من اتهام اهل
بيت الرسول(ص)بوضع الحديث على لسان رسول اللّه(ص)
فضلا عن الحكم على الشيعة باللاعقلانية واماتة الفكر، وتاءثرهم
بالطابع الفارسي تارة، واليهودي تارة اخرى. وينقل حجج الشيعة من غير مصادرهم كما يرد عليهم دون
ادنى اشارة الى المراجع او توثيقها. 2- نموذج علي النشار
الدكتور علي سامي النشار من اوائل من بحث في التشيع، وقد
خص الجزء الثاني من كتابه نشاءة الفكرالفلسفي في الاسلام
بدراسة التشيع وقراءة افكار الشيعة وفرقهم ومذاهبهم. وهو
بادي ء ذي بدء يقدم منهجه في الدراسة، ذلك النهج العلمي: المعروف بالمنهج التجريبي اوالمنهج الاستردادي، القائم
اساسا على عمليتي التحليل والتركيب بدءامن النظر في الوثائق
وتحقيقها ونقدها داخلياوخارجيا، وانتهاء بالتحليل ووضعها في
نسق مذهبي تركيبي. لسنا الان بصدد التحقق من جدوى تطبيق هذا المنهج
في الدراسات الاسلامية، وفيما اذا كان يحق للمسلم استعارته
من الغرب، ولا يحق من جهة اخرى للمستشرق تطبيقه في
دراسة الاسلام والفكر الاسلامي. تلك مهمة اخرى. انما نحن
بصددتاءكيد ما ذكرناه من ملاحظات سابقة حول المنهج
السائد في دراسة الفرق الاسلامية قديما عندالشهرستاني
والبغدادي وغيره، وحديثا عند السيد احمد امين والسيد علي
النشار. فالسيد النشار وان كان يدعي انه يكتب وخاصة في الفلسفة
وهي اختصاصه التاريخ النزيه محققا اكبر حد من الموضوعية
العلمية،الا انه لم يسلم من المفارقة التي اشرنا اليهاسالفا، وهي
قراءة الاخر من خلال وبواسطته خصمه! ذلك انه وضع عقائد
الشيعة ونظرياتهم المتعددة في نسق فلسفي متكامل كما يزعم
ابتداءمن نشاءة النظرية، ومرورابتكاملها في الاطار الفلسفي،
وانتهاءبتطورها. كل ذلك ببركة الوثائق الدقيقة والنزيهة
التي قدمها كتاب الفرق بما عرفنا عنهم من انضباط بالمنهج
العلمي ونزاهة وحرص في نسبة الاقوال شديدين. فالسيد النشار يبدو منصفا عندما يقول: ((وكانت الفكرة
السائدة ان اهل السنة والمعتزلة وحدهم قاموا بالدفاع عن
فلسفة الاسلام المعبرة عن اصالته تجاه اهل الفلسفات الاخرى
من مسيحيين ويهود وثنوية وفلاسفة، بينما كان عمل الشيعة
ان تهاجم فقط المجموعة الاسلامية وان تناقض آراءها. وهذا
خطاء كبير،كان علماء الشيعة المعتدلة هكذافي عصرهم الاول،
كما كانوافي عصرهم الاخير مشاعل مفسرة لروح الاسلام تجاه
اعدائه،فوقفوا بالمرصاد للثنوية والمسيحية واليهودية
والفلاسفة وغلاة الشيعة انفسهم وشاركوا علماء اهل السنة
والمعتزلة في اقامة البناء العقائدي الاسلامي..)). لكن سرعان ما يفاجى ء النشار قراءه وهو يتعجب من
ابتداءالتشيع بحب اهل البيت وادعاء الخلافة الى علي ثم ينتهي
الى((مذاهب فلسفية وسياسية معقدة تمام التعقيد، مركبة من
مختلف المذاهب. او بمعنى آخر: ان عقيدة في حب آل البيت
تتطورخلال التاريخ وتبعا لحوادث السياسة الى مذهب فلسفي
يبطن الاعتزال احيانا والغنوص احيانا،ويتستر خلفها مجموعات
من اشد اعداء محمد(ص) ضراوة، ويحاولون بكل الوسائل
القضاءعلى رسالته، وعلى العقيدة التي حارب ابن عمه لاجلها
بكل قواه)). وربما يبدو النشار بمظهر الباحث المدقق والمحقق والنزيه
جداعندما يقول: ((ومن الخطاء الكبير القول: ان هناك تشيعا
واحداخلال التاريخ)) وكاءنه يوحي للقارى ءوالباحث انه
بصددتجزئة الاحكام عليهم وعدم التعميم، وهو امر قد يكون
صحيحا اذالتسنن ليس واحدا هو الاخر، وكذا كل مذهب من
المذاهب الفكرية التي يكثر فيها نبوغ العلماء وتتواصل في اتباعها
حركة العلم والمعرفة. ولكنه اعني النشار انما اكد ذلك ليكرس
كتابه لتاءكيد مساءلة في غاية الاهمية عنده، وهي محاولة
التفكيك بين الشيعة المنتسبة الى جعفر الصادق(ع) وبين نهج
الامام الصادق نفسه، ونهج تلامذته المقربين منه، ممن شاد
بنيان التشيع واسهم في بناء صرحه الفكري العقيدي. يقول في هذا الصدد: ((لقد كان ظهور جعفر الصادق
الحدث الاكبر في تاريخ الشيعة. لقد نسبت الشيعة الاثنا عشرية
وهم جمهرة الشيعة اليه فلقبوا ((بالجعفرية)) ونسب
الفقه الشيعي الاثناعشري اليه، فاءطلق عليه الفقه الجعفري،
وما ابعد آراء جعفرالصادق الكلامية وما ابعد فقهه عن آراء وكلام
وفقه الاثنى عشرية بعد وفاة الامام الثاني عشر اواختفائه وتكون
عقائدالشيعة الاثنى عشرية)). ويقوم تفكيك السيد النشار
بين تشيع الامس واليوم على ما يدعيه من ان ((التشيع الاول
كان مجسما والتشيع الاخير كان معتزليا)). ولذلك يعمد النشار الى دراسة هشام بن الحكم الذي
وصفه كتاب الفرق باءول مجسم ومشبه و.. وتاءثيره في مدرسة
التشيع الاولى، ومدى اسهام الصادق(ع) في دفع تلميذه
الى مواجهة الاعتزال مع الطاقم المعروف والمؤلف من هشام بن
سالم وزرارة بن اعين ومحمد بن النعمان مؤمن
الطاق وغيرهم. ويحشد النشار كل النصوص التي
تناقلهاكتاب الفرق بحق هشام بن الحكم من اعترافه بصعوبة
العثور على اي كتاب لهشام وصعوبة الالتزام بما تناقله الخصوم
بحقه. لا اريد ان اثقل على القارى ء بمتابعة النشار في
استنتاجاته التعسفية والبالغة الخطورة، ويكفي ان اشير الى ما
يختزنه بحثه من تحيز واضح للمذهب الاشعري مذهبه
وتاءكيددوره في تخليص التراث الاسلامي كله من الحشو
والتشبيه والتجسيم وكل العناصر الاجنبية من ثنوية
ومسيحية ويهودية، وان كان على حساب آخرين واتهامهم
بما لايليق،ومن هؤلاء اعمدة آل البيت(ع)، في محاولته غير
العلمية تصنيفهم في حشوية اهل السنة وميلهم الى
التشبيه والتجسيم. ويكفي لتاءكيد ملاحظتنا الاساسية في موضوع بحثنا، ان نشير
الى قائمة مصادره الاساسية التي اعتمدها في دراسة
التشيع في نسق فلسفي متكامل كما يزعم، وهي قائمة تشتمل
على المصادر الاساسية القديمة في كتب الفرق وتاريخ
المذاهب:كتاب التنبيه للملط ي، والمقالات للاشعري، و
((الفرق بين الفرق))للبغدادي، و ((الفصل)) لابن حزم،(الذي
قدم له نظرات نقدية هامة على حد تعبير النشار) و ((الملل))
للشهرستاني، واعتقادات الرازي، فضلا عن الكتب الاخرى،
والتي يختمها بكتاب ((منهاج السنة)) لابن تيمية الذي اعتبره
مصدرا عاما لعقائد الشيعة، كماوصفه باءنه وثيقة فريدة تنقل
الينا صورا متعددة من عقائدهم، كماان ميزة ابن تيمية عنده
انه ينقل لنا نقلا صادقا ما يناقشه بعدذلك في حدة وقسوة. ما تقدم صنفه في قائمة المصادر السنية اما المصادر الشيعية
فهي كتاب ((فرق الشيعة)) للنوبختي والمقالات و ((الفرق))
للاشعري(القمي) و ((رجال)) الكشي و ((اوائل
المقالات))للمفيد و ((منهاج الكرامة في معرفة الامامة)) الذي
اعتمده بواسطة ابن تيمية ولم ينقل عنه مباشرة، ومع ذلك
فلم يعتمدها الا في موارد محدودة جدا. 3- نموذج محمد ابو زهرة
والشيخ ابو زهرة واحد من ابرز مشايخ الازهر تخرج عليه عدد
كبير من اساتذة الفقه في كليات الشريعة القائمة الان في
الوطن العربي والاسلامي، صدر له العديد من الكتب من تراجم
وفقه وعقائد.. واخص بالذكر فيها كتابه ((تاريخ المذاهب
الاسلامية)) جعله في قسمين: احدهما في العقائد،وثانيهما في
الفقه. عقد للحديث عن الشيعة في كلاالقسمين. ولسوء طالعنا وطالع المسلمين ان يعتقد عالم مثل ابي زهرة
ان المذهب الشيعي نبت في ظل الفتن التي دهمت
المسلمين وخاصة فتنة الطاغوت الاكبر على حد تعبيره
عبداللّهبن سباءالذي قال بالرجعة والوصية. اذ كان يفترض
في الشيخ محمد ابو زهرة ان يكون اكثر الناس احتياطا في
نسبة الاقوال الى المذاهب او الصاق التهم بهم. وفي معرض الحديث عن عقيدة الشيعة في الخلافة
يقول:((ويستدلون على تعيين علي(رض) بالذات ببعض آثار
عن النبي(ص) يعتقدون صدقها وصحة سندها مثل من
كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.. ومخالفوهم يشكون في نسبة هذه الاخبار
الى الرسول(ص))). وهذا النص يوحي بمذهب الشيخ ومدى احتياطه للعلم
والدين،ولا اعرف لماذا توانى الشيخ رحمه اللّه عن الكشف عن
مغالطة الشيعة في حديث الموالاة ولماذا لم يكشف عن ضعفه،
وقد سبقه الى تصحيحه والدفاع عن سنده كل من الطبري
والذهبي وابن كثير... كان يمكن للشيخ ان يحتاط لنفسه ودينه
فيقول(ومخالفوهم يتاءولونها) فيخرج عن العهدة. اما في القسم الثاني الذي جعله الشيخ في المذاهب
الفقهية،فانه عمد الى التفكيك بين الامام الصادق(ع) وبين
المذهب الجعفري، فلم يشر الى المذهب واصوله ومدى
تطورالفقه عنده او اسهامه في هذا المجال، اذ اقتصر في حديثه
على حياة الامام الصادق(ع) وبعض جوانب حياته العلمية. والمقارنة بين الخطة التي اتبعها في عرض المذاهب الاسلامية
الاخرى وبين ما عقدللامام الصادق يكفي للدلالة على ما نقول. ولعل الاكثر مفارقة في كتاب الشيخ انه عمد الى الحديث
عن الامام الصادق في آخر الكتاب الى درجة قدم معها ابن
تيمية عليه، دون ان يحفل بالمنهج العلمي الذي
يفترض العرض اماوفقا للتسلسل الزمني، او وفقا للمركز العلمي
والمشيخة. هذا فضلا عن محاولات التفخيم التي قام بها في حديثه
عن الروايات التي نقلها عن الكافي في ادعاء الزيادة في
القرآن الكريم، الى درجة انه عنونها في فهرس كتابه
ب((افتراءات الكليني كبير رواتهم)) مع انه يفترض فيه ان
يضعها في الموضع المناسب، اذ لم يعتبر الشيعة روايات الكليني
في ((الكافي))صحيحة باءجمعها كما هو صحيح
البخاري وصحيح مسلم، كما لم يعتبر الكليني نفسه ذلك كما
ذكر في مقدمة كتابه المشار اليه في مقام ذكره للجمع بين
الاخبار وحل التعارض بينها. وكاءنه اعني الشيخ يغفل عن
روايات البخاري التي ادعت الزيادة في القرآن الكريم وهي
صحيحة عندهم. وقد ترك نهج الشيخ ابو زهرة بصماته واضحة في كتابات
تلامذته،وبعضهم له بالشيعة صلات حسنة، الى درجة يكتب
معها الدكتورالشيخ وهبة الزحيلي موسوعة فقهية ضخمة لا
يذكر فيها الامام الصادق(ع) ولا يشير الى دوره في ارساء قواعد
المذهب الجعفري ومذهب اهل البيت(ع)، فضلا عن تغافله
لفضله على ائمة بعض المذاهب مثل ابي حنيفة ومالك، بل
ينسب تاءسيس مذهب الشيعة الامامية الى محمد بن الحسن
بن فروخ الصفار. 4- نموذج زكي نجيب محمود
لم يكتب الدكتور زكي نجيب محمود في الفرق الاسلامية، فهو
احد ابرز اساتذة الفلسفة في العالم العربي ولا يعتبر ذلك من
اختصاصه او اهتماماته حتى،انما كتب من زاوية اخرى، وهو
يبحث عن واقع جديد وثقافة جديدة يمكن لها ان تنهض بالعالم
العربي من ركوده وجموده. ففي كتابه ((تجديد الفكر العربي)) وتحت عنوان غربة الروح
بين اهلها يحاول ان يقرا الفرق الاسلامية بغية الوصل بين
الماضي والحاضر، ولا يهمه اكثر من ذلك، فيتوه في
مدينة متشعبة الطرق يتكلم اهلها لغة لا يفهمها، ويتكلم هو لغة
لا يفهمونها، وفي ذلك اشارة واضحة الى انه غير معني تماما بما
عليه الماضي.ولذلك يعي الدكتور محمود طريقة كتاب الفرق
او مؤرخيها،وياءتي على ذكر البغدادي خاصة (مثالا) فيقول
((وواضح من ذلك ان البغدادي يفتح ابواب الجنة لاهل السنة
والجماعة،ويوصدها دون سائر الفرق من خوارج وروافض
وقدريه وغيرها..)). ومن باب تذكير القاري بما احتوته كتب الفرق والمذاهب
ياءتي على ذكر نشاءة بعضها، ثم يقف وقفة اطول عند فرقة لها
اهمية بالغة كما وصف وهي فرقة الشيعة. وياءتي على بيان
بعض افكارها خاصة الاتجاه الباطني. وان كان يعتمد على
البغدادي فها هو يعتمد كما هو الظاهر في عرض الفكر الشيعي
على كتاب((تاريخ الفلسفة الاسلامية))للمستشرق هنري
كوربان، ثم ما يلبث ان يعتمد على الغزالي في فضائحه! فيقول: ((فالسبب الباعث لهم على نصب هذه الدعوة هكذا يقول
الغزالي في الفصل الثاني من الباب الثاني هو الانسلال من الدين
كانسلال الشعرة من العجين، ثم يقول: تشاور جماعة من
المجوس والمزدكية وشرذمة من الثنوية الملحدين وطائفة من
ملحدة الفلاسفة المتقدمين، وضربوا سهام الراي في استنباط
تدبير يخفف عنهم مانابهم من استيلاء اهل الدين وينفس عنهم
كربة ما دهاهم من امرالمسلمين حتى اخرسوا السنتهم
عن النطق بما هو معتقدهم من انكار الصانع، وتكذيب الرسل
وجحد الحشر والنشر والمعاد الى اللّه في آخر الامر، فبعد ان
استولى المسلمون على ملك اسلافنا هكذا يتصور
الغزالي مخاطبة تلك الطوائف لنفسهاوانهمكوا في التنعم في
الولايات مستحقرين عقولنا، ولا مطمع في مقاومتهم بقتال،
ولا سبيل الى استنزالهم عما اصروا عليه الابمكر واحتيال. ..فسبيلنا ان ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم وهم الروافض،
ونتحصن بالانتساب اليهم، ونتباكى لاهل البيت عماحل ب آل
محمد، ونتوصل بذلك الى تطويل اللسان في ائمة المسلمين. .)). ولم يكتف زكي نجيب محمود بنقل جمل الغزالي ونصوصه
على طولها، فهو بصدد الحكم وتحديد الموقف فيقول: ((.. ويمضي الغزالي في بقية ابواب الكتاب وفصوله يبين مذهب
الباطنية جملة وتفصيلا، ليظهر فيه مواضع المؤاخذة
والتناقض، ويكفي انه مذهب يستند الى قول الامام المعصوم
منكرا على العقول ان تكون مدركة للحق. فاذا كان هنالك من
يرى هذا المذهب طريقامسدودة بالنسبة الى علاقة الانسان
باللّه واليوم الاخر، فماذاعساه ان يكون بالنسبة الى امور الحياة
الدنيا، وفي هذا القرن العشرين)) . واذا كان الغزالي في عذر وهو يعيش ذلك الصراع الطائفي المر
يومذاك فاءي عذر للدكتور وهو ابن الجامعات الاوروبية التي
يدعي انه تعلم بها الحيدة والتجريبية ورحم اللّهالغزالي فقد
اخرج القوم عن الاسلام، فاءما الدكتور الفيلسوف فلم
يقنع بمجرد الحكم بفساد طريقتهم دينيا، بل ارتاءى ان لا مقام
لهم في القرن العشرين فضلا عن الواحدوالعشرين. وانما تعمدت ذكر الدكتور زكي نجيب محمود في
نماذجي المنتخبة لادلل اكثر فاءكثر على مدى تاءثير منهج
الاقدمين في الحياة العلمية، مع الرغم من الادعاءات العريضة
التي يتشدق بها رجال الفكر والثقافة في مراكزنا العلمية، من
التزام المناهج العلمية الصارمة، واحترام الراي الاخر. 5- نموذج محمد عمارة
وفي الاتجاه نفسه يكتب محمد عمارة،وان اختلف مع الدكتور
زكي نجيب محمود في الاساس الفكري الذي يرتكز عليه، اذ هو
بصدد دراسة التراث الاسلامي واستنهاض الطاقات الكامنة
والحية فيه، ولهذا الغرض يحاول التفتيش عن العناصر
العقلانية في تاريخ الفرق الاسلامية،ومحاولة نفخها من جديد،
وتعميق البحث فيها لعلها تنجح في تشكيل اطار مرجعي
نهضوي شامل. وفي هذا الصدد يعمق الدكتور عمارة ما يقال عن
النزعات العقلانية السائدة في المنهج الاعتزالي، كما يعترف
بوجود تلك النزعات في المنهج الشيعي ايضا، الا انه يظل
اسيرالموروث التاريخي والعقيدي الضخم والهائل الذي يفرض
عليه معالجة الامامة بشي ء من التعصب فيقول: ((والعقلانية
واحدة من القسمات التي تتجلى للناظر في تراث
الشيعة الفكري، وذلك اذا استثنينا تراثهم في الامامة وما يتعلق
بها، فهم في الامامة.. قدغدوا اسرى النصوص وتفسيرات
لنصوص تعبدوا بها، ونحواالعقل جانبا امام هذه النصوص)). ولسنا بصدد مناقشة الدكتور عمارة، لان مهمة البحث لا
تتجاوزرصد التاءثيرات العقيدية والفكرية والمنهجية التي
تركتها كتب الفرق وكرسها مؤرخوها، وهو ما يبدو اكثروضوحا
في نصوص الدكتور عمارة عندما يزعم خلو المصادر التاريخية
والفكرية من عقيدة الوصية والقول بها قبل هشام بن الحكم، اذ
يقول ما نصه:(واما قول الشيعة: ان عقيدة النص والوصية قد
وجدت قبل زمن هشام بن الحكم وجعفر الصادق، وان عصر
هشام قد اضاف اليهاظهور التصنيف فيها والنصرة لها، ولم
ينشئها انشاء، فانه قول مردود. . فنحن والكلام لعمارة لا نجد في
نهج البلاغة للامام علي وهو اقدم نص مجموع من التراث
الشيعي عن آل بيت الرسول اكثر من انهم اهل بيت علم وبر
وتقوى وانهم احق بولاية امرالمسلمين، وان قريشا استاءثرت
بهذا الامر دونهم، ولا ذكر فيه للنص الالهي والوصية النبوية
لعلي بالخلافة، كما اننا لا نجد في مواطن الجدل من حول
الخلافة منذ اجتماع السقيفة وحتى عصر هشام بن الحكم من
احتج ((بالنص والوصية)) انتصارا لعلي بن ابي طالب وتزكية
لحقه في امارة المؤمنين). 6- نموذج محمد عابد الجابري
قد يكون الدكتور محمد عابدالجابري احد اشهر اساتذة الفلسفة
والمفكرين العرب في العقدين الاخيرين من القرن العشرين،
وقد اكتسب شهرته عقيب ظهور مشروعه الثلاثي(تكوين العقل
العربي العقل السياسي العربي بنية العقل العربي). وقد تحدث في كل كتاب من هذا الثلاثي عن الشيعة
وحاول دراسة افكارهم وعقائدهم، وكان يفترض فيه ان يكون
اكثر دقة من سابقيه في تناوله لاكثر الموضوعات
حساسية وتعقيدا، الا انه وللاسف سقط صريع المنهج السائد في
دراسة الفرق والمذاهب،فقد درس الشيعة وعقائدهم وهو
يختزن في داخله ذلك الموروث الضخم، الذي قد تكون
كتب الفرق والمذاهب جزءامنه، فضلا عن العوامل الاخرى
النفسية وغير النفسية. مصادره في دراسة الشيعة هي نفسها التي كتبها الاقدمون
من:الملط ي والبغدادي والاسفراييني والشهرستاني وابن
حزم الظاهري، وكما نجد هشاما في كتب الفرق مجسمامشبها
نجده طبق الاصل عند الجابري وكما نجد الطابع اليهودي
واضحافي العقيدة الشيعية كما تصورها كتب الفرق القديمة
نجده طبق الاصل ايضا عند الجابري. ومن الطريف جدا انه لا يعتمد في دراسة التشيع الاثني
عشري وهو يعترف بتميزه عن الاسماعيلي الا من خلال
المصادرالاسماعيلية وخاصة كتب القاضي النعمان، ولم يعتمد
على مصادر الشيعة الاثنى عشرية الا في مواضع لا تتعدى
خمسة هوامش اشار اليها، وهي تعود بمجملها لكتاب
((الكافي)) في الحديث للكليني، الذي حاول ان يبرزه ليدعم
موقفه الانتقائي،((مع العلم ان الكافي لا يعتبر عند الشيعة
صحيحا الا في الجملة))، وكتاب آخر لملاصدرا شرح فيه بعض
احاديث الكافي،وثالث بعنوان ((عقائد الامامية))لفقيه معاصر
وهو الشيخ محمدرضا المظفر، وهو كتاب مختصر، لم يعتمده
الدكتور الجابري الابشكل انتقائي ماكر. هذه البصمات القاسية بما تنطوي عليه من خطورة لم
تطبع مشروع الجابري وحسب، بل تعدت الى الكتب
الدراسية المعتمدة الان في بعض الجامعات العربية، التي
يعيش على موائدها الثقافية آلاف الطلبة. ربما تكون متابعة النماذج المتقدمة وعرضها مجردا كافية
لتاءكيدالفكرة محور بحثنا ومدى اسهام مؤرخي الفرق
الاسلامية بتقديم صورة غير نقية، هي ابعد ما تكون عن
الواقع،واقرب ماتكون الى الخيال او التناقض على اقل تقدير. ولا
يمكن تجاوزهذه الصورة الا اذا تم تجاوز هذا الموروث،
والتعامل معه بحذروتحقيق شديدين، وفقا لمنهج علمي من
جهة، واخلاقي اسلامي من جهة اخرى. ويمكن تحديد سمات هذا المنهج في النقاط التالية: اولا: استشعار الروح الاسلامية والتعامل مع موضوع البحث بروح
الاخوة، وتبادل المحبة والاشعار بالشفقة، لا كما تم
تناول موضوع الفرق لدى الاقدمين، ذلك المنهج
القائم والمرتكزعلى القطيعة والعدوانية، وهو منهج لا يمكن ان
ننتظر من ورائه التوفر على الحقيقة في عرض افكار الاخر،
ذلك الاخرالمحكوم عليه سلفا بالانحراف واباحة دمه وعرضه
وفكره. وانما ندعو الى التعامل بالروح الاسلامية في كتابة تاريخ
الفرق والمذاهب لاننا على يقين كبير، ليس فقط بجدوى
سيادة هذه الروح على المستوى العلمي، وانما على اساس
انه المعلم الرئيس الذي قامت عليه الدعوة الى الاسلام والتعامل
مع الاخر، ولا يمكن ان نتصور سيادة هذه الروح مع الاخر
خارج الاسلام في الوقت الذي لا يمكن ان تسود فيه(هذه
الروح) مع الاخر بوصفه مسلما وداخل الاطار الاسلامي. ثانيا: ان الشهرستاني وان زعم انه شرط على نفسه ان
يوردمذهب كل فرقة على ما وجده في كتبهم من غير تعصب
لهم ولاكسر عليهم، الا انه لم يف بما شرط على نفسه، كماهو
منهج مؤرخي الفرق، وقد سار كل واحد منهم حذو الاخر دونما
تحقيق في نسبة الاقوال ومدى صحتها. وفي هذا الصدد نذكر
ان اهم مصادر الشهرستاني هو كتاب الفرق بين الفرق للبغدادي
وقداعتمد البغدادي كثيرا على البلخي احد متكلمي
المعتزلة(المتوفى 319ه)، كما انه اتى بتفصيله لعقائد الشيعة
اعتمادافي الاكثر على الحاكم البيهقي الحسن بن محمد بن
كرامة والمعتزلي ايضا. وقد صادرت هذه المفارقة مصداقية معظم كتب الفرق
وشككت في مدى توفرها على الحقيقة. ومن الغريب ان يسهم
في صناعة هذه المفارقة اعمدة الاتجاه المعتزلي الذي وصف
بالعقلانية.وقد لاحظنا عددا من ادعاءاتهم على رجال الشيعة،
كما يبدوذلك بوضوح في الحوار الذي كتب على الورق بين
الشريف المرتضى وخصمه القاضي عبدالجبار المعتزلي، والذي
شكا منه الشريف المرتضى في اكثر من موضع وبمنتهى المرارة
لاحتكامه الى اقوال لم تصح نسبتها الى المذهب، وقد حدد
الشريف المرتضى موقفه تجاه خصمه في هذه المفارقة في
مواضع عديدة، لخصها في مورد قائلا: ((.. وجملة الامر ان
المذاهب يجب ان تؤخذ من افواه قائليها، واصحابها المختصين
بهم ومن هو ماءمون الحكاية عنهم، ولا يرجع فيها الى دعاوى
الخصوم،فانه ان يرجع الى ذلك في المذهب اتسع الخرق، وجل
الخطب ولم نثق بحكاية في مذهب ولا استنادمقالة)) . ثالثا: وقد يكون من الضرورة بمكان معالجة الباحث
لموضوعه بحياد نفسي، واعني بالحياد النفسي، ان لا يكون
معباء بجملة من الاتهامات والافكار والمواقف المسبقة
تجاه موضوع بحثه، لان ذلك سيكون خروجا على البحث، لان
البحث يعني التوفر على الحقيقة بعد فحص وتدقيق وتحقيق،
وهو يفترض ان المساءلة يجب ان تبدا كما لو انها مجردة من كل
تصور خاص. وفي هذا الاتجاه يجب ان ينظر الى كتب الاقدمين في
تاريخ الفرق بريبة شديدة، لا على اساس الطعن باءصحابها، فقد
يكونوا معذورين، وانما على اساس احتمال الخلاف فيماذكروه
ومادونوه، ان لم يكن على اساس ثبوت خلافه. رابعا: واذا قدر للباحث ان اكتشف حقيقة ما، فليكن ابعد الناس عن التعميم، لان الباحث مهما اوتي من قدرة فانه لا يمكن في الغالب التوفر على جميع جوانب بحثه، خاصة اذاكان موضوع بحثه معقدا وشائكا ومتطورا. ونحن نعلم ان الفرق الاسلامية لم تنشاء دفعة واحدة ان صح هذا العدد الكبير كما لا يتفق اصحابهاعلى مقولة واحدة، فلم يكن اهل السنة على امر واحد ومقالة واحدة ومذهب واحد، وكذلك الشيعة لا يكونون على ذلك، وان اتفقوا على الاسس والمرتكزات العامة التي صنفتهم في هذاالاتجاه دون ذاك.
السيد حسن الامين بنو عمار اسرة تعود اصولها الى قبيلة كتامة
المغربية الافريقية. وعند قيام الدولة الفاطمية كان شيوخ
هذه القبيلة ممن لهم الصدارة في مؤسساتها الادارية
والعسكرية،نذكرمنهم الحسن بن عمار الذي كان من ابرز
رجال الخليفة الفاطمي العزيز باللّه. ثم كان بنو عمار قضاة طرابلس، ثم اصبحوا امراءها فمنهم
امين الدولة ابو طالب الحسن بن عمار، المتوفى سنة 464ه.،
ثم جلال الملك ابو الحسن علي بن عمار المتوفى سنة 492 ه.، ثم فخر الملك عمار بن محمد بن عمار المتوفى حوالى سنة
514ه.، وابو المناقب شمس الملوك ابو الفرج محمد بن
عمارالمتوفى سنة 501 ه.. كان استقلال بني عمار بطرابلس سنة 462ه. (1070م).وكانت
امارتهم تمتد حتى تخوم بيروت من جهة وحتى ارباض انطاكية
من جهة ثانية. وتمتد من نواحي جبلة في سورياالى قلعة صافيتا
وحصن الاكراد والبقيعة. وفي لبنان حتى الهرمل والضنية وجبة
بشري وبلاد العاقورة شرقي بلاد جبيل. وكانت جونية من اعمال طرابلس في عصر الخطيب
البغدادي،المتوفى سنة 463 ه. والذي زار طرابلس سنة 362ه. تاءسيس الدولة وازدهارها
وقد نمت امارتهم نموا عظيما حتى اصبحت طرابلس، في
القرن الحادي عشر، اعظم مدينة على طول الساحل الشرقي
للبحرالمتوسط، وكانت اساطيلها تنتقل في انحاء هذاالبحر،
فهي المنفذ البحري الرئيسي لبلاد الشام، عن طريقه يتم
التصديروالاستيراد، وتنقل منتجات الشام والمشرق الى اوروبا،
واليه تفدمن الخارج لتحمل منه الى سائر بلادالشام. وكان بنو
عمار، وهم مثقلون برد الهجمات الصليبية عليهم من البر
والبحر يسيرون اسطولهم التجاري الى ثغور البحر
المتوسط. وظلت طرابلس، ومعها دمشق، تمونان اوروبا
حتى اواخر العصورالوسط ى بالسكر بجميع اشكاله المعروفة
آنذاك وكان التاجر الاوروبي القادم من البندقية او جنوى
يعود الى بلاده وهو يحمل سلال السكرواكياسه من
طرابلس. وجمع بنوعمار زراعة قصب السكر الذي كان
ينمو بغزارة على ضفاف نهر((ابو علي)) وفي بساتين طرابلس. واقاموا المصانع داخل المدينة لعصره وتجفيفه وتصنيعه، بشكل
رقائق او ناعم او بشكل حلوى، وكان من حسن سياسة بني عمار
وصلاح حكمهم ان اثرت المدينة وكانت على احسن حال
اقتصادي حتى خلال الحصارالصليبي لها برا وبحرا، اذ ظلت
صامدة تقاتلهم عشر سنين مستعينة بثروتها الداخلية وحسن
ادارة اقتصادها. وعندما اوفد القائد الصليبي ريموند، خلال الحصار،
وفدالمفاوضة فخر الملك، ومر الوفد باءسواق طرابلس ادهشه
ما راى من تنوع البضائع ورواج التجارة وعظيم الثروة
والرخاءالذي تنعم به المدينة. وقد دفع فخر الملك اثناء
الحصار الصليبي الى جميع المدافعين عن المدينة من الاجناد
برا وبحرا رواتب ستة اشهر مقدما، كما كان اثرياء
المدينة يشاركون باءموالهم في مقاومة الحصار الاقتصادي الذي
فرضه الصليبيون على المدينة. وكان فخر الملك عمار بن عمار يلقب بملك الساحل. واذا كنا نعلم ان الحسن بن عمار هو الذي ارسل، في عهد
العزيزباللّه، ابا تميم سليمان بن جعفر بن فلاح الكتامي الى
دمشق، وان ابا تميم هذا ارسل اخاه علي بن جعفر بن فلاح واليا
على طرابلس سنة 386ه.، اذا كنا نعلم ذلك، فاننا لا نعلم شيئا
عن عوامل وصول بني عمار الى طرابلس: قضاة ثم حكاما،
فليس في المصادر التاريخية التي في ايدينا مايدل على بدء
قيامهم فيها.فبعد وفاة جد الاسرة الحسن بن عمار سنة 386ه.،
لا نرى امامنا شيئا من اخبارها، ويمتد ذلك حوالى ثلاثة ارباع
القرن حتى يبرز لنا اسم ابي الكتائب عمار صاحب ابي
الفتح الكراجكي، المتوفى سنة 449ه والذي الف
له الكراجكي كتاب ((عدة البصير في حج يوم الغدير)) . اما اول من استقل بطرابلس من بني عمار فهو ابو طالب
الحسن بن عمار المشهور باءمين الدولة، وقد ظل يعد نفسه
تابعا للدولة الفاطمية حتى سنة 462ه.(1070.م) ، حيث
استقل بطرابلس فقامت بذلك امارة بني عمار. ومات امين الدولة سنة 464ه. (1072.م). فتولى بعده ابن اخيه
علي بن محمد بن عمار المعروف بجلال الدولة الذي
استمرحكمه حتى سنة 492ه. وتولى بعده اخوه عمار بن محمد
بن عمار ذو السعدين المعروف بفخر الملك وبقي حتى
سنة 501ه.، حيث ذهب الى بغداد مستنجدا بالسلاجقة
على الصليبيين. وفي سنة 502ه. (1109.م) . احتل الصليبيون طرابلس بعد نضال طويل. منقبة مؤسس الامارة: امين الدولة الحسن بن عمار
كان امين الدولة كبير العقل سديد الراي، عالما، فقيها،
كاتبامجيدا، الف كثيرا من الكتب النفيسة. اما منقبته الكبرى
فهي تاءسيسه ((دار العلم)) التي جمع فيها اول الامر اكثر
من مئة الف كتاب. وكان يبعث، في التفتيش عن الكتب، الى
جميع الاقطارويبذل في شرائها باهظ الاثمان، ويجلب لها
الكتب النادرة.واستمر الامر بعده في عهد خلفائه، هذا فضلاعن
عنايته بالعلم وطلابه فيها وتشجيعهم على الوصول الى
طرابلس لمتابعة الدراسة. والى جانب دار العلم قامت ((دار الحكمة)) التي قدم اليها
العددالكثير من طلاب العلم، حتى لقد اصبحت طرابلس كعبة
علم ومركزا من اعظم المراكز العلمية في العصر الوسيط يفد
اليهاطلاب العلوم والفنون من فقه وحديث ولغة وادب
وفلسفة وهندسة وطب. وعدا طلاب العلم فقد كان يفد اليها العلماء لمراجعة
المؤلفات لاشهر المؤلفين في العلوم والمعارف. كما كانت تعقد
حلقات علمية لكبار العلماء ينضم اليها العلماء الوافدون
الى طرابلس للاستزادة من العلم. وقد جدد ((دار العلم)) التي
انشاءها امين الدولة ابن اخيه وخليفته جلال الدولة سنة
472ه.(1082.م)، اذ كانت الظروف مؤاتية لجلال الدولة
اكثرمماكانت مؤاتية لعمه وسلفه امين الدولة. ففي عهد الاول كانت الامارة في دور التاءسيس، كما ان
عمرحكمه كان قصيرا. اما جلال الدولة فقد استمر في الحكم
زهاءثمانية وعشرين عاما اتسعت فيها اطراف الامارة وعظم
شاءنهاونشطت تجارتها. طرابلس ((بدار علم تسمى))
وقد عني جلال الدولة بدار العلم عناية فائقة، وجعل
لطلاب العلم فيها رواتب، وفرق على اهلها ذهبا، وجعل لها
نظارا يتولون القيام بذلك. وكان شعراء الشام يفدون لمدح امراء بني عمار ونيل
جوائزهم فيلقون الترحيب والتكريم. وكثرت حلقات التدريس
وازدحمت المدينة باءشهر الاعلام، من ادباء وفقهاء
وشعراءولغويين، من الذين يفدون اليها من كل مكان، وقصدها
الناس على اختلاف اجناسهم واديانهم ومذاهبهم كما كان يفد
اليها التجار والرحالة وطلبة العلم والعلماء من كل البلاد. كما ازدهرت فيهاترجمة العلوم والاداب عن اللاتينية
والفارسية وغيرهما الى اللغة العربية، ومنها الى اللغات الاخرى،
ولدينا شهادة بذلك من المستشرق ((دي لاسي اوليري))، في
كتابه: ((علوم اليونان وسبل انتقالها الى العرب))، وساوت في
ذلك كبريات الحواضرالعربية، فكثر فيها المترجمون
والنساخون والكتاب والخطاطون. ويقول ((ستيفن نسيمان)) في كتاب ((تاريخ
الحروب الصليبية)) عن المكتبة: انها اصبحت اروع مكتبة
في العالم. وعندما سقطت طليطلة، في الاندلس، في ايدي القشتاليين،
سنة 478ه. (1085.م.) يبدو انه هاجر فريق من علمائها
الى طرابلس، وكان منهم: احمد بن محمد ابو
عبداللّهالطيلطلي،فاحتضنه بنو عمار وجعلوه متوليا لدار العلم. اذ كانوا يختارون للنظر في امورها كبار رجال العلم، من امثال: الحسين بن بشربن علي بن بشر واسعد بن
ابي روحوغيرهما من امثالهما. وكان في المكتبة مئة وثمانون ناسخا عملهم الوحيد نسخ
الكتب غير الموجود منها نسخ في المكتبة واضافتها الى
الكتب الموجودة فيها. ولم يقتصر الامر على الكتب العربية،بل
ضمت المكتبة الكثير من كتب اليونان والرومان والفرس، وبين
الكتب العربية عدد كبير منها بخطوط مؤلفيها. ومكتبة كهذه
تحتاج الى الانفاق الكثير عليها لما تضمه من عاملين فيها
ومشرفين عليهاونساخين وخطاطين ومترجمين ومجلدين
ووراقين وباعة يحملون اليها نوادر الكتب مهما غلا ثمنها. اما عدد الكتب التي احتوتها مكتبة بني عمار فقد تعددت
الاقوال في شاءنه: فابن ابي ط ي يقول: ان العدد كان ثلاثة ملايين كتاب،
ويؤيدذلك ابن الفرات. وعلى هذا القول كثيرون من المؤرخين
العرب والمستشرقين منهم: ارنولد وغروهمان
وغيبون وشوشتري الذي يقول، في كتابه ((مختصر تاريخ
الثقافة الاسلامية)): ان مكتبة طرابلس كانت تحتوي اكبر عدد
من الكتب عرف ان مكتبة ما حوته حتى ذلك الزمن، الا
وهوثلاثة ملايين كتاب.والمستشرق الفرنسي كاترمير لم
يخالجه شك في تقدير العددبثلاثة ملايين كتاب. ويبدو ان المكتبة بدات، في عهد منشئها الاول، امين الدولة
بمئة الف كتاب، وان العدد ارتفع في عهد خليفته جلال الملك
الى المليون، ثم ارتفع في عهد فخر الملك الى ثلاثة ملايين. وكان في المكتبة، قاعة خاصة للنساخ والخطاطين مزودة بكل
مايحتاجونه من الاوراق والمحابر والاقلام، كما كان فيها
قاعات للمطالعين الذين يفدون اليها. وهؤلاء الوافدون لم يكونوا
من ابناء طرابلس فقط، فقد كان العلماء وطلاب العلم يفدون
اليهامن كل مكان للافادة مما تحويه في كل فن من فنون
العلم.فاكتظت طرابلس بالعلماء والادباءوالشعراء
والمحدثين والفقهاء وبالطلاب الاخذين عنهم. حتى صارت
مدينة طرابلس تسمى دار العلم، قد وردت هذه التسمية في
عدة مصادرتاريخية. وفي ذلك يقول الشاعرشهاب الدين
محمود: ((وهي ايضا بدار علم تسمى)). واسهم عدم بعد طرابلس عن دمشق في ازدهار الثقافة
في طرابلس، اذ كان ينتقل اليها، في كل عام، زائرون من
دمشق ليشاركوها الحياة العلمية ثم يعودوا الى بلدهم. وعندما حاصر ((اتسز الخوارزمي)) دمشق سنة 468ه. واعتقل عددا من رجالها وغلت الاسعار وضاق امر الناس، قامت
هجرة جماعية لوجوه دمشق الى طرابلس، وممن هاجرالشاعر
ابن الخياط صاحب الديوان المطبوع في دمشق، سنة 1958. ومن المقرر، عند جميع من كتبوا عن تاريخ الحضارة
الاسلامية ووصولها الى اوروبا، ان من عوامل هذا الوصول كان
عامل الاتصالات التجارية بقوافلها المتنقلة بين الشرق والغرب. وقدكان لطرابلس بني عمار الاثر الفعال في ذلك، فاليها كانت
تفدالقوافل التجارية البرية من بلاد الشام، ثم ينقلها الى
مرافى ءاوروبا اسطول بني عمار التجاري الذي اعدوه احسن
اعداد،ناقلا معها جذور الحضارة الاسلامية العربية. وليس كالعلائق التجارية بين الامم ما يدانى في
التقدم الحضاري. وقال ناصر خسرو (القرن الخامس الهجري الحادي
عشرالميلادي) عن طرابلس: ((وللسلطان بها سفن تسافر الى
بلادالروم وصقلية والمغرب للتجارة)). وقد ذكر المؤرخ ((السلامي))، في كتابه، ان مدينة طرابلس
كانت مملوءة بالعلماء حين دهمها الصليبيون، وان من
يتصفح كتب التاريخ والتراجم ليقف على هذه الحقيقة،وسيجد
ان طلاب العلم ورجالاته جاءوا الى طرابلس من الاندلس وبلاد
المغرب ومصر والحجاز والعراق وبلاد فارس وانحاء بلاد الشام
وآسياالصغرى وغيرها. ونذكر هنانماذج من اسماء الوافدين
اليها، فمنهم الشاعر الشهير ((ابن حيوس)) وسديد الملك بن
منقذ،الامير الشاعر، وابن السراج العالم المؤلف المقرى ء، وابن
النقارالقاضي الذي درس بطرابلس وتولى الخطابة بجبلة ثم
تولى كتابة الديوان بدمشق، وله ديوان شعر، وشاعر الشام
ابن القيسراني، الى عشرات من امثال هؤلاء. ومن اشهر الوافدين على طرابلس للافادة من ((دار العلم))
ابوالعلاء المعري. وقد شكك المؤرخ ابن العديم بذلك
وتابعه آخرون. قال ابن العديم: ((... وقد ذكر بعض المصنفين
ان اباالعلاء المعري رحل الى دار العلم بطرابلس للنظر في
كتبها،واشتبه عليه ذلك بدار العلم ببغداد. ولم يكن بطرابلس
دار علم في ايام ابي العلاء، وانما جدد دار العلم بها القاضي جلال
الملك ابو الحسن علي بن احمد بن عمار في اثنتين واربعمائة. وكان ابوالعلاء قد مات قبل جلال الملك سنة تسع
واربعين واربعمائة)). على ان الدكتور مصطفى جواد قد فند هذا القول قائلا: ومن الحق ان في النفس ما فيها من قول ابن العديم: ((وانما
جدددار العلم بها القاضي جلال الملك)) فالتجديد عند اهل
العربية:اعادة شي ء عتيق الى حالة حسنة مستاءنفة فليس هو
بتاءسيس ولابناء. ولو كان هذا العالم الكبير متثبتا في قوله
لقال: ((وانما انشاءدار العلم)) او ((انما اسس دار العلم)) فهو
محجوج مفلوج على دعواه بذكره التجديد دون
التاءسيس والانشاء، وبذلك تسقطدعوى من انكر دراسة ابي
العلاء المعري بدار علم طرابلس، لان التجديد يدل على ان دار
العلم كانت منشاءة قبل ذلك فاءصابهاتلف او حريق
استوجب تجديدها. ثم يذكر الدكتور مصطفى جواد انشاء امين الدولة الحسن
بن عمار، المعاصر لابي العلاء المعري، لدار العلم، ولا يتعارض
هووقول ابن العديم من تجديد جلال الملك لها. وممن نبغ، من الطرابلسيين، في عهد بني عمار، نذكر امثال: ابن خرسان الاديب الشاعر المتوفى سنة 497ه.، وابن زريق المهندس العالم الفلكي المتوفى سنة 516ه. ، نذكرهما مثالين لنشير الى تنوع الثقافات التي لم تنحصر في علوم اللغة وعلوم الدين. |