وهذا الواقع لم يخف على الرجل القوي في البيت الاموي،
معاوية بن ابي سفيان، الذي ترقب سقوط الخليفة: ((واللّه يا
امير المؤمنين لتغتالن او لتغزين))، استنادا الى رواية
ثانية لسيف. ذلك ان والي الشام، وقد راى
صعوبة انقاذ الخليفة في ظل النقمة الواسعة التي استهدفته،
دعاه ابان اجتماع الولاة في المدينة (34 ه) للانتقال الى الشام،
((قبل ان يهجم عليك من لا قبل لك به، فان اهل الشام على
الامر لم يزالوا)). واذ رفض عثمان ((بيع
جوار رسول اللّه(ص)بشي ء)) فقد تعهد
معاوية ارسال جنود لحمايته، ولكن من غير ان يفي بعهده، ما
جعل الخليفة في ما بعد، يواجه مصيره وحيدا، ودونما تدخل
لمصلحته حتى من الجانب الاموي.
فهذه السلطة التي ضاقت بحركة الغفاري، وهو سابق
في الاسلام وله موقع معنوي بارز فيه، نجدها تتصرف بشي ء
من الليونة مع ابن سباء، وهو بعد خارج الاسلام، او ((راغب))
فيه كما عرف عن نفسه في الرواية. فاقتصرت ردة الفعل ازاءه
على نفيه من البصرة، على غرار ما جرى له في الشام على يد
معاوية فيما بعد. فقد يكون مرد هذا الموقف
الى دافعين:
1- ان اركان الحكم جهلوا تفاصيل الحركة ((السرية)) التي
يقودها ابن سباء، استنادا الى قول عبداللّه بن عامر في الرواية
((ما يبلغني ذلك)).
2- ان هؤلاء لم يجدوا فيها خطرا على ((نظامهم))، كذلك
الذي وجدوه في حركة الغفاري الذي خاطبهم من موقع
الاسلام، بما ينطوي عليه ذلك من احراج مباشر
للخليفة وسلطته ((الالهية)).
وهكذا، بناء على هذه الرواية المفردة عن ابن سباء، فان الاخير
لم يحقق ما توخاه من نجاح، لا في مركز الخلافة، ولا في
الامصار الثلاثة (البصرة، الكوفة، الشام) . ولكنه، على ما يبدو،
وصل الى شي ء منه في مصر التي اكره على اللجوء اليها، ممارسا
نشاطه بسرية تامة وبعيدا عن المراقبة المباشرة. واذا كان من
محصلات ذلك، ان وفد اهل مصر بدااكثر حدة في معارضته
للخليفة عثمان بعد قدومه المدينة، فان ما حدث في الاخيرة
من تطورات خطيرة، لم تكن خاضعة كما تبين لمؤثرات
مسبقة، بقدر ما اسهم المناخ الداخلي فيها. ذلك ان قادة
الامصار لم يحملوا معهم خطة مبيتة لقتل الخليفة، وانما
طرات عوامل جديدة، جعلت هذا الامر سبيلا ربما لدى بعضهم
للخروج من الازمة. وثمة مايمكن التوقف عنده اخيرا في هذا
السياق، وهو علاقة السبئيين بالتطرف الذي ابداه ((اهل
مصر)) ازاء الخليفة عثمان. فاذا رجعنا الى الرواية نجد ان
((اخراج)) ابن سباء الى مصرتم على يد معاوية بعد رجوعه الى
الشام قادما من الكوفة في العام الخامس والثلاثين للهجرة، اي
في العام نفسه الذي توجهت فيه وفود اهل الامصار الى
المدينة.. فهل استطاع، وعلى ذلك النحو من السرعة ان يبث
دعوته في هذا الاقليم، وان ((يوسع)) اتباعه ((الارض اذاعة))
كما جاء في الرواية.
ومن اللافت ان ((السبئي)) نفتقده في الحركة التي يفترض
وفقا للرواية ان يكون في مقدمتها، وهي التي تطورت الى قتل
الخليفة عثمان. لعله كان يحيط نفسه بسرية شديدة في ذلك
الوقت، حتى اذا احتدمت المواجهة في البصرة ودائما بالاستناد
الى رواية سيف ظهر بقوة كمحرك للفتنة وداعية للحرب على
راس جماعة من المصريين تدفع في هذا الاتجاه.
وكانت تلك آخر مرة يتردد فيها ذكر السبئي، معبرة عن
الرواية بابن السوداء او عبداللّه بن السوداء.
ولكن السبئيين بوصفهم تيارا سيبقى لهم دور بعد نهاية حرب
البصرة، متخذين حيزا مستقلا عن الخليفة (علي). فقد جاء في
الرواية: ((واعجلت السبئية عليا عن المقام،وارتحلوا بغير اذنه،
فارتحل في آثارهم ليقطع عليهم امرا ان كانوا ارادوه)).
على ان هذا الدور بقي غامضا، ولم يرشح منه ما ينم عن اي
نشاط لهم خلال الوقت الذي امضاه علي خليفة في الكوفة.
ان كثيرا من عناصر الضعف تحيط في الواقع برواية سيف بن
عمر عن عبداللّه بن سباء، مما يعرضها للشك من منظور علمي،
ومن منظور المنطق التاريخي نفسه. وكونها رواية مفردة، بعد
اهمال ركام الروايات لهذه الشخصية، يعزز هذا الشك الذي
يبنى على المقارنة والنقد والتحليل، وليس على الرفض
المبدئي الذي اعلنه مسبقا بعض المؤرخين لاسباب خاصة بهم.
كذلك فان الرواية بحد ذاتها مرتبكة ولا تقدم من المعطيات ما
هو كاف للاحاطة بملابسات الدور الذي قام به هذا
((اليهودي)) القادم حديثا الى الاسلام.
وسواء كانت هذه الشخصية موجودة بالفعل، ام انها تلفيق من
انتاج التواتر الاخباري المعقد، فانها لا تشكل بنظر المؤرخ
العلمي تلك الاهمية التي احيطت بها، اذ ان الاخير، بقدرما
تتوافر المعطيات لموضوعه، فان الطريق تصبح ممهدة امامه
لمقاربة الحقيقة التاريخية. وبناء على ذلك فان حركة ابن سباء،
بالقليل جدا من المادة حولها، من الصعب اتخاذموقف اكثر
وضوحا ازاءها، وهي لا تعدو بالتالي ان تكون ان وجدت فعلا
على هامش المسار التاريخي، سواء بالنسبة للمعارضة بشكل
عام، او بالنسبة لعلاقتها بعلي(ع)والتشيع بشكل خاص.
دور الامويين في تصفية المعارضة
الشيعية
د. سهيل زكار
يستلزم البحث في ((دور الامويين في تصفية المعارضة
الشيعية))كتابة ما لا يقل عن مقدمتين، تبحث الاولى في
استيلاء الامويين على الخلافة، وتهتم الثانية بنشوء
المعارضة الشيعية.
وسيكون الحديث عن قيام الدولة الاموية طويلا، الامر الذي
لايسمح به المقام. ومع ذلك لا بد من توضيح بعض النقاط
حتى نفهم خلفيات بطش رجالات الدولة الاموية:سفيانيين
ومروانيين بممثلي المعارضة الشيعية بلا رحمة، واصرارهم
على لعن الامام علي (ع) على المنابر، علما انهم لم يلعنوا لا
الخوارج ولا افراداي حزب معارض آخر.
المساءلة هنا مرتبطة بالمواريث والجغرافيا والحفاظ على
الملك المغتصب باءي ثمن. لقد تزعم الامويون معارضة قيام
الاسلام،وكانوا اشد الناس عداوة للنبي(ص) ولاله. قتل بعضهم
في بدرعلى ايدي الامام علي(ع) وعمه حمزة(رض)، واسلم
من ظل حيا منهم يوم فتح مكة لا عن طواعية وقناعة. ووصلوا
الى السلطة عن طريق ولاية الشام ذات المواريث المسيحية
البيزنطية،وتذرعوا بكل عذر للانتقام، هم ورجال ادارتهم مثل
منصور بن سرجون، من الاسلام ومن آل البيت، فاستباحوا
الحرمات في كربلاء والحرة وحصار مكة وغير ذلك من مناسبات.
لقد حاول الامويون، خلال قرن من الزمان، الوصول
الى الاعتراف بشرعية الامر الواقع، فاءخفقوا وزالوا من دون
ان يخلفوا وراءهم اية قواعد او جذور.
تباينت الاراء حول تاريخ نشوء حزب الشيعة ومن انشاءه،
واين نشاء، والادوار التي مر بها خلال التاريخ. ويمكن القول:
((ان اول من وضع بذرة التشيع في حقل الاسلام هو
نفس صاحب الشريعة)) على اساس ان الدعوة الاسلامية
مثلت في مكة حركة معارضة للنظام الذي سيطر عليه تجار
بني امية وغيرهم من سادة قريش. وارتبط التشيع ظهورابالامام
علي بن ابي طالب(ع)، ابن عم النبي(ص)، وربيبه، وصهره
ووالد سبطيه.فقد كان الامام علي(ع) اول فتى يعتنق الاسلام،
وعاش سنوات الدعوة في مكة، ولازم ابن عمه(ص) بلا انقطاع،
فنهل من ينابيع الاسلام الصافية، وكان اكثر الناهلين واوعبهم،
ويوم قررالنبي(ص) الهجرة بات في فراشه، معرضا حياته
للقتل. ولقداتصف الامام علي بالشجاعة المطلقة وبالصفاء
العقائدي،واجتمع في شخصه العلم ومعرفة الاسلام مع النباهة
والفتوة والجسد القوي المعافى. وبعد الهجرة الى مكة
آخى النبي(ص) بينه وبينه.
وظهر في المدينة المنورة مفهوم الامة الاسلامية، وولد مع
هذاالمفهوم مفهوم آل البيت، وكان النبي(ص) سيد الامة
وراس آل البيت، وكان الامام علي(ع) الثاني بعده في آل البيت.
الامام علي(ع) النموذج الكامل للشخصية المسلمة. لهذا كان
من الطبيعي ان يتعلق به بعض المسلمين، ويرون فيه
استمرارالرسالة، بعد انتقال النبي(ص) الى الرفيق الاعلى.
ولا بد من الاشارة هنا الى ان النظام الذي كان يتحكم بمكة،
وان هزم يوم فتحها، لم يزل من الوجود، بل حافظ على
اعتباره واندس ببراعة داخل صفوف الدولة الناشئة
التي احتاجت الى الكوادر الادارية والقيادية. وفي الادارة كسب
الامويون المال والجاه فتهياءت امامهم الفرص للوثوب على
السلطة واغتصابها.
توفي النبي(ص)، وانشغل الامام علي مع آله
بالمصيبة وبتجهيزه. وفي تلك الساعات كانت حوادث اجتماع
سقيفة بني ساعدة. ففي هذا الاجتماع تمكن الصحابة: ابو
بكر،وعمر، وابوعبيدة من احباط خطط الانصار بالاستيلاء على
السلطة وفرض((واقع انصاري)) بحل مماثل فرض ((واقعا
قرشيا)) اوجد مؤسسة الخلافة، لكن من دون شورى كاملة في
المسجد كما قضت القاعدة.
وفوجى ء الامام علي(ع) بما حدث، وسكت عنه لان مصلحة
الامة اقتضت ذلك بسبب تفجر حروب الردة. المهم الان عاد آل
البيت بزعامة الامام علي(ع) الى حال المعارضة،ولئن
افلح النبي(ص) في حكم الامة كلها لسنوات قصار بعد فتح
مكة، لم يتمكن احد من آل البيت من حكمها كلها بعده، وظل
الشيعة يقودون المعارضة المنادية بالاصلاح والعودة الى
المنهج المحمدي.
كانت ولاية ابي بكر قصيرة، وقد عهد ابو بكر بالخلافة من
بعده لعمر بن الخطاب. وفي ايام عمر بن الخطاب حدثت
تطورات سياسية كبيرة، حيث بات العرب يقبلون بمبداتوريث
السلطة،ولهذا اخذ الناس يتمنون على عمر تسمية ولي عهد
له، لكنه تردد بعدما استعرض اسماء ابرز المرشحين، وبعدما راى
علي بن ابي طالب(ع) اجدرهم واكثرهم اهلية.
ويلاحظ ان عدد افراد آل البيت كان صغيرا في هذه
الاونة مقارنة ببقية اسر قريش لا سيما بني امية وبني مخزوم،
وبعدنجاح حركة الفتوحات بات رجال هاتين
العشيرتين الولاة والقادة، اي الطبقة الحاكمة. وبحكم هذا الواقع
الجديد مارسوانفوذا واسعا على سكان الامصار الاسلامية
الجديدة، ولاقوا، في الوقت نفسه، معارضة شديدة.
ولدى قراءتي مخطوط كتاب ((انساب الاشراف)) دهشت
لحجم الثروات التي تجمعت في ايدي رجال الطبقة الحاكمة
الجديدة. ومن اخبار هذا الكتاب ومصادر اخرى رايت ان جميع
ولاة عمربن الخطاب وقادته قد اتهموا باستغلال موارد الدولة
وتصرفوابها، ولم يملك الخليفة على صرامته وحزمه سوى
سلاح العزل اومقاسمة الثروة او المصادرة. وقدفعل هذا مع
كثيرين، ولم ينج منه حتى خالد بن الوليد.
تمركز جند الفتوحات، ايام الخليفة عمر بن الخطاب، في
البصرة والكوفة في العراق، والجابية وحمص في الشام
والفسطاط في مصر، واراد الجند اسماع اصواتهم حول
ادارة الدولة ومستقبل السلطة. ويرى بعضهم في عدم تسمية
عمر بن الخطاب لعلي بن ابي طالب(ع) خليفة من بعده واخذه
بحل شورى الستة مخرجافي مواجهة المعارضة المحتملة.
اغتيل الخليفة عمر بن الخطاب، واجتمع رجال الشورى
بعده.وبعد مناورات سياسية جرى اختيار عثمان بن
عفان خليفة، ووصف ابن عباس ولاية عثمان وسيرته
بقوله:((فعمل بعمل صاحبية ستا لا يخرم شيئا الى ست سنين،
ثم ان الشيخ رق وضعف فغلب على امره)).
واوضح ابن الاعثم الكوفي هذا الوصف الموجز بقوله: ((لما
صارالامر الى عثمان بن عفان، واجتمع اليه الناس، ارسل الى
عمال عمر بن الخطاب، فاءقرهم على اعمالهم التي هم عليها
مدة يسيرة من ولايته، ثم انه بعث اليهم فعزلهم عن الاعمال،
وجعل يقدم اهل بيته وبني عمه من بني امية، فولاهم
الولايات،... ثم كثرالمال عليه، فكان كلما اجتمع عنده شي ء من
ذلك يفرقه... حتى كان ياءمر للرجل الواحد بمائة الف درهم، ثم
قدم عليه عبداللّهبن خالد بن اسيد بن ابي العاص فوصله
بثلاثمائة الف درهم، ثم بعث الى الحكم بن ابي العاص فرده الى
المدينة، وهو طريدرسول اللّه، ثم وصله بمائة الف درهم من
بيت مال المسلمين،وجعل له خمس افريقية)).
ويلاحظ ان عدم الرضا المكتوم للامام علي(ع) ولمن التف حوله
خرج الى المجاهرة يوم نجح عثمان بتولي الخلافة، فقدخاطب
الامام علي عبد الرحمن بن عوف بقوله: ((ليس هذا اول يوم
تظاهرتم فيه علينا (فصبر جميل واللّه المستعان على
ماتصفون) واللّه ما وليت عثمان الا ليرد الامر اليك. وقال
المقدادبن الاسود: ((يا عبد الرحمن، اما واللّه لقدتركته من
الذين يقضون بالحق وبه يعدلون... ما رايت مثل ما اوتي اهل
هذاالبيت بعد نبيهم، اني لاعجب من قريش، انهم تركوا رجلا
ما اقول ان احدا اعلم ولا اقضى منه بالعدل))، واتخذ عمار بن
ياسرالموقف نفسه، وبناء على هذا يمكننا ان نعد الساعة
التي وصل فيها عثمان الى الخلافة ساعة اعلان قيام الحزب
الشيعي بمثابة حزب معارض للسلطة القائمة.
وفي ايام عثمان باتت موارد الامة وثرواتها نهبا بين رجال
بني امية وحلفائهم، ولم يتورع والي العراق عن القول: ان
سوادالعراق بستان قريش. وجهر المسلمون بالشكوى،وقد
مثلهابالشام ابو ذر الغفاري، فكان نصيبه طرده من الشام، ثم
نفيه الى الربذة. وظهرت بوادر للعصيان في مصر، واضطربت
الاحوال بالكوفة لاسباب كثيرة تصدرها اقدام عثمان على الحاق
ولاية الجزيرة بمعاوية بن ابي سفيان والي الشام، وبذلك جعل
مواردجند الكوفة رهن تصرف معاوية.
وقادت هذه الاحداث الى البحث عن مخرج، وضغط
الشاكون على عثمان، فالتجاء الى الامام علي(ع) واعلن انه
سيغير سياسته ويصلحها، وطلب من الامام علي كفالته،
لكن هذا لم يثمر، فكانت احداث الفتنة الكبرى ومقتل عثمان.
وكان المسلمون اثناءالازمة قد وصلوا الى قناعات ان علي بن
ابي طالب(ع) وحده القادر على اعادة الامور الى نصابهاواصلاح
ما فسد وتقويم الاعوجاج، لكن الاوضاع الحقيقية كانت جد
فادحة، فقد وضح اثناء حوادث الفتنة الكبرى ان سيطرة الخليفة
كانت شبه منعدمة على ولاته وعلى زعماءالجند في الامصار،
وان النزعات الاستقلالية والطموح الى السلطة ظهرت عند
الولاة وعند قادة الجند، وكذلك عند الاحياء من الصحابة
العشرة وسواهم.
تسلم الامام علي(ع) مقاليد الخلافة وسعى الى ايجاد
الحلول لجميع المشاكل، فحرم من الفرص، وفرض عليه خوض
الحروب الاهلية في الجمل، وصفين والنهروان. وقداعتمد
خلال هذا كله على قبائل الكوفة الممزقة بفعل العصبيات
القبلية وغير ذلك،ومع هذا ارتبط تاريخ التشيع خلال العصر
الاموي بمدينة الكوفة الى ابعد الحدود.
والكوفة مدينة تاءسست في العراق مع نجاح حركة
الفتوحات العربية في العراق، وقامت في البداية على شكل
معسكر للجند،او بعبارة اصح: على شكل مضارب خيم
واكواخ لقبائل الجند،وكان ذلك قبل سنة 17 هر 638م. وكان
قرابة نصف الجندالذين استقروا بالكوفة من القبائل القيسية
والبقية من القبائل التي ساندت الامام علي(ع) .
وبالمقابل اتخذت القبائل القيسية موقفا معاديا، والتحق بعض
زعمائها بمعاوية، ونخص هنا بالذكرزفر بن الحارث زعيم قبائل
كلاب.
ولا شك انه يمكننا، من خلال دراسة الصراع بين
اليمانية والقيسية، ان نفهم مصائر حركات المعارضة الشيعية
خلال العصرالاموي، ولا شك ان المساءلة القبلية كانت وراء
الحيلولة بين الامام علي(ع) واحراز النصر في صفين، ثم في
اخفاق التحكيم،وفي قيادة حملة جديدة ضد معاوية الى حادث
اغتياله في مسجد الكوفة.
وشهدت ارض الكوفة جميع الحركات الشيعية التي
استهدفت تغيير السلطة الاموية بوساطة السلاح، ولا شك ان
هذه الحركات قد طورت حزب الشيعة وحولته من
حركة سياسية محصنة لهااسبابها الاقتصادية والاجتماعية الى
حركة ذات محتوى عقائدي وديني.
ومعروف ان الوسط الذي قامت فيه مدينة الكوفة كان
وسطاعميق الجذور في التاريخ، له مواريث بابل وغيرها.
وعندماتحولت الكوفة من معسكر الى مدينة سكنها الناس
من اهل العراق والامصار المفتوحة، ولا شك ان هؤلاء اثروا في
الجندوبهم تاءثروا، وستظهر بواكير المؤثرات الجديدة في
حركة التوابين، ثم اكثر في حركة المختار بن ابي
عبيدالثقفي المعروفة باسم ((الكيسانية)).
بايع اهل الكوفة الحسن بن علي(ع) بعد وفاة ابيه،
واضطرالحسن الى مصالحة معاوية بن ابي سفيان والتخلي عن
الخلافة.وبعد استلام معاوية للسلطة ومغادرة ابناء
الامام علي(ع)العراق الى الحجاز، هدات الامور بعض الشي ء،
لكن لم تتوقف الزعامات القبلية الموالية للامام علي(ع) عن
تبادل الزيارات والاجتماع لاستعراض الامور، والشكوى ضد
تجاوزات السلطة الاموية واصرارها على لعن الامام علي(ع)
على المنابر، وحكم العراق بالحديد والنار وبعثرة الاموال والظلم
والعدوان.ويمكن ان نصف هذا كله ببداية تكوين لتنظيم سري
للمعارضة الشيعية في الكوفة، لكن بمعزل عن المشاركة
المباشرة اوالاشراف من قبل ابناء الامام علي بن
ابي طالب(ع).
ويبدو ان بيوت مدينة الكوفة كانت متلاصقة، وربما كانت
غرفهابلا ابواب. ولم يكن من الصعب ان يعرف كل انسان ما
يجري في البيوت المجاورة، اي ان المدينة انعدمت فيها
السرية،واسهم في هذا الوضع القبلي ووشائج القربى
والمصاهرات،ولان الاحياء كانت قبلية سهل التعرف الى الغرباء
والمارة.
ولذلك تيسر للسلطات الاموية الاطلاع يوميا على
مختلف تفاصيل الحياة في الكوفة، ومعرفة اوصاف جميع الغرباء
الذين وفدوا على المدينة مع اماكن استقرارهم واسماءالذين
التقوابهم حتى انهم عرفوا تفاصيل الاحاديث والنوايا، ومنح هذا
حكام بني امية القدرة على رصد تحركات الشيعة بكل دقة
لهذه الاسباب ولعوامل اخرى يلاحظ ان الثورات التي تفجرت
في الكوفة تحت لواء التشيع، قامت في الاوقات التي اضطربت
فيهاالاحوال في بلاد الشام حاضرة الدولة الاموية.
حركة حجر بن عدي واصحابه:
وكانت اهم الثورات الشيعية هي: ثورة الحسين بن علي(ع)
مع فاجعة كربلاء، ثورة التوابين، حركة الكيسانية بزعامة
المختار بن ابي عبيد، وثورة زيد بن علي بن الحسين. وكان لهذا
مقدمات في ايام معاوية ابرزها اعتقال حجر بن عدي الكندي
وارساله مع رفاقه الى الشام واعدامهم.
وكان حجر بن عدي صحابيا من زعماء قبائل كندة، شارك
في فتوح الشام تحت لواء خالد بن الوليد، ثم عاد الى العراق
بعداليرموك واستقر بالكوفة. وبعد احداث الفتنة الكبرى ارتبط
بايمان بالامام علي(ع)، وحافظ على اخلاصه لقضيته، فكان
ان عارض بشدة اقدام الحسن بن علي(ع) على التصالح
مع معاوية.
روى البلاذري ان حجر بن عدي لم يزل: ((منكرا على الحسن
بن علي صلحه، فكان يعذله على ذلك ويقول: تركت القتال
ومعك اربعون الفا ذوو نيات وبصائر في قتال عدوك)).
وكان معاوية قد اسند اولا ولاية الكوفة الى المغيرة بن شعبة،
وقد مكث المغيرة في منصبه تسع سنوات، لم يتوقف خلالها
حجر بن عدي عن النيل من معاوية وعده مغتصباللخلافة.
وتمكن المغيرة، بصبره وحبه للعافية، من تجنب الصدام مع
حجروشيعة الكوفة، ثم ان نشاط هؤلاء لم يتعد الكلام الى
الافعال.لكن بعد وفاة المغيرة تبدلت الاحوال، فقد اسندمعاوية
ولايتهاالى زياد بن ابيه.
مارس ابن ابيه سياسة عنيفة جدا بالكوفة، ونال في
خطبه واحاديثه من الامام علي ابن ابي طالب وآله(ع). وسعى،
في الوقت نفسه، الى استمالة حجر ومهادنته حيث قال له:
((ياابا عبدالرحمن ان الامر الذي كنا فيه مع علي كان باطلا،
وانما الامر مانحن فيه الان)).
لم يهادن حجر زياد، وتمسك بمواقفه في تعلقه بالامام
علي وآله(ع) ورفضه لمعاوية، فتهدده زياد وضغط عليه، وكان
من عادة زياد امضاء ستة اشهر من كل سنة في البصرة والبقية
في الكوفة، واعتاد المعارضون ((الشيعة))على التردد على
بيت حجر، او الاجتماع في المسجد ((فيذمون معاوية
ويشتمونه،ويذكرون زيادا فيتنقصونه)).
وقبل ان يصل الحال الى الثورة اعتقل زياد حجرا
واصحابه الكبار، ولم يتجرا على البطش بهم بل بعث بهم الى
معاوية، وكان عدد الزعماء الذين رافقوا حجر اربعة عشر
رجلا:وقبل تسييرهم الى الشام كتب زياد محضرا رسميا حول ما
حدث بالكوفة، وضع عليه شهادات عدد من كبار شخصيات
هذه المدينة، وجاء فيه:((ان حجر بن عدي خلع الطاعة وفارق
الجماعة ولعن الخليفة،ودعا الى الحرب والفتنة، وجمع اليه
جموعا يدعوهم الى نكث البيعة، وخلع امير المؤمنين معاوية،
فكفر باللّه كفرة صلعاء،واتى معصية شنعاء)).
سير زياد المعتقلين الى معاوية ليحكم فيهم، ويبدو ان
ارسالهم اليه قد احرجه، لا سيما وان جل اعوانه كانوا آنذاك من
القبائل اليمانية، ولهذا تحرك معاوية بسرعة وسرية كاملة،فما
ان عرف بوصول المعتقلين الى مرج عذراء، خارج دمشق، حتى
بعث من يتولى اعدامهم، واثارت عملية الاعدام رنة حزن في
الشام والعراق والمدينة المنورة.
ويمكن ان نرى، في ما جرى في مرج عذراء، سابقة
خطيرة مهدت الطريق امام يزيد بن معاوية في خرق حرمات
المسلمين دون ان يعباء ب آثار ذلك او بردات فعل المسلمين.
هذا من جانب، ومن جانب آخر جاء مصرع حجر محرضا
للثاءروالثورة، وحين سيجد اهل الكوفة الفرصة المناسبة
سيحاولون الانتقام من السلطة الاموية، كما سنرى.
ثم ان المعارضة التي كانت تتفجر احداثها بالكوفة اخذ
زعماؤهاالان يتطلعون نحو تسمية واحد من ابناء الامام
علي(ع)لقيادتهم، والدعوة له، وكان المرشح البديهي
هناالحسين بن علي(ع). وفي الحقيقة ليس في مصادرنا ما
يحدثنا عن وجوداتصالات واعمال تنسيق بين حجر بن عدي
والحسين بن علي(ع).
ومهما يكن الامر كانت حركة حجر بن عدي حركة
المعارضة الشيعية الاولى للحكم الاموي، فالاحداث التي
تقدمتها ارتبطت جميعا بالعصر الراشدي، وبالحقبة الانتقالية
من هذا العصر الى عصر الدولة الاموية، وشكلت هذه الحركة، في
الوقت نفسه موعد اعادة تشكيل الحزب الشيعي كحركة
معارضة للحكم الاموي. ومن هذا الباب يمكن القول ان قيام
الحزب الشيعي المعارض للسلطة الاموية كان عام (51 ه).
توقف الشيعة عن النشاط العلني بعد مقتل حجر بن عدي، لكن
ماان توفي معاوية بن ابي سفيان وتسلم يزيد ابنه السلطة
حتى تجدد النشاط الشيعي، ولا شك ان انتشار اخباررفض
الحسين بن علي(ع) بيعة يزيد قد كانت له ابعد الاصداء في
الكوفة.
كربلاء والنهضة الحسينية:
توفي معاوية بن ابي سفيان عام 60ه، وكان ابنه يزيد في
منطقة حمص، فجاء الى دمشق حيث وجد الامور ممهدة له
تمام التمهيد، فتسلم السلطة، وقام بالكتابة الى والي
المدينة يخبره بوفاة معاوية وببيعته، وياءمره بالحصول على بيعة
الحسين بن علي(ع) وبقية ابناء الصحابة واهل المدينة، وبادر
الوالي الى استدعاء مروان بن الحكم، وكان شيخ بني
امية بالحجاز، فاءخبره واستشاره، فاءشار عليه باستدعاء الحسين
في تلك الساعة من الليل وارغامه على البيعة او قتله، وعندما
استدعي الامام الحسين(ع) ارتاب بالامر، واحتاط لنفسه، ورفض
البيعة، ثم لم يبت ليلته بالمدينة بل غادرها الى مكة المكرمة
للاعتصام بها،وعد هذا رفضا معلنا لخلافة يزيد. ونظرا لمكانة
مكة وتوافدالمسلمين الدائم عليها،سرعان ما انتشرت الاخبار
في كل مكان،ولا شك انها وصلت الى الكوفة، فتحرك اهلها،
واخذ شيعتهايعدون العدة للثورة.
واحدث استلام يزيد بن معاوية للخلافة صدمة كبيرة
للمسلمين في العراق والحجاز، فاءهل العراق عانوا طويلا من
وطاءة ارهاب زياد بن ابيه والي معاوية واخيه بالبغاء، وها
هوالحسين بن علي(ع) يرفض البيعة ليزيد، ثم ان والي الكوفة
النعمان بن بشير الانصاري كان رجلا يحب العافية وعدم سفك
الدماء وكان يقول: ((ان اكون ضعيفا وانا في طاعة اللّهاحب الي
من ان اكون قويا في معصية اللّه، وما كنت لاهتك سترا
ستره اللّه)).
وشرع الرافضون لبيعة يزيد من اهل الكوفة
يجتمعون ويتباحثون حول ما ينبغي عمله، وبرز الان بين
صفوفهم سليمان بن صرد الخزاعي، واخذ الشيعة الكوفيون
يجتمعون في منزله،وبادروا جماعات وافرادا بمراسلة الحسين
ودعوته للقدوم الى الكوفة لبيعته، وجاء في احدى رسائل
سليمان الى الحسين: ((امابعد: فالحمد للّه الذي قصم عدوك
وعدوابيك قبلك، الجبارالعنيد، الغشوم الظلوم، الذي انتزى
على هذه الامة فابتزهاامرها وتاءمر عليها وغصبها فيئها، وتاءمر
عليها بغير رضاها، ثم قتل خيارها واستبقى اشرارها، فبعداله
كما بعدت ثمود.
ثم انه قد بلغنا ان ولده اللعين قد تاءمر على هذه الامة بلا
مشورة ولا اجماع ولا علم من الاخبار، ونحن مقاتلون معك،
وباذلون انفسنا من دونك، فاقبل الينا فرحا مسرورا،
ماءمونامباركا،سديدا وسيدا، مبرا مطاعا، اماما خليفة علينا
مهديا، فانه ليس علينا امام ولا امير الا النعمان بن بشير، وهو
في قصر الامارة وحيدا طريدا، ليس نجتمع معه في جمعة،ولا
نخرج معه الى عيد، ولا نؤدي اليه الخراج، يدعو فلا يجاب،
وياءمر فلا يطاع، ولوبلغنا انك قد اقبلت الينا اخرجناه عنا حتى
يلحق بالشام، فاقدم الينا فلعل اللّه ان يجمعنا بك على
الحق)).
لاقت مراسلات اهل الكوفة القبول من الحسين، لكن
آله واصدقاءه حذروه من الاستجابة ورجوه اخذ الاحتياط،
خاصة وان السلطة في الكوفة ما زالت فعليا بيد الامويين،
وكون الذين راسلوه هم من اليمانية فقط ولم يراسله احد من
العدنانية،وشجعه عبداللّه بن الزبير على الاستجابة ليتخلص
منه وليغدوالسيد في مكة المكرمة.
وقام الامام الحسين(ع) بارسال ابن عمه مسلم بن عقيل
الى الكوفة ليمهد له الامور. بداية نجح مسلم في مهامه،
وراسل الحسين باءخباره ودعاه الى القدوم. لكن في تلك
الاثناءحدثت تغييرات طارئة في الكوفة، فقد كتب اناس من
الكوفة الى يزيدبن معاوية واخبروه باءوضاعها، فبادر يزيد
باصدار اوامره الى عبيداللّه بن زياد واليه على البصره
بالتوجه الى الكوفة ومعالجة الاوضاع فيها، ويرجح انه امره بقتل
مسلم بن عقيل، ومن ثم استقبال ركب الحسين وقتله ومن
معه جميعا.
نجح ابن زياد فاستولى على مقاليد الامور بالكوفة، وعرف
مكان مسلم بن عقيل، واقام المحارس حول الكوفة ليمنع
الخروج منهاوالقدوم اليها، وادام الاتصال بدمشق التي رصدت
ادارتهاتحركات الامام الحسين(ع) وسفره نحو العراق، وارادت
ابعاده عن الحجاز وتعمية الاخبار عليه ونجحت في هذا السبيل
الى ابعد الحدود.
توجه الامام الحسين(ع) نحو الكوفة ومعه جل افراد اسرته
من ابنائه واخوانه واخواته، وضم ركبه نحو ثمانين فردا بما في
ذلك النساء، ويروى ان الحسين لقي في طريقه الشاعر
الفرزدق،فساءله عما استجد بالكوفة، فاءخبره ان قلوب اهل
الكوفة معه وسيوفهم عليه، ويقال ايضا انه اخبره بمقتل مسلم
بن عقيل من قبل ابن زياد.
لقد تعددت الروايات حول هذا الموضوع، ويرجح انه سواء
عرف الامام الحسين(ع) بما حدث بالكوفة ام لم يعرف، كان
موقنا ان السلطة الاموية لديها قرار بتصفيته جسديا مع آله.
وبالفعل ما ان دخل السبط النبوي الوحيد مع آل البيت حدود
العراق حتى وجد نفسه مطوقا بجيش عرمرم ارسله ابن زياد،
ومنعت طلائع هذا الجيش الذي قاده عمر بن سعدبن ابي
وقاص الحسين من حرية الحركة.
لا شك انه كان بامكان جيش عمر بن سعد، وقد تجاوز
العشرين الفا، اعتقال الحسين واصحابه بعد حصارهم ومنع
الماءوالاطعمة عنهم، لكن التعليمات الاموية كانت تهدف الى
قتل الحسين لا الى اعتقاله. وهكذا نفذت جريمة قتل آخر سبط
على وجه الارض لخاتم الانبياء، وكانت مذبحة بشعة لا مثيل
لهااقترفتها السلطة الاموية عن سابق اصراروتعمد. لقد كان
ما حدث ردة حقيقية عن الاسلام، وابدا لايصح القول ((ان
الحسين قد قتل بسيف جده)).
لم يكن الحسين مثير فتنة ولم يقتل بسيف جده، بل بسيف
ردة يزيد بخلفياته الوثنية القرشية والمسيحية الكلبية،
فالامام الحسين لم يبايع يزيد بالخلافة، وامتلك الحق في ان
لايبايع،كما امتلك الحق مع آله بالتنقل والسفر، ثم انه لم يشهر
السلاح بوجه احد، ولم يتوجه نحو العراق على راس قوة مسلحة،
غاية ماكان يجوز للسلطة الاموية فعله القاءالقبض عليه
ومحاكمته.
خلاصة القول اراد يزيد بن ميسون النصرانية ازالة آل البيت
من الوجود، وكان يعرف ان الحسين لا يملك المال للانفاق على
اهل الكوفة اذا ما قطع اعطياتهم، وانه لم يكن بامكانه حتى ان
رغب تجنيد جيش لحسابه.
لقد شكل مصرع الحسين نبعا لا ينضب من الافكار
والالهامات،وكان نقطة تحول عظمى في تاريخ التشيع، وقتل
الحسين في ارض بابل، وهي ارض ذات مواريث
ملحمية معروفة، لذلك مالبثت اخبار كربلاء ان تحولت الى
ملحمة شعرية نثرية اعيدت صياغتها وروايتها بلا انقطاع.
لقد ارتبطت، بنتائج كربلاء، التطورات التي شهدها
المشرق الاسلامي طوال العصر الاموي ومن بعده، وكانت
الحرمة الاولى التي استباحها يزيد، حيث ثنى بالمدينة وثلث
بمكة.وفي اثناءحصار مكة مات وهو لا يزال شابا. ومع ان
المصادر لا تحدثنا عن اسباب وفاته، ليس من المستبعد انه تم
التخلص منه لايقاف مسلسل الردة الجديدة على
الاسلام بوساطة جيوش الاسلام.
وعامل ابن زياد نساء آل البيت بسوء لا يوصف، وكذلك فعل يزيد،
فقد حمل جنده نساء آل البيت ((على الاقتاب، حواسر،وكشفوا
عورة علي بن الحسين حين اشكل عليهم بلوغه، كما
يصنع بذراري المشركين اذا دخلت ديارهم عنوة... وقتلوا
لصلب علي بن ابي طالب تسعة، ولصلب عقيل بن ابي طالب
تسعة... ونقروابالقضيب بين ثنيتي الحسين)).
حركة التوابين، المختار بن عبيداللّه الثقفي
وبعد ما توفي يزيد بن معاوية لم يستطع ابنه معاوية
حمل الاعباء. واضطربت الاحوال، فوجد اهل الكوفة الفرصة
للتحرك بهدف الثاءر والتوبة على خذلانهم للامام
الحسين.ومجددا تزعم شيعة الكوفة سليمان بن صرد الخزاعي،
وتقرر الخروج من الكوفة وقصد بلاد الشام للانتقام من قتلة
الحسين، وفي اثناءاستعدادهم وصل الى الكوفة المختار بن ابي
عبيد الثقفي مدعياارساله من قبل محمد بن الحنفية اخي
الحسين لابيه، وكاد نشاطالمختار ان يوقع الفتنة بين صفوف
الشيعة، وهو وان صمت اخيراآذى حركة سليمان بن صرد التي
عرفت باسم ((حركة التوابين)).
تزعم في الحقيقة ((حركة التوابين)) خمسة هم: سليمان بن
صردالخزاعي، والمسيب بن نجبة الفزاري، وعبداللّه بن سعد
بن نوفل الازدي، وعبداللّه بن وال التميمي، ورفاعة
بن شدادالبجلي.
وتدل انساب هؤلاء الزعماء انهم مثلوا قبائل الكوفة
العدنانية واليمانية. وفي هذا مؤشر على تحول نوعي في اوضاع
الكوفة،وان الدعوة الشيعية زادت انتشارا في الكوفة،
ماسيجعلها بعدحقبة تصطبغ بالصبغة الشيعية عامة.
وفيما الاوضاع مضطربة في الشام هياء التوابون انفسهم
لمغادرة الكوفة، وفي هذه الاثناء انعقد مؤتمر الجابية (قرب نوى
في حوران سورية) فيه تمت بيعة مروان بن الحكم بالخلافة، ثم
تلاذلك معركة مرج راهط، وسيطرة مروان على بلاد
الشام،وبعدها على مصر، واخذ مروان يتطلع لبسط سيطرته
على العراق، فكلف عبيداللّه بن زياد بهذه المهمة.
عندما غادر التوابون الكوفة قصدوا اولا كربلاء حيث ضريح الامام
الحسين، وعندما راوه اخذوا يقولون: ((اللهم انا خذلناابن بنت
نبينا وقد اساءنا واخطاءنا، فاغفر لنا ما قد مضى من ذنوبنا(انك
انت التواب الرحيم) اللهم (ان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من
الخاسرين).
امضى التوابون عند قبر الحسين يوما وليلة يصلون
ويبكون ويتضرعون، ثم نادى فيهم سليمان بن صرد بالرحيل،
فازدحمواعلى القبر وهم يقولون: ((اللهم انا قد خرجنا
من الدياروالاموال، وفارقنا الاهلين والاولاد نريد جهاد
الفاسقين المحلين الذين قتلوا ابن بنت نبينا، فتب علينا
وارزقنا الشهادة يا ارحم الراحمين، اللهم انا لو نعلم انه لو كان
الجهادفيهم بمطلع الشمس او مغرب القمر، او بمنقطع التراب
لكان حقيقا علينا ان نطلبه حتى نناله، فان ذلك هو الفوز
العظيم، والشهادة التي ثوابها الجنة)).
ويلاحظ ان هذه الحركة لم تسم امامها من بين الاحياء من
آل البيت، ثم انها سنت سنة شيعية ما برحت قائمة، وهي زيارة
قبرالحسين والترحم عليه، ويفيد هذا ان حركة التوابين،
اسهمت في تحويل حزب الشيعة من حركة سياسية محضة الى
حركة دينية سياسية.
لقد كان بامكان التوابين تصفية العناصر الكوفية التي شاركت
في قتل الحسين كما فعل المختار بن ابي عبيد في ما بعد
لكنهم لم يقدموا على ذلك لانهم راوا ان مسؤولية قتل الحسين
تقع على كاهل النظام الاموي بدمشق، لذلك قرروا الجهاد ضد
هذاالنظام، لكنهم لم ينسوا في الوقت نفسه مصالح الكوفة
المالية،ولهذا زحفوا نحو الجزيرة الشامية، لان خراجها كان
لاهل الكوفة.
توجه سليمان بن صرد على راس اربعة آلاف من اتباعه
سنة 65ه/ 685م. نحو الانبار، وسار حتى وصل الى
قرقيسياء(البصيرة البوسرايا حاليا في سورية حيث
يلتقي الخابوربالفرات). وكان زفر بن الحارث الكلابي معتصما
بها بعد هزيمته في مرج راهط، وقدم زفر بعض المعونات
والمعلومات للتوابين.
ملفت للانتباه العدد الضئيل الذي رافق ابن صرد، ومرد
هذالنشاط المختار بن ابي عبيد، ولان الكوفة باتت الان تابعة
رسميالعبداللّه بن الزبير. ولم يملك التوابون بيت مال، بل ملك
ذلك ابن الزبير في مكة، وابن الحكم في الشام، المهم ان اربعة
آلاف من اهل الكوفة ساروا على طريق الشهادة الذي سار عليه
الامام الحسين(ع)، وما يزال السير على هذاالطريق من اركان
الفكرالشيعي.
وعرف التوابون اخبار تحركات الجيش الاموي بقيادة
عبيداللّهبن زياد، وان مروان بن الحكم قد توفي، وخلفه ابنه
عبد الملك،الذي اقر ابن زياد في منصبه، والتقوا قرب
عين الوردة عين العرب بالجيش الاموي وكان تعداده لا يقل
عن عشرين الفا،فنشبت معركة غير متكافئة انتهت بمصرع
التوابين مع زعيمهم سليمان بن صرد، ولم ينج منهم
سوى عدد ضئيل عاد الى الكوفة للاسهام في حركة شيعية
جديدة.
وقاد الحركة الجديدة (التي حملت اسم الكيسانية في ما
بعد)المختار بن ابي عبيد الثقفي. وقبل الحديث عن هذه
الحركة مفيد ان نشير الى ان بعضهم يرى ان عدم
اعلان التوابين اسم امام لهم من احياء آل البيت، او آل الحسين
بالتحديد، يعود الى الموقف الذي اتخذه علي بن الحسين(ع)
والائمة من بعده، بعدفاجعة كربلاء، بالالتزام بعدم التورط في
عمل عسكري مهما كان نوعه حتى يحين الوقت.
واطلق على خط الائمة من ابناء علي بن الحسين(ع) اسم
الخطالامامي او الاثني عشري. ومع هذا استغل المختار بن ابي
عبيدعواطف الشيعة في الكوفة، وكان بارعا طموحاالى
السلطة.حاول اولا تحقيق مطامحه من خلال عبداللّه بن الزبير،
فاءخفق،فتوجه الى الكوفة وهناك ادعى انه مرسل من قبل
محمد بن الحنفية، يدعو الى امامته، وينتقم من قتلة الحسين،
وقال ان ابن الحنفية هو وصي الامام الحسين والامام من بعده
دون مراعاة لقواعد التوريث من الاب الى الابن وهو ما اخذ به
الشيعة الامامية، فضلا عن هذا تجاوزالمختار قاعدة انتساب
الائمة الى فاطمة الزهراء، وان الامامة وراثة النبوة.
كان المختار على دراية واسعة باءحوال الكوفة والعراق،
متفهماللاوضاع الاجتماعية والاقتصادية، تنبه الى ازمات
الموالي،والى الصراعات بين العصبيات العربية، واراد
استغلال ذلك للوصول الى السلطة.
ومع تنبه المختار للاوضاع الاجتماعية والاقتصادية
احسن استغلال العواطف الدينية، بحركات كهنوتية ووسائل
جذب واغراء اخرى، وتحالف في البداية مع ابراهيم بن
الاشترالنخعي والقبائل اليمانية، فانتزع السلطة في الكوفة من
عامل ابن الزبيرعليها.
وشكك بعض اهل الكوفة بما ادعاه المختار، فذهب وفد
منهم الى الحجاز حيث التقوا بابن الحنفية وساءلوه، فنالوا منه
اجابة عامة في انه يؤيد كل من خرج للطلب بدم
الحسين،واستفادالمختار من هذه الاجابة حيث عزز موقفه
بالكوفة، ويبدو انه لم يفكر بالاستيلاء على غير مصر والكوفة،
وعرف المختار اخبارزحف الجيش الاموي نحو العراق،
فجندقوة معتبرة من اهل الكوفة ارسلها ضده بقيادة ابراهيم بن
الاشتر، وفي الجزيرة انتصر ابن الاشتر على الجيش الاموي
وقتل قادته يتقدمهم عبيداللّه بن زياد.
تمركز ابن الاشتر بالجزيرة وتفرغ المختار الى ملاحقة
قتلة الحسين من اهل الكوفة، وقرب اليه الموالي فاءغضب
اشراف الكوفة فهربوا الى البصرة التي كان يحكمها مصعب
بن الزبيروقالوا له: ((لقد تاءمر هذا الرجل علينا بغير رضا منا،
ولقد ادنى موالينا فحملهم على الدواب واعطاهم واطعمهم
فيئنا، ولقدعصتنا عبيدنا)).
وفي هذه الاثناء فسدت العلاقات ما بين المختار وابراهيم
بن الاشتر، ورفض ابن الاشتر التعاون مع عبد الملك بن
مروان،فانضم الى مصعب بن الزبير، الذي حشد قوة كبيرة قادها
نحوالكوفة، وبعد معارك عنيفة هزمت قوات المختار، وحوصر
هونفسه في قصر الامارة ثم ما لبث ان قتل وكان ذلك
سنة 67ه.
ثورة زيد بن علي
لم يقض مصرع المختار على المعارضة الشيعية في الكوفة،
كماان السلطات الاموية مارست حكما عنيفا جدا في العراق
كتب فصوله الدموية الحجاج بن يوسف الثقفي،وهكذا
توفرت الاجواء المشحونة للثورة، وكانت ابرز الثورات الشيعية
التي تفجرت بالكوفة بعد قرابة النصف قرن من مقتل المختار،
ثورة زيد بن علي بن الحسين.