ومن الحلقات العلمية، في عهد بني عمار في طرابلس، حلقة
ابي عبداللّه الطليلطلي الذي مر ذكره، وكانت حلقته تخرج
الادباء والشعراء واللغويين والنحويين، ومنها تخرج الشاعر
الفارس اسامة بن منقذ والشاعر ابن الخياط.
وعدا الحلقات العلمية فقد كانت هناك لقاءات شعبية تقوم
احيانافي حوانيت صغار الباعة وكبارهم، ومنها لقاءات العطار
ابي المفضل ولقاءات المنتزهات والاسواق وينابيع المياه
خارج طرابلس، حيث يتطارح الملتقون الاشعار، ونذكر مثالا
على ذلك ان احمد بن محمد، ابا عبداللّه المعروف بابن الخياط
الشاعرالدمشقي، خرج مع بعض خلانه الی ضفاف غدير في
ظاهرطرابلس فقال ابن الخياط:
اوما ترى هذا الغدير كاءنه
يبدو لعينك منه حلي مناطق
مترقرق لعب الشعاع بمائه
فارتج يخفق مثل قلب العاشق
فاذا نظرت اليه راعك لمعه
وعللت طرفك من سراب صادق
فقال احد رفاقه:
قد كنت آمل ان اجي ء مصليا
حتى رايتك سابقا للسابق
وسبب مجي ء ابن الخياط الى طرابلس يدلك على الشهرة
التي كانت لبني عمار في حماية الادب والادباء وتشجيعهم، فقد
خرج هذا الشاعر من دمشق، في الحقبة الممتدة مابين سنة
463و469ه، اذ كانت دمشق تعاني خلالها فترة عصيبة من
الفتن والجوع والفاقة، وهو لا يزال في صباه، فقصد حماة واتصل
هناك بالامير ابي الفوارس محمد بن مالك.ثم ذهب الى حلب
فالتقى بالشاعر ابن حيوس فشكا له حاله وانشده هذين البيتين
يصف الحالة التي وصل اليها:
لم يبق عندي ما يباع بدرهم
وكفاك مني منظر عن مخبر
الا صبابة ماء وجه صنتها
عن ان تباع واين، اين المشتري؟
فقال ابن حيوس: لو قلت: ((وانت نعم المشتري)). لكان احسن
ثم قال: كرمت عندي ونعيت الي نفسي، فان الشام لا يخلو من
شاعر مجيد، فاءنت وارثي، فاقصد بني عماربطرابلس، فانهم
يحبون هذا الفن. وبحدود سنة 476ه. جاء ابن الخياط طرابلس
وهوابن 26 سنة. وكان صاحب طرابلس يومها جلال الملك
ابوالحسن علي بن محمد بن عمارفاتصل به ومدحه، كما مدح
فخرالملك وغيره من بني عمار. كما كان يتردد على دار العلم
ويحضرالدروس فيها، وتدفع له الجرايات التي كان بنو عمار
يصرفونها للطلبة في الدار.
وتقدر المدة التي عاشها في طرابلس بعشر سنوات.
وفي قصور بني عمار كانت تقام حلقات المناظرة بين
الفقهاء والشعراء، وكان بنو عمار يقيمون مسابقات للشعراء
يتبارى فيها هؤلاء بنظم القصائد.
امراء الدولة علماء مؤلفون
ومن الكتب التي صدرت، يومذاك، نذكر هذه النماذج.
شرح الايضاح، وشرح ديوان الحماسة لزيد بن علي الفارسي
المتوفى سنة 467ه.
وكتاب ((جراب الدولة)) لابي طالب امين الدولة الحسن
ابن عمار. وقد وقع بعض المؤلفين في خطاء كبير، حين قالوا ان
اسم الكتاب هو: (ترويح الارواح ومفتاح السرور
والافراح المنعوت بجراب الدولة)، ونسبوه الى امين الدولة
الحسن بن عمار.
وقد علق الدكتور مصطفى جواد على هذه النسبة التي اخطاء
فيها((ابن الفرات))، وتابعه غيره من المؤلفين على هذا الخطاء.
علق الدكتور مصطفى جواد بما ناءخذه هنا لاهميته
في التاريخ الفكري الثقافي لتلك الحقبة:
لقد وجدنا من الغريب قول المؤلف المصري، ناصر الدين
بن الفرات، في ذكر امين الدولة ابي طالب الحسن بن عمار:
((وهوالذي صنف كتاب ترويح الارواح ومفتاح
السروروالافراح المنعوت بجراب الدولة)).
اما اولا: فلان كتاب ((ترويح الارواح)) من كتب الفكاهة
والهزل والباطل، وهذا قاض وامير ذو ديانة متينة.
واما ثانيا: فلان ((جراب الدولة))، عند المطلعين على
التاريخ الاسلامي، جاء في حالتين: اولاهما كونه لقبا للانسان
الذي الف((ترويح الارواح)) والاخرى كونه اسما لكتاب الفه ابن
عمارالمذكور في اقتصاديات الدولة الاسلامية وشؤونها
الاخرى. وقداخذ ابن الفرات المصري اسم الكتاب الهزلي ولقب
مؤلفه فجعلهما اسما لكتاب ابن عمار، وهذا من اشنع الغلط
وافظعه،وجل من لا يسهو ولا يغلط.
قال ياقوت الحموي في ترجمة الهازل الملقب ((جراب
الدولة)):
((احمد بن محمد جراب الدولة: هو احمد بن محمد بن علوية
من اهل سجستان ويكنى ابا العباس، وكان طنبوريا، احد
الظرفاءوالطياب. كان في ايام المقتدر وادرك دولة بني بويه
فلذلك سمى نفسه بجراب الدولة، لانهم كانوا يفتخرون
بالتسمية في الدولة وكان يلقب بالريح وله ايضا كتاب
((ترويح الارواح ومفتاح السرور والافراح)) لم يصنف في فنه
مثله اشتمالا على فنون الهزل والمضاحك)).
اما ((جراب الدولة)) الذي الفه ابو طالب الحسن بن عمار فهو
من اجل الكتب واجزلها فوائد واشرفها موضعا، قال القاضي
ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون في فصل: ((ان آثارالدولة
كلهاعلى نسبة قوتها في اصلها)). ((وكذلك وجد بخط احمد
محمد بن عبد الحميد عمل بما يحمل الى بيت المال ببغداد
ايام الماءمون من جميع النواحي، نقلته من جراب الدولة: غلات
السواد...كسكر.. كورد جلة... حلوان... الاهواز... فارس)).
وذكرالارتفاع اي الواردات لمملكة الماءمون باءسرها.
فاءين موضوع هذا الكتاب من موضوع الكتاب الباطل
العاطل؟(انتهى).
وهكذا نرى امراء بني عمار كانوا في الوقت نفسه علماء
مؤلفين يؤلفون في ما يسمى اليوم بالاقتصاد السياسي. ومن
المؤلفات التي صدرت في ظل حكم بني عمار مؤلفات اسعد بن
احمد بن ابي روح التي مر ذكر بعضها.
وديوان ابن خرسان المتوفى سنة 497ه.، وديوان احمد بن منير
المتوفى سنة 548ه.، وروضة النفس لابن البراج المتوفى سنة
481ه.، وديوان لابن النقار المتوفى سنة 567ه.،وديوان لابن
هبة اللّه العلوي الحسيني المتوفى بعدسنة 515ه.، والتصريح
في شرح قصيدة كثير وابن ذريح للراشدي بن بركات المتوفى
سنة 540ه. ، وغير ذلك.
حركة شعرية ناشطة
وكان بنو عمار من المقصودين بالمدح من شعراء عصرهم،
فمن الشعراء الذين مدحوهم: ابن الخياط، وابن النقار،
وابوالمواهب المعري، وابن العلاني المعري، وابو
الفتيان بن حيوس.
فمن مدائح ابي المواهب المعري قوله، في ذي السعدين،
فخرالملك عمار بن محمد بن عمار من قصيدة جاء فيها:
ااحبابنا جرتم مع البين فاعدلوا
وجزتم مدى هجرانكم فترفقوا
فورب فلاة جبتها، وهو مؤنسي
وخيفانة تجري مرارا وتعنق
وظلت اخطيها البلاد ودونها
طرابلس حيث الاماني وجلق
ورجحت ما بين الملوك فما بي
رجاء بذي السعد بن اوفى واوفق
مليك به الامال القت عصا النوى
فقرت وفي اوصافه المدح يصدق
وعرض لي غيث على الشيم مرعد
من الشام نجاح السحائب مغدق
هو البحر الا انه غير مالح
هو البدر الا انه ليس بمحق
حمى الثغر من رشف المواضي فقد
كفى تاءشب ما يحميه سور وخندق
لكم آل عمار على الجود مسحة
سحاب الندى فيها من التبر مغدق
وفيك اطاعتني القوافي كاءنها
لمدحك تهوى او لنظمي تعشق
وقد كسدت هذي البضاعة برهة
ولم تك الا في زمانك تنفق
ويقول فيه من قصيدة اخرى:
عزت طرابلس فيا لك بلدة
طالت بمالكها على البلدان
موج بظاهرها وموج باطن
سبحان محرزها من الطوفان
يفديك قوم ضاع شعري فيهم
وغدوت جارهم فضاع زماني
انست طرابلس بما اوليت
للمملوك طيب معرة النعمان
وفي احد المجالس الشعرية التي كان يلتقي فيها الشعراء
بفخرالملك اقترح عليهم ان يعارضوا قصيدة محمد بن
هانى ءالاندلسي الرائية الشهيرة التي مطلعها:
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر
وامدكم فلق الصباح المسفر
باءن ينظم كل واحد منهم قصيدة على وزنها وقافيتها،
فسبقهم في ذلك ابو الحسن علي بن ابراهيم، المعروف بابن
العلاني،بقصيدة اعجبت فخر الملك فاءجازه عليها واستغنى
بهاعن قصائدبقية الشعراء.
وكان فخر الملك يقود، يومذاك، الكفاح الاسلامي
على الصليبيين، ويتحمل حصارهم لمدينته ويدافعهم عن
وطنه، والى ذلك يشير الشاعر في بعض ابيات القصيدة، كما
اشارابوالمواهب المعري في قصيدته المتقدمة بقوله:
حمى الثغر من رشف المواضي فقد
كفى تاءشب ما يحميه سور وخندق
قال ابن العلاني في بعض ما قال:
يا ناصر الدين الذي لو لم تطل
منه مقارعة العدى لم ينصر
والمجد صعب المرتقى الا على
يقظان في ذات الاله مشمر
ان العلى ما بين كف برة
منه ووجه بالطلاقة مسفر
ايظن جند الشرك عزمك مغفلا
حز الطلى منهم وقطع الابهر
فلتنسفنهم سطاك بعاصف
يجتث اصل المشركين بصرصر
وليجلبن ذوي القسي اعدها
للشرك كل مباسل متنمر
تقضي فروض الصوم اكرم صائم
واهل عيد الفطر اكرم مفطر
لا تعدم الاعياد ان البستها
ببقائك الممدود احسن منظر
وقال الشاعر ابن الخياط يمدح علي بن محمد بن عمار،
ابوالحسن جلال الملك، من قصيدة:
احب مكارم الاخلاق منه
واعشق دولة الملك الجواد
رجوت فما تجاوزه رجائي
وكان الماء غاية كل صاد
صحبنا عنده الايام بيضا
وقد عم الزمان من السواد
وادركنا بعدل من علي
صلاح العيش في دهر الفساد
ابوك تدارك الاسلام لما
وهى او كاد يؤذن بانهداد
سخا بالنفس شما بالمعالي
وجاهد بالطريف وبالتلاد
فكيومك اذ دم الاعلاج بحر
يريك البحر في حلل وراد
رعى منك الرعية خير راع
كريم الذب عنهم والذياد
وعندما ترك ابن الخياط طرابلس الى دمشق كتب اليه،
منهاقصيدة، في مدحه، قال فيها:
لئن عداني دهر عن لقائكم
لما عداني عن تذكار ما سلفا
ما وجد من فارق القوم الالى ظعنوا
كوجد من فارق العلياء والشرفا
اعديتم يا بني عمار كل يد
بالجود حتى كاءن البخل ما عرفا
ما كان يعرف كيف العدل قبلكم
حتى ملكتم فسرتم سيرة الخلفا
محامد ليس يبلي الدهر جدتها
وكيف تبلى وقد اودعتها الصحفا
وبلدة قد حماها منك رب وغى
لا تستقيل الردى منه اذا دلفا
ان اقلق الخطب كانت معقلا حرما
او اطبق المحل كانت روضة انفا
وقال من قصيدة في مدحه:
نرجي الحيا من راحة ابن محمد
واي سماء لا تشام بروقها
وقى اللّه فيك الدين والباءس والندى
عيون العدى ما جاور العين موقها
خشوع وايمان وعدل ورافة
فقد حق بالنعماء منك حقيقها
ويغنيك عن حفر الخنادق مثلها
من الضرب اما قام للحرب سوقها
وقفت القوافي في ذراك فلم يكن
سواك من الاملاك ملك يروقها
معطلة الا لديك حياضها
ومهجورة الا اليك طريقها
وقال، من قصيدة في عمار بن محمد بن عمار، فخر الملك:
الى ربع عمار بن عمار الذي
تكفل ارزاق العباد بجدواه
فتى لم نمل يوما بركن سماحه
على حدثان الدهر الا هدمناه
وقال فيه من قصيدة:
اذا آل عمار اظلك عزهم
فغيرك من يخشى يد الحدثان
هم القوم الا ان بين بيوتهم
يهان القرى والجار غير مهان
اذا رمت شعري في علاك اطاعني
وان رضت فكري في سواك عصاني
هذه نماذج من الشعر الذي مدح به امراء بني عمار
ورجال دولتهم، هؤلاء الامراء الذين كانوا في معظمهم ادباء او
علماء،وكانوا في جمهورهم ذواقين للشعر، مستعذبين
مجالسه مكرمين رجاله، وكانوا، في صفات من الخير والعدل
وجهاد العدووالفروسية والكرم، ما يبعث الشعر اصيلا صادقا
على لسان الشعراء.
ولرواج سوق الشعر، يومذاك، اولع متداولوه
باستكتاب الخطاطين للقصائد بخطوطهم الجميلة، فيدفع
احدهم للخطاطاكثر من سبعة دنانير لكتابة القصيدة الواحدة.
ولقد قبض الشاعراحمد بن حمزة، المعروف بابن الخيشي
الحلبي، نحو مئتي دينار في شهر رمضان لكتابته سبعا وعشرين
قصيدة لجماعة من الطرابلسيين.
بنو عمار من الكتاب الى السيف
عندما وصل القائد الصليبي((صنجيل)) (ريموند دي سان
جيل) الى مشارف الشام كان اول من ادرك الخطر الصليبي
فخر الملك بن عمار، فصمم على الاعداد لهذا الخطر قبل ان
يتغلغل في البلاد الشامية، وذلك بالدعوة الى حلف اسلامي
يقف في وجهه، فراسل الامير ((ياخز))في حمص والملك
((دقاق بن تتش)) في دمشق يقول لهما على مايروي ابن
الاثير: من الصواب ان يعاجل صنجيل اذ هو في هذه العدة
القريبة.
فاستجابا له، فخرج الامير ((ياخز)) بنفسه وسير ((دقاق))
الفي مقاتل، وخرجت الامدادات الطرابلسية فاجتمعوا على
باب طرابلس وصافوا ((صنجيل)) هناك.
يقول ابن الاثير: فاءما عسكر حمص فانهم انكسروا عند
المشاهدة وولوا منهزمين، وتبعهم عسكر دمشق، وحمل
((صنجيل)) بمن معه فكسروا اهل طرابلس وقتلوا منهم
سبعة آلاف رجل، ونازل((صنجيل)) طرابلس وحصرها.
الى هنا، والامر طبيعي، فالحروب سجال: ينتصر هذا
الفريق وينهزم ذاك الفريق... ولكن غير الطبيعي والذي يجعلنا
نكثرمن التساؤل والاستغراب هو المقدمة الذي قدم بها
ابن الاثيرلهذه الحرب وهزائمها، فهو يقول عن احداث سنة
495ه.، بعدان يتحدث عن هزيمة ((صنجيل)) امام ((قلج
ارسلان)): ومضى((صنجيل)) مهزوما في ثلاث مئة فوصل
الى الشام فاءرسل فخرالملك بن عمار الى الامير ياخز والى
الملك دقاق... الى آخرالقول الذي تقدم... ثم يقول: فاخرج
((صنجيل)) مئة من عسكره الى اهل طرابلس ومئة الى عسكر
دمشق وخمسين الى عسكرحمص، وبقي هو في خمسين. فاءما
عسكر حمص فانهم انكسرواعند المشاهدة وولوا منهزمين
وتبعهم عسكر دمشق.
واما اهل طرابلس فانهم قاتلوا المئة الذين قاتلوهم، فلما
شاهدذلك ((صنجيل)) حمل في المئتين الباقيتين، فكسروا
اهل طرابلس وقتلوا منهم سبعة آلاف رجل، ونازل((صنجيل))
طرابلس وحصرها.
يستطيع الانسان ان يقول: ان في كلام ابن الاثير هذا تخليطا
لانعرف عوامله!...
والذي يهمنا الان هو ان حصار الصليبيين لطرابلس برا وبحرا
قدبدا وانه سيستمر عشر سنوات اصبح خلالها شعار بني
عمار:السيف، بعد ان كان شعارهم الكتاب، وان ظل للكتاب
عندهم مكانه الرفيع ومنزلته الكبرى.
يقول المؤرخون:اجتمع على منازلة طرابلس كل
من((برتران)) الابن الاكبر لريموند الصنجيلي، ودوليم
غوردان، ابن اخت ريموند المذكور، و((تانكريد)) امير
انطاكية واللاذقية و((بلدوين)) ملك بيت المقدس،
و((بلدوين)) كونت الرها و((غوسلين)) امير قلعة تل باشر.
وكانت القوى المهاجمة للمدينة تتاءلف من 4000
فارس بروفنسي قدموا مع برتران، وعدد كبير من الجنوية
جاءوابعشرين سفينة، الى جانب سفن برتران وعددها اربعون،
و500فارس اتى بهم بلدوين ملك القدس الى جانب عدد كبير
من الرجالة و700 فارس من خيرة فرسان تانكريد، بالاضافة
الى بلدوين كونت الرها، وجوسلين وحرسيهما، ثم
جموع المردة ومن اتى من جبل لبنان.
كان هذا الجمع قد تجمع على طرابلس بعد ان كلت قواها
بعدعشر سنوات من الحصار المضروب والقتال الدائم، وكان
هوالذي دخل طرابلس.
يقول ابن الاثير، في احداث سنة 596ه. وكان صنجيل
يحاصرمدينة طرابلس الشام، والمواد تاءتيها، وبها فخر الملك
بن عمار، وكان يرسل اصحابه في المراكب يغيرون على البلاد
التي بيدالفرنج ويقتلون من وجدوا. ويقصد بذلك ان يخلو
السواد ممن يزرع لتقل المواد من الفرنج فيرحلوا عنه.
سنة كاملة مرت على الحصار كانت مهمة فخر الملك فيها
مزدوجة ذات شقين: شق دفاعي وشق هجومي، فهو يقف في
وجه اقتحام الصليبيين لمدينته فيقاتلهم دفاعا عنها، ثم هو
ينفذ بمراكبه من بين سفن الصليبيين المحاصرة له، فيهاجم
الصليبيين في مايحتلونه من بقاع.
كان فخر الملك هنا بطل الدفاع والهجوم معا،
وكان((العماريون)) اهله يشدون من ازره، وشعبه الطرابلسي
بصبرويصابر معه. وتاءتي سنة 597ه. فيقول ابن الاثير: في
هذه السنة وصلت مراكب من بلاد الفرنج الى مدينة اللاذقية
فيهاالتجار والاجناد والحجاج وغير ذلك، واستعان بهم
صنجيل الفرنجي على حصار طرابلس، فحصروها معه
براوبحراوضايقوها وقاتلوها اياما، فلم يروا فيها مطمعا فرحلوا
عنها الى مدينة جبيل...
سنتان مرتا وفخر الملك محصور في مدينته، وهو صامد
يدافع عنها دفاع الابطال، ويستعين الاعداء بقوى جديدة فلا
ينالون من صموده منالا...
وفي سنة 499ه. يقول ابن الاثير: كان صنجيل قد ملك
مدينة جبلة، واقام على طرابلس يحصرها فحيث لم يقدر ان
يملكها،بنى بالقرب منها حصنا وبنى تحته ربضا، واقام مراصدا
لهاومنتظرا وجود فرصة فيها، فخرج فخر الملك ابو علي بن
عمارصاحب طرابلس، فاءحرق ربضه ووقف صنجيل على بعض
سقوفه المحترقة ومعه جماعة من القمامصة والفرسان فانخسف
بهم،فمرض صنجيل من ذلك عشرة ايام ومات، وحمل الى
القدس فدفن فيها.
ثم ان ملك الروم امر اصحابه باللاذقية ليحملوا الميرة الى
هؤلاءالفرنج الذين على طرابلس فحملوها في البحر، فاءخرج
اليهافخر الملك بن عمار اسطولا فجرى بينهم وبين الروم قتال
شديدفظفر المسلمون بقطعة من الروم فاءخذوها واسروا من
كان بهاوعادوا.
ويتابع ابن الاثير كلامه:
ولم تزل الحرب بين اهل طرابلس والفرنج خمس سنين الى
هذاالوقت، فعدمت الاقوات به وخاف اهله على نفوسهم
واولادهم وحرمهم فجلا الفقراء وافتقر الاغنياء، وظهر من ابن
عمار صبرعظيم وشجاعة وراي سديد.(انتهى) هذا الكلام الذي
ناءخذه بنصه عن ابن الاثير يغني عن كل تعليق.
ويواصل ابن الاثير قائلا:
واجرى ابن عمار الجرايات على الجند والضعفى، فلما
قلت الاموال عنده شرع يقسط على الناس ما يخرجه في باب
الجهاد،فاءخذ من رجلين من الاغنياء مالا مع غيرهما،فخرج
الرجلان الى الفرنج وقالا: ان صاحبنا صادرنا فخرجنا اليكم
لنكون معكم،وذكرا لهم انه تاءتيه الميرة من ((عرقة)) والجبل.
فجعل الفرنج جمعا على ذلك الجانب يحفظه من دخول شي ء
الى البلد.
فاءرسل ابن عمار وبذل للفرنج مالا كثيرا ليسلموا الرجلين
اليه فلم يفعلوا. فوضع عليهما من قتلهما غيلة. لم يكن ابن
عمارا بطلاشجاعا فقط، بل كان الى ذلك حازما بعيد
النظرمحكم التدبيرجلدا امام الاهوال.. في كل شعوب الارض
يوجد ضعاف النفوس خوارو العزائم، ويوجد حريصون على المال
لا يبالون في هذاالحرص ان يخونوا اوطانهم.
فلا يضير الشعب الطرابلسي ان يوجد في صفوفه مثل
هذين الخائنين الذين لا نشك في انهما جمعا مالهما من الحرام
ومن كل مصدر غير شريف، لان من يقدم على ما اقدماعليه
يكون قداقدم على كل رذيلة في جمع المال!.
كان ابن عمار كما قلنا حازما بعيد النظر محكم التدبير جلدا
امام الاهوال، فلم يشغله ما هو فيه عن التفكير في امر
هذين الخائنين. ان تركهما سليمين يشجع امثالهما على الخيانة
فاءحكم تدبير امر اغتيالهما، واستطاع اختراق صفوف اعدائه
والوصول الى اغتيالهما، وفي هذا ما فيه من قوة العزم وسداد
الراي واحكام الامر..
ابن عمار والسلاجقة
وفي احداث سنة 501ه. يقول ابن الاثير: ورد فخر الملك ابو
علي بن عمار الى بغداد قاصدا باب السلطان
محمد(السلجوقي)، مستنفرا على الفرنج طالبا
تسييرالعساكرلازاحتهم، والذي حثه على ذلك انه لما طال
حصرالفرنج لمدينة طرابلس ضاقت عليه الاقوات وقلت واشتد
الامرعليه وعلى اهل البلد.
ويتابع القول: فلما بلغ فخر الملك انتظام الامور للسلطان
محمدوزوال كل مخالف راى لنفسه وللمسلمين قصده
والانتصار به اه.
لقد استقبل فخر الملك في بغداد من السلطان ومن
الخليفة بحفاوة بالغة، فطالب بالنجدة وتعهد انه اذا اجيب
استنجاده وارسلت معه العساكر يوصل اليهم جميع ما
يلتمسونه. قال ذلك للخليفة وللسلطان، فلم ينل غير الوعود،
فعاد الى دمشق خائبا!..
وقد حدثت في غيابه مؤامرات عليه ساهم فيها نائبه، ما
اخرج الامر من يده وحيل بينه وبين العودة الى طرابلس. وفي
سنة 503ه. كان الصليبيون يدخلون طرابلس. ويوجز
ابن الاثيرذلك بهذه الجمل:
ومد الفرنج القتال عليها من الابراج والزحف، فهجموا على
البلدوملكوه عنوة وقهرا ونهبوا ما فيها واسروا الرجال وسبوا
النساءوالاطفال، ونهبوا الاموال وغنموا من اهلها من الاموال
والامتعة وكتب دور العلم الموقوفة ما لا يعد ولا يحصى، فان
اهلها كانوامن اكثر بلاد اللّه اموالا وتجارة. وعاقب الفرنج ا هلها
باءنواع العقوبات واخذت دفائنهم وذخائرهم في مكامنهم.
وكانت المكتبة الكبرى من ضحاياهم اذ احرقوها بكل ما فيها.
بنو عمار والعمران
لم يغفل بنو عمار النواحي العمرانية في امارتهم، فمن اهم ما
عنوا به المشاريع المائية، فاءمنوا لطرابلس ريا منظما من النهر
الذي عرف بعد ذلك باسم نهر ((ابو علي))، ولايزال حتى اليوم
يعرف بهذا الاسم، فقد كان نهر قاديشا يفيض فيحدث اضرارا ولا
ينتفع منه، فوضع فخر الملك ابو علي ابن عمار خطة انمائية
تنظم امور النهر وتمنع فيضانه، وتجريه في اقنية للري، فعاد
على المدينة ومنطقتها بالخير العميم، ونمت المزروعات
والبساتين والحدائق، وتشكل من ذلك ثروة زراعية ساعدت
على رقي المجتمع، وازدهرت الحقول والارضين المحيطة
بالمدينة بوفرة مزروعاتها وتنوعها وفاضت عن
حاجاتهافاحتفظت باءموالها واستدرت اموالا من الخارج ما كان
عاملا في نهوض الحركة الصناعية والاقتصادية والثقافية.
وعرفت طرابلس، في كتب المؤخين والرحالين، بكثرة ما
تنتجه من الفواكه والثمار، حتى لقد قالوا: ((ان فيها ما لا يوجد
في سائرالاقاليم اصلا، اذ لا يكاد يوجد دار بغير شجرلكثرة
تخرق ارضهابالمياه، فهي تجمع بين ثمار الشام ومصر)).
والفرنج عرفوا قصب السكر، لاول مرة، في بساتين
طرابلس،فنقلوا غروسه الى جزيرة صقلية وجنوب ايطاليا.
ومن انجازات بني عمار انشاء مصانع للورق، فقد كان
الورق السمرقندي هو المشهور في العالم الاسلامي بجودته،
فاذابالورق الطرابلسي يفوقه جودة.
وقد كان لوجود مصانع الورق اثر كبير في رواج العلم
والتدوين والتاءليف في طرابلس وساعد على نهضتها الثقافية
العلمية الادبية، فكثر الوراقون، ونشاءت للتجليد صناعة
فنية على الطريقة الصينية من زخرفة وتوشيح بالخطوط
الملونة. ومن الصناعات التي نهضت في طرابلس صناعة الحرير
التي امتدت مصانعها على ضفاف النهر، بما فيها من
الوف الانوال والمغازل ماادهش الفرنج واثار عجبهم.
وقد عني بنو عمار بالملاحة البحرية فانشاءوا اساطيل
تجارية كانت تجوب البحر حاملة من طرابلس او ناقلة اليها
حاجات الناس هنا وهناك ما اشرنا الى بعضه فيما تقدم
من القول، هذا عدا عن اسطولهم الحربي الذي تولى قتال
اساطيل الصليبيين طوال عشر سنوات.
ومن طرابلس عرف الاوروبيون ((البوصلة)) وكيفية
استعمالها،عرفوا ذلك من البحارة الطرابلسيين.
وقد امتدت آثار بني عمار الى خارج امارتهم، فهم الذين
بنواالجهة الشرقية من الجامع الكبير في مدينة حلب، كما
يثبت ذلك المؤرخ ابن الشحنة الحلبي في كتابه
((الدرالمنتخب في تاريخ مملكة حلب)). كما كانوا يبعثون
القضاة والخطباء الى المدن الشامية، ومن ذلك ما ذكره ((ابن
تغري بردي)) في كتابه((النجوم الزاهرة)) عن ابن تلتمش
انه عندما فتح حصن انطرطوس من الروم سنة 475ه.، بعث الى
صاحب طرابلس جلال الملك يطلب منه قاضيا وخطيبا ليقيم
بها.
عبداللّه بن سباء: قراءة تاريخية في الحدث والدلالة
ا.د. ابراهيم بيضون
1- تندرج حركة عبداللّه بن سباء في ما يعرف ب
((الاسرائيليات)) في التاريخ الاسلامي، والتي كانت تجلياتها
في يثرب، حيث تداول اليهود او قيل ذلك اخبارا عن
ظهورقريب لنبي، واخذوا يتوعدونه ويهددون من يعتقد به.
فكانوا حسب رواية الطبري اذا جرى حديث بينهم وبين العرب
(الاوس والخزرج) ((قالوا لهم: ان نبيا قد اظل زمانه،نتبعه،
ونقتلكم معه قتل عاد وارم)).
ولعل حديث الاسرائيليات كان احد الموضوعات البارزة التي
اولاها عناية كبيرة الاخباريون المسلمون، الى جانب اهتمامهم
بسيرة الرسول(ص). فكان من روادها كعب الاحبار، وهو عالم
كبير من يهود اليمن، عاصر دعوة الاسلام، ولكنه تاءخر في
الانضمام اليها حتى خلافة ابي بكر اي بعد رسوخ
هذا الدين وانتشاره على مساحة واسعة خارج شبه الجزيرة
العربية، واصبح حينذاك مرجعا للاخبار لما قبل الاسلام. فقد
تتبع بعض هؤلاء الاخباريين بشغف الفترة السابقة على الاسلام،
في محاولة منهم لربط الحاضر بالماضي، وما يمكن ان تضيفه
في التعرف على الظروف والعوامل المؤثرة في العقيدة،
المتصلة جذورها بالحنيفية.
كان كعب الاحبار وقد ظل مشكوكا باسلامه اول المروجين
للاسرائيليات على نطاق واسع ما جعلها تتخذ ذلك الحيز في
الروايات التاريخية العربية. وثمة من يرى انه مجردانتهازي
ركب موجة الاسلام، ولم ينفك مسخرا ذكاءه للطعن في
((سلفية)) الدين، واظهار ما لليهود من معرفة
واسعة بالغيبيات. حدث ذلك، او شي ء منه، في عهد عمر بن
الخطاب، الذي تنبه لما يضمره اليهودي المخضرم، فيروي
الطبري ان الخليفة عندما اراد اقامة المسجد في بيت
المقدس، بعد فتحها، استدعى كعبا وساءله: ((اين ترى ان نجعل
المصلى؟ فقال: الى الصخرة، فقال(عمر): ضاهيت، واللّه
اليهودية يا كعب... بل نجعل قبلته صدره.. فانا لم نؤمر بالصخرة
ولكن امرنا بالكعبة)).
وعندما توعد ابو لؤلؤة الخليفة عمر، كان كعب حاضرا بدوره
((المشبوه))، مضفيا على الحادثة مسحة ((توراتية)) تذكرنا
بتلك الاجواء التي سبقت هجرة النبي(ص) الى المدينة.وفي
هذا السياق يروي الطبري، ان كعبا جاء الخليفة في اليوم التالي،
فقال له: ((يا امير المؤمنين، اعهد، فانك ميت في ثلاثة ايام.
قال عمر: وما يدريك؟ قال: اجده في كتاب اللّهعز وجل: التوراة.
قال عمر: اللّه!، انك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال:
اللهم لا، ولكني اجد صفتك وحليتك وانه قد فني
اجلك)). وعلى الرغم من ان احدا لم ياءخذ بصحة
اقوال كعب في المدينة، فانه على ما يبدو لم يكن بعيدا عن
التهمة، باءنه ضالع بصورة ما في عملية الاغتيال، ما دفعه ربما
بسبب ذلك الى الخروج من الحجاز والانزواء في حمص
ولكن الملف برمته طوي باءمر من الخليفة الجديد، لان
التحقيق لو فتح، لطال شخصيات كانت لها مصلحة في غياب
الخليفة القوي، وهي التي المح اليها عبيداللّه بن عمر، بعد قتله
ثلاثة اعتبرهم ضالعين مباشرة في الاغتيال قائلا:
((واللّه لاقتلن رجالا ممن شرك في دم ابي، يعرض بالمهاجرين
والانصار))، حسب الرواية التاريخية. وكان
علي(ع) قد طالب باجراء محاكمة للمتهمين، بمن فيهم ابن
الخليفة السابق، الا ان ذلك لقي معارضة من ((بعض
المهاجرين))، فضلا عن عثمان الذي حسم الامر على الطريقة
((الاموية)) ، حين تحمل دية القتلى من ماله الخاص.
ينطوي كعب الاحبار بعيدا عن الاضواء في ((منفاه))، ولكن
مدرسته ظلت قائمة تجذب اليها اولئك الذين اغراهم الدخول
الى عالم الاساطير والبحث في التاريخ ((المجهول))لما قبل
الاسلام. وقبل موته نسب له القول في مجال التنبؤ: ((لن يملك
احد هذه الامة ما ملك معاوية)). وقد تصدى
لهذه المساءلة بشكل خاص،الاخباريون اليمنيون الذين وجدوا
في الاسرائيليات مادة خصبة للتعرف الى تاريخ بلادهم القديم.
ومن ابرز هؤلاء: وهب بن منبه وعبيد بن شريه في القرن الاول
الهجري، اذراكم كل منهما، بدافع التعصب لموطنه كما يعتقد
الدوري اخبارا عن تاريخها، هي عبارة ((عن مزيج من القصص
الشعبي والاسرائيليات، وحاول الاخباريون اليمنيون
بذلك تمجيد عرب اليمن، باءن نسبوا اليهم امجادا في الحرب
والصنعة واللغة والادب وحتى في الدين، ليدللوا على انهم
سبقوا عرب الشمال في امجادهم، او انهم لا يقلون عنهم
في ذلك)).
وقد تمتع عبيد بن شريه بشهرة خاصة في هذا المجال، لا سيما
وانه عمر طويلا وعاصر معاوية بن ابي سفيان الذي كان شغف
بسماع قصص التاريخ، ((ويستمر حسب رواية المسعودي الى
ثلث الليل في اخبار العرب وايامها والعجم وملوكها وسياستها
لرعيتها وسير ملوك الامم وحروبها ومكايدها... وغير ذلك من
اخبار الامم السالفة)). وغالبا ما استدعى
معاوية عبيدا، ليحدثه بمثل هذه الاخبار التي كان كثيرها على
ما يبدو ملفقا، ويدخل في نطاق الاساطير اكثر من الواقع.
وهكذا يدخل الفكر اليهودي عبر التاريخ الى تراث العرب،
فيشكل مادة اساسية في اخبار المرحلة السابقة على الاسلام.
وكان اكثر من روج له في ذلك الوقت المبكر الذي شهد بدايات
التكوين التاريخي، وهب بن منبه، وهو ولد لام عربية في
اليمن، الا ان الغموض يحيط بنسب ابيه، اذ يرى المؤرخ زكار
باءنه يتحدر من ((الابناء)) الفرس وربمااعتنق
اليهود
ولكن وهبا سارع الى الانخراط في الاسلام، وتوصل
الى ان يكون ((من خيار التابعين... ومات وهو على قضاء
صنعاء)).
كما جاء في تصنيف ياقوت الحموي له والذي
وصفه ايضا، باءن ((صاحب القصص... كثير النقل من الكتب
القديمة المعروفة بالاسرائيليات)). وعلى
الرغم من اتخاذ سيرة الرسول حيزا ما في اخبار وهب، الا انه
اهتم اساسا شاءن عبيد بن شريه بتاريخ اليمن، دامجا الكثير من
الاسرائيليات بالاساطير العربية القديمة عنه.
ولا شك ان تاءثير الاسرائيليات ظل واضحا، ولوقت غير قصير،
في الاعمال التاريخية للعرب المسلمين، حتى اذا كان عصر
المؤرخين الكبار في القرن الثالث الهجري، بات من الماءلوف
في منهاجهم، وضع مقدمات لتواريخهم تتسع لقصص الانبياء
السابقين، وهو ما يندرج ايضا في باب
الاسرائيلياتكما يتجلى على
الخصوص لدى كل من اليعقوبي والطبري. وعلى
هذا النحو سار المؤرخون في القرون التالية، فجاءت مقدماتهم
مزدحمة باءخبار الامم القديمة، لا سيما اخبار بني اسرائيل.
واذا كان المؤرخون الاوائل، في انكبابهم على التاءريخ للاسلام،
قد راوا ان عملهم لا يكتمل الا بالعودة الى ما قبله، فان موجة
الاسرائيليات ربما عن غير قصد لم تعدم تاءثيرافي اخبارهم، لا
سيما تلك التي يشوبها تلفيق من حركات المعارضة. وليس
بعيدا ان تكون شخصية عبداللّه سباء، من ضمن ما لفقته
الروايات التاريخية، في سياق الدفاع عن الشرعية الممثلة
بالخلافة، والتي كان المؤرخون عموما يدورون في فلكها،
ويرون انها رمز وحدة المسلمين، كائنا من كان القائم باءمرها.
وهي مساءلة لا تعدو المنهج في النهاية، لان المؤرخ محكوم
بالنص ولا سبيل امامه سوى الالتزام به. ولكنه انطلاقا من
الخبرة وما يتمتع به من ثقافة تاريخية، فضلا عن النظرة
النقدية التي يتوصل اليها،يستطيع، ومن غير صعوبة، التمييز
بين الروايات، شاءن الذين حققوا في احاديث الرسول، فنبذوا
الكثير مما ليس مقبولا منها. والشك يصبح هنا من واجبات
المؤرخ، دون ان يكون غير وسيلة لاكتناه الحقيقة التاريخية،
لان الاستسلام للنص معناه الاصطدام بمنطق الحدث الذي
خضع لاعتبارات ربما مست الجانب الموضوعي فيه.
وليست رواية عبداللّه بن سباء وحدها مما يثير الريب لدى
المؤرخ الذي يجد نفسه احيانا امام احداث ليست خالية من
الصنعة، او من تدخل العنصر الخارجي فيها، على نحويخل
بالانسياب في مسار المرحلة، ونتوقف هنا بشكل خاص عند
حادثة ((فلورندا)) التي يبدو انها مدسوسة
من المؤرخين الاسبان، كاءحد العوامل التي مهدت لفتح
بلادهم، دون ان يكون لها من هدف سوى تشويه الانجاز الذي
حققه العرب المسلمون في اسبانيا.
وهكذا تسربت، الى الفكر التاريخي العربي، المؤثرات اليهودية
مؤدية الى تراكم الاساطير والغيبيات فيه، دون ان يقتصر ذلك
على الحقبات السابقة على الاسلام، ولكنهاانعكست بصورة ما
على احداث بعده، لم تخل اخبارها من نفس اسطوري، ولم
يتنبه المؤرخون من اقطاب المدرسة الحديثة كثيرا الى هذه
المساءلة، خصوصا وان الغالبية منهم اغفلت نقد النص التاريخي،
ما جعل اعمالهم محاكاة لاعمال الاسلاف في المضمون
والاسلوب وحتى في طريقة التفكير. وعندما ترجم المؤرخ
حسن ابراهيم حسن، كتاب المستشرق الهولندي ((فان
فلوتن)) بدا تاءثره واضحا بالمناخ السائد في
القرون الهجرية الاولى، فاستبدل ب ((المعتقدات المهدية))
(من عنوان الكتاب)،((الاسرائيليات)) التي وجدها اكثر ملاءمة
لمنهاجه المتطابق الى حد كبير مع مناهج المؤرخين الاوائل.
2- من هو عبداللّه بن سباء؟
بعد هذا المدخل في المنهج، نتساءل عم اذا كانت شخصية
عبداللّه بن سباء من انتاج ذلك الموروث ((الاسرائيلي)) الذي
اختزنته الذاكرة العربية قبل مرحلة التدوين، او بمعنى آخر عما
اذا كان مجرد اسطورة على هامش الاحداث، ام حقيقة تغلغلت
في نسيجها، وبالتالي كانت وراء ذلك المنعطف الاكثر خطورة
في تاريخ الاسلام؟.
هذه القضية ظلت ساكنة خلال قرون عديدة، ولم يتعد
التعرض لها ما جاء في رواية سيف بن عمر المفردة عنها، اي انه
تم التعامل معها على اساس انها جزء لا ينفصل عن سياق ما
عرف ب ((الفتنة)) الاولى، بل من ادوات تفجيرها الرئيسة عند
بعض المؤرخين. ولقد بقي ذلك قائما، ما بقي المنهج التاريخي
متوكئا على منهج الرواية الخبرية، بعيداعن اي نقد او تحليل او
مقارنة. على ان ((السبئية)) دعوة ابن سباء اصطدم بها لاول
مرة في هذا القرن، الكاتب الكبير طه حسين، وهو وان لم يكن
مؤرخا، الا انه امتلك حساتاريخيا مرهفا، مكنه من الخوض في
اشكاليات مهمة على مساحة المرحلة. وقادته ابحاثه حول ابن
سباء الى التشكيك بظهوره في الاصل، فاتحا الباب امام اعادة
النظر في هذه المساءلة وغيرها من المسائل في التاريخ
الاسلامي.
غير ان الشك يصبح يقينا لدى مؤرخ معاصر، هو السيد مرتضى
العسكري الذي تصدى على نطاق واسع لشخصية ابن سباء،
متوجا جهوده بكتاب قارب فيه المنهج العلمي، وقدصدر في
ستينات هذا القرن تحت عنوان: ((عبداللّه بن سباء واساطير
اخرى)). نقول قارب هذا المنهج، لان الدخول كليا فيه يقتضي
الحيادية التامة وعدم الانطلاق من فكرة قائمة في تفسير
التاريخ، اذ ان العسكري يتعامل مسبقا مع موضوعه على اساس
انه رواية ملفقة هدفها النيل من علي، وربط التيار الذي يمثله
بعنصر خارجي، في حين ان المؤرخ محكوم، من حيث المبدا،
بالعودة الى النص.
واي استنتاج يصل اليه انما يكون من داخل هذا النص وليس
بعيدا عنه. ولا نقصد هنا التبخيس بما قام به هذا العالم
المحقق، ولكن الانحياز الذي يتجلى ابتداء من المقدمة
في الكتاب، وذلك على قاعدة الرفض المطلق لوجود هذه
الشخصية، جعل منه طرفا ((مقاتلا))، اكثر منه مؤرخا هادئا
يتوخى فقط الحقيقة التاريخية.
ولعل ما تردد من عبارات ((متوترة)) اذا جاز التعبير في
مستهل الكتاب، انما جاء استجابة لهذا الموقف الذي يسارع
((العسكري)) الى اعلانه. ومن ذلك: ((يتلخص ما زعموا
باءن يهوديا من صنعاء اليمن اظهر الاسلام في عهد عثمان
واندس بين المسلمين... وسموا بطل قصتهم عبداللّه بن سباء،
ولقبوه بابن الامة السوداء... وزعموا ان السبئيين اينما
كانوااخذوا يثيرون الناس على ولاتهم... وزعموا ان المسلمين
بعد ان بايعوا عليا وخرج طلحة والزبير لحرب الجمل، راى
السبئيون ان رؤساء الجيشين اخذوا يتفاهمون...فاجتمعوا ليلا
وقرروا ان يندسوا بين الجيشين ويثيروا الحرب... وزعموا ان
حرب البصرة.. وقعت هكذا دون ان يكون لرؤساء الجيشين فيها
راي او علم... الى هنا ينتهي هذاالقاص من نقل قصة السبئيين،
ولا يذكر بعد ذلك عن مصيرهم شيئا...)).
ولعل نفي الكاتب، على هذه الصورة لشخصية ابن سباء، قد
يؤدي الى عكس ما يتوخاه، اي الى ((تكبير)) هذه الشخصية
ونسب اعمال خارقة اليها، حتى لو اشارت الى ذلك الرواية. اذ
في هذه الحالة، منطق الحدث الذي يعني المؤرخ وليس
الحدث نفسه، خصوصا اذا كان مقطوعا عن سياقه او على تنافر
معه.
فاذا توقفنا عند حرب الجمل التي وردت في النص السالف
كمسرح للسبئيين فانها واستنادا الى مجموع الروايات قد
نضجت فكرة في مكة بعد التئام قادة المعارضة لعلي(طلحة،
الزبير، عائشة)، وموافاة يعلى بن منبه التميمي (والي عثمان
على صنعاء) لهم، ومعه خراجها، حيث اسهم والزبير وعبداللّه
بن عامر (والي البصرة في عهد عثمان) في تمويل حركتهم
المناوئة للخليفة. وقد اختار هؤلاء البصرة
بعد دراسة دقيقة، كونها مهياءة اكثر من غيرها لتشكيل بؤرة
يعملون من خلالها على اسقاط خلافة علي.
ولم تكن الحرب التي وقعت فيها الا محصلة حتمية لخروج
قادة المعارضة في جو مشحون اساسا بالعداء للخليفة، ولم يكن
بحاجة الى عنصر آخر يسهم في شحنه وجره الى الصدام
المسلح.
وفي ظل هذا الجو، ذهبت سدى مناشدة علي لهم ((في
الدماء))، اذ ((ابوا الا الحرب)) كما يقول المسعودي
كما تبدد تحذير الممول الرئيس للحركة(يعلي بن
منبه) الذي قدر صعوبة الموقف في البصرة، واخذ يتجه
باءنظاره الى الشام حيث اسس معاوية
لسلطة قوية فيها، متقاطعا في ذلك مع عبداللّهبن عامر الذي
نصح بعدم تجاهل معاوية: ((فان غلبتم عليا فلكم الشام، وان
غلبكم علي كان معاوية لكم جنة)).
والسؤال ما زال قائما.. من هو عبداللّه بن سباء؟
وبداية لا بد من القول وهذا ما تنبه له اولا طه حسين وخاض
فيه على نطاق واسع مرتضى العسكري ان الطبري تفرد من
بين مؤرخي جيله الكبار، بذكر هذه الرواية المنسوبة للاخباري
سيف بن عمر التميمي. ولعل هذا المؤرخ الذي تستهويه
التفاصيل، وعرف عنه عدم الاكتفاء برواية واحدة، خلافا
لمعاصريه الذين تعمدوا الانتقاء في رواياتهم، كان يجنح احيانا
عن هذه القاعدة، فيقع في شرك الرواية المفردة في غير
موضع من ((تاريخه)) المطول، منحرفا بها من السياق مكانا
وزمانا، وعن المنهج الذي التزم به على مساحة واسعة منه. ومن
ذلك تلك الرواية الغربية وهي لسيف ايضا التي تتحدث عن
غزوة امر بها الخليفة عثمان الى الاندلس
دون ان يكون العرب المسلمون قد انتشروا نفوذا ما يتعدى
((برقة)) في افريقية. واذا توقفنا عند الجزء الرابع من
((تاريخه))، والذي تغط ي مادته احداثا شديدة الاهمية في
التاريخ الاسلامي (1636- ه)، فنجد ان اغلب الروايات متوكئة
على سيف، وهو كاخباري لا يتمتع بالثقة نفسها التي يتمتع به
الاخرون، ممن اعتمد الطبري على رواياتهم ما يدعونا الى
الحذر من ركام الروايات لدى هذا المؤرخ، حيث انصبت غزيرة
في مكان، وتخلخلت حتى الرواية الوحيدة بل المبتسرة في
مكان آخر.
وبالعودة الى رواية سيف عن ابن سباء، فاننا لا نعثر فيها الا على
القليل جدا من سيرة هذا الرجل: نشاءة وسلوكا وتوجهات، قبل
ان يبرز فجاءة في ذلك الدور المنسوب له، مخترقاوعلى نحو
غير ماءلوف، البنية الفكرية والسياسية للمسلمين في
((المدينة)) والامصار. فقد اكتفت الرواية بوصفه انه ((كان
يهوديا من اهل صنعاء، امه سوداء، فاءسلم زمان عثمان،ثم تنقل
في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدا بالحجاز، ثم
البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند احد من
اهل الشام، فاءخرجوه حتى اتى مصر، فاعتمرفيهم، فقال لهم
فيما يقول: لعجب ممن يزعم ان عيسى يرجع، ويكذب باءن
محمدا يرجع، وقد قال اللّه عز وجل: (ان الذي فرض عليك
القرآن لرادك الى معاد). فمحمد احق
بالرجوع من عيسى.. ثم قال لهم بعد ذلك: انه كان الف نبي،
ولكل نبي وصي، وكان علي وصي محمد، ثم قال: محمد خاتم
الانبياءوعلي خاتم الاوصياء. وقال بعد ذلك: من اظلم ممن لم
يجز وصية رسول اللّه(ص)، ووثب على وصي رسول اللّه(ص).
وتناول امر الامة! ثم قال لهم بعد ذلك: ان عثمان اخذها بغير
حق، وهذا وصي رسول اللّه(ص)، فانهضوا في هذا الامر
فحركوه، وابداوا بالطعن على امرائكم، واظهروا الامر بالمعروف
والنهي عن المنكر، تستميلوا الناس،وادعوهم الى هذا
الامر)).
هذه مجمل افكار ابن سباء في القسم الاول من الرواية، وهي
تركز على قضايا اربع رئيسة:
1- فكرة الرجعة بالنسبة للرسول محمد(ص).
2- التاءكيد على حق علي(ع) بالخلافة وصيا للنبي.
3- الطعن بعثمان الذي تولى الخلافة بغير حق.
4- التحريض على الثورة.
ولم يكتف ابن سباء ودائما حسب الرواية ببث هذه الافكار، وانما
يسعى الى الترويج في الامصار، حيث اصاب على ما يبدو شيئا
من النجاح في مصر، كونها اقل تاءثرابالعصبيات القبلية من
الامصار الاخرى. فاءخذ يستنهض اهلها، الامر الذي اثمر بعد
وقت قصير عن موقف كان الاكثر تطرفا ضد الخليفة عثمان.
ولكن المؤرخ لا يدع هذه الرواية، قبل ان يجابه اسئلة لا بد من
طرحها في هذا السياق:
1- كيف استطاع هذا الرجل، وهو حديث العهد جدا بالاسلام، ان
يصل على ذلك النحو من السرعة الى الموقع الذي صار اليه،
متحدثا باءمور تمس عمق المعتقد الديني،وبالتالي الانتقال
بالسرعة نفسها الى قيادة التيار المناهض للخليفة على كامل
مساحة الدولة الراشدية.
2- هل كان ابن سباء يقوم بهذه الحركة بحافز اصلاحي، ام
بحافز تضليلي، انطلاقا من خلفيته اليهودية؟ واستطرادا، هل
كان يتحرك عبر قناعات خاصة به، ام بفعل قوة خفية كانت
تخطط وارءه وتدفع به الى الواجهة؟.
3- علاقته بعلي! كيف بدات؟ ولماذا كان الانحياز له؟ هذا ما
تجاهلته رواية سيف، ولم تلمح اليه اية رواية اخرى. فقد كان
لعلي انصار كثيرون، متحمسون لحقه بالخلافة، فلم جاء التركيز
على شخصيته من خارج النخبة التي تميز باستقطابها، واستمد
منها حضوره المعنوي البارز في ذلك الوقت.
4- هل كان ابن سباء، فعلا، هو الموجه للتيار ((الاصلاحي))
المعارض لعثمان؟ وهذا يعني لو قبلنا به، اننا نلغي تلك
المقدمات التي كانت سابقة على حركته. فالرواية التي تتحدث
عن انتقاله الى مصر، تندرج في العام الخامس والثلاثين
للهجرة، فيما كانت حركة ابي ذر الغفاري في العام الثلاثين
منها، وبعدها بثلاثة اعوام قامت حركة الاشترالنخعي في
الكوفة، متصدية لوالي عثمان، سعيد بن العاص، وسياسته
الاقتصادية بشكل خاص.
5- هل كان هذا ((الداعية))، وانطلاقا من الرواية، شخصية
خرافية اصطنعها خيال ((سيف)) لاضفاء عنصر جديد على
رواياته، يميزه عن غيره من الاخباريين الذين خلت رواياتهم من
اية اشارة لها ام انها شخصية انتهازية توخت ركوب موجة
السخط على عثمان، وصولا الى اهداف لم يتح ذلك العهد
تحقيقها؟..
هذه الاسئلة عدا الشك الذي تثيره حول شخصية ابن سباء،
وقدرته ((الفائقة)) على الدخول في نسيج المجتمع الاسلامي
في ذلك الوقت، فانها تكشف ضعفا في رواية سيف،باهمالها
نقطة اساسية، وهي ان يتاح لابن سباء، ولم يكن قد مضى سوى
القليل من الاعوام على اسلامه، التصدي لمسائل كانت ما تزال
من شاءن النخبة، او ما يسمى بذوي السابقة. ولا يتوقف الامر
عند هذا الحد، فهذا الرجل ((الخارق)) وفقا لما جاء في القسم
الثاني من الرواية يصبح له جهاز تنظيمي متقن، ودعاة
منتشرون باسمه في الامصار، مايذكر بجهاز الدعوة العباسية
التي احتاجت الى سنوات طويلة لتنظيم نفسها على ذلك
النحو.
تتابع الرواية فتقول: ((بث (ابن سباء) دعاته، وكاتب من كان
استفسد في الامصار وكاتبوه ودعوا في السر الى ما عليه رايهم،
واظهروا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوايكتبون الى
الامصار يضعونها في عيوب ولاتهم، ويكاتبهم اخوانهم بمثل
ذلك، ويكتب اخوانهم بمثل ذلك، ويكتب اهل كل مصر منهم
الى مصر آخر بما يصفون، فيقراه اولئك في امصارهم حتى
تناولوا بذلك المدينة، واوسعوا الارض اذاعة، وهم يريدون غير
ما يظهرون ويسرون غير ما يبدون)).
هذه ((الدعوة السرية))، يبدو ان شيئا من اخبارها قد تسرب
الى عثمان، فاءشار عليه المقربون ان يبعث رجالا ممن يثق بهم
الى الامصار لاستطلاع الامر، فانتدب لذلك محمد بن مسلمة
الى الكوفة، وعبداللّه بن عمر الى الشام، وعمار بن ياسر الى
مصر، واسامة بن زيد الى البصرة، فرجعوا جميعا دون ملاحظة
ما يريب، باستثناء عمار الذي استماله القوم((ومنهم عبداللّه بن
السوداء)).
وتنتهي الرواية عند هذا الحد، فلا تشير الى ما كان من امر
عثمان ازاء هذه الحركة التي تؤلب عليه اهل الامصار وتدعوهم
الى اسقاطه، ولعل ما يستوقفنا، في هذا السياق،تلك السرية
التي احاطت بها نفسها، في وقت كانت الاصوات مرتفعة في
الاحتجاج على عثمان، والقيادات في الامصار تتاءهب للقدوم
الى المدينة.
|