لا يمكن تسجيل الملاحظات دفعة واحدة في هذه العجالة،
ولكن من الممكن ان تشكل هذه الملاحظات مشروعا للدراسة
والنقد، يمكن تطويرها في وقت آخر، المهم اننحدد الموقف
بشكل عام من الكتاب ومنهج الكتاب ومحاكمته وفقا لما رسمه
الباحث من منهج ولغة ومصادر.. فهل نقل الباحث القفاري عن
مصادر الشيعة بامانة؟ وهل التزمفي التصحيح والتضعيف
مقاييسهم في قبول الرواية او طرحها؟ وهل كان موضوعيا تجاه
موضوع بحثه؟.. جميع هذه الاسئلة ليست مشروعة وحسب،
من حيث معرفة الموقفتجاه طائفة من المسلمين يكتب عن
مذهبهم واعتقاداتهم باحث يصنف على اقل التقادير في الاتجاه
المضاد، بل من حيث التعرف على مصداقية البحث ومدى
التزام الباحثالمنهج العلمي المتعارف في الجامعات والمراكز
العلمية والبحثية التي يفترض انها ابعد ما تكون عن الدوافع
المذهبية والاهداف الضيقة.
ويمكن ان نسجل على البحث عدة ملاحظات هي:
اولا: من حيث المرجعية الفكرية للباحث يبدو تاثره الكبير
بالاتجاه السلفي المتعصب، وتاثره على وجه التحديد بابن
تيمية وابن حزم وابن خلدون، والالوسي، والجبهان،والخطيب..
وقد انطلق في معالجته موضوع بحثه من عقلية مستغرقة
باشكالات وشبهات هذه النخبة، وقد اورثه هذا التاثر حدة في
المزاج الى درجة انه يستعير معها الالفاظالفاحشة نفسها التي
رددها ابن حزم في كتابه ((الفصل)) وليس اقلها تعبيره
((النوكي)). هذا فضلا عن النفي المطلق ومصادرة الاخر
وتسخيف رايه.
لقد تركت مرجعيته الفكرية المشار اليها بصماتها واضحة في
اساليب بحثه فضلا عن نتائجه، ولا يخفى ان هذه المرجعية
تشكل عقبة كاداء في طريق البحث بلحاظ مالها منتاريخ
مشحون بالمواجهة ومليء بالاتهامات التي ليس آخرها التكفير.
ثانيا: ويلاحظ على الباحث انه يتعاطى، مع موضوع بحثه،
باحكام ومواقف مسبقة وبعضها من قبيل المسلمات عنده لا
مجال للحوار حتى فيها، ويمكن ان يلاحظ ذلك فيمعالجته
لقضية عبداللّه بن سبا، اذ اعتبرها قضية محسومة في الوقت
الذي لا تزال فيه دوائر البحث سنيا وشيعيا تبحث عن حقيقة
هذه الشخصية ومدى تاثيرها في الاحداثعلى فرض وجودها.
ومن ذلك موقفه من قضية عصمة الائمة في الوقت الذي لم
يرفض فيه ما يعرف بعصمة الصحابة او عصمة الامة كما يقال،
هذا علاوة على مناقشاته فيالامامة وترديد الموقف السائد في
كتابات ابن تيمية وابن حزم على الخصوص.
ثالثا: واذا كان للباحث القفاري الحق في ان ينطلق من مرجعية
فكرية يؤمن بها ويعتقد بصحتها، فهل من حقه ان يصادر الاخر
بكل الوسائل، بما فيها الباطل والسقيم؟ فها هناتبدو المفارقة،
ففي الوقت الذي يقول فيه القفاري انه سيلتزم بمعالجة
موضوع التشيع بحيدة وموضوعية نجده يفرط هذه المرة باهم
ما التزمه وتعهد به، هاهنا تغيب المصداقيةوتختفي وراء عدد
من الافكار التي ساقها وكانها مسلمات ولم يكن له عليها شاهد،
فلم يجرؤ على الاعتراف بفقدان الدليل والحجة فانبرى يحشد
الادوات حشدا.
من ذلك اعتماده على الروايات الضعيفة، ان على المستوى
الخاص واعني به الروايات الخاصة التي نقلتها المصادر الشيعية
ام على المستوى الاخر، واعني به الروايات التينقلتها المصادر
السنية.
فهو لغرض الطعن بالتشيع يستند الى روايات ضعيفة وفقا
لمقاييس الجرح والتعديل السائدة في المدرسة السنية، ومن
ذلك روايات شريك بن عبداللّه وابي اسحاق السبيعيومحمد
بن كثير وليث بن ابي سليم وسفيان الثوري وعامر بن شراحيل
الشعبي((540)) .
كما يبدو ذلك في حشده الروايات التي استدل بها على الطعن
بالشخصية الشيعية البارزة هشام بن الحكم وادعى انها نصوص
صحيحة وفقا لما التزم به من اعتماد الصحيحوفقا لمقاييس
التصحيح عند الشيعة. غير انه لم يف بما قطعه على نفسه، فهو
حشد هذه الروايات ايحاء منه للقارىء بتصحيح علماء الشيعة
لها، وهو بالتاكيد حامل التضليل لانفي عداد مصادره ومراجعه
اهم مرجع في الجرح والتعديل لمؤلفه السيد الخوئي (معجم
رجال الحديث) وكان يفترض انه رجع اليه وقد احال اليه في
عدد من المسائل. وقداشار السيد الخوئي الى ضعف هذه
الروايات وانها بين المرسل والضعيف((541)) .
رابعا: وانطلاقا من المرجعية الفكرية المشار اليها في الملاحظة
الاولى، يلاحظ على الباحث لجوءه الى التشهير والاتهام الصريح
تاثرا بمنهج ابن تيمية وابن حزم وآخرين،وقد تطول قائمة
الاتهام عنده. فيرسل ارسال المسلمات ان عليا عند اكثر
الشيعة اله خالق (1ر302) وانهم لا يعنون بالقرآن الكريم
انتظارا منهم لمصحف علي الذي غاب بيدالقائم (1ر258)
وانهم يتسترون على عقائدهم (1ر13 ) ويزيدون في كتبهم
(1ر225 1 ر289) وانهم لا يقيمون لاسانيد الروايات وزنا وانما
صنعوا الاسانيد لتوقي نقد اهلالسنة (1ر385) وان رجال
كتبهم ما بين الكافر او من اهل النصارى (1ر372) الى غير
ذلك من الاتهامات التي لا تقف عند التاثيرات اليهودية او
الفارسية او اليونانية في الفكرالشيعي، ارتكازا على شواهد
مصطنعة وروايات باطلة من قبيل روايات الشعبي وغيره او
تنظيرات ابن تيمية او ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد.
ولا ادري لماذا لا يتهم اهل السنة بالتاثيرات اليهودية، وفي
صفوفهم عدد غير قليل من ابناء اليهود ومسلمتهم وقد امتلات
مصنفاتهم من رواياتهم من امثال كعب الاحباروعبداللّه بن
سلام ووهب بن منبه وتميم الداري، وما هو موقف الباحث
القفاري وغيره من باحثي اهل السنة تجاه بعض الالتقاطات
والشواهد التي توحي بالتاثيرات اليهوديةفي مرتكزات اهل
السنة، وقد يكون من اقلها وضوحا ما اشتهر عندهم من منع
كتابة سنة النبي(ص) وكرسه الخلفاء وخاصة الخليفة عمر بن
الخطاب، فماذا لو ردت هذهالافكار الى التلمود الذي نص على
((ان الامور التي تروى مشافهة ليس لك الحق في اثباتها
بالكتابة))((542)) .
ولا ادري ما هو موقف الباحث القفاري من اسانيد اهل السنة
وفيها ما فيها حتى قال احمد بن حنبل: ((ثلاثة ليس لها اصل:
التفسير والملاحم والمغازي))((543)) وقال ابنسيرين: ((لم
يكونوا يسالون عن الاسناد فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنار
رجالكم)) . ((544))
هذا فضلا عن المؤاخذات التي وردت على السنة علماء الجرح
والتعديل في اهم كتب الحديث، بما فيها صحيح البخاري
وصحيح مسلم من النقل عن الضعاف او التدليس اوالتقطيع..
اما زيادة الشيعة في كتبهم فتلك مهزلة! كيف استساغ الباحث
لنفسه نسبتها الى الشيعة وهم يفحصون في كتب اسلافهم الى
درجة انهم يصرحون بملء افواههم بالنتائج مهماكانت تجاه
هذه النسخة او تلك ومدى اطمئنانهم اليها اولا، ومن ذلك
موقفهم من كتاب سليم بن قيس وبعض ما روي في تفسير
القمي وكذلك التفسير المنسوب الى الامامالعسكري، بل كتاب
الاختصاص للشيخ المفيد الخ...
ولم يعبث علماء الشيعة بكتبهم كما عبث اعلام اهل السنة في
كتبهم ورواياتهم ودونك ما فعله الطبري وابن كثير في
تفسيرهما قوله تعالى: (وانذر عشيرتك الاقربين) حيثحذفا
قول رسول اللّه(ص): ((ووصيي وخليفتي فيكم)) وابدلاه
بقولهما: ((وكذا وكذا))، في الوقت الذي اثبت القول كما هو
الطبري نفسه في تاريخه. وكذلك ما فعله ابن هشام فيتهذيبه
لسيرة ابن اسحاق. ومن ذلك ما حذفه الطبري وقبله ابن هشام
في شان غزوة بدر وجواب الاصحاب، فكتبا ((واتاه الخبر عن
قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشارالناس واخبرهم عن
قريش، فقام ابو بكر الصديق فقال واحسن، ثم قام عمر بن
الخطاب فقال واحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول
اللّه امض لما امرك اللّه فنحنمعك)). فلماذا حذف الطبري
وابن هشام ما قاله الخليفة ابو بكر والخليفة عمر؟! والجواب
لدى الواقدي والمقريزي لان كلامهما كان تخذيلا... وقد يطول
بنا المقام ولسنا بصدده.
((545))
اما تركيب الاسناد والتدليس في اسانيد الشيعة فهل
بمقدور الباحث القفاري نفيه عن اسانيد اهل السنة وقد صنف
علماؤهم العشرات من الكتب لتمييز الموضوع
والمرسلوالمختلق، وهل يكفي للطعن في الاسانيد، او كتب
الحديث، وجود عدد الروايات، من الضعيفة او وجود عدد من
الضعفاء والكذابين، ويكفيني ان اذكر شاهدا واحدا من ابنكثير،
في ترجمة ابن ابي الدنيا القرشي المشهور بالتصانيف الكثيرة
النافعة والتي تزيد على مئة مصنف على حد تعبير ابن كثير
نفسه فقد ذكر ابن كثير ((انه كان صدوقا لكنذكر انه يروي
عن رجل يقال له محمد بن اسحاق البلخي وكان كذابا يصنع
للاعلام اسنادا وللكلام اسنادا، ويروي احاديث منكرة))((546))
.
خامسا: اما تعهد القفاري بالتزام الامانة بالنقل الحرفي فقد
نقضه للاسف في غير مورد.
ومن تلك الموارد ما ذكره في الطعن على هشام بن الحكم وانه
من غلمان ابي شكر، فقد ذكر عن رواية ضعيفة ومرسلة من
رجال الكشي ولم يصرح بضعفها، ثم قال: ((وقداوعز اليه كما
في رجال الكشي بلزوم الصمت حين جد المهدي العباسي
بتتبع الزنادقة. قال هشام: فكففت عن الكلام حتى مات
المهدي)) (1ر206).
وقد اتى الباحث القفاري بهذا المقطع بعد المقطع الاول
مباشرة فيرجع الضمير في ((فاوعز اليه)) الى ابي شاكر
الديصاني، والامر ليس كذلك فان الرواية الموجودة في
رجالالكشي انه سكت عن الكلام بامر من الامام، كما ان سكوته
لا علاقة له بامر الزنادقة ولم يرد هذا اللفظ في الرواية وانما كان
السبب هو ان ابن ((المقعد)) او ((ابن المفضل))، علىرواية
اخرى، كتب للمهدي في صنوف الفرق فبدا المهدي يتبع
اصحابها فامره الامام ابو الحسن(ع) بالكف عن المناظرات في
علم الكلام كي لا يؤخذ وليس في الرواية مايدل بل ما يشير الى
انه سكت بامر من الديصاني، ولكن امانة الباحث شاءت ان يركب
من الرواية الاولى الضعيفة والمرسلة والتي عدت هشام من
غلمان ابي شاكر الديصانيومن رواية اخرى لا علاقة لها
اطلاقا((547)) .
ومن تلك الموارد ما حاوله اثباتا للسائد عند اهل السنة من رؤية
اللّه تعالى يوم القيامة، وادعى ان ذلك مذهب اهل البيت، فنقل
عن كتاب ((التوحيد)) للصدوق رواية ابي بصيرعن الصادق(ع)
((قال: قلت: اخبرني عن اللّه عز وجل هل يراه المؤمنون يوم
القيامة؟ قال نعم)). (22ر552). وهنا شاءت امانة الدكتور
القفاري ان يتصرف بالرواية فيذكر صدرالرواية بما ينفع به
الاستدلال ويجتزىء به، لان ذيلها يناقض ذلك تماما حيث
يقول الامام بعد قوله: ((نعم، وقد راوه قبل يوم القيامة، فقلت:
متى؟ قال: حين قال لهم: الستبربكم قالوا: بلى، ثم سكت
ساعة، ثم قال: وان المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة،
الست تراه في وقتك هذا؟... حتى يقول الامام(ع): وليست
الرؤية بالقلب كالرؤيةبالعين تعالى اللّه عما يصفه المشبهون
والملحدون))((548)) . فاين هذه الرؤية من مدعاه، ولكنه
حاول التصرف بها ليسهل عليه الاستدلال.
ومن تلك الموارد ما ادعاه على الشيخ الاميني، صاحب كتاب
((الغدير))، حيث زعم انه ناقض نفسه بنفي تهمة تحريف
القرآن عن الشيعة واثبات التحريف من جهة اخرى،حيث ادعى
القفاري ان الشيخ الاميني ذكر في كتابه الغدير نص الاية
المزعومة وهي: ((اليوم اكملت لكم دينكم بامامته فمن لم ياتم
به وممن كان من ولدي؟! من صلبه الى يومالقيامة فاولئك
حبطت اعمالهم وفي النار هم خالدون، ان ابليس اخرج آدم
عليه السلام من الجنة مع كونه صفوة اللّه بالحسد فلا تحسدوا
فتحبط اعمالكم وتزل اقدامكم)). ثمقال: ((وهي واضحة
الافتراء في ركاكة الفاظها ومعناها، ومع ذلك يزعم هذا
الرافضي ان رسول اللّه قال انها نزلت في علي، وحاول ان يموه
ويخدع القراء فنسب هذا الافتراءلمحمد بن جرير الطبري
السني، وهو محمد بن جرير الطبري الرافضي ان صحت النسبة
اليه.. فالرجل افترى على اللّه وكتابه ورسوله وائمة
المسلمين)). (3ر994).
ولا ادري كيف استساغ الدكتور نسبة الافتراء الى الشيخ
الاميني وهو يفتري عليه فاية آية مزعومة هذه؟! والنص في
كتاب ((الغدير)) للاميني ان النبي خطب في الناس وقالفي ما
قال..: ((معاشر الناس، هذا اخي ووصيي وواعي علمي وخليفتي
على من آمن بي وعلى تفسير كتاب ربي. وفي روايته: اللهم
وال من والاه وعاد من عاداه والعن منانكره واغضب على من
جحد حقه. اللهم انك انزلت عند تبيين ذلك في علي (اليوم
اكملت لكم دينكم) بامامته فمن لم ياتم به...)).((549)) فلم
يدع الاميني انها آية، بل هيفي سياق ما نقل من خطبة
للنبي(ص) وهو يجمع بين كلام اللّه وكلام نفسه مفسرا المراد
من كلام اللّه، واين هذا مما ادعاه الدكتور القفاري.
سادسا: ويلاحظ على الدكتور القفاري تعسفه في استخلاص
النتائج او في تكريس الشبهات ذائعة الصيت، دونما تحكيم
لمنطق العقل او لجوء الى موازين التعاليم الاسلاميةفي قول
الحق ولو على الخصم وانصافه ولو كان مخالفا، واجدني مضطرا
للاشارة الى بعض الموارد خشية الاطالة، والا فموارده
التعسفية تكاد لا تنتهي ولا يجمعهاجامع.
ومن تلك الموارد حرصه على الطعن بالرواة ونسبتهم الى
الكفر والخروج على الدين لغرض الطعن في اسانيد روايات
مذهب اهل البيت(ع)، ومن ذلك اصراره على الطعنبقساوة
بالغة على جابر الجعفي، وينسب الى الشيعة توثيقه بسبب
انحرافه وتاويلاته الباطنية. وفي ما ينقل عن الشيعة توثيقهم
لجابر ينقل تضعيف علماء اهل السنة (1ر166) ويحاول ان يبدي
تعجبه تجاه توثيق السيد الخوئي في معجمه الرجالي لجابر
الجعفي (1ر376).
ولا اعرف سر تعجب الدكتور القفاري في وقت يوثق فيه بعض
علماء اهل السنة((550)) جابر الجعفي، وهم من اجلة علماء
الجرح والتعديل، ومنهم شعبة الذي وصفهبالصدوق ووكيع
الذي قال: ((ما شككتم في شيء فلا تشكوا ان جابرا الجعفي
ثقة))، وقال ابن عبد الحكم: ((سمعت الشافعي يقول: قال
سفيان الثوري لشعبة: لئن تكلمت فيجابر الجعفي لاتكلمن
فيك)). ولكن القفاري، وهو ينقل موقف علماء الجرح والتعديل
من جابر، اقتصر على ذكره التضعيف من دون ان يذكر التعديل
في حقه، وكان ينبغي لهذكره لانه دليل على ان امره في
الضعيف غير مشهور او غير متسالم وانما تشير افادات التضعيف
الى انها ناشئة من كونه شيعيا.
وقد بلغ تعسفه مبلغا لا يرقى اليه تعسف في محاولته اتهام
الشيعة بتحريف القرآن والمبالغة في ذلك ومحاولة التعميم
والتهويل من جهة اخرى من دون ان ياخذ بلحاظالاعتبار منشا
القول بالتحريف الذي مال اليه بعض المحدثين، وهو قول يفتقر
احيانا كثيرة الى الوضوح، وهو ما اعترف به الدكتور القفاري
وسجله في بحثه، فذكر ان هؤلاءالقائلين بالزيادة او النقصان
في القرآن الكريم نراهم يستشهدون من كتاب اللّه ويفتتحون
كل باب من ابواب كتبهم بآيات من القرآن، الى درجة ان
المجلسي الذي نقل هذهالروايات صرح بان الذي بين الدفتين
كلام اللّه تعالى على الحقيقة من غير زيادة ولا نقصان. وهذا ما
نقله الدكتور القفاري صريحا واضحا، واعتبره اشارة على
التناقض فلماذايحاول بعد كل ذلك التهويل من جهة والتعميم
من جهة ثانية، ولماذا لم يجد الدكتور لهؤلاء عذرا يلتمسه لهم
او شبهة يرد مجانبتهم الصواب اليها بدلا من التكفير، خاصة
وان فيكتب اهل السنة الصحيحة، وليس المعتبرة فحسب،
ايضا، ما يماثل هذه المقالة.
ومن هذه الروايات((551)) ما نقله السيوطي في الاتقان عن
الليث بن سعد قال: ((اول من جمع القرآن ابو بكر وكتبه زيد..
وان عمر اتى بآية الرجم فلم يكتبها لانه كانوحده)). والرواية
صريحة في ان هذه الاية من الايات التي سقطت من القرآن
وليس فيها ما يدل على انها نسخت تلاوة، لان سبب الرد كما
في الرواية لعدم توفر القرائن التيتؤكد ادعاء عمر. هذا فضلا عن
الركاكة التي رويت بها آية الرجم والتي رويت ب ((ان الشيخ
والشخة اذا زنيا فارجموهما البتة)) او ((الشيخ والشيخة
فارجموهما البتة بما قضيا مناللذة)).
ومن ذلك ما روي في الاتقان للسيوطي عن حميدة بنت ابي
يوسف قالت: ((قرا على ابي وهو ابن ثمانين سنة في مصحف
عائشة: ان اللّه وملائكته يصلون على النبي يا ايهاالذين آمنوا
صلوا عليه وسلموا تسليما، وعلى الذين يصلون الصفوف الاول.
قالت: قبل ان يغير عثمان المصاحف)). والرواية صريحة في ان
هذه الاية لم تنسخ تلاوة بل وقعاسقاطها بعد نسخ مصحف
عثمان.
ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة انها قالت: ((كان
في ما انزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم
نسخن ب: خمس معلومات، فتوفي رسول اللّه(ص) وهنفي ما
يقرا من القرآن)). والرواية، ايضا، واضحة في ان الاية سقطت
بعد وفاة رسول اللّه، وهي تدل على التحريف.
ومن ذلك ما رواه الطبراني بسند موثق عن عمر بن الخطاب
مرفوعا: قال: ((القرآن الف الف وسبعة وعشرون الف حرف)).
وهو رقم لا يبلغ ما بايدينا من القرآن ثلثه، فاين سقطهذا
الباقي.
ومثل ذلك ما رواه احمد بن حنبل في مسنده من آية الرجم
والاية ((ولا ترغبوا عن آبائكم فانه كفر بكم)) او ((ان كفرا بكم
ان ترغبوا عن آبائكم)) وما رواه البخاري في صحيحهمثله حيث
قال عمر: ((فاخشى ان طال بالناس زمان ان يقول قائل: واللّه ما
نجد آية الرجم في كتاب اللّه..)).
وغير ذلك من الروايات التي تناقلتها كتب اهل السنة، فلماذا
يكفر المجلسي وغيره من الشيعة ولا يكفر البخاري ومسلم
واحمد بن حنبل؟
وقد اضطره تعسفه الى اتهام الشيخ المفيد بالقول بتحريف
القرآن في محاولة منه لتعميق مقالة التحريف عند الشيعة،
ولغرض تاكيد هذه التهمة قطع الدكتور القفاري اوصالعبارة
الشيخ المفيد في كتابه: ((اوائل المقالات))، ليبدو ميالا الى
القول بالتحريف، مع انه يصرح بنفي التحريف عنده زيادة
ونقصانا. فبعد ان ذكر ما عليه جماعة من الشيعة منان القرآن
كامل لم ينقص منه كلمة او آية، بل حذف منه ما كان مثبتا في
مصحف علي(ع) من تفسير وتاويل قال: ((وعندي ان هذا
القول اشبه من مقال من ادعى نقصانكلممن نفس القرآن
على الحقيقة دون التاويل واليه اميل)) وكذلك في دعوى
طرد الزيادة فبعد ان ناقشها من جهة العقل قال ((.. بل اميل
الى عدمه وسلامة القرآن عنه، ومعيبذلك حديث عن الصادق
جعفر بن محمد(ع)))((552)) .
ومن ذلك هجومه غير المسوغ على السيد الخوئي الذي نفى
التحريف جملة وتفصيلا وناقش الشبهات المدعاة بما لا مزيد
عليه. ولكن الدكتور يحاول ان يقطع اوصالعبارات السيد
الخوئي، محاولا اغراء القارىء وتضليله واقناعه بتصنيف السيد
الخوئي وعدد من اعلام مذهب اهل البيت في من ادعى
التحريف.
وقد لخص السيد الخوئي رايه في دعوى التحريف، بعد
مناقشتها من جهات عديدة، بقوله: ((ومما ذكرناه: قد تبين
للقارىء ان حديث تحريف القرآن حديث خرافة وخيال، لايقول
به الا من ضعف عقله، او من لم يتامل في اطرافه حق التامل، او
من الجاه اليه بحب القول به، والحب يعمي ويصم، واما العاقل
المنصف المتدبر فلا يشك في بطلانهوخرافته))((553)) .
سابعا: ان المنهج الذي اتبعه الدكتور القفاري ادى به، في
موارد كثيرة، الى الوقوع بالتناقض والتهافت، ولا ادري ما اذا
كان القفاري يشعر به ام لا، انما اعرف فقط ان هذا
المنهجاسلمه الى هذه النتيجة غير المرضية علميا، فضلا عن
الموقف الشرعي منها.
واجدني حائرا امام الحشد الكبير من الشواهد على هذا
التناقض، فايها التمس وايها اذكر واسجل. ففي صدد حشد
الشواهد على مقالة الشيعة بالتحريف يستشهد الدكتورالقفاري
بمقاطع من كتابات موسى جار اللّه في كتابه ((الوشيعة)) تؤكد
مبلغ اهمال الشيعة لكتاب اللّه وعدم عنايتهم به ثم يحاول
الدكتور القفاري ان يحشد بعض النصوص بعدتقطيعها او
انتزاعها عن سياقها الخاص بها (1ر258) ولكن الدكتور القفاري
سرعان ما يدين نفسه ويقع في تناقض جد واضح، فبعد ان
اعتبر ان النصوص المدعاة علىتحريف القرآن كانت كافية
لابعاد الشيعة عن الاهتمام بالقرآن الكريم، ينوه في هامش
الصفحة المشار اليها نفسها الى النصوص العديدة التي سجلها
اعلام الشيعة والتي اكدتوحثت على تعلم القرآن وحفظه
والاهتمام به.
والاكثر طرافة، في هذا الصدد، انه بعد ان ينقل فتوى لشيخ
الاسلام ابن تيمية وهي ليست فتوى يسجل فيها ابن تيمية
ذكرياته في غزو ساحل الشام وكان يسكنها الروافضعلى حد
تعبيره فيقول: ((.. ومع هذا، فلما استشار بعض ولاة الامر في
غزوهم وكتبت جوابا مبسوطا في غزوهم.. وذهبنا الى ناحيتهم،
وحضر عندي جماعة منهم، وجرتبيني وبينهم مناظرات
ومفاوضات يطول وصفها فلما فتح المسلمون بلدهم، وتمكن
المسلمون منهم نهيتهم عن قتلهم، وانزلناهم في بلاد
المسلمين متفرقين لئلا يجتمعوا)) .ولا اريد ان اسجل
ملاحظاتي على نص ابن تيمية، انما اود ان اسجل تعليق
الدكتور القفاري على هذا النص قائلا: ((وهذه الفتوى من امام
اهل السنة في وقته تبين ان اهل السنةيتبعون الحق من ربهم
الذي جاء به الرسول، ولا يكفرون كل من خالفهم فيه، بل هم
اعلم بالحق وارحم بالخلق بخلاف اهل الاهواء الذين يبتدعون
رايا ويكفرون من خالفهمفيه)) (3ر1264 ).
فها هو ابن تيمية لا يكفر الرافضة على حد تعبيره كما يؤكده
القفاري، ولا نريد ان نناقش في تلك الاستفادة، فهي وان لم
تصح موضع احترام واكبار، انما نناقش في جهةاخرى ونتوقف
عندها، تلك هي الفتوى الثانية التي ساقها الدكتور القفاري
لتكفير الشيعة، وهي نص لعلم من اعلام اهل السنة وهو ابن
كثير، ومن جملة ما ذكره ابن كثير: ((.. ومنظن بالصحابة
رضوان اللّه عليهم ذلك يعني مخالفتهم لاوامر رسول اللّه(ص)
فقد نسبهم باجمعهم الى الفجور والتواطؤ على معاندة
الرسول(ص) ومضادتهم في حكمه ونصه،ومن وصل من الناس
الى هذا المقام فقد خلع ربقة الاسلام وكفر باجماع الائمة
الاعلام، وكان اراقة دمه احل من اراقة المدام)). ثم يعطف
الدكتور القفاري على هذا النص بقولهفيقول: ((ومن الثابت عن
الرافضة كما مر انها تدعي ان الرسول(ص) نص على علي، وان
الصحابة ردوا النص، وارتدوا بسبب ذلك، وهذا ما يقوله
المعاصرون واسلافهم منالروافض)) (3ر1265 ).
ففي الوقت الذي يسوق فيه نص ابن تيمية لبيان مدى تسامح
اهل السنة مع مخالفيهم وعدم تسرعهم في نسبة الكفر اليهم،
يسارع هاهنا الى تاكيد نص ابن كثير في تكفيرالشيعة جميعهم
وان اراقة دمائهم احل من اراقة المدام؟! فاي تناقض اشد من
هذا التناقض، واي تهافت اوضح واجلى من هذا التهافت؟!
ثامنا: اما الاستلزامات الكيفية فلا تنتهي عند حد في بحث
الدكتور القفاري، فشيوع الكذب على الائمة(ع) يكفي للدكتور
القفاري ان يبرر عدم النقل عنهم وعدم الوثوق بماورد عنهم
في كتب الشيعة (1ر347). ولا ادري لماذا لم يسوغ ذلك
للمسلمين جميعا التخلي عن حديث رسول اللّه(ص) وقد كثر
عليه الكذب، ولماذا لم يستنتج الدكتورالقفاري العكس،
ليضيء الجانب الاكثر تماسكا في القضية، اذ ان كثرة الكذب
وبقدر ما وضع حواجز عديدة امام اليقين فانه من جهة اخرى
دفع الباحثين الى اتخاذ الحذرالشديد تجاه المصادر العلمية
وتمحيصها والتدقيق فيها.
ومن الطريف جدا اكتشاف الدكتور القفاري التاثيرات اليهودية
في الفكر الشيعي وخاصة في مبحث عصمة الائمة من الرقم
(12 ) الذي يعتقد به الشيعة في امامة الاثني عشر،مستشهدا
بآراء ابن تيمية الذي رد ذلك الى الفكر التوراتي (2ر675)
متناسيا ان هذا الرقم نفسه ورد في حديث (الاثني عشر خليفة)
الوارد في مصادر السنة نفسها؟!
ومن اروع استدلالات الدكتور القفاري على بطلان فكرة الائمة
الاثني عشر قوله: ((وكتاب نهج البلاغة الذي هو اصح كتاب
عند الشيعة لا ذكر فيه للائمة الاثني عشرباسمائهم واعيانهم،
بل جاء فيه ما ينقض مبدا حصر الائمة، حيث قال صاحب نهج
البلاغة: ((.. انه لا بد للناس من امير بر او فاجر.. يقاتل به العدو
وتامن السبل، ويؤخذ بهللضعيف من القوي حتى يستريح بر،
ويستراح من فاجر))، فلم يحدد الائمة بعدد معين، فاين تذهب
الشيعة، وهي تزعم انها تصدق بكل حرف في النهج؟.
وبغض النظر عن صحة المعلومات التي استقاها القفاري تجاه
صحة نهج البلاغة وتصديق الشيعة بكل حرف حرف منه، فلا
ندري ما هو وجه دلالة ما ورد في النهج من النصالمشار اليه
على نفي فكرة الائمة؟!
ومثل ذلك رايه في نشوء فكرة الامامة، حيث عزا ذلك الى
هشام بن الحكم وانها لم تكن معروفة من ذي قبل، والغريب في
الامر انه اكتشف ذلك من رواية الكشي التي نصتعلى ان
يحيى بن خالد البرمكي قال لهارون الرشيد: ((يا امير
المؤمنين، اني قد استنبطت امر هشام، فاذا هو يزعم ان للّه في
ارضه اماما غيرك مفروض الطاعة، قال: سبحان اللّه!قال: نعم،
ويزعم انه لو امره بالخروج لخرج))، فيظهر ان هارون كما يدل
عليه هذا النص فوجىء بهذه المقالة مما يدل على جدتها.
ودلالة النص على جدة فكرة الامامة غاية في الغرابة، فضلا عن
النفي المطلق الذي مارسه الدكتور القفاري تجاه الحقائق. وهو
نفسه نقل حديث ام المؤمنين عائشة عنصحيح البخاري، وقد
((ذكروا عند عائشة ان عليا رضي اللّه عنه كان وصيا فقالت:
متى اوصى اليه..)) وبغض النظر عما نسب الى ام المؤمنين
عائشة فان النص يشي بقدم فكرةالامامة وتجذرها في الواقع
الاسلامي، وعلاوة على ذلك، فما هو راي القفاري في حقائق
التاريخ، وذاك الصراع العنيف بين السلطات المتعاقبة، ورجال
البيت الهاشمي، وتزايدالمخاوف السلطوية يوما بعد يوم منهم!
خاتمة
ما ذكرناه هو عبارة عن مشروع ملاحظات، حاولنا قدر الامكان
اختصارها والاشارة الى اهم ما يمكن ان نسجله منها، وقد اغفلنا
ملاحظات اخرى اعتبرناها من تحصيلالحاصل وفقا للمنهج
الذي التزمه الدكتور القفاري، فقد حدد سلفا الحرب واعلنها
بوضوح، واعلان الوضوح يسوغ له ان يحشد كل آليات هذه
الحرب وكل وسائلها خاصةالاعلامية، وقد برز ذلك جليا في
عدد من الفقرات الى درجة يبدو معها البحث كانه اقرب ما
يكون الى لغة الاعلام السياسي السائد اليوم في اجواء الحرب
الاعلامية.
وفضلا عن ذلك، فقد سادت روح عدوانية واضحة تجاه مذهب
اهل البيت ابتداء من اللغة الصارمة والفاحشة احيانا اخرى،
ومرورا بالتطاول على رموز هذه المدرسة، وهوتطاول لم
يقتصر على علماء مدرسة اهل البيت، بل تجاوز الى الائمة من
اهل البيت(ع)، وهو هنا يستعير لغة ابن حزم وابن تيمية، الى
درجة انه يعد الامام الحسن العسكري فيالضعفاء تبعا لابن
جوزي الذي عرف بالتخبط العشوائي. ولست الان في مقام
التعليق على هذه المقالة، لان ذلك يستدعي فتح ملف الجرح
والتعديل عن اهل السنة، وهو ملفواسع وفيه ما فيه الى درجة
معها ضعف فيه عدد من ابرز اعلام اهل السنة، ومنهم الامام
الاعظم ابو حنيفة، امام المذهب الحنفي((554)) .
اما انتهاء، فكان ذلك بالفصل الذي عقده الدكتور القفاري تحت
عنوان ((الحكم عليهم))، والذي حشد فيه اقوال الفقهاء واعلام
اهل السنة للقول بتكفير اتباع مذهب اهل البيتوآثار ذلك على
المستويين: الاجتماعي والديني.
قراءة في كتاب ((نظرية عدالة الصحابة))
مؤداها ونقدها
د. سعيد يعقوب
تنبع اهمية هذا الكتاب، الصادر عن ((شركة شمس المشرق))
في بيروت، للمحامي محمد حسين يعقوب، من اهمية ارتباط
حياة الصحابة بالعقيدة الاسلامية ارتباطا وثيقا، ذلكان
سلوكهم اصبح جزءا من العقيدة بمجرد رضى رسول اللّه(ص)
عن هذا السلوك، وان سكوتا، بحيث دخل هذا التصرف في
مصطلح السنة النبوية.
لقد ترتب على الفكرة التي ترى ان كل الصحابة عدول نتائج
مهمة ادت الى بروز قضايا خلافية شرخت المسلمين الى
قسمين كبيرين. وبكل تاكيد، لم تكن هذه الفكرةمطروحة في
زمن الرسول(ص)، لانه ابدى آراء واطلق احكام قيمة سلبية في
بعضهم، اضافة الى ان آيات قرآنية كريمة تحدثت عن منافقين
لا يعلمهم الا اللّه، علما ان قسمامنهم وربما غالبيتهم، عرفها
اللّه لرسوله(ص) بالاسماء، وهم يقيمون في المدينة المنورة
حوله.
وهكذا لم تعد دراسة تاريخ الرجال ترفا فكريا، لانها صارت جزءا
من دراسة العقيدة الاسلامية نفسها.
كان الصحابة بشرا يخطئون ويصيبون، فلا عصمة الا
للنبي(ص) ولمن انزل اللّه بحقهم آية التطهير (يريد اللّه
ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا). وفي
الصحاحعن الرسول الكريم: ((يردن على الحوض رجال فيمن
صحبني ورآني، فاقول: اي رب، اصحابي، اصحابي فيقال لي:
انك لا تدري ماذا احدثوا بعدك)).
نرى، في ضوء هذا الحديث، ان حديثا مثل الحديث التالي،
((اصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم)) موضوع لهذا لا بد
من البحث في نظرية عدالة الصحابة من كل جوانبهاحفاظا
على نقاء السنة النبوية الشريفة، ناهيك عن الامانة التاريخية،
وصولا الى تفسير الاسباب الكامنة وراء قضايا الخلاف في
الاسلام التي برزت مباشرة بعد التحاق النبيالكريم بالرفيق
الاعلى. ومن هنا تاتي اهمية دراسة كالتي بين ايدينا، وهي
تبحث في نظرية عدالة الصحابة.
تعني فكرة ((عدالة الصحابة)) تساوي جميع اصحاب رسول
اللّه(ص) في العدالة، وهذا المصطلح يؤدي، في ما يؤدى اليه،
الى ان كل اولئك صادقون تقاة مجاهدون الخ.. ،فالقاعد
كالمجاهد، ومن اسلم عن قناعة كمن اسلم يوم الفتح، ولم يجد
ملاذا الا الاسلام، والعاصي كالمطيع، ومن كان طفلا حين وفاة
الرسول كمن رافقه وسمع منه ودافع عنالاسلام..
ويتساوى، بهذا الاعتبار، وحشي مع حمزة، اي يتساوى القاتل
والقتيل، تماما كما يتساوى الصحابة جميعهم من دون تمييز،
فيكون ابو سفيان وابو العاص الذي لعنه الرسول،وابن ابي سرح
الذي اهدر الرسول دمه.. صحابة يتساوون مع الصحابة الذين
آمنوا وجاهدوا وقام على كواهلهم صرح الاسلام. لهذا يقترح
المؤلف ان يقسم الصحابة الىفئتين:
الاولى تشمل من يطلق عليهم افاضل الصحابة، وهم الذي قام
على كواهلهم صرح الاسلام بما في ذلك نصرة النبي بالمال
والروح، حتى انتقلوا الى جوار ربهم، وهؤلاء لا شكعدول.
الثانية بقية الصحابة مع ما يوجد بينهم من تفاوت لا يعلمه الا
اللّه.. وان كان بعضه ظاهرا. فالمنافقون بعضهم معروف. وقد
تعرض الرسول الى محاولة اغتيال من قبل اثني عشرمنهم،
ورفض اعدامهم لانه لم يرد ان يقول الناس: ان محمدا يقتل
اصحابه.
ان فكرة التفاضل ليست غريبة على القرآن الكريم فقد جاء:
(ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا) او (لا
يستوى منكم من انفق من قبل الفتح وقاتل، واولئكاعظم
درجة)، ومنهم من اقيم عليه الحد ان في زمن الرسول ام في
عهد خلفائه الاربعة.
ينطلق الاستاذ يعقوب من نقض هذه النظرية: ((العدالة
الشاملة))، ويرى انها من اختراع رجال السياسة، القوها في روع
العامة خدمة لاغراضهم، ووصلوا بها الى درجة ان منينتقد
الصحابة يحكم عليه بالخروج عن الدين، فلا يؤاكل ولا يشارب
ولا يصلى عليه عند الوفاة.
ليس من شك في ان نظرية عدالة الصحابة لا تستقيم مع
المنطق القرآني، ومع واقع الحال في ذلك الزمان. واذا رجعنا
الى عشرات الايات التي تتحدث عن واقع الرسول(ص)في
المدينة المنورة نجدها تتحدث بلهجة عنيفة عن اناس صحبوا
الرسول بكل تاكيد وينطبق عليهم تعريف الصحابة.. كما ان
مقولة عبداللّه بن عمر: ((نحن مع من غلب)) والتيقالها بعيد
موقعة الحرة في المدينة المنورة سنة 63ه، جاءت على اثر
مجزرة ذهب فيها المئات من الصحابة على يد الجيش الاموي
الذي يقوده صحابي هو مسلمة بن عقبةموجها من قبل يزيد بن
معاوية الذي لا بد ان تطبق عليه تلك الصفة ايضا وعلى والده
الذي يقول ابن هشام في سيرته (ج3 ص 235) انه اوصى ابنه
بقمع اهل المدينة اذا اراداستقرار حكمه.. وبكل تاكيد فان الذي
امر بسب الصحابي الجليل علي بن ابي طالب على المنابر هو
صحابي ايضا (معاوية)، وهو نفسه الذي امر بوضع الحديث عن
رسول اللّهكاول عمل للتزوير باستخدام السنة النبوية لدعم
الحكم ومهاجمة اعدائه.
خطورة هذه النظرية
نقل القرآن والحديث الى المسلمين بوساطة الصحابة،
واعتبرت اقوالهم من اوثق المصادر بعدهما، واتجهت المذاهب
الاسلامية الى الاخذ بفتاواهم عند عدم وجود نص فيالقرآن
الكريم او السنة النبوية.. يقول ابو حنيفة: ((اذا لم اجد في كتاب
اللّه ولا في سنة رسول اللّه اخذت بقول اصحابه، فاذا اختلفت
آراؤهم في حكم الواقعة آخذ بقول من شئتوادع من شئت..)).
وهكذا اصبحت تلك الاقوال عند الجمهور جزءا من اصول
التشريع ووصل بهم بعض الجمهور الى العصمة تقريبا والى
التقديس.
وبالمقابل نجد الائمة من آل بيت النبي يقولون: ((اذا حدثنا لا
نحدث الا بما يوافق كتاب اللّه، وكل حديث ينسب الينا لا يوافق
كتاب اللّه فاطرحوه)).
يعرض المؤلف، في الفصل الثالث، نماذج من الصحابة عند
الفريقين المتصارعين: الامام علي(ع) ومعاوية. وفي هذا
المجال يقوم بجهد كبير لتحليل شخصي في سيرة كل
منهملاستنتاج عدالته من عدمها. ويصل اخيرا الى نتائج مؤداها
ان كل الصحابة الذين كانوا مع الامام علي عدول بمقاييس
العدالة، حتى ان طلحة والزبير اعلنا توبتهما قبيل بدءمعركة
الجمل.
جذور نظرية العدالة
يرى المؤلف ان الصراع القبلي، بين البيتين الاموي والهاشمي،
كان قائما ولم يوقفه ظهور الرسول الكريم(ص) في الفرع
الهاشمي بل ادى الى تسعيره، اذ حاول الامويونوخلفاؤهم
اغتيال رسول اللّه(ص) في فراشه، وبالمقابل ايده غالبية
الهاشميين ونصروه. وكان عصر النبوة هدنة قبلية عاد الصراع
بعدها الى اشده، واتخذ قرار قبلي يشملغالبية من هم ليسوا
هاشميين بمنع الخلافة عن آل الرسول، بحيث صارت الخلافة
ملكا غنيمة ياكلها الغالب وحده بدل ان تكون نظاما الهيا.
اما الجذور السياسية للنظرية فتتعلق بمسالة وحدة المسلمين
تحت ظل خليفة مهما كان نوعه، حتى ان الخلافة العثمانية
اعتبرها كثير من علماء المسلمين خلافة (وان لم تكننبوية
كما يسميها ابو زهرة). ومما يجدر ذكره ان التوارث السياسي
اورث تقاليد باطلة كان يظن انها من الاسلام، ومثال ذلك
عندما منع عمر بن عبد العزيز سب الامام عليعلى المنابر
اجتمع بعض ائمة المساجد ظانين ان الخليفة الاموي يبطل
سنة نبوية.
مقومات النظام السياسي في الاسلام
ينطلق الكاتب من ان ما تثبته النصوص الصحيحة يفيد ان اللّه
سبحانه نص على شكل هذا النظام قبيل رحيل الرسول الى
الرفيق الاعلى، وقد تم ذلك بالتعيين المباشر للامامعلى بن
ابي طالب في حديث الغدير المشهور. فلا بد من ان تكون هناك
صلة بين الحاكم وبين العقيدة، وبالتالي فان العقيدة هي قانون
الحكم الاساسي في هذه الدولةالاسلامية والا فكيف يمكن
اطلاق هذه الصفة عليها؟ لقد اتفق جميع دارسي التاريخ
الاسلامي على ان مرحلة ما بعد الخلافة الراشدة اصبحت ملكا
عضوضا، او بالاحرى حالةمن حالات الحكم الفردي، لا يحكم
في الدولة بالقانون الاسلامي بل بمزاج الملك وحاشيته.
والواقع ان الاستاذ يعقوب يعتبر ان اللّه طرح الخيار، وعندما جاء
الرفض، بعيد وفاة الامام علي(ع) لم يجبرهم اللّه على ذلك،
وانما تركهم لخياراتهم ونتائجها.
نشوء النظرية وجذورها الفقهية
ان تولي بني امية للسلطة كان لا بد ان يرافقه تسويغ ديني.
وهكذا ظهرت نظريات الارجاء والجبر والتفويض والتصوف، بما
في ذلك عدالة جميع الصحابة. وهكذا تبدوالمسالة واضحة في
دعم معاوية بن ابي سفيان، بكل ذلك الكم من الاحاديث
الموضوعة، على مثال ((من آذى صحابيا فقد آذاني)). و
((اصحابي كالنجوم بايهم اقتديتماهتديتم)) وغيرهما كثير.
وبما ان الجمهور يعتقد ان الصحابة كلهم في الجنة اصبحت
سيرتهم، عمليا، جزءا من الاسلام، فصاروا المصدر الثالث
للتشريع، وتعتبر آراؤهم عمليا اهم من القياس عند
رؤساءالمذاهب الاربعة. لهذا سلطت الاضواء على بعض الصحابة
حتى صارت احاديثهم تقترب من قدسية القرآن. ومن هؤلاء ابو
هريرة الغني عن التعريف، والذي دفعه الامويون الىالواجهة
ليبادلهم دعما بدعم حتى اصبحت الدولة نفسها هي الشرعية
الاسلامية في ظل غياب وسائل الاعلام وسيطرة القمع
واستشهاد الائمة او محاصرتهم. وهكذا اصبحالمعارض خارجا
عن الاجماع وزنديقا وكافرا ومهدورا دمه.
هذا ما استقر في اذهان العامة، اما العلماء فقد جهدوا، ((حفاظا
على الاسلام في رايهم)) لتسويغ كل ما جرى عبر الاستظلال
بهذه النظرية. وهؤلاء لم يقصروا في محاربة التشيعكما يمكن
ان نلاحظ في فتاوى الكثيرين منهم.
هذه النظرية تجعل كل من شتم صحابيا زنديقا، وتتجاهل في
الان نفسه ان الامام علي(ع) شتم عشرات السنين بامر من
السلطة، فلماذا لم يحكم عليها بالزندقة؟ وهي باقطابالحديث
فيها ترفض الرواية عن اي متهم بالتشيع (ليس كل المحدثين
طبعا) وخاصة الائمة، وجعفر الصادق بالتحديد. ثم انهم
يتلاعبون بمتن الحديث حين يتعلق الامر بوجوداسم الامام
علي في اية مسالة اشكالية.
وعلى سبيل المثال، فان البخاري روى عن الحكم عمر بن
سعد ووصفه ((بانه تابعي ثقة روى عنه الناس))، وذلك على
الرغم من انه ساهم في قتل الحسين(ع) في كربلاء.والذي يصل
الى درجة القتل لا يمكن ان يتورع عن الكذب على رسول اللّه.
اخيرا، يصل المؤلف الى تحليل اسباب منع الخلافة النبوية عن
الامام علي، كما اوصى بها رسول اللّه، وهو في هذا السياق يروى
كثيرا من الاحداث التي اصبحت معروفةوتعتبر من صميم
التشيع عبر ما ورد عنها في كتب الجمهور تحديدا.. معتبرا ان
قريشا منعت آل النبي من حقهم باتفاق بينها. وهو يضرب لتاييد
وجهة نظره الامثلة التاريخيةالمعروفة. ثم يصل في الختام الى
القول:
لقد بايع الامام علي الخلفاء الذين سبقوه ونصح لهم ما وسعه
النصح، وقال سمعا وطاعة حتى لا ينقلب الناس عثارا يضرب
بعضهم رقاب بعض، وبعد علي آثر الناس السلامةوتحسسوا
رؤوسهم، وقالوا مع ابن عمر: ((نحن مع من غلب))، بحيث
صارت حكما شرعيا لدى الجمهور (السنة) وبقي قلة من الناس
يؤمنون بما نبت لهم بانه الحق في مسالةالخلافة واصبحوا
شيعة علي، معتبرين ان الحق معه يدور حيث دار، مؤمنين
بالثقلين (القرآن والعترة) كما قال النبي، وقد الصقت السلطات
الحاكمة التهم بالشيعة حتى صارتكالحقائق لدى الجماهير،
ولكن من يعرف الحق لا بد عائد اليه.. وتظل وحدة المسلمين
غاية المؤلف كما اكد عليها كهدف اساسي للكتاب.
(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك
انت الوهاب).
الكرك بلدة نوح(ع)والشيخ العلائي، المحقق الثاني
طراد حمادة
اذا كانت الاءسماء تثير، عند سماعها، احساسا من نوع خاص، فان
كرك نوح اسم يبعث على الشعور القوي بحضور التاريخ، بل
تصاحبه رؤيا وخيالات تنقل صاحبها الىازمنةممعنة في القدم،
ازمنة كانها اول الزمان، حين عمرت الارض بعد الطوفان، ذلك
البناء الجميل والحياة المتجددة..
كرك نوح بلدة تتربع، الان، هادئة على السفح الاسفل لجبال
لبنان الغربية، في قلب سهل البقاع، لكن الهدوء الذي يلف
البلدة كثوب لائق، لا يحاكيه الضجيج الصادر عن موقعكرك
نوح في التاريخ: ما تعلق منه بقصة عمرانها، او حياة رجالاتها
واعلامها. وفي هذا الاستطلاع لسيرة المكان والسكان، نقف
على موجبات هذه الضجة، ونحن ناخذ منتراث المؤرخين
الذين كتبوا عن كرك نوح، لما يصاحب هذا النوع من التاريخ
من مشكلات، كلما ساهمت الابحاث في ازاحة الخلاف
والغموض عنها او ترسيخها، اعانتالكتابة على الذهاب بعيدا في
عالم الاسرار..
التسمية كرك نوح
كرك نوح: اي مدينة نوح، او حصن نوح. وقيل كرك لفظة
سريانية (كركو) بمعنى حصن او معقل. وورد ايضا بالعبرية
(كركونوه) مدينة السلام، وضبطها العرب بفتح الكافوسكون
الراء، بمعنى الجبل تمييزا لها عن كرك الاردن بفتح الراء، وورد
الكرك بكسر الراء: الاحمر، اي المدينة الحمراء، نسبة الى تربتها،
وما زالت التلة المجاورة للكرك حتىالان تعرف (بالحمار).
ونوح او ((نوه)) اسم عبري معناه الراحة والطمانينة او السلام،
ونيح لفظة عامية بمعنى اراح، وتنيح استراح. وقد يكون الاسم
يعني مدينة الراحة او حصن السلام. ويقوي هذاالظن انها
محطة قديمة في طريق القوافل الوافدة من الساحل الى بعلبك
فتدمر. وهذا امر مالوف بالنسبة للموقع، لان الكرك تقع على
تلة عند سفح الجبل، تشرب من مياهالبردوني. وكانت الادغال
والغابات تتصل بها من جهة جبل لبنان، بينما يربض سهل
البقاع الخصيب عند اقدامها. وهكذا قامت تقابل خالكيس
(عنجر) محطة القوافل القادمةمن دمشق الى بعلبك. ولعل
هذه التسميات هي التي احدثت لبسا لدى المتاخرين، فاسموها
(كرك نوح) نسبة الى نبي اللّه نوح عليه السلام. واقاموا له مزارا
ما زال يعرف ب (قبرنوح).
يتناول د. حسن نصر اللّه، في كتابه القيم: ((تاريخ كرك نوح))
الجدل المثار حول الموضع الذي دفن فيه نوح(ع)، وصحة
تعيينه، بين ان يكون في مسجد الكوفة، او في مغارةالقدس مع
آدم وسام وابراهيم واسحاق ويعقوب، او في النجف الاشرف الى
جانب ضريح الامام علي بن ابي طالب(ع). واذا كان ترجيح
رواية على اخرى، في هذا الصدد،امريصعب على الباحث،
سيبقى هذا الامر على حاله، مانحا للبلدة هذا الارث التاريخي
الذي حصلته في سيرتها، باعتبار سريان صحة مدفن نوح فيها،
عند اهلها والمشتغلينبقصتها، كما القى بظلاله على مجموع
تاريخها السياسي والاجتماعي والعلمي. واعطى لهذا التاريخ
نكهته الخاصة.
الموقع والاهمية
مصرت الكرك قديما بدليل وجود الضريح فيها، وتاريخها
المدون اتى متاخرا، وتدل الحفريات على قدم الكرك، وانها
كانت عامرة في عهد الرومان، ونقطة وصل بين
بيروتالحقوقية وبعلبك المدينة الدينية. تاثرت بالعبادات
الوثنية واتخذت البعل او جوبيتر اله بعلبك رمزا لها، وتنتشر
فيها وحولها آثار رومانية تشبه الموجود منها في هياكل
بعلبكالشهيرة.
لم يات المؤرخون العرب على ذكر الكرك في ايام الفتوحات.
بيد ان الامان الذي كتبه، سنة 15 ه.ر636م.، ابو عبيدة بن
الجراح لاهل بعلبك وجوارها يشمل ولو ضمنا الكرك.ثم دخلت
تحت راية الاسلام صلحا، وغدت ثغرا يرابط فيه فرسان
المسلمين، ومن هناك يغيرون على الساحل اللبناني، فيغنمون
ويبيعون غنائمهم من اهل بعلبك رومهاوفرسها.
وعلى الارجح بادر العرب الى تشييد مزار النبي نوح، ورفعوا
مسجدا الى جواره. وتوافد المؤمنون والنساك يتبركون بزيارة
قبره، واقاموا بجواره يتعبدون، حيث نشات مدرسةمبكرة للفقه
الاسلامي في القرن الاول الهجري. اذ تشير الروايات الى ان
الاوزاعي (88ه. 157 ه.) غادر بعلبك في طفولته. اي قبل ان
يلفظ القرن الاول انفاسه ولجا، تصحبهامه الفقيرة، الى كرك
نوح. وتلقى فيها بعض علومه، وربما عاشا من الصدقات
والزيارات التي كانت توزع عند ضريح النبي نوح. ورغم سكوت
المصادر عن مكانة الكرك،يرجح انها تمتعت بنوع من
الاستقلال. فكانت قلعة حصينة، ومركزا فقهيا، لها حاكم يرتفع
الى رتبة الوالي احيانا، يرتبط بوالي بعلبك، وقد يتصل بوالي
دمشق مباشرة. والىجانب الوالي نجد قاضيا يفصل في الدعاوى
بين الناس. ومن قضاتها المشهورين سنان الكركي الشيعي في
القرن السادس الهجري، واحمد بن بهاء الدين بن محبوب
البعلي(المتوفى سنة 696هر 1297 م).
ان استراتيجية موقعها واستقلاليتها النسبية جذبا الشيعة اليها
منذ عهد مبكر، وربما زارها ابو ذر الغفاري، وبذر فيها محبة
الامام علي، وقطنتها قبائل شيعية مثل همدان وخزاعة،وتنامت
مع الزمن، فضمت السادة لان بعض قضاة الكرك، وولاتها اتهموا
ب ((الرفض))، وقتلوا بسبب هذه التهمة، وكثيرا ما جرد ولاة
الشام جيوشهم، وهاجموا الكرك وقتلوا اهلهاومشايخها بسبب
ترفضهم. وحبس وقف النبي نوح قرونا على السادة الاشراف
ابتداء من سنة 731ه مع تنكز الحسامي الذي اسند الوقف
النوحي الى السيد حسين بن موسىمرتضى الحسيني.
البارز في تاريخها
مرت البلدة، عبر العصور الاسلامية، بازمات عديدة، لعل في
اصل اسبابها ميل اهلها الى التشيع، وقد احرقت ونهبت بيوتها
وقتل علماؤها، لكن ذلك لم يمنع سكانها من التفقهفي الدين،
وظهر فيها العلماء والقضاة واهل الفتوى واصحاب التاليفات
والمصنفات، واشتهر فقهاؤها بالزهد والتقوى وغزارة العلم،
حتى اصبحت في القرنين: العاشر والحاديعشر محط رحال
العلماء وقصدها الطلاب ووجدوا فيها ضالتهم المنشودة. وموقع
كرك نوح، بوصفها حاضرة علمية، يعود الى القرون الهجرية
الاولى، حيث تشير الروايات الىان الاوزاعي (157 ه) غادر
بعلبك في طفولته ولجا بصحبة امه الفقيرة الى كرك نوح كما
اشرنا.
|
|---|