افتتاحية المنهاج

الامة التي لا تستحضر تجاربها الماضية في حركتها لا نتصورها الا كما نتصور طفلا ابله، او رجلا اصيب في عقله ففقدذاكرته.

ففي حركة الامة ، كما في فعل الفرد، تلتقي تجارب الماضي، وحاجات الحاضر، واحلام المستقبل لتشكل بمجموعهاالحديث، وتشق لتاريخ البشرية مجراه المتدفق.

من هنا تاتي اهمية الوعي الصحيح للتاريخ ذلك المخزون الموروث من التجارب والعبر في بناء حاضر الامم وترشيدحركتها باتجاه مستقبلها المنشود، ولا سيما هذه الامة التي شكل الاسلام هويتها، وكان القوة الدافعة لحركتها ونهضتهاوالمهيمن على فكرها وحضارتها.

نقول هذا ونحن نلاحظه الان في اوساط المعنيين بالتاريخ الاسلامي، والباحثين في مناهج كتابه ومصنفيه القدماء مايشبه الاجماع على ضرورة اعادة كتابة هذا التاريخ، او بالاحرى اعادة قراءته، وهو اجماع اسهم في بلورته خللان‏بارزان:

احدهما: منهجي، يتثمل في اتجاه المؤرخين القدماء في مصنفاتهم الى التاريخ للسلطة وماسساتها الحاكمة فقط، بحيث‏لا تجد في هذه المصنفات الا اخبار السلاطين والخلفاء ومن حكم باسمهم من الامراء والولاة، وما قام به اولئك وهؤلاءمن اعمال وحروب، وما شجر بينهم من فتن ومنازعات.

اما شؤون الامة، واوضاعها المعيشية والاجتماعية والفكرية‏فقد غقل عنها اولئك المؤرخون، ولا تكاد تجد لهم عنها الا اشارات عابرة غير مقصودة.

واما الخلل الاخر: فهو يتصل بامانة وموضوعية بعض مصادر المصنفات التاريخية، من الرواة ونقلة الاخبار، وكذلك‏بعض اصحاب هذه المصنفات انفسهم تجاه ما ينقلون من وقائع واخبار على نحو ساقهم تارة الى الاخفاء او الاستباعاد،واخرى الى المبالغة او الدس، وثالثة الى التزييف والتحوير! وقد فلعوا ذلك بتاثير عاملين:

احدهما: السلطان، سواء بتدخله المباشر في عمل المؤرخ، او بتاثير الخشية منه، او التزلف اليه ونيل جائزته. ولا ننسى‏هنا ان اولى محاولات تدوين السيرة النبوية والحديث الشريف، وهما من اهم ركائز التاريخ الاسلامي، قد تمت بطلب‏من السلطان وتحت اشرافه.

والعامل الاخر: موقف المؤرخ المسبق من الوقائع التاريخية ومحاولته قولبتها فيه ارضاء لزنعته العصبية، وانسياقا مع‏وجهة نظره الشخصية في عصور اتسمت بالتازم والتوتر المذهبي والسياسي.

ومجلة المنهاج اذ ترحب بهذا الاتجاه في البحث التاريخي، وتعقد عليه الامل في تدارك الخلل الذي اصاب تاريخنا،استضافت في هذا العدد صفوة من الاساتذة المتخصصين بالدرسات التاريخية في ندوة حوارية علمية انعقدت في‏مقرها في بيروت تحت عنوان: ((التاسيس لمنهجية جديدة في كتابة التاريخ الاسلامي)) آملة ان يتابع الباحثون‏المختصون البحث والنقاش حول هذه القضية على صفحاتها في المستقبل.

فقة مدى سلطة الحاكم على العفو في العقوبات

السيد محمود الهاشمي

يتطلب البحث في هذه المسالة، وتنقيح جهاتها الحديث في ثلاثة انحاء من العقوبات:

1- عقوبات الحدود التي تكون من حقوق اللّه، كحد الزنا، وشرب الخمر والسرقة.

2- عقوبات تكون حقا من حقوق الناس، كالقصاص، وحد الفرية.

3- عقوبات التعازير.

في القسم الا ول:

اما البحث، في القسم الاول، فينبغي اءن يعلم مسبقا اءن المقصود بالحدود التي تكون من حقوق اللّه ما اذا كان الحد نفسه والعقاب مجعولا كحق للّه على المجرم، سواء اكان‏سببه مخالفة امره سبحانه محضا، كما في شرب الخمر والزنا، ام كان فيه عدوان على الناس ايضا، كما في السرقة، فانها وان كانت اعتداء على المسروق منه، الا ان عقوبة‏القطع‏فيها لم تجعل له بحيث يملك قطع يد السارق، كما في عقوبة القصاص والفرية، وانما هي عقوبة ونكال من اللّه بما كسب، كما صرحت به الاية الشريفة، وكما هو المسلم فقهيا،وقد دلت عليه جملة من الروايات اصرحها صحيح فضيل عن ابي عبداللّه(ع) في حديث:

((اذا اقر على نفسه عند الامام بسرقة قطعه، فهذا من حقوق اللّه))((1)) .

نعم يوجد فرق بين هذا النحو من حقوق اللّه وبين ما يكون من حقوق اللّه محضا، كحد الزنا وشرب الخمر، من حيث ان السبب والموضوع للقطع في السرقة حيث كان عدواناعلى حقوق الناس ايضا اعني المسروق منه امكن له اءن يعفو عن السارق، او يهبه المال، فلا يقام عليه الحد، وهذا يعني ان حد القطع فيه جنبتان، فمن حيث اصل العقوبة حق‏من حقوق اللّه، قد جعله على من يعتدي على اءموال الاخرين ويسرقها من محرزها، ولم تجعل عقوبة القطع ملكا للمسروق منه، ولكن في الوقت نفسه من حيث ان‏موضوع‏هذا الحد هو العدوان على مال الاخرين، وهو حق تابع لارادتهم فلا يمكن اءن يثبت هذا العدوان الا في طول عدم رضاه وعفوه عنه، فمن هذه الناحية يكون من حقوق الناس.فالحاصل ثبوت موضوع هذا الحد، وهو العدوان على الاخرين من حقوق الناس وتابع لارادتهم، لا اقامته وانزاله بالمجرم، ولازم ذلك واثره اءن اثبات موضوع الحد يكون‏حقا للمسروق منه فلا يثبت بالبينة الحسبية بخلاف ما يكون من حدود اللّه محضا، كالزنا وشرب الخمر، كما ان لازمه اءنه لو عفا عن السارق بنفسه عند الحاكم، او رفعه اليه‏وثبت عنده بالبينة ثم اراد المسروق منه العفو، فانه لا يملكه، لان عقوبة القطع ليست ملكا له، بل هي من حقوق اللّه، وهذه مرتبة من الحقية للناس بين ما هو من حقوق الناس‏محضا بحيث يكون منوطا بمطالبتهم، لكونه ملكا لهم، كالقصاص وحد الفرية، وبين ما هو من حقوق اللّه محضا كحد الزنا وشرب الخمر، وهذا ما يستفاد من روايات عديدة‏معتبرة، كصحيح الحلبي ومعتبرة سماعة((2)) .

وبهذا البيان يظهر الجواب عن دعوى المعارضة بين مثل صحيح فضيل المتقدم الدال على اءن القطع في السرقة من حقوق اللّه، فلا يشترط بعد ثبوته بالاقرار ان ينتظر المسروق‏منه يطالب به، وبين رواية الحسين بن خالد: ((واذا نظر اي الامام الى رجل يسرق اءن يزبره وينهاه ويمضي ويدعه، قلت: وكيف ذاك؟ قال: لان الحق اذا كان للّه فالواجب على‏الامام اقامته. واذا كان للناس فهو للناس))((3)) . فان هذه الرواية، لو تمت سندا من ناحية المحمودي وابيه، فهي لا تدل على ان حد القطع من حقوق الناس بحيث لا يمكن‏للامام اقامته الا بعد حضور المسروق منه ومطالبته باقامته على السارق، وانما تدل على انه في مورد الحد اذا كان هناك حق للناس سواء في طرف العقوبة نفسها والمطالبة بها،او بلحاظ اثبات موضوعها فلا يجب على الامام اقامته بمجرد مشاهدته للجريمة، بل هو متروك للناس.

وبتعبير آخر هناك حقان: المرافعة وسحب المدعى‏عليه الى الحاكم،لاثبات الجرم، وحق نفس الحد والعقوبة والجريمة اذا لم يكن فيها عدوان على الناس بل مجرد معصية للّه كشرب الخمر والزنا كان كلا الحقين المذكورين للحاكم، فلو وجد من‏يزني ويشرب الخمر اقام عليه الحد، ولم ينتظر من يرفعه اليه، واذا كان فيها عدوان على الناس، وكانت العقوبة مجعولة لهم كان اقامة الحد والمرافعة كلاهما للناس فيمكن‏للمدعى عليه ان لا يرفع. كما انه لو رفعه الى الحاكم وثبت امكنه ايضا العفو عن نفس الحد والعقوبة، كما في القصاص وحد القذف، وان كان فيها عدوان على الناس ولكن الحدوالعقوبة لم تجعل للمعتدى عليه كما في السرقة، كان حق المرافعة للناس فلا تقبل البينة الحسبية، كما لا يجب على الامام ان يقيم الحد بمجرد مشاهدة الجريمة وعلمه بها،ولكن لو رفعه المسروق منه وجب قطعه، ولم يمكن له العفو عنه، لانه ليس ملكا للمسروق منه، ورواية الحسين بن خالد ناظرة الى الحق الثاني، اي حق المرافعة في السرقة،وهو حق الناس، بينما صحيح فضيل ناظر الى الحق الاول، اي كون الحد بنفسه للّه، فلا تعارض بينهما، فيكفي ان يكون الحد بنحو بحيث للمسروق منه ان يعفو عن السارق،قبل الرفع الى الحاكم، وان لم يملكه بعد الرفع في عدم وجوب الاقامة على الحاكم بمجرد مشاهدته للجريمة، اذ لعل المعتدى عليه يريدالعفو لا الرفع الى الحاكم، فلا ب د من‏ان يترك للناس، فلا تعارض بين الروايات من هذه الناحية.

ثم ان البحث عن عفو الحاكم من الحدود التي هي من حقوق اللّه نورده ضمن جهات:

الجهة الاولى: ان مقتضى اطلاق ادلة الامر باقامة الحدود من الايات، ك‏آية حد الزنا والسرقة، والروايات الدالة عليها عدم جواز ترك الحد او العفو عنه بعد ثبوت موضوعه،بحيث كلما شك في جواز العفو في مورد، ولم يقم عليه الحد دليل خاص كان المرجع تلك العمومات، ومما يؤكد ذلك بل يدل عليه ايضا جملة من الروايات بالسنة مختلفة،فتارة بلسان ان الحد اذا انتهى الى الامام فليس لاحد ان يتركه مستشهدا بقوله تعالى:

(والحافظين لحدود اللّه)، كما في معتبرة سماعة المتقدمة، واخرى بلسان ان الحد لا يضيع‏كما في موثق محمد بن قيس((4))وثالثة: بلسان لا يشفعن احد في حد اذا بلغ الامام، فانه لا يملكه، كما في رواية السكوني((5)) ورابعة: بلسان عدم جواز ابطال الحد، وان‏من عطل حدا من حدود اللّه فقد عاند اللّه، وطلب مضادته، كما في رواية ميثم((6)) وقد نقلها الكليني بسند آخر معتبر عن خلف بن حماد، فلو لم يستبعد رواية خلف عن ابي‏عبداللّه صح السند بهذا الطريق، الى غير ذلك من التعبيرات.

وقد استدل بعض الاعلام (قدس اللّه اسرارهم) على عموم حق العفو للامام بصحيح ضريس الكناسي عن ابي جعفر(ع) قال:

((لا يعفى عن الحدود التي للّه دون الامام، فاما ماكان من حق الناس في حد فلا باس بان يعفى عنه دون الامام))((7)) مدعيا بانها مطلقة في نفسها، ولا بد من رفع اليد عن اطلاقها بما اذا ثبت الحق بالبينة، فانه لا بد من اقامته‏عندئذ ولا يعفى عنه((8)) .

الا ان الظاهر ان الرواية اجنبية عن ذلك، وانما هي ناظرة الى المسالة المتقدمة من ان الحدود التي تكون فيها حق للناس يمكنهم ان يعفوا عنها عند الامام او قبل الوصول‏الى‏الامام، بخلاف ما يكون للّه محضا، فقوله(ع): ((دون الامام)) اما ان يراد به عند الامام، او يراد به قبل ان يصل الى الامام، واما ارادة (الغير) بالدون فهو غير محتمل، لانه لايناسب‏مع (لا يعفى) المبني للمفعول في الفقرتين معا، بل كان ينبغي ان يقول: لا يعفو عن الحدود التي للّه دون الامام، واما في حقوق الناس، فلا باس بان يعفو عنه دون الامام))اي غيره، وهذا واضح، بل على هذا ايضا لم يكن يدل على عموم حق العفو للامام، وانما يدل على ان غيره لا حق له في العفو في حقوق اللّه اصلا، اما الامام فهل له الحق مطلقا،او في الجملة، فهذا لا دلالة للحديث عليه، حتى على فرض ارادة (غير) من (دون)، لعدم المفهوم للقيد باكثر من السالبة الجزئية، على ما هو محقق في محله.

الجهة الثانية: ان الروايات وفيها المعتبرة قد دلت على ان للامام حق العفو في حقوق اللّه اذا كان الذنب ثابتا بالاقرار، دون ما اذا كان ثابتا بالشهادة والبينة.

((منها)): معتبرة طلحة بن زيد عن جعفر(ع) قال: حدثني بعض اهلي ان شابا اتى امير المؤمنين(ع) فاقر عنده بالسرقة، قال: فقال له علي(ع): اني اراك شابا لا باس بهبتك، فهل‏تقرا شيئا من القرآن، قال: نعم، سورة البقرة. فقال: قد وهبت يدك لسورة البقرة، قال: وانما منعه ان يقطعه لا نه لم تقم عليه بينة‏9)((9))، وهي معتبرة بسند الشيخ، لا الصدوق،فانها مرسلة، والظاهر انها مرسلة البرقي التي ينقلها الشيخ بسنده عنه ايضا، لتطابقها مع نقل الصدوق من حيث المتن، ودلالتها على التفصيل واضحة، الا انه قد يستشكل في‏الاستدلال بها باحد نحوين:

1- انها تعكس قضاء امير المؤمنين(ع)، وهو امام معصوم، فلعل الحكم المذكور مخصوص به، ولا يحق لغيره من الحكام.

الا اءن هذا الاشكال خلاف ظهور نقل الامام الصادق(ع) لهذه القضية الى طلحة بن زيد ثم التعليل والتعقيب عليها بقوله:

((انما منعه ان يقطعه لانه لم تقم عليه بينة، فان هذاظاهر في ان هذا هو تمام الملاك لحق العفو، لا كون الحاكم شخصا خاصا وهو المعصوم.

2- انها واردة في خصوص حد القطع في السرقة، فلا يمكن التعدي منه الى سائر الحدود التي هي من حقوق اللّه كالجلد والرجم ونحو ذلك، واحتمال الفرق موجود.

ويمكن الجواب عنه باستظهار التعليل ذيل الرواية عرفا، وان ذكر القطع من باب كونه المورد. وان شئت قلت: ان ذيل الحديث كانه دفع دخل واشكال مركوز في اذهان‏المتشرعة، هو انه كيف يعطل حد من الحدود الشرعية بعد ثبوته؟، وحيث ان هذه النكتة لا تختص بحد السرقة بالخصوص فيكون الجواب ايضا ظاهرا في العموم، وان الحدان‏ما لا يملكه الحاكم اذا قامت به البينة، ومما يؤيد هذا الفهم ما جاء في نقل الحديث نفسه والقضية بطريق البرقي عن بعض اصحابه عن بعض الصادقين، حيث جاء في ذيله: ((...قال فقال الاشعث: اتعطل حدا من حدود اللّه؟، فقال: وما يدريك ما هذا؟ اذا قامت البينة فليس للامام ان يعفو، واذا اقر الرجل على نفسه فذاك الى الامام ان شاء عفا، وان شاءقطع))((10))وذكر جملة: ((ان شاء عفا وان شاء قطع)) في الذيل ظاهر في الاستنتاج والتطبيق، لا التقييد للكبرى المبينة اولا، فالرواية واضحة الدلالة على حق العفو للحاكم في‏حقوق اللّه اذا لم تقم عليه بينة.

ومنها: معتبرة مالك بن عطية المفصلة الواردة في حد اللواط((11)) الا ان احتمال اختصاصها بحد اللواط لا دافع له خصوصا مع ملاحظة كون القتل كالرجم في المحصن يرفع‏اليد عنه باقل سبب بخلاف الحد الذي هو دون النفس كالجلد والقطع، ولهذا لو جحد المقر بعد اقراره يرفع عنه الرجم دون الجلد، ومن هنا قيد بعض الفقهاء كابن ادريس اختيارالامام وحقه في العفو بما اذا كان الحد رجما.

هذا مضافا الى ان في مورد الرواية فرض توبة المجرم تلك التوبة التي ابكت الامام والاصحاب وملائكة السماء والارض، فلعل سقوط العقوبة كان بسببها، لا من ناحية عفوالامام، بل قد يقال بظهور ذيلها في ذلك، حيث لم يبين فيه ان الامام قد وهبه وعفا عنه، كما في معتبرة طلحة، وانما ذكر فيه ان اللّه قد تاب عليك، وهذا انسب مع مسقطية‏التوبة، ولو بعد ثبوت الجرم اذا كان باقرار مثلا، ولا اقل من الاجمال من هذه الناحية، وعلى كل حال فلا اطلاق لها لفرض عدم ظهور التوبة من المجرم، كما لا يخفى.

ومنها: ما نقله في تحف العقول عن ابي الحسن الثالث(ع) في حديث قال: واما الرجل الذي اعترف باللواط فانه لم يقم عليه البينة وانما تطوع بالاقرار من نفسه، واذا كان للامام‏من اللّه ان يعاقب عن اللّه كان له ان يمن عن اللّه، اما سمعت قول اللّه:

((هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حساب))((12)).

وهي ايضا واضحة الدلالة على الكبرى الكلية، لظهور ذيلها في اعطاء ضابطة عامة في كل ما يكون حقا من حقوق اللّه، لا خصوص حد اللواط. الا انه لا سند لها، حيث ان ابن‏شعبة قد اسقط اسانيد كتابه من اجل الاختصار فحرمنا من طرقها.

الجهة الثالثة: ان المشهور قيدوا عفو الحاكم في موارد ثبوت الجرم بالاقرار بما اذا تاب ايضا، فمتى لم يتب لم يجز العفو، ففي النهاية ذكر الشيخ (قدس سره): ((ومن زنى وتاب‏قبل قيام البينة عليه بذلك درات التوبة عنه الحد، فان تاب بعد قيام الشهادة عليه وجب عليه الحد، ولم يجز للامام العفو عنه، فان كان اقر على نفسه عند الامام ثم اظهرالتوبة‏كان للامام الخيار في العفو عنه، او اقامة الحد عليه حسب ما يراه من المصلحة في ذلك، ومتى لم يتب لم يجز للامام العفو عنه على حال))((13)). وذكر المعنى نفسه في‏سائر الحدود التي هي للّه ايضا((14)).

وفي الشرائع: ((لو اقر بحد ثم تاب كان الامام مخيرا في اقامته، رجما كان او جلدا)). وهكذا عبائر سائر الكتب الفقهية، حيث اخذت التوبة قيدا في جواز العفو، فيكون‏ظاهرالاصحاب ان العفو موضوعه مركب من جزئين: ثبوت الجرم بالاقرار، وتوبة المقر، ولو من خلال اقراره نفسه عند الامام.

الا ان الشيخ المفيد (قدس سره)، جعل الميزان لعفو الامام توبة المجرم بعد ثبوت جرمه، سواء اكان بالاقرار ام بالشهادة قال:

((ومن زنى قبل ان تقوم الشهادة عليه بالزنادرات‏عنه التوبة الحد، فان تاب بعد قيام الشهادة عليه كان للامام الخيار في العفو عنه او اقامة الحد عليه، حسب ما يراه من المصلحة في ذلك، له ولاهل الاسلام، فان لم يتب‏لم يجز العفو عنه في الحد بحال))((15))وذكر الشي‏ء نفسه في حد اللواط((16)) وحد السحق((17)). وتابعه على ذلك الحلبيان، وعلى هذا القول يكون الموضوع لعفو الامام‏توبة المجرم بعد ثبوت جرمه، سواء اكان ذلك بالاقرار ام بالبينة.

وفي قبال هذين القولين قول ثالث، اختاره بعض المتاخرين، وهو كفاية ثبوت الجرم باقرار المجرم في جواز عفوه، سواء اتاب ام لم يتب، فتكون الاقوال ثلاثة، فلا بد من‏ملاحظة ما يتطابق منها مع الادلة والقواعد، فنقول:

لا اشكال في ان مقتضى اطلاق معتبرة طلحة بن زيد المتقدمة عدم اشتراط توبة المقر في جواز العفو من قبل الحاكم، بل قد يقال: ان فيها دلالة على ان ملاك عفو الامام(ع) له‏في مورد الرواية لم يكن توبته، بل مصلحة اخرى، حيث قال الامام(ع) فيه: ((اني اراك شابا لا باس بهبتك)) فكانه لاحظ مصلحة شبابه، فيكفي مطلق المصلحة في جواز العفو،ولا يشترط التوبة.

الا اءن هذا الاستظهار قابل للمناقشة، لان تلك الحيثية انما ذكرها الامام ملاكا لعفوه، لا لجواز العفو من قبله، فلا دلالة في الرواية على ان حق العفو ليس مقيدا بفرض توبة المقرالا من ناحية الاطلاق ومقدمات الحكمة، حيث لم يقيد فيها الحكم بجواز عفو الحاكم بما اذا تاب المقر ايضا عن ذنبه، فيشمل ما اذا جاء الى الحاكم واقر عنده بالجريمة من‏جهة خوفه مثلا انه لو لم يجي‏ء ابتلي بما هو اشد، فليس التعبير بقولنا: ((اتى امير المؤمنين)) مساوقا او ملازما مع التوبة والندم، فلا بد للخروج عن هذا الاطلاق من مقيد، ويمكن‏ان يستدل على هذا التقييد باحد وجوه:

1- التمسك بمعتبرة مالك بن عطية، حيث انه فرض فيها توبة المقر ايضا، كما صرح الامام بذلك في ذيلها، وحينئذ يقال بتقييد اطلاق رواية طلحة، وحمله على فرض التوبة،من باب حمل المطلق على المقيد، فتثبت فتوى المشهور.

ويلاحظ على هذا الاستدلال مضافا الى ما تقدم في التعليق على معتبرة مالك بن عطية من عدم دلالتها على حق العفو في مورده، فضلا عن مطلق حدود اللّه انه لا موجب‏لحمل المطلق في المقام على المقيد بعد ان كانا مثبتين، نعم لو كانت رواية مالك في دخل توبة المقر في جواز عفوه، بحيث لولاها لما جاز للامام ان يعفو كانت صالحة لتقييداطلاق معتبرة طلحة، الا انه من الواضح عدم تمامية مثل هذه الدلالة فيها، وانما غايته الدلالة على ان العفو كان من اجل توبته، لا انه لم يكن يجز للامام ان يعفو لولا توبته.

2- دعوى تقييد اطلاق رواية طلحة برواية تحف العقول المتقدمة، حيث ورد فيها التعبير بقوله: ((وانما تطوع بالاقرار من نفسه)) الظاهر في حصول الندم والتوبة منه.

وفيه مضافا الى ضعف السند ما اشرنا اليه في جواب معتبرة مالك بن عطية.

3- التمسك بفحوى ما دل على تقييد الشفاعة بظهور الندم والتوبة من المجرم، كما في رواية السكوني عن ابي عبداللّه(ع) قال: قال امير المؤمنين(ع) لا يشفعن احد في حد اذابلغ الامام، فانه لا يملكه، واشفع فيما لم يبلغ الامام اذا رايت الندم، واشفع عند الامام في غير الحد مع الرجوع من المشفوع له، ولا يشفع في حق امرى‏ء مسلم ولا غيره‏الاباذنه))((18))حيث يقال: ان ظاهرها اءن حق الشفاعة في غير الحد، وفيما لم يبلغ الامام من الحد مختص بما اذا تاب المجرم، فكانه في غير مورد الندم والتوبة من المجرم لايجوز الا اجراء العقوبة.

وفيه: ان ظاهرها اءن الندم قيد لنفس الشفاعة، لا لحق الشفاعة، فضلا عن حق العفو للامام، فالرواية تريد ان تمنع من الشفاعة بلا توبة وندم من المجرم، لانه لا يستحقه حينئذ،بل قد يتجرا اكثر على تكرار الجريمة، فلا ظهور في الرواية في اختصاص العفو بفرض توبة المقر، بل الرواية غير ناظرة الى مسالة الاقرار وحق العفو للحاكم فيه اصلا، كما لايخفى.

4- التمسك بصحيح ابن سنان عن ابي عبداللّه(ع) قال:

((السارق اذا جاء من قبل نفسه تائبا الى اللّه، ورد سرقته على صاحبها فلا قطع عليه))((19))حيث يقال:ان‏مقتضى‏الشرطية فيه اشتراط التوبة من السارق زائدا على مجيئه الذي قد يجعل كناية عن اقراره.

الا ان الرواية اجنبية عن مسالة العفو، لانها ظاهرة في بيان حكم آخر، وهو سقوط الحد بالتوبة، حيث عبر فيها بانه لا قطع عليه، وظاهره السقوط، ولهذا فرع ذلك على عنوان‏السارق بوجوده الواقعي الذي هو موضوع الحد، كما ان التعبير بمجيئه ليس كناية عن الاقرار، ولا عن المجي‏ء الى الحاكم، والا لكان ينبغي ان يذكر ذلك، وانما المقصود بقرينة‏الذيل مجيئه الى المسروق منه ليرد عليه سرقته، فتكون الرواية ناظرة الى حكم آخر، وليس ناظرة الى حكم الاقرار، كما توهم، ولو فرض اطلاقها من هذه الناحية فلا بد من‏تقييدها بما قبل الاخذ او قبل العلم بذلك عن طريق البينة او الاقرار، حيث دل عليه مثل صحيح جميل عن رجل عن احدهما(ع) في رجل سرق او شرب الخمر او زنى فلم‏يعلم ذلك منه، ولم يؤخذ حتى تاب وصلح، فقال اذا صلح وعرف منه امر جميل لم يقم عليه الحد((20)).

وقد يقال: بوقوع التعارض بين مثل صحيح عبداللّه بن سنان الدال على سقوط الحد بالتوبة، ولو قبل ثبوته عند الحاكم، وبين ما دل على جواز العفو اذا ثبت الجرم بالاقرار من‏جهة روايات العفو، وقد وردت جملة منها في مورد ظهور توبة المقر قبل اقراره، حيث كان يطلب باقراره التطهير، ومع ذلك الامام(ع) قد اجرى عليه الحد في بعض الروايات،وقد عفا عنه في بعضها الاخر، بعنوان الهبة مما يعني عدم سقوط الحد بالتوبة حتى قبل ثبوت الجرم، والا لم يكن مجال لا للعفو، ولا لاجراء العقوبة، فيقع التعارض بين‏الطائفتين بهذا الاعتبار.

وحمل الطائفة الثانية على ما اذا لم يحرز توبة المقر قبل اقراره بعيد جدا، لمنافاته مع التصريح في مورد بعض تلك الروايات بطلب التطهير من قبل‏المجرم، بل واصراره على ذلك، بحيث يعاود الاقرار تلو الاقرار كلما كان يصرفه الامام(ع)، كما في قضية المراة الزانية الواردة في رواية بن ميثم((21)) وغيرها، ومع ذلك‏الامام(ع) قد اجرى الحد. هذا مضافا الى ان احتمال التوبة قبل الاقرار قد يكفي عندئذ لسقوط الحد من باب درء الحد بالشبهة، بناء على شموله لشبهة الحاكم وعدم اختصاصه‏بشبهة المرتكب للجريمة حين الارتكاب، كما ان تخصيص اطلاقات سقوط الحد بالتوبة قبل ثبوت الجرم بموارد البينة دون الاقرار غير محتمل عرفا، ولا فقهيا، لان الثبوت‏بالاقرار اولى من البينة في التخفيف وسقوط العقوبة، كما هو واضح، وهكذا قد يقال باستحكام التعارض بين الطائفتين.

الا ان الصحيح عدم التعارض بينهما، لان المستظهر من روايات سقوط الحد بالتوبة اشتراط ظهور صلاحه واستقامته خارجا وعملا، فلا يكفي مجرد الندم والتوبة في سقوط‏الحد، وهذا يحتاج الى مرور زمان عليه حتى يظهر فيه صلاحه، ولا يتحقق بمجرد الندم والاقدام على التطهير والدليل على اخذ هذا القيد في سقوط الحد بالتوبة وروده في‏السنة الادلة، فان الدليل على سقوط الحد بالتوبة ان كان مثل قوله تعالى: (فمن تاب من بعد ظلم واصلح فان اللّه يتوب عليه ان اللّه غفور رحيم)((22)) الوارد عقيب آية قطع يدالسارق، او مثل قوله تعالى: (فان تابا واصلحا فاءعرضوا عنهما)((23)) الوارد عقيب آية السحق او الزنا قبل تشريع الحد، فمن الواضح ان المستظهر من قيد (واصلح) انما هو ماذكرناه، فان (اصلح) بمعنى صلح في العمل والاستقامة الخارجية، وان كان الدليل على السقوط الروايات الخاصة، فالوارد روايتان، احداهما: صحيح ابن سنان المتقدم، وهوظاهر في التوبة والصلاح العملي ايضا، بقرينة ما فيه من التعبير بمجي‏ء السارق من قبل نفسه تائبا، ورده للسرقة الى المسروق منه، فذكر رد السرقة الى صاحبها بعد التوبة كناية‏عن لزوم الصلاح العملي والاستقامة الفعلية.

والثانية: مرسل جميل، وهي ايضا ظاهرة بل صريحة في ذلك، حيث عبر فيه: ((واذا صلح وعرف منه امر جميل لم يقم عليه الحد))،بل في ذيلها ينقل ابن ابي عمير عن جميل لزوم مرور مدة على توبته ليظهر فيها صلاحه. فالحاصل: لا تعارض بين الطائفتين بعد ان كان سقوط الحد بالتوبة مشروطا بظهورصلاحه عملا لا مجرد التوبة واقعا. الثابتة من خلال اقراره عند الحاكم. ان شئت قلت: ان ظهور التوبة وصلاحه قبل ثبوت الجرم دخلا في سقوط الحد، ولا يكفي ظهوره في‏طول الاقرار، فتامل جيدا.

5- دعوى المعارضة بين اطلاق حق العفو عن المجرم حتى اذا لم يتب وبين ما دل على اءن حد اللّه لا يعطل، ولا يضيع، وان من عطله قد عاند اللّه سبحانه، الى غير ذلك من‏الالسنة الشديدة الاكيدة الابية عن التخصيص الا مع فرض وجود نكتة ثبوتية للفرق بين مورد عفو الحاكم وسائر الموارد، بحيث يكون تخصيصا، ولا يكون تضييعا لحق اللّه،فليس هذا حكما تعبديا صرفا، كما في العبادات، وانما هو بملاك التخفيف عن المجرم، والتخفيف انما يكون على اساس تغير ثبوتي من المجرم تجاه الجريمة لا جزافا، وهي‏توبته التي جعلت مسقطة للحد في الايات والروايات لو كانت قبل ثبوت الجريمة، وعندئذ يصح ما يقال: ان الناظر في مجموع الروايات قد يستفيد منها ان مواردالاقرار من‏قبل المجرم نفسه حيث يترصد فيها حالة التوبة منه عادة بقرينة مجيئه بنفسه وتطوعه بالاقرار، وهي مرتبة من التوبة، فجعل تشخيص ذلك الى الحاكم، فان راى منه الصلاح‏والندم والمصلحة في اعطائه فرصة اخرى كان له ان يعفو، والا اجرى عليه الحد، ولم يعطل ح دا من حدود اللّه.

فالحاصل: لا يمكن استفادة عموم الحكم لغير مورد توبة المقروندمه كما اذا كان اقراره من جهة عدم مبالاته وجراته وتهتكه، او من جهة قرب قيام البينة والوقوع في نتائج اشد من قبيل اطلاق معتبرة طلحة، اما للانصراف وعدم اطلاق لهافي نفسه حسب مناسبات الحكم والموضوع المركوزة لمثل هذا الحكم، او من جهة المعارضة مع الروايات ذات الالسنة الشديدة غير القابلة للتخصيص، فتكون النتيجة ماذهب اليه المشهور من اشتراط توبة المقر.

هذا قصارى ما يمكن ان يستدل به لفتوى المشهور، فان تم شي‏ء منه فهو، والا كان المتعين القول الثالث.

واما ما ذهب اليه الشيخ المفيد من ثبوت حق العفو للامام بالتوبة حتى في مورد البينة، فهو على خلاف صراحة روايات التفصيل بين فرض البينة والاقرار، حيث لايبقى‏عندئذوجه للتفصيل بينهما، نعم لو قيل بعدم اشتراط التوبة في مورد الاقرار بقي للتفصيل بينهما مجال عندئذ ، الا اءنه خلاف مختاره، ومختار المشهور، كما انه لا دليل‏على ثبوت حق‏العفو في مورد البى نة، حتى اذا تاب، فيكون مقتضى اطلاق ادلة الحدود، وكذلك روايات حرمة تعطيل الحد وتركه، وروايات التفصيل عدم ثبوت مثل هذاالحق في مورد البينة.

الجهة الرابعة: في عموم الحكم المذكور لموارد ثبوت الجرم بالعلم او اختصاصه بمورد الاقرار، ولا شك انه لو لم نستظهر من ادلة جواز العفو الشمول لموارد ثبوت الجرم بالعلم،كان مقتضى القاعدة عدم جواز العفو تمسكا بالعمومات الفوقانية المتقدمة، فلا بد من ملاحظة السنة روايات حق العفو لنرى هل يمكن استفادة الاطلاق منها ام لا؟ ولا ينبغي‏الشك في عدم امكان استفادة ذلك من مثل معتبرة مالك بن عطية، او رواية تحف العقول لورودهما في مورد الاقرار، بل ولظهورهما في حصول التوبة من المقر بالتطوع‏باقراره، او بغير ذلك، فلا يمكن التعدي الى مورد ثبوت الجرم بالعلم.

واما معتبرة طلحة، والتي هم مهم الدليل على الحكم المذكور، فصدرها وان كان واردا في الاقرار ايضا، الا ان التعليل في الذيل: ((وانما منعه ان يقطعه لانه لم يقم عليه بينة))ظاهر في ان ملاك هذا الحكم وموضوعه عدم قيام البينة عليه، فيكون الميزان والضابط لهذا الحكم قيام البينة والشهادة وعدمه، لا الاقرار وعدمه، وحيث ان ظهور التعليل حاكم‏على الصدر، وصالح لتوسعته، فيكون جواز عفو الحاكم ثابتا في تمام موارد عدم قيام البينة، سواء اثبت الجرم بالاقرار ام بالعلم، وحمل البينة على مطلق ما يبين الواقع لاخصوص الشهادة والبينة الاصطلاحية خلاف الظاهر، خصوصا مع التعبير بالقيام الصريح في ارادة الشهادة، فكان انكشاف الجريمة بالشهادة من الاخرين يقتضي عدم امكان‏تعطيل الحد، ولزوم اقامته ردعا للاخرين، بخلاف موارد مستورية الجريمة، وعدم وجود شهود عليها، كما اذا اقر بنفسه او ثبت للحاكم بعلمه الشخصي، واللّه العالم.

الجهة الخامسة: بعد الفراغ عن ثبوت حق العفو عن العقوبة في مورد الاقرار او عدم البينة ينفتح البحث عن جواز تخفيف العقوبة او تعليقها وعدمه، فمثلا: بدل ان يعفو عن تمام‏حد شرب الخمر يعفو عن نصفه، فيضربه اربعين سوطا، او يحكم به معلقا على صدور تخلف منه او غير ذلك من انحاء تخفيف العقوبة.

قد يقال بعدم الجواز، لان الوارد في الروايات المتقدمة عفو الامام عن الحد الذي هو حق من حقوق اللّه، فالمجرم اما ان يستحق العفو فيعفى عنه، او لا فيجري عليه الحد، واماتغيير العقوبة وتخفيفها من الحد الى التعزير، او من الجلد الى السجن او الغرامة المالية او غير ذلك فلا دليل على جوازه، والاصل حرمة انزال العقوبة على شخص بلا دليل‏على‏تشريعه، وهذا معنى توقيفية العقوبة، او ما يعبر عنه اليوم في قانون العقوبات:

بانه لا جريمة ولا عقوبة الا بنص.

ويمكن ان يقال في قبال ذلك بان المستفاد عرفا وعقلا من دليل جواز عفو الحاكم عن اصل الحد جواز العفو عن بعضه او تخفيفه الى عقوبة اخف منه كما وكيفا بالفحوى، لان‏مناسبة هذا الحكم عرفا وعقلا انما هو استحقاق المجرم نتيجة اقراره، او هو مع توبته مع ما يراه الحاكم من المصلحة اعطائه فرصة اخرى ليتوب ويستقيم امره، وهذه النكتة كماتقتضي العفو قد تقتضي التخفيف مع ابقاء شي‏ء من العقوبة او تعليفها. فالحاصل:

ان العرف يفهم من لسان هذه الروايات خصوصا ما عبر فيه:

((اني اراك شابا لا باس بهبتك)) ان‏اجراء العقوبة قد اعط‏ي بيد الحاكم حسب ما يراه ويشخصه من المصلحة بشان المجرم الذي جاء بنفسه واقر او تاب فهو يملك ان يمن عليه ويعفو، او ان يجري عليه العقاب،او يعفو عن البعض ويخفف عنه العقوبة، فان من يملك هبة الكل يملك هبة البعض ايضا. هذا هو المتفاهم من الروايات، لا الدوران بين اجراء الحد او العفو عن كل الحدبالخصوص.

ودعوى ارتباطية الحدود مدفوعة بانها خلاف الفهم العرفي، بل ولازمه ان المقذوف لا يمكنه ان يعفو عن بعض الجلد للقاذف، كما اذا رجع في اثناء جلده عن الباقي، كماان‏التفصيل بين جواز العفو عن بعض الحد الى الاقل من جنسه فيجوز للحاكم، واما التخفيف الى جنس عقوبة اخرى كالسجن او الغرامة فلا يجوز، لكونها عقوبة اخرى تحتاج‏الى‏دليل، لعله خلاف المتفاهم العرفي في العقوبات العامة المتروكة الى الحاكم من اجل ردع الناس واقامتهم على الجادة، ولم يكن خلاف المتفاهم في باب حقوق الناس، فمن‏له حق القصاص ليس له العفو الى الضرب او السجن، فتدبر جيدا.

الجهة السادسة: في: من بيده العفو؟ فهل هو الحاكم، بمعنى القاضي، او الحاكم بمعنى ولي الامر؟ والصحيح هو الثاني، وذلك لما يلي:

اولا لان ه الوارد في الروايات الدالة على العفو، اما صريحا كما في ذيل رواية طلحة بنقل الصدوق، وفي رواية تحف العقول، او موردا، حيث ان الوارد فيها جميعا ان اميرالمؤمنين(ع) عفا عن المجرم، وقد كان ولي الامر، فالتعدي منه الى القاضي غير وجيه. واما احتمال اختصاص الحكم المذكور بالامام المعصوم(ع) بالخصوص، اي بما هومعصوم، لا بما هو امام وولي الامر فخلاف ظاهر لفظ الامام الوارد في الروايات، الظاهر في معناه اللغوي والعرفي العام، لا المعصوم بالخصوص، خصوصا مع ملاحظة ان الناقل‏للحديث طلحة بن زيد العامي.

ثانيا ان مقتضى الجمع بين دليل جواز العفو عن حدود اللّه في مورد الاقرار وبين ما دل على ان اقامة الحد الى السلطان او الوالي او الامام، وان شئت قلت: ان دليل جواز العفو ظاهر في اثبات جواز ذلك لمن بيده اقامة الحد، فاذا ثبت في محله ان اقامة الحد الى ولي الامر، لا القاضي ثبت لا محالة ان هذا الحق ايضا ثابت له لا للقاضي، نعم له ان‏يفوض هذا الحق الى من ينصبه لذلك، او يجعله واليا.

هذا كله في القسم الاول من العقوبات، وهو الحدود التي هي حقوق اللّه.

في القسم الثاني:

واما القسم الثاني، وهو الحدود التي هي حقوق الناس، كحد الفرية والقصاص فانه حد بمعنى من المعاني فالظاهر عدم جواز العفو عنه، الا لمن جعل له هذا الحق وباذنه،لان‏هذا هو مقتضى القاعدة، وهو المصرح به في جملة من الروايات، او مستفاد منها.

اما مقتضى القاعدة فهو ما تقدم من ان حق العفو للحاكم بحاجة الى دليل يبينه، والا فالاصل الاءولي، وهو اطلاق ادلة الحدود ينفيه، كما ان الروايات المتقدمة التي دلت‏على‏جواز العفو للحاكم في مورد الاقرار خاصة بحق اللّه، فلا يمكن التعدي منه الى الحدود التي جعلت ملكا للناس.

واما الادلة الخاصة فمما ورد فيه جواز العفو الا من قبل صاحب الحق ذيل خبر السكوني المتقدم: ((ولا يشفع في حق امرى‏ء مسلم ولا غيره الا باذنه)).

ويمكن ان يستفاد هذا المطلب من نفس الادلة الدالة على جعل الحد حقا خاصا للناس بلسان ما كان للناس فهو للناس، او انه وليه، او جعلنا لوليه سلطانا، او غير ذلك من‏الالسنة، فان مقتضى الحقية الخاصة اءن امره متروك اليه اثباتا ونفيا، فلا يحق لغيره حتى الحاكم اسقاطه او العفو عنه اذا طالب به صاحبه، فان هذا خلاف سلطنته وولايته على‏هذا الحد، كما هو واضح.

واما ثبوت حق العفو لمن له الحق فهو مقتضى كونه حقا، وهو صريح الادلة، من الايات والروايات الدالة على ثبوت حق العفو له من اخيه، والانتقال الى الدية في القصاص، اوالعفو عن حد الفرية في القذف.

ثم انه في الحدود التي هي حقوق الناس اذا عفا صاحب الحق عن المجرم جاز للحاكم عقوبته عقوبة تعزيرية على ما ارتكبه من المعصية والجرم، وذلك تمسكابمقتضى‏القاعدة، بناء على انها تقتضي التعزير والتاديب من قبل الحاكم على كل معصية، غاية الامر في مورد تحديد عقوبة حدية، واجرائها، يتداخل التاديب مع الحد، ويكون‏به، واما اذا عفى عنه بقي للحاكم حق تاديبه وتعزيره على حسب ذنبه. وببعض الروايات الخاصة، ففي القصاص مثلا، ورد في صحيح فضيل بن يسار ((قال: قلت لابي‏جعفر(ع): عشرة قتلوا رجلا؟ قال: ان شاء اولياؤه قتلوهم جميعا، وغرموا تسع ديات، وان شاءوا تخيروا رجلا فقتلوه، وادى التسعة الباقون الى اهل المقتول الاخير عشر الدية،كل رجل‏منهم، ثم الوالي يلي بعد ادبهم وحبسهم)). فان هذه الر((24))واية صريحة في اءن للحاكم بعد عفو ولي الدم عن القتل وقبوله الدية اءن يتولى تاديب القاتل‏على‏جريمته، والتعبير بقوله(ع): ((ثم الوالي يلي بعد...)) فيه دلالة واضحة على اءن هذا غير الحق الخاص، ومربوط بالحق العام الحاصل من ارتكابهم الجريمة والمعصية، التي‏لا بد ان لا تذهب بلا ردع وتاديب، والذي هو حكمة تشريع العقوبات والغرض الاساس منها.

ودعوى: احتمال اختصاص هذا الحكم بمورد الرواية مدفوعة، بان هذا خلاف المتفاهم العرفي من مثل هذا الحكم الذي مناسبته واضحة عندهم، وليس من الاحكام العبادية‏التعبدية، وهل يحتمل عرفا ان يكون عدد العشرة مثلا دخيلا في هذا الحكم، او الاشتراك في القتل، او قلة الدية المدفوعة من كل واحد منهم او كثرتها؟ فان شيئا من هذه‏الاحتمالات ليس عرفيا، وانما المتفاهم منه خصوصا من الذيل ما اشرنا اليه من ان الامام(ع) اراد بيان عدم سقوط الحق العام والذي وليه الحاكم الشرعي بسقوط الحد من جهة‏عفو وليه الخاص، فيستفاد من ذلك قاعدة عامة في سائر موارد عفو ولي الدم عن القصاص ايضا، بل عن مطلق الحدود التي هي حقوق الناس.

وفي حد القذف يمكن ايضا الاستناد الى بعض الروايات الدالة على ان للحاكم ان يعزر القاذف اذا سقط عنه الحد، الذي هو حق خاص، ببعض الاسباب، او لم يكن قرنية موجبة‏للحد، ففي صحيح عبداللّه بن سنان قال: سالت ابا عبداللّه عن رجلين افترى كل واحد منهما على صاحبه؟ فقال: يدرا عنهما الحد ويعزران.((25)) وفي صحيح الحسين بن اءبي العلاء عن اءبي عبداللّه قال: ان رجلا لقي رجلا على عهد امير المؤمنين(ع) فقال: ان هذا افترى علي، قال: ما قال لك؟ قال: انه احتلم بام الاخر،قال: ان في العدل ان شئت جلدت ظله، فان الحلم انما هو مثل الظل، ولكنا سنوجعه ضربا وجيعا حتى لا يؤذي المسلمين فضربه ضربا وجيعا 26). وذيل الرواية((26))الاخيرة فيه تعليل واعطاء الضابطة الكلية، وان ملاك التاديب والتعزير لا يفوت ولا يسقط بسقوط الحق الخاص بعفو صاحبه او بالتهاتر، او بعدم اكتمال موضوع الحد الخاص.واللّه الهادي للصواب.

ثم انه هل يجوز للحاكم الشرعي اعني ولي الامر في غير موارد العفو المتقدمة ان يمتنع عن اجراء الحد في حق من حقوق اللّه او حقوق الناس، اذا راى المصلحة، او لا بد له‏من اجراء الحد في تمام الحالات؟ يمكن ان يقال: اما في الحدود التي هي حقوق اللّه فيجوز للحاكم الامتناع عن اجراء الحد في احدى حالات ثلاث:

1- حالة التزاحم، ونريد بها ما اذا شخص الحاكم مفسدة وضررا لا يرضى به الشارع يترتب على تقدير اجراء الحد من قبيل انصراف الناس عن اصل الاسلام، او حصول‏الضعف والانهيار في الحكومة، او نشوب الفتنة والحروب بين الدولة الاسلامية ودولة اخرى بسبب اجراء الحد على شخص من رعاياها مثلا، الى غير ذلك من الامثلة، وهذاحكم على القاعدة، كما في سائر موارد التزاحم.

2- ان يلزم من اجراء الحد الشرعي فوات الغرض والاثر المطلوب منه، حيث انه لا اشكال في كون حدود اللّه زواجر يراد بها اصلاح المجرم وردعه، وكذلك ردع الاخرين‏ومنعهم عن التفكير في الاقدام على المعصية، فاذا لزم من اجراء الحد فساد المجرم وابتعاده عن الدين اكثر من السابق، كما اذا كان يلزم منه خروجه عن الاسلام مثلا، والتحاقه‏بالاعداء والمخالفين فانه في مثل ذلك قد يقال بانه يحق للحاكم الامتناع عن اجراء الحد اذا شخص ذلك، او تاخيره الى زمان آخر، اما لانصراف ما دل على ((ان على الامام‏ان يقيم الحدود ولا يعطلها او يبطلها)) عن مثل هذه الحالة بحسب مناسبات الحكم والموضوع المركوزة والمتفاهمة منها عرفا، بل قد لا يصدق فيه التعطيل والابطال، اولاستفادة ذلك من مثل معتبرتي غياث وابي مريم((27))حيث دلتا على انه لا يقام الحد على احد في ارض العدو، وقد عللته معتبرة غياث بمخافة ان تحمله الحمية فيلحق‏بالعدو. اللهم الا ان يقال: ان المقصود منه تقوية العدو، وتضعيف جبهة الحق، فيكون من التزاحم.

وعلى كل حال ففي الرواية دلالة على ان للحاكم ان يراعي هذه الخصوصيات‏في مقام اجراء الحد، وانه لو لاحظ مصلحته من هذا القبيل لم يكن تعطيلا للحد او ابطالا له، خصوصية في ارض العدو بالخصوص، سيما مع التعليل المذكور.

3- موارد التعذر او تعسر اقامة الحد، ولو من جهة حاجة الامة الى التدرج في تطبيق الاحكام الاسلامية عليهم، اذا لم يكن يمكن تطبيقها عليهم دفعة، كما اذا فرضنا مثلا قيام‏دولة اسلامية في احدى الامم التي كانت محكومة بانظمة مضادة للاسلام ردحا طويلا من الزمن، حتى ابتعد الناس فيها عن روح الاسلام، كجمهوريات آسيا الوسط‏ى، فانه لايمكن بين عشية وضحاها اقامة الحدود الاسلامية فيها على كل شارب خمر، او زان او نحو ذلك، وانما يحتاج الى مضي فترة زمنية تمهد فيها المقدمات والتمهيدات اللازمة‏فكريا واعلاميا، واداريا لتقبل الناس وفهمهم للنظام الاسلامي، وعدالة احكامه المقدسة.

فالحاصل: الحاكم الاسلامي مسؤول عن اقامة حكم اللّه في المجتمع بما يضمن له‏الثبات والاستحكام والدوام، فلا بد من ان يضع سياسة تنفيذية مناسبة لذلك، وهذا قد يتوقف على التدرج في تطبيق الاحكام واقامة الحدود الشرعية.

واما الحدود التي هي حقوق الناس كحد القذف والقصاص، فهي وان كانت متروكة للناس ان شاءوا استوفوا وان شاءوا عفوا الا انه مع ذلك يمكن تصوير حق منع الحاكم لهم‏عن الاستيفاء في احدى حالتين:

1- حالة التزاحم مع مفسدة مهمة، كما اذا فرضنا ان اجراء القصاص على الجاني يستوجب الفتنة والحرب مع دولة يخشى منها كما اذا كان القاتل من رعاياها مثلا بل قديكون التزاحم المذكور موجبا لسقوط الحكم التكليفي بجواز الاستيفاء لصاحب الحق ايضا، فلا يجوز له القصاص تكليفا، وان كان من حقه وضعا، واثره عدم ترتب القصاص‏عليه لو خالف وقتله، وان كان يعزر على المخالفة.

2- ان يشخص الحاكم مصلحة في عفو الجاني عن القصاص والانتقال الى الدية، فانه يمكن ان يقال: بان مقتضى ولايته العامة على الناس في اموالهم وحقوقهم الشخصية،اما مطلقا، او فيما يرتبط منها بالمصالح الاجتماعية والنظامية ان له الولاية على هذا الحق الخاص ايضا، كولايته على سائر الاموال والنفوس، فكما يجوز له اخذ الضرائب‏ووضعها على اموالهم الخاصة، او يجوز له المنع عن بعض التصرفات وتحديد الحريات حسب المصالح التي يشخصها للحكومة كذلك له ان يمنع من اعمال ولي الدم اوصاحب الحد لحقه، لانه اولى به منه.

هذا ولكن الانصاف انه ليس معنى اولوية الحاكم بالاموال والانفس ان له ان يسلب وينفي ثبوت الحق الشرعي لصاحب الحق، فان هذا معناه الولاية على الشارع لا الناس،ودليل الولاية ليس مشرعا، وانما معناها ان للحاكم ان ياخذ متعلق الحق من المال ونحوه للنفع العام، وفي المقام ليس منع الحاكم عن القصاص بمعنى اخذ القصاص، بل بمعنى‏نفي الحق والسلطنة التي جعلها الشارع له، وهذا خارج عن مدلول الولاية. نعم للحاكم ان يمنع تكليفا من اعمال ولي الدم لحقه في القصاص، كمنعه من اي تصرف‏آخر يكون‏من حقوق الناس، اذا شخص مصلحة في ذلك، وعندئذ يحرم على الولي الاقتصاص تكليفا، لكونه مخالفة للحكم الولايتي، ولكنه جائز له وضعا، بمعنى انه لا يكون عليه‏قصاص لو اقتص من الجاني، لثبوت السلطنة والحق له، وان كان يعزر على المخالفة.

وقد يقال: ان من مقتضيات الولاية على من له الحق ان يكون له الولاية على نفس التصرف الذي كان لصاحب الحق، وهو العفو عن القصاص، فيكون لولي الامر ان يعفو عن‏قصاص الجاني كما كان لولي الدم، وليس هذا مستلزما لمشرعية دليل الولاية كما لا يخفى. وبذلك يسقط حق القصاص. ولا يجوز لولي الدم ان يقتص حتى وضعا الا ان‏الانصاف استفادة الولاية في باب القصاص مشكل، ولهذا لا حق لولي المجنون او الصغير الذي له حق القصاص ان يعفو عن الجاني، بل ينتظر بالصبي حتى يبلغ، فاما يقتص‏اويعفو، فالحاصل كان حق التقاص من الامور المختصة بمن له فقط، وليس كالحقوق الاخرى والمسالة بحاجة الى فريد تامل.

في القسم الثالث:

هذا كله في الحدود المقررة شرعا، اما التعزيرات فسلطة الحاكم فيها اوسع حيث ان له الاختيار في تحديد مقدار العقوبة كما او كيفا، كما هو المستفاد من ملاحظة مجموعة من‏الروايات في موارد مختلفة، وهذا بحث لا ندخل فيه، ولا في معنى كونه دون الحد، كذلك له الاختيار والحق في العفو فان هذا يمكن استفادته من لسان ادلة بعض التعزيرات‏من قبيل ما ورد في حكم شهود الزور، من انهم يجلدون حدا ليس له وقت اي مقدار فذلك الى الامام، كما في معبرة سماعة‏وغير ذلك((28)) من الالسنة، حيث ان ظاهرالتعبير والسياق ان امر التعزير بيد الامام، وهو كناية عن انه يمكنه، لا ان التحديد والتقدير فقط بيده، فهذا تعبير عرفي عن كون العقوبة بيد الحاكم، ويمكن استفادة ذلك ايضامن مثل لسان ((ضربناه وجيعا لكي لا يؤذي الناس)) الوارد في رواية، او مثل لسان ((ثم يلي الوالي بعد ادبهم وحبسهم)) فان هذه الالسنة تتناسب ايضا مع كون التعزير بيد الامام‏والحاكم، وليس ملزما عليه كما في الحد، فراجع وتامل.

ويدل عليه صراحة بعض الروايات الخاصة، منها: معتبرة السكوني المتقدمة، حيث ورد فيها: ((واشفع عند الامام في غير الحد مع الرجوع من المشفوع له)) فان هذه الجملة بعدقوله: ((لا يشفعن احد في احد، اذا بلغ الامام فانه لا يملكه)) تدل بوضوح على ان وجه صحة الشفاعة عند الامام في غير الحد انه يملكه، والذي هو عبارة اخرى عن ان‏الاختياربيده، وجواز العفو منه اذا راى المصلحة فيه.((29))