في الكتب الشيعية الحديثة، نجد
مراجعهم ينفون الكثير مما
قيل عن غياب الامام في السرداب، وانه يخرج من
السرداب ولا
يمارسون تلك الاعمال التي نسبت اليهم مثلوضع خيول
في
انتظار عودة الامام من غيبته حى يركبها((97))
فالشيعة
يعتقدون بان الامام المهدي يخرج في مكة وتعقد له
البيعة
عند بيت اللّه الحرام بين الركنوالمقام.
يقول د. صبحي: ((وكان موقف الشيعة تجاه الاحاديث
المنحولة عن مهدي السفيانيين والعباسيين انه يقتضي
السعي
الى تكذيبها ومحاربتها، ولكنهم بدلا من ذلك جعلوا
منهؤلاء
المهديين دجالين يتحتم على مهديهم حربهم وقتلهم،
كان
ذلك ادعى الى ان تتشفى نفوس الشيعة من الامويين
والعباسيين)). ثم يقول: ((ان المهدية ليست
اسطورةساذجة
افسدت عقولا يخدعها بريق التشيع فاستجابت لكل
ناعق،
وليست فكرة هدامه في التاريخ الاسلامي، فالايمان
بمخلص
ينتظر مظهر من مظاهر الثيوقراطية ما دامتلهذا
المخلص
صفة دينية وسياسية معا. هذه العقيدة لا يؤمن بها الا
الذين
يعانون صراعا نفسيا يمس ضمائرهم نتيجة السخط على
تصرفات الحكام واضطرارهم للخضوع لهم!!هذه العقيدة
ايضا
رد فعل لنظرية التفويض الالهي، وهي معبرة عن وجهة
نظر
المعارضة لتضفي الشرعية على الحركات المضادة
للطغاة. ان
اصحاب الفرق المؤمنة بالمهديةرووا احاديث المهدي
لانهم
يؤمنون بالعقيدة قبل ان يمحصوا هذه الاحاديث
تمحيصا
موضوعيا)). ويتابع الدكتور صبحي قائلا: ((ان بعض
الشيعة
الاثني عشرية صدموا لاختفاءالامام الثاني عشر
فتطلعوا الى
الفرع الاخر اي الاسماعيلية، فالمهدية تتضمن
يوتوبية وارتباطا
بالواقع معا، النزعة الواقعية وجدت مازقا في
اعتقادها ببقاء
المهدي حيا مئاتالسنين، ثم في ماهية مغزى تلك
الغيبة
الطويلة، فاقامت الفكر الغيبي ليسد بعض الثغرات،
بينما احلت
فكرة السر الالهي او حكمة اللّه لتجيب على
الاشكالات الباقية،
فاليوتوبيةفي العقيدة الاثني عشرية لا تدع مجالا
لامكان
تحقيق العقيدة في الواقع الملموس يوما ما، فهي
عقيدة
وجدت للاعتقاد القبلي لا للتطبيق الواقعي او
التحقق
الزمني..)))((98)).
كل تلك الافكار المهمة تثير الكثير من النقاش
الفلسفي فعلا في بحث قائم على هذا المنهج. لكن مسالة
الثيوقراطية والديمقراطية.. بين الشيعة والسنة
تثير نقاشا
مريرا للتاريخالاسلامي ليس هذا مجاله (ولو اننا
سنتعرض له
بشكل مكثف). اما ان تلك العقيدة فكرة مبتدعة نتيجة
الاضطهاد السلطوي للشيعة فذلك يكذبه ورود الاحاديث
الخاصة بذلكفي كتب الحديث كلها تقريبا، ونعتقد
انها
صحيحة النسبة الى الرسول، لان كل المسلمين يؤمنون
بذلك
ويتداولونه من ازمان بعيدة، ولم يظهر الرفض الا في
العصر
الحديث عندبدء ظهور العلمانية في النظم السياسية
المعاصرة
وظهور دراسات الاستشراق.
بالنسبة للشيعة فانهم محصوا تلك الاحاديث ويؤمنون
بها، اما
مفكرو السنة القدامى فلم يرفضوها ولكنهم رفضوا
التشيع من
جذوره. وحديثا برز دور المستشرقين في نسبةالفكرة
الى
الغنوصية والمسيحية واليهودية والزرادشتية، ولكن
المسيحيين المؤمنين لا يرفضون فكرة رجعة المسيح،
ومثلهم
اليهود وفكرة ظهور (المسيا) او المخلص الذييحكم
العالم الف
عام.
اما مسالة اليوتوبيا، او الجمهورية الفاضلة، فقد
ظلت حلم
النخبة المثقفة منذ افلاطون، وظلوا يحاولون
تحقيقها على
ارض الواقع، وقامت كل الفلسفات المثالية على
اساستلك
القاعدة، وهي ان تسعى لتحقيق قيم الحق والخير
والجمال
على الارض مع اللجوء الى فكرة العالم الاخر
المليء بالخير
والجمال والحق في الوقت نفسه.
في هذا المجال يسعى البشر الى عالم افضل مسلحين
بايديولوجيا الاديان، ومنها الاسلام، حيث يقول
القرآن الكريم:
(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض
يرثهاعبادي
الصالحون)((99)) .لهذا يبدو حلم الخلاص
والسعي للمثال
جهد البشرية وتوقها بظهور المخلص المدعوم من اللّه
سبحانه،
ولم يكن المسلمون بمذاهبهم جميعها نشازاعن هذا
التوجه.
والا فكيف نفسر بزوغ الاساطير.. هل جاءت من خارج
اطار
الحياة، وهل ووجهت الاديان ورسلها الا بهذه التهمة
كما واجه
العرب الرسول محمد(ص) بقولهم:(ان هي الا اساطير
الاولين).
فلماذا غابت هذه الافكار عن المنهج الفلسفي
للدكتور صبحي
في بحثه الذي لم يلتزم به اصلا، مع التزامنا بضرورة
الاعتراف
ان الكثير من التزايدات (ولا اقول الخرافات) قدشابت
الاصول
التي استندت اليها النظرية.
6- نظرة الى المصادر
عندما كتب الشهرستاني كتابه الشهير ((الملل والنحل))
لم
يكن ملما بما سيكون لكتابه هذا من اثر في البحث
العقيدي
للفرق الاسلامية. ورغم ان اي باحث في
التراثالاسلامي لا
يجوز له ان يكتفي بهذا المرجع وحده. وانه عندما
اعتمد
المستشرقون عليه بشكل رئيسي برز الشهرستاني في
واجهة
البحث التاريخي باعتباره ابرز المنافحينضد
الشيعة واكثرهم
ثقة في اصدار احكام القيمة. ولان الشيعة عمليا ظلوا
في
المعارضة فترات طويلة من الزمن الاسلامي الممتد
الى اربعة
عشر قرنا، يمكن توصيف ذاكالباحث الاسلامي بجهاز
اعلامي
للسلطات في حربها ضد التشيع، تماما كما انزلق
الامام الغزالي
الى موقف كهذا عندما كتب ((فضائح الباطنية)) في ظروف
انحطاط الحضارةالاسلامية واواخر الخلافة
العباسية.
اما ابن تيمية، في كتابيه: ((منهاج السنة)) و ((الرد
على
الملاحدة)) وغيرهما، فقد كان مقاتلا لمصلحة السلطة
بمزاجه.
كان، كما وصفه معاصروه، مناكفا وشجاعا، ولكنه
بسببعدائه
للتشيع ارتكب مغالطات علمية وفقهية، ورغم ذلك وصفه
مؤرخو السنة بشيخ الاسلام، وبالمقابل اعتبره
المنصفون العدو
غير الموضوعي للشيعة حتى انه افتى عام 705ه بمشروعية
قتالهم وقتلهم، وهذا ما فعله والي دمشق فعلا عندما
جرد
حملة ضد قبائل النصيرية على الساحل السوري((100))
.ولكنه
في نهاية امره اصبح عدوا للجميعومات في سجنه
بدمشق.
المستغرب، في بحث ينحو الى التجريب او الفلسفة
يعتمد كاتبا
كابن تيمية، مع كل ما في بحوثه من مطاعن، في مواجهة
التشيع ويعتبر ردوده على كل ما قاله الشيعة
منمؤيدات لولاية
الامام علي(رض)، وجهة نظر تستحق ان تؤخذ بعين
الاعتبار.
ومثل هذا القول ينطبق على الشهرستاني وابن حزم
والبغدادي
وابن خلدون في مقدمته الشهيرة.
فبالرغم من اعتراف هؤلاء جميعا بان الائمة الاثني
عشر كانوا
فوق مستوى الشبهات وبانهم ائمة كبار في زمانهم،
وقالوا
فيهم من المديح والاستدراكات الكثيرة، الا
انهمفصلوهم عن
التشيع ما يجعل اي باحث منصف يتساءل عن مشروعية فصل
كهذا، وعن ماهية اولئك الذين قادوا حركة التنظير
للعقيدة
على مدار قرون ثلاثة في صدر الاسلام،هؤلاء هم الذين
تركوا
المجال لاتهام جماهير الشيعة المضطهدة وقادتها
حقا، من
قبل الملوك الطغاة، من امويين وعباسيين، بانهم
اخذوا
مذهبهم من تسريبات يهودية ويونانيةوغنوصية، ما
جعل باحثا
كالدكتور النشار يطلق حكما قاطعا بان ((علماء
المسلمين
راعهم اعتبار الامامة جزءا من العقيدة الاسلامية))،
فهل هؤلاء
هم العلماء الذين عناهم بقولههذا؟ والاعجب من ذلك
استخدام
الدكتور صبحي مصدرا للرد على الامامة كتبا مثل
((التحفة
الاثني عشرية)) للشيخ غلام ميرزا زعيم الطريقة
القاديانية في
باكستان، بكل ماتحمله تلك الحركة على كاهلها من
اتهامات
بالدس على الاسلام، فهل ينسجم هذا الاستخدام مع بحث
فلسفي يقصد به الوصول الى اكتناه الحقيقة فعلا؟
خاتمة
بين الثيوقراطية والديمقراطية
في ذلك العصر السحيق، ورغم ظهور مصطلح الديمقراطية
في الفكر اليوناني قبل ذلك بزمن بعيد، لم يكن العرب
في
الجاهلية او صدر الاسلام معنيين بالتعامل مع تطبيق
فكرةيوتوبية كهذه في حياتهم القبلية، بالاضافة
الى ان مسالة
الاختيار في الزعامة لم تكن من ضمن التقاليد
العربية، اذا فسر
ذلك على انها انتخاب زعيم القبيلة، وصولا الى
اعتبارهانهجا
في اختيار الخليفة بعد رحيل رسول اللّه(ص).
لقد جهد مراجع الشيعة بالرد على آيات الشورى في
القرآن
بانها لا يمكن ان تكون قد قصدت تطبيق نهج صناديق
الاقتراع
بالمعنى الذي نعرفه اليوم، وقد كانوا على
صواب.وبالمقابل
جهد علماء السنة، بمسعى واضح الدلالة، لتسويغ ما
جرى في
حادثة السقيفة المثيرة للجدل دفاعا عن الشيخين.
ومعروف
جيدا ما آلت اليه الامور بعد ثلاثين عاما لااكثر من
عمر المرحلة
التي قادها الخلفاء الراشدون الاربعة. لقد عادت
الامور الى
طبيعتها التاريخية بما ينسجم مع الاعراف
الاجتماعية العربية
والاسلامية المستجدة، اي انهاعادت الى النظام
الملكي
الوراثي، او كما قيل عنه ((الملك العضوض)). وبكل
تاكيد كان
رسول اللّه يعرف ذلك، ونقل عنه في السنة الاخيرة من
حياته
ذلك الحزن العميق، فلم يرمبتسما قط. لقد اثبت النقل
التاريخي توصيفا لطبيعة اختيار الخلفاء الاربعة،
الذي لم يكن
وببساطة منسجما مع اي عرف ينطبق على المصطلح
الديمقراطي كما نعرفه اليوم،وحتى في تاريخ
الممالك
اليونانية كما نقل المؤرخون. لقد اصبح معروفا ان
ابا بكر اوصى
لعمر بن الخطاب، وان ستة من الصحابة كان لهم ان
يقرروا من
هو الخليفة الثالث، وانحشود الانقلابيين
القادمين من الامصار
لمواجهة الخليفة الثالث وقتله هم الذين فرضوا على
الامام
علي قبول الخلافة.
اما من حيث المبدا (اي مبدا الاختيار) فان من
السذاجة القول
ان القرآن قد اقر به دون اي ايضاح او اشارات تفصيلية
في
مسالة قسمت الاسلام الى شطرين، بينما جرى
تفصيلالوضوء
واشياء اخرى بادق التفاصيل. فهل كان المسلمون او
العرب في
حالة من النضج الاجتماعي في تلك المرحلة التاريخية
المبكرة
لكي تطرح مسالة الديمقراطيةوالاقتراع في آيات
القرآن الكريم
بحيث تجري بعد ذلك محاولات غامضة وبالغة التشوش
والاضطراب لتفسير ماهية تلك الديمقراطية المغدورة
وغير
القابلة للتطبيق من قبلعلماء المسلمين السنة في
عشرات
الكتب التي يعرف اصحابها انهم يعيشون قانعين في ظل
انظمة
ملكية استبدادية بعيدة حتى عن حمل صفة انها اسلامية
رغم
وجود حضارةاسلامية حقيقية ومبهرة؟
لكل هذا، الا يبدو اطلاق توصيفات تحمل مصطلحات مثل
الديمقراطية والثيوقراطية، عاجزة عن استيعاب
توصيف
الفريقين: السنة والشيعة، او عن وصف المرحلة، او
حتىعن
استنتاج ان اللّه سبحانه اراد من خلال الشورى ان
يعني المبدا
الديمقراطي والانتخاب كما نعرفه اليوم في بعض
بلاد خلق اللّه
الاوروبية، وبالتاكيد ليس في العالم الاسلامي؟!
وبعد.. هل التشيع يوتوبيا (بمعنى السعي الى
الجمهورية
الفاضلة) غير قابلة للتطبيق كما يقول الدكتور صبحي.
او ليس
الاسلام ذاته يوتوبيا يفرض خلق عالم افضل؟ ثم
اليستالديمقراطية نفسها بالتعريف اليوناني
يوتوبيا لكونها غير
قابلة للتطبيق السليم حتى في ارقى مجتمعات العالم
اليوم
بالشكل الامثل؟ قال تشرشل: ((الديمقراطية نظام
سيءولكن
لا يوجد بديل افضل)). وبهذا الاعتبار فكلنا (اقصد
النخب
المثقفة في العالم) مع الديمقراطية وضد
الثيوقراطية. ولكن
ماذا تعني الثيوقراطية لدى الشيعة في حقيقتها
اوكما طرحت
من خلال كتبهم عن حكم الامام او خليفته، الفقيه
الولي؟
اليست هي الاختيار الطبيعي لصعود الاصلح والافضل
الى سدة
الحكم؟ اليست الديمقراطية بابسطتعريفاتها هي
السعي
لايصال الاصلح لخدمة الجماهير وتحقيق العدالة
والتكافؤ لهذه
الجماهير بما في ذلك عدالة التوزيع للثروات. وان
كان ذلك
عن طريق صناديق الاقتراع؟اليس تاريخ المؤسسة
الشيعية في
بروز المرجعيات الكبيرة المعروفة دلالة واضحة
باعتراف
المؤرخين على ذلك الانتخاب الطبيعي لوصول الاعلم
والاتقى والاعدل لزعامةالطائفة ليصبح اهلا
للتقليد ومن ثم
الى قيادة الجماهير بعد ذلك؟.
وهل الديمقراطية، بالتعريف الغربي الراهن، الا احد
الحلول
المطروحة للوصول الى الافضل لتحقيق اماني الشعب
بحيث
يبدو ان الشعب يحكم نفسه بنفسه؟ ثم الا
يعترفالباحث د.
صبحي بان مسالة العصمة ضرورية وموجودة دائمة في كل
نظام سياسي، اكانت للامة، للاجماع، للدستور، لمجلس
الشعب، للامام الخ.. الخ..!((101)) فلماذا يبدوذلك التناقض في
البحثين بالاعتراف بوجود العصمة دائما وبرفض
اسباغها على
ائمة الشيعة الاثني عشر من خلال تفسير الاية
القرآنية الشهيرة
(يريد اللّه ليذهب عنكمالرجس اهل البيت ويطهركم
تطهيرا).
تلك الاية التي اجهد علماء السنة انفسهم في تاويلها
تعسفيا
لكي يبعدوا اي تفسير يستنتج منه انها تخص اهل بيت
النبي
الذين غابوا..رحمهم اللّه واسبغ عليهم السلام.
فهل خلع الامام الصادق العصمة على الامام علي
والائمة من
بعده، ولماذا لم يصف الامام علي نفسه بها؟((102))
ولماذا
يعترف المؤلف المذكور بعد ذلك بان الامام وصفنفسه
بذلك
في خطبته المثبتة في نهج البلاغة والتي اوردها ابن
ابي
الحديد بناء على تفسير الشيعة لهذه الخطبة((103)) ثم
يقوم
الكاتب بنفي هذا التفسير، بل ربما نفي
مرجعيةالنهج باكمله
للامام علي(رض)((104)) . من خلال كل ما تقدم، هل يمكن ان يثق القارىء المنصف بنية الباحثين: علي النشار واحمد صبحي بالوصول الى الحقيقة في منهجهما التجريبي الاستردادي والفلسفي، فيضوء ذلك الكم من التناقض والجدل والتحايل والبراغماتية، ليبدو جهدهما البحثي مجرد اضافة او تتمة لبحوث الفئات المعادية للتشيع في محاولة لحجب الحقيقة، من خلالالتعصب المقيت ذلك التعصب الذي جهدا في اسقاطه على الشيعة عن الجماهير الاسلامية؟ ثم الا يبدو رايا متناقضا فعلا ذلك الذي سطراه في المقدمات عن حيادهما اولا،وبعدهما عن البناء على نهج المستشرقين في الاساءة للاسلام اخيرا؟ مبادىء نظام الحكم الاسلامي بين التطبيق والالغاء د. محمد طي
ليس الاسلام دينا ناجما عن التطور الطبيعي
للفكر البشري في
مجال الالوهية ومواقفها من البشر ومواقف البشر
منها في
الحضارات التي سبقته، ولا هو فقط مجموعة
منالعبادات التي
تصل المخلوق الفرد بالخالق، بل هو نهاية فكر
الرسالات
السماوية التي نزلت على الانسانية في جميع العصور
السالفة،
فشكلت الثورة المستمرة ضد الممارساتالتي كان
يفرضها
العقل البشري ابتكارا او تحويرا لما بعث اليه من
شرائع بقصد
تسويغ انظمة حكم واجتماع تماشت مع مصالح القوى
الغالبة
في المجتمعات، وممارسات نابعةمن غرائز الافراد
مستجيبة
لمنافعهم الخاصة.
فالاديان السماوية كانت تقيد صلاحيات الحكام على
اساس
انهم مامورون لاله اعلى ينظم طرائق تعيينهم ويحدد
واجباتهم وحقوقهم، وتبين كذلك واجبات
المواطنينوحقوقهم التي لا تمس، على ان تكون
العبادات
حافزا ومذكرا للجميع فلا يتجاوزوا الحدود الخاصة
بكل منهم
(واقم الصلاة لذكري) طه/14 ».ومن هنا كان
الصراعالتاريخي القائم بين الدين الصحيح وبين
الحاكمين منذ
وجود المجتمعات البشرية على الارض حتى اليوم،
والذي
كتبت فيه الغلبة حتى هذه الساعة للحاكمين.
ونحن، هنا، اذ نركز بحثنا على الاسلام، فاننا لا
نقصد الاسلام
وحده، بل نستشهد به لما يطرحه من نموذج حكم غير
متبلور
بشكل كاف وواضح في الاديان الاخرى، لا سيمافي
مصادرها
الاساسية.
وهكذا، فاننا من اجل اثبات المقدمة المطروحة اعلاه
على ضوء
احكام الاسلام وغيره من الاديان في حدود معينة،
فسوف
نستعرض اولا نظام الحكم الاسلامي الذي نزل
بهالقرآن
ومارسه الرسول(ص) والخلفاء الذين اتوا بعده، ثم
نقارن بينه
وبين انظمة الحكم التي تلت حتى الامس القريب والى
اليوم،
لنبين لحظة او لحظات حصول الاختلاف اذاكانت حصلت
فعلا.
النظام الذي ثارت عليه الاديان السماوية
كان ذلك النظام يعتبر رئيسه الها او وكيلا عن الاله.
ففي مصر القديمة، كان الملوك يعتبرون، ابان حياتهم
((آلهة))، فهم يتحدرون بالولادة المباشرة والشرعية
من
((الالهة)) القدماء الذين سادوا على مصر منذ عصر
الاسر
((الالهية))،((فالملك بمجرد تكونه في رحم امه كان
((الها))
وكانت تصحب ولادته احتفالات تتضمن التشريف الموجه
ل((اله)) ويبقى ((الها)) طوال حياته ويستمر بعد موته.
.))((105))
.
اما في بلاد الرافدين فان الملك كان ((يمثل اللّه في
المدينة،
وهو حبره او وكيله ووسيطه لدى الناس، انه الوسيط
بين
الانسان والاله))((106)) ).
اما اختياره فكان اختيارا ((الهيا))، وكان عند
تنصيبه يرتدي
الثياب الكهنوتية ويطوف الشوارع في موكب مهيب
ممسكا
بصورة ل ((الاله)) مردوخ((107)) .
وفي بلاد الصين، كان الامبراطور يحكم وفقا لما
يسمونه
((الحق الالهي)) بتفويض من ((السماء))، وهو ((ابن
السماء))
وهو الكاهن الاعلى، ولهذا فان مملكته كانت تسمى
((تيانشان)) اي المملكة المحكومة من السماء.
على ان هذه الاعتقادات، وان خفت حدتها في ما بعد او
جرى
تحويرها، الا ان صلاحيات الحكام بقيت صلاحيات
((الاله))
الذي بيده الحياة والموت والاعطاء
والحرمانومصادرة الارزاق
والحريات كلما اراد ذلك.
فالناس يقتلون لاتفه الاسباب، بل وعلى الظن في معظم
الاحيان، والارزاق تصادر ويساق الناس الى السخرة
حيث
يعملون دون شفقة في الاشغال العامة او في بناء
المعابدوالقلاع
والقصور. وما الاثار الجبارة التي لا تزال ماثلة
حتى اليوم الا
الدليل على ذلك: من اهرام مصر ومعابدها وسدودها
القديمة
الى المعابد الكلدانية والرومانية التي قضىفي
العمل فيها مئات
آلاف الرجال، خضوعا لحق الحاكم المطلق بالتصرف بهم.
اذا كانت ((الوهية)) الحاكم تمنحه حقوقا على الحياة
وعلى
الحرية وعلى الارزاق غير محدودة، وقد جاءت الاديان
السماوية
لتواجه كل هذا بانظمة تناقضه تمامالمناقضة.
المبادىء الاساسية لنظم الاديان السماوية
ان المبدا الاول والاساس الذي تبنى عليه الاديان
السماوية هو
وحدانية اللّه تعالى، فلا اله ارضيا ولا سماويا الا
اللّه الواحد الاحد
الذي لا يشاركه شيء في الوهيته، لا على قدرهولا
اصغر. وفي
هذا يقول القرآن الكريم: (قل هو اللّه احد)جالاخلاص/1
» كما
يكرر: (انما الهكم اله واحد) جفصلت/6» و (انما هو اله
واحد
جابراهيمر52» (وما كان معه من الهاذا لذهب كل اله
بما خلق
ولعلا بعضهم على بعض) جالمؤمنون/91».(ولو كان فيهما
آلهة
الا اللّه لفسدتا) جالانبياءر22».
ولما كان اللّه واحدا احدا، كان هو خالق كل شيء،
وهكذا فمن
الواجب ان يكون ربا للسماوات والارض، للكون
باجمعه، فلا
شريك له من خلقه ولا ند له. (2/22، 12 /41 3،/9) فهو اذا
المستحق للعبودية وحده (35/13 و40/66) الامر الذي يقضي
باجتناب العبودية للمتنطحين للربوبية وللالوهية
دون اللّه:
(وبعثنا في كل امة رسولا انما اعبدوا اللّهواجتنبوا
الطاغوت)
جا لنحل/36».
وقد جاء في التوراة ايضا: ((انا الرب الهك، لا يكن لك
آلهة
اخرى امامي، لا تصنع لك تمثالا لا منحوتا ولا صورة
مما في
السماء من فوق وما في الارض من تحت وما في الماءمن
تحت
الارض ولا تسجد لهن ولا تعبدهن))((108)) .وهذه كانت اولى
الوصايا العشر.
اما عبادة اللّه فهي تنفيذ ما امر به والابتعاد عما
نهى عنه.
وقد امر اللّه فيما امر بعدم الشرك، فهو اثم لا
غفران له: (ان اللّه
لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)
جالنساء/48
و19 1 ».
وعدم الشرك يقضي ليس فقط بعدم الايمان باله آخر من
دون
اللّه بل هو يقضي تبعا لذلك ان لا يطاع احد اذا كان
عاصيا
لاوامر اللّه ف ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق))
)((109))ويكون
عاصيا للّه كل من يعمل برايه الخاص، لانه
يكون مشاركا للّه في سلطته التي لم تترك شيئا الا
نظمته كما
يقول تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)جالانعامر(
38»ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) جا لنحل/89».
وفي المجال السياسي، فان اللّه اكد انه هو مصدر كل
سلطة ولا
يمكن ان تصدر السلطة من غيره اذ يقول: (قل اللهم مالك
الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء)جل
عمران/26» ويقول: (ان الحكم الا للّه) جالانعام/57
ويوسفر
40و67».
وهذا الملك او السلطة التي للّه والتي يؤتيها من
يشاء، يرى بعض
الباحثين انه تعالى وضع شروطا لتفويضها في حين لا
يرى
بعضهم الاخر مثل هذا الراي. اما من راى الرايالاول
فيقول ان
هذه الشروط تتلخص بان يكون مؤمنا ولا يكون من
الظالمين
اي المرتكبين للاثام والخطايا (انما وليكم اللّه
ورسوله والذين
آمنوا الذين يقيمون الصلاةويؤتون الزكاة وهم
راكعون)
جالمائدة/55».
واذا كان هذا هو الشرط الايجابي فان الشرط السلبي
ابلغه اللّه
تعالى ابراهيم(ع) الذي جعله للناس اماما اي قائدا
ومثالا وهو
انه: (لا ينال عهدي الظالمين) جالبقرةر124»،
ولكن
اللّه على
كل الاحوال لا يكتفي بالضمانات الذاتية التي قد
تخفى على
الناس، لذلك فهو يامر الحاكم بان يحكم بما انزل
اللّه. (ومن لم
يحكم بما انزل اللّه فاولئك همالظالمون)
جالمائدةر45» و
(الفاسقون) جالمائدة/57» بل و (الكافرون) جا لمائدة/44».
فما هي المبادىء الاساسية لحكم اللّه؟
لقد تبلورت في الحكم الاسلامي، في عهد الرسول(ص)، ثم
في
عهد الخلفاء بعده، مبادىء تحدد صلاحيات الحاكم
وواجباته
في الداخل والخارج من نشر الدعوة والدفاع عنبلاد
الاسلام
وتحصيل الفيء وسائر الحقوق العامة وتوزيعها
واشاعة العدل
واقامة الشعائر.
وقد استمر الحكام المسلمون يمارسون حقوقهم، الا
انه في
مجال التزامهم بواجباتهم حصل اختلاف واضح وذو طابع
تناقضي بين ممارسات الخلفاء الاوائل
وممارساتالحكام الذين
تلوا، الا انه مما لا يختلف عليه اثنان اننا لا بد
ان نقتبس من
سنة الخلفاء الاولين، اضافة الى سنة الرسول، حتى
نتبين
المعايير الاسلامية الصحيحة، ثم نتابع ما تلاتلك
المرحلة لنرى
قرب الحاكم او بعده عن الاسلام.
الواجبات الاساسية للحاكم: ان اهم ما يكشف عن طبيعة
حكم
ما هو علاقته بالشعب اولا وقبل كل شيء، ذلك لان
علاقة
الحاكم بالخارج لا بد ان تنبثق من ذلك. فالحاكم
الذييحمل
رسالة للاخرين عليه ان يطبق نموذجها في بلاده ولا
يمكن ان
يكون الحاكم في الخارج غيره في الداخل.
اما اهم المبادىء التي كرسها الحكم الاسلامي على
هذا الصعيد
فهي تلك المتعلقة بحياة الناس وحرياتهم وحقوقهم
كما
سنوضحه فيما يلي:
علاقة الحاكم بالمحكوم: ان الواجب الاساس الواقع
على الحاكم
تجاه المحكوم هو الصدق والاخلاص والارشاد وتوفير
الفيء
واشاعة العدل والتمسك بالسنة على وجه عام،يقول
علي(ع)
في هذا المجال مخاطبا سائر الناس: ((اما حقكم علي
فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كيلا
تجهلوا..))((110)) .
ان على الامام ((الابلاغ في الموعظة والاجتهاد
والنصيحة
والاحياء للسنة واقامة الحدود على مستحقيها واصدار
السهمان
على اهلها))((111)) .
فاذا لم يقم الحاكم بواجباته فان على المسلمين ان
يثوروا
عليه. فقد قال ابو بكر في خطبته التدشينية: ((.. فان
احسنت
فاعينوني وان اسات فقوموني))((112)) .
كما ان عليا يسوغ الحركة ضد الحاكم اذا احدث
((حدثا))، فقد
كتب الى عماله حول حركة طلحة والزبير انهما قاما
ضده دون
حدث احدثه((113)) .
الوفاء بالعهود: لقد عانت البشرية من الاساليب
اللاانسانية في
التعامل بين القوى لا سيما في حالات الحروب
والازمات، حيث
كان يباح كل اسلوب يخطر على البال اذا كانممكنا.
وقد ترتبت
على ذلك مس وفظائع دفعت في العصور الحاضرة الى
التفكير
بالحد من الويلات والظلم لان المنتصر اليوم قد يكون
منهزما
غدا. ومن جملة المبادىء التيكرست، مبدا الوفاء
بالعهود الذي
ما زال الالتزام به مرهونا بالظروف، اذ يلتزم
الكبار به فقط تجاه
الكبار، ولا يلتزمون به تجاه الصغار.
اما الاسلام فقد الزم الناس به بشكل مطلق، اذ فرضه
القرآن
الكريم في العديد من الايات، كالاية 34 من سورة
الاسراء التي
تقول: (واوفوا بالعهد ان العهد كان مسؤولا). كما
انالرسول
كان يامر بالوفاء بالعهود وقد وصل الامر الى قرن
الوفاء بالصلاة،
اذ جاء في الحديث: ((وآمركم بالصلاة والوفاء
بالعهود))((114))
.
وقد التزم الرسول بهذا المبدا عمليا كما التزم به
قادة الاسلام،
وفي مقدمهم علي بن ابي طالب الذي اعطى موافقته في
صفين على التحكيم تحت ضغط جيشه، ثم رفضالتراجع
بعدما
ايقن بعض من كان موافقا على التحكيم انه كان خطا
ارتكبوه.
وقال علي حاثا على الوفاء: ((الوفاء توام الصدق ولا
اعلم جنة
اوقى منه. ولا يغدر من علم كيف المرجع))((115)) .
حق الانسان بالحياة: لا يجوز في النظام الاسلامي
اللجوء الى
القتل الا عقوبة في حال ارتكاب المتهم جرم القتل او
الفساد
في الارض، وذلك على اساس الحكم القرآنيالقائل: (من
قتل
نفسا بغير نفس او فساد من الارض فكانما قتل الناس
جميعا)
جالمائدةر32».
وهذا حكم لا ينطبق على سائر الناس فقط بل وعلى
الحكام
قبلهم. والدليل ان علي بن ابي طالب(ع) ينبه مالكا
الاشتر
حين ارسله الى حكم مصر بقوله: ((اياك والدماء،وسفكها
بغير
حلها.. فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام.. ولا عذر لك
عند
اللّه وعندي في قتل العمد لان فيه قول البدن (اي
المعاقبة
بالقتل)))((116))
.
وهذا ما التزم به علي(ع) نفسه عندما كفره الخوارج
واخذوا
يتجمعون في بعض الاماكن وطلب منه قتالهم فرفض على
اساس انه لا يحق له ذلك، فكان يخاطب الخوارج
قائلا:((لا
نبداكم بقتال حتى تبداونا به))((117)) وقد تقيد الامام
بهذا
الموقف حتى عمد الخوارج الى قتل الناس فقاتلهم عند
ذلك.
حق الملكية الخاصة: لقد حدد الاسلام حقوق السلطة في
اموال الناس ولم يجز للحكام تجاوزها. وهذا ما اكد
عليه
علي(ع) في وصاياه لعماله بقوله: ((لا تمسن مال احد
منالناس مصل او معاهد))((118)) .
وحتى حالة الحرب لم تكن لتبرر نقض هذا المبدا فقد
كان
علي(ع) يوصي قادته السائرين الى القتال بالتقيد به
في كل
الظروف بقوله: ((ولا تستاثرن على اهل المياه
بمياههمولا
تشربن مياههم الا بطيب انفسهم ولا تظلم معاهدا ولا
معاهدة
ولا تسخرن بعيرا ولا حمارا وان ترجلت وحبست))((119)) .
على ان الحفاظ على اموال الناس لم يتوقف عند حرمة
اخذ ما
ليس بحق منهم، بل هو يصل الى حدود ابعد، وذلك بتحريم
تحصيل الحقوق العامة اذا كان الامر سيفضي
الىاستخدام
الاكراه او بيع الضروريات، فقد اوصى علي رجلا من
ثقيف
استعمله على الخراج بقوله: ((اياك ان تضرب مسلما او
يهوديا
او نصرانيا في درهم خراج او تبيع دابةيحمل عليها
في
درهم))((120))
.
وكان يوصي ايضا: ((ولا تبيعن الناس في الخراج كسوة
شتاء او
صيف))((121))
.
على ان احترام الحقوق والمحافظة عليها لم يكن يقتصر
على
امتناع الحاكم من الاعتداء عليها وحسب بل هو يحرم
عليه ان
يفتئت عليها بنظمه حتى ولو كانت معاملات
بينالافراد. فقد
حاول عمر بن الخطاب ان يحدد مهور النساء عندما رآهن
يغالين فيها، فقامت امراة في المسجد وقالت له: ان
هذا ليس
لك لان اللّه تعالى يقول: (وان اردتم استبدالزوج
مكان زوج
وآتيتم احداهن قنطارا فلا تاخذوا منه شيئا
اتاخذونه بهتانا
واثما مبينا) جالنساءر20» فتراجع عمر وقال: اخطا عمر
واصابت
امراة((122))
.
ويمكن ان يلحق باحترام حق الملكية منع السخرة، فقد
حرمها
الاسلام، ومن هنا فان عهد الاسلام الاول لم يتميز
باقامة
المنشآت الجبارة من المعابد والقصور، وربما كان
هذافي اصل
ملاحظة ابن خلدون: ((ان العرب ما حلوا في ارض الا
سارع
اليها الخراب)) والتي بناها على عدم اقامة المسلمين
لمثل
هذه المنشآت))((123)) .
ولعل اهم النصوص في هذا المجال ما اوصى به علي عماله
بقوله: ((الا لا تسخروا المسلمين))((124)) .
على ان منع السخرة بهذه الصورة لم يكن ليبيح
الاكراه على
العمل حتى في سبيل المصلحة العامة او الشخصية، على
اساس
مبدا ((لست ارى ان تجبر احدا على عمل يكرهه))، فقد
اقترح
بعض الفلاحين على علي بن ابي طالب(ع) ان يعيدوا حفر
نهر
دارس ليستفيدوا منه، فاوصى عامله في ذلك بقوله: ((..
فمن
احب ان يعمل فمره بالعمل والنهر لمنعمل دون من
كرهه))((125))
.
الجرائم والعقوبات يحددها القانون:
وهذا المبدا يعني ان الجرائم يحددها القانون وكذلك
العقوبات
ولا يعتبر عمل ما جرما الا اذا كان سبقه قانون يعتبر
مثله من
الاعمال جرما، وكذلك لا توقع عقوبة بشخص ما لميكن
قبلها
قد وضع قانون يامر بايقاعها.
وفي الاسلام، حدد اللّه الجرائم والعقوبات ولم
يترك لاية سلطة
اخرى امر الاضافة والابتكار، بل سمح فقط
بالاستنباط
والتفريع، فاذا خالف احد هذا المبدا فان ما يقوم
بهباطل.
لقد حدد عمر بن الخطاب مهمة الخليفة بقوله: ((... الا
ان احق
ما تعاهد به الراعي رعيته. ان يتعاهدهم بالذي للّه
تعالى عليهم
من وظائف دينهم الذين هداهم به: انما علينا
اننامركم بالذي
امركم اللّه من طاعته وننهاكم عما نهاكم اللّه عنه
من معصية
وان نقيم امر اللّه في قريب الناس وبعيدهم))((126)).
ويوضح علي بن ابي طالب مبدا شرعية الجرائم
والعقوبات
مركزا على ان اللّه قد حدد ما يجب وما لا يجب كما حدد
العقوبات وذلك بقوله: ((الحلال ما احل اللّه والحرام
ما
حرماللّه))((217)) .وما عدا احكام اللّه
الملزمة فكل تصرف مباح
على مبدا. (ما كلف اللّه نفسا الا ما آتاها)
جالطلاقر7».
وهكذا فان
عمر الخليفة، فيما كان يطوف بالبيت الحرام،
وجدرجلا يطوف
امامه فضربه بالدرة ليفسح له الطريق. فاذا بذلك
الطائف
يناقشه ويثبت له عدم شرعية عمله لان اللّه لم يعطه
الحق في
ذلك، فما كان من عمر الا ان اخذ يتوسل اليهكي يقتص
لنفسه،
محاولا اعطاءه الدرة لضربه، ولكن الرجل ابى..
وعلي بن ابي طالب(ع) شتمه احد الخوارج، فهب جماعته
ليقتلو الخارجي، فمنعهم علي على اساس ان الحكم
الالهي لا
يسمح بذلك قائلا لهم: ((رويدا انما هو سب بسب اوعفو
عن
ذنب)).
على ان الذنب الذي يستحق العقوبة يجب ان يكون قد وقع
وان
تكون السلطة المعنية قد تاكدت من وقوعه. اما اذا
كانت
المسالة ظنية فقط فلا تجوز العقوبة لان (الظن لا
يغنيعن
الحق شيئا) جالنجمر28 ويوسفر36».
وقد اكد علي بن ابي طالب(ع) هذا المبدا في حواره مع
الخريت بن راشد الذي اتى يخبره ان بعضا من الناس
سيخرج
عليه، مقترحا عليه ان يضرب اعناقهم. فاجاب
الامام:((اني لا
آخذ على التهمة ولا اعاقب على الظن))((218))
وكان يوصي
قضاته بالقول: ((اذا كان في الحد لعل وعسى فالحد
باطل))((129))
وبقوله: ((دع عنك اظن واحسبوارى))
واخير((130))ا
فان حق الدفاع لا يجوز المساس به في الاسلام،
فالمحاكمة يجب ان تكون مقابلة بين الخصمين (
حزخرژحخحچزژذرا ) وقد اكد هذا علي بن ابي
طالببقوله: ((ان
الحدود لا تستقيم الا على المحاجة والمقاضاة
واحضار
البينة))((131))
.
الحريات البدنية: ان الاسلام يؤمن الحرية للناس
ويحرم الظلم
والتعسف، وقد نطقت بذلك الايات القرآنية والاحاديث
الشريفة، وعلى ذلك سار الخلفاء الاول، فخارج
اطارالحدود
(العقوبات المحددة شرعا) لا يجوز حجز الحرية ولا
التعذيب
لانهما تعد لحدود اللّه (ومن يتعد حدود اللّه
فاولئك هم
الظالمون) جالبقرةر229».وقد نهى اللّه عن الظلم
فيالقرآن
في عدد كبير من الايات كقوله تعالى: (ومن يظلم منكم
نذقه
عذابا كبيرا) جالفرقانر19 ».و (انما السبيل على الذين
يظلمون
الناس ويبغون في الارض بغير الحق اولئكلهم عذاب
اليم)
جالشورىر42».
كما ان الرسول(ص) حذر المسلمين من الظلم بقوله: ((فلا
تظلم الناس))((132)) وقوله: ((الا لا تظلموا لا
تظلموا لا
تظلموا)) كما حثهم على مواجهة الظالمين بقوله: ((ان
الناساذا راوا الظالم فلم ياخذوا على يديه اوشك
ان يعمهم اللّه
ب((133))عقاب))
.
وقد تقيد الخلفاء وخاصة علي بن ابي طالب باحكام
الحفاظ
على الحريات، فهو لم يقيد حرية الحركة والانتقال
حتى
لاولئك الذين كان يخشى ان يتحركوا ضده، فهو لم
يمنعطلحة والزبير من ترك المدينة الى مكة، رغم
انه كان
يعرف انهما لم يقصدا ((العمرة)) التي ادعيا بل
((الغدرة)) كما
قال.
وهو لم يقيد حركة الخوارج ولم يمنع الفارين الى
معاوية.
كما ان عليا حرم ممارسة العنف على الناس من دون وجه
حق،
فالمتهم لا يجوز تعذيبه مهما كانت تهمته. فحتى في
تهمة
القتل قضى علي ب ((التلطف باستخراج الاقرار
منالظنين))((134)) .
ثم هو رفع العقوبة عن المقر اذا كان اقراره قد اتى
نتيجة لعنف
على شخصه او ماله او نتيجة لتهديده. فكان يقول: ((من
اقر
عن تجريد او حبس او تخويف او تهديد فلا حدعليه))((135)) .
هذا وكان علي لا يقر السجن في مسائل الحقوق المالية
الا في
حالات استثنائية، وهي تدخل اليوم في قوانين
الجزاء، وذلك
لان الحرية اثمن من المال، فكان لا يسجن
الاالمفاليس
الاحتياليين ومن اكل مال اليتيم ظلما ومن ائتمن على
امانة
فذهب بها، كما كان يسجن الغالين من الاثرياء او
المبذرين
بقصد حرمان دائنيهم من حقوقهم((136))23).
واخيرا فان الدولة الاسلامية كانت تضمن اخطاء
القضاة، فكانت
تدفع التعويض للمظلوم او لاوليائه عند حصول ذلك
الخطا((137))
.
اما اخطاء عامة الموظفين فان الدولة تضمنها بتوفير
حق الناس
والعودة على الموظفين المرتكبين. ويؤكد عمر هذا
المبدا
بقوله: ((ايما عامل من عمالي ظلم احدا، ثم
بلغتنيمظلمته
فلم اغيرها فانا الذي ظلمت))((138)) .ويضيف عمر: ((والذي
بعث محمدا بالحق لو ان جملا هلك ضياعا بشط الفرات
خشيت ان يسال اللّه عنه آل الخطاب)) ((139))هذا
وقد نبه
علي بن ابي طالب عثمان الى هذا المبدا الاسلامي
فقال له:
((واللّه لو ظلم عامل من عمالك حيث تغرب الشمس لكان
اثمه
مشتركا بينك وبينه))((140)) ..
المساواة: يشدد الاسلام على المساواة بشكل غير
عادي،
فالرسول(ص) يرى ((انه لا فضل لعربي على اعجمي الا
بالتقوى)) وان المسلمين ((سواسية كاسنان المشط))،
وقدطبق هذا المبدا في ايام الرسول وايام الخلفاء.
فعلى صعيد العطاء للمسلمين، كجنود احتياطيين، كان
الفيء،
في زمن رسول اللّه(ص)، يوزع بالتساوي، وقد تبعه في
ذلك ابو
بكر ثم عمر في الفترة الاولى من خلافته. ولكن مالبث
ان وضع
معيارا يقوم على التفاضل المبني على السابقة في
الاسلام
وعلى الجهاد وعلى القربى من الرسول. الا انه بعد
التجربة
اقتنع بان العودة الى المساواة هي الطريقالصحيح((141)) .
فلما ولي علي بن ابي طالب(ع) اعاد المساواة، معتبرا
ان الفيء
((ليس لاحد فيه على احد اثرة، فقد فرغ اللّه عز وجل
من
قسمه))((142))
ولما احتج القوم على هذه المساواةاجابهم
علي: ((لو كان المال مالي لسويت بينهم فكيف والمال
مال
اللّه))((143))
.
اما ما خلا مسالة العطاء فان المساواة لم يكن عليها
خلاف بين
قادة المسلمين، فهذا عمر يوصي خليفته المحتمل
بقوله:
((واجعل الناس عندك سواء، لا تبال على من وجبالحق،
لا
تاخذك في اللّه لومة لائم، واياك والاثرة
والمحاباة فيما ولاك
اللّه وافاء اللّه على المسلمين فتجور وتظلم))((144)) .
كما انه يمزق كتابا كتبه ابو بكر لشخصين من متاخري
الاسلام
يقطعهما فيه ارضا ثم يعاتبه بقوله: ((اهي (الارض) لك
خاصة
ام بين المسلمين عامة... فما حملك على انتخص بها
هذين
من دون جماعة المسلمين؟)) فاخبره ابو بكر انه استشار
في
ذلك. فاجاب عمر: ((افكل المسلمين اوسعتهم مشورة
ورضا؟))
((145))
.
كما ان عمر كان يتشدد مع اهله ويطلب من ولاته التشدد
معهم. فلما شرب ابنه عبد الرحمن الخمر في مصر وعلم
ان
عمرو بن العاص اقام عليه الحد في مكان محصور،
كتباليه
مهددا لعدم مساواته في المعاملة بين ابنه وبين سائر
الناس،
الامر الذي ينم عن المحاباة، وطلب اليه ان يرسله
((في عباءة
على قتب حتى يعرف سوء ما صنع. ولما وصلعبد الرحمن
الى
ابيه، اقام عليه الحد مجددا))((146)) .
هذا وسوى علي(ع) بين خاصة اهله وعامة المسلمين، فلما
طلب منه عقيل اخوه زيادة على عطائه من بيت المال،
احمى
له حديدة وامسكه اياها (وكان اعمى)، ولما طلبمنه
ابن اخيه
عبداللّه ابن الشهيد جعفر الطيار مساعدة من اموال
المسلمين،
اجابه: ((لا واللّه لا اجد لك شيئا الا ان تامر عمك ان
يسرق
فيعطيك))((147))
.
اما على صعيد المعاملات الاخرى، فان النبي لم يكن
يميز
نفسه عن المسلمين في شيء، الا انهم كانوا
يعاملونه من
تلقائهم باحترام غير محدود. وكان عمر يرفض ان
يخصبشيء
ما لم ينل منه جميع المسلمين، فقد رفض انواعا من
الحلوى
كانت تاتيه من عماله في بلاد فارس ((لان مسلمي تلك
البلاد
لم يشبعوا منها))((148)).
كما ان عليا(ع) كان يركز على المساواة الدقيقة فيوصي
عماله
بالقول: ((واخفض للرعية جناحك وآس بينهم في اللحظة
والنظرة والاشارة والتحية)) وذلك للغني وللفقير ((كي
لايطمع العظماء في حيفك ولا يياس الضعفاء من
عدلك))((149)).
هذا ويغضب علي(ع) في مجلس عمر، وكان قاضيا، لان عمر
كناه بابي الحسن بينما سمى خصمه باسمه مخلا في ذلك
بمبدا المساواة.
حرمة الحياة الخاصة: لقد حمى الاسلام الحياة
الخاصة، لا سيما
في الجانب الحميمي الذي لا يريد الانسان ان يظهره
للناس،
شرط ان لا يلحق الضرر بالاخرين، فالتجسسوكشف
المستور
محرم حتى ولو كان هناك اعتداء على حقوق اللّه.
فقد جاء في القرآن الكريم (ولا تجسسوا) جالحجراتر12 »
كما
جاء (ولا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستانسوا(
جالنورر27»
(واتوا البيوت من ابوابها) جالبقرةر 189 »
وذلك لان
البيت هو
المكان المخصص للراحة وللستر لقوله تعالى: (واللّه
جعل لكم
من بيوتكم سكنا) جالنحلر80».
وقد اوضحت السنة النبوية هذه الاحكام فنهى
الرسول(ص)
عن التجسس((150)) .لان في التجسس افسادا
للناس كما
يقول الرسول(ص): ((ان الامير اذا ابتغى الريبة
فيالناس
افسدهم))((151))
.
وهذا المبدا تمسك به علي(ع) واعطاه ابعاده في السلم
والحرب، فهو نهى قادته عن المسير بالجيش ليلا وكذلك
عن
الهجوم ليلا لان الليل سكن فحيث يكون الانسان
فكانماهو في
بيته((152))
.
كما نهى مقاتليه حتى عن دخول دور اعدائه في الحرب من
تلقائهم بقوله: ((ولا تدخلوا دارا الا باذني))((153)) .
ومن جهة اخرى نهى علي عن تتبع العورات، اذ جاء في
عهده
الى مالك الاشتر: ((وليكن ابعد رعيتك منك واشناهم
عندك
اطلبهم لمعائب الناس فان في الناس عيوبا
الوالياحق من
سترها، فلا تكشفن على ما غاب عنك منها فانما عليك
تطهير
ما ظهر لك.. فاستر العورة ما استطعت.. وتغاب عن كل ما
لا
يصح لك ولا تعجلن على تصديق ساع فانالساعي غاش وان
تشبه بالناصحين))((154)) .
كل هذا لان المعصية، كما قال رسول اللّه(ص): ((اذا
خفيت لم
تضر الا بصاحبها، ولكن اذا ظهرت اضرت بالعامة)). على
ان
الخليفة والحاكم عموما اذا اخطا في هذا المجال
عليهان
يتراجع ويمتنع عن انزال العقوبة ان كشف ان امرا
يستحقها.
وهذا ما فعله عمر بن الخطاب الذي سمع، وهو يتعسس
صوتا
مريبا منبعثا من احدى الدور، فتسلق الحائط ونزلفي
الداخل،
ونظر وهو في الظلام الى داخل البيت فوجد اناسا
يعصون اللّه،
فلما سالهم عن فعلتهم هذه قالوا: انهم اخطاوا
بواحدة بينما
اخطا الخليفة بثلاث، فاللّه يقول: ((ولا
تاتواالبيوت الا من ابوابها
وانت تسورت الحائط، ويقول: ولا تجسسوا وانت تجسست.
ويقول: ولا تدخلوا البيوت حتى تستانسوا وتسلموا
وانت لم
تستاذن ولم تسلم، فاعتذر عمروعفا عنهم))((155)) .
هذا وتبرز مسالة حرمة السرية والحياة الخاصة في
الاثبات
الواجب لعقوبة الزنا التي لا يعاقب عليها ما لم
تصبح علنية
بحيث يشهدها اربعة شهود او ان يصر مرتكبها علىطلب
العقوبة لنفسه. وقد حاول الخلفاء كماحاول الرسول(ص)
ثني
الناس عن الاعتراف بالزنا. اذ يقول علي بن ابي طالب
بمناسبة
مجيء رجل اليه واعترافه بالزنا: ((ما اقبحالرجل
منكم ان ياتي
بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس الملا، افلا
تاب
في بيته. فواللّه لتوبته فيما بينه وبين اللّه افضل
من اقامتي
عليه الحد))((156)).
الحقوق السياسية: لقد حظر الاسلام على الحاكم ان
يتعرض
للحريات السياسية من طرح الراي الى التحزب وما
اليهما:
فالرسول(ص) في الصحيفة التي كتبها في المدينة
سمحللقوى
الدينية الموجودة اتخاذ المواقف، ولم يقاتل اليهود
حتى قاتلوه.
كما ان ابا بكر لم يكره القوى التي رفضت مبايعته
كسعد بن
عبادة وبني هاشم، على البيعة.
على ان التطبيق الواضح لمبدا حرية اتخاذ الموقف
السياسي
برز في عهد علي بشكل واضح، اذ حرم الخليفة على نفسه
التعرض للجماعات السياسية ما لم تبداه
بقتال،فبمناسبة
بيعته، لم يعمد علي(ع) الى اكراه احد على مبايعته،
وهكذا فقد
رفض سعد بن ابي وقاص وعبداللّه بن عمر ومحمد بن
مسلمة
الانصاري، فتركهم الامام بعد ان اكدوا لهانهم لن
يحدثوا اي
حدث.
وفي حروبه لم يلزم علي احدا بالانضمام الى جيشه، لا
يوم
الجمل ولا في معركة صفين ولا في النهروان.
وكذلك هو لم يقاتل الجماعات التي انفصلت عن جيشه
الا بعد
ان بداته القتال. وهكذا فهو قد ترك الخوارج ولم
يستخدم
معهم الا الحوار، على الرغم من تركهم الصلاة
وراءهوتكفيرهم
اياه. فكان المبدا الذي سار عليه تجاههم الا
((يمنعهم الفيء ما
دامت ايديهم مع ايدينا ولا نحول بينهم وبين دخول
مساجد
اللّه ولا نهيجهم بحرب ما لم يسفكوا دماوما لم
ينالوا
محرما))((157))
.
وهو لم يقاتلهم الا بعد مباشرتهم قتل الناس واعمال
الفساد في
الارض على اثر مقتل عبداللّه بن خباب بن الارت
وزوجته
الحامل.
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية: اقام الاسلام
نظاما للضمان
الاجتماعي ارسيت اسسه ايام الرسول(ص) واستمر باجلى
صوره فيما بعد.
وهذا النظام يجد اصوله في كتاب اللّه، حيث تتعدد
الايات التي
تتناوله، كتلك التي تتحدث عن الزكاة (التوبةر60) او
التي
تتحدث عن الخمس (الانفالر41) وغيرهما. وقد
اقامالرسول
نظام الضمان اعتمادا على الموارد المحدودة، اولا،
وعلى
التطوع ايضا، حيث تبرع الانصار بشطر اموالهم
للمهاجرين، الا
انه تحول بفضل موارد الدولة الى ضمان كاففيما بعد.
وفي المرحلة اللاحقة، وبعد اتساع رقعة الدولة قام
نظام
الضمان في جميع ارجائها، وكان المسؤولون يبحثون
احيانا عن
الفقراء لمساعدتهم. فهذا عمر يتعسس حتى اذا
وجدمحتاجا
اعانه من مال الصدقات، فقد عثر ذات يوم على اسرة
مكونة من
امراة واطفال جياع تعللهم الام بقدر على النار فيه
ماء فقط.
فذهب عمر الى مخازن الصدقات وحمللهم على ظهره
كيسا
من الطحين وشيئا من السمن ولم يتركهم حتى اكلوا
وناموا((158))
.
على ان النظرة الاجتماعية الاسلامية نالت تقنينها
الاوضح
عند علي بن ابي طالب(ع) نظرا لشمول نظرته ونفاذ فكره.
لقد قامت فلسفة الامام علي الاجتماعية على الايمان
بان
الحقوق المفروضة في اموال الاغنياء لصالح الفقراء
كافية في
النهاية لرفع الحاجة في المجتمع، فهو يقول: ((ان
اللّهسبحانه
فرض في اموال الاغنياء اقوات الفقراء، فما جاع فقير
الا بما متع
به غني، واللّه تعالى سائلهم عن ذلك))((159)) .
على ان حق الفقير لا يقتصر على اقامة اوده فقط، بل
هو يبلغ
في حال الرخاء الاقتصادي حد الاستغناء، وكان هذا
الامر قائما
في ايام علي الذي كان يوصي عماله بالقول:((فانظر ما
اجتمع
عندك من غلات المسلمين وفيئهم فاقسمه فيمن قبلك حتى
تغنيهم وابعث الينا بما فضل نقسمه فيمن قبلنا
والسلام))((160)) .
هذه النظرية ليست نظرية الاشتراكية الماركسية
لانها تترك
الحرية للفرد ضمن الشرائع ثم تاخذ منه الضريبة، كما
انها
تتجاوز ما يحصل اليوم في البلدان التي تعتمد
نظامالتدخلية
التي تلبي الحاجات الضرورية لبعض
الفئات الدنيا، كتامين الطبابة وتغطية القسم
الاكبر من
تكاليفها للعاملين والموظفين، وبتوفير
مدخولمتواضع جدا
لمن يفقدون عملهم، اضافة الى بعض المساعدات
البسيطة
للفقراء، ممن يتقدمون لطلبها.
|
|---|