الصفحة التالية

الصفحة السابقة

واذا كان توسيع دائرة البحث ليشمل دراسة ((مقارنة)) لاحاديث سيف، قد قصد الكاتب من ورائه تجريد هذا الاخباري من الثقة برواياته، بما يسقط بداهة على رواية ابن سبا((الاسطورة))، فان هذا الموضوع لم ينل ما يستحقه على مستوى العمق والشمولية، ولكن ما حققه العسكري من رصد لهذه الروايات (الاحاديث) وتوثيق لها ومقارنة مع الروايات الاخرى، يعد عملا جليلا بحد ذاته. وقد شكل ذلك محاولة قراءة جديدة لشخصية ابن سبا، بصرف النظر عما انطوت عليه من افكار مسبقة، سرعان ما تجلت في السطور الاولى من الكتاب. ومن هذا المنظور، فان الكاتب على الرغم من انه لم يكن البادىء في اثارة الاشكالية السبئية، فانه من دون شك كان اول الطارحين لها على هذاالمستوى الجدالي الحاد، مما لم يعد باستطاعة احد من المؤرخين معه تجاهل ذلك اللبس الذي احاط بشخصية ابن سبا، او الخروج من دائرة الشك، على الاقل بدوره((الطارىء)) في واجهة احداث الفتنة.

د ابراهيم محمود: ائمة وسحرة، البحث عن مسيلمة الكذاب وعبداللّه بن سبا.

ونحن نكاد ننهي دراستنا عن عبداللّه بن سبا، وصلنا هذا الكتاب، الصادر حديثا (مطلع 96 وقد راينا لمزيد من الفائدة ادراجه بين مجموعة الدراسات التي تعرضنا لها في هذاالسياق، على ان الكتاب، وصياغة عنوانه لا يحتاج امامهما القارىء الى التوقف، ليدرك انه ليس بحثا في التاريخ، بقدر ما يندرج في فلسفة التاريخ، لا يضيف جديدا بارزا الى الموضوعة السبئية، بل انه اي الكتاب ربما تركنا اكثر بلبلة بشانها. وهذا ما يواجهنا بالفعل منذ الصفحات الاولى من البحث، والاعلان عن موقف صاحبه من التاريخ، باعتباره((مجالا مفتوحا للنظر فيه. يحرك فينا الاسئلة الكبرى والمتعلقة بما يتضمنه من علاقات وما يثيره من افكار، وما يقوم عليه من حجب الافكار وثغرات تتخلل بناءه الفكري،وتداخلات تستدعي المجادلة))((290)) .

وفي ضوء هذا الموقف، فهو يلج موضوعه بحذر شديد ويميل الى ((المساءلة)) و((الاستنطاق))، وهما عبارتان غالبا ما استخدمهما في التعاط ي مع النص التاريخي بمجمله،والذي يبقى عنده موضع ارتياب، ولذلك يرى ان شخصية ابن سبا ((بولغ في اهميتها وخطورتها))((291)) كمحرك رئيس للفتنة التي ((شكلت المنبع لظهور المناوئين للدولة الاسلامية في طابعها السني)) حسب تعبيره((292)) .هل يرى الكاتب هنا ان عبداللّه بن سبا شخصية مختلقة في التاريخ؟ قد لا يبدو ذلك واضحا، على الاقل في مقارنته مع شخصية واقعية من رموز الردة، اعني بها مسيلمة الكذاب، خصوصا المقارنة بين ما يعتبره الكاتب ((منافسة)) من الاخير للنبي، و((طعن)) السبئي ((في شخصية عثمان، بل السابقين عليه، بدعوى ان عليا وصي النبي محمد))((293)) .

والكاتب هنا يعود الى رواية سيف في حيثياتها المعروفة((294)) ، اي انه ينطلق من اعتراف بشخصية ابن سبا، الا انها ((تقارب الاسطورة بالنسبة للتاريخ))((295)) حسب تعبيره، ويورد دلالات كثيرة في هذا المجال، تقلل من اهمية الدور المنسوب اليه، ومن ذلك استغرابه من انخراط شخصية صحابية كبيرة، ((ومن الموعودين بالجنة)) مثل عماربن ياسر في هذه ((الشبكة السبئية))((296)) .غير ان الكاتب يعود مرة اخرى الى بحث هذه الموضوعة على مستوى التاريخ وعلاقتها ب ((اليهودية المؤسطرة))، او ما عرف في الادبيات الاسلامية بالاسرائيليات، متعمدا الدخول من هذا الباب الى عالم عبداللّه بن سبا، باحثا عنه وملامسا حقيقة دوره الغامض.

يقول محمود: ((ان ابن سبا، او ابن اليهودية، او ابن السوداء للذم والتحقير، شكل شخصية اكتسبت كل الابعاد التي تجعلها، وجعلتها، اسطورية من جهة، وتقدمها وقدمتهاالدراسات التي تناولتها داهية في التاريخ العربي الاسلامي، في فترة من اكثر فتراته حساسية ودراماتيكية (في القرن الاول منه) من جهة ثانية، وتسند واسندت اليها دورات آمريا في تلغيم وتوتير هذا التاريخ، ومن خلال اكثر الرموز الدينية حضورا (او من اكثرها على الاقل) في هذا التاريخ، وزحزحة جانبية وتشطياته له من جهة ثالثة. تلكم هي الشخصية الرمز المسماة.. عبداللّه بن سبا))((297)) .وفي ضوء ما تقدم، ينزع الكاتب ا لى اعتبار هذه الشخصية، شخصية اسطورية، الا ان ذلك غير مطابق لوجهة العسكري الذي ينفي وجودها منذ اول كلمة في كتابه، اذ تبقى نظرته (محمود) محكومة بهذا المنحى الجدلي: ((ليس الموضوع الذي هو في متناولنا، يقتصر على حقيقة هذه الشخصية..انما هو ما يحرك هذه الشخصية تاريخيا... اذ البحث في موضوع عبداللّه بن سبا وما اذا كان فعلا شخصية حقيقية ام لا، لا يفيدنا، لان ذلك لن يزحزح هذه الشخصية، بالعلاقات التي عرفت بها والدلالات الخاصة بها، ولن يغير ذلك فيها موقعا ودلالة تاريخيين شيئا وبسهولة))((298)) .

لا شك ان الكاتب يملك حسا مرهفا مكنه من الخوض على هذه المساحة ((الملغمة)) برباطة جاش، دون الانصياع للمسلمات التي بدت شبه قائمة في الدراسات التاريخية بصدد هذه المسالة. بيد انه يخوض في هذه المسالة على مستوى فكري، مستنطقا النص في هذا الصخب الجدالي الذي يصبح غاية في معظم الاحيان لديه، بخلاف طريقة المؤرخ ومنهاجه الذي يتوسل اثارة الجدل طريقا الى مقاربة الحقيقة التاريخية.

ولذلك فهو يمعن في طرح الاسئلة، او المساءلة كما يؤثرها من غير ان تتوفر له اجابات هادئة،تسهم في اضاءة المدى الواسع الذي يسبح فيه. ولعله يبدو اكثر اقترابا من موقع المؤرخ، في الصفحات التي يناقش فيها الموضوعة السبئية من خلال النظرة في المصادر اليها،متوقفا عند ستة من المؤرخين والفقهاء ممن تناولوها في عهود متفاوتة:

1- الطبري: يلاحظ الكاتب، متاثرا بنظرة طه حسين برغم تقديره للمكانة التي يحتلها ((هذا المؤرخ الاسلامي الكبير))، ان ركام الروايات التي اوردها لم ينقذه من الوقوع في((التناقض))، اذ ((كيف يمكن والكلام للكاتب الجمع بين يهودي، يعرف بمثل هذا الخبث والدس والنفاق والكذب، وصحابي جليل ورع كان جريئا في مواجهته للاخرين (ابوذر الغفاري)... فهل كان بحاجة الى ابن سبا وهو نقيضه في نواياه، لياخذ منه درسا في الثورية العقائدية، وفي وضع حد لظلم المسلم في المسلم واحقاق الحق))((299)) .ويمضي في هذه المجابهة مع المؤرخ الكبير، متسائلا مرة اخرى كيف يمكن الجمع بين جهاز الشرطة الذي اسسه عثمان، والنشاط المكثف الذي كان يقوم به اليهودي((300))ابن سبا وبالتالي كيف يستدعى الغفاري للتحقيق معه اكثر من مرة في الشام، ولا ينطبق ذلك على ابن سبا الذي اكتفى معاوية بطرده، من ((دون تعريضه لعملية تاديب معينة)) . ويخلص ((301))الى التشكيك في الرواية التي اوردها الطبري من غير تمعن او تمحيص، بل ان الشك يذهب الى المؤرخ نفسه الذي لم ينف عنه الكاتب محمود،التاثر بخلفيته ((المعتقدية في تجليها المذهبي الرسمي تماما))((302)) حسب تعبيره.

2- المسعودي: لا يرى الكاتب عند هذا المؤرخ، علاقة واضحة بين اطراف الازمة الفتنة (عثمان، ابو ذر، ابن سبا)، اذ يكتفي المسعودي من ذلك بمواجهة بين الاولين وكعب الاحبار، من خلال مروية مقتبسة على ما يبدو عن الطبري. ويعتقد محمود ان النزعة ((الشيعية))((303)) عند المسعودي، كانت وراء اهماله لاخبار ابن سبا.

3- الشهرستاني: يقتصر ما رواه عن هذا الفقيه، على اشارة عن ابن سبا متزامنا مع خلافة علي، بوصفه احد الغلاة الذين ظهروا في عهده، ((وكانه والكلام للكاتب يلجا الى الفخر... باشارته هذه، في ربطه ربطا خفيا، ومن ثم وظيفيا (بنيويا) بين نشاطات علي، والنزوع المذهبي ((الايديولوجي)) الشيعي باسمه.. اي انه يؤرخ لوعي انقسامي في حياة الامة (الاسلامية) وطوائفي ومللي، حيث تجلت الصراعات الدموية واضحة))((304)) .

4- ابو الحسن الاشعري: وقد اشار الى الغلاة ومنهم السبئية الذين زعموا ((ان عليا لم يمت، وانه يرجع الى الدنيا قبل يوم القيامة، فيملا الارض عدلا كما ملئت جورا))((305)).اي ان الاشعري يربط، وان بخلفية اقل بروزا من الفقيه السابق، بين ((هؤلاء الغلاة، وعلي نفسه ربطا معتقداتيا... فيجري التركيز على البعد الانقسامي في امة الاسلام من جهة،وتنبيه القارىء الى هذا المنبع اليهودي المؤثر والسلبي للتشيع من جهة ثانية))((306)) .

5- ابن الاثير: يختصر، براي الكاتب، حديثه في هذه المسالة، على العلاقة بين الفتنة و ((الداعية)) اليهودي، محاولا كما الطبري الذي تاثر مباشرة به اظهار الهدف التضليلي والافسادي للحركة السبئية.

6- ابن خلدون: يتوسع الكاتب في شرح ملابسات الحركة السبئية عند هذا المؤرخ الذي ((يبدو برايه اكثر طواعية مع فكرة الخطر اليهودي المؤسطر... واكثر صراحة وتشدداحول هذا الموضوع، عندما يعظم دور اليهودي (ابن السوداء) ودفعه للناس في طريق الضلالة والفساد والغوغائية والقتل))((307)) .ويروي عن ابن خلدون ان عبداللّه بن سبا((كان متشيعا لاهل البيت... وكان يجد باستمرار من ينخدع به... ومن بين هؤلاء الذين دخلوا دائرته السرية، عم ار بن ياسر))((308)) اما راي الكاتب محمود فيما اورده ابن خلدون بشان هذه الموضوعة، فانه يرد ذلك الى الخلفية ((السنية)) المتشددة لهذا المؤرخ الذي كان هاجسه، شان معظم المؤرخين المتحركين في دائرة الخلافة، باعتبارها رمزوحدة الاسلام، وكل مناوىء لها لا يتردد احد منهم في تصنيفه خارج الاسلام، ومنهم بالطبع او ((على راسهم))((309)) عبداللّه بن سبا.

ولعل الكاتب محمود، وهو لا يبدو معنيا كثيرا من وجهة نظر المؤرخ كما سبقت الاشارة بشخصية عبداللّه بن سبا، بقدر ما تندرج عنده في العملية النقدية للفكر التاريخي،يراود في وعيه مسالة مهمة في هذا المجال، تاخذ به الى اشكالية التاريخ برمته، خصوصا على مستوى العلاقة بين المؤرخ والحدث التاريخي، وما يعكسه الاخير من مؤثرات على الاول تجعله مصنفا في هذا الاتجاه او ذاك، وبهذا المعنى كما يرى الكاتب ((لا يعود ابن سبا هو الموضوع الذي يبحث فيه، وانما هو الفاعل في المؤرخ والباحث عنه، فهواذ يكتب عن ابن سبا او يغض النظر، فانما يفصح عن كينونته وجبلتها الانسانية، عن حضورها الواقعي ومسارها الاجتماعي، ويستنطق ذاته بالتالي، وهل كنا نستطيع ان نعرف المؤرخ على حقيقته هذه، لولا ابن سبا؟ فهو في الحديث عنه مصنف للمؤرخين، ومختبر لامكاناتهم ومدى حضورهم في التاريخ نفسه))((310)) .

ومن البديهي ان يوصله هذا المنطق الى التشكيك بالرواية ((السبئية)) اساسا او رفضها ضمنا، لا سيما ان الطبري الذي اورد تفاصيلها، حوى ((تاريخه)) العديد من الروايات المتناقضة، وبينها هذه الرواية بما انطوت عليه من نقاط ضعف واضحة.

ويلامس الكاتب هنا المنهج الذي انضوت فيه كتابة التاريخ في ذلك الزمن، باتخاذها وجهة معينة لعدة قرون، واستمرارها على هذا النحو في معظم الدراسات الحديثة. ولكن تفسيره لاشكالية التراكم عند المؤرخ ((الاسلامي))، قد لا يكون مقنعا من وجهة نظر البحث التاريخي الذي يبنى على القارىء ((لاستخلاص النتيجة))((311)) وفقا لمنهج الطبري المعروف. ذلك ان مثل هذا التراكم الذي كان بعضه عشوائيا وربما الاخر مقصودا، اسهم في بلبلة هذا التاريخ، وجعل كثيرا من احداثه ملتبسة، او مزدوجة المغازي والابعاد، مما كرس لاحقا مبدا التوليف والتسوية بين اسلام غير جذري، وبين سلطة سياسة يتروض فيهاوتقوده مصالحها.

والفتنة التي برز بين اركانها عبداللّه بن سبا، ربما لم تكن في حجمها الذي بولغ فيه على الارض، ولكنها تصبح اكثر نبضا في روايات المؤرخين، اذ تلقفوها كما غيرها من الاحداث بالخلفية ذاتها التي دفعت بهم الى هذا المضمار، وما توالد عنها، من دوائر كبيرة وصغيرة، جعلت صورتها التاريخية غائمة او مشوشة.

واذا كان الكاتب محمود لم يصل في بحثه الى نتائج ترضي المؤرخ بصدد الاشكالية السبئية، فان اثارته لهذا الموضوع من زاوية منهج التاريخ وفلسفته، امر جدير بالاهتمام والتنويه.

فالمؤرخ، انما يعنيه النص بذاته ويؤثر الدوران فيه، ناقدا ومحللا ومستخلصا، اكثر من الاستغراق في الجدل حوله، وان كان على مسافة قريبة منه. ولكن هذا الكاتب كما يتضح من دراسته لم يكن هدفه التاريخ لابن سبا ودوره في ((الفتنة)) الشهيرة، بقدر ما توخى الوصول الى نظرية في التاريخ، وهو امر حقق فيه بصورة ما نجاحا، وكان لا بدفي النتيجة ان يصب شيء من ذلك في جوهر الموضوع، وان تحدث ((المساءلات)) هزة فيه، مما يعزز اعادة قراءته من خلال رؤية المؤرخ نفسه. قد يتجلى ذلك على الاقل في استنتاجه الاخير بصدد هذه المسالة:

((هكذا راينا، مع عبداللّه بن سبا، حيث كانت حقيقته التاريخية معرضة لاكثر من حالة نهب تاريخية واضاعة لمعالمها الفعلية وبعثرة لجغرافيتها الاجتماعية والتاريخية، نظرالتعرضها الكبير لرهانات مختلفة لا زالت تتصاعد وتتنامى وتتصارع تاريخيا في الواقع الراهن نفسه))((312)) .

ابن الجوزي في كتابه ((المنتظم))مؤرخ ام مصنف؟

ا.د. سهيل ذكار

اصالة المنشا والتطورمن مزايا علم التاريخ عند العرب المسلمين من مزايا علم التاريخ عند العرب المسلمين اصالة المنشا والتطور الشامل، فقد ولد التاريخ في الحجاز من خلال مدرسة الحديث والسيرة، وفي العراق من خلال مدرسة اخبارالايام.

وفي الوقت الذي جاءت فيه اخبار الايام بسردها الملحمي قاعدة لعمل عدد من المؤرخين المسلمين العراقيين، مثل ابن الاعثم الكوفي ونصر بن مزاحم، اتخذت مدرسة الحديث والسيرة، حسبما طورها ابن اسحق، اخبار النبوات قبل الاسلام مع بعض اخبار الجاهلية قاعدة ومقدمة.

واعتاد بعض الناس اطلاق تسمية ((الاسرائيليات)) على هذه الاخبار. وفي هذا مغالطة كبيرة، لان الابحاث العلمية توصلت الى ان محتويات ما يدعى بالكتاب المقدس استقاها الاسرائيليون من تراث بابل والهضبة الايرانية مع جزء معتبر من تراث بلاد الشام ومصر، ولانعدام الاصالة في هذه التسمية ارى استبدالها ب ((تقاليد المشرق الاسلامي القديم)).

واذا كانت السيرة النبوية قد ولدت من خلال علم الحديث مع مؤثرات تفسير القرآن الكريم، فان فن السيرة ومعايير النقد التي تطورت بالحديث: اسنادا ومتنا جاءتنا بما يعرف باسم علم التراجم، الذي تجلى اولا بكتب الطبقات.

وفن التراجم فن عربي اسلامي اصيل، لم تعرفه شعوب الحضارات القديمة والوسيطة ولم تمارسه الشعوب الاسلامية الا في وقت متاخر. وهذا الفن غزير الفوائد، وفيه موادالتاريخ الحقيقية، او ما يمكن تسميته ((بمواد التاريخ لاعلام الشعب)) دون اعيان السلطة الا في حالات قليلة جدا.

فمنذ مقدمات احداث الفتنة الكبرى وجدت حالة لا وئام وانعدام للثقة بين ((الرعية)) و ((الرعاة)) تطورت الى ما يشبه ((البينونة)) منذ قيام الدولة الاموية. فمنذ ذلك التاريخ مثلت السلطة، اعني سلطة الخلافة، الامة الاسلامية بشكل رسمي جاء نتيجة الامر الواقع وحراب القوى العسكرية، واهتمت السلطة بالاحتفاظ بالسلطان مهما كان الثمن، وبتامين المال لهذه الغاية وغايات اخرى، وكثيرا ما حاولت منع التحول الى الاسلام بسبب المال.

وتولى نشر الاسلام وصنع الحضارة العربية الاسلامية العلماء ورجالات الامة، ومن الممكن ان ندعو هؤلاء باسم ((الدولة)) تمييزا لهم عن السلطان المتسلط.

وفي العصر العباسي، لا سيما مع ابي جعفر المنصور تم ادراك هذا المنحى، فسعى المنصور بمختلف الوسائل من اغراء وارغام الى تقريب بعض العلماء والكتاب والشعراء،ووجههم لكتابه ما رغب بكتابته، او لتعديل بعض كتاباتهم، وفي موطا الامام مالك وسيرة ابن اسحق بعد التحاقه بالعراق ما يكفي للتدليل على ذلك.

امتلك البلاط العباسي حشدا كبيرا من الفقهاء والشعراء والكتاب والمؤرخين، واهتم العباسيون بتدوين اخبارهم، وراقبوا تدوين اخبار سواهم ووجهوها.

وتداخلت الامور تداخلا عجيبا وتمازجت الاعمال. ومع هذا ظل واضحا خط التراجم تمام الوضوح، وفي فن التراجم ارخ المؤرخون للدولة، وفي هذا الوقت قام بعض المهتمين بالاخبار من خريجي تمازج مدرستي الحجاز والايام بتدوين الاخبار على شكل كتل اخبارية ذات موضوع مخصص او متشابه او باشكال شبه اعتباطية، وفي هذه الاونة ثم تبني طريقة الحوليات، ولست متاكدا من نشاة طريقة الحوليات وماذا كانت قد استعيرت من تجارب امم ما قبل الاسلام ام انها ابدعت ابداعا.

والذي اعرفه، الان، ان المؤرخ الكبير خليفة بن خياط العصفري البصري هو اقدم من ارسى قواعد فن الحوليات، ويعزى الى خليفة، المتوفى سنة 240 هر854 م، اربعة كتب وصل الينا منها اثنان فقط هما: التاريخ والطبقات، وكان ان تعرفت الى هذين الكتابين سنة 1963 ، وقد اهتممت بهما آنذاك وحققتهما ونشرتهما في دمشق.

واسترعى انتباهي لدى عملي في تاريخ خليفة عدم اكتفاء هذا المؤرخ الكبير، بعرض اخباره على شكل حوليات، وانما قيامه بذكر وفيات كل سنة من العلماء، وذلك بعد عرضه للاخبار السياسية وسواها، وتركز اهتمام خليفة على حملة العلم خاصة من اهل العراق، لانه لم يغادر البصرة، ولم يرحل في طلب العلم، ولم يلتحق ببلاط دار الخلافة في بغداد، وفي الوقت نفسه قام خليفة لدى ذكره لوفاة كل واحد من الخلفاء بتقديم ثبت باسماء الولاة والقضاة ورجال الادارة في عهده ما كان له فوائد لا تحصى ولا تعد.

ولعل الذي دفع خليفة الى ذكر الوفيات هو توفر المواد لديه من كتابه ((الطبقات))، فعمله بالطبقات قاده الى مسالة المزج بين الحوليات والطبقات. ونشير، هنا، الى ان كتاب طبقات خليفة، اقدم تاليفا من كتاب طبقات ابن سعد. فهما وان تعاصرا، وان سبقه ابن سعد بالوفاة، فقد نقل هذا عن طبقاته.

وتبنى عدد من المؤرخين الذين جاءوا بعد خليفة قواعده التي ارساها في كتابه ((التاريخ))، لكن هذا التبني ظهر جليا فقط بعد عدة قرون مضت على وفاته. وخير من طورطرائقه وارتقى بها حتى اخذت شكلها النهائي في عدم الاكتفاء بذكر اسماء الذين توفوا، بل في تقديم تراجم وافية لكل منهم، هو ابن الجوزي، ومن المنهج الحولي التراجمي نال ابن الجوزي شهرته، وليس من روايات نادرة انفرد بها.

ابن الجوزي، عالم القرن السادس للهجرة:

كان ابن الجوزي عالم القرن السادس للهجرة في العراق بلا منازع، عمت شهرته الشام ايضا وغيرها من البلدان، ولذلك كثر المتحدثون عن حياته وعما انتجه وصنفه من كتب متنوعة المواضيع شاملة بلغ تعدادها عدة مئات.

واعتاد ابن الجوزي على الاكثار من الاشارة الى نفسه وانجازاته واعماله ومؤلفاته، في كتبه، فنحن عندما نستعرض المجلدات الاخيرة من كتابه ((المنتظم))، وهي المجلدات التي ارخ بها لعصره، نجدها تتضمن اشارات غنية جدا من المصنف الى نفسه والى ادواره واسهاماته في الحياة الدينية والاجتماعية في بغداد، وذلك بوساطة مجالس للوعظ كان يحضرها الالوف من الناس، وكانت هي الشغل الشاغل لاهل بغداد، لبراعته، وحسن مخارجه، وسرعة بديهته.

كما اشار الى علاقاته بالخلفاء وآلهم والوزراء والى اعجابهم به وتشجيعهم له وفي هذا سياسة واشار ايضا الى بعض مشاكله العائلية كزواج احدى بناته او غير ذلك.

وفضلا عن هذا كله حظيت حياة ابن الجوزي واخباره بعناية عدد كبير من المؤرخين، ووقفت له على تراجم كثيرة، فوجدت ان افضل من ترجم له هو سبطه يوسف بن قزاوغلي (ت 654 هر1256 م)، فسبط ابن الجوزي لم يكن فقط اعرف الناس بجده، بل اتخذه مثله الاعلى، من شهرته والانتماء اليه نال الشهرة، وعلى هديه سار، فكان بعدجده اشهر من مارس اعمال الوعظ في مدن الجزيرة والشام، وخاصة في دمشق، ثم انه قاد جده في ميدان التاريخ، وطور منهجه فكتب ((مرآة الزمان في تاريخ الاعيان)).

ترجم سبط ابن الجوزي لجده في وفيات سنة 597 هر1 120 م، وتحدث قبل ذلك في حوادث سنة 590 هر194 1 م عن محنته التي عانى منها حين القي القبض عليه ونفي الى واسط.

تشدد حنبلي ومؤثرات صوفية:

وقبل ان ننقل بعض ما ذكره السبط في ترجمته لجده نحتاج الى الاشارة الى ان ابن الجوزي كان حنبلي المذهب، مثله مثل جل اهل السنة من سكان بغداد، واتسم الحنابلة البغداديون دوما بالتعصب، وشاركوا في ان لم نقل فجروا عدد كبير من الفتن التي عاشتها بغداد، لا سيما بين شيعة الكرخ وسكان بقية المناطق.

جمع ابن الجوزي مع التشدد الحنبلي مؤثرات صوفية وغيبية كبيرة وضحت في مؤلفاته، وفعلت فعلها في مجالس وعظه، وكانت الصوفية في عصر ابن الجوزي قد قطعت مراحل طويلة في عمليات التحول الى طرق يجمع كل منها حوله ما امكن من الاتباع والمريدين، ولكل طريقة زاوية مركزية وزوايا فرعية منتشرة في انحاء دار الاسلام، لقدحلت الزاوية وطقوسها وموسيقاها وطعامها واورادها وشذوذها محل التفكر والتامل.

وبات اتباع كل طريقة اشبه بحزب او فرقة، او جمهرة ذات تنظيم كهنوتي هرمي على راسه شيخ الطريقة.

وفي ايام ابن الجوزي عاشت بغداد اولى محاولات التحول هذه بقيام ما عرف باسم الطريقة القادرية اثر تاسيس الزاوية الجيلية، واصطدم ابن الجوزي مع شيوخ هذه الزاوية من الاسرة الجيلية، وشارك في اتهامهم بالكفر والزندقة، ويبدو ان الزاوية الجيلية اثرت على شعبية ابن الجوزي، واخذت تنتزع منه جل الذين كانوا يحضرون مجالس وعظه، اي باتت ذات وزن شعبي كبير، ولهذا استرعت انتباه السلطات العباسية في بغداد واخذ بعض رجالها بالتحالف معها وانقلبوا على ابن الجوزي، وبما ان صاحبنا كان خصما لشيعة الكرخ وسواه، لم يجد من يحميه ويسانده او يؤازره، ومن هنا كان قرار اعتقاله، ونفيه الى واسط، حيث وضع تحت حراسة سجان شيعي، اغري بقتله وتصفيته، لكنه تبصرفرفض.

بوساطة هذا العرض يمكن لنا فهم التكوين النفسي لابن الجوزي، وندرك الحالة التي انعكست على كتاباته، وعلى عرضه للمواد التي انتقاها فاودعها في كتابه ((المنتظم)) ، ومن ثم وجهها وجهة ليست حنبلية صرفة، لكنها وجهة جمعت، مع التعصب، الفكر الغيبي الملون بلون خاص بصاحبه.

وكشف الجانب ((السيكولوجي)) لدى ابن الجوزي مفيد جدا، وفي الحقيقة ان الاهتمام بسيكولوجية الاحداث التاريخية امر يستلزم الاخذ به من قبل كل مؤرخ يريد الوصول الى لب الحقيقة، ولا يكتفي بمظاهر الامور وعناوينها البارزة.

قد نعود الى هذا الامر لدى الحديث عن محتويات كتاب ((المنتظم))، لكن من دونه لا يمكن لنا فهم كيف يمكن لحنبلي متعصب ان يكتب ((صفوة الصفوة)).

ولننتقل بعد هذا كله الى بعض ما ذكره سبط ابن الجوزي عن جده في وفيات سنة 597 هر1 120 م:

ترجمة ابن الجوزي كما اوردها سبطه:

((وفيها توفي جدي رحمه اللّه واسمه عبد الرحمن بن محمد بن علي بن عبداللّه بن حمادي بن احمد بن محمد بن جعفر الجوزي بن عبداللّه بن القاسم بن النضر بن القاسم بن عبداللّه بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن ابي بكر الصديق رضي اللّه عنه. ابو الفرج بن ابي الحسن القرشي التيمي.

ورايت بخط ابن دحية المغربي، قال: وجعفر الجوزي، منسوب الى فرضة من فرض البصرة، يقال لها جوزة، وقال الجوهري:

وفرضة النهر ثلمته التي يسقى منها، وفرضة البحرمحط السفن، والجمع الفراض.

ولد جدي ببغداد بدرب حبيب في سنة عشر وخمسمئة ج 1116 م ج تقريبا، وتوفي ابوه وله ثلاث سنين، وكانت له عمة صالحة، وكان اهلها تجارا في النحاس، ولهذا رايت في بعض سماعاته:

وكتب عبد الرحمن الصفار.

فلما ترعرع حملته عمته الى مسجد ابي الفضل بن ناصر فاعتنى به، واسمعه الحديث، وقرا القرآن، وتفقه على ابي بكر الدينوري الحنبلي، وابن الفراء، وسمع الحديث الكثير،وقد ذكر من مشايخه في المشيخة نيفا وثمانين شيخا، وعني بامره شيخه ابن الزاغوني، وعلمه الوعظ، واشتغل بفنون العلم، واخذ اللغة عن ابي منصور بن الجواليقي.

وصنف الكتب في فنون كثيرة، وحضر مجالسه الخلفاء والوزراء والعلماء والاعيان، واقل ما كان يحضر مجلسه عشرة آلاف، وربما حضر عنده مئة الف، واوقع اللّه له في القلوب القبول والهيبة.

وكان زاهدا في الدنيا، متقللا منها، وسمعته يقول على المنبر، في آخر عمره: كتبت باصبعي هاتين الفي مجلدة، وتاب على يدي مئة الف، واسلم على يدي الف يهودي ونصراني.

وكان يجلس بجامع القصر، والرصافة، والمنصور، وباب بدر، وتربة ام الخليفة وغيرها، وكان يختم القرآن في كل سبعة ايام، ولا يخرج من بيته الا الى الجامع للجمعة والمجلس، وما مازح احدا، ولا لعب مع صبي، ولا اكل من جهة حتى تيقن حلها، وما زال على ذلك الاسلوب حتى توفاه اللّه تعالى.

وقد ذكرنا محنته التي زاحم بها الانبياء والعلماء والفضلاء، والاولياء، وتلقى ذلك بالصبر والحمد والشكر)).

وسلفت الاشارة الى ان السبط تحدث عن محنة جده في حوادث سنة 590 ه. فقال:

ذكر محنة جدي رحمه اللّه.

لما قبض ابن يونس جاستاذ دار الخلافة ج جمع جالوزيرج ابن القصاب اصحابه فقال الركن عبد السلام بن عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر جالجيلي ج: اين انت وابن الجوزي؟ هو كان من اكابر اصحاب ابن يونس، واعطاه مدرسة جدي، واحرق كتبي بمشورته، وهو ناصبي من اولاد ابي بكر، وكان ابن القصاب متشيعا، فكتب الى الخليفة،وساعده جماعة من اهل مذهبه، ولبسوا على الخليفة، فامر بتسليمه الى عبد السلام.

فكنت جفي دار جدي ج وكان جدي يسكن باب الازج بدار بنفشا جام الخليفة ج وكان الزمان صيفا، وجدي جالس في السرداب يكتب، وانا صبي صغير، ما احسسنا الا بعبدالسلام، واذا به قد هجم على جدي في السرداب، واسمعه غليظ الكلام، وختم على كتبه وداره، وسب عياله، وجرى عليهم ما لم يجر على اقل الناس، فلما كانوا في اول الليل حملوا جدي الى سفينة، وانزلوه فيها، ونزل معه عبد السلام لا غير، وعلى جدي غلالة بغير سراويل، وعلى راسه تخفيفة. وحدره الى واسط، وكان ناظرها العميد ابن امسينا،وكان متشيعا. فقال له الركن:

حرس اللّه ايامك مكني من عدوي لارميه في المطمورة، فعز عليه وزبره، وقال: يا زنديق ارمي ابن الجوزي في المطمورة بقولك، هات خط الخليفة، واللّه لو كان من مذهبي لبذلت مالي وروحي في خدمته، فعاد عبد السلام الى بغداد.

واقام جدي بدار في درب الديوان على بابه بواب لا غير، وقد قارب ثمانين سنة، فكان يخدم نفسه، يغسل ثوبه ويطبخ، ويستقي الماء من البئر، ولم يدخل الحمام خمس سنين مقامه بواسط، ولما عاد الى بغداد سمعته يقول: قرات بواسط مدة مقامي كل يوم ختمة، ما قرات فيها سورة يوسف من حزني على ولدي يوسف، وكتب الى بغداد اشعارا كثيرة منها هذه الابيات:

فاحبة قلبي لو يباع رجوعكم علينا، لكنا بالنفوس فديناكم ففلا تحسبوا اني نسيت ودادكم وان ي،وان طال المدى،لست انساكم فواسال انفاس الرياح لانها تمر على اطلالكم وتلقاكم فقضى اللّه بالتفريق بيني وبينكم فيا ليتنا من جملة ما عرفناكم)) ثم استطرد سبط ابن الجوزي في الحديث عن جده فقال: ((وقد اثنى عليه العلماء، فذكر ابو محمد بن الدبيتي في الذيل الذي ذيله على ابن السمعاني فقال: شيخنا الامام جمال الدين بن الجوزي صاحب التصانيف في فنون العلوم من التفاسير، والفقه، والحديث، والتواريخ، وغير ذلك، واليه انتهت معرفة الحديث وعلومه، والوقوف على صحيحه وسقيمه، وله فيه المصنفات من المسانيد والابواب والرجال، ومعرفة الاحاديث الواهية والموضوعة، والانقطاع والاتصال.

وكان من احسن الناس كلاما واتمهم نظاما، واعذبهم لسانا، واجودهم بيانا، تفقه على ابي بكر الدينوري، وقرا الوعظ على الشريف ابي القاسم العلوي، وابي الحسن الزاغوني.

بورك له في عمره وعلمه، فروى الكثير، وسمع الناس منه اكثر من اربعين سنة، وحدث بمصنفاته مرارا، قال: وانشدني بواسط لنفسه فقال:

ف يا ساكن الدنيا تاهب وانتظر يوم الفراق ف واغدو الى دار الرحي ل فسوف يحدى بالرفاق ف وابك الذنوب بادمع تنهل من سحب الم آق ف يا من اضاع زمانه ارضيت ما يفنى بباق قال: وسالته عن مولده غير مرة، وفي كل مرة يقول: ما احققه، ولكن يكون تقريبا في سنة عشر وخمسمئة)).

وقام السبط. على اثر هذا بتقديم جردة باسماء مؤلفات جده، ولا حاجة بي هنا الى اثباتها، مذكرا بالوقت نفسه ان عبد الحميد العلوجي كتب مجلدا عن مؤلفات ابن الجوزي.جط. الكويت 1992 » احصى له فيهر574ر عنوانا، وجاء بعض العناوين في عدة مجلدات، وغطت مؤلفات ابن الجوزي عدة حقول من حقول المعارف الاسلامية هي: القرآن وعلومه، والحديث ورجاله وعلومه، والمذاهب والاصول، والفقه والعقائد، والوعظ والاخلاق، والرياضيات والطب والشعر واللغة، والتاريخ والرجال، والتراجم والسير،والحكايات والمشيخات، والمناقب، والجغرافيا والتصوف، وسيبقى الاهم بين هذه الكتب، والاكثر شهرة كتاب ((المنتظم في تواريخ الملوك والامم)).

ووصل الينا عدد كبير من مصنفات ابن الجوزي، نشر منها ما لا يقل عن خمسة وستين عنوانا، وبالاضافة الى هذه العناوين معروف له في مختلف مكتبات العالم ما لا يقل عن مئة وستة وستين عنوانا.

وبين كتب ابن الجوزي مجموعة لا باس بها من التراجم وتواريخ المدن وفضائلها (القدس خاصة) والاخبار والحوليات، اي في ميدان التاريخ، ويعد الاهم كما اشرت من قبل..بينها كتاب ((المنتظم في تواريخ الملوك والامم)). وفي الحقيقة يعد المنتظم اهم كتاب صنفه ابن الجوزي في مختلف الميادين، ولهذا غالبا ما يقال: ((ابن الجوزي صاحب المنتظم))، وذكر سبط ابن الجوزي ان جده جعله في ((عشر مجلدات)). وسنعود الى وصف محتويات هذا الكتاب ومنهج ابن الجوزي فيه بعد اكمال الحديث عن حياته.

وتحدث السبط عن وفاة جده فقال:

((جلس جدي يوم السبت سابع شهر رمضان جسنة 597 هج تحت تربة ام الخليفة المجاورة لمعروف الكرخي، وكنت حاضرا فانشد:

فاللّه اسال ان يطول مدتي واطال بالانعام ما في نيتي فنزل من على المنبر، فمرض خمسة ايام، وتوفي ليلة الجمعة بين العشاء والمغرب، في هذه السنة في داره، وحكت لي والدتي رحمها اللّه تعالى انهاسمعته يقول قبيل موته: ايش اعمل بطواويس؟ يرددها، قد جبتم لي طواويس؟.

وحضر غسله شيخنا ضياء الدين بن سكينة، وضياء الدين بن الخبير وقت السحر، فاجتمعت اهل بغداد، وغلقت الاسواق، وجاء اهل المحال، وشددنا التابوت بالحبال، وسلمناه اليهم، فذهبوا به الى تحت التربة مكان جلوسه فصلى عليه ابنه ابو القاسم علي اتفاقا، لان الاعيان لم يقدروا على الوصول اليه، ثم ذهبوا الى جامع المنصور، فصلوا عليه،وضاق بالناس، وكان يوما مشهودا، لم يصل الى قبر احمد بن حنبل الى وقت صلاة الجمعة، وكان في تموز، وافطر خلق كثير من صحبه، رموا نفوسهم في خندق الطاهرية في الماء، وما وصل الى حفرته من الكفن الا قليل، ونزل في الحفرة والمؤذن يقول: اللّه اكبر، وحزن الناس عليه حزنا كثيرا، وبكوا بكاء شديدا، وباتوا عند قبره طول شهر رمضان يختمون الختمات بالشموع والقناديل والجماعات..

واصبحنا يوم السبت وعملنا عزاءه، وتكلمت فيه، وحضر خلق عظيم... ومن العجائب اننا كنا يوم السبت بعد انقضاء العزاء جلوسا عند قبره، واذا بخالي محيي الدين قد صعدمن الشط، وخلفه تابوت فعجبنا وقلنا: ترى من مات في الدار؟ واذا بها خاتون بنت عبداللّه، ام ولد جدي، والدة خالي محيي الدين، وعهدي بها بليلة الجمعة التي مات فيهاجدي في عافية ليس بها مرض، فكان بين موتها وموته يوما وليلة، وعد الناس ذلك من كراماته لانه كان مغرى بها في حال حياته.

واوصى جدي ان يكتب على قبره:

فيا كثير العفو عمن كثر الذنب لديه ف جاءك المذنب يرجو ال صفح عن جرم يديه ف انا ضيف وجزاء ال ضيف احسان اليه)). لقد انجب ابن الجوزي ثلاثة ذكور وعدة اناث، والذكور هم: عبد العزيز، وعلي، ويوسف، والبنات: رابعة وهي ام سبط ابن الجوزي، وشرف النساء، وزينب،وجوهره، وست العلماء الكبرى، وست العلماء الصغرى.

اعتنى ابن الجوزي بثقافة اولاده، وقد سعى الذكور الى تقليده، فذهب اكبرهم وهو عبد العزيز، الى الموصل، حيث مارس صناعة الوعظ، وفي الموصل لاقى حتفه سنة 554 هر159 1 م.

اما علي، وهو الثاني، فكانت علاقته بابيه سيئة جدا ((وكان ابوه قد هجره سنين، فلما امتحن ابوه صار البا عليه للمعادين، وتوفي ابوه ولم يشهده)) .

((واما ابو محمد يوسف، ولقبه محيي الدين فولد سنة ثمانين وخمسمائة، وسمع الحديث الكثير، وتفقه وناظر، ونشا على الطريق الرشيدة والاخلاق الحميدة، وهو كان السبب في خلاص والده من واسط، ووعظ بعد وفاة ابيه تحت تربة والدة الامام، وقامت بامره احسن قيام، وولي الحسبة ببغداد، وسلك طريق العقل والسداد، وترسل عن الخلفاء الى الملوك، وسلك في ترسله الطريق المسلوك)). وظل محيي بين اعيان بغداد، حتى سقوطها لهولاكو، وقد قتل ضمن من قتل آنذاك.

لم تنبع شهرة ابن الجوزي، في ايامه، من خلال مئات الكتب التي صنفها، بل من خلال مجالس الوعظ التي كان يعقدها، فقد كان سريع البديهة، سلس العبارة، يتقن عرض افكاره بشكل فعال ومؤثر، مخارجه في الاجابة على الاسئلة التي كانت تلقى عليه بارعة جدا ونافذة، وقد قص علينا سبطه بعض حكايات ((ما جرى في مجلسه من الطرف المسكرات والسنن المستظرفات)).

المنتظم في تواريخ الملوك والامم:

نعود الان الى كتاب ((المنتظم في تواريخ الملوك والامم)) فنجد ان هذا العنوان يوحي بعض الشيء بمحتواه، وارى ان السجع هو الذي فرض هذا العنوان وهكذا جاء ناقصا، ذلك ان ابن الجوزي ارخ لما قبل الاسلام، ويمكن ان نعد هذا تاريخا للامم، ثم عرض اخبار السيرة النبوية بشكل مسهب وفيه ابداع بالعرض، ومعروف ان السيرة النبوية تختلف عن تواريخ الملوك والامم، فضلا عن هذا يجد القارىء لكتاب المنتظم ان ابن الجوزي عد الخلفاء الراشدين وخلفاء العصر العباسي ائمة، ولم يتعامل معهم كملوك. فضلا عن هذاكله يعد كتاب ((المنتظم)) كتاب تراجم عدد التراجم فيه 4330 وليس اخبار ملوك وخلفاء فقط. ومع هذا لئن انعدم الوفاق بين عنوان كتاب المنتظم ومحتواه بسبب الصنعة، فهوبالفعل منتظم، ولغة ابن الجوزي في داخل الكتاب لغة المحدثين، بعيدة كل البعد عن الصنعة التي غرق فيها معاصره العماد الاصفهاني الكاتب.

لقد استخدم ابن الجوزي الاسانيد في رواية اخباره، مع ان هذه الطريقة كان قد هجرها معظم الذين صنفوا بالتاريخ في ايامه، لا بل حتى قبل ايامه، والتزم ابن الجوزي في ذكراسانيده، لكنه نادرا ما اتى على ذكر عناوين الكتب التي اودعت فيها مواد الاسانيد، ولا شك ان ابن الجوزي قد عرف جل مصادر تاريخ العرب والاسلام، لكن يلاحظ ان معظم اخبار تراجمه قد استقاها حتى ايامه من مصدرين رئيسين هما الطبقات الكبرى لابن سعد، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ومصدر فرعي ثالث هو الحلية لابي نعيم، ثم شذرات من مصادر متفرقة. وليس في اخبار حوليات ابن الجوزي حتى عن ايامه وعصره ما انفرد به، لكن عظمة كتابه صادرة عن كونه الوحيد الذي ارخ بشكل ((منتظم))للمسلمين حكاما ورجال فكر ودين واوسع بشكل قارب الكمال فغط ى حقبة ستة قرون من الزمن لانه توقف مع احداث سنة 574 ه. وهذا دليل عبقرية وليس بالامر الهين،وفريد في بابه، لانه ارخ ((للدولة)) و ((السلطان)) في عصر حاول فيه الخليفة الناصر التقرب من الشعب بوساطة نظام الفتوة.

حظ ي كتاب المنتظم بمكانة عالية منذ زمن طويل، وكان ان طبع ما يقارب ثلثه الاخير في حيدر اباد الدكن سنة 1940 ، وهذه الطبعة عليها اكثر مما لها، وتوفرت الحاجة دومالنشر الكتاب كاملا لا سيما لوجود نسخ خطية عدة من مجلداته يمكن منها تلفيق نسخة كاملة، ومن هذه المخطوطات:

جزء في مكتبة اسعد افندي استانبول برقم 2085.

ثمانية اجزاء في مكتبة آياصوفيا استانبول برقم 3091- 3098.

اربعة اجزاء في مكتبة عاشر افندي استانبول برقم 715- 718.

ثلاثة اجزاء في مكتبه كوبرللي استانبول برقم 1072- 1075 .

جزء في مكتبه بايزيد استانبول برقم 5204.

جزآن في مكتبة فيض اللّه برقم 1534- 1535 .

جزء هو الاول من الكتاب في مكتبه منلاجلبي استانبول برقم 17 1 .

نسخة شبه كاملة في مكتبه احمد الثالث استانبول برقم 2908- 3742.

وهناك اجزاء من الكتاب موزعة في الظاهرية بدمشق، وغوطا في المانيا، وكيريل في صوفيا، والمتحف البريطاني، والبودليان في اوكسفورد والمكتبة الوطنية في باريس،وترخان والدة في استانبول، وهي مصورة في معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة، وفي برلين.

وكنت منذ اكثر من ربع قرن قد صورت نسخة كاملة من الكتاب من مكتبة احمد الثالث، ومنلا جلبي وترخا والدة، وقمت بعدة دراسات حول الكتاب حيث ثبت لي ان الاسم الذي اطلقه عليه ابن الجوزي هو ((المنتظم في تواريخ الملوك والامم)).

وتوفرت لدي النية لنشر هذا الكتاب العملاق كاملا، وعرض علي عام 1979 نسخة مخطوطة كاملة من الكتاب في فاس فلم اتمكن من شرائها، وبقيت ناويا العمل بالكتاب،دون توفر الوقت لنقل النية الى التطبيق حتى قمت بذلك مؤخرا، فجاء متن الكتاب في عشرة مجلدات، مثلما صنفه ابن الجوزي، والفهارس في ثلاثة مجلدات.

ولئن ابدينا الاعجاب بالقدرة التصنيفية لابن الجوزي، لا يمكن ان نسميه مؤرخا، ولا يمكن بالتالي ان نجعله مسؤولا عن جل المواقف والاراء التي ظهرت لدى ترجمته لبعض الشخصيات، او لدى عرضه لبعض القضايا الاختلافية، فهو كان ينقل عن المصادر التي توفرت له نقلا حرفيا او بشيء من الاختزال، وعلى هذا نعزو جل الاراء والمواقف الى اصحاب مصادره وليس له شخصيا، وحين قلت جل الاراء والمواقف تذكرت ان في عملية الاختيار والانتقاء وطريقة الاختزال تعبيرا عن هوى وبالتالي هي موقف.

ونضرب، هنا مثلا، عرضه لاخبار القرامطة، فقد اعتمد بشكل مطلق على كتاب ((فضائح الباطنية)) للامام الغزالي، ومع ان مادته يمكن عدها اختصارا لمحتويات كتاب الغزالي لكنه اختصار موجه، تم التركيز فيه على ما عد سلبيا.

وعلى الرغم من شهرة ابن الجوزي بالوعظ، وبراعة مخارجة الدالة على الكياسة والمنطق، وبرغم عمله بالحديث والجرح التعديل فانه نادرا ما استخدم النقد والترجيح بين الاخبار، وعلى هذا الاساس اؤكد ثانية على انه كان مصنفا لا مؤرخا.

ومواد التراجم، في المنتظم، اضخم بكثير من مواد اخبار الحوليات، ويتساءل المرء: هل كان ابن الجوزي واعيا لمسالة المزج بين ((الدولة)) و ((السلطان))، ام انه صنف كتابه ومزج مواده بلا وعي وعن طريق التقليد، ام ان المسالة تعلقت بدوره، بحكم انه كان من علماء البلاط الذين استخدمهم السلطان للترويج له، وليكونوا اداة وصل له مع الرعية وضغط بالوقت نفسه؟ انني ارجح عامل التقليد، فالرجل كان مصنفا ولم يكن مؤرخا((313)).

مناهج الكتابة في السيرة النبوية

علي السيد هادي

مقدمة للدخول في دراسة المناهج:

لم يهتم المسلمون بشيء بعد القرآن الكريم كاهتمامهم بسيرة نبيهم(ص) وحرصهم على معرفة تفاصيل حياته الخاصة والعامة، يدفعهم الى ذلك عاملان رئيسيان:

الاول: ارتباطهم العاطفي بشخص الرسول(ص) وميلهم الشديد لمعرفة تفاصيل حياته. وقد كانت هذه الرغبة تتعاظم وتشتد كلما ابتعدوا عن عصره، وناى بهم الزمان اوالمكان عن مشاهدته والعيش معه عن قرب.

كان كل شيء، في حياته، موضع حاجة بالنسبة لهم: تعامله مع الناس، خلقه في داخل بيته وسلوكه خارج البيت، وضعه مع اصحابه والمقربين منه وعمله مع اعدائه وخصومه،بل وحتى طريقة تعامله مع سائر مخلوقات اللّه.

كان القريب منه لا يود فراقه والبعيد عنه يعيش امل اللقاء به والتشرف بخدمته. فهذا زيد بن حارثة ينفصل عن اهله ويرفض العودة مع ابيه واعمامه الذين افتدوه ليحرروه ويعودوا به الى منازلهم ويفضل الاقامة مع رسول اللّه، ويرى لذة العيش معه تفوق كل اللذات. وحين غاب رسول اللّه(ص) اتجه المسلمون الى اصحابه ومن كان لهم شرف مرافقته ومعاشرته، وخاصة مسلمي البلاد المفتوحة الذين دخلوا الاسلام توا، وكانوا في غاية الشوق لسماع اخبار النبي(ص) ومتابعة تفاصيل حياته.

وهكذا كانت تتعاظم منزلة اصحاب الرسول(ص) في اعين المسلمين وتشتد الحاجة اليهم كلما ابتعد بهم الزمان عن عهده(ص) وقل المتحدثون والمحدثون عنه. وقد زادتهم حقبة الانقطاع في متابعة السيرة اي في ما منع التدوين زادتهم حنينا اليها وتعلقا باحداثها وبمن يحدث عنها حديث المشاهدة والمعايشة. وهكذا صار للصحابة في المجتمع الاسلامي موقع المرجعية، المرجعية التي تستمد شرعيتها من شرف الصحبة فحسب، صحبة رسول اللّه. واذا كان اتباع الديانات الاخرى لا يعطون هذه المكانة الا لحواريي الانبياء او رسلهم او نوابهم، او ما الى ذلك فان المسلمين منحوها للاصحاب، ليعكسوا بذلك مدى تعلقهم بقائدهم وانشدادهم اليه. وقد شيدت على هذا الاساس في ما بعدنظريات وعقائد. كان الغرض منها احيانا استغفال المسلمين وتكريس واقع اجتماعي او مذهبي معين وتقويض واقع آخر.

لقد بولغ في قيمة ((الصحبة)) حتى قيل انها وحدها كافية لان تعصم صاحبها عن ارتكاب الخطا وتصده عن المعصية، واشتهر بين المسلمين ((ان اصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم)). وقد كان لهذا الاعتقاد آثاره المعروفة على التاريخ الاسلامي التي ما تزال ذيولها باقية حتى اليوم.

الثاني: كون السنة هي المصدر التشريعي الاول بعد الكتاب الكريم، وقد يلزمنا هذا الرجوع الى الكتاب مرة والى السنة مرتين: مرة لنتعلم منها ونهتدي بها واخرى لنستعين بهاعلى ادراك مقاصد القرآن ومراميه. ففي الكتاب ناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وعام وخاص، ومطلق ومقيد ولا سبيل لمعرفة ذلك وغيره في كثير من الاحيان الا بالرجوع الى السنة المطهرة.

لم تعد دراسة السنة عند المسلمين، اذا، مجرد تعبير عن ميل عاطفي لرسول اللّه(ص) او رغبة في تخليد آثاره وتسجيل مناقبه، كما يدرس الناس حياة العظماء ليتملوا من عناصر العبقرية فيها. لقد تحولت الدراسة من صلة انسانية وثيقة بين المسلمين وقائدهم الى فريضة دينية يقوم عليها اساس الدين، وتنبثق عنها تشريعاته واحكامه. انهاالاسوة الحسنة التي يقتفونها ومنبع الشريعة العظيمة التي يدينون بها.

كل ذلك كان من دواعي الاهتمام الخاص الذي خص المسلمون السيرة النبوية به. وقد ترتب على ذلك تاسيس علوم خاصة بالسيرة كعلم الحديث وعلم الرجال وما الى ذلك.

هذا فيما يخص المسلمين. اما غير المسلمين فقد كانت لهم اهدافهم الخاصة من العناية بالسيرة والاهتمام بها وقد اكثروا على اختلاف اهدافهم ومذاهبهم من الكتابة في هذاالموضوع.

يحدثنا احدهم وهو المستشرق ((مرجليوت)) بقوله: ((ان الذين كتبوا في سيرة محمد لا ينتهي ذكر اسمائهم، وانهم يرون من الشرف للكاتب ان ينال المجد بثبوئه مجلسا بين الذين كتبوا عن سيرة هذا الرسول)). ونقل عن بعضهم قوله: انه احصى ما كتب في السيرة النبوية الشريفة بلغات اوروبا قبل ثمانين عاما فبلغ الف وثلاثمئة كتاب كان((314)) ت تلك مقدمة ضرورية للدخول في دراسة المناهج التي سلكها المؤرخون او الباحثون في دراساتهم للسيرة النبوية.

1- المنهج الذي جرى عليه التابعون والمصنفون الاوائل.

لقد كان من الطبيعي ان يتجه المؤرخون للسيرة، في ذلك الجو المفعم بحب الرسول(ص) والمشحون بالرغبة في التعرف على احواله اي الفترة التي منع فيها تدوين السيرة وتمتد من حين وفاته(ص) الى ايام عمر بن عبد العزيز. كان من الطبيعي ان يتجهوا الى الجانب الشخصي في سيرة النبي(ص) وكانهم يكتبون ترجمة لحياته يركزون فيهاعلى الجوانب المثيرة والخارقة للعادة من دون ملاحظة ما يمكن ان يسيء منها الى النبي(ص) في موضع هم يريدون مدحه فيه وتسجيل منقبة له(ص). وقد شاعت هذه الطريقة بين المسلمين حتى كادوا يقرنون بين علو المنزلة في الدين وخرق العادة وابطال قوانين الاسباب والمسببات.

فهذا يقول: ان يطير من غير جناح، وذلك يقول: انه اطلع على الغيب واتخذ عند الرحمن عمدا وآخر يقول: انه ضرب الحجر فصار ذهبا، وما الى ذلك من خرافات نقلهاالمحدثون كما هي، وادخلوها في السيرة النبوية المطهرة. وليس كثيرا في حق محمد(ص)، وهو صاحب الخلق العظيم ان يحدث له ذلك، لكن الرسول لم يكن رجل خيال بل كان رجل حقائق يبصر بعيدها وقريبها. ياخذ الامور بمجاريها الطبيعية، فقد خاصم وسالم وانتصر وهزم وكافح على كل شبر من الارض، من دون ان ينخرم له قانون او تخرق له سنة من سنن الحياة.