وخلاصة القول ان التشبيه كان اداة
تعبيرية ناجحة في خطابة
النهج، اسهمت من جانبها في التعبير عن المحزون
الثقافي
والايماني والانساني الذي كانت تكتنزه
شخصية علي(ع) عندما
وضع على محك احداث بالغة الخطورة والتعقيد. لذلك
فانه
يعد من كبار من طوعوا التشبيه على التعبير بحساسية
متناهية عن ادق القضايا التي اعترضت سبل المسلمين
الاوائل.
فكان واحدا من المؤسسين المبدعين لمناهج التعبير
التي
سيتبعها الخطباء والادباء اللاحقون.
هاشميات الكميت بن زيد الاسدي:
كربة مظلمة وثورة مخلص
((الهاشميات)) مجموعة قصائد طويلة انشدها الكميت بن
زيد
الاسدي (60 ه 126 ه) يدعو فيها المسلمين لموالاة آل بيت
النبي(ص)، الهاشميين، والثورة على الحكم الاموي
القائم، في
حقبة من الزمن عرفت الاعداد لهذه الثورة، ومثل
الكميت، في
آونة، دور داعية من دعاتها البارزين.
ص انشد الكميت قصائده في مناخ يمكن لهذه الابيات
التي
ينشدها الحارث بن عبداللّه الحشرج الجعدي ان تصوره.
يقول
الحارث الجعدي:
فابيت ارعى النجوم مرتفقا
اذا استقلت تجري اوائلها فمن فتنة اصبحت مجللة
قد عم اهل الصلاة شاملها فمن بخراسان والعراق ومن
بالشام، كل شجاه شاغلها ففالناس، منها، في لون
مظلمة
دهماء ملتجئة في غياطلها فيمسي السفيه الذي يعنف
بال
جهل سواء فيها وعاقلها...((511)) عاش المسلمون، كما يبدو،
في فتنة شاملة شغلتهم جميعهم، ولم يدروا ما يفعلون..
سواء
في ذلك السفيه الجاهل منهم والعاقل.
يحتاج الناس الذين يحيون في كربة مظلمة الى مخلص.
وقد
انشد الكميت قصائده داعيا الى هذا المخلص. ويبدو ان
صوت
الكميت كان يصل الى غير مصر من الامصارالاسلامية ما
يشير
الى امتداد الدعوة وترابط حلقاتها، فقد خاطب
الشاعر الداعية
((جماعة اهل مرو)) الذين كان يقودهم الحارث بن سريج:
فالا اءبلغ جماعة اهل مرو
على ما كان من ناي وبعدفرسالة ناصح يهدي سلاما
ويامر في الذين ركبوا بجدفوابلغ حارثا عنا اعتذارا
اليه بان من قبلي بجهدفولولا ذاك قد زارتك خيل
من المصرين بالفرسان تردي ففلا تهنوا ولا ترضوا
بخسف
ولا يغرركم اسد بعهدفوالا فارفعوا الرايات سودا
على اهل الضلالة والتعدي ففكيف وانتم سبعون الفا
رماكم خالد بشبيه قرد...يقول د. شوقي ضيف، في تعليقه
على
رسالة الكميت هذه: ((وهذه دعوة صريحة الى الثورة على
اسد
واخيه خالد. وكان الكميت كان يريد ان تثورخراسان
على
الدولة. وهذا ما حدث فعلا بعد ذلك، فان الخراسانيين
هم
الذين انتفضوا على بني امية. ولعل في هذا الشعر ايضا
ما يدل
على ان خراسان كانت تعد منذ هذاالتاريخ وكرا مهما
للشيعة))((512))
.
يلاحظ استخدام د. ضيف كلمة ((وكر)) المتضمنة موقفا من
هذه الثورة، والمنشئة ظلالا من الاحتقار والادانة.
ويلاحظ،
ايضا، ان د. ضيف لم يجد قراءة رسالة الكميت، ذلك
انهاتعتذر
عن المشاركة في ثورة قائمة، وتنصح بالموقف المفروض
ان
يتخذ، فهي ليست دليلا على ان الكميت ((كان يريد ان
تثور
خراسان على الدولة))، لان خراسان كانت ثائرة،
وقدحدث ما
منع الكوفة والبصرة من المشاركة في الثورة، ما دفع
الكميت
الى الاعتذار والنصح، وقد جاء في تاريخ الطبري في
صدد هذه
الثورة: ((. .. لما بلغ هشام بن عبد الملك امر الحارث
بن سريج
كتب الى خالد بن عبداللّه ان ارسل اسدا جاسد بن
عبداللّه
القسري، وهو اخو خالدج يصلح ما افسد، فان تكن ترجية
فلتكن
به، فقدم اسد الى خراسان،وما يملك عاصم جالوالى من
خراسان الا مرو وناحية ابرشهر...))((513)) .
ويقول د. النعمان القاضي ان الحارث بن سريج تزعم
ثورة
عنيفة في خراسان زلزلت المنطقة تحت اقدام الامويين
بضع
سنين. والحارث هذا فارس من فرسان الثغور، يؤثر
عنه انه
اجتاح جيوش الترك ونجى الجيش الاسلامي من العطش.
كان
خارجيا، ثم تحول الى الارجاء والجبر. وعنده، وعند
الجهم بن
صفوان، انتهت الافكار السلبية للمرجئة واصبحت افكارا ثورية ملتزمة مبادىء الاسلام الاساسية في المساواة بين
المسلمين،
واشاعة العدل في المجتمع.
يفيد ما سبق ان الواقع الاجتماعي بلغ درجة من السوء
جعلت
المرجئة، وهم المعروفون بارجائهم الحكم في الامور
الخلافية
الى يوم الحساب، ما كان يخدم الحكم القائم،يشاركون
في ثورة
تهدف الى تغيير هذا الحكم، وكان مقدرا لها ان تشمل
المصرين: الكوفة والبصرة وخراسان، غير ان ((جهدا))
اصاب
ثوار المصرين فلم يؤازروا ثوار خراسان،ما اتاح
لاسد بن عبداللّه
ان يقضي على تحركهم، ثم قضي على حركة المصرين التي
قادها زيد بن علي. وقد اوتي لهذه الحركة التي لم
تلبث ان
استانفت نشاطها ان تنتصروتقضي على الحكم الاموي،
رافعة
الرايات السود التي اشار الكميت اليها في رسالته
الى جماعة
((مرو)). وان يكن خلفاء بني العباس قد انحرفوا في ما
بعد، فقد
اشار المستهل بن الكميت الى ذلك عندما خاطب ابا
جعفر
المنصور، قائلا:
فلئن نحن خفنا في زمان عدوكم
وخفناكم ان البلاء لراكدوكان الكميت داعية من دعاة
هذه
الثورة ينشد هاشمياته في مناخها، ويدعو الى القيام
بها، من
دون ان يسمي شخصا معينا، وانما كان يتحدث عن صفات
هذا
الشخص المنتمي الى آل البيت، وهذا ما كانت تدعو
اليه الثورة
آنذاك: ((الرضا من آل محمد))، كما تذكر كتب التاريخ.
نوع من الشعر جديد
تعد ((هاشميات الكميت)) نوعا جديدا من الشعر. ففي
ملاحظة
اولى نرى انها قصائد تخاطب المتلقي مباشرة، لتحدثه
في
قضية سياسية اجتماعية كبرى من قضاياه، وهذا مالم
يعرفه
الشعر العربي من قبل، اذ كان الشاعر يعرض للقضية
التي تهمه
في بيت او بيتين او عدة ابيات من الشعر، ينظمها في
معرض
مدحه لشخص ما، او هجائه لشخص آخر.اما الكميت
فانصرف
الى القضية نفسها يعرض، ويكشف ويجادل... ليصل،
والمخاطب، الى الاقتناع بنظرية في الحكم، تقتضي
الخروج
بغية اقامة النظام الشرعي العادل.
وقد لاحظ الشعراء والنقاد تميز شعر الكميت من الشعر
السائد،
واختلافه. جاء في الاغاني: انشد الكميت الفرزدق
قوله:
فطربت وما شوقا الى البيض اطرب
ولا لعبا مني، وذو الشيب يلعب فولكن الى اهل
الفضائل والنهى
وخير بني حواء، والخير يطلب فقال الفرزدق له: ((قد طربت الى شيء ما طرب اليه احد قبلك. فاما نحن فما نطرب،
ولا
طرب من كان قبلنا الا الى ما تركت انت الطرب اليه)).
يترك الكميت((514)) ما يطرب الشعراء اليه، ويطرب الى
شيء
ما طرب اليه احد من قبل، فكان شعره جديدا، يقتضي
رؤية
جديدة، وهذا ما لم يفعله كثير من الشعراء والنقاد
مااوقعهم في
مشكلة تطبيق مقاييس الشعر التقليدي: المديح
والهجاء... على
نوع من الشعر غير تقليدي.
وقد وصف القدماء شعر الكميت بالخطب. ومما جاء في هذا
الصدد:
((جاء حماد الراوية الى الكميت فقال: اكتبني شعرك.
فقال:
انت لحان ولا اكتبك شعري)). فقال له: وانت شاعر!؟ انما
شعرك خطب)). وقال بشار: ((الكميت خطيب وليس بشاعر)).
وقال الجاحظ: ((ومن الخطباء الشعراء الكميت بن زيد
الاسدي،
وكنيته ابو المستهل)). وقال: ((ان للخطبة صعداء، وهي
على
ذي اللب ارمى. الكميت وكان خطيبا)) ،وهو ((اول من دل
الشيعة على طرق الاحتجاج))((515)) .
ولاحظ المحدثون تميز شعر الكميت، فقال د. شوقي ضيف:
ان
اهمية الكميت تتمثل في انه ((لم يتبع الدروب
الموروثة، بل
اختار لنفسه دربا جديدا غير مالوف من
سابقيه ومعاصريه، فسار
فيه واظهر في ذلك براعة فائقة، اذ حول شعره من
ميادين
العاطفة الى ميادين الفكر، وجعله كانه مقالة يكتب
فيها عن
نظرية بني هاشم في الخلافة. وهو يجمع لهذه المقالة
الخيوط
من هنا وهناك، او قل المقدمات ليكون ما يريد من حجج
وادلة))((516))
. وقال د. النعمان القاضي: ان الهاشميات كانت
((شعرا لا كالشعر. . بابا جديدا من ابواب الشعر فتحه
الكميت
لاول مرة، وهو باب التقرير والا((517))حتجاج)) .
وان يكن القدماء والمحدثون قد لاحظوا ان شعر الكميت
يتصف
بخصائص الخطبة، او المقالة، التي تجمع الادلة
والحجج لتقرر
وتقنع، فان د. عبد القادر القط يرى ان((هاشميات
الكميت))
((نموذج لهذا اللون الفريد من الشعر السياسي الذي
يتدفق من
عاطفة جياشة بحب صادق يشارف احيانا ما يشبه الوجد
الصوفي)) ((وان ما يبدو جدلاسياسيا في هذه الهاشميات
هو
في حقيقته الصق بما يمكن ان نسميه بالاستهواء
الخطابي
الذي يحيل الخطيب فيه الفكرة الى احساس بوسائل
الخطابة
المعروفة من تكرار اوسخرية او تاكيد او اتجاه الى
عاطفة
السامع ومحاولة اثارة وجدانه قبل اقناع عقله))((518)) .
((الهاشميات))، كما نرى، شعر جديد (خطابة في راي
ومقالة
في راي ثان واحتجاج عقلي في راي ثالث، و((استهواء
خطابي
يحيل الفكرة احساسا في راي رابع)))، يهدف الى اقناع
المتلقي
بالرؤية التي ينطق بها. وان تكن الجدة والفرادة
العنصر
المشترك في هذه الاراء جميعها، فان الاسئلة التي
تطرح في
هذا المقام هي: ما الخصائص الفنية التي ميزت هذا الشعر، وجعلته جديدا؟ وما
طبيعة نشوئها؟ وما دورها في تطور الشعر العربي؟ فرادة التجربة الشعرية خروج سياسي
اجتماعي يؤتي خروجا فنياتختلف تجربة الكميت الشعرية عن تجارب الشعراء المحترفين
بكونها تجربة حياتية معيشة في حين كانت تجارب اولئك الشعراءذهنية. في الحالة
الاولى، ينبثق الشعر من التجربة الحياتية ليجسدها وينطق برؤيتها التي كانت الاساس
في نشوء الشعر وتشكل بنائه، وفي الحالة الثانية يختار الشاعربناءشعريا جاهزا،
انتجته تجربة سالفة، ويصب فيه المعاني الجاهزة التي نظمها. لم يكن الكميت يطرب لما
يطرب اليه الشعراء المحترفون، وانما كان يطرب لامر آخر يمليه الواقع، والطرب، هنا،
يعني الحالة التي تدفع الشاعر الى القول، وتملي الشعر،وتنشىء
حركة القصيدة الى التشكل في بناء جديد مختلف، يجسد
التجربة الجديدة المختلفة. ويمكن ان نرى في هذين
البيتين
ما يشير الى طبيعة صدور الشعروتوجهه:
ففاعتتب الشوق عن فؤادي والش
عر الى من اليه معتتب فالى السراج المنير احمد لا
يعدلني رغبة ولا رهب خرج الكميت على الواقع، فكان
هواه
الذي يجن ويبدي لبني هاشم اصحاب الحق في الحكم
القائم
على شرع اللّه، والذي يقضي بالمساواة
والعدالة وعيش الانسان
حياة كريمة. وقد تمثل هذا الخروج على الواقع خروجا
على
تقاليد البناء التقليدي للقصيدة العربية، فلم يبدا
الكميت
قصائده ب ((الطللية)) على عادة الشعراء،وانما بداها
بذكر من
يطرب لهم، ويدعو الى اتباعهم.
بدا الكميت الهاشمية الاولى بقوله:
فمن لقلب متيم مستهام غير ما صبوة ولا احلام
.. بل هواي الذي اجن وابدي لبني هاشم فروع الانام((519))
وبدا الهاشميات الاخرى باعلان هواه للهاشميين
ودعوته
اليهم((520))
.
ويبدو ان الكميت كان يدرك حقيقة ما يقوم به من خروج
فني،
كما كان يدرك خروجه السياسي الاجتماعي، فنراه يدعو
الى
الاهتمام بالانسان، ساكن الدار وليس بالدار،وياخذ
على الشعراء
الاخرين انينهم ورحيلهم وبكاءهم التلاع القفار،
يقول الكميت:
ف ما لي في الدار بعد ساكنها
ولو تذكرت اهلها ارب فلا الدار ردت جواب سائلها
ولا بكت اهلها اذ اغتربوافيا باكي التلعة القفار،
ولم
تبك عليه التلاع والرحب((521)) ويقول:
ف ...فدع ذكر من لست من شانه
ولا هو من شانك المنصب فوهات الثناء لاهل الثناء
باصوب قولك فالاصوب فبني هاشم فهم الاكرمون
بنو الباذخ الافضل الاطيب((522)) ويقول:
ف سل الهموم لقلب غير متبول
ولا رهين لدى بيضاء عطبول فولا تقف بديار الحي
تسالها
تبكي معارفها ضلا بتضليل فما انت والدار اذ صارت
معارفها
للريح ملعبة ذات الغرابيل((523)) وهكذا يبدو ان الخروج على
الواقع السياسي الاجتماعي اثمر خروجا فنيا على
البناء
التقليدي، ما يفيد ان التجربة الحياتية هي التي
تؤتي التجديد
الاصيل. وان يكن ابو نواس قد خرج على البناء
التقليدي، في ما
بعد، فان الكميت سبقه الى ذلك، بفعل تجربته
الاصيلة،
واهتمامه بالانسان، فكان التجديد خلقا لبناءشعري
مكتمل
وليس اختلاقا، او افتعالا يستبدل مقدمة بمقدمة
اخرى.
توظيف الحركات الشعرية في سياق البناء العام
للمقدمة وظيفة اخراج المتلقي على واقعه
والخلق الشعري للبناء المكتمل يوظف الحركة الشعرية
في
سياق البناء العام، وقد ادت المقدمة في هاشميات
الكميت
وظيفة اخراج المتلقي على الواقع من طريق
اثارة تشويقه
وفضوله، ودفعه الى التامل في واقعه، ما يفضي الى
حركة تالية
تكشف هذا الواقع وتبين بؤسه، وضرورة السعي لتغييره.
ومن الامثلة التي تبين وظيفة المقدمة في اثارة شوق
المتلقي
الى المعرفة، وفضوله، مقدمة الهاشمية الثانية. فقد
جاء في
الاغاني:
قال الكميت للفرزدق: ((نفث على لساني، فقلت شعرا،
فاحببت
ان اعرضه عليك، فان كان حسنا امرتني باذاعته، وان
كان
قبيحا امرتني بستره. وكنت اولى من ستره علي.
فقال الفرزدق:
اما عقلك فحسن، واني لارجو ان يكون شعرك على قدر
عقلك، فانشدني ما قلت. فانشده: ((طربت وما شوقا الى
البيض
اطرب)). قال: فقال لي: فيم تطرب يابن اخي؟فقال: ((ولا
لعبا
مني وذو الشيب يلعب)). فقال: بلى، يابن اخي، فالعب،
فانك
في اوان اللعب، فقال:
فولم يلهني دار ولا رسم منزل
ولم يتطربني بنان مخضب((524)) فقال: وما يطربك يا بن
اخي؟ فقال:
فولا السانحات البارحات عشية
امر سليم القرن ام مر اعضب فقال: اجل، لا تتطير،
فقال:
فولكن الى اهل الفضائل والنهى
وخير بني حواء، والخير يطلب فقال: ومن هؤلاء؟
ويحك، فقال:
فالى النفر البيض الذين بحبهم
الى اللّه في ما نابني اتقرب قال: ارحني ويحك! من
هؤلاء؟ قال:
فبني هاشم رهط النبي فانني
بهم ولهم ارضى مرارا واغضب فخفضت لهم مني جناحي
مودة
الى كنف عطفاه: اهل ومرحب(...)
فقال له الفرزدق: يابن اخي، اذع ثم اذع، فانت،
واللّه، اشعر من
مضى واشعر من بقي))((525)) .
يوصل الكميت متلقيه الى القول: ((ارحني ويحك! من هؤلاء؟))، فتؤدي المقدمة وظيفة
اثارة الشوق والفضول، فيجيب، وينشىء الحركة الثانية بعد ان اخرج
المتلقي من
سكونه وركوده، وايقظه من سباته.
راينا مدى اعجاب الفرزدق بهذا النوع من الشعر،
ونقرا في كتب
تاريخ الادب اخبارا تفيد ان هذا الشعر انتشر وحفظ،
ومن هذه
الاخبار: ((يروي عكرمة الضبي عن ابيه انه
ادرك الناس بالكوفة
من لم يرو: ((طربت وما شوقا الى البيض اطرب)) فليس
بشيعي))((526))
.
وقد ابتدع الكميت حركة شعرية اخرى يهز بها السكون
والركود
ويدفع بالمتلقي الى التامل في واقعه، والخروج
لتغييره، فقد
بدات هاشميته اللامية بهذه الحركة، فقال
في مطلعها:
فالا هل عم في رايه متامل!؟
وهل مدبر بعد الاساءة مقبل؟!فوهل امة مستيقظون
لرشدهم
فيكشف عنه النعسة المتزمل ففقد طال هذا النوم
واستخرج
الكرى
مساويهم لو كان ذا الميل يعدل فوعطلت الاحكام حتى
كاننا
على ملة غير التي نتنحل((527)) .يبدا الكميت قصيدته بحرف
استفتاح، يليه حرف استفهام يطرح سؤالا ينكر واقعا
يكون
المتامل، فيه، في حالة عمى. ويكرر الاستفهام،للمرة
الثانية،
لينكر واقعا يكون فيه المقبل مدبرا بعد الاساءة.
والاستفهام
الانكاري يتضمن اتهاما بالقبول وتحريضا على
الخروج. يتكرر
الاستفهام، للمرة الثالثة، ليحرض على اليقظة الى
الرشد،
والنهوض من حالة النوم، ثم ياتي تقرير الواقع في
جمل خبرية
تصوره. وهكذا تؤدي الحركة الاولى وظيفة خلخلة
السكون
القائم، وتشكيل حالة الاحساس بالفقد ما يدفع
للخروج والسعي،
فتاتي الحركة الثانية لتكشف الواقع وتحدد مسار
السعي.
يوظف الكميت تقنيات فنية لمسنا منها التكرار،
وخروج
الاستفهام الى الانكار والتحريض، وتنوع الاساليب،
ونلمس
الثنائيات الضدية بين عمر متامل، مدبرر مقبل،
استيقاظرالنعسة المتزمل، الاستيقاظر النوم
والكرى. ونلحظ
ان الاستيقاظ نوع من كشف الغطاء ما يتيح للانسان ان
يرى
ويتحرك. وهذا جميعه يفضي الى الاقتناع بان النوم قد
طال
وبان اليقظة ضرورية.
للرحلة وظيفة السعي الى الهدف
يبدا الكميت قصائده بحركة تخرج الناعس المتزمل من
نومه
الى الاستيقاظ للرشد الوعي، فيخاطب العقل الذي كشف
عنه
الغطاء في حركات القصيدة التالية التي
تنتهي بالرحلة على ناقة
تجتاز الصعاب، ويخوض ممتطيها صراعا ينتصر فيه،
وهذه
الرحلة تؤدي وظيفة في بناء القصيدة العام، اذ انها
سعي الى
الهاشميين انفسهم. والشاعر، هنا،يستجيب للجو
الشعري
السائد، الذي يطلب طللية ورحلة في القصيدة، وينافس
بذلك
الشعراء المحترفين، لكنه يجعل هذه الحركة في نهاية
القصيدة،
ليجبر المتلقي الراغب في سماعها، على سماع
القصيدة بكاملها،
في الوقت نفسه الذي تكون فيه هذه الحركة موظفة في
سياق
البناء العام، اذ انها رحلة الى من بدات القصيدة
بهواهم، فهي
حث على السعي اليهم، سعيا يحقق هدف النفس الوالهه..
يقول الكميت في الهاشمية الاولى:
فولهت نفسي الطروب اليهم
ولها حال دون طعم الطعام فليت شعري هل ثم، هل
آتينهم
ام يحولن دون ذاك حمامي فان تشيع بي المذكرة
الوجنا
ء تنفي لغامها بلغام...((528)) .ثم يصف الناقة والرحلة.
ويقول
في الهاشمية الثانية:
فاولئك ان شطت بهم غربة النوى
اماني نفسي والهوى حيث يشعب ففهل تبلغنيهم على بعد
دارهم
نعم ببلاغ اللّه وجناء ذعلب((529)) ثم يصف الناقة
والرحلة،
وصراعا يدور تنتصر فيه الراحلة على الكلاب المدربة
ما يشير
الى ذلك الصراع الدائر في الواقع الاجتماعي
بين قوى الخير
ممثلة بالهاشميين وقوى الشر ممثلة بارباب الحكم
القائم،
والى ان النصر كائن في نتيجة المطاف لقوى الخير.
وهكذا
يوظف الكميت حركة القصيدة الاخيرة، وهي وصف للرحلة والراحلة، في بناء القصيدة
العام، فيبلغ من ((الدهاء الفني)) مرتبة كبرى، في الوقت نفسه الذي نافس فيه
المحترفين في موضوع خاص بهم وتفوق عليهم، كمايبدو للقارىء
المطلع((530))
.
التحرك الى كشف الواقع:
الثنائية الضدية:
تخرج الحركة الاولى المتلقي من نعاسه الى رشده،
وتوصله
الحركة الاخيرة الى من ينبغي حث السعي اليهم، وتكشف
الحركات التي تلي الحركة الاولى وتسبق
الحركة الاخيرة
للمستيقظ، الثائب الى رشده، الواقع، فنلحظ، في كل
هاشمية
من الهاشميات، ثنائية ضدية، يمثل طرفها الاول
الحكام
والواقع القائم الذي ينشئونه، ويمثل طرفها
الثاني الهاشميون
والواقع البديل الذي سيقام. وقد جاء، في الهاشمية
الاولى، في
بيان صفات الهاشميين:
ف للقريبين من ندى والبعيدى
ن من الجورفي عرى الاحكام فوالمصيبين باب ما اخطا
النا
س، ومرسي قواعد الاسلام فوالحماة الكفاة في الحرب
ان لف
ضرام وقوده بضرام فوالغيوث الذين ان امحل النا
س، فماوى حواضن الايتام فوالروايا التي بها يحمل
النا
س وسوق المطبعات العظام...غصب الهاشميين المتصفين
بالكرم والعدل والعلم، وارساء قواعد الاسلام،
والشجاعة
والاهتمام بالناس. حقهم في الحكم حكام يرون الناس
و((الانعام)) سواء، فما يعنيهم سوى جز الصوف وانتقاء
النعجة
السمينة. فيقول الكميت في الهاشمية نفسها، ان
الهاشميين.
فساسة لا كمن يرعى النا
س سواء ورعية الانعام.فلا كعبد المليك او كوليد
او كسليمان، بعد، او كهشام فرايه فيهم كراي ذوي
الثلة
في الثائجات جنح الظلام فجز ذي الصوف وانتقاء لذي
المخة نعقا ودعدعا بالبهام..((531)) .وجاء في الهاشمية
اللامية، في وصف الواقع الذي اوصل الامويون اليه
المسلمين:
فوعطلت الاحكام حتى كاننا
على ملة غير التي نتنحل فكلام النبيين الهداة
كلامنا
وافعال اهل الجاهلية نفعل فرضينا بدنيا لا نريد
فراقها
على اننا فيها نموت ونقتل..فلهم في كل عام بدعة
يحدثونها
ازلوا بها اتباعهم ثم اوجلوافتحل دماء المسلمين
لديهم
ويحرم طلع النخلة المتهدل ففي هذا الواقع يفزع
الناس الى
مخلص، يتمثل في الهاشميين:
فالا يفزع الاقوام مما اظلهم
ولما تجبهم ذات ودقين ضئبل فالى مفزع لن ينجي
الناس من
عمى
ولا فتنة الا اليه المتحول فالى الهاشميين
البهاليل انهم
لخائفنا الراجي ملاذ وموئل فالى اي عدل ام لاية
سيرة
سواهم يؤم الظاعن المترحل.وفيهم نجوم الناس، وهم
للناس
في ما ينوبهم غيوث حيا، واكف ندى، وعرى ثقة ومصابيح
تهدي...
التكرار المحور:
يلاحظ تكرار ((الناس)) مرات عديدة ما يدل بوضوح على
انهم
محور اهتمام الشاعر، وهو يريد ان يخرجهم الى الثورة
من
طريق كشف الواقع وتقديم البديل، ومن
طريق الاقناع، ليس
العقلي فحسب، وانما مما سماه هو ((الرشد)).
يريد الكميت من الناس ان يستيقظوا لرشدهم، اي ان
يعوا
واقعهم وعيا كيانيا يفضي الى سعي قد يكلف الانسان
حياته،
ولهذا كان لا بد من ايصال المتلقي الى بلوغ
حالة((الاستيقاظ
للرشد)). واستخدم الكميت وسائل كثيرة، ابرزها الجدل
الذي
كان يدور في صفوف الكلاميين، فمثل شعر الكميت
التطور
الذي صار اليه العقل العربي في هذه المرحلة.
الجدل الكلامي:
عرض الكميت، في سياق ايصال متلقية الى يقظة للرشد
تفضي
الى اتخاذ قرار الخروج، نظرية الامويين في الحكم،
وناقشها،
وبين تهافتها وانها تتضمن مفارقة كبرى، فكان بهذا
يهز السائد
والراكد، ويحرض على التفكير. يقول الامويون انهم
يتولون
الخلافة بحكم قرابتهم من النبي(ص). فان يكن الامر
هكذا،
فالاولى ان يتولى الخلافة آل بيت النبي، فان يكن
النبي(ص) لا
يورث، كما يزعم الامويون مناقضين ادعاءهم الاول،
فان القبائل
الاخرى لها حق بالخلافة، وخصوصا الانصار الذين
آووا رسول
اللّه(ص)ونصروه. يقول الكميت في نقاش قضية الحق
بالخلافة،
مخاطبا الهاشميين:
فبخاتمكم غصبا تجوز امورهم
فلم ار غصبا مثله يتغصب فوجدنا لكم في آل حاميم آية
تاولها منا تقي ومعرب فوفي غيرها آيا وآيا تتابعت
لكم نصب فيها لذي الشك منصب فبحقكم امست قريش
تقودنا
وبالفذ والرديفين منها نركب فاذا اتضعونا كارهين
لبيعة
اناخوا لاخرى، والازمة تجذب فردافا علينا فلم
يسيموا رعية
وهمهمو ان يمتروها فيحلبواف... ولكن مواريث ابن آمنة
الذي
به دان شرقي لكم ومغرب ف.. يقولون لم يورث، ولولا
تراثه
لقد شركت فيه بكيل وارحب فوعك ولخم والسكون وحمير
وكندة والحيان: بكر وتغلب ف...ولا كانت الانصار
فيها ادلة
ولا غيبا عنها اذا الناس غيب((532)) .يثبت الكميت تناقض
نظرية الامويين، ويبين انهم مغتصبون، ويثبت حق
الهاشميين
بتولي الخلافة، استنادا الى ما جاء في القرآن
الكريم من آيات، منها ما جاء في سورة ((حم)): (قل لا اسالكم عليه اجرا الا
المودة في القربى)، ومنها ما جاء في آيات اخرى، مثل قوله تعالى: (وآت ذا القربى
حقه) و (وانما يريد اللّهليذهب عنم الرجس آل البيت ويطهركم تطهيرا) و(واعلموا انما
غنمتم من شيء فان للّه خمسه وللرسول ولذي القربى).
ويضيف الكميت، في مكان آخر، حجة اخرى يوردها مقررا
حق
الامام علي(ع) بالخلافة، فيقول، مشيرا الى بيعة
غدير خم:
فواصفاه النبي على اختيار
بما اعيا الرفوض له المذيعافويوم الدوح دوح غدير خم
ابان له الولاية لو اطيعافولكن الرجال تبايعوها
فلم ار مثلها خطرا مبيعافاضاعوا امر قائدهم فضلوا
واقومهم لدى الحدثان ريعافتناسوا حقه وبغوا عليه
بلا ترة، وكان لهم قريعا((533)) .يرى الكميت ان الرجال
((تبايعوا)) الخلافة، ولم يطيعوا امر النبي فضلوا،
متناسين حق
الامام علي(ع) باغين عليه.
الصياغة الفنية للنظرية:
يسعى الكميت الذي ايقظ الناعس المتزمل الى اقناع
متلقيه
بنظرية في الحكم، تستند الى النص القرآني، ووصية
النبي
محمد(ص)، والى نظرية الامويين انفسهم في الارث،وكان
قد
بين قبلا صفات الخليفة الهاشمي، وهي: العلم والعدل
والشجاعة والزهد ما يفيد ان الحكم يقوم على شرع
اللّه الذي
يقضي بالعدالة والمساواة. يناقش الكميت
هذه القضية فيقول:
ففياساسة هاتوا لنا من حديثكم
ففيكم لعمري ذو افانين مقول فااهل كتاب نحن فيه
وانتم
على الحق نقضي بالكتاب ونعدل ففكيف، ومن انى، واذ
نحن
خلفة
فريقان شتى تسمنون ونهزل ف.. كان كتاب اللّه يعنى
بامره
وبالنهي فيه الكودني المركل فالم يتدبر آية فتدله
على ت
رك ما ياتي ام القلب مقفل((534))
الخروج واجب ديني:
يدعو الكميت الساسة الحاكمين الى حديث ينشىء
ثنائية تضاد،
تبين التناقض القائم بين فئتين، وهذا يخالف ما امر
به القرآن
الكريم الذي عطلت احكامه، فغدا الخروج ضرورة
دينية وواجبا
شرعيا على حاكم يخالف كتاب اللّه، فتاتي الدعوة الى
الثورة
نتيجة طبيعية، فيقول، مستخدما مثلا يتداوله العرب:
ففتلك ملوك السوء قد طال ملكهم
فحتى م حتى م العناء المطول فرضوا بفعال السوء من
امر دينهم
فقد ايتموا طورا عداء واثكلوافكما رضيت بخلا وسوء
ولاية
لكلبتها في اول الدهر حومل فنباحا اذا ما الليل
اظلم دونها
وضربا وتجويعا خبال مخبل((535)) ).
كربلاء: تبديد الخوف ونهج مقاوم:
وان يكن الخروج الى الثورة يقتضي تبديد الخوف، فان
الكميت
يوظف حادثة كربلاء، ليبين جور الامويين من نحو اول،
وليقدم
نهجا في المقاومة من نحو ثان، فيقول:
فيحلئن عن ماء الفرات وظله
حسينا ولم يشهر عليهن منصل فكان حسينا والبهاليل
حوله
لاسيافهم ما يختلي المتبقل ف... تهافت ذبان المطامع
حوله
فريقان شتى ذو سلاح واعزل ف... فلم ار موتورين اهل
بصيرة
وحق لهم ايد صحاح وارجل فكشيعته والحرب قد ثفيت
لهم
امامهم قدر تجيش ومرجل ف... فان يجمع اللّه القلوب
ونلقهم
لنا عارض من غير مزن مكلل((536)) يلاحظ تكرار كلمة السوء،
وبيان طبيعة تعامل الامويين مع الناس، فهم يرونهم
كالانعام،
وما ادى اليه التخاذل، وان الحل يتمثل بان يجمع
اللّه القلوب
ويتم اللقاء المفضي الى النصر.
حديث الذات، الصراع مع نوازع النفس:
يوصل الكميت، كما راينا، متلقيه الى الاقتناع
بضرورة الثورة
المفضية، ((ان جمع اللّه القلوب))، الى النصر، ويعرض
الى
مسالة التضحية بالنفس، فيؤكد ان حياة كالتي
تعاش ليست
بذات قيمة.
فرضينا بدنيا لا نريد فراقها
على اننا فيها نموت ونقتل وان لا بد من تحرك، يحقق
الهدف
فيعجل اللّه تعالى ما يؤمل:
ففيا رب عجل ما يؤمل فيهم
ليدفا مقرور ويشبع مرمل فوينفذ، في راض مقر بحكمه
وفي ساخط منا، الكتاب المعطل وكيف يتم التعجيل؟.
يقول الشاعر:
فتجود لهم نفسي بما دون وثبة
تظل بها الغربان حولي تحجل يبدو ان الشاعر يقول انه يضحي بكل شيء الا بالحياة، لكن ينبغي الا يؤخذ هذا
البيت مفردا، اذ
ان الشاعر يكمل حديثه مع نفسه، مشاركاالمتلقي في
مناقشة
الامر، ويقول: ((وقلت لها بيعي من العيش فانيا...
اتتني بتعليل
ومنتني المنى، وقد يقبل الامنية المتعلل...))، ثم
يحسم الامر،
ويقول ما يريد الوصول اليه:
فوان ابلغ القصوى اخض غمراتها
اذا كره الموت اليراع المهلل هذا هو الموقف الذي
يريد الكميت
ايصال متلقيه اليه، ويتمثل في التهيؤ للخروج
باقتناع مطلق
وبذل مطلق عندما تبلغ الامور الدرجة القصوى،
وقدبلغه من
طريق حديث ذاتي، شارك المتلقي فيه، ووصلا سوية الى
اتخاذ
الموقف. وهذا نوع من النقاش داخلي، يتم بين الانسان
ونفسه،
او هو نوع من الصراع الداخلي، يتمكن فيه الانسان
من الانتصار
على نوازع النفس، وهذه ميزة جديدة في شعر الكميت
تتمثل
في تصوير الصراع الداخلي. وقد تطورت في ما بعد،
وبرزت
ظاهرة في ادب الصوفيين الذين جعلوا الصراع
الداخلي مع
نوازع النفس محورا من محاور ادبهم.
الهاشمية قصيدة محكمة البناء تنظم العناصر لتنطق
برؤية
كلية
ونحن، ان كنا نريد قراءة هاشميات الكميت قراءة
جديدة، يجب
الا نقتطع بيتا ونقول: هذا يمثل موقف الكميت من
القضية هذه
او تلك، او هذا البيت يمثل ميزة فنية، معتقدين شان
كثير من
النقاد، ان البيت يمثل الوحدة في القصيدة العربية،
ذلك ان
هذه الرؤية مخطئة بعامة، وخصوصا في هاشميات
الكميت، وان
كان من وجود مستقل للبيت، فهو وجودمختلف عن وجوده
منتظما في بناء القصيدة العام.
وفي سياق هذه القضية يمكن ان ندرج حديث د. النعمان
القاضي عن البيت التالي:
ففدى لك موروثا ابي وابو ابي
ونفسي، ونفسي بعد بالناس اطيب يناقش د. القاضي
رايا ورد
في كتاب ((ادب الخوارج)) للدكتورة سهير قلماوي، يقول:
((ان هذا البيت يمثل مدى ما وصل اليه الاسفاف في شعر
الكميت)) ويرى ان ((هذا البيت الذي عد مثالا للاسفاف
قد قام
في تقرير القضية التي ناظر الكميت فيها بني امية
مقام
المقدمة الصغرى من مقدمات المنطق التي انتزعها
من خصومه، وبنى عليها بمقدمة اخرى هي زعمهم ان
النبي لا
يورث ليخلص من ذلك الى النتيجة المنطقية التي هدف
اليها،
وهي ان بني امية متناقضون، وليتخذ من تناقضهم
دليلاعلى
اغتصابهم حق غيرهم من الهاشميين.
فنحن، اذا، لا نحتكم، في هذا البيت، الى مقاييس
البلاغة او
النقد المالوفة في جمال التعبير ودقة التصوير،
وانما نحتكم
فيه الى مقياس آخر هو مدى ما قدمه هذا البيت
الى القصيدة
في موضعه من دلالة فكرية اسهمت في استكمال الاحتجاج
وتقرير الفكرة التي استهدفت القصيدة تقريرها))((537)) .
انشات تجربة الكميت الوجدية، كما يبدو، بناء تنتظم
فيه
حركات القصيدة لتنطق برؤية الى عالمها.
يبدو الكميت مقرر نظرية، وجدلا خطيبا يهدف الى
التاثير
والاقناع، وصائغ فكر يمثل ما وصل اليه العقل العربي
في
عصره، من تطور...
الحافز الحق للثورتين السياسية الاجتماعية والشعرية قد يكون في هذا شيء من الصحة، والصحيح هو ان
الكميت كان
داعية ثورة، وجسد شعره هذه الدعوة النابعة من ايمان
عميق
يقرب من الوجد الصوفي... كان الشعر جديدا من حيث
بناء
القصيدة وقد بينا ذلك ومن حيث بناء العبارة
المنتظمة في
سياق البناء العام، وسوف نبين هذا في ما يلي.
لاحظ بعض القدماء تميز شعر الكميت على هذا المستوى.
يروى
ان ابا تمام سال الخشاف عن الكميت بن زيد وعن شعره
وعن
رايه فيه، فقال: ((لقد قال كلاما خبط فيه خبطامن ذاك.
جمما
لا يجوزج لا يجوز عندنا ولا نستحسنه، وهو جائز
عندكم. وهو،
على ذاك، اشبه كلام الحاضرة بكلامنا واعربه
واجوده، ولقد
تكلم في بعض اشعاره بلغة غيرقومه)).
يقرر الخشاف، اولا، ان الكميت خرج على المذهب
الشعري
السائد، وتكلم بلغة جديدة، غير قومه. وثانيا ان
الكميت يصنف
في الشعراء المحدثين الذين يمثلهم ابو تمام.وثالثا
ان الكميت
اقرب هؤلاء المحدثين الى القدماء، ما يشير الى انه
يمثل دور
الحلقة الوسط بين القدماء والمحدثين.
وقد لاحظ النقاد، في العصر الحديث((538)) ، ظاهرة فنية في
شعر الكميت تتمثل في توظيفه خصائص فنية في سياق
قصيدته، ومن هذه الخصائص، استثارة
المتلقي،التكرار، التكرار
المؤكد، المتمثل والجناس التام، والجناس الناقص
والتقسيم،
بالفاظ ذات معان متقاربة، والجناس التام، والجناس
الناقص
والتقسيم، واقتران الالفاظ بصفات توضح دلالتها،
والارصاد
للقافية، والتضاد، واستخدام الفاظ ذات صيغ واحدة
او متقاربة،
والطباق، والترصيع والالتفاف لتاييد فكرة او
نفيها، وتكرار
الفاظ ذات ايقاع واحدمتقاربة في معناها وايحائها.
وراى د. القط
انه ((يمكن ان نجد في تلك الصيغ الموقعة المشتركة
بدايات
واضحة لبعض مظاهر البديع التي يربطها الدارسون
دائما
بالمخضرمين من شعراء الدولة الاموية والعباسية،
وببعض شعراء
الدولة العباسية كمسلم بن الوليد وابي نواس ثم ابي
تمام راس
هذا الاتجاه)).
ويضيف د. القط فيقول: ((وتؤكد هذه الظاهرة الملموسة
في
شعر الكميت ان التطور الفني الذي عرف، في ما بعد،
باسم
البديع، كان تطورا طبيعيا ممتدا متاثرا بطبيعة
التجربة
عندالشاعر وبحسه اللغوي والموسيقي)).
وكان د. احمد نجا قد انتهى، بعد ان استنفد وجوه
المقارنة بين
الكميت ومجددي العصر العباسي الى القول: ((الكميت بن
زيد
هو الحافز الحق للثورة الادبية العباسية
والسباق للتحرر
والتجديد))((539)) .
وانه لمن الامور ذات الدلالة ان يكون شعر الكميت
الحافز الحق
للثورة التي اوصلت العباسيين، في ملابسات معروفة،
الى
الحكم، وان يكون في الوقت نفسه الحافز الحق للثورة
الادبية
العباسية، فهذا يفيد ان التجربة الحياتية الكيانية
للشاعر
الموهوب المتفرد تؤتي الجديد الذي يمثل عصره اصدق
تمثيل، ولانه يمثل عصره بهذا الصدق، فهو شعرانساني
عظيم
يظل خالدا ومؤثرا ما بقي الانسان يعيش الوجد
والفكر، ويقول
الشعر الذي ينطق بهما.
هوامش نقدية
دراسة في كتاب ((اصول مذهب الشيعة))
السيد محمد الحسيني
منذ زمن بعيد كان التشيع موضوع بحث ودراسة
مستمرين.
وفي الغالب كانت الدوافع مذهبية تمتزج احيانا
بالدافع
السياسي، ويتخذ معها البحث اتجاها ينسجم واياها.
وفي واقع
كهذا يتماهى فيه المذهبي والسياسي لا ينتظر المرء
قدرا ولو
ضئيلا من الانصاف او الموضوعية تجاه موضوع البحث.
كانت
الاجواء المشحونة بالحدة والتعصب كافية لان تلقي
بظلالها
بشكل كامل وتام على مسار البحث ونتائجه. والكتب
التي
عنيت بتاريخ الفرق والمذاهب خير شاهد، ناهيك عن
عشرات
بل مئات الكتب التي حفلت بالسجال العنيف بين رجال
تلك
الفرق، وللتشيع في هذه الكتب على اختلافها النصيب
الاكبر
والحظ الاوفر.
طبعت هذه السمات جل الكتابات ان لم نقل جميعها خاصة
وهي تخرج عن مراكز اخذت على عاتقها مواجهة التشيع.
انما
الجديد هو الاهتمام المتزايد ب ((الشيعة)) في
مراكزالبحوث
الاكاديمية التي يفترض في بحوثها المنجزة ان تكون
علمية
وبعيدة عن روح التعصب والضيق المذهبي.
ومن اوسع ما انجزته بعض الجامعات، حول التشيع، كتاب
((اصول مذهب الشيعة الامامية الاثني عشرية))، من
تاليف
الدكتور ناصر بن عبداللّه بن علي القفاري، وهو في
الاصل اطروحة نال بها درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الاولى من جامعة الامام محمد
بن سعود الاسلامية. وقد طبعت لاول مرة في العام 1993 . وقد توفر الباحث القفاري على
عددكبير من المراجع والمصادر الشيعية، وهو امر يوحي، لاول وهلة، بالدقة والموضوعية
كما يشعر القارىء بالمصداقية!
اهداف البحث
لم يشا الباحث اهمال الاسباب الحقيقية التي دفعته
الى الكتابة
عن الشيعة والتشيع بشكل خاص، فقد سجل ملاحظاته
الصريحة في مطلع الرسالة، راسما بشكل واضح
منهجه وطريقته في معالجة موضوع البحث، في محاولة
منه
لتخفيف العب ء عن النقاد والكشف لهم عن الخطوط
العامة
والتفصيلية لبحثه.
وقد لخص الباحث مسوغات بحثه في عدد من النقاط منها:
1- قد يكون السبب الرئيسي ما يمكن تسميته بالحرب
الدفاعية
او الوقائية، اذ يفترض الباحث ان ((التسنن)) في خطر،
ومصدر
هذا الخطر هو ((التشيع)) بما يحمله من فكرمضاد وحركة
دؤوبة في الحوار والنشاط الفكري والاجتماعي. يقول
في هذا
الصدد: ((.. معظم الفرق التي خرجت عن الجماعة ضعف
نشاطها اليوم، وفتر حماسها، وتقلص اتباعها،
وانكفات على
نفسها، وقلت منابذتها لاهل السنة. اما طائفة الشيعة
فان
هجومها على اهل السنة وتجريحها لرجالهم وطعنها في
مذهبهم وسعيها لنشر التشيع بينهم يزداد يوما بعد
يوم. ولعل
طائفة الاثني عشرية هي اشد فرق الشيعة في هذا الباب
لاضلال العباد، ان لم تكن الفرقة الوحيدة التي تكثر
من
التطاول على السنة والكيد لها على الدوام مما لا
تجده عند
فرقة اخرى)) (1/8).
2-- والاكثر خطورة من وجهة نظر الباحث هو ((اهتمام هذه
الطائفة بنشر مذهبها والدعوة اليه، وعندها دعاة
متفرقون
ومنظمون، ولها في كل مكان (غالبا) خلية ونشاط،وتوجه
جل
اهتمامها في الدعوة لنحلتها في اوساط اهل السنة.
ولا اظن ان
طائفة من طوائف البدع تبلغ شان هذه الطائفة في
العمل لنشر
معتقدها والاهتمام بذلك. وهي اليوم تسعى جاهدة
لنشر
(مذهبها) في العالم الاسلامي وتصدير ثورتها واقامة
دولتها
الكبرى بمختلف الوسائل. وقد تشيع بسبب الجهود التي
يبذلها
شيوخ الاثني عشرية الكثير من شباب المسلمين.. ومن
يطالع
كتاب ((عنوان المجد في تاريخ البصرة ونجد)) يهوله
الامر
حيث يجد قبائل باكملها قد تشيعت (1/9).
3- ومن الاسباب، كما يدعي المؤلف، ما يمثله التشيع
من فرقة
خاصة متميزة عن الاسلام، والدليل عنده على ذلك ((ان
هذه
الطائفة بمصادرها في التلقي وكتبها وتراثها
تمثل نحلة كبرى
حتى انهم يسمون مسائل اعتقادهم (دين الامامية) لا
مذهب
الامامية وذلك لانفصالها عن دين الامامية، وبحسبك
ان تعرف
ان احد مصادرها في الحديث عن الائمة يبلغ مئة
وعشرة
مجلدات، وهو بحار الانوار لشيخهم المجلسي)) (1/8).
وللتذكير فقط نشير الى المغالطة التي يحاول الباحث، في مطلع كتابه، تمريرها
للقارىء وتتمثل في ما سماه
((دين
الامامية)). وقد ادعى، في هامش الصفحة المشار اليها
اعلاه،انه
عنوان لكتاب الشيخ الصدوق، وهو كتاب يعرف اساسا ب
((اعتقادات الصدوق)) لانه عبارة عن امالي في علم
الكلام تعبر
عن وجهة نظر الشيخ الصدوق. نعم ورد التعبير ب((دين
الامامية)) في كتاب الشيخ الطوسي، في اثناء وصفه
لكتاب
الصدوق ومضمونه، وهو لا يعبر الا عما يدين به
الامامية من
وجهة نظر احد مشايخهم وعلمائهم، خاصة وانه لا
يختلف
مضمونا عما يؤمن به اي مسلم موحد الا في بعض
التفصيلات
التي كانت ولا يزال بعضها مثار جدل بين المسلمين
مما لا
يشكل قدحا في اسلامهم وايمانهم باللّهوكل ما هو
ضروري في
الاسلام.
وللتذكير فقط اشير الى المغالطة الاخرى التي ساقها الباحث، في محاولة منه
لتضخيم كتاب ((بحار الانوار))، بشكل يوحي للقارىء من خلال العدد الهائل لمجلداته التي
تزيدعلى المئة
انه دخيل على المكتبة الاسلامية وانه يشتمل على ما
لا يعرف.
وهذه المغالطة ليست بريئة اطلاقا، اذ يحوي كتاب
((البحار))
ويضم عشرات بل مئات الكتب وامهاتها على اختلافها
وتنوعها،
ومنها الشيعي والسني حتى. وقد ضم فيه روايات الطبري
وروايات الواقدي وابن اسحاق.. كما ضم عددا من روايات
التفسير على اختلاف انتماءاتها الشيعية والسنية.
4- ومن جملة الاسباب عنده ان ((هذه الفرقة لها اهتمام
دعائي في الدعوة للتقارب مع اهل السنة، وقد اقامت
المراكز،
وارسلت الدعاة وانشات الجمعيات التي ترفع
شعارالوحدة
الاسلامية)) وان ((هذه الطائفة تكثر من القول بان
مذهبها لا
يختلف عن مذهب اهل السنة، وانها مظلومة ومفترى
عليها،
ولها اهتمام كبير بالدفاع عن مذهبها..)) (1/10).
5- اما الاكثر اهمية في هذا الصدد فهو ((تضخم الخلاف
حول
حقيقة الاثني عشرية لدى الكتاب المعاصرين، فمن
فريق يرى
انهم كفرة وان غلوهم تجاوز الحدود الاسلامية كما
في كتابات
الاستاذ محب الدين الخطيب، واحسان الهي ظهير،
وابراهيم
الجبهان وغيرهم، وفريق آخر يرى ان الاثني عشرية
طائفة
معتدلة لم تجنح الى الغلو الذي وقعت فيه الفرق
الباطنية، مثل
كتابات النشار وسليمان دنيا ومصطفى الشكعة وغيرهم،
وفريق
ثالث التبس عليه الامر حتى ذهب يستفتي شيوخ الشيعة
الاثني عشرية في ما كتبه عنهم احسان الهي ظهير
ومحب
الدين الخطيب. كما تجد ذلك في ما كتبه البهنساوي في
((السنة المفترى عليها)) (1/1 1 ).
وفي هذا الصدد نفسه يبحث تحت عنوان ((ظهور اتجاه
رافضي
عند بعض الكتاب المنتسبين للسنة)) في التاثر
المزعوم لبعض
اقلام اهل السنة بالمنهج الشيعي، ويتهم الدكتورعلي
سامي
النشار تحديدا (3/1205 ). وقد يكون من الطريف جدا ان
نشير
الى بعض التاثيرات الشيعية التي رصدها الباحث
القفاري في
كتابات النشار، ومنها اتهام النشار اباسفيان
بالزندقة ومؤاخذاته
على معاوية ابنه.
هذا الراي كان يكفي لتصنيف النشار في الاتجاه
الشيعي
متناسيا خدمات النشار الجليلة! للمذهب الاشعري
ولاهل
السنة عموما في كتابه الكيدي ((نشاة الفكر الفلسفي
في الاسلام)) الذي خص التشيع بجزئه الثاني.
هذه المسوغات يجمعها الخوف من التشيع الذي بدا يتسرب الى ذهن القارىء السني، فيعرفه عن قرب، بعد
اختفاء عدد من
الحواجز التقليدية التي سادت على مدى عدد غيرقليل
من
القرون. وهنا تبدو المفارقة، اذ يبدو القفاري اقرب
ما يكون الى
منهج المستشرقين في تعاطيهم مع ((الشان الاسلامي))
والخوف منه.
وصف عام للكتاب
يقع الكتاب في ثلاثة مجلدات، وتقرب صفحاته من الف
واربعمئة صفحة. وهذا العدد الهائل من الصفحات يكفي
للاشارة الى ما بذله الباحث في متابعة موضوع بحثه،
وهوبحث
في الحقيقة لا يمكن ان تستوعبه هذه الصفحات حتى وان
بدت كثيرة.
وضع الباحث القفاري مقدمة اشرنا الى بعض مقولاتها
التي
حدد من خلالها بيان مسوغات اختيار موضوع اطروحته.
وفضلا عن ذلك حاول ان يذكر قسما من مصادر دراسته في
المقدمة، وهنا يبدو المنهج الانتقائي في التركيز
على بعض
المصادر. وكمثال على ذلك تركيزه على ما يعرف بكتاب
((سليم بن قيس))، مع انه ينقل في مطاوي بحثه تشكيك
علماء الشيعة بنسخ هذا الكتاب كما هي متوفرة الان،
وهذا
يعكس الرغبة في الوصول الى احكام مسبقة تجاه موضوع
البحث.
قسم المؤلف بحثه الى تمهيد وخمسة ابواب.
في التمهيد: تناول التعريف بالشيعة ونشاتها
وجذورها
التاريخية وفرقها.
في الباب الاول: عدة فصول.
الاول: اعتقادهم في القرآن.
الثاني: اعتقادهم في السنة.
الثالث: اعتقادهم في الاجماع.
في الباب الثاني: عدة فصول.
الاول: اعتقادهم في الالوهية.
الثاني: اعتقادهم في توحيد الربوبية.
الثالث: اعتقادهم في توحيد الاسماء والصفات.
الرابع: اعتقادهم في الايمان واركانه.
في الباب الثالث: اصول الشيعة.
الامامة، العصمة، التقية، المهدية، الرجعة،
الظهور، البداء،
الطينة.
في الباب الرابع: التشيع حاضرا، عدة فصول.
الاول: صلتهم بمصادرهم القديمة.
الثاني: صلتهم بفرقهم القديمة.
الثالث: الصلة العقدية بين القدامى والمعاصرين.
الرابع: دولة الايات.
في الباب الخامس: الحكم عليهم واثرهم في العالم
الاسلامي
ثم الخاتمة والنتائج.
منهج البحث:
كشف الباحث القفاري عن منهج بحثه في مقدمة الكتاب، محاولا تطمين القارىء تجاه المضامين التي
احتواها كتابه،
وللتدليل على مصداقية بحثه اكد انه:
1- ينقل عن كتب الشيعة مباشرة، ولا ينظر في المصادر
الناقلة
عنهم.
2- حرص على ان يكون موضوعيا جهد طاقته! وقد فسر
القفاري الموضوعية هنا بانها تعني ان ينقل عن كتب
الشيعة
بامانة، وان يختار الكتب المعتمدة عندهم، وان
يعتمدعلى
الروايات الموثقة عندهم..
3- يعرض لعقائد الشيعة بمنهج نقدي عبر منهج النقد
الداخلي
للنصوص.
4- حرص على منهج المقارنة بين المصادر الشيعية نفسها
وبينها وبين المصادر السنية ايضا.
5- اكد غير مرة انه يتعامل مع الروايات الشيعية من
حيث
التصحيح والتضعيف وفقا للمقاييس الشيعية، فقال:
((كل
ذلك حتى لا يقال باننا نتجه الى بعض رواياتهم
الشاذة،واخبارهم الضعيفة التي لا تعبر عن حقيقة
المذهب
فتاخذ بها)).
6- وفضلا عن ذلك، فقد اهتم ((بالنقل الحرفي في الغالب
رعاية للموضوعية وضرورة الدقة في النقل والعزو)).
هكذا رسم الباحث منهجه في البحث، وهو ان التزم به يكشف عن منهج علمي رصين
واتجاه عقلاني في البحث، ولكن هل التزم الباحث القفاري بما رسمه من نهج، وبما
تعهدبه للقارىء؟
الجواب يتوقف على قراءة فاحصة للكتاب ومتابعة
دؤوبة
لمفرداته، خاصة وان الكتاب ضخم تزيد صفحاته على
الالف
صفحة. وان يعسر علينا متابعة الكتاب في كل
شاردة وواردة في هذه العجالة، فلا يروق لنا ان نترك القارىء في
حيرة تجاه بحث
واسع كهذا يوحي بالثقة والمصداقية، فلا بد اذا من
ان نحدد
بعض المعالم في الطريق عسى ان تسنح الفرصة لمناقشة
الكتاب مناقشة واسعة ومتابعة شاملة. مشروع ملاحظات |
|---|