وحدثت تطورات واسعة خلال هذه المدة الطويلة سياسيا وفكرياواجتماعيا، فيها عربت الدواوين والنقود، واستؤنفت حركة الفتوحات، وظهرت تيارات الجبرية، والارجاء،واهل العدل،وطالب اهل العدل او القدرية بالمساواة بين المسلمين، ورفع الحيف عن المظلومين، وغالبا ما تعاطفوا مع ائمة الشيعة الذين التزموا بعدم التورط بالاعمال العسكرية، ومع هذا لم يدعهم خلفاء بني امية وشاءنهم، بل عرضوهم للمحن والاهانات والحرمان والمراقبة الدائمة، وهكذا تمكن اهل الكوفة من جذب واحد من ابناء بيت الحسين هو زيد بن علي بن الحسين.

وكان زيد بن علي من المع شخصيات عصره، واسع المعرفة والثقافة، بدا دراسته في المدينة المنورة، وكان استاذه الاول ابوه علي بن الحسين (زين العابدين) ثم اخذ بعد ذلك على اخيه محمد بن علي (الامام الباقر)، وتاءثر زيد بن علي باءفكاراهل العدل (القدرية) ونظرا لما حظ ي به من شهرة ومكانة تعرض لمضايقات بعض خلفاء بني امية خاصة سليمان بن عبدالملك، واكثر منه هشام بن عبد الملك.

والروايات كثيرة حول اسباب ثورة زيد، خلاصتها ان هشام بن عبد الملك عزل خالد بن عبداللّه القسري عن ولاية العراق،واحل مكانه يوسف بن عمر الثقفي، واعتقل يوسف بن عمرالقسري وولده وحاسبه بقسوة متناهية، وقيل ان القسري ادعى حتى يخفف عن نفسه العذاب ايداع بعض المال لدى بعض شخصيات قريش، وكان منهم زيد بن علي.وبناء على اطلاع هشام بن عبد الملك على هذه الاخبار استدعى زيدا مع القرشيين، وحقق معه بشيء من الفظاظة، ولم يكتف بذلك بل ارسله الى العراق لاكمال التحقيق، وفي العراق اساء ابن عمرمعاملة زيد وسجنه بعض الوقت، لكن عندما علم هشام ببراءة ساحته امر باطلاق سراحه وتسريحه الى الحجاز، وهنا اتصل به الكوفيون واغروه بتزعم ثورة اعدوالها)).

لم يستجب زيد لعرض الكوفيين، وغادر الكوفة يريد الحجاز،فلحق به بعضهم واقنعوه بالعودة معهم بعدما قالوا له:

((انا لنرجوان تكون المنصور، وان يكون هذا الزمان الذي يهلك فيه بنوامية))، والمنصور واحد من الالقاب التي اطلقت على((مهدي منتظر))، وقد تبنى الخليفة العباسي الثاني هذا اللقب،والذي يعنينا هنا رواج النبوءات بزوال الحكم الاموي مع عقيدة المهدي المنتظر في اوساط الكوفة وربما في غيرها، ومن المعروف ان عقيدة المهدي المنتظر شغلت ولا تزال دورا كبيرافي تاريخ حركات الشيعة.

عاد زيد الى الكوفة بعدما قال له الزعماء الذين لحقوه:

((اين تذهب عنا ومعك مائة الف سيف من اهل الكوفة يضربون بني امية دونك، وليس قبلك من اهل الشام الا عدة قليلة)).

وفي الكوفة تولى زيد الاعداد بشكل سري للثورة، ولعله قضى في سبيل ذلك ما لا يقل عن خمسة اشهر، وكانت مكانة الكوفة السياسية والادارية قد تراجعت بعد ما بنى الحجاج بن يوسف الثقفي مدينة واسط واتخذها مقرا له، ووضع فيها حامية عسكرية شامية لضبط امور العراق. ولهذا لم يعلم يوسف بن عمر بوجودزيد واختفائه بالكوفة ودعوته للثورة فيها، الا بعد وقت مديد،وكان زيد قد حدد موعد خروجه في الاول من صفر عام 122ه،ويروى ان هشام بن عبد الملك وصلته الاخبار عن زيد قبل ان تصل الى يوسف بن عمر، فكتب اليه يلومه على غفلته وياءمره بالتحرك بسرعة وشدة.

لقد كانت هذه هي المرة الاولى في تاريخ التشيع في العصرالاموي التي تولى فيها زعيم من آل البيت الاشراف المباشر على الاعداد للثورة التي سيقودها لتوصله الى الخلافة.وبعدما عرف يوسف بن عمر بما كان يجري بالكوفة تحرك بسرعة ومعه قواته،وما ان دخل الكوفة حتى دعا الى اجتماع في المسجد الجامع،واجتمع الكوفيون، وهنا امريوسف بن عمر جنده بتطويق المسجد ومنع الناس من الخروج منه، فاستدرج بذلك زيداللخروج، واضطر زيد لاعلان الخروج في ليلة شديدة البردودون اخطار اتباعه، خرج محاطا باءفراد قلائل من اصحابه،وامضى الليل كله وهو يحاول جمع اعوانه، فلم يزدد عددهم على الخمسمائة، وكان جند اهل الشام خمسة عشر الف فارس.

نشبت في طرقات الكوفة معارك غير متكافئة تخلى خلالهاغالبية الخمسمائة من الكوفيين عن زيد. وفي تلك الاثناء اصيب زيد بسهم في جبهته ادى الى قتله، فدفنه اصحابه خارج المدينة، ثم تواروا عن الانظار، وعرف يوسف بن عمر موضع القبر، فاستخرج الجثة ومثل بها، وقطع راس زيد وارسله الى هشام بالشام، وبذلك طوى آخر صفحة من صفحات ثورات الشيعة في العراق ابان الحكم الاموي.

استخلاص العبر:

وفي وقفة لمعرفة الاسباب التي ادت الى اخفاق زيد وثورته ولاستخلاص العبر مما قام به خلفاء بني امية نحو آل البيت وشيعتهم، نساءل اولا: هل كان هناك نقص في الجوانب التنظيمية لدى الامام زيد؟ يبدو انه لم يوجد نقص من هذا الجانب، وسبب الاخفاق يتمثل في حبس زعماء الكوفة في المسجد. ونرجح ان بعض اهل الكوفة او لنقل بعض شيعة الكوفة ايدوا تنظيم زيدبن علي،فالذين ارتبطوا بخط الامامة بزعامة الامام جعفر الصادق لم يوافقوا زيدا. يضاف الى هذا عرفت الكوفة في تلك الاونة تنظيمات سرية اخرى اهمها التنظيم العباسي،حيث حكي ان داود بن علي كان آنذاك بالكوفة، وانه حذر زيدا من التورطبالثورة اعتمادا على الكوفيين.

وابرز ما نجم عن ثورة زيد تشكيل فرقة شيعية جديدة، هي فرقة الزيدية، التي نشر فكرها وفقهها في خراسان والجبل واليمن،وهي لا تزال موجودة باليمن. واخفاق زيد ثم مقتل ابنه يحيى بعده بوقت قصير زاد من شحن الاجواء المعادية للحكم الاموي،وهو ما استغله دعاة الدعوة العباسية، وقادة ثورتها.

ولا شك ان اخفاق ثورة زيد افاد من بعض الجوانب الخطالشيعي الامامي الذي قادة في المتبقي من العصر الاموي الائمة: علي بن الحسين، ثم ابنه محمد الباقر، ثم ابنه جعفرالصادق، ولجاء هذا الخط، في التصدي للسلطة الاموية، الى العمل الفكري، وعدم هدر الطاقات العسكرية، وتعامل مع مختلف الازمات بحذر شديد وحيطة فحافظ بذلك على آل البيت من ابناء الحسين، ثم ان هذا الخط استوعب سياسة بني امية، وتفهم طبيعة المجتمع الكوفي، فبنو امية كانوا ينتظرون فرصهم لابادة آل البيت بلا رحمة، ولم يمتلك آل البيت المال لتجنيد الاتباع، فهم لم يكونوا طلاب ملك، بل كانوا حملة رسالة،لقد ارادوا انقاذ الامة، والعودة الى شريعة جدهم المصطفى ونهجه.

ولعل من بين اسباب اخفاق الثورات الشيعية ازدواجية التنظيم والقيادة فيها، فالامام علي(ع) لم يزر الكوفة قبل توليه الخلافة،ولم يكن له اية علاقة تنظيمية او سواها بما حدث بالكوفة وادى الى ما يعرف بالفتنة الكبرى. وبالمقابل كان معاوية بن ابي سفيان يقود جند الشام منذ بداية تاريخ الفتح، لذلك ملك زمام امورهم، ولم يشك قط من عدم طاعتهم له، في حين ان خطب الامام علي(ع) حملت صنوف الشكوى من الكوفيين حتى قال:((لا راي لمن لا يطاع))، فطاعة جند الكوفة كانت للزعماءالقبليين، ولسو الحظ ان جل هؤلاء آثروا مصالحهم الفردية على سواها، مثلما فعل الاشعث بن قيس.

وهكذا فرض هؤلاء على الامام علي ايقاف القتال في صفين، ثم القبول باختيار ابي موسى الاشعري للتحكيم.

وتكرر الامر نفسه حين استدعى بعض اهل الكوفة الامام الحسين، فالامام الحسين لم يحرض الكوفيين على دعوته اوالثورة بعد وفاة معاوية ابن ابي سفيان، ولم يكن بمقدورمسلم بن عقيل ان يعمل بالكوفة اكثر مما عمله، لقد غرر الكوفيون بالامام الحسين، وكان عليهم الا يستدعوه قبل السيطرة الكاملة على الكوفة، ولم يكتفوا بذلك بل تركوه وآله يذبحون من قبل الجيوش الاموية دون تحريك ساكن، وفقط عندما انفرجت الاجواء على اثر وفاة يزيد بن معاوية اعلن بعضهم التوبة وساءلوااللّه تعالى ان يغفر لهم ذنب التقصير! وطبعا لم يحقق هؤلاء من خلال التوبة اي نجاح يذكر، وجاءعملهم متاءخرا كثيرا.

ولسنا هنا في حال توجيه اللوم اليهم، بل في استخلاص العبر،من دون ان ننسى ان البطش الاموي باءهل العراق وسياسة الاذلال والحرمان والنفي فعلت فعلها باءهل الكوفة، فلقدقتل زياد بن ابيه من شيعة العراق الالاف، ونفى عشرات الالوف نحوجبهات خراسان وما وراء النهر، ومارس ضدهم سياسة التجمير،واطال ابعادهم عن عيالاتهم.

لقد حولت السلطات الاموية جند اهل الشام الى جيش نخبة منحت قادته وافراده كل شيء على حساب جنود الامصارالاخرى، واصح وصف لهذا الجند انه تحول عن اهدافه في الفتوح الى قوات لحفظ الخلافة في الداخل، والبطش من دون هوادة او رحمة بكل من تحدثه نفسه بالثورة او بالانتقاد، وما فعله هذا الجند ((يوم الحرة)) في استباحة المدينة المنورة، ثم في حصار مكة ورمي الكعبة بحجارة المنجنيق شواهد معبرة تمام التعبير.

ومع هذا لم يستطع هذا الجند مواجهة جند الثورة العباسية الحسنة التنظيم، ثم ان الامويين ارادوا ابادة آل البيت، فاءخفقوا،فها هم آل البيت، وخلال العصور الاسلامية في مشارق دارالاسلام ومغاربها، في حين لم يبق على ظهر الارض من يدعي النسب الى معاوية او مروان. وفي هذا مصداق لقوله تعالى: (انااعطيناك الكوثر. فصل لربك وانحر. ان شانئك هو الابتر).

شعر الدعوة، شعر جديد يحتاج رؤية جديدة
 الكميت بن زيد الاسدي

د. عبد المجيد زراقط

الدعوة السرية ودعاتها
 
تلت كربلاء صحوة عبر عنها عبداللّه الاحمر بقوله:

صحوت، وقد اصحوا الصبا والعواديا وقلت لاصحابي: اجيبوا المناديا، واتخذت هذه الصحوة، الملبية نداء الثورة، على اثر انتهاء حركة التوابين الى ما انتهت اليه، شكل دعوة سرية بدات مع بدء حركة التوابين، واستمرت. وكان لهذه الدعوة دعاتهاالمتصفون بصفات يمكن تبينها لدى احدهم، وهو عبداللّه المري. جاء في تاريخ الطبري: ((ما رايت، من هذه الامة، احدا كان ابلغ من عبداللّه المري في منطق ولا عظة)). كان يخطب فيركزعلى اهمية النبي(ص)، ويتساءل: هل هناك اعظم حقا منه!؟وهل هناك اعظم حقا من ذريته!؟ ثم يصور هول الجرائم التي ارتكبت بحقهم، مخوفا القاتل والخاذل... ثم، وبعد ان يصل الى غايته، يفتح باب التوبة، ويدعو الى نصرتهم، وفق برنامج عمل محدد يعلنه في خطبته.

وكان، كما جاء ايضا في تاريخ الطبري، يعيد هذا الكلام، في كل يوم، حتى يحفظه الجميع، ويقتنعون به.

كان الداعية الى الثورة يريد الوصول الى هذه النتيجة.

وقدعرفت الدعوة السرية داعية، سعى، في خطابه النثري والشعري، الى تحقيق هذه النتيجة، فكان خطابه،وبخاصة الشعري منه، مختلفا عن السائد، وذلك لانه كان يريد لهذاالخطاب ان يصل الى الناس فيقبلوا عليه بشوق ورغبة،فيستهويهم ويقنعهم. ويتدبرونه اطلاعا واعادة اطلاع ودراسة حتى يحفظوه ويقتنعوا بما يدعو اليه، من مبادىء وخطة تحرك لتحقيقها.

شروط نجاح شعر الدعوة يحتاج الداعية، الساعي الى نجاح في الوصول الى الناس واقناعهم، الى تحقيق جملة شروط يمليها الواقع التاريخي، وقدتمثلت هذه الشروط، في تلك المرحلة بما يلي:

1- كان الرواة وعلماء علوم العربية وسائل النشر والحفظوالدراسة، فكان على الشاعر ان يرضيهم.

2- وكانت تسود الوسط الثقافي مقاييس شعرية يقوم الشعر وفقها،فكان على الشاعر ان يستجيب لها، وان يحقق مستوى من الجودة ينافس فيه شعراء المديح، وكان هؤلاءيحرصون على تهذيب شعرهم وتجويد صياغته.

3- كان الشعر يهدف الى ان يشكل، لدى المتلقي، حالة وجدانية مماثلة لحالة الشاعر، والى اقناعه، ولهذا كان يسعى الى الاقناع العقلي، وتجسيد الفكرة احساسا وشعورا، مايجعل الخطاب كيانيا حسيا ووجدانيا وعقليا، يمثل حالة الايمان التي كان يعيشهاالشاعر، ويريد للمتلقي ان يتوصل الى عيشها.

كان الشعر، في تلك المرحلة، مصدر معرفة في مقام اساسي،يستخدم في تحصيل ما اطلق عليه اسم ((العلوم العربية)). ولهذاكان الرواة وعلماء هذه العلوم، كما يقول الجاحظ،((يبهرجون اشعار المولدين، ويستسقطون من رواها)). فان يكن هذاحال الرواة في عصر الجاحظ فكيف بهم في عصر الكميت؟ وان يكن الجاحظ قد اضاف: ((ولم ار ذلك الافي راوية للشعر غيربصير بجوهر ما يروي))، فان هذا لا ينفي تحكم هؤلاء الرواة والعلماء، ما يدفع الشاعر الراغب في حضور فاعل الى الاستجابة لشروطهم، ومقاييسهم، وهذاما فعله الكميت عندما راح يطلب الغريب، ويجود قسم الطللية والرحيل في الوقت نفسه الذي كان يدعو فيه الى الاهتمام بقضايا الانسان، فهو الذي يشغله، وليس الديارالمقفرة. كان الكميت يطلب ((العويص)) في قسم، وينشىء الجديد في قسم آخر، ويجود في مختلف اقسام القصيدة:

يروي محمد بن سهل، راوية الكميت، ان هذا كان يقول:

((اذا قلت الشعر فجاءني امر سهل مستو لم اعباء به حتى يجيءشيء فيه عويص فاءستعمله)).

((اني، اذا قلت، احببت ان احسن)).

وقد قيل له: ((انك، يا ابا المستهل كالجالب التمر الى هجر))،فاءجاب: ((ولكن تمرنا اجود من تمركم)).

وكان يرى انه وريث الشعراء العرب الفحول، قال كعب بن زهير،مفضلا نفسه والحطيئة على الشعراء، متسائلا: من يحوك القوافي بعدهما:

من للقوافي شانها من يحوكها اذا ما ثوى كعب وفوز جرول!؟ وقال الكميت، مجيبا عن هذا التساؤل:

فدونكموها يال احمد انها مقللة لم ياءل فيها المقلل مهذبة غراء، في غب قولها، غداة غد، تفسير ما قال مجمل فاءتتكم على هول الجنان ولم تطع لنا ناهيا ممن يئن ويرحل فوما ضرها ان كان في الترب ثاويا زهير واودى ذو القروح وجرول 4- كان الجدل سائدا في تلك المرحلة بين اصحاب الاراءوالمعتقدات المتباينة، فاستخدم كل فريق وسائل الاقناع لاكتساب الانصار والرد على الخصوم. والداعية يحتاج الى معرفة بهذه الوسائل، والى اجادة استخدامها، في خطابه. وهذايجعل الشعر، الناهض باءداء هذه المهمة، مختلفا عن الشعرالسائد بتوظيفه خصائص فنية يبتدعها ليحقق هدفه،ما جعل هذاالشعر جديدا، يتكلم صاحبه، كما قال بعض النقاد، بلغة غير لغة قومه.

كان على الشاعر الداعية ان يستجيب لهذه الشروط الموضوعية،ليكون شعره حاضرا وفاعلا في محيطه، ما يقتضي ان يكون الشاعر نفسه قادرا على انتاج هذا الشعر الفاعل،اي انه ينبغي ان تتوافر لدى الشاعر شروط ذاتية تؤهله للقيام بمهمة الداعية الناجح، فهل كان الكميت يمتلك المؤهلات اللازمة والكافية للنهوض باءداء مهمات الدعوة للثورة؟وبم اتصف شعره المختلف؟وما هو موقعه في سيرورة تاريخ الشعر العربي؟ الكميت بن زيد داعية ثورة متميز تفيد دراسة شخصية الكميت ان هذا الشاعر هيىء ليكون داعية ثورة على الحكم القائم، فقد ولد ايام مقتل الامام الحسين(ع)سنة ستين جاو احدى وستين للهجرة ج. وقتل سنة ست وعشرين ومئة في اواخر الحكم الاموي. وكان غزير الانتاج الشعري،فكان مبلغ شعره حين قتل خمسة آلاف ومئتين وتسعة وثمانين بيتا، لم تحتفظ منها كتب تاريخ الادب الا بالقليل، وهذامظهر من مظاهر اغفال الرواة لهذا النوع من الشعر، ما يؤكد ماذهبنا اليه آنفا، من ان الكميت كان يسعى الى تحقيق شروطتفرض على الرواة حفظ شعره وروايته، ولم ينجح في ذلك تمام النجاح.

ولد الكميت، في الكوفة، في ايام كربلاء، وكان قومه بنو اسد هم الذين دفنوا الامام الحسين(ع) وانصاره(رض). ولعل كربلاءظلت حاضرة في اذهانهم، وذاكرتهم، وفي احاديثهم وفي نفوسهم ووجدانهم، فرضعها الطفل مع الحليب معرفة بالواقع ورفضا له ورغبة في تغييره. يعزز ذلك امران اولهما ان بني اسدلم يكونوا راضين عن ((هذه القرشية)) المستاءثرة،والمتمثلة ببني امية وثانيهما انه ولد لابوين لا يملكان من حطام الدنيا شيئا.

اسهمت شروط هذه النشاءة في تحديد اختيار الكميت، فشب وهويعتقد مذهبا دينيا وسياسيا واجتماعيا، وهو مذهب آل البيت،فراح يدعو له بعد ان تهياء له الامر كاءفضل مايكون.

ويمكن ان نلمس هذا من خلال الاخبار التالية التي ترويها كتب الادب:

يقول صاحب خزانة الادب: ((قال بعضهم: في الكميت خصال لم تكن في شاعر. كان خطيب بني اسد وفقيه الشيعة وحافظالقرآن. وكان ثبت الجنان، وكان كاتبا، وكان نسابة،وكان جدليا)).

ويقول ابو الفرج الاصفهاني، في اخبار متفرقة: ان الكميت كان شاعرا مقدما، عالما بلغات العرب، خبيرا باءيامها، راوية للشعروالحديث. وقد بلغ من مقدرته انه كان يحفظ شعرنصيب اكثرمنه، وانه تنازع وحماد الراوية العلم باءيام العرب ورواية الشعروتفسيره فاءفحمه، وانه كان عالما بالنجوم، وقد مارس التعليم في جامع الكوفة الكبير.

كان الكميت، اضافة الى امتلاكه هذه القدرات والمهارات، انسانامؤمنا يخاف اللّه لدرجة ان يندم على هجائه بني كلب، فقال:((فعممتهن بالفجور، واللّه، ما خرجت بليل قط الاخشيت ان ارمى بنجوم السماء لذلك)).

وكان مخلصا في دعوته لمذهبه ((اذ اظهر ما كتم العباد من الحق، وجاد حين ضن الناس))، من دون ان يشاء مقابلا لذلك الا الثياب تبركا. يروي محمد ابن سهل، راوية الكميت:((دخلت مع الكميت على ابي جعفر محمد بن علي عليهما السلام ، فاءعطانا الف ديناروكسوة. فقال له الكميت: واللّه ما احببتكم للدنيا. ولو اردت الدنيا لاتيت من هي في يديه.ولكنني احببتكم للاخرة. فاءماالثياب التي اصابت اجسامكم، فاءنا اقبلها لبركاتها.

واما المال فلااقبله. فرده وقبل الثياب))، ((فقال ابو جعفر، عليه السلام، اللهم اغفرللكميت)).

ويرى د. عبد القادر القط ان قصائد الشاعر المعروفة ب((الهاشميات)) نموذج فريد اللون من الشعر السياسي الذي يتدفق من عاطفة جياشة بحب صادق يشارف، احيانا، مايشبه((الوجد الصوفي)) و ((الايمان الوجداني الخالص)).

كان الكميت يصدر، في شعره، عن هذا الايمان الخالص الذي يقرب من الوجد الصوفي، ويدعو للثورة على الحكم القائم وتغييره. وقد جهد في ان يحتل موقعه عن جدارة.

وقدغدا، بهذاالجهد، الشاعر العارف بكل علوم عصره ومعطياته السياسية والثقافية والاجتماعية، والعامل بكل ما يستطيع على نشر مذهبه والاقناع به، والجهاد من اجله، فاءنشدقصائد عرفت باسم((الهاشميات)) نشر ما وصل الينا منها في كتاب ((الروضة المختارة)).

ومن الاخبار التي تشير الى اهمية الكميت في وجدان المسلمين: وعيا ولا وعيا ما يرويه صاحب الاغاني عن دعبل بن علي انه قال، وكان يهجو الكميت لهجائه اليمنية:((رايت النبي(ص) في النوم، فقال لي: مالك وللكميت بن زيد؟ قلت: يارسول اللّه، ما بيني وبينه الا كما بين الشعراء.

فقال: لا تفعل.اليس هو القائل:

فلا زلت فيهم حيث يتهمونني ولا زلت في اشياعهم اتقلب فان اللّه قد غفر له بهذا البيت. قال: فانتهيت عن الكميت بعدها)).

نقاش ما ناله من ظلم وتشويه لم ينج الكميت، على الرغم من هذا التميز، ولعله بسبب هذاالتميز، من ظلم وتشويه نالا من امثاله من الشعراء، ومن مظاهرذلك ما يلمسه الباحث، في كتب تاريخ الادب، من اهمال له وتجن عليه. ومن الامثلة على ذلك ما يلي:

اهمل محمد بن سلام الجمحي (ت.231ه.) الكميت، ولم يتحدث عنه، في كتابه: ((طبقات الشعراء)) كما تحدث عن امثاله من الشعراء. وادى هذا الاهمال من ابن سلام وسواه الى فقدالقسم الاكبر من شعره.

تحدث الاصمعي (ت.123ه.) عن الكميت غير انه نال منه، ولم يعامله وفق المقياس نفسه الذي عامل به عمر بن ابي ربيعة وآخرين من المولدين. قال الاصمعي: ((الكميت بن زيد ليس بحجة لانه مولد، وكذلك الطرماح)). وقال ايضا:

((وعمر بن ابي ربيعة مولد، وهو حجة. سمعت ابا عمرو بن العلاء يحتج في النحو بشعره، ويقول: هو حجة، وفضالة بن شريك الاسدي وعبداللّه بن الزبير الاسدي وابن الرقيات هؤلاء مولدون،وشعرهم حجة)).

تثير احكام الاصمعي سؤالا يتعلق بالمقياس الذي اعتمده في تحديد ((الحجة)) الذي يستشهد بشعره، فكيف يكون الكميت((ليس بحجة)) لانه مولد، ويكون كل من الشعراءالاخرين الذين يذكرهم ((حجة))، وهم مولدون؟ القضية، كما يبدو، ليست قضية مولد، وانما قضية نيل من الكميت،وذلك لان الحكم ب ((الحجة)) مهم جدا في تحديد مكانة الشاعروشعره، فالشاعر الحجة يروى شعره،ويدرس، ويستشهد به،ويتم تداوله، ونفي هذه الصفة عن اي شاعر يفقده اهتمام الرواة والعلماء وتداول الشعر.

وعاب عليه علماء كثيرون من ((اءخذه)) من الشعر العربي القديم واستفادته من معاني القرآن الكريم، فيقول المفضل الضبي: ((لايعتد بالكميت في الشعر... وانشدني اي معنى له حتى آتيك به من اشعار العرب)).

وحاول ابن كناسة ان يضع مؤلفا في سرقاته من القرآن وغيرالقرآن.

كثر حديث الشعراء والنقاد العرب عن الاخذ، او السرقات الشعرية، ولم ينج شاعر من هذا الاتهام، غير ان اللافت هو الاتهام بسرقة معاني القرآن الكريم، فكاءن التاءثر بالقرآن الكريم سرقة، وهو في الحقيقة وليد نهج مختلف في الشعر يصدر عن ذلك الايمان الخالص، او الوجد الصوفي الذي كون وجدان الشاعر المسلم ورؤيته الى العالم واشيائه.

يتحدث عبداللّه بن قتيبة (ت. 276ه.) عن ايمان الكميت وشعره، فيقول: ((... فانه يتشيع وينحرف عن بني امية بالراي والهوى، وشعره في بني امية اجود من شعره في الطالبيين،ولاارى علة ذلك الا قوة اسباب الطمع، وايثار عاجل الدنيا على آجل الاخرة)).

واللافت ان يتفق الجاحظ مع ابن قتيبة، وكانا على طرفي نقيض،فيقول الجاحظ: ((الكميت كان شيعيا من الغالية))، ويصف شعره،في مديح رسول اللّه(ص)، كقوله: ((اليك، يا خيرمن تضمنت الارض، وان عاب قولي العيب)) باءنه من الحمق. ونقل المرزباني، في موشحه، هذا الراي فقال:((ولا يعيب قوله في وصف النبي(ص) الا كافر باللّه،مشرك)).

الحق انه لا يعيب قوله في النبي(ص) وآله(ع) الا كافر باللّه،مشرك، غير ان هذا الذي كان يحدث، فكان الكميت يذكره في قصائده، ليقرر حقيقة، وانه لمن التجني الا يرى هذه الحقيقة من ياءخذ على الكميت ذكرها في شعره، ويصف صنيعه بالحمق، ذلك ان الواقع التاريخي يفيد ان من يذكرهم الكميت لم يكتفوا باءن يعيبوا المدح، بل اغتصبوا حق آل رسول اللّه(ص) وقتلوهم،ولعنوهم على رؤوس المنابر، فاءي حمق ان يشار الى هذا في سياق خطاب شعري يرى الى هذه القضايا؟ اما ان شعره في الامويين اجود، ومرد ذلك الى اسباب الطمع فيعود اما الى التجني والتشويه، او الى تحكيم مفهوم شعري يرى الى شعر محترفي المديح بوصفه الشعر الاجود، اوالى الامرين كليهما.

والحقيقة ان الكميت اضطر الى مدح الامويين، بعد ان هرب من سجن خالد القسري والي العراق الذي امره الخليفة باءن يقطع يدي الكميت ولسانه ثم يقتله. وتفصل ذلك اخبارطويلة عن اخفاق الثورة، وتواط ىء خالد القسري مع المعارضة وانقلابه عليهم من بعد، واستفحال الصراع اليمني القيسي...،ولجوء الكميت الى وجوه مضر، واستجارته بقبرمعاوية بن هشام الخ.. ثم قتله بسيوف جند والي العراق، يوسف بن عمرو الثقفي،وفي مجلسه، باءن ادخل الجند سيوفهم في بطن الكميت فظل ينزف، ويجود بنفسه، ويقول عندما يفتح عينيه:

((اللهم آل محمد،اللهم آل محمد، اللهم آل محمد..)).

اما عن مديحه للامويين، فيقول د. عبد القادر القط:

((للكميت قصيدة معروفة في مدح مسلمة والامويين عامة.

نلحظ بينهاوبين قصائد الشاعر في الهاشميين فرقا ملموسا في المستوى الفني والنفسي (...) فاننا نحس ازاء القصيدة بغلبة النظم الرديء والصنعة الشكلية التي لا تنضح بعاطفة او صدق او توفق الى صور فنية ذات قيمة او عبارة شعرية محكمة)) ويقول صاحب الاغاني، في صدد هذه القصيدة:((ولم يجمع من قصيدته تلك يومئذ الا ما حفظه الناس منها فاءلف.وسئل عنها، فقال: ما احفظ منها شيئا، انماهو كلام ارتجلته)).

ويرى بعض الباحثين ان شعر الكميت احدث تاءثيرا سيئا شتت الشمل، فيقول احمد الهاشمي: ((لشعره من التاءثير السياسي والمذهبي اثر سيء شتت شمل الوحدة العربية)) .ويقول د. شوقي ضيف: ((ومعنى ذلك ان قصيدته المذهبة جويقصد القصيدة التي يهجو بها القبائل اليمنية ج كتبت لخدمة الشيعة عن طريق تشتيت الجماعة الاسلامية وبث الفرقة بينها)).

يقتضي الحكم الدقيق الصادق على هجاء الكميت لاحياء اليمن،اولا، معرفة ملابسات صدور هذا الهجاء، يروي صاحب الاغاني ((ان سبب هجاء الكميت اهل اليمن، ان شاعرا من اهل الشام يقال له حكيم بن عياش الكلبي كان يهجو علي بن ابي طالب عليه السلام وبني هاشم جميعا، وكان منقطعا الى بني امية. وانتدب له الكميت فهجاه وسبه،فاءجابه.

ولج الهجاء بينهما.وكان الكميت يخاف ان يفتضح في شعره عن علي عليه السلام لماوقع بينه وبين هشام، وكان يظهر ان هجاءه اياه في العصبية التي بين عدنان وقحطان)). ويروي صاحب الاغاني، في مكان آخر،ان الاعور الكلبي عرف قصة هرب الكميت من السجن، متنكرابثياب زوجته التي بقيت في السجن، فقال قصيدته التي يرمي فيها امراة الكميت باءهل الحبس، فهاج الكميت ذلك حتى قال:((الا حييت عنا يا مدينا))، وهي ثلاثمئة بيت، لم يترك فيها حيا من احياء اليمن الا هجاهم، وتوارى،وطلب، فمضى الى الشام، فقال شعره الذي يقول فيه: ((قف بالديار وقوف زائر))، في مسلمة بن عبد الملك..

تفيد هاتان الروايتان ما يلي:

1- لم يبدا الكميت بالهجاء، ولم يستجب لدعوات قومه بالرد على الكلبي، كما يذكر ابو الفرج في رواية اخرى، الا عندما وجد ان لامندوحة عن الرد لسببين اولهما ديني سياسي وثانيهما شخصي يمس العرض والكرامة.

2- اعط ى الكميت رده صفة الهجاء القبلي كي لا يفتضح وكي لايعرض الامام عليا(ع) للهجاء. وهذا ما كان يريده الكلبي، ان يستعدي الامويين على الكميت وعلى مضر،ففضلا عما سبق، نقرافي الاغاني ان الكميت قال لابنه المستهل: ((... يا بني، انت تعلم انقطاع الكلبي الى بني امية، وهم اعداء علي، عليه السلام، فلوذكرت عليا لترك ذكري واقبل على هجائه، فاءكون قد عرضت علياله، ولا اجد ناصرا من بني امية، ففخرت عليه ببني امية، وقلت:ان نقضها علي قتلوه، وان امسك عن ذكرهم قتلته غماوغلبته)).ويعلق صاحب الاغاني على قول الكميت: ((فكان كما قال. امسك الكلبي عن جوابه، فغلب عليه.

وافحم الكلبي)).

3- انشد الكميت هجاءه في وقت تاءجج فيه الصراع بين العدنانية والقحطانية، وكانت الثورة قد اخفقت، وراح خالد القسري والي العراق، القحطاني، يسعى الى خلع الخليفة، اوالى ان يكون رجل العراق الوحيد مستندا الى العصبية اليمنية، فعمدالمضريون العدنانيون، الى كشف خططه، فعل ذلك الكميت،وفعله الفرزدق ايضا الذي خاطب هشام بن عبدالملك بقوله:

ارى مضر المصريين ذل نصيرها ولكن قيسا لا يذل ش آمها فمن مبلغ بالشام قيسا وخندفا احاديث ما يشفى ببرء سقامها فغير امير المؤمنين، فانها يمانية حمقاء انت هشامها كان الهدف اذا ما سماه الفرزدق ((يمانية حمقاء))، يطلب تغييرها،وقد تم ذلك في حركة تشبه الانقلاب، وذلك عندما اتى الوالي القيسي يوسف بن عمرو الثقفي في ليل واستلم ولاية العراق من خالد القسري وكان يبيت نية اغتيال الكميت، وقد فعل جنوده ذلك بعد آونة يسيرة من وصوله.

ان الانقسام القبلي، كما يبدو، كان واقعا، ولم تحدثه مذهبة الكميت، وانما كانت نتيجة له، ووليدة ملابسات معقدة.

وهذاالانقسام، او التشتيت، والذي بقي يتخد اشكالا من الصراع المرير طوال عهد الحكم الاموي، كان نتيجة لسياسة رد الناس الى انسابهم التي وضع معاوية اسسها، واتبعها الحكام من بعده،وكان من مظاهرها التحريض على الهجاءواذكاء جذوته، بغية تغذية التشتت والصراع القبليين.

وهذا يفيد ان الشيعة ما كانوا يريدون تشتيت الجماعة الاسلامية وبث الفرقة بينها، كما يقول د. ضيف، وانما كانوا يريدون وحدة الجماعة الاسلامية، فبها يتم الخلاص من حكم السيف والمال المموه بشرعية مدعاة زائفة. وتفرق الجماعة الاسلامية وصراع فئاتها يبقي هذا الحكم مستبدا بها.

هل كانت الجماعة الاسلامية تنتظر مذهبة الكميت كي تتفرق!؟ الم تكن المبادىء الاساس في السياسة الاموية تتمثل في رد الناس الى انسابهم؟ وتقوم على التمزيق القبلي؟ الم توضع نظرية الانساب باشراف الامويين انفسهم؟ايحتاج د. ضيف الى التذكير بنقائض جرير والفرزدق والاخطل وغيرهم والتي كان السلطان الاموي يتبناها ويذكي جذوتها؟ لقد اتت مذهبة الكميت نتيجة واقع كان قائما بفعل سياسة الحاكم، واتت، في الوقت نفسه، على اثر اخفاق ثورة اسلامية لعب الانقسام القبلي الدور الاساسي في اخفاقها.

هذاالاخفاق وملابساته جعل الكميت يستجيب لرجاء عشيرته، ويرد على شاعر طالما هجا قومه وهجاه وافحش، وما كان ليجيبه لانه كان مهتما باءمور اخطر بكثير من الهجاء. وقدندم الكميت، في ما بعد، لصدور هذا الهجاء عنه، كما مر بنا في بداية هذا البحث.

ولم يعدم الكميت من انصفه من بين القدماء، فقال ابو الفرج الاصفهاني: ((وقصائده الهاشميات من جيد شعره ومختاره))، وروي ان معاذ الهراء قال عن الكميت: ((ذاك اشعرالاولين والاخرين)) وقال ابو القاسم الحسن بن بشر الامدي:((الكميت، وكان يتعمد ادخال الغريب في شعره، وله في آل البيت الاشعار المشهورة، وهي اجود شعره)).

ويرى د. نعمان القاضي، بحق، ان المتجنين على الكميت كانوامتاءثرين في احكامهم باءمرين اساسيين: الاول مذهب الشاعرالديني والسياسي، والثاني اتجاه شعره المخالف للقدماء.

اذطبقوا عليه مقاييسهم المتعارف عليها في المدح والهجاء، في حين كان شعره يقتضي نظرة خاصة جديدة لشعر خاص بصاحبه جديد. وهذه النظرة الجديدة سنرى بهاالى شعر الكميت في بحث يلي، ان شاء اللّه.

منتدى المنهاج
القدس الشريف: التاريخ، الواقع والمستقبل

السيد عمارالموسوي: اعط ى الامام الخميني (قده) موضوع القدس الاولوية، وبين انه عامل توحيد وتاءكيد الهوية والمدخل الى اعادة تكوين الامة في الصراع.

المساءلة مساءلة حق اغتصب، ولا يمكن ان نتوقع نهاية للصراع اذااستمر هذا الحق مغتصبا.

المطران كيرلس سليم بسترس: زاد من خطورة موضوع القدس كون ((الحكومة الاسرائيلية)) قد اقرت ان تكون القدس عاصمة اسرائيل، فهذا القرار يمس في الصميم جميع المسيحيين والمسلمين في كل بلدان العالم.

د. زهير غزاوي: ليس الصراع بشاءن القدس صراعا بين حقين.

د. عدنان السيد حسين: تمثل العنوان الاساسي، للتعامل الدولي مع موضوع القدس، باعطاء الشعب الفلسطيني اعترافاقانونيا صريحا بحقه في مدينة القدس. والمفارقة الكبرى ان جميع القرارات بقيت حبرا على ورق.

عندما تحرر القدس وتعود الى اهلها يصبح التعايش ممكنا.

د. طراد حمادة: هذه الندوة غنية بالمعلومات وتحليلها، بدراسة الاحداث والمواقف والربط في ما بينها وبالبحث في تاريخ القدس وواقعها ومستقبلها...

بمناسبة يوم القدس العالمي، دعا مركز الغدير للدراسات الاسلامية، ومجلة المنهاج الى ندوة بعنوان: القدس الشريف:التاريخ، الواقع والمستقبل. وشارك فيها كل من السادة:

نيافة المطران كيرلس سليم بسترس. تحدث عن القدس في الفكر المسيحي.

السيد عمار الموسوي، تحدث عن المعاني المستفادة من يوم القدس العالمي.

الدكتور زهير غزاوي، تحدث عن واقع القدس تحت الاحتلال.

الدكتور عدنان السيد حسين، تحدث عن القدس والمجتمع الدولي.

ادار الزميل الدكتور طراد حمادة. الندوة التي عقدت مساء يوم الاربعاء الواقع فيه 14 شباط (فبراير) عام 1996 في قاعة الجنان. وحضرها جمع من اهل العلم والسياسة والاعلام..

بعد تلاوة آيات بينات من القرآن الكريم، استهل الزميل الدكتورطراد حمادة، اعمال الندوة بالترحيب بالسادة المحاضرين والاخوة الحضور، وتناول في حديثه موقع القدس في الاسلام مع نبذة موجزة عن تاريخ المدينة المقدسة، ثم اعط ي الحديث،تباعا، لكل من المحاضرين.

وفي ما يلي تسجيل كامل لوقائع الندوة.

د. طراد حمادة:

في هذه الندوة سنحاول فتح ملف القدس مع الاخوة المحاضرين الذين خبروا قضيتها العادلة، وعملوا على نصرتها،في حوار نستلهم فيه مناخ الايام الاخيرة من الشهرالمبارك.

في صفاء هذا المناخ وروحانيته نتحاور في تاريخ القدس،واقعها، ومستقبلها، وكيف ننصرها، ونرد عنها اطماع الغاصبين،وكيد المعتدين، وتمر المتمرين وتخاذل المتخاذلين.نشعل شمعة، ونضيء سراجا في ليل القدس، نفتح الطريق اليها.نسري، افرادا وجماعات، لنصلي في رحابها المبارك. ونفتتح الحديث بنبذة موجزة عن تاريخ القدس.

نبذة تاريخية:

تؤكد الابحاث المتعددة، في تاريخ القدس، انها مدينة اسلامية مقدسة. العرب، تحت اسماء مختلفة، هم سكانها الاصليون والاساسيون، وقد عرفوا بسكناهم في هذه المنطقة باءسماء ((العموريين)) و ((الكنعانيين)). ان ((اليبوسيين)) انشاء وا القدس،لاول مرة في التاريخ، منذ 4000 سنة قبل الميلاد. وعرفت القدس، في بدء نشوئها، باسمها القديم ((يبوس))نسبة الى اليبوسيين من بطون العرب الاوائل.

وقد اطلقوا عليها اسم مدينة السلام نسبة الى ((سالم)) او (شالم) اله السلام عندهم.

وظهرت فيها اول جماعة اعتقدت بالتوحيد.

عاشت القدس حياة المدن الكبرى، وذلك في عهد الفراعنة.وكانت ((يبوس)) اي القدس، لهم القلعة الامامية لحماية طرق التجارة.

وكان العبرانيون، في اواخر عهد ((اليبوسيين))، قد هاجموا بعض نواحي فلسطين، لكن القدس صمدت في وجههم، ولم يتمكنوامن الاستيلاء عليها الا في عهد داود عام 1000ق. م.

وبعد داود جاء سليمان الذي بنى هيكله على غرار هياكل الكنعانيين على رغم معارضة احبار اليهود.

وفي حوالى 926ق.م. هاجم فرعون مصر المملكة اليهودية، ولم تمض خمسون سنة على وفاة سليمان حتى استعاد اليبوسيون القدس عام 895ق.م.

احتل الاشوريون والبابليون والمصريون فلسطين خلال فترات متعاقبة. وكان حكمهم متسما بالرفق. ثم حكم الفرس فلسطين والقدس واستمر حكمهم لها من عام 539ق.م. الى 332ق.م.، حيث رحل الفرس وحل محلهم اليونانيون بقيادة الاسكندر المقدوني. واستمر الوجود اليوناني حتى استولى الرومان على البلاد عام 63ق.م. ودخل قائدهم القدس بعدحصار شديد.

ظل الرومان، من عام 63ق.م. حتى عام 636م.، حين فتحت البلاد ابوابها للفتح الاسلامي. ودخل عمر بن الخطاب الى القدس من دون حرب وبطلب من سكانها. ومنذ ذلك الوقت،بقيت القدس اسلامية بسكانها وعاداتها وتقاليدها، على الرغم مما تعرضت له من غزو الصليبيين عام 1099م. وعام 1187م.حرر صلاح الدين الايوبي القدس بعد معركة حطين الشهيرة.وقد اكمل الظاهر بيبرس ما قام به صلاح الدين، حين تمكن المظفر قطز من هزيمة التتار في معركة عين جالوت 1260م.ومن منش آت بيبرس في القدس عمارة الحرم الشريف.

في العهد العثماني عاشت القدس بسلام في ظل الاسلام.

عام 1917م. دخلها اللورد اللنبي في بداية الانتداب البريطاني الذي استمر الى عام 1948 حيث اندلعت الحرب في 14 ايار (مايو) 1948. وانقسمت القدس. وكانت اتفاقية الهدنة في 3/4/1949.

عام 1967 احتلت القوات الاسرائيلية الغازية القدس بكاملهاواعلنت ضمها الى الكيان الصهيوني، ولا تزال المدينة المقدسة ترزح تحت نير الاحتلال، حتى يتم للمسلمين شرف تحريرها.

والواقع ان موقع القدس في الاسلام هو موقع القلب كما نتبين،من نص الايات (1 5) من سورة الاسراء، وفي الحديث المتواترعن الرسول(ص) والائمة(ع).

وقد عاشت القدس في طماءنينة في ظل دولة الاسلام. واليوم لايمكن التراجع عن حق تحريرها ولا التنازل ولا المساومة.

القدس مفتاح الحرب ومفتاح السلام. وحق المسلمين فيها صريح ولا يمكن لاحد، كائنا من كان، التصرف بهذا الحق. لقد دافع المسلمون عنها وما زالوا يدافعون، وفي اعلان السيد الامام الخميني(قده) يوم القدس العالمي صورة عن هذا الواقع.يقول الامام الخميني(قده): بيت المقدس ملك للمسلمين وقبلتهم الاولى. ومن الضروري احياء يوم القدس،المتزامن مع ليلة القدر من قبل المسلمين ليكون بداية لصحوتهم ويقظتهم.على المسلمين ان يعتبروا يوم القدس يوما لجميع المسلمين بل لجميع المستضعفين. ان تحريرالقدس وكف شر هذه الجرثومة الفاسدة عن البلاد الاسلامية هو في الاساس واجب كل المسلمين. ان مساءلة القدس ليست مساءلة شخصية وليست خاصة ببلد ما ولا هي مساءلة خاصة بالمسلمين في العصر الحاضر بل هي قضية كل الموحدين والمؤمنين في العالم، السالفين منهم والمعاصرين واللاحقين.

عن المعاني المستفادة من يوم القدس يحدثنا السيد عمارالموسوي، عضو المكتب السياسي لحزب اللّه.

السيد عمار الموسوي:

عشية انتصار الثورة الاسلامية المباركة في ايران، اطلق الامام الراحل الخميني (قدس سره) الدعوة الى احياء يوم القدس العالمي في آخر يوم جمعة من شهر رمضان المبارك وطرح معادلته الشهيرة:

((من لم يشارك في احياء يوم القدس فهو مخالف للاسلام وموافق لاسرائيل)).

ولم تكن هذه المعادلة سوى تقرير لحقيقة ستثبت، في السنوات اللاحقة، مضامينها وابعادها، وسيتبين، وتبين، ان الامام، رضوان اللّه تعالى عليه، لم يكن يطلق شعارات في الهواءبل كان يرسم معالم الموقف الحقيقي بالنسبة لامة تعتبر قضية القدس المعركة الفصل في حياتها.

ولو عدنا الى الوراء، الى بدايات هذا القرن، او الى نهايات القرن الماضي، اي الى الحقبة التي كانت خلالها المؤامرات الخفية والخبيثة تحاك وتدبر لاحتلال فلسطين وجعلهاوطناقوميا لليهود، لوجدنا ان مخطط تهويد فلسطين لم يكن وليدالصدفة ولا هو انطلق من واقع ان اليهود يبحثون عن ارض ليستوطنوا فيها، فلم تكن الا فلسطين، ولا من موقع ان فلسطين،بالنسبة لليهود، ارض مقدسة وارض اجداد وذكريات كمايزعمون، فكل هذه التفاسير والتبريرات ربما كان لها دخل في تدعيم المؤامرة واستهدافاتها، ولكن الهدف الاساسي لم يكن سوى العمل على دق اسفين في قلب العالم الاسلامي والعربي لتمزيقه وتحويله اشلاء، فاليهود كان يمكنهم ان يجدوا مكانا آخرللاستيطان.

لكن تكامل المخطط اليهودي مع المشروع الاستكباري لا يمكن ان يتحقق سوى في فلسطين، فهذه البقعة هي الرئة التي يتنفس منها العالم العربي والاسلامي، وهي حلقة الوصل بين اجزائه الافريقية والاسيوية واطرافه الجنوبية والشمالية.

وفلسطين هي بوابة العالم العربي المشرقي التي تكسرت عليها اكثر من مرة مؤامرات الافرنج وهجماتهم، وآخرهاغزوة نابليون التي ارتدت وتقهقرت عند ابواب عكا، وليس من باب الصدفة ان تضيع فلسطين في لحظة انهيار السلطنة الاسلامية العثمانية وسقوطها، فهذه البقعة لم تكن من الاطراف التي كانت السلطنة لتتخلى عنها بسهولة، او امام حملة ضغوطعسكرية مكثفة، ولكنها كانت من مناطق القلب التي رفضت السلطنة القبول بتهويدها رغم العروض المغرية ومن بينها سدادديون السلطنة التي بلغت في ذلك الوقت اكثر من ثمانين مليون جنيه استرليني.

اما الانظمة والكيانات العربية التي قامت عند تخوم فلسطين،فانها لم تستطع حمايتها ولا الدفاع عنها، ليس هذا وحسب وانماقد تاءكد تورط بعض هذه الانظمة في تسهيل مؤامرة التهويد،وهذا ما تؤكده الوثائق والاتفاقات التي عقدت بين الشريف حسين وحاييم وايزمان الرئيس الثاني للمؤتمر الصهيوني العالمي، فقد اتفقا على ان يساعد الشريف حسين في استيطان اليهود في فلسطين مقابل ان يدعم قادة المؤتمر الصهيوني ماسمي بفكرة استقلال المناطق العربية في السلطنة العثمانية،على ان يقوم بعد ذلك تعاون تتكفل خلاله الكوادر الصهيونية بتنمية الاقليم العربي المتخلف والذي يحتاج بشدة الى عملية نهوض واسعة النطاق.

اما الملك عبداللّه فقد ورث عن والده الشريف حسين الموقف المؤيد ضمنا لقيام الكيان الصهيوني ليلعب، بعد ذلك، دورا غيرقليل في احباط حركة الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت في اواخر العشرينات من هذا القرن ضد الاستعمار البريطاني والاستيطان اليهودي. وقد كان احد روادها الكبار الشهيدالسعيد الشيخ عز الدين القسام، ابن بلدة جبلة السورية،الشيعي، وخريج الجامع الازهر الشريف.

ان ثورة الثلاثينات لم تكن ثورة مسلحة وحسب بل كانت انتفاضة امة كادت تؤتي ثمارها المرجوة، وتشهد بذلك المؤتمرات التي عقدت في تلك الاثناء وشارك فيها زعماءالنهضة في العالم الاسلامي وروادها من الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء الى سواه من علماء ومفكرين من دون ان ننسى الدور الاساسي لمشيخة الازهر الشريف.

ونستطيع الجزم ان النظام العربي، في تلك الاونة، هو الذي اجهض الانتفاضة عندما حاول مصادرة عملية الجهاد وحصرهابالجيوش النظامية وبالقرار الرسمي الذي انتهى، بعدحين الى الموافقة على هدنة طويلة كانت خلالها اسراب المستوطنين اليهود تتدفق الى فلسطين بعشرات الالاف.

وعلى اي حال، فان الصراع على فلسطين، كان لانها تمثل قلب العالم العربي والاسلامي. من هنا يسقط العالم الاسلامي في براثن الاستكبار.ومن هنا يستعيد هذا العالم نهوضه، ويلم اشلاءه من اجل بناءالجسد الواحد المتماسك.

واذا كان الكيان الصهيوني قد غرس كخنجر في قلب العالم العربي والاسلامي فان القدس هي اكثر شرايين هذا القلب نزفا،وهي الجرح الذي لا يقبل ان ((يختم على زغل)). كمايقال.

قدتجري تسويات تعكس موازين القوى، ولكن القدس تبقى عصية على الحلول الوسط المتداولة بين مطالبة رسمية فلسطينية باستعادة اجزائها الشرقية لتكون عاصمة للكيان الفلسطيني،وبين اصرار صهيوني على ابقائها عاصمة موحدة للكيان الغاصب مع احتمال تقديم بعض التنازلات الشكلية.

لقد اعط ى الامام الخميني، رضوان اللّه تعالى عليه، لهذاالموضوع الاولوية، وبين كيف تكون القدس عاملا يوحد الفرق الاسلامية ويقرب بين مختلف التيارات، ويوحد بين المسلمين والمسيحيين في رفض الاغتصاب اليهودي، ويرد الاعتبار الى موقع الامة وشخصها ويؤكد هويتها، فيكون الاداة التي تنفض كل التسويات المزيفة، لانها لا تقبل الخضوع للتزيف فتكون المدخل الى اعادة تكوين الامة في الصراع.

واي نظام عربي لا يملك ان ينفض يده من هذه القضية، فيعتبرهاشاءنا كيانيا للدولة الفلسطينية، لان القدس، قبل اي شيء آخر،هوية دينية وحضارية.

ترى هل كان صدفة ان يجري البحث عن بقايا هيكل سليمان في جوار المسجد الاقصى، والادعاء باءن الهيكل يقوم تحت المسجد؟ هذه ليست صدفة، بل حقيقة وجودية، لان هيكل سليمان لا يقوم الا على انقاض المسجد الاقصى كما ان لا صهيونية عنصرية الا على انقاض الاسلام والمسيحية.

اليس هذا ما تحاوله الصهيونية العالمية؟.

ان الحوادث والتطورات المسجلة في السنوات الاخيرة بشاءن القدس والمسجد الاقصى وكنيسة القيامة تؤكد ان المؤامرة الفعلية تنصب على القدس تهويدا وسلخا، وان سائرالمؤامرات ليست سوى فروع وهوامش لهذه المؤامرة الاساس، فمن احراق المسجد الاقصى الى تخريب الاثار عبر مشاريع الحفريات، الى اعلان الضم، الى ضم آلاف الدونمات من الاراضي، الى الملكية البلدية للقدس المهودة، الى قرار الكونغرس الامريكي،كلها،لن خطوات ملى عليهم من شروط مهينة ومذلة.

فهذا من جهة، ومن جهة اخرى فان البعد الجماهيري في القضية امر جوهري مرتبط بالصراع نفسه وبضرورة ان تتجهز الامة لتقوم بدورها خصوصا في ظل عملية التغييب كوالتهميش التي مورست في اطار الصراع، فالانظمة كانت تخوض الصراع بمناءيهة