الصفحة التالية

الصفحة السابقة

ويقول الشيخ كاشف الغطاء في ((تحرير المجلة)) لبيان معنى الدين: ((ان مدار العقود والمعاملات على الاموال، وليس للمال حقيقة عينية خارجية كساير الاعيان تتمحض في‏المالية تمحض سائر الانواع في حقائقها النوعية، وانما هو حقيقة اعتبارية ينتزعها العقلاء من الموجودات الخارجية التي تقوم بها معايشهم وتسد بها حاجاتهم الضرورية‏والكمالية، فمثلا الحبوب والاطعمة مال لان البشر محتاج اليها في اقواته وحياته، وهكذا كل ما كان مثل ذا من حاجات الملابس والمساكن ونحوها قد انتزع العقلاء منها معنى‏وصفيا عرضيا يعبر عنه بالمال، وهو من المعقولات الثانوية باصطلاح الحكيم، ولما كانت مدنية الانسان لا تتم الا بالحياة المشتركة، وهي تحتاج الى المقايضة والتبادل في‏الاعيان والمنافع وكان التقايض بتلك الاعيان وهي العروض مما لا ينضبط ارادوا جعل معيار يرجع اليه في المعاملات ويكون هو المرجع الاعلى والوحدة المقياسية فاختارواالذهب والفضة وضربت سكة السلطان عليهما لمزيد الاعتبار في ان يكون عليهما المدار فماليتهما امر اعتباري محض لا فرق بينهما وبين سائر المعادن وغيرها من حيث‏الذات والحقيقة، ولذا في هذه العصور حاول بعض الدول قلب الاعتبار الى الورق ولكن مع الاعتماد عليهما. ومهما يكن الامر، فان المال لما كانت حقيقته تقوم على الاعتبارفكما اعتبروا الاجناس الخارجية مالا فكذلك اعتبروا ذمة الرجل العاقل الرشيد مالا ولكن مع الالتزام والتعهد، فاذا التزم لك الثقة الامين بمال في ذمته وثقت به وجعلته كمال‏في يدك او صندوقك وكذا العقلاء يعتبرون ان لك مالا عنده. اما من لا عهدة له ولا ذمة كالسفيه والمجنون والصغير بل السفلة من الناس الذين لا قيمة لانفسهم عندهم الذي‏يعدك ويخلف ويحدثك فيكذب، ويلتزم لك ولا يفي بالتزامه فهؤلاء لا ذمة لهم ولا شرف والتزامهم عند العقلاء هباء ولا يتكون من التزامهم عند العرف مال: فالمال اذا نوعان‏خارجي عيني وهو النقود والعروض واعتباري فرضي، وهو ما في الذمم اعني الالتزام او العهدة والالتزم)).

وفي ((المدخل الفقهي العام)): ((فالديون في الذمم هي حقوق شخصية مملوكة لاصحابها، والتزامات على من هي في ذممهم.

يقول الفقهاء الحنفيون: ((ان الدين هو: وصف في الذمة)).

واختلفوا هل يعتبر ملكا لصاحبه وهو في الذمة، او لا يعتبر لانه مجرد وصف شرعي؟.

وقد رجحوا النظر الاول فقالوا: الحق انه يملك، ولذا جازت هبة الدين للمدين وهي تمليك، واعتبر الدين المشترك من قبيل شركة الملك، حتى لو اخذ احد الشريكين فيه من‏المدين شيئا عن حصته يشاركه فيه الاخر)) .((48)) على ان الفقهاء قد يصفون الدين بانه مال حكمي، اي شي‏ء اعتباري يملكه الدائن، وهو موجود في ثروة المدين، فيصح ان يقال: ان الدين عند الفقهاء مال من حيث‏المال)).

((والدين في الفقه الاسلامي يعبر به في الاصل عن الناحية السالبة في الالتزام النقدي او ما في حكمه، اي عن الالتزام الملتزم بدفع نقود وما في حكمها من الاموال المثلية التي‏تثبت في الذمة، كمن اقترض مثليا او اتلفه فانه يكون ملتزما بمثله دينا في ذمته، وعليه وفاؤه من اي الاموال العينية المماثلة للثابت في الذمة)) .

ونخرج من هذه التعريفات المذكورة بالنتائج التالية:

1 ان القرض، او الدين كمصطلح فقهي، يطلق على المال الذي اشتغلت به ذمة المدين.

وهو المتعارف عليه في تعبيرات الفقهاء.

2 ويطلق على ذمة المدين، ولكن بمعنى ما تتعهد به وتلتزم من رد البديل للدائن، ويعبر عن هذا بالوصف كما في التعريف الحنفي، او بالحق كما في تعريف القانون المدني‏المصري، او بالمال الحكمي اي الاعتباري على راي فقهي آخر.

وننتهي، من هاتين النتيجتين، الى ان القرض هو المال الذي التزم المقترض بدفعه للمقرض او هو الحق الثابت في ذمة المدين للدائن.

الحقوق:

كلمة الحقوق جمع، مفرده الحق.

وهو في اللغة: ((النصيب الواجب للفرد والجماعة)) كما في المعجم الوسيط.

وفي الفقه: له داخل اطار موضوعنا هذا معنيان:

1- نحو من السلطنة في مقابلة الملك.

2- مرتبة ضعيفة من الملك، او اول مراتب الملك.

قال السيد الخميني، في كتاب ((البيع)): ((يظهر من الشيخ الانصاري: انه عبارة عن السلطنة مقابلا للملك، ومن عدة من المحققين: انه مرتبة ضعيفة من الملك ونوع منه.

وربما يقال: انه نحو سلطنة وملك، فيكون الحق والملك والسلطنة معنى واحدا، وان كان الحق اخص منهما))((49)) .

وقال السيد محمد بحر العلوم في ((بلغة الفقيه)): ((واما الحق فهو يطلق مرة في مقابل الملك، واخرى (في) ما يرادفه.

وهو بمعنييه سلطنة مجعولة للانسان، من حيث هو، على غيره، ولو بالاعتبار، من مال او شخص، او هما معا كالعين المستاجرة، فان للمستاجر سلطنة على المؤجر في ماله‏الخاص.

وهو اضعف من مرتبة الملك، او اول مرتبة من مراتبه المختلفة في الشدة والضعف)).

ويقول السيد محمد تقي بحر العلوم في تعليقه على هذا المنقول من ((البلغة)): ((هو عبارة عن مرتبة ضعيفة من الملك، واضافة ناقصة مجعولة من الملك الحقيقي تبارك وتعالى‏لذي الحق، اعم من وجود من عليه الحق او عدمه.

وعبر عنها بعض المعاصرين بالملكية غير الناضجة، وهو تعبير حسن، فان المرتهن للعين المجعولة من الراهن وثيقة لدينه الذي له عليه وان كان ذا اضافة وسلطنة عليها ومن‏هنا يمنع الراهن من التصرف في ما ملكه من العين المرهونة مطلقا او خصوص التصرف المنافي لحق المرتهن على الخلاف، ولكن ليس للمرتهن بالنسبة الى الراهن من‏التصرف فيه، سوى استيفاء دينه منه ببيعه واخذ مقدار حقه من ثمنه عند امتناع تحصيله من المديون، وكذا من له الخيار في عقد البيع مثلا فانه وان كان ذا حق متعلق بالعقدوسلطنة عليه من حيث القدرة على فسخه واقراره او متعلق بالعين التي خرجت عن ملكه الى ملك طرفه بالتسلط على اعادتها الى ملكه بفسخ العقد، ومن هنا يمنع طرفه من‏التصرفات المنافية لحقه في ما انتقل اليه وملكه بالعقد، لكن حقه المجعول له لا يتجاوز التسلط على فسخ العقد او اقراره، او التسلط على استرجاع العين التي نقلها الى طرفه‏اليه، بناء على تعلق حقه بنفس العين المنقولة الى طرفه)).

ثم يفرق السيد محمد تقي بحر العلوم، في تعليقه، بين الحق والملك بقوله: ((والحاصل: ان العلقة والاضافة الحاصلة بين المضاف والمضاف اليه اذا كانت تامة صالحة لانحاءالتقلبات تسمى ملكا.

واذا كانت ناقصة لا تصلح الا لنحو من التقلب لقصور في نفسها او متعلقها، تسمى حقا كالاضافة الحاصلة للمرتهن بالنسبة الى العين المرهونة، والحاصلة للشفيع بالنسبة الى‏حصة شريكه المبيعة في شركته، فان المرتهن ليس له سوى استيفاء دينه من الرهن اذا لم يفه المديون، والشفيع ليس له من السلطنة الا تملك ما اشتراه المشتري من الحصة‏بالثمن الذي اشتراه به)).

وبعد، فهذه هي المفردات التي امكنني لملمتها من هنا وهناك من كتب الفقه وكتب القانون لتكون داخل اطار واحد يعطينا فكرة واضحة عن المال وما يتمول.

والفقهاء هنا يتفقون على ان الاعيان والنقود مال، ويختلفون في ما سواهما، وكالتالي:

ذهب بعضهم الى اضافة المنافع مفردة ثالثة لمفردات المال، فتصبح المفردات المالية عنده: الاعيان والنقود والمنافع.

آخر ربع المفردات باضافة القروض.

وغيرهما جعلها خمسة باضافة الحقوق.

ولاننا قلنا: ان مالية الشي‏ء تتقوم باعتبار العرف وتحليل الشرع، والعرف كما هو معلوم يختلف في مثل هذه الامور من مجتمع لاخر، ومن عصر الى سواه يكون هو المرجع،فما يعتبره عرف اجتماعي مالا يعتد مالا، ما لم يكن مما الغى الشارع المقدس ماليته.

فكر الاسلامي‏ معاصر
الاصالة والتجديد

السيد محمد حسين فضل اللّه

الاصالة والتجديد

ليسا من المفاهيم المتضادة بداية، نتساءل: ما هو العنصر المفهومي من مصطلحي: الاصالة والتجديد؟ فهل تعني الاصالة العناصر الثابتة في الذهنية الاسلامية العامة، في واقع التصور الثقافي لدى المسلمين ما يجعل الخط الفكري الذي رسمه العلماء الاولون هوالخط الذي يلتزم‏به المتاخرون، بحيث يكون الانحراف عنه انحرافا عن الاسلام نفسه؟ وهل يعني التجديد الانفتاح على الجديد الثقافي الذي افرزته التطورات الفكرية المعاصرة في قضايا الحياة والانسان ما قد يختلف، من حيث الاساس، مع الخطوط العامة‏للمفاهيم الاسلامية العامة في المفردات المتحركة في الواقع الانساني، باعتبار ان العيش مع المرحلة الحاضرة يفرض على المسلمين المزيد من الانسجام مع طريقتها في‏التفكير والمنهج والسلوك، لان الابتعاد عن ذلك يجعلهم في عزلة بعيدة عن الواقع، الامر الذي يجعلهم خارج نطاق التاريخ؟ لا ريب، ان القضية ليست بهذه الحدية، بحيث يبدو المفهومان كانهما من المفاهيم المتضادة المتناحرة اذ قد ينسجم احدهما مع الاخر بلحاظ مفهوم، وقد يبتعد عنه بلحاظ‏مفهوم آخر.

في داخل الثقافة الاسلامية ثابت يمثل الحقيقة القطعية، مما ثبت بالمصادر الموثوقة من حيث السند والدلالة، بحيث لا مجال للاجتهاد فيه، لانه يكون من قبيل الاجتهاد في‏مقابل النص. وهذا هو المتمثل ببديهيات العقيدة، كالايمان بالتوحيد والنبوة واليوم الاخر، ومسلمات الشريعة، كوجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد والامر بالمعروف‏والنهي عن المنكر وحرمة الخمر والميسر والزنا واللواط والسرقة والغيبة والنميمة وقتل النفس المحرمة ونحو ذلك. هذا بالاضافة الى الوضوح في الموقف السلبي، اوالايجابي، من المفاهيم المتقابلة من الظلم والعدل والكذب والصدق والخيانة والامانة ونحو ذلك، فلا مجال لتحريكها في مستوى رفض المبدا، بل قد يثور الجدل فيها على‏مستوى التفاصيل في المفردات الصغيرة المتناثرة في نطاق الظروف والطوارى‏ء.

وهناك المتحول الذي يتحرك في عالم النصوص الخاضعة في توثيقها ومدلولها للاجتهاد مما لم يكن صريحا بالمستوى الذي لا مجال لاحتمال الخلاف فيه، ولم يكن موثوقا،بالدرجة التي لا يمكن الشك فيه. وهذا هو الذي عاش المسلمون الجدل فيه، كالخلافة والامامة والحسن والقبح العقليين والذي ثار الخلاف فيه بين العدلية وغيرهم. والعصمة‏في التبليغ او في الاوسع من ذلك بحيث يشمل الافعال جميعها والاراء جميعها في شخصية الانبياء والائمة عليهم السلام، وفي المسار الجسماني والروحاني. وفي مستوى‏علم الانبياء والائمة، من حيث علم الغيب ووعي الاشياء في الكون والحياة وفي مسالة حدود الشرك والتوحيد وغير ذلك مما يتصل بالجانب العقيدي.

وفي جانب الشريعة في وجوب الخمس بقول مطلق وعدمه وفي وجوب الجهاد الابتدائي عند توافر ظروفه في زمن الغيبة، وعدمه، وفي تفاصيل الصلاة والصوم والحج‏والزكاة وغيرها وفي الاستثناءات من المحرمات وجواز الدخول في الحكم والمؤسسات العامة في دولة الجور، وفي كثير من الافعال التي اختلف الراي في حليتها وحرمتهامما يمكن للاجتهاد الفقهي ان يخوض فيه لاعطاء الراي المختلف فيه سلبا او ايجابا. فهذا هو الخاضع للتغير والتبدل تبعا للراي الاجتهادي الذي قد يتنوع مضمونه بين مجتهدوآخر، لانه قد ينطلق من واقع تاريخي فرض على الفكر الكلامي او الفقهي نوعا من الهيمنة لشخصية فكرية او فقهية مميزة حاصلة على الثقة الكبيرة التي تجعل الناس في‏عصرها، او في العصور المتاخرة عنها، مشدودين اليها في عملية تقليد وتسليم على اساس اعتبارها فوق مستوى النقاش، الامر الذي يجعل افكارها مسلمة كما لو كانت‏صادرة من المصدر الاصيل للاسلام.

وربما تنطلق من حصول جماعة من الفقهاء، او المتكلمين، على مثل هذه الثقة بفعل المرحلة القريبة من مرحلة النص التي توحي للمتاخرين البعيدين عن هذه المرحلة بانه‏من الممكن انفتاح هؤلاء الفقهاء المتقدمين على الحقيقة الاقرب والاوثق التي لا مجال لنا للوصول اليها، وهذا ما يمثله مشهور الفقهاء المتقدمين الذين قد تصبح مخالفة‏المجتهدين لفتاواهم اشبه بالمخالفة للنبي(ص) او الامام(ع) انطلاقا من القداسة الفقهية او الفكرية التي يتمتعون بها بفعل التقاليد المالوفة في تقديس الماضي في الشخصيات‏التي عاشت فيه.

وقد ينطلق الارتكاز الذهني، في الوعي الاسلامي العام لبعض القضايا، من ظروف تاريخية اجتماعية خاضعة لظروف الزمان والمكان، كما قد يحدث في موضوع مصطلح‏سيرة المسلمين او المتشرعة على بعض جوانب السلوك. فقد يجد فيها الفقهاء دليلا على الحرمة او الاستحباب باعتبار ان اتصالها بزمن المعصوم يكشف عن موافقته على‏المضمون الذي تتمثل فيه مما يجعل له شرعية الزامية او ترخيصية تبعا للمورد. بينما قد يكون السلوك التاريخي المعاصر للمعصوم منطلقا من واقع تقليدي اجتماعي، او من‏عنوان مؤقت متحرك.

كمثال على ذلك: مسالة ((اللحية))، فقد افتى مشهور الفقهاء بتحريم حلقها انطلاقا من ان السيرة التي جرى عليها المسلمون، في جميع عصورهم المتقدمة، كانت في ابقائهاوعدم حلقها بحيث كانوا يستنكرون على من يقوم بذلك استنكارا شديدا، وربما يفسقونه، مما يدل على انهم تلقوا ذلك من النبي(ص) او الامام(ع)، فيستدل بذلك على شرعية‏الحرمة.

وربما يستدل على ذلك بالحديث المشهور: ((حفوا الشوارب واعفوا عن اللحى، ولا تشبهوا باليهود او بالمجوس))، حيث اعتبروا ذلك دليلا على التحريم.

ولكن الدراسة الواعية للسيرة توحي لنا بان هذا السلوك التاريخي كان خاضعا للتقاليد السائدة في الواقع العربي في ابقاء اللحية وعدم حلقها، باعتبارها من التقاليد في‏الزي‏والسلوك الخاص او العام، تماما كلبس العمامة. فقد جاء في الماثور:

((العمائم تيجان العرب)). وفي ضوء هذا لا يدل التزام المسلمين بها على حرمة حلقها، لانه من‏الممكن ان يكون هذا الالتزام ناشئا من الانسجام مع الجو الاجتماعي السائد عندهم والضاغط على حركة الواقع كله، وربما يؤكد ما ذكرناه ان حلق اللحية كان في ذلك الظرف‏وسيلة من وسائل المثلة بالشخص، بحيث كان حلقها من قبل السلطة يعتبر تنكيلا بالشخص، وعلى هذا يحمل الحديث الماثور: ((حلق اللحية من المثلة ومن مث ل فعليه لعنة‏اللّه))، فانها تعبر عن واقع اجتماعي في النظرة الى هذا الموضوع، ولا تعبر عن تنزيل شرعي له منزلة المثلة.

وفي ضوء ذلك لا تكون السيرة التاريخية المتقدمة دليلا على التحريم لانه التزام اجتماعي وليس التزاما شرعيا.

ثم انطلقت الفتاوى التي اجتهدت بالتحريم انطلاقا من السيرة، فنشات من خلالها سيرة جديدة منطلقة من امتداد الفتوى في التاريخ، بحيث حدثت سيرة جديدة، ولكنهامستفادة من فتاوى العلماء لا من تقرير المعصوم.

اما الحديث الذي ينهى عن التشبه باليهود او بالمجوس، فانه كان خاضعا للمرحلة التي كانت تفرض تمييز المسلمين لقلتهم عن اليهود في الشكل مما يوجب التزامهم بشكل‏مخالف، فاذا كان اليهود يحلقون اللحى ويعفون عن الشوارب فمن اللازم على المسلمين ان يعكسوا الامر. وقد جاء نظير هذا في كلام الامام علي(ع) مما روي عنه كما في‏نهج البلاغة فقد سئل عن قول الرسول(ص): ((غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود))، فقال عليه السلام: ((انما قال صلى اللّه عليه وآله وسلم ذلك والدين قل، فاما الان وقد اتسع‏نطاقه وضرب بجرانه فامرؤ وما اختار)).

فاننا نستفيد، من ذلك، ان الحكم كان مرحليا خاضعا للظرف التاريخي في الواقع الاسلامي ولم يكن منطلقا من الطبيعة الذاتية للتشريع، فاذا تغير الظرف تغير الحكم. وانطلاقامن ذلك فلا بد للفقيه من دراسة الواقع التاريخي في علاقته بالنص والتعرف على الظروف الاجتماعية المؤثرة في حركيته.

ومن كل هذا العرض نفهم ان المقدس في الاسلام، بالمعنى المطلق، هو الثابت بطريقة قطعية لا مجال للاجتهاد فيها، بحسب مصادرها اليقينية، ولا مجال للخلاف حولها، وكل‏ما عدا ذلك فهو غير مقدس، وتكون قداسته مقتصرة على الشخص الذي ثبتت قداسته عنده بحسب اجتهاده فليس له ان يرجم غيره ممن لا يرى رايه بانكارالمقدسات.

مفهوم الاصالة وعلى هدى ذلك كله، نستطيع ان نحدد الاصالة بانها القاعدة الفكرية المرتكزة على العناصر الاصيلة في العقيدة وفي التشريع. فلا بد لاي فكر اسلامي من الانطلاق في‏خلفياته وامتداداته من الايمان باللّه في تفسيره للكون وللحياة وللانسان في السنن الوجودية والتاريخية والانسانية لا بمعنى الغاء الاسباب الطبيعية للظاهرة الكونية‏والانسانية، بل بمعنى انفتاح السببية في عمق تاثيراتها الحيوية في القابلية والفاعلية على اللّه. فلكل ظاهرة سبب وقانون، ولكنها لا تكتسب ذلك من ذاتياتها بل من اللّهمسبب الاسباب، وهكذا لا بد من انطلاق حركة الواقع والتاريخ والانسان من الايمان بالغيب كمبدا. فلا يجوز اسلاميا الاستغراق في العنصر المادي للحياة بل لا بد من الانفتاح‏على الغيب من خلال الانفتاح على اللّه، عالم الغيب، كما جاء في قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة الايعلمها ولاحبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين).

وهذا لا يعني اعتبار الكون كله وفي حركته غيبا، او الاستسلام للغيب بمعنى تفسير كل شي‏ء على اساس‏الغيب، لان اللّه اعط‏ى للغيب في الحياة الكونية والانسانية معنى الحضور والتوازن في العناصر الطبيعية للاشياء، قال تعالى: (انا كل شي‏ء خلقناه بقدر) وقال تعالى: (قدجعل اللّهلكل شي‏ء قدرا).

وربما كان من الضروري تاكيد الثقافة الاسلامية التي توازن بين الايمان بالغيب والايمان بقانون السببية، والتاكيد على وعي العناصر الغيبية في الاشياء والاشخاص من موقع‏تحليلي يعتمد على توثيق المصادر الاسلامية في الحديث عن الجانب الغيبي في الحركة التاريخية وفي نماذجها المقدسة، وفي الواقع المعاصر وتوثيق الفكرة في المبررات‏التي تفسر الغيب هنا والغيب هناك بما يجعل له معنى في القاعدة العقيدية، فان هناك فرقا بين الايمان بالغيب من حيث المبدا والايمان بكل شي‏ء غيبي فيما يتناقله الناس اويعتقدونه على مستوى التفاصيل، فان ذلك لا يمثل في تحفظاته التفصيلية انحرافا عن طبيعة الشخصية الاسلامية المؤمنة بالغيب، لان انكار حكاية غيبية، او حالة غيبية في‏الشخص، من موقع علامات الاستفهام في جزئياتها، لا يعني انكار الغيب في ذاته، ولا بد في حركة الاصالة في مفهومها الذاتي من الانطلاق من الايمان باليوم الاخر في‏تاكيد مسالة الالتزام وتفسير حركة الانسان في الحياة في الرابط الذي يربط بين الدنيا كساحة للعمل والمسؤولية، وبين الاخرة كموقع للحصول على النتائج في العمل اوالمسؤولية لتكون الاخرة غاية الدنيا في كل اوضاعها وانطلاقاتها على هدى قوله تعالى: (وابتغ فيما آتاك اللّه الدار الاخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا).

فاذا انتقلنا الى الجانب العملي فان تاصيل الفكر الاسلامي لا بد ان يتحرك في تخطيطه للواقع الانساني العملي من موقع العدل، الذي يحكم علاقة الانسان بربه ونفسه والناس‏من حوله والحياة والاحياء، فلا يمكن لاي سلوك اسلامي ان يختزن الظلم في داخله. وهكذا تنفتح هذه الاصالة على تكريم اللّه لبني آدم في قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم)،وعلى اعتبار الخط العملي للانسان في كل اعماله واقواله وتطلعاته وعلاقاته مظهرا من مظاهر عبادة اللّه بما يمثله معناهما الواسع من الخضوع له في كل شؤونه واوضاعه،وذلك من خلال معنى الاسلام الذي يعني اسلام العقل والقلب والوجه واليد واللسان، وفي ضوء ذلك تتحرك الحرية لتكون عنصرا اصيلا في عمق الشخصية الانسانية انطلاقامن مبدا التوحيد الذي يؤكد في الانسان حريته امام الكون كله والانسان كله ويثبت عبوديته للّه وحده.

مفهوم التجديد اما التجديد في معناه الحركي في الاجتهاد الاسلامي فانه يمثل التجربة الفكرية المنفتحة على تجديد النظر في النصوص والمفاهيم التي اجتهد فيها الاولون، فقد نلتقي‏بالجديد في الفهم والاسلوب والحجة في مواجهة القضايا المثيرة للجدل.

وقد ننطلق بالجديد في مواجهة علامات الاستفهام الكثيرة المنطلقة من التحديات المعاصرة من جهة،ومن تساقط بعض اساليب الاستدلال القديمة ومن الاوضاع الجديدة التي انطلق بها التطور الحديث. وهذا يفرض البحث عن معالجات وحلول متنوعة من اجل ان يعيش‏الاسلام عصره في مواكبته لكل احداثه وتطوراته، فلا يكون غريبا عنه في ذهنيته المنفتحة على الواقع كله وفي اسلوب التعبير وفي منهجية الحركة.

ان التجديد لا يعني اسقاط القديم كله واستبداله بفكر جديد لا علاقة له به ليكون ذلك خروجا من الاسلام الى غيره، بل يعني اعادة النظر في كل التجارب الاجتهادية في فهم‏الكتاب والسنة والواقع وفي كل اساليب العرض والاستدلال التي استهلكها الزمن لان التطور في الاساليب من حيث الشكل والمضمون قد ادى الى ضرورة استحداث اساليب‏جديدة تنسجم مع الذهنية المعاصرة ومع تطور المفردات الثقافية، لنستطيع من خلالها الدخول الى عقل الانسان المعاصر وقلبه، لان للاسلوب دورا كبيرا في الاقتناع بالفكرة‏لدى الرافضين او المتحفظين عليها.

لقد فكر الاقدمون بالطريقة التي كانت تحكم مناهج التفكير عندهم من الواقع الذي عاشوه وتاثروا به، ومن الثقافات المهيمنة على عصرهم، وقد قاموا بدورهم الثقافي خيرقيام، ولكن ليس معنى ذلك ان منهجهم، كان يمثل منهج الحقيقة المطلق الذي لا يمكن ان يتجاوزه الزمان، بل كان يمثل تجربة انسانية محدودة الملامح والابعاد والامتدادات،فيمكن لنا ان ندخل في تجربة جديدة قد تغير الكثير من المفاهيم وتطور الكثير من النتائج ((وكم ترك الاول للاخر)) فذلك هو الخط الحركي الذي يمثل التطور النوعي والكمي‏للعلم المنفتح على اكتشاف المجهول، واعادة نظر الحاضر بكل ما فكر فيه الماضي لنتجنب بذلك تحويل حاضرنا كله الى ماض.

تجربة الاجتهاد: رحلة تجديد دائم لا تقطع مع التراث واذا كنا نفهم التجديد، بمثل هذه الحدود الفكرية والمنهجية، فانه لا يمثل قطيعة مع التراث، بل هو محاولة جديدة لفهم التراث وتطويره في التجربة الاجتهادية على اساس‏القواعد الاصيلة في المنهج في قراءته واستيحائه واعادة صياغته باسلوب العصر ومحاكمة الاخطاء الكامنة في عناصر التفكير السائدة في وقته.

انه يمثل تاكيد التراث والعمل على ابقاء امتداده في حركة الفكر الاجتهادي المتنوع المتطور، لاننا نريد الدخول في هذه التجربة التراثية الاجتهادية لنواجه الاحداث التي بدات‏ترتفع لتنادي بالغاء التراث من ثقافتنا والبدء بانتاج فكر جديد يتناسب مع الواقع ليكون تراث المستقبل. انهم يطلقون التحديات لاسقاطه، ونحن نرد على التحدي باعادة النظرفيه لابقاء الحقيقة الكامنة في داخله واسقاط الخطا المتمثل في بعض جزئياته ومفاهيمه.

واننا اذ نؤكد على التجديد فاننا لا ننطلق من عقدة في الالتزام بالقديم لنحصل على رضا الناس فيما استحدثوه او ابتدعوه، فنحن لا نريد الجديد لذاته بل نريده لاننا نرى في‏حركة الفكر رحلة جادة في اكتشاف الحقيقة، الامر الذي يفرض علينا ان نكون في حالة تجدد فكري مستمر من خلال قلق المعرفة الباحث عن الجديد ابدا في الفكر وفي‏العلم وفي الواقع، مما لم يستطع الاولون اكتشافه، او مما اخطاوا في فهمه.

ان الامة لا تتجمد في مرحلة معينة بل تبقى في حركة تطلع مستقبلي نحو الافاق المجهولة والاجواء الضبابية في عملية انتاج للحركة واستضاءة بالنور المنطلق من العقل‏والوحي والواقع.

النظرة الى الغرب واذا كنا نتطلع الى الجديد لتاكيد الاصالة فقد يبرز هنا سؤال، وهو:

ما هي نظرتنا الى الغرب في ثقافته ومعارفه واكتشافاته ومدارسة الفكرية؟ هل نرفضها لانها نتاج امة كافرة لا ترتبط معنا برباط الايمان، او نقبلها لان العلم لا دين له وله انتماءالى اي عقيدة، او هناك تفصيل في الموضوع؟ ونجيب عن هذا السؤال، فنقول: في الغرب علم على مستوى اكتشاف اسرار الطبيعة واوضاع الكون وانتاج الوسائل التي تمثل حاجات الانسان العامة والخاصة وشؤونه في‏الحياة ويلبي تطلع الامة في تحريك الواقع الاقتصادي والاجتماعي والامني وكل الواقع العملي في الحياة. وفي هذا المجال لا بد لنا من ان نستفيد من ذلك كله وناخذ به من‏اجل ان نزداد علما وحركة وراحة في الخدمات والحاجات الانسانية، على اساس انه يمثل مضمون التعارف الذي اعتبره القرآن غاية التنوع في الشعوب والقبائل‏والخصوصيات القومية والعرقية واللونية وغيرها، حيث يتبادل الناس الخبرات والخصائص الثقافية والعلمية وغيرها، مما يغني تجربتهم ويرفع مستواهم ويؤدي بهم الى المزيدمن التقدم في مدارج النمو الانساني.

وهناك مناهج للفكر وللدراسة وللسلوك، ونظريات في الفلسفة والاجتماع والدين والحياة، وهناك تيارات في الخط السياسي، وفي قضايا الحريات وحقوق الانسان.

وهذه العناوين هي التي قد تقع مثارا للجدل والخلاف، فقد تصدم في بعض مواقعها الحقيقة الدينية كما في الفلسفة المادية، وقد تختلف مع الخطوط الشرعية، كما في‏النظامين:

الراسمالي والاشتراكي، وقد تختلف مع النظريات الاجتماعية او النفسية او التربوية من علم الاجتماع والنفس والتربية، وقد تنطلق في الخطوط السياسية التي قدتعنون بعناوين تختلف مع الاسلام في نظرية الحكم والحركية السياسية، وفي وسائل العدالة ومفاهيمها التطبيقية وغيرها.

ان علينا ان ندخل في حوار مع الغرب حول كل هذه الموضوعات من اجل الوصول الى النتائج الحاسمة، فقد نجد ما ينفعنا مما يمكن ان نقبله لانه لا يختلف مع القاعدة‏الفكرية الاسلامية في بعض مناهجه الدراسية، وفي اساليبه التربوية وفي تخطيطه للمجتمع في حركة نموه وتقدمه، وفي بعض خطوطه الاقتصادية. وقد نجد ما نختلف معه ممايضرنا ويتباين مع الخط الاسلامي الاصيل، فناخذ بما بنفعنا ويتفق معنا، ونترك ما يضرنا ونختلف معه لتكون لنا حرية الرفض والقبول من موقع استقلال شخصيتنا الثقافية.ومن خلال ذلك نعرف اننا نستطيع ان نطور مناهجنا الدراسية والسياسية التنظيمية والحركية من خلال ما نجده في المناهج الغربية التي لا تمثل نظرية واحدة، لان هناك اكثر من‏نظرية في الخط والحركة والتطبيق فلا عقدة لدينا من الاخذ بما استحدثه الغرب من ذلك مما يدفع بالحركة العلمية والثقافية الى الامام لان العلم في امتداده وفي سعته وشموله،والثقافة في عمقها وانفتاحها على المجهول وتطلعها الى الحقيقة هي نتيجة التفاعل الحضاري بين الشعوب، فلكل شعب تجربته ولكل مرحلة دورها في المزيد من النتاج‏الجديد الذي يعط‏ي الحياة جديدا ويفتح لها اكثر من افق جديد.

التاريخ عملية تفاعل بين مراحل الزمن وعلى ضوء هذا فان الخط الاسلامي يتحرك في اعتبار الماضي مرحلة عاش الاخرون تجربتها ليفسحوا للحاضر الدخول في عملية تقويم لها، لياخذ منها ما يصلح ويفيدالحياة ويمتد في الزمن، ويرفض ما يموت بموت الزمن الماضي. وليعيش الحاضر تجربته التي يؤسس عليها القاعدة التي يريد للمستقبل ان يرتكز عليها. ومن الطبيعي ان‏ياخذ المستقبل حريته عندما يبدا رحلته في الزمن ليرفض ما لا ينفعه ويقبل ما ينفعه، ويبدع شيئا آخر، ليكون التاريخ عملية تفاعل بين مراحل الزمن في حركة الانسان لاعملية امتداد له، فلا يكون الحاضر صورة عن الماضي، ولا يكون المستقبل نسخة عن الحاضر، وذلك من خلال قوله تعالى: (لقد كان في قصصهم عبرة لاولي الالباب)فالماضي يمثل عبرة للحاضر في انتصاراته وهزائمه وتقدمه وتاخره وقوله تعالى: (تلك امة قد خلت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسالون عما كانوا يعملون). وهكذايتحمل كل جيل مسؤولية فيما كسب من الخير او الشر ولا يتحمل مسؤولية الجيل الذي سبقه لتكون الحياة انتاجا مستمرا في حركة الابداع ومسؤولية العمل، وذلك هو خط‏علاقة الماضي بالحاضر، والمستقبل.

تاصيل الفكر الاسلامي وتجديده واذا كنا نريد تاصيل الفكر الاسلامي وتجديده في اتجاه الانفتاح به على الذهنية المعاصرة من حيث الاسلوب الذي ينسجم مع الانسان في تطوره الفكري ومن حيث الجواب‏على كل علامات الاستفهام التي يطرحها العصر في التحديات الكبرى التي تواجه الانسان في قضاياه الفكرية والنفسية والروحية والسياسية والاقتصادية والاخلاقية. فان‏علينا ان نعيد انتاج القضايا التي وقعت موضعا للجدل في الماضي بطريقة جديدة لنعطيها شيئا من الحيوية والمرونة والانفتاح والجدة، فقد نستطيع من خلال ذلك ان نحقق في‏الحاضر ما لم نستطع تحقيقه في الماضي من النتائج الحاسمة انطلاقا من الذهنية الضيقة الجدلية التي كانت تسيطر على الواقع الثقافي آنذاك بحيث كان الجدل اللفظ‏ي يطغى‏على الحوار ليدفع المعنوي بعيدا عن الساحة الفكرية، كما ان علينا ابعاد الابحاث التجريدية التي لا علاقة لها بالواقع بل كانت مجرد افتراضات فكرية لتكون حالة ترف‏ثقافي‏لا يسمن ولا يغني من جوع، لانها تركت الاثر الكبير السلبي على الذهنية الاسلامية العامة، حتى انها غرقت في التجريد الذي فرض نفسه على النصوص في آفاق‏الاحتمالات البعيدة التي كانت تحكم الفهم العام للنص.

وهناك نقطة مهمة في اتجاه موضوع التجديد، وهنا نطرح السؤال التالي:

هل يعني التجديد تفكيك الكيان الفكري باسره واعادة تركيبه وفق ضرورات الواقع وتطلعات المستقبل ليكون لنا فكر اسلامي جديد لا علاقة له بالفكر السابق، لان ذلك هوالذي يمثل الحاجة الفعلية للحركة الاسلامية في مواجهة التحديات المعاصرة وذلك بان نفكر بالطريقة التي يفكر بها الناس ونطرح القضايا بالشكل الذي يطرحه الواقع، لان‏الفكر السابق كان تجليا لتجربة الواقع الذي عاش فيه؟ فقد لا يجوز كما يقول السؤال ان نفرض على واقعنا المعاصر نتائج مرحلة سابقة تختلف عن مرحلتنا في الشكل‏والمضمون من حيث الذهنية والمنهج والحركة والاسلوب.

او ان التجديد يفرض علينا تجديد المفاهيم التي استهلكت بفعل مرور الزمن وطرح المسائل المستحدثة التي لم يعالجها الفكر السابق لانها من مستجدات الواقع الجديدبحيث تبقى هيكلية الكيان الفكري على حالها؟ ان الجواب، عن هذا، هو ان الكيان الفكري يمثل المضمون الاسلامي الذي جاء به القرآن والسنة، كما يمثل اجتهادات المجتهدين في فهم النص.

وهو من جهة اخرى يشتمل على المفردات ((العنوانية)) والواقعية التي كانت تتحرك في الذهنية التاريخية في تلك المرحلة كما تشتمل على طريقة المعالجة والنقدوالتحليل.

وفي هذا السياق لا بد لنا من الابقاء على المضمون الاصيل الموجود في المصادر الاسلامية الرئيسة لانه يمثل ((القاعدة الاسلامية)) للفكر الاسلامي في عالم الاستنتاج‏والاستيحاء والاجتهاد، فنحن والاقدمون سواء في ضرورة التوفر عليه والانطلاق منه في نتاج الفكر والفقه والمنهج.

ولكن لا بد لنا في الوقت نفسه من النظرة اليه بشكل مستقل عن نظرة المجتهدين السابقين، لا بمعنى ان نطرح نظراتهم بالمطلق، بل بمعنى ان لا نتاثر في البداية ب‏آرائهم بل‏ان ندرسها كما لو لم تكن مدروسة قبلنا، لنتعرف عناصرها في الحركة الداخلية للنص، وفي الظروف المحيطة به، التي يمكن ان تترك تاثيرها على مفرداته ثم ندخل بعد ذلك‏في مقارنة مع الاراء الاخرى لنوازن بين الفهم الجديد والفهم القديم لانهما قد يلتقيان وقد يختلفان، وقد يتقاطعان في بعض الموارد لينفصلا في موارد اخرى.

ان الفكرة التجديدية لا تنطلق من انقلاب على الماضي، وثورة على مفاهيمه بل تنطلق من اعادة النظر فيه من اجل محاولة فهمه بطريقة منهجية جديدة لاختلاف قواعد فهم‏النص بين المنهج القديم والمنهج الحديث، مما قد يترك اثره على النتائج الفكرية.

وقد نلاحظ، في هذا المجال، انه من الضروري تكوين مجموعة من المفكرين من علماء الكلام والاصول والفقه والفلسفة وغيرهم من الذين يساهمون في الثقافة الاسلامية‏المعاصرة لدراسة المناهج، من حيث الشكل والمضمون، من اجل القيام بحركة تجديدية بطريقة علمية حديثة، لان ذلك سوف يؤدي الى طرح المطالب التجريدية، وابعادهاعن المنهج الدراسي، ومواجهة القضايا الجديدة الملحة والتنسيق بينها وبين القضايا القديمة التي تترك للزمن.

لقد مضى الوقت الذي كان يمكن فيه لشخص واحد القيام بهذا الجهد العلمي الكبير ليكون التطور خاضعا لكتاب يؤلفه هذا وفكر يبدعه ذاك، ليفرض نفسه على المدرسة‏الكلامية والاصولية والفقهية من موقع الحاجة الى شي‏ء جديد، من دون الدخول في عملية نقد للتجربة الجديدة لتكون مسالة الجديد في الدراسة مسالة صدفة خاضعة للمسالة‏الشخصية في قيمة هذا الشخص في الواقع الاسلامي بالدرجة التي يستطيع بها ان يفرض كتابه او رايه على الساحة العلمية.

ان تنوع المجتهدين والمفكرين، يؤدي الى التكامل في الافكار والمناهج والاساليب بحيث تنطلق الحركة التجديدية للكتاب وللمعالجة وللمنهج، من مواقع متعددة تجمع‏الجهات المختلفة لتبرمجها في برنامج واحد، وهذا هو الذي يفرض علينا عقد مؤتمرات علمية تملك حرية النقاش في كل شي‏ء بحيث لا يخاف احد من طرح فكره في فهم‏الاسلام في هذا الجانب او ذاك، فالملحوظ ان الواقع الذي يعيشه الفكر الاسلامي لا يزال خاضعا للفرد في حركته، كما لا يزال محكوما للجو السائد الذي قد يفرض مفاهيمه‏وتصوراته بالقوة مما يؤدي بالمفكرين الطليعيين الى الانكماش ومواجهة الموقف بطريقة التقية لانهم يخافون من ضغط الغوغاء العلمية ان صح التعبير كما يخافون من الغوغاءالشعبية.

ان المسالة المطروحة عندنا، هي اننا نعيش عصرا جديدا استطاع اختراق الكثير من مجاهل الطبيعة والواقع والفكر مما يفرض علينا مواكبته لندخل فيه ولنطرح مفاهيمنا في‏ساحاته، الامر الذي يقتضينا مواجهة قضاياه ومفاهيمه ومناهجه واساليبه، بالمستوى الذي نملك فيه الانفتاح على الحوار معه في كل ما نريد ان نطرحه عليه من قضاياناومفاهيمنا حتى يدخل الاسلام الى العصر دخول الفاتح الذي يفتح العقول والقلوب والساحات الثقافية والسياسية باسلوبه ومنهجه ومفردات مضمونه.

ان علينا ان نعرف ان الذهنية بمثابة اللغة في طريقة التفاهم، فاذا لم نملك ذهنية العصر في مفرداته واساليبه، فاننا لا نستطيع التفاهم معه، فلا بد لنا من ان نعيش حس المعاصرة‏لنتحسس فيه الجو والانسان والواقع.

وفي ضوء ذلك لا بد لنا من ان ناخذ بالجديد فيه ليكون في خدمة الاصالة لاننا نستهدف حماية الافكار الاصيلة بواسطة الاخذ بالوسائل الجديدة في الدعوة والحوار والحركة‏حتى لا تموت الاصالة تحت تاثير حركة التطور المعاصرة، بفعل ابقائها معزولة عن مواقع التحدي الكبير.

اننا ندعو الى تجديد علوم الكلام والفقه والاصول في مفرداتها الفكرية لانها كانت نتاج مرحلة سابقة، حتى اننا نواجه جدلا في العقائد لم يعد له مكان في الواقع الثقافي،ومفردات فقهية لم تعد موجودة في حياة الناس، وافكارا اصولية انطلقت في عالم التجريد بعيدا عن عالم الواقع.

وهكذا نجد انه من الضروري بحث الطريقة التي يتجدد بها خطاب الحركات الاسلامية التي استهلك الزمن الكثير من مفرداته، فلم يعد صالحا للدخول الى فكر الانسان المعاصربطريقته الاستهلاكية التقليدية، كما انه من الضروري البحث في النظام السياسي الاسلامي المعاصر في مشاكله وامكاناته وتطلعاته ووسائله لحل مشكلة الانسان.

ان علينا ملاحقة الواقع الاسلامي كله بالنقد والتحليل والمحاكمة بطريقة موضوعية علمية لنلاحق حركة التحديات المضادة في داخله وخارجه لنحتفظ للاسلام في حركته‏الصاعدة بالاصالة والواقعية والقوة والحركية المتجددة.

ان المسالة هي ان هناك حربا ثقافية وسياسية وامنية واقتصادية على الاسلام كله وعلى المسلمين كلهم، وان علينا ان نواجهها بالمزيد من تطوير امكانات القوة التي تجمع لناكل العناصر الضرورية في اقتحام المواقع الاخرى وفي الحفاظ على مواقعنا.

وتلك هي قاعدة المنطلق في حركة التجديد، ان ينطلق المفكرون الذين يعيشون عصرهم ليكونوا في الواجهة، وينكفى‏ء الذين لا يزالون يعيشون في عصور اخرى بعقليات‏جامدة لان القضية هي ان يستمر الاسلام في مخاطبة الناس على قدر عقولهم، كما جاء في الحديث الشريف.

ان البعض يخاف على نقاء الاصالة من التجديد، ولذلك يرفض كل جديد على هذا الاساس، ولكننا نعتقد ان التجديد العلمي المسؤول والمدروس بشكل دقيق يمثل القاعدة‏الصلبة التي تحمي الافكار الاصيلة من السقوط امام الهجمات الشرسة التي يوجهها الاستكبار العالمي والكفر العالمي للاسلام والمسلمين.

وآخر دعوانا ان الحمد للّه رب العالمين

التيار الاستردادي الفلسفي المصري

 ودراسة الشيعة الامامية الاثنى عشرية

(د. علي سامي النشار د. احمد محمود صبحي) د. زهير غزاوي

مدخل الى البحث هل يمتلك اطلاق الصفة الاقليمية على البحث العلمي مشروعيته اذا كنا نود صياغة محاولة لدراسة المنهج؟ تنوعت الاراء، ولكنها تتفق بشكل عام على ان القطر المصري تمكن من الاتصال بالحضارة الاوروبية بشكل مبكر، ربما بسبب ظروف تاريخية يعتقد بعضهم ان الاحتلال‏الفرنسي بدايتها، وان لهذا الاحتلال جانبه الايجابي الذي ادى الى الاحتكاك بمستشرقين والى توفر مطابع للكتب وذهاب بعثات علمية الى فرنسا. كل ذلك ادى، في بعض‏جوانبه، الى بروز حركة ترجمة نشطة منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي.

في المقابل، فقد تاثرت الموجة الصاعدة للبحث التاريخي في هذا القطر بمجموعة العوامل التي اشرنا اليها مجتمعة ومنفردة، ما ادى الى رسوخ نزعة استعلائية ميزت بعض‏الباحثين المصريين تجاه مدارس البحث العربية الاخرى من جهة، ومن جهة اخرى، ترسخ لدى هؤلاء اتجاه بالمقدرة على فرض وجهات النظر الشخصية خاصة في الابحاث‏التي تتعلق بالتراث العربي والاسلامي على انها حقائق علمية لم يتوصل اليها غيرهم.

لقد كان لهذا الاستعلاء ان يسم التيارات التي ينتمي اليها هؤلاء الباحثون بافتقاد البحث الدؤوب عن المراجع الضرورية للاحاطة بكافة جوانب القضايا موضع البحث، فغلب‏على نتاجاتهم طابع الاستسهال واطلاق احكام القيمة المتعسفة رغم ادعاءات الحياد العلمي المبثوثة هنا وهناك في زوايا الكتب المنشورة عبر مؤسسات الابحاث، وكانت‏كبيرة العدد حقا بما لا يقاس من ناحية الكم مع نتاجات المؤسسات العربية مجتمعة.

كان للاستشراق الاوروبي تاثيره الحاسم على المنهج لدى العدد الاكبر من هؤلاء الباحثين، ما ادى بالمقابل الى بروز التاثير السلفي البالغ التعصب على القسم الاخر منهم‏وخاصة ممن ظل على التصاقه بالمؤسسة الازهرية التي اعتبرت نفسها دوما خارج مجال النقد، والمرجع الديني الوحيد في العالم الاسلامي.

هكذا يمكن القول ان تلك التيارات من البحث، في التراث الاسلامي اصطبغت بسمة طاغية يمكن ان يطلق عليها مصطلح ((الشطارة)) او ((الفهلوة)) ويتصف ((الفهلوي)) عادة‏بشعوره بالقدرة على ارضاء الجميع وخداعهم في آن معا، مع الحفاظ على خط سيره نحو الهدف الذي حدده لنفسه ضمن نزعته الاستعلائية ونظرته الى الاخر على انه كائن‏مؤهل للانخداع والتصديق والتبعية.

اما في مجال البحوث التراثية الاسلامية فيتصف ((الفهلوي)) باسلوب في المضمون يتجه الى محاولة ارضاء جميع المذاهب، ورغم ان ذلك لا يعني انه لا يدرك الحقيقة احيانا،لكنه غالبا ما يتجاهلها، فنحن نلمس انه يشير اليها بوسائل الاشارة المختلفة هنا وهناك، بما يجعله يقع في التناقض في المسار المنطقي لمجتمل النص الداخلي، حتى ان هذاالتناقض يبدو احيانا في الصفحة الواحدة.

يتصف المصريون المسلمون بمحبتهم الكبيرة للامام الحسين بن علي (رض) وللسيدة زينب (رض) بسبب اتصال لا شعوري بالتراث الفاطمي القديم، هذه المحبة تنسحب‏ايضا على الامام علي بن ابي طالب(رض) والسيدة فاطمة الزهراء(رض). وظل الوجدان الشعبي في مصر ملتصقا بمقام الحسين وزينب خاصة، الى درجة ان الدكتور النشاريصف ابا سفيان بالزندقة، رغم ان معظم السنة يصفونه بالذي حسن اسلامه، ويقول:

((كان ابو سفيان زنديقا ممن يؤمنون بالمجوسية والفارسية، ولعله راى بعينه الغادرة ان هذه‏فرصة نادرة لالقاء بذور الفتنة بين المسلمين))((50)). والمقصود بالفرصة النادرة حادثة السقيفة. وعادة ما نجد وصفا لمعاوية ابنه يصل الى الشتيمة حين يطلق عليه ((لقب‏الطليق))، ومعروف ان طوائف من السنة يمنحونه لقب (رضي اللّه عنه). ومن الجهة المقابلة نجد الباحثين المصريين جميعا لا يقبلون مجرد نقد عابر يتعلق بالخليفتين الاول‏والثاني، فهما (كما سنرى) يصلان في مدرسة البحث الاسلامي التاريخي المصري الى درجة العصمة.

في المجال التطبيقي، نشير الى نماذج من البحوث التي تميز المدرسة المصرية، يمكن الرجوع اليها. فقد كتب طه حسين بحثه الشهير في الادب الجاهلي متاثرا بمدرسة‏الاستشراق في منهج النفي المطلق، وعندما ثارت ضجة كبيرة في مصر عليه، عاد فكتب مجموعة من البحوث الارضائية للجميع، على مثال:

الفتنة الكبرى، على هامش‏السيرة، والتي يمكن ان نلمس فيها سمات هذه المدرسة في كل شي‏ء وهذه السمات هي:

التوفيقية، قلة المصادر، الراي الشخصي العاطفي، الشحنة الوجدانية في محبة الرسول‏وآل بيته وايراد الكثير عنهم مما لا يؤمن به الباحث نفسه بكل تاكيد.

كتب الباحث احمد امين اسلامياته الشهيرة (فجر الاسلام، ضحى الاسلام، ظهر الاسلام)، وبعيدا عن الاراء المتعسفة والاستعلائية المتضمنة في بحوثه حول الفرق الاسلامية،فقد ادلى الاستاذ الراحل باعترافين مهمين للصحافة، اولهما: قلة المراجع العلمية لديه عند كتابة البحث وخاصة حول التشيع، وثانيهما ان الشيعة حاولوا اغتياله عندما زارالنجف الاشرف بسبب ما كتبه عنهم (وهذا ما لم يحدث مطلقا) سعيا الى اثارة التعاطف، ليس مع شخصه ((الفهلوي)) فحسب بل ومع المضامين الواردة في كتبه، وخاصة عن‏التشيع، ما ادى فعلا الى ان يكون كتابه، ((ضحى الاسلام)) الجزء الثالث، المصدر الرئيسي لدراسة الفرق في كثير من الجامعات العربية، وتحديدا في مرحلة الصعود النهضوي‏العربي والاسلامي في الاربعينات والخمسينات والستينات من هذا القرن.

اما في الجانب السلفي، فقد جاءت مساهمة الازهر بشخص الشيخ الراحل محمد ابو زهرة بعدة بحوث اهمها كتاباه:

((الامام جعفر الصادق)) و ((محاضرات في النصرانية)).ولكي ندلل على الاهمية العلمية والتبشيرية لهذين الكتابين نقول:

ان الكنائس المسيحية الشرقية قامت بطباعة كتاب المحاضرات وتوزيعه، لانه يقدم خدمة جليلة للنصرانية‏بسبب تهافت البحث العلمي لدى الشيخ ابو زهرة وانعدام الموضوعية وسيادة الراي الشخصي المتعسف. ومثل ذلك ينطبق على الكتاب الاول عن المذهب الجعفري، الذي‏كتب في ظلال فتوى الازهر بجواز التعبد الاسلامي بمذهب الامام الصادق. هذا الكتاب الذي يستحق وقفة منفردة معه لاهميته.

دراسة في المنهج هذا البحث سيكرس لتحليل تيارين هامين في دراسة التراث الاسلامي يمثلهما الدكتور علي سامي النشار وتلميذه الدكتور احمد محمود صبحي. والكاتبان غنيان عن‏التعريف خاصة في مجال البحوث الفلسفية والتراثية الاسلامية، وسوف نتناول كتابيهما ((نشاة الفكر الفلسفي في الاسلام، نشاة التشيع وتطوره)) و ((نظرية الامامة لدى الشيعة‏الاثني عشرية، تحليل فلسفي للعقيدة)) بادئين بالقاء الضوء على بعض المصطلحات المستخدمة مما قاما بتعريفه في مقدمتي الكتابين عن المنهج العلمي الذي قاما باجراءدراستيهما على اساسه. والواقع انه من ضمن اهداف هذه الدراسة المتعددة، بحث في مقدار التطابق العلمي بين ما قالاه عن التزامهما بمنهج البحث وبين المسار المنطقي للبحث‏نفسه وجوانبه المختلفة. وفي هذا المجال لا بد من الاشارة الى مصطلح ((الغنوصية)) المستخدم لدى الدكتور النشار كثيرا في توصيفه لتطور الشيعة الامامية والتاثيرات الاجنبية‏عليها.

تعريف بالمناهج 1- المنهج التجريبي الاختباري: يذكر الدكتور النشار انه يلتزم بالمنهج التجريبي الاختباري الذي يطلق عليه عادة ((المنهج الاستردادي)). ويعتمد هذا المنهج العلمي في‏البحث على تحليل الوثائق المتاحة حول موضوع ما، بما في ذلك اجراء عملية نقدية خارجية، وذلك يعني دراسة الاسناد وصحة الوثيقة واتصال النقل ومصداقيته عن المصدرالاصلي، واذا كانت الوثيقة تتعلق بحدث تاريخي جرى عليه الاجماع بين المؤرخين، او وردت التقاطعات في مصادر تاريخية مختلفة.

يتضمن هذا المنهج، في ما يتضمنه، دراسة نقدية داخلية للنص نفسه واعادته الى عصره، بما يعني بحثا في المعاصرة والبنية والنسق الداخلي للنص وانسجامه، للدلالة على‏وحدة عضوية تدل على وحدة المرجعية بالنسبة للقائل او المرحلة التاريخية مع انعدام التناقض. لكن التجريبية تعني في ما تعنيه ايضا ان جميع انواع المعرفة مستقاة من‏الخبرة((51)). وهي تختلف عمليا عن العقلية او الفلسفة العقلية التي تعتمد على المدركات القبلية غير المستمدة من الخبرة((52)) .فالحقائق الضرورية تحليلية، مع انكارقدرة العقل على ان يضمن لنا صدق عبارة تركيبية. ذلك ان التجريبية ترتبط بالخبرة ومعطيات الحواس مباشرة. مع الفصل بين المسائل المنطقية والمسائل النفسية كالعواطف‏مثلا. فالتجريبية الحديثة مذهب يقوم على الملاحظة والتحليل والتركيب، وهو معاد للميتافيزيقا الى حد كبير. ويزعم التجريبيون عادة ان طريقتهم هي الاسلم لتطبيقها في‏الدراسات التاريخية.

2- البحث الفلسفي: وهو ما يلتزمه الدكتور احمد صبحي في دراسته للتراث الاسلامي في اطار الحل الممكن عندما تتساوى الاحتمالات في صحة النصوص المتاحة. ذلك‏ان عقيدة الشيعة الامامية (كما يقول المؤلف) تشتمل على الكثير من الخرافات والغيبيات، ولا مناص من قالب البحث الفلسفي لتفسير هذه الغيبيات، بنقلها من قلوب المعتنقين‏ووضعها في الاطار الوحيد الذي يمكن مناقشتها فيه، وهو الفلسفة((53)) .

اما ماذا يقصد بالبحث الفلسفي تحديدا، فتلك اشكالية لا يمكن الاحاطة بها في تعريف موجز، لان الفلسفة ترتبط بنظرية المعرفة، وجهد الانسان منذ فجر التاريخ للاجابة عن‏الاسئلة المؤرقة التي تعترض وجوده، وقد اصبح لكل ظاهرة في هذا الكون فلسفتها المختصة بها، بما في ذلك فلسفات التاريخ والعلوم.