وفيه: ان ((مع الرجوع من المشفوع له)) ليس راجعا الى حق
العفو، والاختيار للامام، بل الى شفاعة الشفيع، كما ذكرنا سابقا
ايضا، فان هذا هو المتفاهم عرفا منه بحسب مناسبةالحكم
والموضوع، ولهذا ذكرته الرواية ايضا في فقرتها الثانية، في
الشفاعة قبل بلوغ الامام، والذي يعين الشفاعة عند صاحب
الحق في حقوق الناس، حيث قيد الشفاعة بما اذاراى من
المشفوع له الندم، مع وضوح عدم قيديته في حق العفو وقبول
الشفاعة ممن له الحق، كالمسروق منه بلحاظ حق الرفع الى
الحاكم، والمجني عليه في القصاص، فتدبرجيدا.
ومنها: معتبرة سلمة عن ابي عبداللّه(ع) قال: كان اسامة بن
زيد يشفع في الشيء الذي لا حد فيه، فاتي رسول اللّه(ص)
بانسان قد وجب عليه حد، فشفع له اسامة، فقال
رسولاللّه(ص): ((لا تشفع في حد)). وهي ايضا((30)) واضحة
الدلالة على المطلوب، كالرواية السابقة، لان الامام(ع) وان كان
ينقل عن اسامة الا ان ذلك في مقام بيان الحكمفيكون مفاد
اخباره(ع) ان الحكم الشرعي هو جواز الشفاعة في الشيء الذي
لا حد فيه، دون ما فيه الحد، فيتمسك باطلاقه في كلتا
الفقرتين.
ودعوى اختصاص النظر فيها الى بيان عدم قبول الشفاعة في
الحد فقط، دون قبولها في غير الحد، فلا اطلاق فيها من هذه
الناحية ممنوعة، خصوصا مع ظهور مثل هذا السياقعرفا في
التعليل، وبيان النكتة والضابطة الكلية، وهي ان ما يكون حدا
اللّه سبحانه لا يملكه الامام.
ومنها: مفهوم مثل معتبر محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع)
قال: كان لام سلمة، زوج النبي(ص) امة فسرقت من قوم، فاتي
بها النبي(ص)، فكلمته ام سلمة فيها، فقال النبي(ص):يا ام
سلمة هذا حد من حدود اللّه، لا يضيع، فقطعها رسول
اللّه(ص).((31))
فان ظاهر الحد خصوصا في هذا السياق، وبقرينة الروايات
الاخرى ايضا ما يقابل التعزير، لا مطلق العقوبة الاعم من
الحدود والتعزيرات. نعم قد يقال بعدم الاطلاق في
المفهومالمذكور، وانه ليس باكثر من انه في غير الحد يمكن
الشفاعة والعفو في الجملة، الا انه حيث لا يحتمل الفرق بين
تعزير وتعزير من هذه الناحية يكون المفهوم الجزئي في
قوةالكلية.
ثم ان حق العفو كاصل تقدير التعزير، واجراء الحدود كل ذلك
الى الحاكم، بمعنى الولي لا القاضي، لان الوارد في السنة
الروايات في الحدود والتعزيرات عنوان الوالي والامام،او رسول
اللّه او امير المؤمنين، ونحو ذلك، بل جاء في صحيح حماد
المعروفة: ((على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوة
بدنه))، ومنه يعرف انه ليس للقاضي حتى اذا كانمجتهدا ان
يقدر التعزيرات ابتداء، الا اذا فوض اليه ذلك من قبل ولي الامر،
زائدا على حيثية القضاء، وتفصيل هذا المطلب، وبعض
الخصوصيات الاخرى المتعلقة به نتركه الىمجال آخر.
والحمد للّه رب العالمين، وصلى اللّه على سيدنا ومولانا اشرف
الانبياء والمرسلين، واهل بيته الطيبين الطاهرين.
آخر جمادي الثانية 1146ه.ق
قم المقدسة
المال دراسة فقهية مقارنة
د.عبد الهادي الفضلي
تعريفه:
عرف المال، لغويا، وعرف علميا في الفقه والقانون والاقتصاد.
ولان تعريفه العلمي ينبثق من تعريف مقومات المالية،
نستعرض، اولا، التعريف اللغوي، ثم ننطلق الى التعريفالعلمي
بعد تعريفنا لمقومات المالية.
التعريف اللغوي
قال ابن منظور في ((سان العرب)): ((المال معروف، ما ملكته
من جميع الاشياء، والجمع اموال)).
قال ابن الاثير: ((المال، في الاصل، ما يملك من الذهب
والفضة، ثم اطلق على كل ما يقتنى ويملك من الاعيان. واكثر
ما يطلق المال، عند العرب، على الابل لانها كانت
اكثراموالهم)).
وفي ((معجم الفاظ القرآن الكريم)): ((المال: ما يملك من
الاعيان كالذهب والفضة والحيوان والدار والشجر. واكثر ما كان
يراد بالمال عند اهل البادية الابل، يقول القائل منهم:خرجت
الى مالي، يريد ابله، وكان الحضري يقول: خرجت الى مال لي
بالطائف، يريد ضيعتة، وجمع المال اموال)).
وفي ((المغرب)): ((وعن محمد(ره): المال: كل ما يمتلكه
الناس من دراهم او ذهب او فضة او حنطة او شعير او خبز او
حيوان او ثياب او سلاح او غير ذلك)).
نستفيد من هذه التعريفات اللغوية ما يلي:
ا- ان كلمة المال في البدء كانت اسما للنقد (الذهب والفضة)
ثم صارت تطلق على النقد والعين.
ب- يغلب استعمال كلمة المال في الاعيان التي تعد ثروة
وموردا لتنمية المال، كالابل عند اهل البوادي والضياع عند
اهل الحواضر.
ج- اعتبار التملك او قابلية ان يملك عنصرا مقوما لحقيقة
المال.
ونخلص منه الى ان المال لغة هو ما يملك من النقود والاعيان.
او قل: المال: هو ((ما يملك من الاعيان))، على اعتبار ان
مفهوم العين يشمل النقود ايضا لانها مادة ذات وجود خارجي،
او لان من معاني كلمة ((عين)): النقد ففي
((مجمعالبحرين)): ((العين: ما ضرب من الدنانير، ويجمع
على اعيان)).
مقومات المالية
يراد بمقومات المالية: العناصر الاساسية التي تعطي الشيء
صفة المالية، او قل: قيمة المالية، بحيث لا يكون مالا الا عند
توافرها فيه وتوافره عليها.
والذي اطلعت عليه مما ذكر من مقومات مالية الشيء، هو:
ما جاء في ((مجلة الاحكام العدلية)) من ان ((المال: ما يميل
اليه طبع الانسان، ويمكن ادخاره الى وقت الحاجة)).
وهذا يعني ان مقومات المالية في راي المجلة تقتصر على
امرين هما:
1- ميل الطبع الى الشيء.
2- امكانية ادخاره.
وفي كتاب ((الدر المختار)) عرف المال ب ((ما يميل اليه
الطبع، ويجري فيه البذل والمنع)).
فمقومات المالية في (الدر) هي:
1- ميل الطبع الى الشيء.
2- جريان البذل فيه والمنع.
ويريد بالبذل هنا: البذل لصيانة الشيء المتمول واصلاحه،
وبالمنع: الحماية له والمحافظة عليه.
وفي كتاب (المدخل الفقهي العام) يذهب مؤلفه الاستاذ الزرقاء
الى ان مالية الشيء تتقوم بعنصرين، هما:
1- العينية.
2- العرف.
يقول: ((ان المالية في نظر الفقهاء ترتكز على اساسين، وتقوم
بعنصرين هامين، هما: العينية والعرف.
والعينية يراد بها ان يكون المال شيئا ماديا ذا وجود خارجي.
والعرف ان يعتاد الناس كلهم، او بعضهم، تموله وصيانته بحيث
يجري فيه بذل ومنع.
فما لا يجري فيه ذلك بين الناس لا يعتبر مالا، ولو كان عينا
مادية كالانسان الحر، وحبة القمح، وكسرة الخبز، وحفنة
التراب، والجيفة.
وكذلك ما يعتاد الناس تموله وصيانته، ويجري فيه البذل
والمنع، لكنه ليس عينا مادية، فانه لا يعتبر في نظر هم مالا، بل
قد يكون ملكا او حقا كالمنافع والحقوق المحضةوالديون.
وغني عن البيان ان عنصر العرف يستلزم القيمة، اذ لا يعتاد
الناس هذا الاعتبار والصيانة في شيء بحيث يحمى تارة، ويبذل
اخرى، الا لمنفعة مادية او معنوية يقدرونها فيه،فتتوجه اليه
الرغبات، وان الرغبات يبذل في سبيل تحقيقها وتحصيلها
اعراض مادية، وهذه هي القيمة المادية بالمعنى الاقتصادي
العام)).
ثم يستخلص تعريف المال في نظر الفقه الحنفي فيقول:
((فمما تقدم نستطيع ان نعرف المال في نظر فقهاء المذهب
الحنفي بالتعريف التالي: المال: هو كل عين ذات قيمة
ماديةبين الناس.
فب ((العين)) خرجت المنافع والحقوق المحضة مما عدوه ملكا
لا مالا.
وب ((القيمة المادية)) خرجت الاعيان التي لا قيمة لها بين
الناس مما تقدم بيانه كحبة القمح والجيفة والخ. على ان حبة
القمح او الارز وامثالها انما لا تعتبر مالا في حالتهاالطبيعية.
اما اذا دخلتها صنعة مثلا كما يكتبه مهرة الخطاطين على حبة
قمح او ارز من ابيات شعر او حكم قرآنية تجعل لها قيمة فنية او
دينية، فانها عندئد قد تصبح من انفس الاموال،وكمثل بعض
الاثار التي قد يحرص الناس على اقتنائها للذكرى مما ليس له
قيمة في ذاته، ولكنه اصبح ذا قيمة بنسبته، كفضلة قلم احد
العلماء المشاهير، او توقيعه، او مسودةبخط احد العظماء، ونحو
ذلك مما يدخل في زمرة الاثار.
وقد اطلنا بعض الشيء في تحقيق هذا الموضوع لانه يكاد يكون
مهملا في كتب الفقه، والمذكور فيها وفي (المجلة) عن مفهوم
المال مقتضب مشتت وغير محكم)).
وفي كتاب ((المكاسب)) للشيخ الانصاري تتقوم مالية الشيء
بعنصرين، هما:
1- ان يكون للشيء منفعة متوفرة على وصفين، هما:
ا- ان تكون مقصودة عند ابناء العرف، اي معتبرة عندهم،
ومطلوبة من قبلهم.
ب- ان تكون محللة شرعا، اي غير ملغى اعتبار ماليتها من قبل
المشرع الاسلامي.
قال: ((ان مالية الشيء انما هي باعتبار منافعه المحللة،
المقصودة منه، لا باعتبار مطلق الفوائد غير الملحوظة في
ماليته، ولا باعتبار الفوائد الملحوظة المحرمة)) .
وفي كتاب ((تحرير المجلة)) للشيخ آل كاشف الغطاء: ((ان
مدار العقود والمعاملات على الاموال، وليس للمال حقيقة
عينية خارجية كسائر الاعيان تتمحض في الماليةتمحض سائر
الانواع في حقائقها النوعية، وانما هو حقيقة اعتبارية ينتزعها
العقلاء من الموجودات الخارجية التي تتقوم بها معايشهم وتسد
بها حاجاتهم الضرورية والكمالية،فمثلا: الحبوب والاطعمة مال
لان البشر محتاج اليها في اقواته وحياته، وهكذا كل ما كان مثل
ذا من حاجات الملابس والمساكن ونحوها، قد انتزع العقلاء
منها معنى وصفياعرضيا يعبر عنه بالمال)).
وفي كتاب ((بحوث فقهية)) للشيخ حسين الحلي بقلم تلميذه
السيد عز الدين بحر العلوم: ((مالية المال انما تتقوم بتوفر جهة
في الشيء توجب تنافس العقلاء فيه)).
ثم ينوع المالية الاعتبارية على اساس من مصدر الاعتبار الى:
مالية متقومة باعتبار عام، واخرى متقومة باعتبار خاص.
قال: واستنادا الى هذا (اي تقويم المالية المذكور) فانا نتمكن
من ان نتصور المال على نحوين:
النحو الاول: ما كانت ماليته ذاتية، وهو كل مايحتاجه الانسان
بحسب فطرته الاولية من الماكول والمشروب والملبوس، وما
شاكل هذا.
وهذا النوع من المال لا تتوقف ماليته على جعل جاعل لتنافس
العقلاء عليه، وان لم يكن في البين جعل (اي اعتبار) من احد او
جهة.
ويلحق بما ذكرناه من الماكول والملبوس ما كان كالحديد
والخشب، وما شابه.
النحو الثاني: ما كانت ماليته بالجعل (اي بالاعتبار).
وهذا لو لاحظناه لرايناه على قسمين:
القسم الاول: ما كان فيه الجعل (الاعتبار) عاما يشترك فيه
جميع البشر باختلاف عصورهم وبيئاتهم بدافع من الشعور
بالحاجة الجماعية (اي الاجتماعية) لمثله.
وهذا يتصور في الاحجار الكريمة النادرة كالذهب والفضة
والماس، وغيرها.
القسم الثاني: ما كان اعتباره خاصا.
وهذا تارة يكون اعتباره من قبل دولة او بنك ليقوم مقام القسم
الاول كالاوراق النقدية مثلا ، وكثيرا ما حصلت لها تغطية مما
له قيمة ذاتية او مجعولة بالجعل العام ليعم اعتبارها،كما هو
الشان في الدينار العراقي.
واخرى ما يكون اعتباره بالنظر لما يترتب عليه من الاثار
الخاصة كطوابع البريد وتذاكر القطار وبطاقات اليانصيب
وتذاكر مصالح نقل الركاب (اتوبيسات النقل الجماعي) ،وغير
هذه مما كانت الورقة فيه فاقدة للاعتبار المالي لو تجردت عن
الاثار الخاصة المترتبة عليها من قبل الدولة او البنك.
فمثلا ورقة الطابع لا قيمة لها لو لم تتعهد الحكومة، في قبالها،
بان توصل الرسالة او الرزمة الى اي محل شاء المرسل مقابل هذا
الطابع.
وكذا الطوابع المالية فان السند الدي يحمل هذه الورقة يعتبر
ذا اهمية في نظر الدولة والعرف.
وهكذا الحال في بقية ما كان من هذا القبيل.
وهذه آثار معتبرة توجب ان يتنافس عليها العقلاء فيبذلون
بازائها الاموال.
وطبيعي ان قوام مالية الشيء كما قلنا ان يكون موضوعا لغرض
يبعث على تناقس العقلاء فيه.
وقد عرفت: ان هذا التنافس منوط بهذا الاثر الذي رتب عليها،
والا فلا قيمة لتلك الاوراق لو خليت ونفسها مجردة عن تلك
الاثار.
اما الفرق بين هذين النحوين من القسم الثاني فهو:
ان مالية ما كان على شاكلة طوابع البريد مثلا انما كانت
بالاعتبار للاثر المترتب عليها، وهي، في الوفت نفسه غير
معتبرة من جانب العقلاء مالا، بل هي ورقة يترتب عليها
اثرخاص في اعتبار جعلها.
واما مالية النحو الاول كالدينار مثلا فان هذه الورقة قد اصبحت
بالفعل مالا بواسطة الجعل والاعتبار، فلا فرق بينها وبين
المعادن والاحجار الكريمة، بل قد يرجح العقلاء، فيكثير من
الموارد، الاوراق النقدية ويفضلونها على المعادن وما شاكلها،
لان الورق اخف للنقل، والتعامل به من الذهب والفضة
وغيرها)).
واقتصاديا تقوم مالية الشيء بعنصرين، هما:
1- ندرة الشيء.
2- وصلاحيته لقضاء الحاجة او تلبية الرغبة.
يقول الدكتور عزمي رجب، في كتابه ((الاقتصاد
السياسي))((32)) وهم: جيعني الاقتصاديينج لا يعتبرون
المال اقتصاديا الا اذا اقترن بميزتين اثنتين:
الاولى ان يكون نادرا.
اي ان تكون كميته محدودة بالنسبة الى طلب الناس له.
ومن هنا كان لزاما على طالبه ان يقدم ثمنا للحصول عليه.
الثانية ان يكون صالحا ولو في نظر راغبه لقضاء حاجة ما، او
تلبية رغبة لديه.
فالاموال الاقتصادية اذن اموال نادرة نسبيا، وهي تشمل الاشياء
المادية من منتجات وادوات وبضائع مختلفة وهي المعبر عنها
في اللغة الاقتصادية بلفظة(السلع) ، والاشياءغير المادية او
المعنوية المعروفة باصطلاح الخدمات وهي الخدمات او
الاعمال التي يقدمها الاشخاص مباشرة كاصحاب المهن الحرة،
او المؤسسات الخاصة والعامةكالمصارف وشركات السفر
والادارات الحكومية.
اما الاشياء والاموال المتوفرة بغزارة في الطبيعة والتي لا يوجب
الحصول عليها بذل اي ثمن كالهواء ونور الشمس والماء في
منابعه او في الانهار وما شابه ذلك، فهي ليست منالاموال
الاقتصادية في المفهوم المتقدم.
فيمكن تلخيص عبارة المال الاقتصادي اذن بانه المال الذي
يحقق رغبة او يقضي حاجة، والذي يكون نادرا، بمعنى: الا
يكون الحصول عليه الا مقابل عمل او ثمنمعين)).
ويعرف الحاجة بانها ((شعور شخصي بالرغبة في الحصول على
شيء معين)).
والحاجة، في اللغة الاقتصادية، اوسع نطاقا منها في اللغة
الجارية، فهي لا تقتصر على الاشياء الضرورية او الملحة
كالماكل والمشرب والملبس او ما شابه ذلك.. . ولكنهاتتعداها
الى كل ما يطيب للانسان ان يتمنى او يطلب، سواء اكان الشيء
المطلوب ماديا، نافعا ام ضارا.
ويعرف الرغبة بانها ((شعور شخصي بالميل للحصول على شيء
من الاشياء يختلف حدة باختلاف مدى اهمية هذا الشيء في
نظر صاحب الرغبة)).
والمقارنة بين هذه المقومات المذكورة تقوم على اساس ادراج
بعضها تحت عنوان بعضها الاخر، وفي اطار مبدا الحلال
والحرام الشرعيين وكالتالي:
كان المقوم الاول من مقومات مالية الشيء في راي (المجلة) و
(الدر) ميل الانسان بطبعه الى الشيء.
والميل الى الشيء: يعني حب ذلك الشيء والانحياز اليه.
والطبع: الجبلة التي فطر الانسان عليها.
وميل الطبع اراديا كان او غير ارادي لا يصدر من الانسان
كشعور او سلوك الا اذا واجه سببا مثيرا او عاملا حافزا، وهو هنا
ليس الا وجود مايشبع حاجة الانسان او يلبي رغبتهفي ذلك
الشيء.
وبهذا نستطيع ان نفسر سبب ميل الطبع بوجود الصلاحية في
الشيء لاشباع الحاجة او تلبية الرغبة.
وكذلك يمكننا ان نفسر العرف في تعريف الزرقاء، وتقدير وجود
المنفعة في الشيء في نظر العرف في تعريف الانصاري، ووجود
جهة في الشيء توجب تنافس العقلاء فيه فيتعريفي كاشف
الغطاء والحلي، نفسرها بصلاحية الشيء لقضاء الحاجة واجابة
الرغبة.
ومن هنا: لنا ان نعبر عن هذه المذكورات جميعا بصلاحية
الشيء لتلبية الرغبة او اشباع الحاجة.
اما امكانية الادخار في تعريف المجلة، وجريان البذل والمنع
في تعريف الدر فترجع الى ما يتوفر عليه الشيء المتمول من
قيمة مالية، فالادخار انما هو للاحتفاظ بسببوجدان هذه
القيمة المالية في الشيء، وكذلك البذل فيه لصيانته والمنع له
اي حمايته انما هو بسبب ما هو موجود فيه من قيمة مالية.
ويحمل على هذا ايضا اشتراط كون الشيء نادرا فانما هو
للاحتفاظ بقيمته المالية.
وفي ضوئه نستطيع ان نعبر عن هذه جميعها بالاحتفاظ
بالقيمة المالية للشيء.
يبقى عندنا عنصر العينية في تعريف الاستاذ الزرقاء، وهذا يرجع
الى ان المال لا يقع الا على الاعيان اشياء كانت او نقودا، وهو
الراي المشهور.
فذكره انما هو لتخصيص المال بالاعيان، وهذه مسالة خلافية،
سوف ناتي على تبيانها عند ذكرنا لمفردات المال.
وبعد هذه المقارنة المتواضعة، علينا ان نحدد مقومات المالية
بالعنصرين التاليين:
1- صلاحية الشيء لتلبية رغبة الانسان او اشباع حاجته.
2- قابلية الشيء للاحتفاظ بقيمته المالية.
ولنا ان نعرف المال على اساس من توفر هذين العنصرين في
الشيء بانه كل شيء فيه الصلاحية لتلبية رغبة الانسان او اشباع
حاجته، والقابلية للاحتفاظ بقيمتهالمالية.
والذي يحدد توافر هذين العنصرين في الشيء ليكون مالا هو
العرف.
وهو اعني العرف يختلف باختلاف الامصار والاعصار، واختلاف
المجتمعات والبيئات.
وعليه نقول: ان ما يعتبره العرف مالا فهو المال.
والمح الى هذا، الفيومي في ((المصباح المنير)) بقوله: ((فقول
الفقهاء: (ما يتمول) اي ما يعد مالا في العرف)).
ولاننا نعلم بالضرورة ان المشرع الاسلامي اهدر والغى مالية
بعض الاشياء كالخمر وامثالها، يمكننا ان نختصر المقومين
السابقين (الصلاحية و القابلية) بعبارة (اعتبار العرف)،ونضيف
اليها تحليل الشرع مقوما ثانيا، فنقول: مقومات المالية هي:
1- اعتبار العرف.
2- وتحليل الشرع.
وهذا يشمل كل ما يصلح لان يمتلك، ويصح شرعا تملكه، عينا
كان او نقدا او انتفاعا او دينا او حقا، وهي التي اطلقت عليها
عنوان مفردات المال.
ولا بد من الاشارة هنا وقبل الانتقال الى تعريف مفردات المال
الى ان القانون المدني يختلف في تعريفه للمال عنه في علم
الفقه.
ف ((المال (قانونيا) هو الحق ذوالقيمة المالية))((33)).
ويقول الدكتور السنهوري، في ((الوسيط)): ((والمال في نظر
القانون يتكون من حقوق.
والحق في المعاملات (المالية) مصلحة ذات قيمة مالية يقرها
القانون للفرد.
وهو اما حق عيني او حق شخصي.
والحق العيني: هو سلطة معينة يعطيها القانون لشخص معين
على شيء معين.
اما الحق الشخصي: فهو رابطة ما بين شخصين دائن ومدين،
يخول الدائن بمقتضاها مطالبة المدين باعطاء شيء او القيام
بعمل او بالامتناع عن عمل))((34)) .
اما الشيء الذي يعتد مالا في نظر الفقه هو ((محل ذلك الحق))
اي هو ما يتعلق به ذلك الحق الذي هو المال.
والفرق بين الراي الفقهي والراي القانوني هو ان المالية في
الراي الفقهي صفة للشيء، او قل: قيمة اعتبارية للشيء، سواء
تعلق به حق لانسان ام لم يتعلق به.
بينما هي اعني المالية في القانون تعني الحق نفسه الذي
يتعلق بذلك الشيء ذي القيمة المالية.
وبتعبير آخر: المالية فقهيا هي الشيء الذي به الحق، وقانونيا
هي الحق المتعلق بالشيء.
وقد يرجع هذا الفرق وان لم يشر اليه لغويا في حدود اطلاعي
الى اصل كلمة (مال).
فهل هي من الميل اي ميل الطبع الى الشيء المرغوب فيه.
او هي (مالي) و(مالك) و(ماله) المؤلفة من (ما) الموصولة،
واللام الجارة والضمير المجرور الذي حذف بسبب كثرة
الاستعمال للتخفيف واصبحت الجملة او شبه الجملة
بعدالحذف اسما اي مفردا.
فعلى الاول هو الشيء الذي يصلح لتعلق الحق به.
وعلى الثاني هو الحق الذي يتعلق بالشيء.
ولاننا ندرس الموضوع هنا فقهيا يكون التعريف الفقهي هو
الاساس للبناء عليه، والنقطة للانطلاق منها.
مفردات المال:
يراد بمفردات المال: الاشياء القابلة للتمول، في ضوء ما ذكرناه
من مقومات المالية وتعريف المال.
وتتنوع هذه الاشياء القابلة للتمول، بحسب طبيعتها، الى
المفردات التالية:
1- الاعيان.
2- النقود.
3- المنافع.
4- القروض.
5- الحقوق.
وسنتناول كل مفردة من هذه المفردات بايضاح مفهومها
وتوضيح المقصود منها في حدود ما يرتبط بدراستنا هذه.
الاعيان:
يقصد بالاعيان هنا الاشياء المادية ذات الوجود الخارجي، وفي
مقابلة النقود التي هي الاخرى اشياء مادية لها وجود خارجي،
الا انها اتصفت بصفة النقدية فتميزت بهذا عنالاشياء المادية
الاخرى التي هي الاعيان.
وقد تطلق كلمة العين في الاستعمال الاجتماعي، وفي اللغة
العلمية كلغة الفقه والقانون والاقتصاد على ما يعم الاشياء
المادية مطلقا نقدية وغير نقدية.
والاعيان كمصطلح علمي في المجال المذكور تشمل الماديات
المنقولة، والاخرى غير المنقولة.
فهي على هذا تعم الارض والمواد الخام والمواد المصنعة
والحيوان والنبات وما شابه مما يقبل التمول.
النقود:
يعرف المعجم اللغوي العربي النقد بانه ((العملة من الذهب او
الفضة او غيرهما مما يتعامل به)).
ويبدو ان الوحدات النقدية ما كانت تعرف باسم ((النقد)) او
باسم ((العملة))، وانما كانت تعرف باسم(المال شحذرت ) ففي
((معجم مصطلحات الاقتصاد والمال وادارة
الاعمال)):((عملة. مال( شحذرت ) تعني الكلمة في
اصلهااللاتيني النقود المسكوكة في معبد ((جونومونيتا)) الذي
كان دارا لضرب النقود في الامبراطورية الرومانية)) .
ثم تطورت في استعمالها حتى اصبحت ;ژرسز÷تعني الان اية وسيلة
او واسطة متداولة للتبادل، مقبولة على نطاق واسع كمعيار او
مقياس لقيمة الاشياء.
والكلمة تشمل بمعناها الضيق النقود المعدنية والورقية التي
تصدرها الحكومة.
وهي تشمل كذلك بمعناها الواسع الاشياء التي يمكن قبولها
لتسديد اثمان البضائع والخدمات والديون كالشيكات
والحوالات والكمبيالات)).
كان هذا التطور الاستعمالي في غير لغتنا العربية، اما فيها فقد
((ذكر جمع من المؤرخين: ان النقود التي كانت جارية في بلاد
العرب في الجاهلية وصدر الاسلام هي النقود التيكانت
مسكوكة بسكة ملوك الروم والفرس، وكان اكثر ما ترد اليهم
من الروم دنانير قيصرية، واكثر ما ترد اليهم من الفرس دراهم
كسروية، وكانوا يطلقون على النقود الذهبية(العين)، وعلى
النقود الفضية(الورق)...)) .((35))
ثم استعملت كلمة ((نقد)) اسما للعملة، اخذا من مهنة
الصيرفة التي تقوم بنقد الدنانير والدراهم لتبيان خلوصها من
شائبة الغش.
ذلك ان عملية النقد تعني النقر، حيث ينقر الصيرفي العملة
الذهبية او الفضية لمعرفة سلامتها من الزيف، قال ابن منظور
في ((لسان العرب)): ((النقد والتنقاد: تمييز الدراهمواخراج
الزيف منها، وانشد سيبويه:
فتنفي يداها الحصى في كل هاجرة
نفي الدنانير تنقاد الصياريف ورواية سيبويه: ((نفي الدراهيم))،
وهو جمع درهم على غير قياس، او درهام على القياس فيمن
قاله)).
وقال ايضا: ((ونقدت الدراهم وانتقدتها اذا اخرجت منها
الزيف)).
ثم استعملت الكلمة اسما للذهب والفضة المسكوكين.
وبعد ذلك توسعوا في استعمالها فشملت جميع الوحدات
النقدية ذهبا كانت او فضة او غيرهما.
ولانها يتعامل بها في التبادل سميت ب(العملة)، وهي من المولد
كما يرمز لهذا المعجم الوسيط.
واذا ذهبنا بعد هذا الى علم الاقتصاد نلتمس فيه تعريف النقود،
فسنراه يقوم على اساس من تحديد وظائفها، ثم اعتماد تلكم
الوظائف في التعريف.
واهم الوظائف التي ذكرها الاقتصاديون للنقود، هي:
1- اعتبار النقود مقياسا لتقدير قيمة السلعة مقارنة بالسلع
الاخرى
فمثلا اذا اردنا ان نعرف قيمة لحم الغنم بالنسبة الى قيمة
الارز، فاننا نتوصل الى هذا عن طريق الوحدة النقدية، فاذا كان
كيلو اللحم بعشرين ريالا وكيلو الارز بعشرة ريالاتيكون
الفارق بينهما الضعفين، وهذا يعني ان قيمة اللحم ضعفا قيمة
الارز.
2- اعتبار النقود وسيطا لتبادل السلع
فقد كان التبادل قبل اختراع النقود يعتمد فيه طريقة
المقايضة (زحژز التي تعني ((مبادلة السلع بسلع اخرى مباشرة،
او مبادلة سلع بخدمات)).
اي يتم التبادل هكذا: س س.
ولكن لما في المقايضات من صعوبات ذكرها علماء الاقتصاد
ومن اهمها: صعوبة توافر الرغبات المشتركة او المتوافقة بين
الاطراف المتبادلة للسلع، اخترعت النقود وسيطالتبادل
السلع، فصار التبادل يتم هكذا:
سلعة نقد سلعة.
س ن س.
3- اعتبار النقود مستودعا للقيمة
وذلك بادخارها لوقت الحاجة اليها، ويعود هذا لما في النقود
من قابلية لاختزان القيمة والمحافظة عليها.
وعلى اساس من هذه الوظائف قام تعريف النقود في علم
الاقتصاد.
يقول الدكتور قريضة، في كتابه ((النقود والبنوك)) ((يمكن ان
نعرف النقود بالنسبة للوظائف التي تؤديها: فهي اي شيء يلقى
قبولا عاما كوسيط للتبادل. ويستخدم، في نفسالوقت، مقياسا
للقيم ومستودعا لها)) .((36))
ويقول الدكتور شامية، في كتابه ((النقود والمصارف)):
((تعرف النقود بانها اي شيء يحظى بالقبول العام في التداول،
وله قوة شرائية عامة، يستخدم وسيطا في التبادل،
ومقياساللقيم)).
ثم يعلق على تعريفه بالتوضيح التالي: ((ومن الواضح ان هذا
التعريف يعكس تطور النقود خلال المراحل المختلفة التي
مرت بها. ويثير هذا التعريف الملاحظات التالية:
1- من الملاحظ اننا استخدمنا كلمة اي شيء، في تعريف
النقود، وهو ما يعني تعدد الاشياء التي استخدمت نقودا وتنوعها
خلال المراحل المختلفة لتطور الاوضاع
الاقتصاديةوالاجتماعية، التي ترافقت مع التطور الحضاري
للمجتمعات. ففي مرحلة اولى انتشر استخدام النقود السلعية،
كالجلود والماشية والقواقع والابل.
وفي مرحلة تالية اعتمدت الجماعات على النقود المعدنية،
مثل الحديد والبرونز والفضة والذهب.
ثم استخدمت النقود الورقية.
ومن ثم النقود المصرفية في العصر الحاضر.
2- ان استخدام جملة، يحظى بالقبول العام في التداول، يعني
ان يقبل جميع افراد المجتمع، استخدام هذا الشيء في التداول
ويتفقوا عليه لاتمام المعاملات الاقتصادية في مابينهم.
3- يلاحظ استخدام عبارة له قوة شرائية عامة ما يعني ان
يتخلى الافراد عما يمتلكون من سلع، في سبيل الحصول على
هذا الشيء المستخدم كنقود، وبكميات غير محدودة،ومن ثم
شراء ما يحتاجون اليه من سلع في الحال او في وقت لاحق.
4- يلاحظ انه تمت الاشارة في التعريف الى الوظائف الاساسية
للنقود، وهي وسيط للتبادل ومقياس للقيمة، بمعنى ان الشيء
الذي يستطيع ان يؤدي هاتين الوظيفتين، فانهيستطيع
بالتالي ان يقوم بالوظائف الاخرى للنقود. وهذا ما جعل بعض
الاقتصاديين، عند تعريفهم للنقود، ان يذكرون جميع وظائف
النقود، وهو ما يجعل التعريفات الشائعةللنقود هو (ان النقود
هي كل ما تفعله النقود)))((37)) .
ويقول الدكتور الشمري، في كتابه: ((النقود والمصارف))،
((بعد ان ذكرنا بايجاز كيفية تطور الحياة الاقتصادية الانسانية،
وتدرجها من مرحلة (المقايضة) الى مرحلة التبادل فيما بين
السلع والخدمات، اعتمادا على عنصر وسيط في التبادل (س1 ،
ن، س2)، وكان وما زال هذا العنصر الوسيط في التبادل يتمثل
في النقود (شحذرت )((38)) ).
لهذا كان توصل البشرية الى التعامل بالنقود وسيلة للمبادلة
يعد من التحولات المهمة والحاسمة في تسهيل المبادلات
وتسويتها في ما بين الافراد والجماعات.
وابسط صور هذا التحول يتضح في تغيير دائرة التبادل السلعي
وتوسعها، فبدلا من اقتصارها، في بداية، الامر على مقايضة
سلعة باخرى مباشرة ومن دون وسيط يفصل بينعمليتي البيع
والشراء، اصبحت هذه الدائرة تتسع لتبادل سلعة باخرى بصورة
غير مباشرة عن طريق وسيط بينهما يساعد على تبادل السلع
المختلفة بسهولة.
لذلك يمكن اعتبار اي وسيط للتبادل في ما بين سلعتين، او
خدمتين، او اكثر بمثابة (نقود) بشرط ان يكون هذا الوسيط
قابلا لاداء وظائف اخرى تكميلية لمهمته الاساسيةالمذكورة
وان يكون مقبولا قبولا عاما لدى الاطراف المتعاملة بهذا
الوسيط.
وهذا المعنى ينطبق الى حد كبير ويتفق مع التعريف السائد
للنقود في انها ((كل شيء يلاقي قبولا عاما بين الناس وسيطا
للتبادل او لابراء الديون يسمى نقودا)). ويعني هذاالتعريف
المبسط للنقود ان قبول الناس او الافراد لاي شيء قبولا عاما
وسيطا للتبادل واداة لتسوية الديون وابراء الذمم يعطي لهذا
الشيء صفة النقود.
لذا فان (النقود هي اي شيء يؤدي وظيفة النقود...: حذرت Money is
what money does ).
فكل ما يتمتع بقبول عام في تسهيل التبادل وتسوية الديون
يعد نقودا، ولا اعتبار بعد ذلك لمادة هذا الشيء او لخصائصه
الذاتية او للجهة التي اصدرته((39)) .
يمكن مما تقدم الاستنتاج بان النقود لا تطلب لذاتها كسلعة
يمكنها اشباع الحاجات الانسانية والاستهلاكية والانتاجية
بصورة مباشرة، بل انها تطلب لغرض استخدامها لتحقيقمنفعة
استهلاكية معينة، وتطلب ايضا لتسهيل تبادل السلع
والخدمات المختلفة في اثناء عمليات الانتاج. اي ان النقود
يمكنها ان تلبي الحاجة الانسانية والاستهلاكيةوالانتاجية
بصورة غير مباشرة عن طريق استخدامها وسيلة للحصول على
السلع والخدمات الاستهلاكية الانتاجية، ويمكن التوصل الى
تعريف اجرائي للنقود في انها:
(كل شيء يقبله الجميع قبولا عاما، بحكم العرف او القانون او
قيمة الشيء نفسه، ويكون قادرا على ان يكون وسيطا في
عمليات التبادل المختلفة للسلع والخدمات، ويكونصالحا
لتسوية الديون وابراء الذمم فهو عبارة عن نقود).
ان الاهمية الحقيقية للنقود لا تقتصر على تاديتها لوظيفتها
الاساسية وسيطا للتبادل فحسب وانما تظهر اهميتها ايضا من
خلال الوظائف الاخرى الاساسية والثانوية التي يمكنان تقوم
بها النقود في الحياة الاقتصادية)).
انواعها:
تقسم النقود اقتصاديا تقسيمات متعددة ومختلفة بتعدد
الاعتبارات التي اتخذت اساسا للقسمة واختلافها.
واشهر تقسيم من هذه التقسيمات والصقها بطبيعة النقود
واستخداماتها، ذلك التقسيم الذي يرتبط بواقع نشاة النقود
وتطورها، والذي يقسم النقود الى قسمين:
1- نقود سلعية شCommodity money .
2- نقود ائتمانية credit curency .
ثم يقسم النقود الائتمانية الى قسمين ايضا:
ا- نقود ورقية.
ب- نقود مصرفية (نقود ودائع).
النقود السلعية
سميت بهذا الاسم نسبة الى السلعة، والسلعة كما يعرفها
المعجم الوسيط :ز÷كل ما يتجر به من البضاعةز÷. وتعد هذه
النقود تاريخيا المرحلة الثانية للنقود التي استعملها
الانسانبعد ان انتقل من مرحلة المقايضة الى مرحلة النقود.
ذلك انه كان يستخدم، في المرحلة الاولى (مرحلة اختراع
النقد)، الحجارة او الخرز وامثالها مما تعطيه الدولة او العرف
الاجتماعي الاعتبار والقيمة المالية.
ثم، في المرحلة الثانية، استعمل الانسان السلع مقام الحجر
وامثاله نقودا تعامل بها وتداولها، وهي مثل القمح والشاي
والقماش والتبغ وغيرها.
واعتمد الانسان في استخدامه لهذه السلع نقودا، على قبول
العرف لها واعتباره اياها، ويرجع هذا الى انها ايسر في تسهيل
المبادلات، واسهل في تيسير القدرة على الوفاءبالالتزامات.
والى جانب استعمال الانسان لامثال السلع المذكورة استعمل
سلعا اخرى معدنية كالذهب والفضة والحديد والزنك والقصدير
وغيرها.
((ولا تختلف النقود المعدنية عن سابقتها من بقية انواع النقود
السلعية في تادية نفس الوظائف الاساسية للنقود في كونها
قادرة على ان تكون وسيطا للتبادل، ومعيارا للقيمة،ومخزنا لها
واداة للدفع المؤجل، والادخار، فضلا عن انها تتميز عن النقود
السلعية في انها معادن نفيسة (كالذهب والفضة) مما يجعلها
تتمتع بندرة نسبية، هذه الندرة تدعمقيمتها بالقياس الى
الانواع الاخرى من النقود السلعية، كما انها غير معرضة للتلف
مما يساعد على استخدامها مخزنا للقيمة، وقابلة للتجزئة الى
وحدات اصغر مما يسهلالتعامل بها، والى انها سهلة النقل،
ويمكن التعرف اليها بواسطة العين المجردة)) .((40))
وامام استعمال الانسان للنقود المعدنية انحسر استعماله
للنقود السلعية غير المعدنية الا قليلا.
ويرجع هذا لما في النقود المعدنية من يسر التعامل بها وسهولة
تقدير قيمة كل سلعة بواسطتها، وامكانية ادخارها، مع
المحافظة على قيمتها المالية.
النقود الائتمانية
ويقال لها، ايضا، النقود الاعتمادية، والنقود المعتمدة نسبة الى
اعتمادها من قبل الحكومات التي تصدرها، وائتمان الناس
للحكومة التي اصدرتها وثقتهم بها.
وعامل نشوء هذه النقود الائتمانية هو تراجع اهمية النقود
المعدنية وانحسار دورها في الحياة الاقتصادية اثناء الحرب
العالمية الاولى من سنة 1914 الى سنة 1918 م((41)).
ان النقود الائتمانية تكتسب اهميتها الفعلية من خلال قبولها
العام المبني على اساس قدرتها في توفير عنصر الثقة في
تحويلها الى السلعة المرتبطة بها، وعادة ما كانت هذهالسلعة
هي (الذهب) مثل تحويل الجنيه الاسترليني او الدولار
الامريكي الى ما يساويه، او مايعادل قيمته من الذهب في حينه.
كما ان النقود الائتمانية تعد دينا لحاملها على ذمة الجهة التي
اصدرتها، وحقا لصاحبها في الحصول على ما يساويها من السلع
والخدمات))((42)) .
النقود الورقية
وهي المعروفة ب ((العملة الورقية حژرذ دذچآ التي تصدرها
السلطة النقدية في الدولة المتمثلة بالبنوك المركزية او
مؤسسات النقد وامثالها.
وهي عبارة عن وثائق متداولة تمثل دينا معينا في ذمة السلطة
النقدية التي اصدرتها لحاملها.
و ((يرجع تاريخ التعامل بالنقود الورقية الى الفترة التي انتشرت
فيها عادة الاحتفاظ بالنقود المعدنية لدى التجار والصيارفة
الذين كانوا يقبلون ايداع الافراد لنقودهم والاحتفاظبها لديهم
مقابل منح المودعين ايصالات او سندات تتضمن كمية الاموال
المودعة مع تعهد باعادتها ودفعها لحامل السند او الايصال عند
الطلب وبدون تاخير.
وبعد فترة زمنية اصبح الافراد المودعون والصيارفة ايضا
راغبين في استخدام هذه الايصالات او السندات اداة لتسوية
المدفوعات وابراء الديون في ما بين الاطراف الدائنةوالمدينة،
مقابل الحصول على فوائد نقدية محدودة.
فالمودع قادر على استخدام السند او الوصل في تسوية
مدفوعاته والصيرفي والتاجر (ثم المصرف فيما بعد) يحصل
على مكافاة نقدية تتمثل في دفع المودع لمبلغ الرسمالمحدد
والمتفق عليه مقابل الخدمة التي حصل عليها في انجار تسوية
ديونه والمحافظة على امواله من السرقة والضياع.
وقد لاحظ الصيارفة ان الاموال المودعة لديهم لا يتم سحبها
كاملة في وقت واحد، ما دفعهم الى اصدار ايصالات جديدة الا
انها لا تستند الى ودائع حقيقية مودعة لديهم، هذهالايصالات
اصبحت كسابقتها مقبولة لدى الاخرين، اذ انها يمكن ان تؤدي
وظيفة النقود الاساسية وسيطا للتبادل، وبمعنى آخر اصبحت
نقودا ورقية مقبولة قبولا عاما، وانكانت لا تساوي حجم
الودائع المعدنية بل عادة ما كانت تزيد عنها وتفوقها حجما،
وهذا الحال دفع بالدولة الى ان تضطلع بدورها في التدخل في
تنظيم عملية الاصدار للنقودالورقية، ونشات بموجب ذلك
البنوك المركزية التي اخذت على عاتقها مهمة الاصدار
النقدي كجهة وحيدة ومحتكرة لعملية الاصدار النقدي
الورقي الالزامي الذي نتعامل بهحاليا. وصفة الالزام في النقود
الورقية على مستوى التعامل بها نابع من قوة القانون اذ لا يحق
للافراد او الهيئات التي بحوزتها هذه النقود المطالبة بتحويلها
الى ما يعادلها او مايساوي قيمتها من المعدن المغطاة
به(كالذهب في حينه)...)) ((43))
النقود المصرفية
والاسم المشهور لها هو ((نقود ودائع)).
((تعود تسمية هذا النوع من النقود ب(النقود المصرفية) كنوع
من مكونات وانواع النقود الائتمانية الى كونها نقود ودائع.
والمقصود بالودائع هنا الودائع الجارية(او الودائع تحت الطلب).
وهي عبارة عن الاموال التي يودعها طرف معين لدى المصرف
التجاري.
وتكون هذه الاموال المودعة قابلة للسحب من قبل المودع في
اي وقت يشاء فيه سحبها بواسطة توجيه امر من المودع
(الدائن) الى المصرف التجاري (المدين) عن طريق(الشيكات)
التي تلزم الطرف المدين بدفع المبلغ المذكور في الشيك
لمصلحة حامله او لامره او لاي طرف آخر (المستفيد).
وهذه الاوامر بالدفع (الشيكات المصرفية) تعتبر اداة او وسيلة
لتسوية المبادلات والمدفوعات وابراء الذمم.
بذلك فهي تقوم مقام النقود الاعتيادية لانها تؤدي وظائف
الاخيرة، ولانها ديون في ذمة المصارف لصالح المودعين.
ولهذا سميت بالنقود المصرفية او نقود الودائع))((44)) .
تشترك نقود الودائع مع النقود الورقية في كونها ديونا لصالح
مالكها، او حاملها، في ذمة الجهة التي تلتزم بها، وهي البنوك
التجارية في حالة نقود الودائع، او البنك المركزي فيحالة
النقد الورقي، او قبل الدولة عموما بعد تاميم البنك المركزي
والبنوك التجارية كما هي الحال في النظام المصري المعاصر.
وتختلف الودائع، او النقود المصرفية، عن النقود الورقية
والسلعية، من حيث ان ليس لها كيان مادي ملموس.
كما ان ((الشيك)) الذي تتداول هذه النقود بواسطته لا يتمتع
بالقبول العام في التداول حيث لا يلزم القانون الدائنين
والبائعين على قبوله، بمعنى ان المدينين لا يستطيعون
الزامالدائنين والبائعين على قبول ((الشيك)) في ابرام الديون
وتسديد اثمان المشتريات.
وبالرغم من هذا القصور نجد هذا النوع من النقود يمثل الجانب
الغالب من العرض الكلي للنقود في البلاد المتقدمة اقتصاديا،
ففي الولايات المتحدة مثلا يبلغ حجم النقدالمصرفي او نقد
الودائع حوالى 90% من العرض الكلي للنقود.
ويجب ان نتذكر ان الوديعة وليس الشيك هي التي تعتبر نقودا.
فالشيك لا يعد نقدا مثل ورقة البنكنوت، فهو مجرد وسيلة
لنقل مديونية البنك من شخص الى آخر، ولا تتوافر فيه شروط
القبول العام لانه يصدر من شخص غير معروف منالجميع، كما
انه متقيد بتاريخ معين، وينص على كمية محدودة من النقود،
وينتهي عمله بعملية((45)) واحدة)) .
واخيرا، من المفيد ان نلمح بعد ان عرضنا تعريف النقود
ووظائفها وانواعها الى الوحدة النقدية، والقاعدة النقدية:
الوحدة النقدية (ژخذس شزچژحذرذ ):
يقصد بها الوحدة الاساسية لقياس نقد البلد، حيث تحدد
بالنسبة اليها قيمة جميع القطع النقدية والورقية، امثال:
الدولار في العملة الامريكية، والجنية في العملة البريطانية
والدينار في العملة العراقية والكويتية والريال في العملة
القطرية والسعودية والدرهم في العملةالاماراتية...الخ.
القاعدة النقدية (حزچحذچژژ شزچژحذرذ ):
وهي ((معيار او مقياس خاص للاقيام يقرره القانون كاساس
لعملة البلاد.
وفي الوقت الحاضر اتخذت معظم البلدان الذهب او الفضة او
عملات البلدان الاخرى المبينة على اساس الذهب او الفضة
مقياسا لنقدها)).
المنافع:
المنافع جمع منفعة، والمنفعة مصطلح فقهي، وكذلك هي
مصطلح اقتصادي، ويعبر عنها في القانون ب(الانتفاع)،(حق
الانتفاع).
والفرق بين المنفعة والانتفاع هو:
ان المنفعة هي ما يحصل عليه المنتفع من الشيء الذي ينتفع
به.
والانتفاع هو الاستفادة باستغلال المنفعة.
وهذا مثل سكنى الدار، فان السكنى منفعة الدار، والانتفاع بها
اعني السكنى كمنفعة للدار هو ممارسة فعل السكن بالدار.
فالمنفعة هي الثمرة، والانتفاع هو الاستثمار، اي الاستفادة من
تلك الثمرة.
او قل: المنفعة هي الفائدة، والانتفاع هو الاستفادة.
وعرفت المنفعة لغويا بانها ((كل ما ينتفع به)).
وعرف الانتفاع بالحصول على المنفعة من الشيء ذي الفائدة.
وهو ما سلف تبيينه في اعلاه.
وعرف الانتفاع في القانون، او بالاصح حق الانتفاع بانه ((الحق
الذي يخول الشخص استعمال واستغلال ملك غيره)).
اما التصرف في الملك في غير مجال الانتفاع فهو للمالك.
وفي ((الوسيط)): ((الانتفاع حق عيني يخول صاحبه استعمال
شيء مملوك للغير واستغلاله))((46)) .
وعرفت المنفعة اقتصاديا بما يلبي حاجة او رغبة عند المرء،
ويؤدي في النتيجة الى اشباعها.
يقول الدكتور عزمي رجب: ((لهذا التعبير (يعني المنفعة)
مفهوم خاص في اللغة الاقتصادية يختلف عن المعنى المعروف
في اللغة الجارية فالشيء النافع، او المال النافع فيالاصطلاح
الاقتصادي: هو كل ما يلبي حاجة او رغبة عند المرء، ويؤدي في
النتيجة الى اشباعها، بغض النظر عما اذا كان هذا الشيء نافعا او
ضارا في حد ذاته، فقد يكون المالالمطلوب ضارا من الوجهة
الصحية، كالتبغ مثلا، ولكنه يعتبر نافعا من الناحية الاقتصادية
عندما يقوم بقضاء حاجة لدى راغبه.
ومن هنا كان تقدير منفعة الاشياء، ومدى هذه المنفعة امرا
شخصيا يختلف باختلاف الاشخاص وميولهم
وحاجاتهم))((47)) .
وهذا يعني ان المنفعة امر نسبي يختلف باختلاف الميول
والرغبات.
وهي اقتصاديا اعم منها في الفقه والقانون لانها تشمل حتى ما
لا يعد منفعة عرفا، وذلك مثل ما لو تملك شخص حشرة لا
يعتبر العرف الاستيلاء عليها تملكا من اجل ان يشبعرغبته في
التملك ويلبي حاجة التملك التي تعتمل في نفسه.
ومفهوم المنفعة في الفقه قريب من هذه المذكورات، حيث
يندرج تحت عنوانين احدهما اخص من الاخر.
اما المعنى الخاص فهو: ((خصوص المعاني التي لا عين لها في
الخارج كسكنى الدار ولبس الثواب وعمل الخياطة)).
والمعنى الاخر وهو المعنى العام فانه يعم المعاني التي لا عين
لها في الخارج، والاخرى التي لها اعيان خارجية كنماءات
الحيوانات من اصواف والبان واسمان واولاد والخ،وثمار
النباتات كالتمر في النخلة والعنب في الكرمة والنبق في
السدرة والخ، والنبت بذاته كالعشب في المرعى والخ.
وعلى هذا فمنفعة كل شيء بحسبه.
يقول الشيخ كاشف الغطاء، في ((تحرير المجلة)): ((ولا تزال
السيرة جارية على اجارة الارض لرعي الاغنام في نباتها
وعشبها)).
القروض:
القروض جمع، مفرده قرض، وتستعمل هذه الكلمة مصدرا يدل
على فعل دفع المال للغير، واسم مصدر يدل على المال
المقترض.
فالقرض بالمعنى الاول هو دفع المال لمن ينتفع به على ان
يرد بدله حين الاجل المحدد او وقت الطلب اذا كان الدين غير
مؤجل.
والقرض بالمعنى الثاني هو المال المدفوع نفسه.
وهناك ثلاثة مشتقات اخرى تحمل معاني ترتبط بالموضوع
هي:
الاقتراض: وهو اخذ المال من قبل من ينتفع به مع الزامه برد
بدله.
والمقترض: وهو الاخذ للمال، ويقال له المستقرض ايضا.
والمقرض: وهو الدافع للمال.
وبدل القرض: وهو المال الذي يرده المقترض الى المقرض
عوضا عن القرض.
والقرض هو الدين، ففي (المخصص): ((دنت الرجل بمعنى
اقرضته)).
ويفرق في (القاموس المحيط): ((بين القرض والدين بان الدين
هو الذي له اجل، والقرض هو الذي لا اجل له)).
واللغة العملية وكذلك الاستعمال الاجتماعي يرادفان بينهما،
ولا يفرقان الفرق القاموسي المذكور.
ويقال للدافع: الدائن، وللاخذ: المدين والمستدين.
ويعرف القانون المدني المصري، في المادة538، القرض بما
نصه: ((القرض: عقد يلتزم به المقرض ان ينقل الى المقترض
ملكية مبلغ من النقود او اي شى آخر على ان يرد اليهالمقترض
عند نهاية القرض شيئا مثله في مقداره ونوعه وصفته)).
وفي الفقه يعرفه استاذنا الشيخ زين الدين في ((كلمة
التقوى)) بقوله: ((الدين هو مال تشتغل به ذمة انسان لانسان
آخر، لاحد الاسباب التي توجب ذلك، كاقتراض مال
يبقىعوضه في ذمة المقترض، وابتياع شيء يكون ثمنه في ذمة
المشتري، وبيع شيء موصوف مؤجل الى اجل في ذمة البائع
كما في بيع السلف، وكالتزويج بامراة يؤجل صداقهافي ذمة
الزوج، واستئجار عين او اجير يبقى بدل اجارته في ذمة
المستاجر، وفدية خلع او مباراة تبقى في ذمة المراة المختلعة،
وضمان مال بسبب اتلاف او عيب او غير ذلكمن موجبات
الضمان، ونحو ذلك من اسباب اشتغال ذمة الانسان بالمال،
وهذا هو الدين الذي يبحث عنه وعن احكامه في كتاب الدين.
ويطلق الدين ايضا على ما تشتغل به ذمة الانسان من الاموال
والحقوق لجهة عامة او جهة خاصة، كالزكاة والخمس
والكفارات والنذور، واشباهها)).
|
|---|