وعن امير المؤمنين(ع): ((ان لاهل الدين علامات يعرفون
بها:صدق الحديث واداء الامانة والوفاء بالعهد وصلة الرحم
ورحمة الضعفاء وقلة المواتاة للنساء وبذل المعروف وحسن
الخلق وسعة الخلق واتباع العلم وما يقرب الى اللّه عزوجل
طوبى لهم وحسن م آب)).
ا) الولاء لاهل البيت(ع): عن ابي الحسن(ع): ((شيعتنا
الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويحجون البيت الحرام
ويصومون شهر رمضان ويوالون اهل البيت
ويتبرؤون من اعدائهم)) .
وعن الصادق(ع): ((كذب من زعم انه من شيعتنا وهو
متمسك بعروة غيرنا)).
ب) توطين النفس على العمل: ان الولاء في مدرسة اهل
البيت ليس مجرد كلمات يلوكها الانسان بين لحييه، وانما هو
التزام وعمل دؤوب في اتجاه اقامة الدين في النفس والمجتمع.
لذلك اكد الائمة(ع) على قيمة العمل وجعلوه المحك الحقيقي
لصدق الموالين، لان الايمان ما وقر في القلب وصدقه العمل:
عن ابي جعفر(ع)، ((قال: يا جابر، ايكتفي من اتخذ التشيع ان
يقول بحبنااهل البيت! فواللّه ما شيعتنا الا من اتقى اللّه واطاعه،
وما كانوايعرفون الا بالتواضع والتخشع واداء الامانة وكثرة ذكر
اللّهوالصوم والصلاة والبربالوالدين والتعهد للجيران من
الفقراءواهل المسكنة والغارمين والايتام وصدق الحديث
وتلاوة القرآن وكف الالسن عن الناس الا من خير(...) قال جابر:
يابن رسول اللّه مانعرف احدا بهذه الصفة، فقال لي: يا جابر لا
تذهبن بك المذاهب، احسب الرجل ان يقول: احب عليا صلوات
اللّهعليه واتولاه، فلو قال: اني احب رسول
اللّه(ص)ورسول اللّه(ص) خير من علي ثم لا يتبع سيرته ولا
يعمل بسنته ما نفعه حبه اياه شيئا فاتقوا اللّه واعملوا لما عند اللّه
ليس بين اللّه وبين احد قرابة، احب العباد الى اللّه واكرمهم عليه
اتقاهم له واعملهم بطاعته، يا جابر ما يتقرب العبد الى اللّه
تبارك وتعالى الابالطاعة، ما معنا براءة من النار ولا على اللّه
لاحد منكم حجة، من كان للّه مطيعا فهو لناولي ومن كان للّه
عاصيا فهو لنا عدو، لا تنال ولايتنا الا بالعمل والورع)).
ج) مخالفة الاهواء: ان جدلية الصراع النابع من صميم
الذات الانسانية هي اساس حركة الذات في تكاسلها ورقيها
المعنوي،والشخصية المؤمنة في المنهج السلوكي،
لاهل البيت(ع) هي التي تسعى جاهدة للانتصار لنداء العقل
والايمان والجام النفس الامارة واهوائها.
عن ابي عبداللّه(ع): ((واللّه ما شيعة علي صلوات اللّه عليه الا
من عف بطنه وفرجه وعمل لخالقه ورجا ثوابه
وخاف عقابه)).
د) الاستعداد الدائم للبلاء: ان طبيعة الدور المنوط
بعهدة المؤمن في الحياة يجعله عرضة لانواع شتى من
المحن والابتلاءات التي تمثل احدى العناصر الايجابية في
خط الترقي والتكامل المعنوي، (الم احسب الناس ان يتركوا ان
يقولوا آمناوهم لا يفتنون). (ام حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما
ياءتكم مثل الذين من قبلكم مستهم الباءساء والضراءوزلزلوا حتى
يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصراللّه).
عن ابي عبداللّه(ع): ان اللّه عز وجل جعل وليه في الدنيا
غرضالعدوه)). وعنه(ع): ((ان البلاء اسرع الى المؤمن التقي
من المطر الى قرار الارض)). وعن ابي جعفر(ع):
((...لم يؤمن اللّه المؤمن من هزاهز الدنيا، ولكنه آمنه من العمى
فيهاوالشقاء في الاخرة)). ومستويات المحنة تتناسب
طرديا مع درجات الايمان. عن ابي جعفر(ع): ((انما
يبتلى
المؤمن في الدنيا على قدر دينه)).
ه) العلاقات الرسالية: ان عنصر الايمان ليس مجرد اضافة
كمية الى اطراف العلاقات الاجتماعية، بل هو عنصر نوعي
يقلب هذه العلائق راسا على عقب فلا تبقى المصالح اساسا
للروابطالاجتماعية، وانما تغدو طاعة اللّه ومرضاته هي اساس
هذه المعاملات. فالايمان هو الاكسير الذي يقلب هذه العلاقات
الى تواصل ملؤه الحب والمودة: ((ان المؤمن ليسكن الى
المؤمن كما يسكن الظم آن الى الماء البارد)).
وعن محمد بن عجلان قال: كنت مع ابي عبداللّه(ع)،
فدخل رجل فسلم، فساءله: كيف من خلفت من اخوانك؟
فاءحسن الثناءوزكى واطرى فقال له: كيف عيادة
اغنيائهم لفقرائهم؟ قال: قليلة.قال: كيف مواصلة اغنيائهم
لفقرائهم في ذات ايديهم؟ فقال: انك تذكر اخلاقا ماهي فيمن
عندنا، فقال: فكيف يزعم هؤلاء انهم شيعة لنا)).
ان الحديث السابق ينسف كل الحواجز المادية
والاعتبارات الزائلة التي تفصل بين المؤمنين لتجعل منهم
كتلة متراصة يجدكل فرد فيها نفسه مسؤولا عن اخيه. وعن
ابي عبداللّه(ع) قال:((لقضاء حاجة امرىء مؤمن احب الي من
عشرين حجة ينفق فيهاصاحبها مئة الف)). وعن مهزم
الاسدي ((... واذا لجاء اليهم ذوحاجة رحموه، لن
تختلف قلوبهم، وان اختلفت بهم الدار)).
ان روحية الرحمة والايثار تتعدى دائرة المؤمنين لتشع على
كل الناس فيصبح المؤمن سندا لكل محتاج وعونا لكل
مستضعف.عن رسول اللّه(ص): ((الا انبئكم لم سمي
المؤمن مؤمنا؟ لائتمان الناس اياه على انفسهم واموالهم، الا
انبئكم من المسلم، المسلم؟من سلم الناس من يده
ولسانه..)). وعن السكوني عن ابي عبداللّه(ع) قال: ((ان
اعظم الناس منزلة عند اللّه يوم القيامة امشاهم في ارضه
بالنصيحة لخلقه)). وفي وصية اميرالمؤمنين(ع) لولديه:
((كونا للظالم خصما وللمظلوم عونا)).
و) مقارعة الظلم والظالمين: ان المؤمن الذي اعتصم بحبل
اللّهالعادل يجد نفسه في قطيعة وجدانية وسلوكية مع الظلم،
مهماكانت تجلياته، فهو يسعى للعدل في النفس
والحياة والمجتمع.
والائمة(ع) حرضوا شيعتهم على محاربة الظلم والتسلح
بالقوة لمواجهة الظالمين والصبر في ساحات الصراع. عن
مهزم الاسدي قال ابو عبداللّه: ((... شيعتنا من لا يهر هريرالكلب،
ولايطمع طمع الغراب، ولا يساءل عدونا وان مات جوعا)).
وعن ابي جعفر(ع): ((المؤمن اعز من الجبل.الجبل يستقل منه
والمؤمن لا يستقل من دينه شيئا)). وعن ابي عبداللّه(ع): ((ان
المؤمن اشد من زبر الحديد، ان الحديد اذاادخل النار تغير وان
المؤمن لو قتل ثم نشر ثم قتل لم يتغيرقلبه)).
ز) التعالي عن ردود الافعال: المؤمن، في اطار منهج
اهل البيت، يتمتع بشخصية متوازنة تتحرك وفق ثوابت رسالية
لاتنفعل بالحالات الشعورية التي يعيشها الانسان، من
فرح وحزن ورضى وغضب.. كما لا تتاءثر بمواقف الاخرين احسنوا
ام اساؤوا.فهو يعط ي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه، ويصل من
قطعه، لانه شمس تشرق على من يستحق ومن لايستحق: وعن
الصادق(ع):((اصطنع المعروف الى من هو اهله، والى من ليس
باءهله، فان لم يكن اهله فاءنت اهله)).
عن رسول اللّه(ص): ثلاث خصال من كن فيه استكمل
خصال الايمان، اذا رضي لم يدخله رضاه في باطل واذا غضب
لم يخرجه الغضب من الحق واذا قدر لم يتعاط ما ليس له)).
ح) التسليم والرضا: ان سعادة المؤمن والطماءنينة التي تعمر
قلبه وتملا جوانبه، رغم اجواء المحن والشدائد التي تحيط به
تنبثق اساسا من التسليم للّه والرضا بقدره. فيرى في كل ما يقع
خيرا له،فلا يفزع ولا يجزع، مرجعه في ذلك الشعار الزينبي
الخالد،((وما رايت الا جميلا)).
عن ابي عبداللّه(ع): ((يا فضيل: ان المؤمن لو اصبح ما
بين المشرق والمغرب كان ذلك خيرا له، ولو اصبح مقطعا
اعضاؤه كان ذلك خيرا له، يا فضيل بن يسار: لا يفعل بالمؤمن
الاما هوخير له)).
ان المؤمن وطن نفسه على انه جندي في ساحات الكد
والكدح يرتضي الموقع والدور المنسوب اليه ما دام في ذلك
مرضاة للّه، وهو لا يبالي اوقع على الموت ام وقع الموت عليه،
ويستوي حينئذ البلاء والرخاء، بل ربما يفضل اجواء المحن
والابتلاءات لانها توحي بدور اعظم ودرجة افضل عند اللّه. عن
ابي عبداللّه(ع): ((لن تكونوا مؤمنين حتى تكونوا مؤتمنين
وحتى تعدوا نعمة الرخاء مصيبة، وذلك ان الصبر على البلاء
افضل من العافية عند الرخاء)).
عند ذلك يتحرر المؤمن من قيود الخوف: الخوف من
الفقر،الخوف من الموت، والخوف من الطغاة والجبابرة.. بل
تصبح الاشياء تخافه لشدة باءسه وقوته. عن ابي عبداللّه(ع)
:((ان المؤمن من يخافه كل شيء وذلك انه عذير في دين اللّه ولايخاف من شيء وهو علامة كل مؤمن)).
خصائص المنهج:
ان اللّه المتتبع لاصول المنهج السلوكي، عند اهل البيت،
كماحاولنا استكشافه يلحظ امتيازه عن الاتجاهات الوضعية في
علم النفس وعلوم التربية، وعن نظريات هذه
المدارس حول السلوك وبناء الشخصية. واهم خصوصيات منهج
اهل البيت هي:
1- الانطلاق من الداخل الى الخارج: على خلاف العديد
من النظريات في علم النفس وعلم الاجتماع التي تعتقد ان
تحقيق سعادة الانسان كفيل بتوفير العناصر المادية الضرورية
وضمان الحاجات الفيزيولوجية له، فان مدرسة اهل البيت
اكدت ان التحرر الداخلي هو اساس بناء الشخصية، وان تحرر
النفس من قيود الهوى وسيطرتها على الشهوات والغرائز هو
الخطوة الاولى في اتجاه بناء الذات الرسالية التي تعيش حالة
السعادة الحقيقية.
والتحرر الداخلي هو الدافع الاساسي للتحرر من كل
الاغلال والقيود الاجتماعية والسياسية التي قد تصادر حرية
الفردوكرامته وعزته. يقول الشهيد الصدر: ((وهذا
التحررالداخلي اوالبناء الداخلي لكيان الانسان، هو في راي
الاسلام، حجرالزاوية في عملية اقامة المجتمع الحر السعيد،
فما لم يملك الانسان ارادته ويسيطر على موقفه
الداخلي ويحتفظ لانسانيته المهذبة بالكلمة العليا في تقرير
سلوكه لا يستطيع ان يحرر نفسه في المجال الاجتماعي تحريرا
حقيقيا يصمد في وجه الاغراء،ولا ان يخوض معركة التحرير
الخارجي بجدارة وبسالة، ان اللّهلا يغير ما بقوم حتى يغيروا
ماباءنفسهم...)).
2- تلبية الحاجات الواقعية للانسان: ان المنهج المطروح،
على بساطته ووضوحه، يلبي الحاجات الواقعية للانسان حتى
تلك التي تنادي بها البحوث الحديثة في علم النفس.ولئن كان
بعض المفكرين الاسلاميين لا يتفق مع هذه النظريات فيما
تعترف به من حاجات: كحاجة الانتماء، والحاجة الى الحب
والتقديرالاجتماعي، ويعتبرها من افرازات التحاليل الارضية
التي قطعت صلة الانسان باللّه فصارت بحاجة الى مثل
هذه الارتباطات والحاجات.
لكننا، بتتبع نصوص الائمة(ع)، نراهم رغم تاءكيدهم على
العلاقة باللّه وجعلها اساس البناء التربوي (كما حللنا ذلك سابقا)
وانهاكفيلة بتحقيق التوازن النفسي للمرء وتلبية حاجاته
النفسية ((يافضيل بن يسار، انه من كان همه هما واحدا كفاه
اللّه همه، ومن كان همه في كل واد لم يبال اللّه باءي
وادهلك))، ((يا فضيل، ما على رجل عرف هذا الامرلو كان
على جبل حتى ياءتيه الموت)).
رغم كل ذلك نراها تنكر الحاجات النفسية المشار اليها
وانماحاولت معالجتها في اطار الايمان باللّه وداخل منظومة
الاعتقادالديني لا خارجها، على عكس الاطروحات المادية
الارضية التي تعتبر ان تلك الحاجات اصيلة وان تحقيقها
لوحدها كفيل بضمان التوازن. فحاجة الانتماء يكون اشباعها
الواقعي من خلال الارتباط الواعي باللّه سبحانه وتعالى.
والحاجة للحب يحاول المنهج توفيرها انطلاقا من
العلاقات الرسالية وروح الاخاء والصفاء التي تشع من خلالها:
((ان المؤمن ليسكن الى اخيه المؤمن كما يسكن الظم آن
الى الماء البارد)).
والاحاديث التي تعظم منزلة المؤمن وترفع من شاءنه
والتي يمكن اعتبارها استجابة لحاجة التقدير: ((شيعتنا
ينظرون بنوراللّه، ويتقلبون في رحمة اللّه،
ويفوزون بكرامة اللّه)).
وعن رسول اللّه(ص): ((ان حديث آل محمد صعب مستصعب،
لايؤمن به الا ملك مقرب، او نبي مرسل او عبد امتحن اللّه
قلبه للايمان)).
بل يمكن ان نعتبر المنهج، برمته، وبما طرحه من
تفصيلات محاولة لتشكيل هوية المؤمن واطارا توجيهيا له في
الوقت نفسه، وكلاهما (الهوية والاطار التوجيهي)
من الحاجات الانسانية الضرورية عند فروم.
3- وسطية المنهج: نص الامام الصادق على هذه الوسطية
في قوله لفضيل بن يسار: ((يا فضيل بن يسار، ان الناس اخذوا
يميناوشمالا، وانا وشيعتنا هدينا الصراطالمستقيم)).
ولعل من ابرز مظاهر هذه الوسطية التوفيق بين حاجات
الفردوحاجات المجتمع. هذا التوفيق الذي مثل تحديا صارخا
لكل المدارس الاجتماعية والتربوية ونظرياتها، حيث
لم تنجح النجاح الحاسم في الاجابة وتحقيق المعادلة بين
مصلحة الفردومصلحة المجتمع.
اما الطرح الاسلامي الذي يتجلى في منهج اهل البيت(ع)
فانه،وانطلاقا من الفهم المعنوي للحياة، المنبثق من
القاعدة العقائدية للاسلام يجعل من الحياة الدنيا مرحلة
ورحلة تكامل وكد وجهاد في اتجاه النشاءة الاخروية الخالدة،
فتغدو كل التضحيات وكل التنازلات من اجل الاخرين عملا
للحساب الشخصي ايضا، اضافة الى كونه سبيلا للذة المعنوية
بوصفه طريقا لمرضاة اللّه.
ان التعارض الموهوم بين الفرد والجماعة يتهاوى في اطار
هذاالتحليل الواقعي للحياة... الذي يمنح للانسان آفاقا
واسعة للعمل والتواصل مع الاخرين، والسعي نحو
نفعهم والتضحية لاجلهم تحت مظلة حب اللّه وطاعته، من دون
ان تصادر كل تلك التضحيات لذته الخاصة ومنفعته الشخصية
في نهاية الطريق.
4- واقعية المنهج: نستشف هذه الواقعية في غير مظهر،
ولكن نكتفي هنا بنقطتين مركزيتين:
1- تناغم المنهج مع التركيبة النفسية والعقلية للانسان،
واقراره لكل الحاجات الانسانية، الحاجات الشخصية
الفيزيولوجية:(الطعام، الشراب، الجنس) والتي حرص الائمة
ان يكون اشباعها في نطاق العقل والايمان من دون الانغماس
فيها، لتغدوقيدا يصادر حرية الفرد ((بئس المؤمن رغب يذله)).
والحاجات المعرفية العقلية، والحاجات الاجتماعية،وراينا كيف
يضمن المنهج، من خلال توجيهاته، هذه الحاجات قصد تحقيق
بناءالذات المؤمنة المتوازنة.
2- اقرار الائمة ان السير في اتجاه هذا المنهج دور
صعب محفوف بالشدائد، لما جبلت عليه النفس من الركون الى
الراحة والدعة، ولما يتسم به المنهج من معالجات
جذرية تتطلب معاهدة طويلة الامد لذلك فان السائرين
معرضون للانتكاسات:
عن ابي عبداللّه(ع): ((المؤمن صنفان: فمؤمن صدق بعهد
اللّهووفى بشرطه، وذلك قول اللّه عز وجل: ((رجال صدقوا
ماعاهدوا اللّه عليه.. فذلك الذي لا تصيبه اهوال
الدنياواهوال الاخرة وذلك ممن يشفع ولا يشفع له، ومؤمن
كخامة الزرع تعوج احيانا وتقوم احيانا، فذلك من تصيبه اهوال
الدنيا واهوال الاخرة، وذلك ممن يشفع له ولا يشفع)).
وفي دائرة هذا الضوء نتفهم الاحاديث التي وردت
واصفة المؤمنين بالقلة والندرة.. تاءكيدا لهذا المعنى:
وعورة الطريق... وحجم التحديات فيه ((المؤمنة اعز من
المؤمن، والمؤمن اعز من الكبريت الاحمر، فمن راى منكم
الكبريت الاحمر؟)).
المنهج سبيل النجاة:
ان المنهج السلوكي لمدرسة اهل البيت يختزن، داخله،
كل المقومات الضرورية لصنع الانسان النموذجي الذي يتوفر
على كل الكمالات الروحية والمعنوية، والذي يعيش التوازن
النفسي في اجلى مظاهره.
ان المنهج يصنع الذات القادرة حقا على الفعل الايجابي
داخل ساحات البناء الحضاري والتغيير الاجتماعي. وبالتالي
يضمن السعادة التي تاه الانسان شرقا وغربا باحثا عنهايمنة
ويسرة، وقدغاب عنه انها تنبع اساسا من داخله بالانفتاح الواعي
على اللّهوتحقيق العدالة الكاملة في نفسه والالتزام المسؤول
بخطالطاعة والحب والولاء للّه في السلوك.ان المنهج هو
صورة اخرى من تجليات عظمة مدرسة اهل البيت التي تطرح
للبشرية خط الحياة والسعادة الابدية، خطا ينتصر للعقل
والعاطفة معا،ويصهر مصالح الفردوالجماعة في بوتقة واحدة
ويكرس القيم الانسانية الخالدة.
(يا ايها الذين آمنوا استجيبوا للّه والرسول اذا دعاكم لما
يحييكم).
قرائة في كتاب ابن تيمية ((حياته وعقائده))
د. علي زيتون
صدر عن دار الغدير للدراسات والنشر، في بيروت، كتاب
السيدصائب عبد الحميد ((ابن تيمية حياته وعقائده)). يحرك
هذاالعنوان، في الذاكرة الاسلامية، وقبل الدخول
في تضاعيف الكتاب، مساءلة بالغة الحساسية في تاريخنا
الاسلامي تتعلق بمبداقبول الاخر من ناحية، وبامكانية قيام
الوحدة الاسلامية من ناحية ثانية.
والمساءلتان ركنان اساسيان من الاركان التي رسمها
الاسلام لحياته العملية. فهو لا يقبل وضع الوحدة الاسلامية
موضع النقاش: (كنتم خير امة اخرجت للناس
تاءمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) (آل عمران، 3/110)
محددا للامة الواحدة دورها الرسالي في هذا العالم. وهو، وان
اقام العلاقة بينها وبين سائر الناس على قاعدة
المعلم(المسلمون الامرون الناهون)،والمتعلم (الاخرون
الماءمورون بالمعروف المنهيون عن المنكر)الا ان ذلك بهدف
الوصول الى مستوى آخر من الوحدة يتحقق على مستوى
العالم اجمع، لان اللّه تعالى يخاطب الناس قائلا:(يا ايها الناس انا
خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان
اكرمكم عند اللّه اتقاكم) (الحجرات، 49/13).
وهو اذ يشير الى تحدر الجنس البشري من الابوين
نفسيهما(آدم وحواء)، وما يعنيه الاصل الواحد على صعيد
الوحدة، انمايؤكد الوحدة البشرية في قوله تعالى:
(وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا). فلا يعني هذا التركيب
اللغوي تقسيم البشرية الى شعوب وقبائل متمايزة في انتمائها
العنصري، لان كلمة (تعارفوا)لا تشير الى التقسيم الا على
مستوى اسماء تلك الشعوب والقبائل، فيكون لكل شعب او قبيلة
اسم يعرف به ويميزه عن سواه تماما كما لا يكون في اسم الفرد
اية فضيلة له الا ان يميزه عن غيره ويجعله يعرف به.والذي يعزز
ما ذهبت اليه الجزءالاخير من الاية ((ان اكرمكم عند اللّه
اتقاكم)) حيث يكون مقياس الكرامة خارجا عن الموروث في
بنية الانسان وشخصيته الى المكتسب(التقوى).
توجب هذه النظرة الى الوحدة البشرية انفتاحا في
الموقف خصوصا وان الاسلام كان واضحا في قبول الاخر
والاعتراف به وبحقه في الحياة الكريمة وحرية التفكير. كما
كان سديدا في قبول الاختلاف داخل الحياة الفكرية الاسلامية.
ذلك ان اباحة الاجتهاد ووجود الايات المتشابهات في القرآن
الكريم التي تحتمل اكثر من دلالة اشارة واضحة الى السماح
بوجود الاختلاف في وجهة النظر. ويؤدي ذلك الى غنى الحياة
الفكرية الاسلامية، خصوصا اذا كان الاختلاف عائدا الى الزوايا
المختلفة التي يمكن النظر منها الى المساءلة الواحدة. صحيح
ان القرآن قد اشار الى حقيقة واحدة تحملها الاية المتشابهة
التي لا يعلم تاءويلها الا اللّه. ولا شك انها حقيقة مطلقة مرتبطة
بالمساءلة،موضوع الاية المتشابهة، الا ان هذه الحقيقة المطلقة
ليست بسيطة التكوين ذات بعد واحد، اذ لا بد من ان تكون
متعددة الجوانب ولا تضيئها نظرة بشرية واحدة، لان هذه
النظرة، مهماعظمت،لا تستطيع ان تنير سوى جانب واحد
منها. وهي تحتاج الى نظرات عديدة للسير في عملية الكشف
عنها باتجاه وضعيتهاالمطلقة التي حصر اللّه مساءلة علمها
بنفسه. ويعني هذاان الاختلاف مطلوب ومرغوب به اذا ظل في
اطار الفهم السليم لهذه المساءلة.
تؤكد استمرارية النهج النبوي في علي(ع) مشروعية
الاختلاف في وجهات النظر، طلب الرسول(ص) من المسلمين
في خطبة الغدير ان يوالوا عليا(ع) بما يعني انه
سيمثل استمرارية له في مرجعيته الدينية والدنيوية. وهذه
دعوة الى عد التجربة العلوية التي ستمارس بعد غياب
الرسول(ص) قاعدة تقاس عليها الحياة الاسلامي المقبلة. ولا
تنفي هذه القياسية مشروعية الاختلاف بل تؤكدها، لان عليا(ع)
يمثل الخط الاجتهادي الذي مثله الرسول والذي شرع القرآن
الكريم ابوابه، كيف لا وعلي(ع) لم يجبر كلامن سعد بن
ابي وقاص، والمغيرة بن شعبة، وعبداللّه بن عمر،ومحمد بن
مسلمة، وغيرهم على مبايعته ولا غاضبهم او عاملهم معاملة
الخصوم؟ كما انه لم يحسب موقف الخوارج من سياسته خروجا
على الاسلام، ولم يعادهم بسبب ما يعتنقون من آراءمخالفة
لارائه. قال لهم: ((مساجد اللّه لا نحرمكم اياها، وفيئكم
لانمنعكم اياه ما دامت ايديكم في ايدينا.ولا نبداكم بقتال ما
لم تبداونا به)). يعني ان عليا(ع) قد اقر بمشروعية
اختلاف الخوارج عنه. لهم ان يبثوا آراءهم بين الناس وان
يحاولوا اقناع الغالبية الاسلامية بوجهة نظرهم،بالطرق
السلمية، اذا استطاعت تلك الاراء ان تكون مقنعة. ولن تدخل
علاقته بهم دائرة القتال الا اذا بداواهم به، فاستخدام القوة من
قبل الحاكم المسلم دفاع عن النفس لا قمع للمخالفين.
ويمثل موقف علي(ع) هذا وجهة النظر الاسلامية في هذاالمجال. وهي مثال جدير ان يحتذى
على صعيد كل من الفكروالممارسة، لان الاسلام مبادىء عقيدية عامة
يلتقي حولهاجميع المسلمين، وتفاصيل للمارسة يتم التنافس
في حسن ادائها، وفي حسن انتمائها الى المبادىء العقيدية
العامة.
وحين يثير هذا العنوان، عنوان الكتاب، مثل هذه المشكلية
بماارتبط به من آراء حساسة في الاجتهاد والتقليد من ناحية،
وفي الفتاوى الجريئة من ناحية ثانية يجعلنا نتساءل ان كان
المؤلف قداستطاع ان يقدم الينا موقع ابن تيمية في هذه
المشكلية تقديماعلميا يمكن ان يقبله كل من يستطيع
استخدام عقله استخدامامنهجيا منطقيا؟
تتطلب الاجابة عن هذا السؤال ان نعالج الامور التالية:
عرض المسائل التي عولجت في الكتاب.
محاورة المنهج الذي اتبع في الدراسة والتحليل.
مراقبة موضوعية المؤلف وعلميته.
راي اخير.
1- عرض الكتاب:
الكتاب تمهيد واربعة ابواب وخاتمة.
درس الباب الاول العلم وبيئته وعصره وحياته في ثلاثة فصول:
تناول الفصل الاول العلم واسرته وبيئته، فاستطاع ان يرينا
كيف كان ابن تيمية، بما يمثله من فكر وموقف، نتاجا منطقيا
لاسرة حملت لواء المذاهب الحنبلي وتصدت
لزعامته،ولبيئتين ثقافيتين هما: حران ودمشق.
وتناول الفصل الثاني سمات عصره الاساسية فاءبرز عملية
تداول السلطة بين السلاجقة والزنكيين والفاطميين
والايوبيين والمماليك، مشيرا الى الفقر والجهل
والاضطرابات،والى ازدهار العلم والتاءليف، والى انتشار
المذاهب المنحرفة.
اما الفصل الثالث فقد تناول حياة ابن تيمية من خلال
ميادين العلوم التي خاض فيها: الفقه والحديث والتفسير من
دون ان ينسى ما دار بينه وبين خصومه من صراع.
وخصص الباب الثاني لميادين عقائد ابن تيمية الكبرى عبر
ثلاثة فصول ايضا.
عالج الفصل الاول موقف ابن تيمية من الاجتهاد والتقليد. اذ
كان يرى ان ما جاء عن الفقهاء لا يقبل كله، بل يعرض على
الكتاب والسنة فما وافقهما وجب قبوله، وما خالفهماكان
مردودا. واذاوافق المؤلف راي ابن تيمية في هذا راح يتسقط
المواضع التي خالف فيها ابن تيمية نفسه.
راى ابن تيمية انه ليس لاحد ان يعارض الحديث الصحيح،
ثم خالف راي الرسول(ص) في المتعة واتبع راي عمر. وراى انه
لايؤخذ براي صحابي الا بشرطين: الا تقتضي السنة خلافه،
والايخالفه راي صحابي آخر، ومع ذلك تبنى فهما خاطئا
لقول الصحابي عمر حول التوسل بالنبي(ص) ورفض قول
الصحابي الاخر عثمان بن حنيف في امكانية التوسل
بالرسول(ص) بعدموته. ويخلص المؤلف الى ان ابن تيمية لم
ينجح في الغاءالمذهبية والتعصب المذهبي، ولكنه اسس
لمذهب جديدولتعصب اقوى.
وعالج الفصل الثاني مساءلتي الصفات والتفسير. شرح،
في المبحث الاول، المقصود بالتجسيم ليشير الى انتماء ابن
تيمية الى هذا المذهب وليسوق الشواهد المبطلة لموقفه.واشار
في المبحث الثاني الى ان ابن تيمية لم يفسر من القرآن الا ما
احتاج اليه في التشبيه او في الرد على المتصوفة، ووصفه من
خلال الشواهد، باءنه قد ساق الايات سوقاعجيبا الى
هذين الموضوعين. كما اوضح ان عقيدته في الصفات قد اثرت
على منهجه في التفسير ودفعته الى رفض ان تكون
الايات المتشابهات محتاجة الى التاءويل، لان ذلك يبطل
عقيدته في تفسير آيات الصفات.
وتعرض الفصل الثالث لاسلوب ابن تيمية في الكشف عن
وجوه اخطاء المتصوفة، ليرى بعد ذلك انه لم يكن مصيبا في
كل مااتهمهم به، خصوصا في ما وجهه الى ابن عربي من انه
يفضل الاولياء على الانبياء، ويمدح الكفار، وينتقص من الانبياء،
ويقول باتحاد المحدث والقديم حيث اتى بعد كل راي من هذه
الاراءبشواهد من كلام ابن عربي نفسه تنفي هذه الاتهامات. ولم
ينس المؤلف ان يحاول بكل ما اوتي من حجة ان يسفه آراء ابن
تيمية المتعلقة بالتوسل بالانبياء وزيارة قبورهم وقبور
الصالحين.
ووقف، في الباب الثالث، ((مع الشيعة)) من خلال تمهيد
وثلاثة فصول: ناقش التمهيد علاقة الشيعة الامامية بغيرهم من
الفرق الشيعية مقررا انهم ليسوا مسؤولين عما تعتقده الفرق
الشيعية المنحرفة. والتشيع هو الاعتدال، وعلي والائمة من
بنيه بشرعبيداللّه، متبعون لنبيه، هم الائمة في الدين والخلفاء
في الدنيا.فهل فهم ابن تيمية الشيعة الامامية فهماسليما ام ان
غاية ما في نفسه؟
قدم الفصل الاول حياة علامة الشيعة ابن المطهر: ولادة
واسرة علمية وتلمذة على يد نصير الدين الطوسي مرورا باتصاله
بعلماءالمذاهب الاخرى اتصالا اخويا وبنشاطه الثقافي والديني
الذي استطاع ان يحول سلطان المغول الى التشيع، ليصل بعد
ذلك الى ان ابن المطهر يمثل مرحلة بارزة في تاريخ الفكر
الشيعي خصوصا في ما يتعلق بالحديث وعلومه، وبعلم
الاصول،وبالاصلاح الديني ونشر التشيع.
اما الفصل الثاني الذي يحمل اسم كتاب ابن تيمية ((منهاج
السنة))فيعالج مسائل عديدة في مبحثين: تناول الاول
((الكتاب وردودالفعل))، حيث اشار الى ان الكتاب ((منهاج
السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية)) هو رد على
كتاب ابن المطهر ((منهاج الكرامة في اثبات الامامة))، ثم بدا
بعرض ردود اهل السنة عليه.حيث عرض راي السبكي
الذي نسب ابن تيمية الى الحشوية والى الموقف الشاذ في
صفات اللّه، وراي العسقلاني الذي اخذعلى ابن تيمية تنقيصه
عليا(ع)، وتحامله على ابن المطهروالشيعة، وارتباكه
في تطبيق المنهجية السليمة، اذ رد الاحاديث الجياد التي
اعتمدها ابن المطهر. واذ احس المؤلف انه قد بلغ وطره من
خلال رايي السبكي والعسقلاني عرض ردودا شيعية كثيرة
على الكتاب.
وسمى المبحث الثاني ((نظرة في بطون الكتاب)). رد
فيه بالشاهد الواضح والحجة القوية على راي ابن تيمية الذي
وصف قدماء الشيعة بالقول بالتجسيم ومتاءخريهم
بتقليدالمعتزلة.
ويعالج الفصل الثالث مساءلة اساسية هي: ((تعريف
الشيعة))،فيذكر اشارتين لابن تيمية: الاولى هي ان عبداللّه بن
سباء،اليهودي الاصل، هو مؤسس المذهب الشيعي،
والثانية ان الشيعة اصحاب فتنة وهم من قتل عثمان، ثم يرد
عليه كاشفاالتناقض الذي تحمله هاتان الاشارتان، منصرفا الى
دفع تهمة تاءسيس المذهب الشيعي على يد ابن سباء. وماكان
المؤلف ليكتفي برد تلك التهمة ولكنه كان يلجاء في كل مرة
الى تقديم بعد جديد من ابعاد الصورة الحقيقية للشيعة
الامامية. ولقد اشارالمؤلف، وهو يعالج تعريف ابن تيمية للشيعة،
الى المنهج الذي يعتمده ابن تيمية، ويقوم على سوء النية
ومفاده ان ابن تيمية يعرف حقيقة الامامية ومع ذلك فهو
يحشرهم مع الاخرين باستمرار، قصد تمويه الحقيقة والصاق
عيوب الغلاة بابن المطهروبهم.
وتعرض المؤلف، في هذا السياق، للاتهام الذي وجهه ابن
تيمية الى الشيعة الامامية، وهو انهم ممن يكفرون الطوائف
الاخرى كلها، فرده، لان كتابات الشيعة تثبت اسلامية المسلم
حتى ولو لم يكن مواليا لال البيت، وصحح له حقيقة موقفهم
من الناصبي،مذكرا اياه باءنه هو من يكفر المذاهب الاخرى
حين يرى ان اهل السنة وحدهم هم الناجون من النار.
ولم ينس المؤلف ان يصحح له حقيقة الموقف الشيعي من
رجال الصحابة. فهم وان قالوا باءن الصحبة لا تعصم صاحبها من
الخطاء،الا انهم نظروا بعين الانصاف الى الجميع فمن الصحابة
الجليل،ومنهم المنافق، ومنهم من اخطاء الخطاء الذي
اضطرالرسول(ص) لكي يهدر دمه. وهم بالنسبة الى موقفهم
من علي(ع) اما موالون واما نواصب، واماحياديون.
اما عنوان الباب الرابع فهو ((اهل البيت في عقيدة ابن
تيمية))،وهو عبارة عن تمهيد وستة فصول: عالج المؤلف في
التمهيدجراة ابن تيمية في دفاعه عن الامويين، وفي
تكذيبه احاديث صحيحة من خلال نموذجين: الاول مع معاوية
الذي الف فيه كتابااسماه ((فضائل معاوية وفي يزيد وانه لا
يسب)). واذا لم يصلنا هذاالكتاب تتبع المؤلف ما ذكر من فضائل
معاوية لينفيها استنادا الى الاحاديث التي صححها اهل السنة
انفسهم. وذلك دون ان ينسى تسفيه ابن تيمية في دفاعه عن
قضية الحاق زياد باءبي سفيان.
والانموذج الثاني مع طريدي رسول اللّه(ص) اللذين قلص
ابن تيمية خطاءهما الى درجة القول: ((لم يكن لمروان ذنب
يطردعليه على عهد النبي)).
اما الحكم فهو من الطلقاء ((ومجرد ذنب يعزر عليه لا يوجب
ان يكون منافقا في الباطن)). وهذا ما دفع المؤلف استنادا،
الى المراجع التاريخية، ليبرهن على شطط ابن تيمية الذي
يسوق الدين ليجري على ابواب الملوك.
عالج الفصل الاول ((الاعتقاد بتقديم اهل بيت الرسول))
حيث عرف بهم وحصرهم بعلي وفاطمة والحسن والحسين،
استناداالى آيتي المباهلة والتطهير وما رواه رواة
الحديث الصحيح.وبعد ان عرض قضية تقديم اقرباء الانبياء
ومنهم محمد(ص) من خلال الايات القرآنية، نقل راي ابن
تيمية في فكرة تقديم آل الرسول(ص) باءنها: ((من اثر الجاهلية
في تقديم اهل بيت الرؤساء)) ليعلق ساخرا ((كل هذا الذي في
القرآن هو من اثرالجاهلية... ولا تقبل لك صلاة ما لم تمزجها
باءثر الجاهلية)) اشارة الى الصلاة على محمد(ص) وآله.ويذكر
المؤلف قولا لابن تيمية ((قالت الشيعة: لا تصلح الامامة الا في
ولد علي، وقالت اليهود: لا يصلح الملك الا في آل داود)). ثم
يرد عليه ب آيات تتحدث عن امامة ذرية ابراهيم وغيره من
الانبياء ليعرض بعدذلك عددا من احاديث الرسول(ص)
الصحيحة في اهل البيت متسائلا: ان كان كل ما قاله
الرسول(ص) هو من كلام اليهود؟ .
اما الفصل الثاني فعنوانه ((مع فضائل اهل البيت(ع))) حيث
يمرالمؤلف على كل فضيلة منها بهدوء وتاءن: مؤاخاة الرسول
لعلي،وحديث الطائر الذي دعا فيه محمد(ص) اللّه ان يرسل
اليه احب خلقه كله، ليشركه في اكله، فكان عليا، وآية الولاية
التي تصدق فيها علي بخاتمة وهو يصلي، وآية ((يطعمون))،
وحديث الغدير، وحديث الثقلين. ثم يذكرنكران ابن تيمية
لحديثي المؤاخاة والطائر، وان تكون الايتان المذكورتان قد
نزلتا في علي، ولياءخذ من حديثي الغدير والثقلين قدر حاجته
وبما ينفي اية مزية لعلي ولال البيت.واذا ما اطماءن المؤلف الى
ما عرضه من آراء ابن تيمية راح يحقق الاحاديث تحقيقا علميا
دقيقا،ويقدم لنا تفسير اهل السنة للايتين المذكورتين، ليرينا
بطلان ماذكره ابن تيمية باءم اعيننا.
ويسير الفصل الثالث ((مع خصائص علي(ع)))، حيث
يعرض المؤلف آراء ابن تيمية التي تنتقص من عدل علي(ع)
وعلمه وجهاده، بل تكاد تنفيها، ليتولى الرد من خلال
تحقيق النصوص التي تقدمه اتقى الناس بعد الرسول(ص) في
عدله واكثرهم علما واثبتهم جهادا. كل ذلك والنصوص لرواة
ومفسرين ممن اعلن ابن تيمية ثقته بهم وبعلمهم.
ويعالج الفصل الرابع موضوع ((علي(ع) والخلافة)) حيث
يفندالمؤلف آراء ابن تيمية المتعلقة بهذا الامر: نفي المخاصمة
في امامة الثلاثة، وتفضيل عثمان على علي(ع) ،وغيرها،
داحضااياها من خلال الروايات الصحيحة التي يثق ابن تيمية
باءصحابها.
ويعالج الفصل الخامس موضوع ((نهضة
الحسين(ع)واستشهاده))، حيث يعرض المؤلف آراء ابن تيمية
الخاصة بمعاوية ويزيد، ذلك ان معاوية ((حين امر بسم الحسن
فهومن باب قتال بعضهم بعضا))، وراى ان يزيد حين استباح
مدينة الرسول((لم يقتل جميع الاشراف ولا بلغ عدد القتلى
عشرة آلاف، ولا وصلت الدماء الى قبر النبي))، وراى((ان حريق
الكعبة لم يقصده يزيد))، وراى((ان يزيد لم يظهر الرضى بقتله
جالحسين(ع)ج، وانه اظهر الالم لقتله، واللّه اعلم بسريرته))،
وراى((ان مذهب اهل السنة والجماعة انهم لايكفرون اهل
القبلة ججويزيد منهم ج بمجرد الذنوب ولا بمجرد التاءويل))
وراى انه ((لم يكن في خروجه جالحسين(ع)ج مصلحة لا في
دين ولا في دنيا،وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن
يحصل لو قعد في بلده)). يتساءل المؤلف عن سبب هذا الدفاع،
ويتولى تفنيد هذه الاقوال قولا قولا واظهار بطلانها من خلال
تحقيق النصوص التاريخية التي يؤمن ابن تيمية بصدق اصحابها
وعلمهم.
اما الفصل السادس والاخير، فعنوانه ((من هم اتباع
اهل البيت(ع)))، عرض فيه المؤلف راي ابن تيمية القائل باءنه
لا يوجدمصلحة للمسلمين، من وجود اهل البيت(ع)،
ليتولى،بعد ذلك،ابطال دعواه هذه من خلال الحجج المستندة
الى ما اثر من الحديث الصحيح.
اما الخاتمة فقد حاول المؤلف فيها ان يركز مرة اخرى
على العوامل والمؤثرات التي انتجت ابن تيمية متوقفا عند
التربية والبيئة والعزوف عن الزواج، منتقلا الى الحديث
عن منهجه وعن اهم النتائج التي توصل اليها.
2- المنهجية المتبعة:
رسم السيد صائب عبد الحميد في التمهيد، المنهجية
التي سيتبعها في معالجة موضوعه. وان يحدد مؤلف منهجه
سلفا يعني انه يتمتع بوضوح نظري وبرؤية تعرف كيف
تسيروالى اين تريدالوصول.
وجريا على القواعد العلمية المتبعة، في مثل هذه الاحوال،
بدابنقد المناهج التي كانت سائدة قبله، معلنا ان التاريخ
الاسلامي انما كتب تحت راية السلطان على مر الزمان.ويعني
ذلك ان يساق التاريخ الى ما يرضي السلطان لا الحقيقة. ويصير
هدفه بناء على هذا النقد ان يسهم في اخراج الصورة الحقة لاول
اس في هذا البناء التاريخي، ان يكتب التاريخ للحقيقة وحدها.
كماانتقد مساءلة منهجية اخرى مفادها ان الكتب المؤلفة عن
ابن تيمية قبله انما الجمته ونطقت عنه. اي انها حملته ما لا
يحتمل.
ويصير منهجه البديل بناء على ذلك متابعة ما كتبه ابن تيمية
نفسه عن عقيدته، لكي تكون مادة اولية للدراسة. ودعا المؤلف
الى تجاوز الاكتفاء بالاطار العام الى الصورة الكاملة الناطقة عن
ابن تيمية من خلال التركيز على القسمات الاساسية من
دون التفاصيل المتكررة. ولئن اتسم نقده للمناهج المتبعة
قبله بالسلامة والاهمية، الا ان ذلك لا يخرج موقفه المنهجي
الجديدعن كونه منهجا مضادا يسعى للخروج من شوائب
المناهج الاخرى، وهذا ما يطرح علينا سؤالا مهما هو: هل
سيتلافى السيدعبد الحميد ما وقع فيه سلفه؟وهل سيسلم من
شوائب من نوع جديد؟
نستطيع القول ان المؤلف قد نجح في اتباع ما رسمه لنفسه،
الى حد ما، وان كان بامكاننا ان نسجل بعض الملاحظات
المنهجية.
اولا: انتقد لجوء ابن تيمية، حين تعوزه الحجة، الى
الكلام الغامض من مثل: ((باتفاق اهل العلم)) و ((اجماع
السلف)) و ((قول السلف))، ثم عاد فوقع بمثل ما انتقده به. وان
كان بشكل جزئي لم يتكرر خصوصا حين وقف عند تفسير كل
من ياقوت وابن الفقيه لاحدى الايات بما لا يوافق وجهة نظره،
فقال ((وهو عند اصحاب التفسير نادر جدا)). (ص 22)مستخدما
الكلام الغامض (اصحاب التفسير) بعد ان كان انتقده.
ثانيا: اتهم ابن تيمية باءنه يفسر الايات ويسوق التاريخ بما
يتناسب ووجهة نظره، ثم عاد فساق هو الامور باتجاه ما يرغب
عندما راى انه ((يجوز ان يكون اسقف حران تيودورابو قرة هو
الجاثليق المجهول الذي كان يناظر الامام الرضا(ع) (ص 23)
وذلك في معرض حديثه عن حران، بيئة ابن تيمية.
ثالثا: استند، في حديثه عن عصر ابن تيمية السياسي،
الى التاريخ الرسمي مخالفا منهجه الذي رسمه لنفسه في
التمهيد(ص 36). اذ اكتفى بمتابعة الحياة السياسية كما
وردت في كتب التاريخ دون ان يكلف نفسه مشقة طرح الاسئلة
التي يمكن ان تثار في وجهها. فلم يذكر هجمة صلاح الدين
الايوبي على المذاهب التي تخالفه الراي بكلمة واحدة خصوصا
وان ابن تيمية، مثل صلاح الدين، نتاج الهجمة المضادة
للانتشار الشيعي الديني والسياسي، كما انه لم يشر الى فتوى
ابن تيمية الشهيرة ايام المماليك والتي قضت بتكفير احد
المذاهب وذبح افراده.
رابعا: اورد معلومات كثيرة دون ان يعيدها الى مرجع او
مصدر(ص 25 مثلا). وكان يلجاء، في بعض الاحيان، الى مراجع
وسيطة فيعتمدها دون المراجع الامهات.
خامسا: طريقته في الكتابة لا تساعد القارىء على تنظيم
افكاره،ولكنها تشوشها بسبب التكرار والتناقض احيانا. فاذا
تحدث عن الجهل والخرافات (ص 43) تحدث عن نهضة علمية
مهمة (ص 45 و 46) انه لم يحسن تنسيق المعلومات تنسيقا
منهجيا يضع كل فكرة في موضعها الذي لا تتعداه الى غيره
فيتلافى بذلك التكرار والتناقض. اضف الى ذلك الاستطرادات
والتفريعات التي قد تستدعيها فكرة تذكرها المؤلف وتخص
التشيع، فراى من واجبه ان يوضح ملابساتها دون ان يكون لهذا
التوضيح موقع قوي في سياق البحث. وكثيرا ما يشعر القارىء
باءن المؤلف قدتخلى عن الحيادية في بعض تعابيره التي
استخدمها خصوصا في وصف ابن تيمية، وهذا ما قد ينفر قارئا
معينا كان بالامكان استجلابه لو تخلينا عن تلك التعابير.
3- موضوعية المؤلف وعلميته:
ان اول ما يجب ان يسجله القارىء هو ان المؤلف متبحر
في العلم. اعتمد اكثر من مئتين واثنين وثلاثين مرجعا كانت
مصدرالمعلوماته التي اعادها الى مظانها في الحاشية.
وان يستعلم من المراجع ويعلم القارىء بها يعني انه يتصف
بالامانة العلمية.وهذه ميزة مطلوبة بقوة في اثناء بحث مثل
هذه الامور الشديدة الحساسية.
واذا دل عدد المراجع على غنى اطلاعه وسعته، فان
العلمية الموضوعية هي علامته الفارقة. صحيح انه لا يخفي
عليك نظرته الايجابية الى التشيع الا انه يبقي الحدود بارزة
بين ذاته وموضوعه. ذاته محبة لال البيت مقدمة لهم،
وموضوعه رفع الظلامة عنهم وعن التيار المنتمي اليهم مما
اصابهم على يد احدالعلماء المسلمين. ولئن ادى حبه لال
البيت الى تقاطع بين الذات والموضوع، فان ذلك مما يزيد في
الصعوبة لا الحرج،خصوصا اذا عرف المؤلف كيف يتبع
المنهجية العلمية التي تبقيه حياديا وموجودا على مسافة كافية
من موضوعه المتداخل مع ذاته. والسيد صائب عبد الحميد قد
اجاد اتباع المنهج العلمي بشكل عام، وذلك من خلال
مساءلتين اساسيتين:
الاولى: تحاشى العودة الى المراجع التاريخية الشيعية
والى كتب الحديث والتفسير التي الفها علماء شيعة. وذلك
ليس انتقاصا من علمية هذه الكتب واهميتها ولكن لكي لا
يتهم باءنه اسير الحياة الثقافية الشيعية التي قد يراها بعضهم
منحازة غيرحيادية.
الثانية: لم يعد المؤلف الى كل المراجع التاريخية السنية،
ولاالى كل كتب الحديث والتفسير التي يثق بصدق مؤلفيها
وعلمهم،ولكنه اقتصر من بينها على تلك التي وثقها ابن تيمية
نفسه وقال بصدقها وبعلم مؤلفيها وتقواهم، وذلك لكي يصل
الى ان ما قاله ابن تيمية وما رآه يمثل خروجا على الحقائق
الاسلامية البديهية،ويشكل ظلما لطائفة اسلامية ترتكز في
مجمل عقيدتها وسلوكهاعلى ما رسمه آل البيت رواية عن
علي(ع)، عن الرسول(ص).وتخير المراجع بهذه الطريقة يقدم
المؤلف مفكرا مستنيرا واسع الصدر يقوم تفكيره على العلمية
الموضوعية التي يقبلها كل ذي فكر متفتح مستنير.
4- كلمة اخيرة:
ارى، اذا اتيح للكتاب ان يخرج بحلة ثانية، ان يستفيد من
كل الثغرات التي وقعت فيها الطبعة الحالية. على ان تراعى
اهمية ان يكون الكتاب موجها الى العقل العلمي الموضوعي،
وباءسلوب مقبول من جميع الناس، لان الموضوع الذي يعالجه
الكتاب شديد الحساسية، خصوصا وان آراء ابن تيمية قد باتت
جزءااساسيا من الذاكرة الشفوية لقسم كبير من المسلمين،
والذاكرة الشفوية العامة تعني سلوكا وموقفا آليا شديد الخطورة
على الحياة الاسلامية السليمة. اضف الى ذلك ان مذاهب
اسلامية معاصرة ما زالت تمارس وجودها في هذه الايام وهي
تعتمدعلى آراء ابن تيمية ومواقفه. ولقد جرها هذا التوجه الى
ارتكاب مجازر ضد الاخرين. وهي ما زالت تمتلك قابلية
تكرارهااذااتيحت لها الفرصة المناسبة، وكتاب السيد صائب
عبد الحميد اذاما وصلت حقائقه الى جمهور المسلمين الواسع،
فانها جديرة باءن تخلصهم من كثير مما علق في اذهانهم
عن المذهب الشيعي الامامي. وهذا ما يدفع الامور باتجاه حياة
اسلامية معافاة وباتجاه الوحدة الاسلامية التي نحن باءمس
الحاجة اليها في مواجهة الاستفراد الاميركي بالعالم.
رسائل جامعية:
الاجهاض بين الشرع و
القانون و الطب
فتحية
عطوي
يعنى هذا الباب، بعرض الرسائل والاطروحات الجامعية التي
حازت على قبول وتقدير اللجان الفاصحة. ويمكن للعرض ان
يحصل بواسطة الكاتب، او الاستاذ المشرف، اوالباحث المختص،
الى متابعة الحركة العلمية في الجامعات والمعاهد العلمية.
الاجهاض بين الشرع والقانون والطب
فتحية عطوي
نوقشت في كلية الامام الاوزاعي - بيروت رسالة ماجستير
عنوانها((الاجهاض بين الشرع والقانون والطب))، اعدتها
السيدة فتحية عطوي، ونالت درجة جيد جدا.. وفي ما
يلي ملخص يتضمن ابرزالقضايا المثارة والنتائج التي تم التوصل
اليها بقلم معدة الرسالة:
لعل موضوع الاجهاض هو الاكثر سخونة بين المواضيع
المتعلقة بالمراة وحريتها وحقوقها، فبعض الباحثين يعده حقا
من حقوقها، وينادي بحريتها وسلطتها على جسدها،
فيمايعتبره بعضهم الاخر تعديا على حقوق الاخرين وقتلا
للنفس التي حرم اللّه بغير حق، واعني به الجنين البريء الذي لا
ذنب له سوى عدم الرغبة في وجوده.
وبين ذا وذاك حاولت المجتمعات الغربية ان تصور للمراة
ان الاجهاض حق لها، ضمن الحقوق والشعارات التي تطرحها
حول الحرية والمساواة، ولذلك كثر استغلال هذاالموضوع من
قبل السياسيين والجمعيات النسائية التي تدعي التحرر،
وكانت المراة ضحية هذه الشعارات التي نعتقد انها زائفة.
وزاد من مشكلة الاجهاض: تعقيدا وتفاقما، الحروب
التي اندلعت ولا تزال هنا وهناك في اكثر من بقعة من بقاع
الارض،مخلفة وراءها الدمار والفساد والتحلل
الخلقي،وعمليات الاغتصاب، والزنى والتي بنتيجتها تكثر
عمليات الاجهاض وتنتشر.
وفيما ينظر الشرق والغرب الى عملية الاجهاض على انها
جريمة قتل يعاقب عليها في الشرائع الالهية والقوانين الوضعية،
تتعالى اصوات النشاز في غير مكان من الارض لتجعل من هذه
الجريمة عملا مباحا بعيدا عن الادانة والتجريم والعقوبة.
واذا كان الاجهاض غير المتعمد بعيدا عن العقوبة
لارتباطه بالقضاء والقدر.. وهو يشكل نكسة للمراة.. فان
الاجهاض المتعمد هو جريمة بشعة تستهدف قتل النفس التي
حرم اللّه،وقد قال تعالى: (ولا تقتلوا اولادكم خشية املاق، نحن
نرزقهم واياكم ان قتلهم كان خطاء كبيرا).
فكلمة الاجهاض تختزن، في مضمونها، ابعادا انسانية
واخلاقية عميقة، ما جعل وجهات النظر الفقهية والقانونية
والطبية والاجتماعية والنفسية مختلفة حولها، ومتشابكة
ومعقدة في اكثرالاحيان، لذلك استاءثرت هذه القضية باهتمام
بعض المفكرين وعموم الناس، وبالتالي كانت عنوانا للكثير من
المؤتمرات الدولية، او ضمن مواضيعها. . او في برامج التنظيمات
النسائية وشعاراتها، خاصة تلك التي تاءخذ على عاتقها ما يسمى
بالدعوة الى حرية المراة، وحرية الجنس.. وحرية الاجهاض.
ومن الصعب تحديد نسبة الاجهاض في العالم بشكل
دقيق،خاصة في تلك الدولة التي تحظر الاجهاض فيما يجري
ذلك في الخفاء، الا انه يمكن القول باءن اكثر من خمسين مليون
عملية اجهاض، تجري سنويا في العالم، وهي نسبة مخيفة،
وتدل على المستوى الاخلاقي الذي وصله البشر.
واذا كان التحرر الجنسي والحروب من اهم اسباب الاجهاض
فان الضائقة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي، يعدان من بين
تلك الاسباب، كذلك ضيق ذات اليد يمنع من ولادة طفل
جديد قديرهق العائلة بمصاريف لا تحتمل. وقد يكون الاجهاض
بسبب عمل الوالدين اللذين يرغبان بتاءجيل الانجاب، او
بسبب الطموح نحو الافضل، يشكل المولودعائقا امامه.
قد يكون الاجهاض ناتجا عن زنى او سفاح كما قد يكون
نتيجة الاغتصاب والاكراه.
وفي ظل الدعوة الى تحريم الاجهاض وحظره او
اباحته،وانتشاره وممارسته في العلن في الدول التي تبيحه، او
في الخفاء في الدول التي تحظره، ووسط ما يجري من
جدل في السر والعلن معه او ضده، وما تروجه بعض المؤتمرات
الدولية لذا او ذاك، تطالعنا وسائل الاعلام، المرئية
والمقروءة والمسموعة، بم آس اجتماعية مؤلمة: فاءكثر من
خمسمئة الف امراة يمتن سنويا في العالم، نصفهن اثناء الوضع
ونتيجته والنصف الاخر بسبب الاجهاض، ويصاب بالعقم او
الامراض التناسلية اضعاف مضاعفة من النساء نتيجة الاجهاض،
لا سيما في الدول التي تجري فيها الممارسات الجنسية
الخاطئة وغيرالمشروعة، وفي الدول التي يجري فيها الاجهاض
بشكل غيرآمن.
واخيرا كانت الضجة الكبرى والمناقشات الحادة في
المؤتمرالدولي للسكان والتنمية، الذي عقد في القاهرة (ايلول
1994م/1415ه) وما اثير فيه من اباحة الاجهاض
واباحة الجنس، والعلاقات الجنسية خارج اطار الزواج، وتشريع
الشذوذ الجنسي بكافة اشكاله.. واستعمال اساليب منع الحمل.
وهو ماحاول ترسيخه المؤتمر الدولي الرابع للمراة،الذي عقد
في بكين في ايلول الماضي من هذه السنة.
هذا لا يعني ان الاسلام ضد تنظيم الاسرة، بل ان الاسلام لا
يحرم منع الحمل لتفادي حصول حمل غير مرغوب فيه دون
اللجوءالى الاجهاض وقتل الجنين.
|