الصفحة التالية

الصفحة السابقة

3- الغنوصية او الغنوسطية: وهي مشتقة من اليونانية (معرفة او عرفان) ويمكن ان تترجم بالعرفانية. وهي عمليا نزعة دينية فلسفية صوفية، وسميت بهذا الاسم لان شعارها هوان بداية الكمال هي معرفة او ((غنوص)) الانسان، اما معرفة اللّه فهي الغاية والنهاية، واهتمام الغنوصيين يتمثل بالوصول الى الكمال، ويمكن الوصول الى الكمال بواسطة‏العرفان. ويبدا هذا العرفان متدرجا من الانسان الى عرفان اللّه سبحانه وصولا الى النجاة والخلاص لان اللّه هو الانسان، وهكذا فان اساس ((الغنوص)) هو معرفة الانسان بنفسه،بوصفه لها، وهذه المعرفة تؤدي بالمحصلة الاخيرة الى نجاة الانسان.

تتسم الغنوصية بثلاث خصائص رئيسية:

الاولى: ما يعرف بالخلاص، او النجاة، بوصفه معرفة الانسان بذاته متحدا بالالوهية اتحادا جوهريا.

الثانية: ما يعرف بالثنوية، وهي تعني ثنائية العالم بين الخير والشر، النور والظلمة (وهي كما يبدو مشتقة من العقيدة الزرادشتية تبعا للوثائق المكتشفة عن هذا المذهب في نجع‏حمادي بمصر وكذلك في مخطوطات قمران).. اما الانسان فانه ثنائية الروح والنفس.. الروح والمادة.

الثالثة: تجلي الالوهية من خلال صاحب وحي، نبيا رسولا كان ام مخلصا للبشرية.

يعد الباحثون الغنوصية مذهبا توفيقيا ومزيجا من افكار دينية متباينة الاصول، وانها نزعة قائمة بذاتها لا اصول لها، فيها يتجلى فهم جديد تماما للعالم ولمعرفة الانسان لنفسه‏تنحو الى انتزاع الصفة الدنيوية عن العالم، وانها دين عالمي واسقاط اسطوري لتجربة الذات، والاتصال المباشر بالالوهية في طقوس واديان واسرار، وانها طريقة التفكير والنظروالتركيب واكتناه الباطن، وانها وليدة تزاوج المسيحية وحركات روحية من اديان مختلفة كاليهودية والفلسفة اليونانية الهلينية والايرانية. ويقولون ان ادراك سر الانسان ليس‏من شان الجاهل واللاصق بالارض ولا اولئك الذين لا يعرفون الا النفس ولا العميان بالطبيعة، بل هو من شان اولئك الذين يملكون الروح، والذين هم ارواح والذين وصلوا الى‏مرتبة الكمال، صفوة الانسانية والعالم، وتكون المرتبة العليا للغنوصية هي الوحي.

تتمثل المعاني الاساسية للغنوصية بما يلي((54)) 1- الثنوية: وهي الروح والمادة، وتجري احداث الكون حسب ما بينهما من تعارض، فاذا غلبت المادة كان الشر، واذا غلبت الروح كان الخير.. صدورات الروح تعمل على مل‏ءالهوة بين الروح والمادة، وتشخصات الروح تسمى الايونات، نماذج ومثل العالم اللامتناهي في صورة مشخصة.

2- الصانع: وهو المصطلح البديل للخالق، فهو صانع العالم (اللّه). وهذه فكرة تبناها افلاطون.

3- العرفان: ويتم من خلال الجماعة والالهام وليس بالتعلم، وعن طريق الطقوس الاحتفالية، اتحاد الانسان باللّه هو العرفان، ومعرفة الحقائق الباطنية والتمييز بين الخيروالشر.

4- الخلاص: وهو ما يتمخض عنه الصراع بين النور والظلمة في العالم، ولا بد للانسان من خلاص بالنجاة من العالم المادي الظلماني ذي الطبع الشرير واللوذ بعالم آخر يتحررفيه الانسان من الظلمة والمادة، وهو ما تستطيعه الصفوة من البشر فقط.

اهم شخصيات الغنوصية المعروفة، من خلال كتبها، سيمون الساحر، وينسب الى مدينة السامرة، قرب نابلس في فلسطين، والمنسوب تاريخيا الى عهد المكابيين الذين وردتعريفهم في العهد القديم.

مدى انطباق منهج البحث على واقعه من خلال دراسة متانية للكتابين المشار اليهما يلمس القارى‏ء وحدة المنهج (ولا بد من ان يكون هناك منهج على اي حال) فيهما معا. فهما عمليا لا يختلفان مطلقا عن كل‏الدراسات التي وضعت للرد على الشيعة والتي بدات منذ زمن بعيد، ولعل ابرز دليل على ذلك هو كونهما في غالبية ما ورد فيهما مجرد عرض مقارن للنصوص التي كتبهامؤلفون منسوبون الى التشيع وردود مؤلفين منسوبين الى السنة والجماعة، وقد احتل ابن تيمية مكانا بارزا الى درجة تثير الاستغراب باعتباره ممثلا للسنة والجماعة، رغم اتهام‏المؤلفين له بالتطرف في العداء.. تتردد في السياق مجموعة من الاسماء التي اتسمت بعدائها الشديد للتشيع الى درجة السخرية، على مثال غلام ميرزا محمد في كتابه الذي‏تبدو السخرية من عنوانه: ((التحفة الاثني عشرية)) والشهرستاني في ((الملل والنحل))، والبغدادي في ((الفرق بين الفرق)) والمستشرق غولدتسيهر الغني عن التعريف في كتابه((العقيدة والشريعة)) ثم آراء الدكتورين الباحثين البعيدة عن الحياد (رغم انهما يؤكدان حيادهما)، واخيرا غياب التعريف بالمصطلحات الفلسفية للكثير من العناصر موضع‏البحث، وعلى وجه التحديد ولكونهما في مواجهة بحث مقارن تعريف ماهية السنة والجماعة او ماذا يقصد الباحثان من هذا المصطلح المثير للجدل.

وحتى لا نغرق في المقولات المجردة نبدا قراءة البحثين من الخاتمة المفترض انها تلخيص مكثف لهما. يقول الدكتور احمد صبحي: ((ان الشيعي في العصر الحديث اصبح‏يعاني من الانفصام بين عقيدته المذهبية وبين ثقافته العصرية، اذ كيف يوفق بين الاراء الديمقراطية الحديثة وبين الاعتقاد بالنص وافكار الاختيار، وكيف يستسيغ هذه‏الخرافات والغيبيات التي تتخلل في ثنايا المذهب، ولن يجد الشيعي نفسه الا امام احد موقفين: اولهما ان يبقى على التناقض. وثانيهما ان يخرج من الاسلام طالما يعتبرالتشيع هو الاسلام بادعائه التحرر العقلي.

ان كلا الموقفين خطا، وعلى عاتق علماء الدين تقع المسؤولية، فحري بهؤلاء العلماء (جميعهم) ان يخلصوا المذهب مما شابه من اساطير بالتزامهم بفكرتين: اولاهما ادراك‏المغزى الحقيقي لما تنطوي عليه عقائدهم من عداء ملحوظ وبغض دفين لمخالفيهم، ثانيتهما ان يقوم مجتهدو الشيعة بحركة جماعية لاستبعاد ما نسب الى الائمة خطا وكذبابالالتزام بمنهج علمي قائم على النقد الظاهري والباطني للنصوص المنسوبة اليهم، ذلك ان عقائد الاقلية المضطهدة التي خلقتها الظروف لتوحيد الفكر الشيعي استندت الى مانسب الى الائمة زورا. ولكن ليس المطلوب من الشيعة ان يعتنقوا المذهب الاشعري، وانما عليهم ان يعودوا الى الاصول الفقهية والنصوص الخالصة التي لا تشوبها شائبة))).

((55)) الدكتور سامي النشار، في ختام بحثه في الشيعة ويقول الاثني عشرية ما يلي، ملخصا: ((ان اعتبار الامامة جزءا من العقيدة اثار ضجة في العالم الاسلامي، فقد راع‏علماء السنة ان يضاف الى الاسلام اصل لم يرد به اطلاقا من قبل، بل انهم (اي علماء السنة) فتشوا في آراء السلف فلم يجدوا له اصلا، وليس في العقيدة الاسلامية ما يجعل‏الامامة جزءا منها، ولو كانت كذلك، فهل يقبل الامام علي بن ابي طالب ان يعيش بعقيدة ناقصة، وقد يقول الشيعة انه اتخذ التقية في عهد الشيخين.

وهذا مرفوض قطعا، لان‏الامام عليا يابى الذل والتقية في العقيدة!! لقد انتهى لعن علي على المنابر فلماذا يصر الشيعة على لعن الشيخين؟؟ وقد يتساءل الانسان: فيم هذا كله؟ وما الذي اثار الشيعة‏الامامية للقول بعصمة الامام ودفعهم الى الدفاع عنها وبحثها كلاميا وفقهيا؟ ان السنة تنسب العصمة للاجماع استنادا الى الحديث النبوي ((لا تجتمع امتي على خطا)) بمعنى عصمة الامة، بينما يقول الشيعة بعصمة الامام لانه حامل العلم الالهي ((وارث‏النور المحمدي والقائم بالحق)). وهنا نرى مدخل (الغنوصية) في مصدرها الافلوطني المحدث، فالامام مصدر الاحكام وله وحده مطلق التصرف في رقاب المسلمين وتحديدالحلال والحرام.

وفي اثناء الغيبة الكبرى فاي اصل يعود اليه الشيعة اذن للحكم والافتاء؟؟ ان الشيعة استحدثوا اصلا فقهيا غريبا هو: كل ما خالف السنة والجمهور فهو رشاد،وما اعجب هذا الاصل!! ان فكرة المهدي هي فكرة يهودية تتصل بقول اليهود بعودة ايلياء، وربما هي فكرة مختلطة زرادشتية مسيحية ويهودية كما عبر عنه غولدتسيهر.

ان الضمير القلق هو الذي ابدع فكرة المهدي. ابدعها من لا شي‏ء وبدون استناد الى اي من النصوص، بل هي من بقايا اليهود في العالم الاسلامي، ادخلوها في التشيع اضراماللعداوات المتاججة بين المسلمين وعززوها بالحجج والبراهين..))((56)) .

من خلال نظرة فاحصة الى النصوص السالفة تتبدى دلالة واضحة عن مدى الحياد العلمي للباحثين، فلن يجد القارى‏ء كبير اختلاف في النتائج عما وصل اليه اعداء الشيعة منذكتاب سيف بن عمر ((الفتوح الكبير والردة)) الذي كتب في منتصف القرن الثاني الهجري، مرورا بالشهرستاني وابن تيمية وصولا الى محمد بن عبد الوهاب ومدرسته السلفية‏الشهيرة. فما الذي اضافه المؤلفان من جديد في مجال دراسة التشيع تجريبيا او فلسفيا؟ بماذا يختلف مضمون الاقوال الواردة في الخواتم في التشيع عن كل ما كتبه‏المستشرقون في اسلوبهم البحثي المتسم بصيغة منهج (النفي المطلق) في تعاملهم بحثيا مع الاسلام والايديولوجيا الاسلامية برمتها؟ ولعلنا نرجح ان هؤلاء كانوا اكثر منهجية‏علمية (نسبيا) من المؤلفين: النشار، وصبحي.

هل ينسجم البحثان مع مقدماتهما حول التجريبية مثلا؟ نحن نجد تساؤلات واحكام قيمة واتهامات، ومقترحات توحيدية للسنة والشيعة والكثير من التناقض والبعد عن‏الحياد، وتلك النظرة السطحية الساذجة الى الايديولوجيا الاسلامية وتطورها تاريخيا من خلال النشوء الفلسفي الكلامي.. حتى ان الالتزام بمناقشة النصوص التاريخية بما في‏ذلك احاديث الرسول محمد(ص) لم يجر التقيد به الا في اتجاه واحد، واعني الاحاديث المؤيدة للتشيع، بينما تركت نصوص بالغة الاهمية وفيها الكثير مما يستحق النقد في‏الصحاح المعتمدة وكتب التاريخ والعقائد المتاحة في الجانب الاخر، بما في ذلك نقد المراجع.

يوحي الكتابان للقارى‏ء انهما مجرد اضافة عادية للمدرسة المصرية في البحث التاريخي العقائدي بكل ما فيها من تحيز وعاطفة طاغية بعيدة عن العلم والحياد العلمي‏ممتزجة بعناصر ((فهلوية))((57)) .يقصد بها رشوة القارى‏ء في الاطراف المختلفة، كما وجدنا عند النشار قبلا في وصفه للامام على بما يصفه به الشيعة واعني (عليه السلام)بدلا من رضي اللّه عنه، كما اعتاد السنة ان يفعلوا.. لكل ذلك لا نستطيع اطلاق صفة ((البحث المقارن)) عليهما، ذلك ان المراجع التي استقى منها المؤلفان، وهي: راي السنة‏والجماعة، تحتاج بذاتها الى الكثير من التمحيص النقدي التجريبي، والذي لم يقم به الباحثان الا نادرا امام الاراء البالغة التعسف وغير القابلة للايراد دون ابداءملاحظات.

تحليل المنهج من خلال استعراض منهجي يمكن فرز مجموعة من العناصر التي سادت الكتابين، وهي:

1- منهج النفي: وهو ما اتصف به المستشرقون في بحوثهم الاسلامية، ويستتبع ذلك اطلاق الاتهامات ورفض كل النصوص التي تخالف ما يعتقده المؤلفان وتكون صلب‏الادلة الشيعية.

2- الفصل المتعسف: ويعني فصل الائمة الاثني عشر عن شيعتهم، بما يوحي بان المذهب كان مجرد مجموعة من العقائد التي وضعها مجهولون ونسبوها الى الائمة.

3- نظرية المهدية: وتتضمن الالتزام الكامل ب‏آراء المستشرقين المتطرفة من جهة، واطلاق حكم قيمة لا يخرج عن وصفها بالخرافة والغيبية الخ، من جهة اخرى.

4- نظرية عبداللّه بن سبا: تقديم هذه الاشكالية بطريقة تدفع الى اثارة الشكوك في اصل نشوء التشيع.

5- اغفال المراجع المهمة خاصة في الجانب الشيعي والتي شكلت تفسيرات غنية للتشيع، وبالمقابل تقديم نظرية ((السنة)) من خلال مراجع ليست فوق مستوى‏الشبهات.

1- منهج النفي يتفق المؤلفان كلاهما على نفي نشوء التشيع في المرحلة التي تشمل الائمة الخمسة الاوائل، وهم: علي، الحسن، الحسين، علي بن الحسين، (زين العابدين)، محمد بن علي(الباقر) باتفاق مع راي لغولدتسيهر يقول: ان الشيعة مجرد فرقة اسلامية، لانها اختلفت مع جمهرة المسلمين في مسالة الاجماع((58))فالشيعة هي الطائفة التي تشيعت لعلي‏خاصة وافردت الامامة له ولمن بعده من بنيه فخرجت على اجماع المسلمين، وهكذا خلقت التقابل الحاسم بينها وبين الاجماع.

هكذا، ومنذ البداية، نرى التشوش في البحث في المسالتين الاكثر اهمية: ((الاجماع)) و ((نشوء التشيع))، ((فالاحاديث الواردة على لسان النبي(ص) لا تدل على ان لعلي شيعة‏في زمن الرسول وان لفظ الشيعة اهمل بعد ان تمت الخلافة لابي بكر وصار المسلمون فرقة واحدة، فالحوادث التي تمت في عهد الرسول لا تتخذ بداية للتشيع بما في ذلك‏حادثة غدير خم (مع افتراض صحة كل ما ورد فيها حسب رواية الشيعة) لا تدل على ان من شاهدها وآمن بها كان شيعة لعلي والا لكان عمر، وهو المنسوب اليه انه هنا عليا اذاصبح مولى كل مؤمن ومؤمنة، من الشيعة، وهذا ما لم يذهب اليه احد وارجاع التشيع الى عهد الرسول محاولة من جانب الشيعة لنقض دعوى خصومهم)) .

ويتابع صبحي ((فاذااعتبر هؤلاء عمارا وسلمان، وهم انصار علي المتحمسون، شيعة، فان في ذلك تعسفا، لانهم لم يؤمنوا بالعقائد المعروفة لدى الشيعة في الامامة والرجعة والبداء، تلك العقائد التي‏وضحت في الادوار الاخيرة من التشيع بما في ذلك دخول العقائد الغنوصية في الزهد او ظهور علم الكلام الشيعي لدى هشام بن الحكم))((59)) .

ويؤكد النشار ان اليعقوبي، وهو مؤرخ شيعي، لم يذكر كلمة شيعة على الاطلاق، ومثله المسعودي صاحب مروج الذهب.

الذي يقول: ((فالواقع ان اناسا غضبوا بعد استلام ابي‏بكر وعمر الخلافة، ولكنهم لم يلبثوا ان ساروا في ركب الخليفة فعملوا له في كل نواحي الحياة، وذلك حين سار الخليفة على السنة النبوية. اما عثمان فقد اجمع عليه المسلمون‏واجتهد فاصاب واخطا.. اما بدء التبشير بولاية علي فقد وردت لدى اليعقوبي في تاريخه (وان كنت اشك في هذا) فهو اول نص صريح يذكره صحابي)) ، ويتابع النشار قائلا:((يذهب ابن النديم انه لما خالف طلحة والزبير عليا وحاربهما فسمى اتباعه بالشيعة وكان يقول شيعتي، (ولكني ارى في كلام ابن النديم وهو شيعي بعض الغلو) وحتى حينمااختلف علي ومعاوية لم تظهر كلمة شيعة منسوبة اليه.. ولم تظهر كلمة شيعة الا حينما توفي الحسين..

كان المسلمون مختلفين فقط حول اشخاص وليسوا سنة او شيعة ولم‏تظهر فكرة الوصاية والامامة فكريا او سياسيا الا بعد مقتل الحسين، وقد سمى ابو خلف القمي اربعة من الشيعة للامام علي وهم: المقداد، ابو ذر، سلمان، عمار بن ياسر))((60)).

يسير المؤلفان، الاستاذ وتلميذه الذي جعل من بحثه رسالته لنيل الدكتوراه في الفلسفة، على خطين متوازيين في قسر حوادث التاريخ بمزاج تعصبي لا يختلف كثيرا عن‏المحاولات السابقة لمحاربة التشيع، في سبيل خدمة الفكرة التي وضعت سلفا، وهي نفي التشيع نهائيا. ببساطة تبدو دراما التاريخ الاسلامي مجرد صراع بين اشخاص على‏السلطة كما راينا، لم تسندها اي افكار او احاديث نبوية.. مجرد ((اناس غضبوا بعد استلام ابي بكر وعمر الخلافة)).

لا يتفق المذهب التجريبي (الاستردادي)، او المذهب الفلسفي في البحث، مع مجموعة الاسئلة الساذجة التي يطلقها الكاتبان هنا وهناك.. ((لقد انتهى لعن علي على المنابرفلماذا يصر الشيعة على لعن الشيخين؟))((61)) او ((لقد راى الشيعة في صلح الحسن مع معاوية استجابة لنبوءة الامام علي للحسن ولكن.. لو كان علي يعلم ان معاوية سيملك‏الارض تحت قدميه، فما المبرر لسفك الدماء؟ ولماذا حرص ان يوصي اصحابه بمواصلة الحرب؟))((62)) .

او كما يتساءل الدكتور صبحي قائلا: ((كيف يزعم من اوتي مسكة من عقل ان اصحاب رسول اللّه، مع انهم بذلوا مهجهم وذخائرهم وقتلوا اقاربهم وعشائرهم في نصرة رسول‏اللّه واقامة شريعته والانقياد لامره واتباعه، كيف يزعم انهم يمكن ان يخالفوه قبل ان يدفنوه مع وجود النصوص القطعية في امامة علي؟))((63)) .

التجريبية، او الفلسفية، في البحث العلمي لا تسبغ العصمة على احد، فكل الناس سواسية امام نقد النصوص والبحث عن صياغة نظرية معرفية للتراث الاسلامي.. ولكن‏المؤلفين يبدآن سلفا باسباغ العصمة على الصحابة جميعا((64)) بدءا من نفي التشيع في المراحل المبكرة وجعله من ابتداع المتاخرين بعد الصادق(رض) بما في ذلك اقرارالتاثيرات الاجنبية المتعددة، ثم الادعاء بان الصحابة لا يمكن ان يخالفوا الرسول ابدا.

تلك الطريقة في البحث تحمل خطورتها من ناحية انها تسي‏ء الى الاسلام نفسه، فقد اعترف الرسول(ص) بانه ((تنقسم امتي الى بضع وسبعين فرقة جميعها في النار الاواحدة)). وقد غادر الدنيا حزينا مقهورا باعتراف الجميع، ومنهم الكاتبان عندما اثبتا حديث كتاب النبي ساعة الموت عن رواية للبخاري وصلت الى درجة التواتر((65))2126).والمعروف ان الصحابة خالفوا الرسول لحظة موته عندما رفضوا ان يمدوه بدواة وقلم ليكتب كتابا لن يضلوا بعده ابدا.

ولكن، لماذا ينفي المؤلفان الخلاف الحاد على ولاية علي بعيد رحيل الرسول(ص) عن هذه الدنيا ما ادى الى نشوء التشيع؟ ولماذا يجعلانها مجرد خلافات بين اشخاص‏وليست من صلب العقيدة؟ ان اقرب التفاسير للصحة هو سعيهما الى جعل بروز التشيع فعلا من افعال القرن الثاني الهجري، وهو عصر نشوء علم الكلام، وبذلك يبعدانه عن الايديولوجيا الاسلامية ليصبح‏نباتا بلا جذور، ويجعلانه من ارهاصات العقائد اليهودية والمسيحية والزرادشتية (وسنرى ذلك جليا عند دراسة نظرية المهدي).

والا لماذا يرفض المؤلفان كل حديث يستشم‏منه نشوء التشيع المبكر او يشككان فيه، حتى انهما يرفضان اي حديث يجعل من الامامة نصا دينيا عندما يقول النشار: ((لقد راع علماء المسلمين! ان يضاف الى الاسلام اصل‏لم يرد به مطلقا)). ان التجريبية لا تتسق مع استخدام مصطلح الاجماع مثلا، فهل كان المسلمون مجمعين على خلافة ابي بكر او عمر او عثمان؟ او حتى هل اجمع المسلمون‏فقهيا على معظم قضايا الخلاف؟.

والواقع ان باقي الشيعة ناقشوا كل هذه الامور في كتبهم الهائلة العدد، والتي استخدم المؤلفان عددا قليلا منها واهملا الكثير المهم بطريقة الاصطفاء التعسفي.

الاتهام طريقة من طرق النفي ان اية دراسة تجريبية فلسفية مقارنة لا تنسجم مع اطلاق الاتهامات والاحكام المتعسفة دون ايراد الدليل الخاضع بذاته للنقد الظاهري والباطني (تجريبيا) او المنسجم مع‏استنباط نظرية معرفية من خلال الادلة (فلسفيا)، فهل كان المؤلفان امينين لمذهبيهما في دراستهما للتراث الاسلامي؟ اولا: يمتلى‏ء البحثان بمجموعة ضخمة من الاتهامات التي لا تعبر الا عن راي المؤلفين، ولم يوردا لها اي دليل تاريخي.

يقول النشار، مثلا: ان الشيعة تلعن ابا بكر وعمر حتى‏بعد انتهاء لعن علي على المنابر، فهل هناك نصوص مكرسة لهذا اللعن حديثا على الاقل؟ ثانيا: يتهم النشار الشيعة بالكذب، حين يقول: لقد حمل الشيعة عليا ما يطيق وما لا يطيق من احاديث تؤيد وجهة نظرهم:

الولاية والعصمة والوراثة وتاليف الجفر ومصحف‏فاطمة وادعاء المهدية الخ.. وعددوا له من الكرامات والمعجزات التي ترفعه الى مرتبة الانبياء((66)) .

ثالثا: اتهام الشيعة (جميعا) بالغلو، فلا تفريق بين شيعة وشيعة، اضافة الى الاتهام بالتعصب والحقد على باقي الطوائف وخاصة السنة.

رابعا: اتهام التشيع بالغنوصية والمسيحية والهندية والفارسية.

خامسا: اتهام الشيعة بانهم صنعوا فكر جعفر الصادق كله ونسبوه اليه((67)) .

سادسا: اتهام تلاميذ جعفر الصادق بتشويه الاسلام، خاصة هشام بن الحكم، رغم انه لم يثبت عنه اي كتاب منسوب اليه، وكل ما ورد عنه جاء من خلال كتب اعداء الشيعة،ويقول النشار:

((اجمع مؤرخو الفكر الاسلامي القدامى جميعا ان هشام بن الحكم قال ان اللّه جسم وانه يشبه شيئا ما))((68)) .ومعروف ان الامام الصادق مدح هشاما كثيرا وان‏الشيخ المفيد نفى عنه ما اتهم به((69)) .

سابعا: اتهام الشيعة بفكرة البداء((70)) .وهذا يعني ان المؤلفين تبنيا، في كتابيهما معظم اتهامات اعداء الشيعة الواردة في المراجع التي سوف نشير اليها، وانهما اعتبرا ظهورالمذهب الاشعري خشبة الخلاص للاسلام، لانه خلص الدين مما لحقه من آثار مجادلات هشام بن الحكم وتلامذته والمعتزلة ورجالهم والثنوية والفلسفة اليونانية والمسيحية‏واليهودية((71)) ).

ثامنا: اتهام الشيعة بالقول ان القرآن محرف، بما اورداه على لسان ابن حزم عن الجاحظ عن ابي اسحاق النظام وبشر بن خالد عن محمد بن النعمان الملقب ب ((شيطان الطاق))،وهو تلميذ وفي للامام جعفر الصادق.

وتهمة ان الشيعة قالوا بتحريف القرآن وانه ناقص وردت ايضا على السنة مستشرقين من امثال غولدتسيهر، ((ويدهش غولدتسيهر لتشكيك الشيعة في النص القرآني كماجمعه عثمان من ناحية وعدم تقديمهم نصا بديلا، ويعتبر ذلك غموضا لا يعرف له تفسير))((72)) .

ولكن الدكتور صبحي يستدرك، بطريقة فيها من الاتهام والتشكيك بما يزيد عما لدى غولدتسيهر فيقول: ((ان عقائد الشيعة تحوم حول صحة النص القرآني بالنسبة للامامة ولاتجرؤ ان تتعداها والا انفصلت عن الاسلام نهائيا)).

والحقيقة ان هذا الاتهام البالغ الخطورة، والذي ليس في اي من نصوص الشيعة قديمها وحديثها ما يصدقه (بل على العكس فقد ورد لدى السنة وفي صحيح البخاري احاديث‏تشكك بالتحريف((73)) يقدم دليلا واضحا على عدم التزام الكاتبين بالمناهج التي الزما نفسيهما بالبحث على اساسها، بل انه يضعهما في خانة اولئك القدامى والمحدثين‏الذين كرسوا بحوثهم لمعاداة الشيعة وليس لدراستها. ولا يقوم بحث علمي على الاتهام والنفي بل على الشك المنهجي، وهذا ما لا نجده لديهما.

2- الفصل المتعسف اخفق المؤلفان، ثانية، في استخدام المناهج المعلنة في المقدمات، عندما لمسنا لديهما اصرارا كاملا على فصل الائمة الاثني عشر عن اتباعهم او شيعتهم في معظم الامورالعقيدية تحت مظلة الدفاع عنهم (اي عن الائمة). وبذلك ادرج الائمة في تيار السنة وصولا الى اتهام جماهير الشيعة التي تعد بالملايين، ممثلة بمراجعها او مفكريها، بانهم‏قاموا بتاليف المذهب ونسبوه زورا الى ائمتهم. والحقيقة انني لم اجد فيما طالعت من بحوث في العقائد مثيلا يشابه هذه النتيجة العجيبة التي توصل اليها احمد صبحي وعلي‏النشار.

يستنتج الدكتور النشار، في حديثه عن الامام زين العابدين، انه كان الجانب السني من اهل البيت وانه قال: ((ليس عندنا ما يرمينا به هؤلاء)) واشار بيده الى اهل العراق وتبع‏سنته ابنه زيد، الذي تولى الشيخين (عمر وابو بكر)، وكان من مشايخه سعيد بن المسيب الذي قال: ((ما رايت قط افضل من علي بن الحسين، وكان من مشايخ الامام زين‏العابدين سعيد بن جبير..)) ولم ينسب اليه العلم السري، ووضع نفسه في تيار السنة العام، ولم يظهر في سلسلة الائمة الغنوصيين لدى الغلاة، وضع كل نواحي حياته امام الناس‏فلم يعد ثمة مدخل لغنوصي او غال او دساس، وقد كره اوائل الكلام العقلي وانكر مذهب المعتزلة ولم يكن زاهدا (تزوج وتسرى وتاجر)، ولم يضع الصحيفة السجادية بل‏نسبت اليه من المتاخرين لانها لا تثبت امام (النقد الداخلي) للنصوص، هو من نسل الاكاسرة والنبوة معا، وهذا يفسر اتباع الفرس للمذهب الشيعي))((74)) .

وهنا تبرز مسالة تولي الشيخين بوصفها شعارا من شعارات السنة والجماعة. وهكذا نجد هذه الفكرة ترد هنا وهناك ملصقة بالائمة الخمسة الاوائل، لكن النص السالف يزيدعلى ذلك ابعاد الامام زين العابدين نهائيا عن ان يكون داعية لنفسه رغم قوله بان الامام سن للشيعة التقية، بهدف حفظ دماء الشيعة((75)) .

عندما يجد القارى‏ء نفسه في مواجهة مجموعة من الاحكام التي تصف المرحلة التي اقر فيها المؤلف نفسه وكثير من المؤرخين بانها بداية التشيع بمفهومه الحالي، فكيف‏يمكن ان ينسجم ذلك مع تلك الصفات التي الصقت بالامام زين العابدين والتي تبعده عن مزية انه المؤسس للتشيع عمليا؟ فهل كان الامام محايدا؟ وكيف ثبت عنه انه لم يقل‏بالائمة الاثني عشر بعد النبي(ص)((76)) ولم يتحدث عن المهدي (وهو ما يصفه النشار بالغنوصية)؟ رغم ان هذين الحديثين يعتبران من صحاح احاديث الرسول، ولا بد انه‏يعرفهما اذا كان اماما لزمانه (كما ثبت تاريخيا).

وقبل ذلك بزمن، يقول احمد صبحي ان الامام علي(ع)، عندما استشهد، لم يستخلف ابنه الامام الحسن، قائلا: ((ما استخلف رسول اللّه فاستخلف، ولكن ان يرد اللّه للناس خيرافسيجمعهم بعدي على خيرهم))((77)) وعندما اصر الناس على ان يستخلف الحسن قال: لا آمركم ولا انهاكم.. ويتابع المؤلف قائلا: ان المؤرخين الشيعة لا يذكرون في كتبهم‏مسالة استخلاف علي للحسن.

وبعيدا عن مسالة تصنيف المؤرخين الاول، كاليعقوبي وابن قتيبة والطبري، على انهم سنة او شيعة، فان الراي السالف يفصل الامام عليا ليس عن مرحلته فحسب بل عن افكاره‏وشيعته فصلا تاما.. فلماذا خاض معاركه مع الاخرين ان لم يكن ذلك عن عقيدة بانه احق منهم بالخلافة بعد رسول اللّه؟ وبنص من الرسول نفسه الذي ظل يحتج به‏دائما؟.

ويتابع المؤلف مسالة الفصل قائلا: ((اما عقائد الشيعة فلا تماثل مبادى‏ء الامام علي التي ظهرت زمن خلافته، فقد تدخل في صياغتها عوامل فكرية وظروف تاريخية، فقدرفض الامام اسلوب اختيار الخليفة بعد الرسول وليس مبدا الاختيار كفكرة))((78)) .

في الواقع، يبدو المؤلف مصرا على اعتبار الامام علي مجرد شخص يقاتل من اجل السلطة، وليس من اجل العقيدة عندما يقرر الافكار السابقة عن مبدا الاختيار في مقابل‏الوصية الالهية.. وكم يبدو متناقضا بشكل حاد عندما يقول قبل ذلك:

((ان عوامل موالاة علي لا ترجع الى سابقته في الاسلام وجهاده مع النبي وقرابته منه، بقدر ما ترجع الى‏المبادى‏ء التي من اجلها حارب زمن خلافته والتبس امر المسلمين فيها ومات هو دون ان يبلغ من تحقيق مبادئه شيئا))، ((فالاحاديث التي ذكرت عن فضله لا تبرر موالاته بل‏الاعجاب به فقط لانه كان اماما صامتا)) ((ولو انه بعد مقتل عثمان بقي محايدا لما احتل مكانته الحالية، فموالاة علي يلتمس سببها زمن خلافته وليس قبل ذلك))((79)).

ويتساءل القارى‏ء عن ماهية المنهج الذي نسج احمد صبحي على اساسه بحثه العقائدي حتى وصل الى تلك النتائج. ذلك انها مجرد آراء شخصية سبقه اليها الكثيرون ممن‏عرفوا بعدائهم للشيعة، وكان ذلك العداء الدافع واساس المنهج الوحيد في بحوثهم العقائدية، علما ان استخدام طريقة المدح ثم الاتهام ثم الفصل والتشكيك في الامام، رحمه‏اللّه، تبدو منسجمة تماما مع تقاليد الطريقة الفلسفية المصرية، اذا جاز لنا تسميتها كذلك. فهي ليست من الفلسفة الهادفة الى صياغة جزء في بنيان نظرية المعرفة، انها تبدومجرد آراء بالغة التعسف والتعصب معا.

عندما يتعرض المؤلف الى الامام جعفر الصادق يتلاقى واستاذه النشار في عرض مجموعة من الافكار كما يلي:((80)) .

يقول صبحي، في معرض تحليل عهد الامام: ((لقد شابه الامام المعتزلة، ولهذا يعتبر كثير من الباحثين القدامى الشيعة معتزلة في اصولهم الفقهية)) ((ورغم انتقاده للخلفاء الثلاثة‏في مسالة وصولهم للسلطة فلم يتعرض لاي منهم بالتجريح، لانه ينسب من ناحية امه الى ابي بكر!! اما عامة الشيعة فلم يرتقوا الى فكر ائمتهم في عدم الشتم!! ويرى (جمهورالمسلمين) ان متكلمي الشيعة ليست لهم المكانة التي لاستاذهم، لانهم تزيدوا عليه في العقائد والفقه والحديث وفي الرجعة والغيبة والبداء!! لم يدع علم الغيب بل غضب من‏نسبة ذلك اليه وقال:

ما يعلم الغيب الا اللّه. وظهور عقيدة البداء تبدو تبريرا لما يقع مخالفا لنبوءات الائمة واطلاعهم على الغيب.. ويتهم السنة الشيعة بتسرب تلك العقيدة اليهم‏من اليهودية)).

يقول النشار: ((كان جعفر ملهما، ولهذا حمله الشيعة علم ما كان وما سيكون، فهو منبع المعرفة وواهبها في رايهم.. انه الامام الغنوصي والكوزمولوجي (الكوني) ، النور المنتقل‏في الاصلاب الطاهرة. وهكذا جعل الشيعة جعفر الصادق يطلق هذه الغنوصيات ويذكر مصطلح الامام المستودع، فالنظرية هنا تنطلق بين غنوص الثنوية الفارسية باستخدامهافكرة (النور) وبين الافلاطونية المحدثة وهي تتكلم عن فكرة الهباء، وبين غنوص المسيحية في الكلمة. وقد وضع الشيعة على لسانه ان الائمة معصومون، وذلك لم يصدر عنه‏مطلقا، فهي من ابتكارات اواخر القرن الثالث والرابع عن الاسماعيلية، ونسبت اليه الرجعة والتقية والبداء واجزم انها ليست له اطلاقا)) .

بالعودة الى منهج البحث نتلمس بديلا هو النفي المطلق والفصل الكامل. والنفي لا يصنع نظرية علمية لانه لا يضع بدائل عما يتم نفيه. وبما ان الكاتبين قاما بفصل الامام‏الاشهر عن شيعته ونفوا معظم آرائه المنسوبة اليه، فقد تركوا القارى‏ء، في حيرة شبه كاملة في مواجهة شخصية عظيمة يفترض ان يقدم البحث تحليلا لافكارها اضافة الى‏تحليل عصرها. ذلك ان تحليل المرحلة التاريخية لا تغني عن معرفة عقائد الشخصية التي ساهمت بكل تاكيد في صنعها ولم تكن مجرد متلقية او متاثرة بما هو قائم فيها من‏افكار واحداث.

من هو الامام جعفر الصادق اذا؟ وماذا يشكل التشيع بالنسبة اليه من خلال اقواله؟.

الحقيقة ان عدم وجود كتب منشورة للامام او لتلاميذه بسبب ضياع معظم تراث تلك المرحلة لاسباب متعددة، يبقي السؤال قائما ومشروعا، وهذا الفقد او ادعاء تزيد شيعته اوتلاميذه عليه وعلى افكاره لا يبرر مطلقا لصاحب منهج في البحث ان يكتفي بالنفي دون ان يبحث عن البديل الصحيح في رايه، فهذا من اولى واجبات اي باحث في تاريخ‏العقائد، فاين هي عقيدة الامام الحقيقية؟ وممن نعرفها؟ وببساطة يتحطم جانب هام من جوانب البحث بانعدام التزامه بالمنهج الذي ادعى كاتباه انهما ينهجان للوصول الى‏الحقيقة العلمية التاريخية الفلسفية على اساسه.

تبقى فكرة الغنوصية، وهي كما نرى احدى اهم التهم الموجهة الى امام التشيع وفيلسوفه كما يوصف الصادق. وبالعودة الى المصطلح كما شرحناه وكما سنتطرق اليه عندالحديث عن نظرية المهدي تبدو الفكرة، بالرجوع الى التراث النبوي المتفق عليه عند الصاقها بالتشيع مجرد اتهام، ولكنه هذه المرة يحمل طابع الحداثة والاستشراق، ويحتاج‏الى تمحيص واعادة نظر، ذلك انها تهمة للاسلام برمته كايديولوجيا وليست للشيعة وائمتهم فقط.

3- نظرية الائمة الثابت الوحيد، من مجموعة متحولات تنغرس في ثنايا البحثين، هو ان هناك تشيعا يتطور تاريخيا من خلال نشوء افكار حملها الشيعة للاسلام وتلاشيها، وكانوا بذلك خارج‏السنة والجماعة، وبالتوازي هناك ائمة اثنا عشر اعتبروا بالنسبة للمؤرخين والفلاسفة المسلمين ائمة عصرهم واليهم ينتهي كل علم حتى علم الكيمياء (عند الصادق) ولكن لم‏يثبت ما نسب اليهم امام النقد الظاهري والباطني للنصوص كما يقول الباحثان.

نحن هنا امام اشكالية مؤرقة، هناك تشيع دون ائمة يقودونه.

ولكن، هناك ايضا ائمة يتطورون بالتشيع المعروف للجميع مع الزمن، فلكل زمان مقولاته، وامتدادات عقائده‏الجديدة في خضم حركة الترجمة والتلاقح الحضاري داخل فلسفة التشيع.

وبما ان الامامة والائمة لدى الشيعة جزء لا يتجزا من العقيدة الاسلامية، قامت على اساسهاالايديولوجيا مرتكزة على مجموعة من الاعمدة، قدم المراجع الشيعة عبر العصور توصيفا كاملا لها، متضمنة علم الكلام وصولا الى علم الاصول مرورا بعلم التاريخ، وبما ان‏القرون الهجرية الثلاثة الاولى لم تخل من امام، منهم بما في ذلك محمد المهدي(رض) من خلال نوابه، فان البحثين اللذين بين ايدينا يثيران الاشكاليات الايديولوجية‏والتاريخية بدلا من العمل على حلها وتقديم تفسير مقنع لها.

ليس معقولا ولا مقنعا ولا تجريبيا ولا فلسفيا معرفيا ان الامام الصادق، على سبيل المثال، انتقد الصحابي ابا بكر، ولكن لم يشتمه، لانه يتصل بنسبه اليه من قبل امه وحسب،بل لان الباحثين لم يستطيعا تقديم مفاهيم ونصوص توصف ماهية النقد الذي عبر عنه الصادق للخلفاء الثلاثة الاول. وهل هو مثلا عين ما جاء في كتب الشيعة المعتمدة (رغم‏تزيدها)؟ ولماذا لم يقوما بفصل التزيد عن الحقيقة؟ ولماذا اعتبرا شتم الشيخين من اولى اشكاليات التاريخ العقائدي الاسلامي؟ وهما الصقا الشتم بالشيعة ونفوه عن الائمة، مع‏انه(الشتم) وخاصة من قبل جماهير مضطهدة معذبة طوال قرون لم يؤثر مطلقا على المسار الايديولوجي للعقيدة التي هي في الوقت نفسه الاسلام نفسه من وجهة نظر الشيعة‏على الاقل.

لم يستطع الباحثان اثبات نظرية التطور التاريخي للعقيدة (رغم الادعاء بان ذلك دليل على حيويتها)((81)) .ولكنهما بالمقابل اثبتا في بحثيهما اعتقاد الشيعة ((بان كل شي‏ء لم‏يخرج عن الائمة فهو باطل((82)) .وبديلا عن الاتجاه نحو الاثبات انحازا الى اطلاق الاتهامات (ومنها مسالة شتم الشيخين) انسياقا مع الدعاوى الاعلامية التحريضية وليس‏المنهج العلمي. فاذا نظرنا الى توصيف د.صبحي للامام الباقر نقرا افكارا متضاربة كهذه: ((ان طابع التعصب الذي غلب على الاحاديث المنسوبة للباقر وان كانت تعبر عن العداءالصريح للمذاهب الاخرى!! فانها تبدو كامر لازم اقتضته المرحلة.. اذ اقام الشيعة بعد اضطهادهم حائلا بينهم وبين سائر فرق المسلمين فكانت آراؤهم المذهبية حماية لكيانهم‏حتى لا تتسرب اليه معتقدات خصومهم، ولكن شخصية الباقر عند اهل السنة مغايرة لما هي عند الشيعة، الا ان الاقوال المنسوبة اليه تعبر عن مرحلة من مراحل التشيع في‏زمنه اكثر مما تعبر عن آرائه نفسه))((83)) .

ان نظرة نقدية للنص النقدي التحليلي سالف الذكر تبدي مجموعة من التناقضات التي لا يمكن ان يقع فيها باحث جاد.

انه لم يرسم فرقا بين مصطلح المذهب ومصطلح الفرقة.فهل كانت هناك مذاهب اسلامية في عهد الباقر في النصف الثاني من القرن الاول الهجري؟ وهل كل ما نقله الرواة الشيعة عن الباقر مجرد كذب وضعوه هم بانفسهم؟! وبالقياس‏على ذلك هل يكون هذا البنيان العقائدي الشيعي المذهل من ناحية تكامله ومصادره المحفوظة والضائعة مجرد بناء شاده اشخاص مجهولون، ولم يكن للائمة، رضوان اللّهعليهم، اي دور مؤكد في ذلك؟ واخيرا يتساءل القارى‏ء: لماذا يقوم الباحثان باستفزازه، وهما يضعان مسالة الموقف من ابي بكر وعمر، مقياسا للاسلام الصحيح، بدلا من البحث عن الحقيقة؟ وهل تستحق‏تلك القضية المتهافتة تاريخيا وعقائديا كل ذلك الجهد الذي قدماه في كتابيهما عبر العديد من الصفحات؟ ثم لماذا يتبنى الباحثان دعاوى الاعداء والحاقدين على الشيعة‏كاملة دون تمحيص حين يورد د.صبحي نصا كهذا: ((كان علي يؤمن بالوحدة بين السياسة والدين، لكن الشيعة ليسوا كذلك، ولو كانوا كذلك لوجدت مبادئهم طريقها الى‏التطبيق حين وصل افراد من الشيعة الى الحكم، كان الشيعة في الحكم ابعد ما يكونون عن العدل بين الناس او تاسيس مجتمع بلا طبقات، ولا يوجد ما يدل على اهتمام‏الحكام الشيعة بالعقيدة الا الحرص على اقامة بعض الشعائر، ولعل من هذه المتناقضات ان يوالي الشيعة عليا ثم يتمسكون بعقائد لم يقل هو بها، بينما يتخلون عن مبادئه التي‏حارب ومات من اجلها))((84)) .

الا نرى ان البحث يتجه نحو المهاترات وتراشق السباب والتهم ووصم المراحل التاريخية الاسلامية دون محاولة تقديم اي دليل او حتى التدقيق في التاريخ والمصطلح‏العلمي. بل اننا نجد احيانا افكارا كوميدية على مثال تحليل المؤلف نفسه لمسالة موالاة الفرس للائمة واتجاههم نحو التشيع (مع ان ذلك تم في مراحل متاخرة) ((ان المظلومين‏يتعصب بعضهم لبعض فكيف اذا وجد انسان كعلي مظلوم فالناس تواليه))((85)) والباحثان في الحقيقة لا يكلفان نفسيهما جهد البحث عن ظلامة الامام علي ومتى بدات، وماهي حدود العقيدة والسلطة في اسبابها.. الخ.. الخ.. ومع ذلك وانسجاما مع التراث المصري في محبة الحسين وعلي وفاطمة وزينب، ينقلان في كتابيهما اجمل عبارات‏التعاطف ووصف الماساة، بما في ذلك اشرس عبارات الاتهام لمعاوية ووالده وعبداللّه بن الزبير ويزيد حتى ليظن القارى‏ء انهما اصبحا من الشيعة في بحر الحزن التاريخي‏الساطع الذي ولدته مذبحة الطف (كربلاء) وماساة رحيل السيدة فاطمة الزهراء (رضي اللّه عنها).

4- نظرية عبداللّه بن سبا (السبئية) بمقدار اهمية هذه النظرية التي اعتنقها بعض الباحثين لتفسير نشوء التشيع والانقسام الاسلامي بمقدار ما هي مجرد فكرة تريح ضمائرهم القلقة وتعطيهم انطباعا بان مجتمع‏المدينة ومكة في صدر الاسلام لا يضم الا مجموعة من الملائكة استطاع يهودي واحد، دخل الاسلام نفاقا، ان يشقهم الى فريقين فاختلفوا على القشور، ولم يكن خلافهم في‏صلب العقيدة، وكان من الممكن ان يتصالحوا سريعا لولا جهوده (ابن سبا) التفريقية ودسائسه. ورغم ان د. صبحي يورد آراء مجموعة من المستشرقين برفض وجود هذه‏الشخصية قطعيا مثل ((برنارد لويس، فلهاوزن، وفريد لندر)) باعتبارها من اختلاق المتاخرين((86)) فان المستشرق كايتاني اعتبر ان مؤامرة بهذا التفكير والتنظيم لا يمكن ان‏يتصورها العالم العربي المعروف عام 35 ه بنظامه القبلي القائم على سلطة الابوة((87)) .

لكن الباحثين، مع ذلك، يتركان القارى‏ء دون اعطائه حلولا او بدائل، حتى انهما لا ينفيان هذه الفكرة. وبدا التضارب والتشوش بين الكتابين في هذه المسالة عندما ينقل‏صبحي عن النشار ما يلي: ((وقد ذهب النشار الى عد السبئية اول الفرق الغلاة لدى الشيعة اذ يقول: كان اليهود مؤسسي العقيدة الشيعية الغالية الحقيقيين، فقد دخل بعض‏احبارهم وكهانهم الاسلام، وتقدموا منتهزين فرصة ابعاد علي عن الخلافة بفكرة الامام المعصوم او خاتم الاوصياء، وتكاد تجمع كتب العقائد الاسلامية على ان عبداللّه بن سباهو اول من دعا الى فكرة القداسة التي نسبت الى علي، وكان يهوديا.. ومن المؤكد ان فكرة احقية علي بالخلافة لم تظهر في عهد ابي بكر وعمر، ولكنها نشات في خلافة‏عثمان على يد عبداللّه بن سبا، ويمثل عبد اللّه بن سبا تيارا باطنيا من التيارات التي كانت تعمل على هدم العالم الاسلامي)). ويتابع صبحي نقلا عن النشار: ((ان ما يهمنا ان‏نقرره ان المجامع اليهودية من ناحية، والغنوصية من ناحية اخرى، وجدت في انقسام المسلمين ابان ذلك الوقت فرصة لا تعوض لالقاء بذور الفتنة بينهم، فالقت في مجمع‏الكوفة والمدائن ب‏آراء يمكننا ان نطلق عليها الاراء السبئية.. سواء اكان صاحب هذا الاسم اكذوبة ام لا..))((88)) .

وبالعودة الى كتاب الدكتور النشار الذي هو موضوع بحثنا ايضا، لم نجد النص الذي اشار اليه تلميذه احمد صبحي بل وجدنا عوضا عن ذلك ما يلي: ((نفى وجود شخصية ابن‏سبا الكاتب علي الوردي في ((وعاظ السلاطين)) وكذلك كامل الشبيبي في ((الصلة بين التصوف والتشيع)) وابرز وثائقه تثبت ان عمار بن ياسر وابن سبا شخصية واحدة وان‏الامويين هم الذين اطلقوا تلك الشائعة.. والثابت ان آراء ابن سبا حتى مع الشك في وجوده ظهرت في بيئة صالحة لنموها. وما يهمنا هو ان المجامع اليهودية من ناحية‏والغنوصية من ناحية اخرى وجدت في انقسام المسلمين في ذلك الوقت فرصة لا تعوض لالقاء بذور الفتنة. فالقت في الكوفة والمدائن آراء يطلق عليها السبئية. .)).

يبدو((89)) ان الدكتور علي النشار تراجع عن بعض آرائه في الطبعة السابعة لكتابه، والا فان هناك تزيدا على آرائه عند تلميذه. والجلي ان الفكرة السبئية مقولة موجودة‏تاريخيا ولا يعرف متى تم تداولها ولا من استغلها (على الاقل عند الباحثين المذكورين)، حتى ان الدكتور صبحي ينهي المسالة قائلا: ((يبدو ان مبالغة المؤرخين في ابن سباتعود الى ضرورة ان يوجد من تلقى المسؤولية على عاتقه، وهكذا خلق))((90)) ولكن.. شتان ما بين المقدمات والنتائج.. بين ان تطرح الفكرة وبين ان يحسم فسادهاوضرورة اسقاطها من مسببات حركة بروز التشيع، ورفض ما ينتج عنها من افكار، عندما يصر النشار على عرضها كما يلي: ((1 الوصية: فالامامة لعلي نصا، 2 معراج روحي‏الى السماء، 3 ان عليا اله وانه توارى من خلقه سخطا عليهم وسيظهر))((91)) .

وينقل النشار عن مصدر شيعي هو الاسفرايني في ((التبصر في الدين)) ان ابن سبا قال لاهل الكوفة بعد مقتل علي: ((واللّه لينفجرن لعلي في مسجد الكوفة عينان احداهماعسل والاخرى سمن يغترف منهما شيعته)). ويتابع الدكتور النشار قائلا: ((هي آراء فلولكلورية غنوصية محملة بالحشو اليهودي والتي تنتشر ممجدة الابطال التراجيديين حين‏يموتون)).

واخيرا يخلص الكاتب الى ما يلي: ((اذن الفرس والنواصب واليهود اضافوا الكثير منسوبا الى ابن سبا او عمار بن ياسر لا فرق))((92)) .

اما الدكتور صبحي فيستنتج ((على ان موقف الذين ارجعوا اصل كل فرق الشيعة الى آراء ابن سبا يدعو الى بعض الشك في حيادهم في الراي..)) ومع ذلك فهو يورد رايا للشيخ‏محمد ابو زهرة يقول فيه: ((كان الطاغوت الاكبر عبداللّه بن سبا الذي دعا الى ولاية علي ووصايته والى رجعة النبي، وفي ظل هذه الفتن نشا المذهب الشيعي)) .وهكذا ((93))وباصرار، وفي مواجهة كل معطيات الرفض والدراسات الحديثة حول التشيع ومسالة ابن سبا، ترك الكاتبان هذه الاشكالية البالغة الاهمية دون حسم نهائي. او اتخاذ موقف‏محدد واضح يستند الى نهجيهما في البحث.

5- نظرية المهدية ولد الامام الثاني عشر سنة 255 ه، يقول النشار نقلا عن ابن خلدون: ((كانت ولادته مصدرا لافكار الخوارق التي تجاوزت النبي عيسى.. فهو تكلم في المهد، ودعا اللّه ان ينجزوعده، ودعا طيرا من السماء (وهو روح القدس) فحمله الى اعلى عليين، بكت امه وهو يودعها الى القدس الاعظم، وكان يعود بين الفينة والاخرى، وعندما غاب نشات عقيدة‏الغيبة وعقيدة الرجعة في صورتها النهائية عند غلاة الشيعة الاثني عشرية، اي ان اسطورة محمد بن الحنفية ورجعته، تعود في صورة غنوصية او اشد في عقائد الشيعة الاثني‏عشرية، وهكذا نرى اثر الكيسانية في الشيعة الاثني عشرية، يعتقد الشيعة ان المهدي اختفى في سامرا بالحلة(!!!) ويذهبون الى باب السرداب ويقرؤونه السلام)). ويتابع‏النشار متسائلا كعادته ((عجبا ان تنتهي قصة الائمة الاثني عشر الى هذا الحد الاسطوري، وعجبا ان تثير عقائد راسخة متمكنة في عقائد مجموعة من البشر بل ان ينبري لهاجماعة كبيرة من متكلمي الاسلام يدافعون عنها وينافحون))((94)) .

ربما كان سؤال الكاتب، في خاتمة تحليله للامام المهدي وعقيدة المهدية، مشروعا لو اطلقه على العقيدة الاسلامية جميعا كما فعل المستشرقون. اما ان يكون الباحث‏التجريبي مؤمنا باللّه وعصمة الصحابة جميعا، منزها للائمة الاثني عشر عن اي خطا ينسبه اليهم شيعتهم، فتلك المسالة المثيرة للاستغراب، فاللّه سبحانه ذاته فكرة غيبية بحدذاتها ويعتبره اصحاب المذهب التجريبي والماديون اسطورة، بينما يدافع عن وجوده وعليائه المليارات من البشر بمن فيهم الكاتب نفسه، فلماذا تعتبر المهدية اسطورة على‏هذا الاساس ما دامت مدعمة باحاديث صحيحة عن رسول اللّه لم يستطع انكارها حتى اقطاب المؤسسة الوهابية المعادية للتشيع((95)) .

تنصب التجربة ونقد النصوص بالنسبة لاحاديث رسول اللّه(ص)، تجريبيا وفلسفيا، على صحتها سندا ومتنا. اما الفلسفة فتهتم بالميتافيزيقيا ومن بينها فكرة الخلاص الانساني‏عن طريق الرسل والمخلصين والمصلحين الملهمين. وبكل تاكيد فان الكاتبين لا يخفى عليهما كل هذا. وهما لا بد قد اتيح لهما الاطلاع على كتب الحديث النبوي التي وردفيها جميعا تقريبا حديث المهدي بشكل او ب‏آخر، وهي متاحة للجميع، وكتب عن المهدي والمهدية عشرات الكتب، بحيث يبدو تقديم بعض نصوصها في هذا البحث دون‏كبير جدوى.

اما صلة المسالة المهدية بالغنوصية فتلك مسالة تستحق المناقشة فعلا. هناك الكثير من العقائد السماوية سبقت الاسلام، وكما اسلفنا فان الغنوصية ليست مذهبا دينيا، انهامجموعة من الافكار التي تسربت او امتزجت باديان سماوية متعددة، وكلها تحوي فكرة المخلص العائد بعد غياب قسري عن الارض، ولعل اقربها للاسلام فكرة عودة‏المسيح التي اقرها الرسول(ص) في احاديث عديدة وردت في كل كتب الحديث بما في ذلك البخاري ومسلم((96)) .فهل يمكن اتهام الرسول بالغنوصية حتى ينسحب ذلك‏على الشيعة، كما يحلو للدكتور النشار ان يردد في ثنايا كتابه؟ على اية حال يبدو رفض المهدية، بما في ذلك الرجعة مشروعا فعلا، باعتبار ذلك من الاساطير اذا رغب المؤلفان في رفض الحديث النبوي او التشكيك في صحة بعضه على‏الاقل. ولكن تلك الانتقائية وذلك الرفض يجب ان يشملا كل ما ورد في تلك الكتب من احاديث يعتبرانها لا تتطابق مع العقل، وهذا ما لم نجده في الكتابين موضع بحثنا، فلايمكن تطبيق المنهج التجريبي او الفلسفي بطريقة تعسفية انتقائية لمجرد الزام الشيعة في بحثين مقارنين بين السنة والشيعة في اطار نظرية المعرفة بعبارات اتهامية كالتي‏طالعناها.