الصفحة التالية

الصفحة السابقة

وما يميز الموقف الاسلامي، كما مارسه الامام علي(ع) عن التدخلية الحديثة، هو ان جميع الناس يجب ان يوفر لهم ما يسد حاجاتهم الضرورية وحتى غير الضرورية اذا ماكانت الموارد كافية، على ان لا تقدم الضمانات للمطالبين بها فقط، بل وايضا الى اولئك الذين لا يمدون ايديهم ويقنعون باقل الاشياء، حتى يعاملوا على قدم المساواة مع سائرالفقراء، وحتى يتمكن الوالي من ذلك، فعليه ان يكلف من يثق بهم للبحث عن هؤلاء الناس ورفع حوائجهم، وكذلك حوائج الايتام والعجزة. يقول الامام علي بهذا الخصوص مخاطبا عامله المعين على مصر مالكا الاشتر: ((ثم اللّه اللّه في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين واهل البؤس والزمنى، فان في هذه الطبقة قانعاومعترا. واحفظ للّه ما استحفظك من حقه فيهم واجعل لهم قسما من بيت مالك وقسما من غلات صوافي الاسلام في كل بلد، فان للاقصى منهم مثل الذي للادنى، وكل قداسترعيت حقه ولا يشغلنك عنهم بطر فانك لا تعذر بتضييع التافه لاحكامك الكثير المهم. فلا تشخص همك عنهم ولا تصعر خدك لهم وتفقد امور من لا يصل اليك منهم ممن تقحمه العيون وتحقره الرجال. ففرغ لاولئك ثقتك من اهل الخشية والتواضع فليرفع اليك امورهم. ثم اعمل فيهم بالاعذار الى اللّه سبحانه يوم تلقاه، فان هؤلاء بين الرعية احوج الى الانصاف من غيرهم. وتعهد اهل اليتيم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسالة نفسه))((161)) .

هذا ويخص الاسلام المدينين الذين لم يبذروا والمسافرين الذين تتقطع بهم السبل الى جانب فئات الفقراء، بالمساعدة (الاية 60 من سورة التوبة والاية 41 من سورة الانفال).

الحفاظ على حقوق الناس وحرياتهم في الظروف الاستثنائية:

لم يسمح الاسلام بالتعدي على الحقوق والحريات حتى في الحالات الاستثنائية، ذلك ان التشريعات التي ناقشناها فيما سبق طبقت في جميع الحالات. فعهد الرسول(ص) كان في المدينة عهد حروب، وكذلك عهد ابي بكر وعهد عمر. واذا كانت هذه الحروب بعيدة احيانا عن عاصمة الخلافة وحتى عن جزيرة العرب كما في عهد عمر، فانها في عهد علي(ع) كانت حروبا داخلية، سواء معركة الجمل ام حرب صفين ام معركة النهروان.

وقد اوضح علي نظام الحريات والحقوق كما راينا، ولكن ليس في السلم بطبيعة الحال فقط، بل هو اعتبر احكام الاسلام في مجال الحقوق والحريات واحدة، ومن هنا كان عدم تضييقه على الخوارج على الرغم من تجهيزه للمسير الى الشام، وهو لم يعامل معاوية بالمثل في مسالة الماء، فبعد ان كان جيش الشام قد منع جيش الامام علي من الشرب عندما استولى على شريعة النهر، فان عليا الذي امر قادته بانتزاع شريعة الماء، ابلغ معاوية ان لجيشه الحق بورود الماء كما لجيش الامام نفسه.

وهذه مسائل لا تستطيع حكومات اليوم تبنيها، بل هي تتعمد في حالة الحرب او في حالة الكوارث الى اعلان حالة الطوارىء وحالة الحصار، التي تسمح بمصادرة الاموال والاشخاص وتقييد الحريات وتحديد اقامة فئات من الناس. كل هذا لم يمارسه الامام علي على اساس ان اللّه لم يسمح به.

انهيار النظام الاسلامي هذا النظام المتطور الذي لم تصل اليه الانسانية اليوم، لم يعمر طويلا بل هو انهار ليقوم بدلا منه نظام استبدادي، على غرار ما سمي ((نظام الاستبداد الشرقي)) استمر لقرون طويلة، فضرب بمكاسب الاسلام كلها عرض الحائط. فكيف انهار هذا النظام؟ لقد انهار النظام الاسلامي كله بوصول معاوية بن ابي سفيان الى الحكم، حيث ارتد في موضوع تعيين الحاكم وفي صلاحياته وفي موضوع حقوق الانسان وحرياته، الامر الذي عبر عنه باقامة الملك العضوض بدلا من الخلافة. فكيف مارس معاوية مهماته؟ الحق في السلطة: لقد كان المعين لمعاوية في وصوله الى السلطة ((قميص عثمان))، اذ ان العامل الاموي على الشام ترك عثمان يحاصر ويقتل رغم استنجاده به.

وبعد ان قتل تصدى للمطالبة بثاره، مقاتلا الخليفة الشرعي علي بن ابي طالب(ع) حتى اذا اغتيل علي توصل معاوية الى ممارسة الحكم على المسلمين.

اذا اقام معاوية سلطة على الاساس القبلي الذي اتى الاسلام لينسفه، معتمدا الاتهامات غير الصحيحة ومتوسلا بالخداع وحجب المعلومات الحقيقية، حتى اذا وصل الى مايريد، كشف عن اغراضه بكل وضوح فكانت مبادىء حكمه هي التالية:

مهمة الحاكم: بعد ان كانت مهمة الخليفة، تعليم الرعية ووعظهم والنصح لهم اضافة الى اشاعة العدل وتوفير الفيء واقرار النظام، كما راينا، تحولت في زمن معاوية الى تامر وتسلط مبني على الاستخفاف بالعهود التي قدسها الاسلام.

فقد اعلن عندما وصل الكوفة انه لن يلتزم باي اتفاق وانه لا يريد الا التحكم وذلك في خطابه الذي جاء فيه: ((يااهل الكوفة، اترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج، وقد علمت انكم تصلون وتزكون وتحجون، ولكني قاتلتكم لاتامر عليكم والي رقابكم. وقد آتاني اللّه ذلك وانتم كارهون الا ان كل دم اصيب في هذه الفتنة مطلول وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين))((162)) اما خطابه لاهل المدينة، من ابناء المهاجرين والانصار، فلم يكن افضل، اذ يعلن انه حكمهم بالقوة ويرفض السير على نهج ابي بكر وعمر فهو يقول: ((اما بعد، فاني واللّه ماوليتها بمحبة علمتها منكم ولا مسرة بولايتي، ولكني جالدتكم عليها بسيفي هذا مجالدة.. وقد رضت لكم نفسي على عمل ابن ابي قحافة واردتها على عمل عمر، فنفرت من ذلك نفارا شديدا))((163)) .

اما التعليم والتاديب والنصيحة التي التزم بها الخلفاء الاول، فقد تحولت في ايام معاوية الى رشوة وتجهيل واخافة، واستمرت في عهد خلفائه حتى ((ان الشيوخ من اهل الشام(كانوا) يقسمون لابي العباس السفاح انهم ما علموا لرسول اللّه(ص) قرابة ولا اهل بيت يرثونه غير بني امية حتى وليتم الخلافة))((164)) .

هذا وكان معاوية اعلن بنفسه جهل اهل الشام بمن بنوا الاسلام يوم قال مخاطبا عمار بن ياسر: ((ان بالشام مئة الف فارس، كل ياخذ العطاء، مع مثلهم من ابنائهم وعبدانهم لايعرفون عليا ولا قرابته ولا عمارا ولا سابقته ولا الزبير ولا صحابته ولا طلحة ولا هجرته ولا يهابون ابن عوف ولا ماله ولا يتقون سعدا ولا دعوته))((165)) .

حق الانسان بالحياة كان معاوية يستخف بهذا الحق استخفافا ملفتا، اذ فكر بابادة جزء من الموالي، وذلك لا لذنب سوى انهم موال، وقد ينتفضون على العرب وعلى الحكم يوما ما. فهو يقول للاحنف بن قيس: ((اني رايت هذه الحمراء قد كثرت.. وكاني انظر الى وثبة منهم على العرب والسلطان فقد رايت ان اقتل شطرا وادع شطرا لاقامة السوق وعمارة الطريق..))((166)) .وقد سار خلفاؤه على تزكية الحساسيات بين الموالي والعرب، فكان الحجاج يخاطب الموالي بالعلوج والاعاجم ويبقي الجزية على مسلميهم حفاظا على مداخيله. وقد كتب الى عماله: ان الخراج قد كسر وان اهل الذمة قد دخلوا الاسلام ولحقوا بالامصار فامر بارجاعهم وابقاء الجزية والخراج عليهم. كما ان معاوية امر بسم الحسن بن علي(ع) وقتل حجر بن عدي واصحابه كما قتل عمرو بن الحمق الخزاعي، لا لسبب الا لانه كان يخاف قطع الاول الطريق على ورثائه من بعده، ولكي يسكت اي صوت يامر بالمعروف وينهى عن المنكر. فقد كان السبب في قتل حجر بن عدي وصحبه انهم استنكروا عدم احقاق الحق على يدي عامله زياد في العراق، بعدم القود من مسلم عربي قتل ذميا وكانت النتيجة ان امر معاوية بقتله مع عدد من الرجال ممن راوا رايه((167)) .

وقد اصبح القتل من اسهل الامور عند الامويين فيما بعد حتى وصل الحال بخالد بن عبداللّه القسري عامل الامويين على العراق ان يذبح الجعد بن درهم في اسفل المنبر يوم عيد الاضحى معلنا انه سيضحي به((168)) وذلك لان الجعد يحمل رايا لا يروق السلطة. الى جانب ازهاق آلاف الارواح بدون حق.

الحق بالملكية الخاصة: لم يصن معاوية هذا الحق، وكانت مسالة العطاء هي المسالة التي جرى خرق التعاليم الاسلامية بخصوصها، فلم يكتف معاوية بالرشاوى، بل عمد الى المعاقبة بقطع العطاء عمن لا يؤيده حتى ولو كان مستعدا للجهاد، الامر الذي اخل بمبدا المساواة اخلالا فظيعا.

فعلى صعيد الرشاى كان معاوية يمنح المال الى المقربين منه، ولعل مساوماته مع عمرو بن العاص حول اعطائه مصر طعمة له، ما يبرز طبيعة تلك الرشاوى وحجمها.

اما الحرمان من العطاء فقد طال مؤيدي علي(ع) الا من بقي يرواده الامل في اسكاته او تقريبه، ولكن الفئة التي يكرهها الامويون والتي منيت بالحرمان بشكل ملفت هي،الانصار باستثناء عدة اشخاص منهم، كالنعمان بن بشير بن سعد الذي كان ابوه عينا لقريش بين الانصار يوم السقيفة. وهكذا فقد اتى وفد الانصار يطالب بحقوقهم. وقدموا على راسهم النعمان بن بشير نفسه ليشفع لهم، وهم يشكون الفقر والفاقة، وقالوا لمعاوية لقد صدق رسول اللّه في قوله لنا: ((ستلقون بعدي اثرة فقد لقيناها)).

فقال معاوية: فماذا قال لكم؟ قالوا: قال لنا: فاصبروا حتى تردوا علي الحوض.

قال معاوية: فافعلوا ما امركم به عساكم تلاقونه غدا عند الحوض كما اخبركم)).

وحرمهم ولم يعطهم شيئا((169)) .

على ان تصرف معاوية هذا فتح الباب فيما بعد ليزيد ابنه ليفتك بهم ويستبيح المدينة تقتيلا لرجالها واغتصابا لعذاراها في وقعة الحرة الشهيرة.

اما سلوك معاوية الشخصي فكان على طرف نقيض مع الخلفاء، فقد كان يلبس الحرير ويشرب في آنية من الذهب والفضة، وهذا ما كان يستنكره كبار المسلمين حتى قال له ابو الدرداء يوما: ((اني سمعت رسول اللّه يقول: ان الشارب فيهما لتجرجر في جوفه نار جهنم. فاجاب معاوية: اما انا فلا ارى بذلك باسا))((170)) .

ولعل هذا ما فتح الباب واسعا لخلفاء بني امية حتى يتنعموا باموال المسلمين، حتى ان هشام بن عبد الملك كان ((لا يحمل ملابسه الا سبعماية جمل من اجلد ما تكون من الابل واعظم ما يحمل عليه من الجمال))((171)) .

شرعية الجرائم والعقوبات: لقد وجه معاوية ضربة قاصمة الى التشريع الاسلامي عندما عبث باحد المصدرين الرئيسين له حسب اجماع المسلمين، فقد امر عماله بالبراءة ممن يروي الاحاديث في فضل علي، كما امر بوضع الاحاديث لصالح ((الصحابة)) وبان يوضع في مقابل كل حديث في علي(ع) حديث في احد الصحابة. فقد روى المدائني في كتاب ((الاحداث)) ان معاوية كتب نسخة موحدة الى عماله بعد استيلائه على الحكم ((ان برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل ((ابي تراب)) واهل بيته))، كما كتب نسخة اخرى:((ان انظروا من قبلكم من شيعة عثمان واهل ولايته من الذين يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقربوهم واكرموهم واكتبوا الي بكل ما يروي كل رجل منهم))، ففعلوا ثم كتب معاوية الى عماله ((ان الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية فاذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس الى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاءالاولين ولا تتركوا خبرا يرويه احد من المسلمين في ابي تراب الا واتوني بمناقض له في الصحابة فان هذا احب الي واقر لعيني وادحض لحجة ابي تراب.. فرويت اخباركثيرة لا حقيقة لها، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى وما يذكر في ذلك على المنابر والقي الى معلمي الكتاتيب فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى تعلموه الى جانب القرآن وحتى علموه نساءهم وحشمهم)).

وكانت النتيجة ان ((ظهر حديث كثير موضوع وبهتان فشا ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان اعظم الناس في ذلك بلية القراء المراؤون المستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الاحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا مجالسهم ويصيبوا به الاموال والضياع والمنازل حتى انتقلت تلك الاخبار والاحاديث الى ايدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فتقبلوها ورووها على انها صحيحة))((172)) .

واذا علمنا ان القرآن حمال ذو وجوه، وان السنة هي المفسرة الدقيقة له في الكثير من الاحكام، ادركنا اي انقلاب على الاسلام قام به معاوية بحيث نسف اسسه من الاعماق.اما على صعيد تطبيق المبادىء الشرعية فقد عرف التاريخ لمعاوية استهتارا وتعسفا شديدين. فقد نال مؤيدي الشرعية الاسلامية في شخص الخليفة المبايع علي بن ابي طالب، من التعذيب ما لم يعرفه التاريخ العربي ولا غير العربي في المنطقة حتى تلك الفترة، فقد ولي زياد بن ابيه، بعد ان الحقه معاوية بابي سفيان، على العراقيين فاخذ يلاحق انصار علي، ((تحت كل حجر ومدر واخافهم وقطع الايدي والارجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل وطردهم وشردهم))((173)) من دون اي مسوغ شرعي.

ثم عين الخلفاء الامويون من البيت المرواني، الحجاج بن يوسف الذي طبقت شهرته الافاق في القتل والصلب والتقطيع والتخليد في السجون.

هذا وقد راينا قتل معاوية حجر بن عدي الكندي واصحابه والت آمر على الحسن بن علي(ع) وسمه وقتل عمرو بن الحمق الخزامي واغتيال مالك الاشتر من دون اي مسوغ شرعي. هذا وقد سن معاوية ((سنة)) لعن علي بن ابي طالب على المنابر، فاستمرت طوال حكم الامويين. وعلي(ع) يعرف المسلمون ما ورد فيه من احاديث عن لسان الرسول، منها ان عليا مع الحق وان الحق مع علي وما ورد عن لسان اكابر اصحاب رسول اللّه من انهم كانوا يعرفون المنافقين ايام رسول بموقفهم من علي وقول الرسول له: ياعلي لا يحبك الا مؤمن ولا يبغضك الا كافر... على ان جرائم معاوية لم تطل فقط من لم يكن مؤيدا له، فهو كان لا يقيم وزنا حتى لذمة رسول اللّه، فكان يامر بالاغارة على اطراف العراق وعلى سواده بقصد القتل، حتى لو طال القتل النصارى وهذا ما انبه علي(ع) من اجله حين قال له:

((ويحك وما ذنب اهل الذمة في قتل ابن عفان))((174))2720).

هذا وكان معاوية يحاول احيانا كثيرا اهانة كبار المسلمين وقتلهم، من دون مراعاة لكتاب او سنة. ولكنه كان يتراجع عندما يجد عندهم الحزم ويخاف قبائلهم.

اما سائر خلفاء الامويين فقد تخلوا عن المرونة الظاهرية بعد ان استتب لهم الحكم. فهذا عبد الملك بن مروان يرفض اي نقد او توجيه، ويصرح في خطبة له: ((واللّه لا يامرني احد بتقوى اللّه مقامي هذا الا ضربت عنقه)).

ويسير عمال بني امية على النهج الجديد، فالحجاج بن يوسف الذي مات عن خمسين الف سجين عدا المصلوبين والمقطعين يقول: ((واللّه لا آمر احدا ان يخرج من باب من ابواب المسجد فيخرج من الباب الذي يليه الا ضربت عنقه))((175)) .

هذا وقد اعلن عدد من الخلفاء اللاحقين من بني امية تعاليهم على الناس وعدم قبولهم حتى بما كان يتقبله اسلافهم. فقد ودع عبد الملك بن مروان القرآن عندما بويع له بالخلافة وقال:

((هذا آخر عهدنا بك)). وخطب على منبر رسول اللّه يقول: ((يا معشر قريش، انكم لا تحبوننا ابدا وانتم تذكرون يوم الحرة، ونحن لا نحبكم ابدا ونحن نذكر مقتل عثمان))((176)) .ويضيف ((الا اني لا اداوي ادواء هذه الامة الا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم.. الا ان الجامعة، (القيد الذي يجمع اليدين الى العنق) التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي، واللّه لا يفعل احد فعلة الا جعلتها في عن((177))قه)) .

اما ابنه الوليد فكان فعلا ابن السلالة الاموية. فها هو يخطب في رعيته بقوله: ((انكم كنتم تكلمون من كان قبلي من الخلفاء بكلام الاكفاء وتقولون: يا معاوية ويا يزيد، واني اعاهد اللّه! لا يكلمني احد بمثل ذلك الا اتلفت نفسه)). وهو الذي كان يستفسر مستنكرا: ((ايمكن للخليفة ان يحاسب؟)). وقد اتى اخوه يزيد باربعين شيخا فشهدوا له: ((ما على الخليفة من حساب ولا عذاب))((178)) .

اما الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك فقد كان يرمي القرآن بالنبل ويقول:

((اتوعد كل جبار عنيد فها انذا جبار عنيدفاذا لاقيت ربك يوم حشر فقل يا رب فرقني الوليد))وقد عزم على ان يحج ليشرب الخمر فوق ظهر الكعبة. ولما قتل خاطبه اخوه سليمان قائلا: ((اشهد انه كان شروبا للخمر ماجنا فاسقا ولقد راودني عن نفسي))((179)) .

هذا وقد تمادى خلفاء بني امية وعمالهم في تجاهل الشرع، فاسترقوا المسلمين وابقوا الجزية على بعضهم. فقد سبى زياد ذراري قريب وزحاف الخارجيين. ثم سبيت بنت لعبيدة بن هلال اليشكري وبنت لقطري بن الفجاءة المازني وام يزيد بن عمرو بن هبيرة واسترقوا، كما سبي رجال من المسلمين واسترقوا ايضا كواصل بن عمرو القنا وسعيدالحروري((180)) .كما كانوا يبيعون الرجل في الدين كمعز ابي عمير بن معن الكاتب الذي اشتراه ابو سعيد بن زياد بن عمرو العنكي. وباع الحجاج علي بن بشير الماحوز لانه قتل رسول المهلب الى رجل من الازد. كل ذلك الى جانب اخذ البيعة ليزيد من اهل المدينة بعد وقعة الحرة على انهم عبيد ارقاء ليزيد بن معاوية. هذا وكان الامويون كما رايناياخذون الجزية ممن اسلم من اهل الذمة ويقولون: هؤلاء فروا من الجزية((181)) .

واخيرا، فان الامويين بعد معاوية وبعد ما سنه لهم من استباحة الشرائع، ارسوا تقليد نبش القبور والتمثيل بالجثث، كما فعلوا بزيد بن علي بن الحسين الذي نبشوا قبره واخرجواجثته ورموا براسه في ارض الدار يوطا بالاقدام وينقره الدجاج((182)) .

وكل هذه عقوبات مخالفة للقرآن والسنة وخاصة لمبدا ((شرعية الجرائم والعقوبات)).

الحريات العامة: لم يكن معاوية يقيم اي وزن للحريات العامة الا مراعاة لموازين القوى فكان يسكت على النقد والاستنكار ما داما لا يشكلان خطرا على حكمه. وقد ساله احد اقربائه كيف يسمح لزعماء القبائل والعشائر بان ينتقدوه، فقال له: ((اتحول بين الناس والسنتهم. فما داموا لا يهددون ملكنا فليقولوا ما يشاؤون))((183)) .

على هذا النهج سار معاوية ضاربا بالحريات، خصوصا في المجال السياسي، عرض الحائط. ففي مجال اختيار خليفته عبث معاوية بمسالة البيعة الى الدرجة التي اختار فيهاابنه يزيد خليفة له وهو لم يكن من المسلمين الا في بعض المظاهر.

فكان سكيرا قاتلا يلاعب القرود، وقد مات فيما كان يجري سباقا مع قرد فوقع عن ظهر الحصان وعلقت رجله بالركاب وجره الحصان حتى مات، وهو الذي قتل الحسين(ع) واصحابه في سنته الاولى واحتلت قواته المدينة واباح رجالها ونساءها لجيشه بعد موقعة الحرة في السنة الثانية ودك الكعبة في السنة الثالثة.

اما عن كيفية اخذ البيعة من المسلمين ليزيد، فكانت صفعة للاسلام وخاصة في فكره السياسي، فقد اجلس معاوية ابنه يزيد لاخذ البيعة، فتولى الامر بين من تكلموا يزيد بن المقنع فقال مشيرا الى معاوية: ((امير المؤمنين هذا فان هلك (واشار الى يزيد) فهذا، فمن ابى (وضرب يده على السيف) فهذا))((184)) .

ثم ان معاوية، بعد اخذ البيعة لابنه في الشام، توجه الى المدينة، فجمع ابناء المهاجرين والانصار، ودعا الى البيعة من على منبر رسول اللّه(ص) موقفا حواليه كبار المسلمين،موكلا حرسه بهم مع اوامره بضرب عنق من يحاول الكلام منهم، فيما يشهد هو عن السنتهم بانهم بايعوا يزيد.

وقد ذهبت هذه العادة سنة في بني امية، فقد اوصى عبد الملك بن مروان ابنه الوليد بقوله: ((وادع الناس اذا مت الى البيعة، فمن قال براسه هكذا (اي رفض) فقل بسيفك هكذا(اي اضرب عنقه)))((185)) .

كما ان سليمان بن عبد الملك دعا بقرطاس وكتب فيه العهد لخليفته وختمه وارسل من ينادي في الناس قائلا: ((ان امير المؤمنين يامركم ان تبايعوا لمن في هذا الكتاب)) . ولماشعر بان بعضهم يتساءل، رجع الى سليمان، فامره بان ينطلق الى صاحب الشرطة، ثم يجمع الناس ويامرهم بالبيعة فمن ابى ضرب عنقه((186)) .

اما في الجوانب الاخرى من الحريات التي ارساها الاسلام، فلم يكن الشرع يعرف طريقه الى التطبيق، بعدما شجع معاوية من اتى بعده على الاستبداد والتحكم الكيفي، فكان انتهاك حرمات المنازل وقتل الاطفال امرا مالوفا، فبسر بن ارطاة الذي كلفه معاوية بالترويع والقتل في الحجاز واليمن دخل بيتا فيه طفلان لعبيد اللّه بن العباس فضربهمابالارض فقتلا.

واستهل خلفاء معاوية امر انتهاك الحرمات فدخلوا دور بني هاشم ايام يزيد وسائر بيوت المدينة عنوة، فقتلوا واغتصبوا النساء وسبوهن، وما سبي بنات رسول اللّه(ص) بعدمقتل الحسين الا القمة التي وصل اليها هؤلاء القوم في انتهاك حرمة الاسلام وليس حرمة البيوت وحسب((187)) .

المساواة: لم يكن معاوية مؤمنا بالمساواة وكان يدعي للناس ان قريشا كان يحوطهم اللّه على كفرهم فكيف وهم مسلمون، فلم يكن يعط ي بالسوية بل كان يؤتي بعض الناس اما رشوة واما بسبب القرابة، وقد تحول بنو امية الى ارستقراطية نتيجة لهذه المعاملة.

وكان التبرير الذي يستخدمه معاوية هو ان المال مال اللّه وهو وكيل اللّه، فباستطاعته توزيع المال كما يشاء، وقد اجابه ابو ذر الغفاري على هذا الادعاء بان المال مال المسلمين،ولهم حقوق معلومة فيه ومحددة، الامر الذي دفع به الى التخلص من ابي ذر، وكان ذلك في زمن عثمان. وقد راينا سابقا اغداق معاوية الاموال على الرواة الذين يروق له حديثهم، وحجبه عن الاخرين الذين لا يؤيدون اغتصابه للحكم.

ومن هنا فان معاوية اخل بمبدا المساواة في الاسلام عن طريق التمييز في العطاء، كما اخل به عند تمييزه بين قبيلة وقبيلة وبين العرب والموالي. وقد كان هذا اسفينا دق في نعش السياسة الاجتماعية التي سار عليها الرسول(ص) والخلفاء.

الغدر ونقض العهود: لم يكن معاوية يقيم وزنا للعهود حتى الموثقة منها بالايمان المغلظة، رغم تشديد القرآن والرسول وقادة الاسلام على الوفاء بالعهد، فقد نقض معاوية ماتعهد به للحسن بن علي، كما راينا ولما يجف حبره، وكذلك هو تعهد لجعدة بنت الاشعث بن قيس، ان هي سمت الامام الحسن، بتزويجها من يزيد وحنث كما، حنث مع عبداللّهبن سلام الذي دفعه الى طلاق زوجته ارينب بنت اسحق ليزوجها الى يزيد، واعدا زوجها بان يزوجه ابنته، فلما طلق عبداللّه بن سلام ارينب، لم يف له معاوية بما وعده، كماتراجعت ابنة معاوية عن وعدها له((188)) .

معاوية والظروف الاستثنائية: اذا كان معاوية يضرب عرض الحائط بكل مكاسب الانسان في ظل الاسلام في الظروف العادية، فهو في الظروف الاستثنائية لا بد ان يكون اشدتنكرا لها. ولعل المثال الذي بقي لنا للتدليل على مدى استباحة معاوية لحقوق البشر ومن ورائها مبادىء الاسلام بعد اوامره لقادته بالقتل والسبي والنهب دون تمييز بين امراة او شيخ او طفل او مقاتل كما راينا فهو، قطع الماء عن المسلمين العراقيين عندما استولى على شريعة الفرات في صفين، ولكن الامام علي لقنه الدرس الاسلامي الصحيح،باباحته الماء لجيش الشام عندما استولى عليه.

الخلاصة لقد نسف معاوية النظام الاسلامي من اساسه، وكان هذا النظام قد وجد تعبيراته المتكاملة في عهود الخلفاء فكان عهد علي بن ابي طالب من اكثر العهود الاسلامية وضوحا،نظرا لكثرة المشاكل التي اعترضته والحلول التي وضعها لها. ولما اتى معاوية على الاثر لم يكن جاهلا بكيفية ممارسة هذا النظام واسسه، بل هو تعمد الا يسير بسيرة اسلافه،متجاهلا ان النظام الذي وضعه الخلفاء هو، بحسب الاسلام نظام الهي، يحد د للحاكم كيفية الحكم مبينا حقوقه وواجباته. ولما كان معاوية قد رفض تطبيق هذا النظام ومارس صلاحيات لم يفوضها اللّه الى الحاكم، فهو قد انتزعها انتزاعا. ولما كانت السلطة للّه، فان من ينتزعها، يحاول مشاركة اللّه في صلاحياته وبالتالي يكون متالها دون ان يعلن ذلك،لان المتالهين السابقين، من غير المؤمنين بالاديان السماوية، انما كانوا يمارسون صلاحياتهم على اساس انهم آلهة او وكلاء الالهة، واذا كانت العبرة بالممارسة لا بالخطاب،فان معاوية ليس مختلفا عنهم، وفي هذا ارتداد عن النظام الاسلامي وعن كل ما انجزت الاديان السماوية من الغاء الشرك باللّه وتحريمه.

واذا كان بعض الفقهاء يظن ان من يقوم بالعبادات يكون مسلما، حتى ولو كان يمارس نظاما شركيا، فان هؤلاء يكونون كمن يحاسب مرتكب الصغيرة الفرد ويكافىء مرتكب الجرائم بحق الشعوب والامم على فظاعتها. فاذا كان معاوية يصوم ويصلي ويحج في الوقت نفسه الذي ارتد على صعيد الحكم الى الوثنية، فانه لم يرتكب جريمة بحق الاسلام والانسانية التي اراد الاسلام ان يقيم فيها النظام الامثل في القرن السابع الميلادي فحسب، بل هو ارتكب كل الجرائم التي تعرض لها الانسان المسلم اولا والانسان عموما ثانيا منذ ذلك التاريخ حتى اليوم، ذلك لانه سن تلك السنة التي ادت الى مصادرة الحقوق والحريات واباحة الذبح والقتل والسجن التي ما زال المسلمون حتى اليوم يعانون منها، كما تعاني منها شعوب العالم الثالث، وحتى سائر الشعوب الى الامس القريب.

وبعد كل هذا، نجد من يلتمس الاعذار لمعاوية. فهذا ابن خلدون يرى انه ((لما وقعت الفتنة بين علي ومعاوية على مقتضى العصبية، كان طريقهم فيها الحق والاجتهاد، ولم يكونوا في محاربتهم لغرض دنيوي او لايثار باطل او لاستشعار حقد، كما قد يتوهمه متوهم وينزع اليه ملحد، وانما اختلفوا باجتهادهم في الحق وسفه كل واحد نظر صاحبه باجتهاده في الحق فاقتتلوا عليه، فان كان المصيب عليا فلم يكن معاوية قائما فيها بقصد الباطل وانما بقصد الحق واخطا))((189)) .

وهكذا وبكل بساطة ورغم كل المراوغات، ورغم تراجع معاوية بعد تحكمه عن كل ما كان يطرحه ورغم كل جرائمه.

ان المنظار الذي يجب ان ينظر الى الامور من خلاله هو منظار اليوم، فالحكم الاسلامي ايام الخلفاء الراشدين كان حكما يتجاوز في انجازاته للانسان ما انجز اليوم، والحكم الذي مارسه معاوية كان في اسسه، منطلق الحكم الديكتاتوري الفردي الذي لا يقيم وزنا للقيم والاخلاق والدين. وكان هذا نتيجة لعدم ايمانه الفعلي بالدين الاسلامي كمايقول علي بن ابي طالب عندما راى رايات اهل الشام: ((والذي خلق الحبة وبرا النسمة ما اسلموا ولكن استسلموا واسروا الكفر، فلما وجدوا عليه انصارا، رجعوا الى عداوتهم لنا الا انهم لم يتركوا الصلاة))((190)) .

وقد حرض الامام جيشه لهذا السبب بقوله: ((سيروا الى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا في الارض جبارين ملوكا ويتخذهم المؤمنون اربابا ويتخذون عباد اللّه خولا))((191)).

وبالفعل فان معاوية لم يؤمن بمحمد(ص) ايمانا حقيقيا، وهذا ما يؤكده المطرف بن المغيرة بن شعبة في ذكره لحادثة وقعت بين ابيه ومعاوية حيث نصح المغيرة معاوية بان يقرب بني هاشم بعد ان اغتصب الحكم منهم واصبحوا ضعافا فقال معاوية:

((هيهات هيهات، اي ذكر ارجو بقاءه، ملك اخوتيم (ابو بكر) فعدل وفعل ما فعل، فما عدا ان هلك حتى هلك ذكره الا ان يقول قائل: ((ابو بكر)).

وملك اخو عدي (عمر) فاجتهد وشمر عشر سنين فما عدا ان هلك حتى هلك ذكره، او يقول قائل: ((عمر)).

وان ابن ابي كبشة (رسول اللّه(ص)) يصاح به كل يوم خمس مرات: ((اشهد ان محمدا رسول اللّه)). فاي عمل يبقى واي ذكر يدوم بعد هذا لا ابالك))((192)) .

وهكذا فان نظام الحكم الاسلامي قد انهار نهائيا على يدي معاوية، ولم تقم له قائمة منذ ذلك الحين حتى اليوم، وقد عاد نظام ((الاستبداد الشرقي)) ليكون هو النظام السائد في بلاد الاسلام بعد ان كان الاسلام، ومن قبله سائر الاديان السماوية الثورة الشاملة ضد هذا النظام.

تاريخ و تراث
عبداللّه بن سبا
في الدراسات الحديثة والمعاصرة نقد النصوص

د. ابراهيم بيضون

لم تعدم ((حركة)) ابن سبا اهتماما من جانب المؤرخين الذين تناولوا مسار الخلافة الراشدية بشكل عام، وتطورات الفتنة بشكل خاص. غير ان احدا لم يخض في تفاصيلها بمايلقي الضوء كافيا على خلفياتها وتوجهاتها، فضلا عن النتائج التي اسفرت عنها، كذلك فان اختلافا بين هؤلاء المؤرخين في تقدير حجمها وانعكاساتها على المرحلة. فمنهم من سلم بها حقيقة، او على الاقل جزءا من المسار التاريخي، ينطبق عليه ما ينطبق على بقية الاجزاء، ومنهم من تجاهلها تماما((193)) او دفع بها الى موقع ثانوي في ابحاثه((194))، ومنهم من ارتاب بحدوثها((195)) وتعامل بحذر مع الرواية التي حملت اخبارها، ومنهم اخيرا من رفضها بالمطلق((196)) وراى فيها مجرد تلفيق تعمده اخباري لا تتمتع رواياته بالثقة التامة. ولعل ابرز من يمثل الاتجاه الاخير السيد مرتضى العسكري. فلم يكتف بالطعن في الرواية، وانما اسقط ذلك على جميع الروايات المنسوبة لصاحبها (سيف بن عمر) ليخلص في النهاية الى ادراجها في باب القصص الذي يقتل ((السام والفراغ))((197)) حسب تعبيره. اما رائد المشككين بها فهو طه حسين،ثم انضم اليه مؤخرا، بوتيرة ارفع، هشام جعيط الذي قادته ابحاثه عن الفتنة الى حسم موقفه ازاءها باتجاه الرفض.

ويبقى الاتجاه الداعم لوجود ابن سبا، وهو متمثل بالاكثرية من المؤرخين، ومعظمهم ينتمي الى مدرسة لا تعط ي كبير شان للنقد التاريخي، وهي تكاد تكون مجرد اقتباس عن مدرسة المؤرخين الاوائل، بما صاحبها من مؤثرات داخلية وخارجية، اعاقت عنصر الموضوعية في رواياتها. كذلك فان احتفاظ اصحاب هذا الاتجاه بالرؤية الدينية نفسها التي سيطرت على اسلافهم، حال بينهم وبين الخروج الى الرؤية العلمية، فتعاملوا مع النص التاريخي بوصفه حقيقة مطلقة، تماما كما تعامل الاسلاف مع احاديث الرسول، بل ان هذه ربما خضعت للنقد او التمييز بين الصحيح وبين ((الضعيف)) منها، ما لم تخضع له الروايات التاريخية التي ظلت جامدة ولم يجر عليها النقد لوقت طويل. ولعل هؤلاءتاثروا بالمرحلة التي اعقبت سقوط الخلافة العثمانية في العقد الثالث من هذا القرن، حين بدا ظهور عدد من المؤرخين والمفكرين، ممن عاش في وجدانهم رمز الخلافة ومايجسده من تشبث بالتراث الى حد الانفصال احيانا عن الحاضر في ضوء هذا الواقع، جاءت بعض اعمال المرحلة، مطابقة روحا ومنهجا، للتراث، لا سيما المصنفات التاريخية التي التزمت بحرفية النص من دون ان تتوغل في اعماقه او تمس عناصر الضعف فيه. وهؤلاء قد يمثلهم حسن ابراهيم حسن واحمد امين بوجه خاص، اذ ان كلاهما، على اهمية ما قدمه من اعمال، كان مشدودا، ليس فقط نحو التراث، ولكنه اقام تحت سقفه وتحدث بلغته واحترف اسلوبه. ومن اللافت هنا ان الدراسات التي ظهرت مابين الثلاثينات والخمسينات من هذا القرن، سلم اصحابها باستثناء طه حسين بوجود ابن سبا وحركته، فيما اهتزت هذه النظرة لدى المؤرخين المعاصرين الذين كانوا اكثر التزاما بالقواعد المنهجية من الجيل السابق. ويعود ذلك الى طبيعة المرحلة الجديدة وثقافتها والتيارات الفكرية المتصارعة فيها، ما شكل دفعا لحركة البحث العلمي التي كان للدراسات التاريخية نصيب وافر منها.

وسنعرض هنا لمجمل الاراء في قضية ابن سبا، من خلال ابرز المراجع التي تناولتها، وذلك بدءا باصحاب الاتجاه الاول المسلم بها.

1- المنحازون الى الرواية ا- حسن ابراهيم حسن، تاريخ الاسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي.

يعتبر هذا المؤرخ ان الخلل الذي اصاب ((الدولة الاسلامية)) نتيجة لسياسة عثمان المالية وما اسفر عن ذلك من ظهور ((طبقة ارستقراطية)) و ((طبقة اخرى فقيرة معدمة انشاهاعمال عثمان))((198)) دفع بالمسلمين الى ((التمرد في المدينة وفي جميع الامصار، فكان هذا الجو ملائما تمام الملائمة ومهيئا لقبول دعوة عبداللّه بن سبا ومن لف لفه والتاثربها الى ابعد حد))((199)) .هكذا يظهر فجاة هذا ((الداعية))، ومن دون اية مقدمات تجعلنا على معرفة ما بطبيعة دوره واهدافه، فضلا عن اسباب حملته على الخليفة.

واذاتجاوزنا قناعات المؤرخ ((حسن)) بصدد هذه القضية، فان منطق الحدث سرعان ما يهتز لديه، آخذا به الى التناقض حين يقول: ان الثورة على عثمان اذكاها ((صحابي قديم اشتهر بالورع والتقوى، وكان من كبار ائمة الحديث، وهو ابو ذر الغفاري الذي تحدى سياسة عثمان ومعاوية، واليه على الشام، بتحريض رجل من اهل صنعاء هو عبداللّه بن سبا،وكان يهوديا فاسلم))((200)).

والغفاري الذي كان ينتمي اساسا الى تيار مناهض لعثمان منذ بيعته بالخلافة، وربما قبل ان يعتنق ابن سبا الاسلام (تقول الرواية انه اسلم في عهد عثمان)، من الصعب القبول بان حركته انطلقت بتحريض من هذا ((الداعية اليهودي)). والمؤرخ حسن، لا يخرج في النتيجة عن اطار رواية سيف، ولكن كونه ينتمي الى منهج الرواية الخبرية اذا جاز التعبيرلا يستطيع ضبط الايقاع في سياقه الذي يبدو مرة اخرى عرضة للاختلال او التناقض، عندما يعقد الريادة في حركة المعارضة لابن سبا ويصفه ب ((اول من حرض الناس على كره عثمان))((201)) متجاهلا ذلك التيار الواسع الذي اخذ يتفاعل فيه هذا الشعور قبل ظهور الداعية السبئي، الطارىء فجاة على المدينة، فهو يرى ان عوامل النقمة تفاعلت في نفس ابي ذر، حتى جاء ابن سبا فعمل على اطلاقها، حيث وقع الاول في شرك الثاني، او استدرج للوقوع فيه. وهو ما عبر عنه المؤرخ حسن بقوله: ((لقد وجد ابن سبا...الطريق ممهدة لخلعه (عثمان). ولسنا نشك في حسن نية ابي ذر، وما كان من استيائه من عثمان ومن سياسته، فقد كان مصدر استيائه ما كان يعتقده في عثمان:

هوادة في الدين وتهاون في احكامه، بخلاف ما كان عليه ابن سبا))((202)) .

ولعل هذا المؤرخ استبق الامور وذهب في اعتقاده بان حركة الغفاري كانت تدعو الى خلع عثمان، وهو ما لم يرد على لسان صاحبها او يلمح اليه على الاطلاق. فقد كانت منطلقاته تصحيحية في الاساس، ولا يرنو من خلالها الى ما يتعدى تصويب مسيرة الخليفة باتجاه العدل بين رعيته. بل ان مثل هذا الهدف لم يراود قادة الامصار الذين جاءوابالحافز الاصلاحي نفسه الى المدينة، ولم يجرؤ احدهم على التفوه بما يشير الى خلع الخليفة، ذلك الذي جاء فيما بعد نتيجة للاجواء المشحونة في عاصمة الخلافة، ولم يكن قائما في وعي الثائرين من قبل.

والمؤرخ حسن يعط ي الرواية حجما قد لا تحتله لدى الطبري، خصوصا ما تعلق بدور ابن سبا في الامصار: ((حقق ابن سبا ما كان يرمي اليه من تاليب الولايات الاسلامية على عثمان))((203)) .وهو امر اوحت الرواية بعكسه، ربما باستثناء مصر التي وجد فيها على ما يبدو ارضا خصبة لدعوته، وذلك لشدة ((سخط اهلها على عثمان وعلى عبداللّه بن سعد بن ابي ((204))سرح)) استنادا الى قول المؤرخ حسن، وهو من هذا المنطلق يكاد يجعل ثورة ((المصريين)) من نتاج الدعوة السبئية التي اندرج فيها اثنان من اكثرالمتحمسين لعلي وهما:

محمد بن ابي بكر ومحمد بن ((205))ابي حذيفة .وينسب الى الثاني انه ((قام بتنفيذ الخطة التي رسمها ابن سبا))((206)) على نحو يصبح علي كانه ليس بعيدا عن هذه الخطة التي استهدفت بالطبع اطاحة الخليفة عثمان، وفقا لتصور هذا المؤرخ.

ان حسن ابراهيم حسن، وهو الاقرب الى الاتجاه التقليدي في تفسير التاريخ، تندرج هذه الرواية في كتابه، شان بقية الروايات، دون ان يخالجه الشك مطلقا بذلك البروزالمقبول لابن سبا في قلب الاحداث. وعلى العكس من ذلك، فقد اضفى عليها من الاجواء ما اسهم في دعمها وتعزيز حدوثها. ولعله كان اكثر مؤرخي هذا الاتجاه اهتماما بهذه المسالة، مما يتجلى في الحيز الذي اتخذته في سياق ((الفتنة))، والتداخل المباشر معها، خصوصا في تفاصيلها الاخيرة.

ب احمد امين: فجر الاسلام وضحى الاسلام.

لم يقف هذا الكاتب طويلا عند قضية ابن سبا، وهو امر لم يكن خاضعا لموقفه من الاخير، بقدر ما هو مرتبط بالموضوع الذي يخوض فيه، اذ انه يهتم اساسا بمادة الحضارة الاسلامية، ولا يعنيه من التاريخ سوى الاطار، ومن احداثه الا الموظفة في خدمة الهدف الذي تتوخاه دراساته، في الفقه والاداب والعلوم وما الى ذلك. وهو عموما يفتقد الى منهج المؤرخ، جانحا عن القواعد والضوابط فيه، لا سيما التوثيق الذي تكاد تخلو منه الهوامش مقتصرة في الغالب على توضيحات لغوية ليس اكثر.

على ان هذا الكاتب، وقدجال في موضوعاته على مساحة التاريخ، لم يكن باستطاعته الانفصال عنها، حتى ليدرج احيانا بين المؤرخين، لما يثار حول احكامه من جدل في هذا المجال.

ولعل مردذلك، الى انه قرا التراث بعيني الاديب وليس برؤية المؤرخ الواقعية، الامر الذي اخذ به احيانا الى الانحياز والانحراف عن الموضوعية المجردة.

وفي ضوء هذا المنهج يتعرض امين لشخصية ابن سبا ودعوته في سياق الفصل الثاني من ((فجر الاسلام))، وتحت عنوان:

((الشيعة))، ممهدا لذلك بالحديث عن تكون فكرة((الوصية)) عند هذه الفرقة، تلك التي كان برايه، عبداللّه بن سبا اول المروجين لها في دعوته الى ((تاليه)) علي((207)) .ومن اللافت هنا، انه لم يعد الى الرواية في ((تاريخ الطبري)) والتي لم يرد فيها ما يشير الى فكرة ((التاليه))، بل اعتمد على ما اورده ابن حزم بشانها من دون ان يكون الاخير، وهو فقيه وله في النتيجة موقف خاص، المصدرالصالح لهذه المسالة. يقول امين: ((والذي يؤخذ من تاريخه (ابن سبا) انه وضع تعاليم لهدم الاسلام والف جمعية سرية لبث تعاليمه واتخذ الاسلام ستارا يستر به نياته.. واشهرتعاليمه الوصاية والرجعة))((208)) .وبعد شرح مقتضب للفكرتين الاخيرتين لدى ((السبئي)) وجذور الرجعة خصوصا في العقيدة اليهودية والنصرانية، ومن ثم تطورها ((عندالشيعة الى العقيدة))((209)) يعود الى زج فكرة ((الالوهية)) دونما تسويغ لهذا الاستنتاج غير المبني على مادة خاصة بهذا الموضوع. ومن ذلك قوله: ((والناظر الى هذا يعجب للسبب الذي دعاه (ابن سبا) الى الاعتقاد بالوهية علي، مع ان احدا لم يقل بالوهية محمد(ص)، وعلي نفسه يصرح بالاسلام وتبعيته لمحمد(ص). والعلة في نظرنا والكلام مازال لامين ان شيعة علي راوا فيه من المعجزات والعلم بالمغيبات الشيء الكثير، وقالوا انه كان يعلم كل شيء، ووضعوا على لسانه ما جاء في نهج البلاغة: ((اسالوني قبل ان تفقدوني))((210)) .

ولعل هذا الكاتب، وهو يتحرك في سياق موقف خاص، لم يات مبنيا على الوقائع بقدر ما يعبر عن افكار لا تنطلق منها في نفسه، يشكك هنا في نسبة ((نهج البلاغة)) لعلي، كمايحمل عبارته الشهيرة الشائعة: ((اسالوني قبل ان تفقدوني)) مغزى ((الهيا)) ليس فيها، لتسويغ اجتهاده في هذا السبيل. ذلك ان عليا وهو المتصف باجماع الروايات بعلم لم يصل الى مستواه احد في زمانه، ومن ثم بمعرفة بالاسلام جعلت الخليفة عمر بن الخطاب يعود اليه في المسائل الصعبة، انما كان يعبر عن هذا الموقع في العبارة السابقة، وليس الى((علم بالمغيبات)) كما اشار الكاتب.

وما يثير الريب، في الواقع، هو المنهج نفسه لدى امين، والمتمثل في ادراجه هذه المسالة، على نحو لا يخلو من اللبس المتعمد، اذ يختفي اسم السبئي بعد ذلك ولا يشار اليه الاضمنا، كما في حديث الكاتب عن التنبؤات قائلا: ((ورووا له انه اخبر بقتل الحسين واخبر بكربلاء واخبر بالحجاج واخبر بالخوارج ومصيرهم، وبني امية وملكهم، واخبرببني بويه وايام دولتهم، واخبر عبداللّه بن عباس بانتقال الامر الى اولاده..))((211)) .فهو اي الكاتب عدا انه لم يسند هذه الاخبار الغيبيات الى مصادرها، فان المقصود هناالشيعة الذين اقتبسوا برايه مثل هذه الافكار من العراق، حيث الاكثرية من هذه الفرقة، كون هذا الاقليم ((منبع الديانات المختلفة والمذاهب الغريبة)) حسب((212)) تعبيره.

وفي ضوء ذلك يستخدم احمد امين شخصية ابن سبا لابراز فكرة ((الالوهية)) لعلي والحديث عن ((المعجزات)) التي زعم ان الشيعة الصقوها به. بل انه لم يميز بين الشيعة والغلاة منها، والذين آمنوا بمثل هذه الافكار في وقت متاخر عن المرحلة التي يخوض فيها الكاتب. ومن هنا فهو لا يضيف جديدا الى هذه المسالة، بل انه فيما جنح اليه، ابتعد كثيراعن موضوعة ابن سبا، وترك من اللبس حول الاخير ما كان محاطا به في الاساس، هذا على الرغم من تسليمه المطلق بوجود هذه الشخصية.

اما في كتابه الاخر ((ضحى الاسلام))، فيكتفي من اخبار السبئي بما تعلق بدوره في الشام، مؤازرا حركة الصحابي ابي ذر الغفاري. وقد تطرق هنا الى الجانب النظري في دعوة ابن سبا، بوصفه ((صاحب القول برجعة النبي الى الدنيا ووصاية علي على الخلافة))((213)) .ثم يضيف بشان موقف معاوية منه: ((بعد ان داراه فاعياه، فلما يئس منه ومن ترغيبه او ترهيبه ضيق عليه ثم اقصاه))((214)). ولعل مثل هذا الموقف يحتاج الى تسويغ لا يتطابق مع نظرة معاوية الى الخارجين على النظام، ولو عدنا الى الرواية التاريخية لن نجد فيها ما يشير الى ((مداراة)) والي الشام لابن سبا، او الى ياس الاول من ((ترغيب)) الثاني قبل اقصائه، اذ جاءت على هذا النحو: ((فلم يقدر (ابن سبا) على مايريد عند احد من اهل الشام، فاخرجوه حتى اتى مصر))((215)) .

واذ يكتفي امين بهذا القدر من قضية ابن سبا، فانه ينصرف بعد ذلك الى تتبع احداث الفتنة، لافتا بشكل خاص الى جهود معاوية في احتواء قبائل الشام، بما يمهد الى مشروع دولته التي انطلقت من عباب الازمة العاصفة بعهد عثمان. وبناء على ذلك لا يشكل موقف الكاتب من ابن سبا مادة للنقاش، سوى انه من المسلمين به وبدوره الدعائي لمصلحة علي وتاكيد وصايته على الخلافة. وهو لا يختلف في نظرته عن معاصره حسن ابراهيم حسن، اذ كلاهما ينتمي الى مدرسة واحدة، وهي القائمة على الاخذ بركام الروايات التاريخية، دون الالتفات الى ميول اصحابها او اكتناه مواقع اللبس فيها، مع الفارق ان حسن كان يعنيه، كمؤرخ، الجانب الحدثي في الرواية، فيما كان هاجس امين توظيف الجزء المناسب منها في مادة لا تخلو من افكار، ربما كانت ((جاهزة)) لديه من قبل.

ج احمد شلبي: موسوعة التاريخ الاسلامي.

يبدا هذا المؤرخ متناقضا مع نفسه، فيرى ان ((حلم)) عثمان ((وحياءه)) شجعا على الفتنة((216)) .ثم يتحول بعد ذلك منتقدا بقوة وان بصورة غير مباشرة الخليفة (عثمان) الذي توكا على تراث سلفه. واستمد منه الوهج خلال النصف الاول الهادىء من عهده: ((وسارت الامور في السنوات الاولى من خلافة عثمان، مدفوعة بالقوة التي بذلها ابن الخطاب،وظل الضوء الذي اشعله عمر ينير للناس، ولكن الخليفة الجديد لم يمد المصباح بالزيت، فلما اوشك الزيت ان يجف بدا الظلام يدخل.. (و) بدات الدولة تهتز واخذت المشكلة تستعصي، وتقدم الناصحون للخليفة يطلبون منه الاعتزال والراحة، ولكن الخليفة صاح بهم قائلا: ((كيف اخلع قميصا البسنيه اللّه))((217)) .

ليس الغرض هنا الدخول في تفاصيل الفتنة، وانما الذي استوقفنا هو ذلك الخلل في منهج المؤرخ شلبي الذي تخونه الحبكة فيوغل في التناقض، واذا بالثورة ليست من محصلات الحقبة الثانية من خلافة عثمان، اي بعد ان جف الزيت من المصباح حسب تعبيره، وانما تصبح كامنة في النفوس منذ عهد الخليفة عمر. هذا ما ينضح به قوله على الاقل حين يتابع تقويمه للمرحلة: ((وليس معنى هذا ان اعمال عثمان التي سببت حنق الناس وغضبهم، لم تظهر الا بعد ست سنوات من حكمه، لا، فقد ظهرت في اللحظات الاولى، ولكنها كانت اشبه بالمرض يدب في الجسم السليم فيقاومه الجسم))((218)) .

وهكذا بدلا من توضيح الصورة، اذا بالاخيرة تحجبها الغيوم آخذة معها التفاصيل المعروفة، على نحو ما اورده المؤرخ شلبي عن تقدم ((الناصحين)) للخليفة طالبين منه التنازل عن الحكم. ذلك ان هؤلاء لم تراودهم هذه الفكرة التي جاءت وليدة التطورات الاخيرة بعد الحصار لدار عثمان. فهل كان علي، الاكثر ((نصحا)) للخليفة، ممن خاطبه بهذا الامر؟هذا ما لم تشر اليه مطلقا الروايات التاريخية. وعلى العكس من ذلك كان من اهدافه الاساسية (علي) ابان تدخله في الازمة، تفادي الوصول الى هذا الخيار، حرصا منه على موقع الخلافة التي ستصبح لو حدث ذلك تحت رحمة المغامرين والطامحين الى النفوذ. والمؤرخ شلبي لم ينف هذا الواقع، معترفا في الوقت نفسه ان عثمان قد تورط في الخط الذي سار فيه، وبدا فاقدا القدرة على الحوار الفعلي مع الجماعة الاسلامية، بل ومتبرما من توسط علي بينه وبين الثائرين. يقول هذا المؤرخ: ((وكان علي كلما اشتكى الناس اليه من امر عثمان، ارسل ابنه الحسن اليه. فلما اكثر علي عليه، قال له عثمان: ان اباك يرى ان احدا لا يعلم ما يعلم، ونحن اعلم بما نفعل فكف عنا، فلم يبعث علي ابنه في شيء بعد ذلك))((219)) .

وعلى الرغم من هذه الاجواء التي ينشرها المؤرخ شلبي، وما ساد فيها من نقمة على سياسة الخليفة وتحفز للتمرد عليه، فانه لا يتردد في تجيير هذه الموجة لرجل لم نر له مكانا فيها من قبل، وهو عبداللّه بن سبا. افلا يسقط مرة اخرى في شرك التناقض؟ قد لا نجد صعوبة في اكتشاف ذلك، لا سيما بعد انتقاله من دون مقدمات الى الحديث عن الدور القيادي البارز لهذا الرجل، فيقول: ((واشتعلت الثورة ضد عثمان، وبدا منظموها في الكوفة والبصرة ومصر يعلنون ما كانوا من قبل يضمرون، وظهر مع الثائرين اعلام من الصحابة انكروا بعض تصرفات عثمان، فاسرع ابن سبا، وهو الزعيم الحقيقي للثورة، فاجتذبهم او اجتذب آراءهم اليه، لتقوى بهم حجته وترجح كفته، ومن هؤلاء الصحابة: ابوذر الغفاري وعمار بن ياسر وعبداللّه بن مسعود))((220)) .ثم يضيف في هذا السياق قائلا:

((وعبداللّه بن سبا هو الشخص الذي نقل الثورة من الكلام الى العمل، ولم يكن ابن سبامخلصا في حركته، فقد كان يهوديا ادعى انه دخل الاسلام ولم يكن يضمر للاسلام ولا للمسلمين خيرا، فانتهز هذه الفرصة ليشعل الفتنة وينزل بالعالم الاسلامي نارا ظلت متاججة عشرات السنين))((221)) .