الصفحة التالية

الصفحة السابقة

لكن البارز في تاريخ كرك نوح العلمي انها، وقد دخلها التشيع لاهل البيت(ع) باكرا، حضنت اول مدارس التعليم للمسلمين الشيعة في بلاد الشام، ويكشف تاريخها عن وجودحركة علمية ناشطة، ضمت الخطباء والمؤذنين والقراء والطلاب والشيوخ والمتصوفة والزهاد المجاورين. وجاء، في تاريخ الكرك، انه قد انحصرت تراجم الاعلام الكركيين،الذين عثرت عليهم في بطون الكتب، خلال قرون عدة، على الشيعة فقط، ولم اقع على ترجمة واحدة لعالم كركي من المذاهب الاربعة. لقد ترجم ياقوت الحموي (ت 621ه)،في معجم الادباء، لاحمد بن طارق بن سنان ابو الرضا الكركي الرافضي (529 592ه). وترجم له ايضا ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب، وقال عنه: ((كان شيعيا جلدا))،في حين ترجم المحبي في خلاصة الاثر، ونفحه الريحانة للشيخ محمد بن علي الحرفوشي الكركي، وللشيخ حسين بن شهاب الدين بن جاندار الكركي الشيعي. وترجم الحرالعاملي في امل الامل لما يقرب من ثلاثين كركيا جميعهم من الشيعة. وازدهرت مدرسة الكرك في القرنين: العاشر والحادي عشر وبلغت درجة مرموقة، من حيث عدد العلماءوالطلاب، وانواع العلوم التي تعط‏ى وطرق التدريس، فقصدها طلاب المعرفة من مختلف الاقطار، وخصوصا من جبل عامل، امثال الشهيد الثاني زين الدين الجبعي الذي رحل‏الى كرك نوح طلبا للاخذ عن مشايخها، يرافقه الشيخ حسين بن عبد الصمد والد البهاء. ومن العلماء الذين اموا الكرك، وقراوا على مشايخها، علي بن هلال الجزائري.

واسهم في النهضة العلمية، والحشد البشري في المؤسسة الكركية، توالي الوقفيات، وخصوصا وقفية الامير محمد بن ناصر الدين الحنش التي قدمها سنة 950هر1543 م.وضمت كثيرا من الطواحين والبساتين والحقول... واشترط ان تصرف على عمارة النبي نوح، واماكنه، وتنويره وفرشه، ومطبخه لاطعام المجاورين والواردين والمنقطعين‏والمتولي والناظر، وارباب الشعائر والامام والخطيب والمؤذنين والخدم...

ولم تكن الكرك مركزا علميا للمسلمين الشيعة وحسب، بل لعبت دورا سياسيا بالغ الاهمية من حيث كونها مقرا لولاية البقاع العزيزي الى جانب بعلبك، ومقرا لولاية البقاع‏البعلبكي، واستفاد الامراء الحرافشة من موقع الكرك التي آلت اليهم سلطتها من اسرة آل الحنش، بعد معركة دير زيتون سنة 1003 هر1594 م.

كانت الكرك قلعة حصينة للحرافشة، وهي من المعاقل التي نما فيها نفوذهم وساعدهم على تسلم زمام الحكم في بعلبك، وكانت منطلق تحركاتهم نحو بعلبك شرقا، وباتجاه‏قب الياس ومشغرة غربا. اختارها الحرافشة لغلبة التشيع على سكانها منذ عهد مبكر، وكانت ملاذ رجال الشيعة لما يدهمهم خطر الحكام.

وحصل حريق الكرك بعد معركة شرسة داخل المزار وفي المئذنة التي كانت آخر مواقع الدفاع عن البلدة، حتى نفدت ذخيرة المدافعين عنها، فقام جند فخر الدين المعني بنهب‏الكرك واحراقها. قال الصفدي: ((وحرق العشير جميع البلد حتى لم يبقوا بها بيتا واحدا بلا حريق)).

لكن الكرك، وبعد هذه الماساة، ما لبثت ان نهضت من كبوتها، اذ جدد الحرافشة بناءها، بفضل موقعها المهم على حدود امارتهم، وظلت ملاذ امرائهم عند حلول الملمات، وكانت‏احيانا تخرج من ايديهم، عندما تغضب عليهم السلطات التركية، وتوعز الى والي الشام ان يمنح حكم بلاد بعلبك والبقاع الى امراء محليين، او ولاة يدفعون مبالغ طائلة من‏المال.

وفي سنة 1680 م.، تولى امير حاصبيا، فارس الشهابي، الملقب بالكبير، بلاد بعلبك والبقاع، لقاء رشوة قدمها لوالي دمشق.

فتوجه الشهابي بالفي فارس واحتل الكرك، ثم تقدم‏الى نيحا، واقام فيها، ما اغاظ الحرافشة، فاستنجد الامير عمر الحرفوش ب‏آل حمادة الشيعة، فجمع رجالهم ودهم الامير فارس الشهابي ليلا في قرية نيحا بجوار الفرزل،وانجلت المعركة عن سقوط الامير فارس صريعا مع خمسين رجلا من جماعته.

وهكذا استعاد الحرافشة سلطتهم بالقوة على بلاد بعلبك والكرك. واستمر العداء مع السلطات‏التركية، ما حمل الامير عمر الحرفوش على مغادرة البقاع الى بلاد جبيل، اقام عند الحمادية الشيعة، وما لبث ان توفي هناك سنة 1683 م. ودفن في طرزيا، فعينت الدولة‏العثمانية ابن صدقة على سنجقية بعلبك وتدمر ووادي التيم.

وعندما زار الرحالة الفرنسي جان دي لاروك بعلبك سنة 1689 م، اشاد بجهود الحرافشة في استغلال خيرات سهل البقاع وخصبه، ورغم هذا الازدهار كثرت مشاكلهم مع ولاة‏دمشق، ودبت الخلافات داخل الاسرة، التي تفاقمت مع ولاية الامير جهجاه الحرفوشي، الذي اضطر للتنازل عن الكرك ونواحيها الى الامير بشير الشهابي.

الكرك حاضرة علمية لقد تجمعت عناصر تاريخية عديدة، لتجعل من كرك نوح مكانا يفوح منه عبق التاريخ، وحاضرة علمية تخرج من مدرستها كثير من العلماء الشيعة في بلاد الشام. واذا كانت‏سير المدن تعرف باحوال علمائها، فان موعد الكرك الاخر مع التاريخ كان في السيرة العلمية والسياسية لهؤلاء العلماء، وتذكر كتب السير والتراجم ان اكثر من ثلاثين عالماكركيا درسوا في بلدتهم، ونالوا درجة عالية من الفقه والعلوم، ضاقت الكرك عن طموحاتهم فهاجروا الى ايران، ابان العصر الصفوي، واستقر المهاجرون الجدد في ايران، واخذواعلى عواتقهم تنظيم الدولة الجديدة على اسس الاسلام الحق. ونال علماء الكرك مراتب عالية في الدولة الصفوية، وتفصيل سيرهم، في تراجم الاعلام، يكشف بوضوح دورالكركيين الذين قادوا نهضة التشيع في ايران وحرسوا، الاسلام وناصروا مذهب اهل البيت(ع).

العالم الفقيه علي بن حسين (المحقق الثاني) ومن ابرز هؤلاء المهاجرين كان العالم الفقيه علي بن حسين بن عبد العالي الكركي المشهور بالمحقق الثاني.

ولد الشيخ الجليل نور الدين، ابو الحسن علي بن الحسين بن عبد العالي العاملي الكركي الملقب تارة بالشيخ العلائي، واخرى بالمحقق الثاني، في كرك نوح عام (868ه)، وفي‏مناخ البلدة العابق بالولاء لال محمد(ص)، تلقى علومه الاولى، ودرس الفقه على المذهب الشيعي على شيوخ العلم في زمانه كالشيخ علي بن هلال الجزائري، ثم خرج من‏بلدته طالبا لعلوم المذاهب الاسلامية الاخرى، وهاجر الى مصر لدراسة فقه المذاهب الاربعة، حيث اخذ من علماء مصر وحصل الاجازات من شيوخها بالرواية. ثم قصد بعدذلك بلاد العراق ووصل الى النجف الاشرف سنة (909ه)، لياخذ عن كبار علمائها حتى صار نادرة زمانه وطار صيته في الافاق.

وحين كان المحقق الكركي يتنقل بين حواضر العلم، لينهل من ينابيعها. كانت ايران تجتاز منعطفا حادا في تاريخها. فقبل عشر سنوات، من ظهور المحقق الكركي المفاجى‏ءفي مدينة هرات سنة 916ه، كان اسماعيل الاول الصفوي قد انطلق من تبريز معلنا دولته الجديدة، ومضى في حملاته العسكرية المظفرة باتجاه الغرب، حيث تهاوى امامه‏الامراء والاقطاعيون الصغار. ليعلن من عاصمته الجديدة (تبريز) ان المذهب الوحيد المقبول في دولته هو المذهب الشيعي الامامي. كانت لهذه الخطوة التاريخية اسباب‏عديدة، لكن نتائجها الرئيسية تمثلت بتركيز دعائم الدولة الصفوية بعد ربع قرن من الحركات المتواصلة. لقد تميز قيام هذه الدولة في نظر الشيعة باهمية خاصة لان المذهب‏الشيعي اصبح منذ البداية المذهب الرسمي للدولة، وبذل الصفويون جهودا مكثفة كبيرة لدمج مختلف المذاهب والمدارس الصوفية وتوحيدها، واستعانوا من اجل ذلك بدعاة‏كثيرين من ايران ومن بعض البلاد الاخرى لتبليغ الدعوة الى مذهب اهل البيت(ع)، فايدهم علماء الشيعة في العراق والبحرين وفي الشام، وانكب علماء هذه الامصار على‏تاليف كتب موجزة توضح اصول المذهب وفروعه، ولذلك فان العصر الصفوي لا يعد عهد نهضة للحياة السياسية والاجتماعية غلب عليها الانشغال بالحروب على جبهات‏مختلفة وحسب، بل ويعد عهد نهضة للعلوم الدينية والعقلية.

ان المستوى المتواضع الذي حققه التعليم الشيعي ابان ولاية الشاه اسماعيل في ايران الصفوية مثل اقصى ما تعطيه قوة الدولة الفتية وفقهاؤها المحليون. لكن كل شي‏ء كان‏يفرض عملا اكثر جدوى، خاصة ان الدولة النامية الطموحة، كانت المناجز الطبيعي للدولة العثمانية المترامية الاطراف، والتي كانت الممثل الرسمي للتيار السني التقليدي في‏العالم الاسلامي، واقامت نظاما ركينا خلفيته مبدا ((الخلافة)) العريق.

اما الحكم الصفوي فقد كانت الغلبة سنده الوحيد. وكان وضع التشيع في ميزان الصراع السياسي يجال افكاره ومبادئه، بل مجمل بنيته الثقافية الضخمة، خلفية للحكم الصفوي،يقتضي تدعيم وضعه اولا في الجمهور الايراني، الذي، وان وحده الحكم الصفوي بعد طول تمزق، الا ان هذه الوحدة السياسية لن تصبح حقيقية قائمة، ما لم ترافقها وحدة‏روحية حقيقية وعميقة، وما من شك ان ليس بوسع السلطان واوضاع ايران لوحدها تحقيق هذا الامر، لذلك توقف تنفيذ هذا الامر على مدد ياتي من الخارج ولن يتوفى الشاه‏اسماعيل، حتى نرى تباشير هجرة علماء ((جبل عامل)) و ((البقاع))، واضعين في خدمة النهضة الصفوية ووحدتها معرفة غنية، هي ثمرة ازدهار علمي عجيب.

وهكذا بدا التفكير باستدعاء علماء جبل عامل، بشكله المبدئي، لدى الشاه اسماعيل وبدا تنفيذه في عهده.

المحقق الثاني الرجل الثاني في الدولة تذكر المصادر ان اتصال الشيخ علي المحقق الكركي، لاول مرة، بالشاه اسماعيل كان وهو لا يزال في النجف، وان اخبار تفوقه في دراسته قد طرقت سمع اسماعيل، فكان‏يعينه على متاعب الحياة وهو في النجف، وبعد تخرجه استدعاه اليه، فقصده في مدينة هرات، فاكرمه وعرف قدره، وكان له عنده المنزلة العظيمة.

لقد حمل الكركي الى ايران عقلية جديدة بالاضافة الى شخصيته القوية القادرة، هذه العقلية وجدت نقيضها في الشاه اسماعيل منذ اللقاء الاول بين الرجلين، ورغم ان الكركي‏استطاع ان يدفع الشاه اسماعيل الى الموقع الذي صمم على العمل من خلاله، وعلى حمله على الاعتدال، الا انه اضطر الى مغادرة ايران والعودة الى العراق قبل وفاة الشاه‏اسماعيل بعام واحد، حيث، قضى في العراق ست سنوات تقريبا وعاد الى ايران اثناء ولاية الشاه طهماسب الذي كان يتحلى بقسط معين من الثقافة والعناية بالفنون، وعلى‏غير اندفاع ابيه كان عميق التدين ورث دولة مترامية الاطراف ما تزال تبحث عن رابط روحي يشد رعاياها الى كيانها السياسي، لذلك، عهد الى الشيخ باضخم المهمات،واصبح فعليا الرجل الثاني في الدولة. واصدر طهماسب فرمانا بتعيين الشيخ حاكما في الامور الشرعية لجميع البلاد ونص ب ((مخترع الشيعة)). المرسوم على ((ان معزول الشيخ‏لا يستخدم ومنصوبه لا يعزل)).

ويذكر المؤرخون ان الشيخ الكركي كان يرغب عامة الناس في تعلم شرائع الدين ومراسم الاسلام ويحثهم على ذلك بطريق الالتزام. وكانت له احكام ورسائل الى الممالك‏الشاهية، الى عمالها واهل الاختبار فيها، تتضمن قوانين العدل وكيفية سلوك العمال مع الرعية في الخراج وكميته، وامر ان يقرر في كل بلد وقرية امام يصلي في الناس‏ويعلمهم شرائع الدين. هكذا اتاح هذا المنصب الروحي للكركي ان يجتهد في الاحكام فكان من اجتهاداته التربة التي يسجد عليها الشيعة الان في صلواتهم. وقد الف فيهارسالة سنة (933هر1027 ) وكانت اجتهادات الكركي داعية للمصنفين من غير الشيعة الى تلقيبه ب ((مخترع الشيعة)). وقد وضع الشيخ مؤلفا في الفقه اشتهر كثيرا واعتمد عليه‏الفقهاء في ابحاثهم ومؤلفاتهم..

هجرة العلماء العامليين الى ايران استمرت عملية هجرة العامليين الى ايران بعد تجربة الشيخ الكركي، ويصعب تعداد العلماء الذين قدموا من جبل عامل الى هذه البلاد، ليركزوا تشيعها على اسس علمية فكرية‏ثقافية، لذلك سنقتصر على ذكر سلسلة اسماء البارزين فيهم، ومنهم كمال الدين درويش محمد بن الحسن وكان تلميذ الكركي، رافقه في بعض رحلاته، ويوصف بانه من اهل‏الزهد والعبادة، وانه اول من نشر احاديث الشيعة في عهد الصفوية، والمهاجر الثالث علي بن هلال الكركي (993ه)، تلميذ الكركي وبلديه.

كان قد رحل الى الهند واقام فيهازمنا. وقد شغل منصب شيخ الاسلام بعد استاذه، وظل في منصبه هذا حتى وفاته سنة (993ه)، ليخلفه الشيخ بهاء الدين العاملي.

موقع المحقق الكركي وفقهه يتناول الباحثون موقع المحقق الكركي من ناحيتين:

1- علاقة المحقق الكركي بالسلطان الصفوي. وقد ازدهرت هذه الابحاث، في المحاولات الحديثة لفحص علاقة الفقيه بالسلطان، ولم تخل هذه المساهمات من الوقوع في‏اشكالات، من اسبابها محاكاة علاقة الفقيه بالسلطان في الدولة العثمانية، فيما يولي الشيعة اهمية خاصة لسلطة الفقيه، ويقدمون هذه السلطة على ما سواها، وقد جعلت هذه‏الخاصية فقهاء الشيعة في مامن من نفوذ السلاطين، وكانت دفة العلاقة بين الطرفين تميل الى صالح الفقهاء الكبار في اغلب الاحيان.

ومن هؤلاء كان الكركي في سيرته‏السياسية الفذة.

2- يذهب بعض الباحثين الى تغليب الجانب السياسي في حياة المحقق الكركي على دوره الفقهي. فيما يتبين الناظر في ادوار الفقه الشيعي ما يمثله الكركي في هذا العلم.خاصة وانه كان يتعامل من موقع المسؤولية، مع دولة قوية مترامية الاطراف. ويذهب بعضهم الى تقسيم اطوار الفقه الشيعي الى ثلاث ادوار: النمو، والرشد، والتكامل، وعندهم‏ان الكركي هو الممهد بحق لدور التكامل والرابط له بدوري الرشد والنمو.

وكانت حلقة الاتصال بالدور السابق هي كتابه ((جامع المقاصد))، الذي شرح فيه قواعد العلامة الحلي، وقد كان بعمله هذا رابطا بحق بين عصرين من عصور تطور الفقه‏الشيعي.

وكان فقه المحقق الكركي، في القرن العاشر الهجري، هو الفقه السائد في الاوساط الشيعية، لقوة استدلاله ومبانيه العلمية، واستدلالاته في الفقه. فكان يناقش مواقف السابقين‏بمتانة خاصة بعد ذكر آرائهم ودلائلهم وبراهينهم، ومن ثم يفندها باسلوب اجود وامتن وادق، مع ان طريقة الاستدلال لم تكن قوية الى هذا الحد قبل زمانه.

وقد بحث في امور لم يعرها السابقون اي اهمية تذكر، كحدود اختيارات الفقيه، وصلاة الجمعة، والخراج، والمقاسمة، وذلك لاحتياج الدولة الشيعية الحاكمة في ايران خلال‏تلك الفترة، ولابتلاء الناس بهذه المسائل، وقد بحثها المحقق الكركي مفصلا في ((جامع المقاصد)).

وقد تاثر اكثر الفقهاء بمدرسته العلمية واستدلالاته القوية، واهمهم حسين بن عبد الصمد العاملي (984ه.)، مؤلف ((العقد الطهماسبي))، وعبد العالي بن علي بن عبد العالي‏الكركي المتوفى (993ه.)، مؤلف شرح الارشاد، وبهاء الدين محمد بن حسين العاملي (1031 ه.). وآقا حسين الخوانساري مؤلف مشارق الشموس (1098 ه.).

ومن القمم الشامخة في هذه الفترة المقدس الاردبيلي، احمد بن محمد المتوفى سنة 993ه، مؤلف كتاب ((مجمع الفائدة والبرهان)) وهو شرح لكتاب العلامة الحلي ((ارشادالاذهان)).

وكانت له طريقته الخاصة في الاستدلال الفقهي، فقد كان، (قدس سره)، يعتمد في استدلاله على الفكر والاجتهاد التحليلي من دون نظر الى آراء بقية العلماء.

ومع انه لم يكن ذا تجديد خاص به، لكن كانت له طريقته الخاصة.

وكان لمدرسته اتباع مشاهير، ومن اهمهم:

محمد بن علي الموسوي العاملي (1009 ه.)، مؤلف ((مدارك الاحكام)). والحسن بن زين الدين العاملي ابن الشهيد الثاني ومحمد باقر بن محمد مؤمن السبزواري، وغيرهم‏كثيرون.

تاريخ المكان للمتمكن فيه توفي المحقق الكركي في النجف الاشرف بتاريخ 18 ذي الحجة 940ه. وقيل الكثير في ملابسات وفاته، ومن هذه الاموال انه اغتيل بالسم. وهو امر لا تساوي صعوبة نفيه الامحاولة اثباته. لكن كثيرين من تلامذته اصروا على تلقيبه بالشهيد. خاصة وان كل شي‏ء في ملابسات حياته الاخيرة يومى‏ء لمثل تلك النهاية.

اذا كان تاريخ المكان للمتمكن فيه، فان كرك نوح، التي ضمت في ثراها الطيب النبي نوح(ع)، اكملت مسيرتها بالوفاء لخاتم الانبياء والمرسلين نبي الاسلام محمد(ص)،وحفظت وصيته المقدسة بالتمسك بالثقلين، كتاب اللّه وعترة آل بيت الرسول.

وكانت حاضرة علمية، استنارت بهدى علوم آل محمد(ص)، وساهم ابناؤها، من الاعلام الابرار،في نشر الاسلام والدفاع عنه، واستحقت مكانتها المرموقة في التاريخ..

منتدى المنهاج التاسيس لمنهجية جديدة في كتابة التاريخ الاسلامي تناول منتدى المنهاج، في محور العدد الثاني، قضية ((التاسيس لمنهجية جديدة في كتابة التاريخ الاسلامي))..

فعقد ندوة، في مقره، بتاريخ 17 ر5ر1996 ، ادارها الدكتورمحمد ط‏ي، وناقش فيها الاستاذ الدكتور سهيل زكار والمؤرخ الاديب السيد حسن الامين والاستاذ الدكتور ابراهيم بيضون هذه القضية التي تثير اسئلة اهمها: كيف ينظرالمؤرخون المعاصرون الى كتابة التاريخ الاسلامي؟ وما سبل اعادة كتابة التاريخ وفق منهجية جديدة؟ وما دور السلطة، بمختلف وجوهها، في موضوع كتابة التاريخ؟ رحب د. ط‏ي بالمشاركين والحضور، وبدا الحديث، فاثار القضية موضوع النقاش، وقال:

من المعروف ان التاريخ الاسلامي عانى، منذ بدايات كتابته، من مشاكل معقدة. ونستطيع القول: ان حركة تدوين التاريخ الاسلامي بدات في منتصف القرن الثاني الهجري،طبعا مع شي‏ء من التحفظ في هذا المجال لجهة وجود كتابات شخصية، ربما محدودة التوزيع، لكن الحركة التدوينية بدات حوالى هذا التاريخ. وهذا يعني ان المرحلة التي‏سبقت هذا التاريخ كان يتم تناقل الاخبار شفويا، وبالتالي كانت تتعرض، بسبب هذا التناقل، الى العوامل الطبيعية لدى البشر من النسيان والسهو الى العوامل الاخرى ومنهاالعوامل المقصودة، عوامل تدخل السلطة في اختيار الاخبار وفي طمس احاديث وفي ترويج احاديث اخرى، وما الى ذلك، من كون المؤرخ كان يتاثر في بعض الاحيان، لاسيما في مجال كتابة السير، او اعداد الطبقات، بموقف سياسي او ديني مذهبي. فمن المعروف انه دخل في مسائل كتابة التاريخ ليس فقط معلومات الناس الشفوية في مكة‏والمدينة، لكن ايضا ما سطره بعض المؤرخين من اهل الكتاب من اصحاب الاديان الاخرى، ومن اهل البلدان التي دخلت في ظل الاسلام، وهؤلاء كان لهم ايضا مواقف، لاسيما بخصوص تاريخهم، الماضي، او بخصوص دورهم فيما بعد الاسلام. لكل هذه الاسباب، ولغيرها من الاسباب التي تعرفونها طبعا، وانتم اساتذتنا في هذا المجال، عانت‏كتابة التاريخ من بعض المشاكل لا سيما في الفترة الاسلامية الاولى التي كانت فترة تاسيسية، فنتمنى على الدكتور سهيل زكار ان يناقش هذه المشكلة من وجهة نظره،فليتفضل.

د. سهيل زكار:

الحقيقة ان ما سمعناه يثير عددا كبيرا من المشاكل والنقاط.

قلنا: اعادة كتابة التاريخ، وقلنا: التاريخ العربي، وتمت الاشارة الى حركة التدوين، وتمت ايضا اشارة عابرة‏الى‏مسالة المصادر، وكون بعض المؤرخين تاثروا بالاقليمية او بالمذهبية او بغيرهما، او ما نسميه احيانا بمسالة الانتقائية في كتابة التاريخ، فهذا يعني اننا اثرنا موضوعا كبيراجدا.

بداية، ما هو التاريخ؟ هل هو علم ام فن ام معرفة ام طريقة بحث؟ وعندما نحدد معنى التاريخ، علينا ان ننتقل الى سؤال آخر: ما هو التاريخ العربي؟ ومن اين نبدا بالتعامل مع‏التاريخ العربي؟ هل نبدا من قبل الاسلام ام ان الاسلام يجب ما قبله، فنبدا مع قيام الاسلام؟ وكيف لنا ان نبدا مع قيام الاسلام، ونبينا(ص) عد نفسه خاتم الانبياء، والقرآن‏والشريعة قالا ذلك؟ فطالما هو خاتم الانبياء، فهو اذا الحلقة الاخيرة في سلسلة من الانبياء تبدا ب‏آدم(ع)، يعني تبدا بالخليقة. فهنا ايضا اشكالية.

وبعد هذا، هناك امتدادات التاريخ العربي، عربي اسلامي، ام عربي في اطار ما نسميه بالوطن العربي؟ وعندما نفرغ من تحديد هذه الاصطلاحات جميعا، علينا ان نعود ايضالنعرف من هو المؤرخ الذي سيقوم بمثل هذا العمل من البداية؟ وهل هناك تاريخ؟ قبل ان نقول انه علم او فن او معرفة او طريقة في البحث؟ كثير من الناس يقولون: ليس هناك‏تاريخ وكل ما نكتبه، في ايامنا هذه، عبارة عن معاناة، او معالجة لمشاكل الحاضر بروح تتعلق بالماضي.

لكن من دون التوغل في هذا الموضوع هناك شبه اجماع على وجود التاريخ، والحاضر حاضر والماضي ماضي والمستقبل مستقبل. وعلى ان التاريخ علم، لا بل هو فوق العلم،وهو علم العلوم. وكما ان لكل علم موضوعه وقوانينه، فللتاريخ ايضا موضوعه وقوانينه واهدافه. ونحن، وان استبقنا الامور في ما نصنفه في الوطن العربي وفي العالم الاسلامي‏حتى الان، لم نتفق على حدود هذا العلم، ولا على قوانينه، وايضا لم نتفق بعد على طرق المعالجة والتعامل مع القوانين. وطبعا، طالما اننا لم نتفق على هذه الامور جميعها، فلن‏نصل الى نتائج موحدة، فالتاريخ علم، لكنه يختلف عن بقية العلوم. لان موضوعه الانسان، والتعامل مع الانسان، يختلف دائما عن التعامل مع الاشياء غير الحية او غير العاقلة،لان في الاحياء غير عاقلين.

التاريخ، في تصوري، هو نهر الزمان العظيم. لكننا في التاريخ العربي كثيرا ما نركز على عمود النهر ونهمل الفروع، وفي بلدان العالم الاسلامي والوطن العربي، كثيرا ما يغير النهرمجراه وياخذ مكان احد الفروع، فكيف نتعامل؟ وهل المسالة مفيدة ان نهمل الفروع ونتعامل فقط مع عمود النهر؟ قد يطغى، كما قلنا، فرع من الفروع، فيصبح هو عمود النهر،الم يطغى فرع الاسلام من شبه الجزيرة العربية، فشكل عمود الزمان، وشكل عمود النهر، وغير التاريخ. وهذا يطرح مرة اخرى، مشكلة تاريخ ما قبل الاسلام. ويطرح امامناالسؤال: متى بدا التاريخ العربي؟ اتصور اننا لن نستطيع، في ندوة واحدة، الاجابة على كل هذه الاسئلة، لكن اذا قلنا بوجود تاريخ عربي وتاريخ اسلامي، هل هذا التاريخ مثل‏تواريخ الامم الاخرى، ام له سماته الخاصة؟ هذا سيقودنا نحو مشكلة الاستيراد في التفسير والمعالجة. اذا كان تاريخنا يشبه التاريخ الاوروبي، او تاريخ الصين، او تاريخ‏امريكا، فنطبق ما ابدعته المدارس في تلك البلدان، وناخذ بقوانين المعالجة، اما اذا كانت تختلف السمات، فعلينا ان نبحث عن السمات وعما نسميه القوانين الخاصة.

وفي‏تصوري ان التاريخ الاسلامي، او التاريخ العربي الاسلامي متميز، ويحتاج الى طرائق معالجة خاصة ومميزة، صحيح للتاريخ العربي والاسلامي عمق انساني وسمات انسانية،لكن هذا لا يلغي انه ذو سمات خاصة، وهذه السمات الخاصة حددها الاسلام بل صنعها الاسلام، وهنا مرة اخرى نقع في اشكالية العلاقة بين ما وقع قبل الاسلام وما وقع بعدالاسلام، يعني مع مشكلة هل ناخذ بمبدا: ((الاسلام يجب ما قبله)) ام ناخذ بمبدا المعالجة من آدم حتى النبي المصطفى(ص) ومن ثم نتابع؟ هذه اسئلة، ودائما السؤال يشكل‏نصف العلم الاول والاساسي، والاجابات تبقى مجرد اجتهادات، ولكل مجتهد نصيب.

ان اي تعامل مع التاريخ يطرح مشكلة اساسية، هي المصادر، ما هي مصادر التاريخ العربي؟ مرة طرحنا مثل هذا السؤال، فقال لي احدهم: ((لماذا تتعبون انفسكم في البحث‏عن مصادر التاريخ العربي. ان المسالة محلولة لدي))، قلت له: ((تفضل)) قال: ((الطبري كتب منذ الخليقة حتى وفاته تقريبا، حتى مطلع القرن الرابع، وهنا جاء ابن الاثير فاكمل‏عمله، ثم جاء ابو الفداء فاكمل عمل ابن الاثير، ثم جاء ابن الوردي فاكمل عمل ابي الفداء، ثم جاء رجل شبه مغمور هو عبد القادر الكيلاني فاكمله حتى نهاية العصر العثماني،فصار عندنا جماع هذه الكتب، وصار عندنا تاريخ من آدم حتى العصر الحالي)). بالنسبة لهذا الانسان، المشكلة محلولة فعلا. اما نحن فنواجه مشكلة المصادر، وهل المادة التي‏لدى الطبري تمثل تاريخ الاسلام؟ يبقى السؤال مع مشكلة المصادر، ما هو المصدر؟ نسال اولا: هل كل مصادرنا موجودة باللغة العربية، او لا؟ ليس لدينا باللغة العربية الا عدد قليل جدا من الوثائق المباشرة. مثلا انا اريد ان اؤرخ للعصر النبوي، ليس لدي اي‏وثيقة مباشرة للعصر النبوي كما هي. اذا يجب ان اتعامل مع نقول، طبعا باستثناء بسيط بالنسبة للوثائق، هناك قليل من اوراق البردي، التي وجدت في مصر. استثناء آخر مانسميه ((اوراق الكنيسة (الكنيزة)))، التي عثر عليها بكنيس في القاهرة او كنيس الفسطاط القديم، وبعض الوثائق من العصر السلجوقي، واخيرا من العصر العثماني. وباستثناءذلك لا يوجد عندنا في التاريخ العربي وثائق، ونحن مضطرون الى ان نعتمد على المرويات.

والتعامل مع المرويات له اشكاليات طويلة وكبيرة، والطبري سمى كتابه ((تاريخ‏الرسل والملوك)) وهل مثل الملوك حركة التاريخ العربي؟ منذ النصف الثاني لحكم الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بدا الانفصال ما بين السلطة او السلطان والمحكومين، اي مابين السلطان والرعية. ومع الايام اتسعت الهوة، واتسعت الفوارق بين السلطان والرعية، انا احيانا اسمي الرعية ((الدولة))، واسمي السلطة ((السلطان)). فالطبري ارخ للسلطان،للملوك، وهل صنع السلاطين التاريخ؟ اذا كنت اريد ان اتحدث عن حركة الفتوح، قد اقول ان السلطة الاموية جيشت الجيوش، لكن انا لا يهمني كثيرا تحقيق النصر، بقدر مايهمني استثمار النصر. ((اسرائيل)) مثلا، امس خاضت حربا، لكن لم تقدر ان تستثمر شيئا من النصر العسكري. واعني هنا باستثمار النصر تحول ما نسميه ((الشعوب الاسلامية))الى الاسلام، هل جيش بني امية حول هؤلاء الى الاسلام، والا فمن الذي تولى تحويلهم الى الاسلام؟ استطرادا، انا اجد ان السلطة الاموية كانت تقف ضد التحول الى الاسلام،لاسباب ضرائبية، فاذا انا امام هذا الواقع، كيف يمكنني ان اتعامل مع الطبري؟ واذا كان الطبري مثل تاريخ الملوك او السلطان، ما هو الذي سبب صنع الحضارة والتحول الى‏الاسلام؟ الشعب (او ما سميناه الدولة)؟ كيف يمكنني ان اتعامل مع تاريخ الدولة او الرعية او الشعب؟ هذا يطرح مرة اخرى مسالة المصادر، ويطرح مشكلة المصادر حتى مع‏الطبري، هل غط‏ى الطبري كل شي‏ء يتعلق بتاريخ الملوك؟ لا. منذ البدايات وجد رقيب، دائما كان تاريخنا الاسلامي، وحتى الان في مواجهة مع السلطان، السلطان يراقب‏ويمنع. اضرب مثلا بسيطا، انا تعاملت مطولا مع كتب السيرة النبوية، ووجدت ان كل الحملات او الغزوات ضد اطراف بلاد الشام في العصر النبوي، كانت ناجحة، باستثناء معركة((مؤته)). وكنت اسال نفسي دوما: لماذا ((مؤتة)) كانت مخفقة، والمسلمون انسحبوا، وكانت هناك خسائر هائلة. فعلى الاقل القادة الثلاة المعينون قتلوا، لماذا حدث ذلك؟ هذاسؤال دائما كنت اساله ولا اجد الجواب. وبقيت ابحث، الى ان حصلت على نسخة من تاريخ ((تيوفانس))، وهو المؤرخ البيزنط‏ي الوحيد، وان ارخ في القرن الثامن او مطلع‏التاسع للميلاد، لكنه هو المؤرخ البيزنط‏ي الوحيد الذي نجد لديه مادة، وان كان مضطربة بعض الشي‏ء، عن تاريخ بيزنطة وعلاقات بيزنطة بالمسلمين منذ قيام الاسلام.

يقول ((تيوفانس)): الادارة البيزنطية في بلاد الشام وعلى راسها ((تيودور)) اخو الامبراطور هيرقل، علمت بان محمدا نبي العرب(ص) يجهز جيشا يرسله الى بلاد الشام،وحددت المكان، وعلى راسه فلان وفلان، وفيه الذي لقبه محمد(ص) ((بسيف الاسلام)). وقد اخبر بهذا حاجب ((تيودور)) ((قطبة القرشي)).

رجعت الى كتب الانساب كلها لارى من هو قطبة هذا. سقط.

(طبعا لم يسقط سهوا بل سقط عمدا) من كتب الانساب.

وجدت اذا ان بيزنطة عرفت مسبقا باخبار الحملة،فتجهزت وانتظرتها فلم يتحقق عامل المفاجئة، بل تحقق العكس. انا لما واجهت هذه الاشكالية او هذا الخبر، راجعت كل الحسابات التي تتعلق بالعصر الاموي، ومواد العصرالاموي، بدات اعيد النظر فيها من التمثيلية المصطنعة عن مقابلة بين هيرقل وابي سفيان، الى غير ذلك من النقاط، فطالما سقط قطبة احل محل قطبة اخبار اخرى، اولا: جئت‏لاعيد النظر: اعرف مسبقا ان ابا سفيان، وكل التجار العرب، كان محظورا عليهم بالقوانين البيزنطية، مغادرة بصرى (بصرى: ثغر، او باصطلاحاتنا الحديثة منطقة حرة للتجارة مع‏شبه الجزيرة) والتاجر البدوي ممنوع ان يغادرها الى داخل بلاد الشام، هرقل لم يزر بصرى، وفي فترة قيام الاسلام هرقل كان بحمص، ابو سفيان لم يذهب الى حمص، اذن من‏الذي اخترع؟ من الذي اسقط قطبة واخترع تمثيلية المقابلة ما بين ابي سفيان وهرقل؟ ولماذا كان في هذا الاختراع نوع من التعاطف مع هرقل؟ ان هرقل اراد ان يسلم رجال‏الدين الذين حوله منعوه، من اللازم ان يكون رجل شامي هو الذي وضع واسقط، ويجب ان يكون متعاطفا مع السلطة الشامية. وهذا الامر يجعلنا نعيد النظر في تراكيب كثيرة‏جدا.

وهذا مثل من امثلة. مثل آخر من هذا النوع: اتعامل مع الحروب الصليبية فاجد حاكم بصرى، وهو تركماني او تركي (اطامش) مع واحد من افراد الاسرة الغورية، يثوران‏ضد المتحكم بالدولة الغورية بدمشق فيذهبان الى القدس، ويتقرر تسليم بصرى الى المملكة اللاتينية في القدس لتكون محطة نحو الاستيلاء على دمشق. ابن القلانسي‏الحاضر كل هذه الامور، وهو من عمال او موظفي الدولة الغورية في دمشق، اتى على ذكر الحادث بشكل عرضي، بينما لما رجعت الى وليم الصوري، قرات ان الحملة وصلت‏الى بصرى، وعلمت زوجة حاكم بصرى بالمؤامرة، فرفضت تسليم القلعة، وبدات هجمات كبيرة ضد الحملة الصليبية، والحملة الصليبية اصيبت بالعطش وكادت تباد، يعني‏كادت حطين تحدث قرب بصرى باكثر من نصف قرن، لكن تدخل في الموضوع ((انز)) وحال بين الناس وبين ابادة الجيش الصليبي، وذلك لانه كان يخاف من زنكي،ويستدعي، كلما حاول هذا الاستيلاء على دمشق القوات من القدس. فابن القلانسي موظف في داخل دمشق لم يذكر ذلك ولم يتجرا لان هناك رقيبا فوق راسه.

انا الان امامي هذه الاشكالية، كيف اعالج المصدر؟ لما حدث الانفصال ما بين السلطان والدولة، الدولة ارخت لنفسها وفي آداب التاريخ لدى العرب، يوجد علم اسمه (علم‏التراجم)، علم التراجم لم يوجد في اي حضارة من الحضارات، صحيح بالسيريانية لدينا سجلات لبعض تراجم ما يسمونهم بالشهداء.

في تاريخ البوذية شي‏ء من هذا، اما علم‏التراجم العربي فيختلف تمام الاختلاف عما عرف من سير لدى تواريخ الامم الاخرى حتى لدى المسلمين، بالفارسية علم التراجم جاء متاخرا، ولدى العثمانيين طبعا جاءمتاخرا جدا، وكاني بالدولة التي صنعت الثقافة الاسلامية وصنعت الحضارة الاسلامية والفقه الاسلامي، ارخت لذاتها عن طريق علم التراجم. طبعا علم التراجم مع طبقات‏الرجال المحدثين وتواريخ المدن، وانا اواجه هذه المشكلة واصل الى هذا الراي، كيف اريد ان اوفق ما بين تاريخ الطبري والكامل لابن الاثير وفلان وفلان وفلان وبين علم‏التراجم؟ هل سارمي كل تلك الكتب؟ اريد ان اوجد صيغة توافقية، وهذه مسالة ليست موجودة في تاريخ امة من الامم بمثل هذه الاشكالية، او هذه الحدة.

وهكذا انتقلنا من العلم الى الهموم. وبالفعل كتابة التاريخ هم من الهموم، وهذا يرجع الى ان تاريخنا لم يكتب. وحتى ما نسميه دراسات حديثة ليس تاريخا للامة بل هو تاريخ‏لسلاطين. ولا يكفيني ان ارجع لكتب التراجم، ينبغي ان ابحث ايضا عن مصادر شعبية اخرى، وهنا كلنا نستخف بسيرة عنتر وحمزة البهلوان والاميرة ذات الهمة الخ.. او مانسميه بالملاحم الشعبية، علينا ان نتعلم ان هذه الملاحم الشعبية صورة عبر بها الشعب عما اراده، او عن تصوره لما حدث في التاريخ. مرة اخرى مطلوب منا كباحثين ان نفتش‏ايضا عن طرائق لاستخلاص الحقائق التاريخية مما نسميه بالادب الشعبي، او بالملاحم الشعبية. هذه مهمة صعبة، انما علينا ان نقوم بها، لاننا ان لم نقم بها عاجلا، لن نكون امة‏عربية ولن نكون امة اسلامية، سنكون مجموعة من الامم المتصارعة ذات الانتماءات والديانات المختلفة. لا اقول مذاهب وانما استخدمت عن عمد كلمة ديانات متذكرا بان‏المسيحية بدات حركة اصلاحية في اليهودية ثم صارت هوية، وبعد ذلك صارت هويات.

بالاضافة الى مشكلة المصادر او مشكلة معالجة المصادر، هناك مشاكل اخرى تتعلق بمعالجة الاهداف التاريخية، صحيح ان المؤرخ هدفه الحقيقة والحقيقة المجردة، لكن‏لنفترض انني بعد جهد جهيد استطعت ان اتوصل الى صورة، كيف حدث اغتيال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، رسمت الصورة في ذهني، واستطيع ان اصفها كتابة، هل هذانسميه تاريخا؟ طيب، انا لا يكفيني هذا وانما علي ان اتعامل مع ما نسميه سيكولوجية الحدث، ما هي مشاعر عمر بن الخطاب عندما وقع عليه الاغتيال؟ ما هي مشاعر ابي‏لؤلؤة عندما قام بمحاولة الاغتيال؟ واطرح المسالة بصورة اخرى، المؤرخ العربي بعد ان يصور فاجعة كربلاء، يسال: الامام الحسين(رضي اللّه عنه وعن ابويه وآله) كيف كان‏يشعر وهو يسير نحو مواجهة الشهادة؟ يهمني هذا الجانب النفسي، لاني اتعامل مع حدث انساني، ولا اتعامل مع حدث جامد. اذا فتحنا مشكلة سيكولوجية الحدث، سنجدامامنا آفاقا كبيرة جدا، وانا مع كل هذه الامور، ما وقفت ابدا عند ما نسميه ب ((التاريخ القديم)). نحن الان، ايها السادة، نواجه مشكلة في التاريخ القديم من اعقد المشاكل، كنانقول:

ان التاريخ هو ما وقع لا ما اردناه ان يقع، او اخترعه بعضهم، وقال انه قد وقع، واذا بنا الان وبعدما جرت الهرولة والاتفاقات، وبعدما شهدنا ((شرم الشيخ))، اثنان يعتبران‏نفسيهما امامين، جعلا الصهاينة اولاد عمنا سياسيا بعد ما حدث كل ما حدث، وفقهاء كثيرون يقولون: ((ان جنحوا الى السلم...)) الى غير ذلك، ويطلقون الفتاوى، بعد ما حدث‏كل هذا، وجدنا ان الاختراع والوهم صارا حقيقة، والحقيقة صارت اسطورة مرفوضة.

كيف اتعامل انا الان مع ما يسمى بالفكر التوراتي او بالغزو الفكري الاسرائيلي؟ لحد الان كلما تعاملنا مع قضية يقولون:

((لا يا اخي هذه من الاسرائيليات)) هل هناك شي‏ءاسمه اسرائيليات؟ ان مشاكل التاريخ القديم تشكل تحديا كبيرا لنا، عربا ومسلمين، ماضيا ومستقبلا. كيف لنا ان نتعامل مع هذا كله؟.

والتاريخ الاسلامي ما هي عصوره وتقسيماته؟ كثير منا الان يقول: ((العصور الوسط‏ى الاسلامية)) اذا كان هناك عصور وسط‏ى اسلامية، ما هي العصور القديمة؟ ما هي العصورالحديثة؟ طيب هل يمكننا ان نتعامل مع التاريخ الاسلامي من دون تقسيمه الى عصور؟ ومجددا هل بامكاننا ان نوجد مدرسة لتفسير التاريخ الاسلامي؟ هل يمكن للعرب ان‏يؤرخوا الان لامتهم وللمسلمين بمعزل عن السلطة؟ طبعا جرت محاولات منذ اكثر من ربع قرن لكتابة التاريخ. بواسطة السلطة، وتمويل السلطة، بدات المحاولات في‏الكويت، وانتقلت الى القاهرة والى ليبيا والى العراق، والان نحن لدينا محاولة صار عمرها اكثر من عشرين سنة في دمشق، وعنوانها ((الكتاب الاخضر)). وما حصل معنا شي‏ءاكثر من ((مجلة)).

هذه مسالة تحتاج الى مخرج، تصوري، من حيث المبدا، ان المخرج ممكن عن طريق اتحاد المؤرخين العرب، وان اتحاد المؤرخين العرب في القاهرة، اذاتفرغ يمكن ان يقوم بهذه المهمة دون ان يحتاج الى سلطان.

لكن السلطان بلاء لا نستطيع التخلص منه، انما ينبغي، عندما نكتب تاريخ هذه الامة، ان نفتش عن دوره في الماضي وان نبتعد عن تاثيره وتوجيهاته في الحاضر، واستشهدهنا بالعراق في ظل الحكم الحالي. قبل صدام، لا بل قبل الحرب العراقية الايرانية، خرجت دراسات كثيرة عن ثورة الزنج، وكانوا يقولون:

ان الزنج اشتراكيون وثوريون‏ومظلومون، وان التسلط العباسي كان السبب.. لما حكم صدام اعلن نفسه الحفيد السابع والاربعين للنبي(ص). عندها غيرت اللجنة، واللجنة التي كانت سمت نفسها بهيئة كتابة‏التاريخ، اعادت النظر، واذا بنا امام تصور آخر. واذا بصاحب الزنج يتعرض الى اعادة تقويم بقلم شخص اسمه قاسم حسن عباس السامرائي وتحت اشراف هيئة كتابة التاريخ،وفيها عدد من كبار الاساتذة في العراق، واذا بالزنوج او اصحاب ثورة الزنج، لصوص، قطاع طرق ثاروا على السلطة الشريفة العباسية وارادوا انتهاك الاعراض وارادوا الاعتداءعلى الحقوق... فكيف يمكن ان اتعامل مع سلطة متقلبة، على راسها سلطان لا يرد امره، انا اكتفي بهذا القدر، ومعذرة اذا كان طرحي، اثار هموما ومشاكل اكثر مما اوجد حلولا،اترك الحلول او محاولة ايجاد الحلول للسادة الزملاء وشكرا.

د.ط‏ي: شكرا للدكتور زكار الذي قام بجولة واسعة حول مختلف جوانب الموضوع، وسوف ندخل في تفاصيل هذه المسائل من طريق توجيه بعض الاسئلة، فهل نستطيع استنفاذكل هذه الامور لا بد من التركيز على مرحلة محددة ربما تكون قد طبعت التاريخ الاسلامي والعربي بطابعها، طبعا مع التقدير العالي لما طرح.

والان نطرح السؤال على السيد حسن الامين سيدنا، هل ترون من مشكلة في فهم التاريخ الاسلامي وكتابته، وان كانت موجودة فالام مردها؟ السيد حسن الامين: ما قدمه الدكتور زكار جاء في العمق، ويقتضي بحوثا ودراسات كثيرة، انا هنا اشخص ما اعتبرته عقدة التاريخ العربي، من دون ان اشير الى شي‏ء من حل‏هذه العقدة.

انا سميت التاريخ ب ((التاريخ العربي)) ولم اسمه ب ((التاريخ الاسلامي)) لان ما يدور الان من تفكير وكتابات هو كتابة تاريخ الامة العربية من جديد، ولا احسب ان‏هناك امة من الامم تريد الان ان تكتب تاريخها من جديد، لم يصل الى علمي ان في العالم اليوم، وما قبل اليوم، امة تشكو من كتابة تاريخها، ويتنادى المخلصون فيها وغيرالمخلصين، لاعادة كتابة هذا التاريخ، والنظر من جديد في اصوله، غير الامة العربية، ولا اعرف شعبا بين الشعوب يجد في تدوين تاريخه، مشاكل يرى المخلصون معالجتها،والتخلص منها، ويحارون في سلوك الطريق المؤدية الى هذه المعالجة، غير الشعوب العربية، لماذا كان ذلك؟ ولماذا انفرد العرب بهذا البلاء؟ فحين يوغل الانسان في الدرس‏وتتمثل له الحقيقة سيوقن انه بلاء ومهوى سحيق، لا اعرف احدا في تاريخ العرب الحديث، سعى وراء الحقيقة متجردا مخلصا، وظل يسعى ويسعى حتى وضحت له الحقيقة‏فاعلنها على رؤوس الاشهاد، كما هي بعجرها وبجرها.

لا اعرف احدا فعل ذلك مثلما فعل مالك بن نبي (رحمه اللّه واحسن ثوابه)، وقد حمى مالك بن نبي من ثورة الارهاب الفكري عليه، ان الارهابيين الفكريين لا يجدون اليه‏المنفذ الذي يجدونه الى غيره، ممن يمكن ان يرى مثل رايه وان يصل الى ما وصل اليه، لا يستطيعون ان يقولوا عن مالك بن نبي انه طائفي مذهبي، ولا يستطيعون ان يقولواعنه انه شعوبي. لذلك ظل مالك بن نبي في حماية من الارهاب الفكري الرهيب، هذا الارهاب الذي يحول دون البحث عن الحقيقة، الحقيقة في تاريخنا، ثم الوصول اليهاواعلانها. اسمحوا لي هنا ان اكون واضحا صريحا في تشخيص الداء، وان اكون صريحا واضحا كذلك في اعلان انه داء ربما كان لا شفاء منه، بل سيتوارثه جيل عن جيل وقبيل‏عن قبيل، وسيظل في كل جيل من يتصايحون لكتابة التاريخ من جديد، وفي كل قبيل من يتشاكون من مشاكل هذا التاريخ، لماذا كانت للعرب وحدهم هذه المعضلة غيرالقابلة للزوال؟ لماذا كانت شعوبهم هي وحدها الشعوب التي تتشاكس في تاريخها؟ الجواب سهل، ولكن تقبله صعب عسير، التاريخ العربي الذي نتحدث عنه هو التاريخ الذي‏يبدا بالبعثة النبوية وظهور الاسلام، فليس هناك متاعب في الامجاد الجاهلية، وليس هناك من يناقش في شجاعة عنترة بن شداد، وشاعرية امرى‏ء القيس، وكرم حاتم الطائي،ومعارك داحس والغبراء، ووقائع حرب البسوس.

د.ط‏ي: اذن المشكلة في الفترة الاسلامية وحدها؟ السيد الامين: التاريخ الذي نتحدث عنه هو تاريخ الثورة العالمية، التي اعلنها محمد بن عبداللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) برسالة من ربه، على الظلم والجور، على الاستبدادوالاستعباد، على تضييع الفرص امام الاكفياء، على اضطهاد شعب لشعب، على التمييز بين الناس الا في صالح الاعمال، على استغلال الاغنياء لفقر الفقراء، على الحرمان‏والجهل والتجويع، تلك الثورة التي كان من شعاراتها:

(نريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين). لم يكن من السهل على الذين‏استهدفتهم الثورة ان يخضعوا لها فقاوموها جهدهم، وقاتلوها ما استطاعوا لها قتالا، ولكن الثورة انتصرت، وحققت اهدافها، وطبقت شعاراتها، وانزوى مقاوموها الى‏حين.

د.ط‏ي: فكيف حصلت المشكلة؟ السيد الامين: يقول المفكر المصري فهمي هويدي، في مجلة ((العربي)) (تموز 1980 ): استاذنا مالك بن نبي يعتبر معركة صفين بداية المرحلة التي ادت الى انفصال الضميرعن العلم، منذ ذلك الحين يقول مالك بن نبي حدث الانقلاب الاول، في التاريخ الاسلامي، لقد كان هذا الانقلاب اعمق واخطر مما نتصوره)) ويضيف: ((وصار الاسلام نصاوليس فكرة ورسالة، مالك بن نبي يعطينا الفكرة الصحيحة عما وقع، وعما كان الاساس في كل هذه البلبلة التاريخية العربية الابدية، بعض الذين قامت ثورة الاسلام لتخليص‏الامة من شرورهم، استطاعوا السيطرة على الثورة، واحكام قبضتهم عليها، والعودة بمسيرة الحكم الى‏ما قبل قيام الثورة، استطاعوا ذلك بانقلاب عسكري على مبادى‏ء الثورة‏وشعاراتها واحكامها، كان مسرحه صفين، كان يحفزهم الى انقلابهم، لا الرغبة في العودة الى‏الاستبداد والاستعباد والاستغلال فقط، بل يدفعهم الى ذلك، احقاد شخصية على‏الثورة ورجالها، هذه الثورة التي قتلت في معاركها، اخوتهم واجدادهم واخوالهم ثم اذلتهم)).

واذا كان مالك بن نبي قد سمى الاشياء باسمائها، فانه لم يكن الوحيد الذي يرى هذا الراي، وانما كان الوحيد الذي اعط‏ى الصورة الجلية له، ان رشيد رضا مثلا يقول في مجلته((المنار))، عن صاحب الانقلاب العسكري في صفين:

((لقد حول شكل الحكومة الاسلامية الى حكومة شخصية استبدادية جعلت مصالح الامة كالمال يرثه الاقرب فالاقرب‏الى المالك، وان كرهت الامة كلها، فكان هذا اصل جميع مصائب الامة الاسلامية)).

ويقول المناضل الفلسطيني الدكتور وليد قمحاوي، في مجلة ((العربي))، عن صاحب الانقلاب: ((انه استطاع ان يجعل الوطن العربي ملكا يتوارثه الابناء والاحفاد وكانه اقطاعية‏كبيرة، وشعبه قطيع ضخم من العبيد وقد كان التمرد ظاهرة شائعة، لا يكاد يكبت في مكان حتى يبدو في عدة امكنة، ولا يخمد شهرا حتى يستعر اواره شهورا)) .

ذكرت هذه الاقوال لادلل على ان الامر مفهوم لقلة من النخبة، فهمت بعض جوانبه، ولكنها لم تنفذ الى اعماقه، كما نفذ اليها مالك بن نبي. ان هذه القلة فهمت ان الامر مجردسوءاستغلال للحكم، ومجرد فساد فيه. ولكن مالك بن نبي فهمه الفهم الصحيح. ان الثورة التي كان العدل احد شعاراتها، والتي طبقته حيث انتصرت التطبيق الكامل، ان الثورة،التي حل في قيادتها اعداؤها الالداء، كان من الطبيعي ان يحل الظلم محل العدل فيها.

د. ط‏ي: كيف تجلى هذا الظلم على صعيد الممارسات العملية؟ هل من امثلة؟ السيد الامين: من الامثلة ان اوجدت القيادة الجديدة وظيفة دائمة، ترافق كل وال من ولاتها، هذه الوظيفة اسم متوليها صاحب العذاب، ومهمته تعذيب المطالبين بالحرية والحق‏والعدل، ونكتفي هنا بذكر قصتين فقط من قصص اصحاب العذاب، تغنياننا عن ذكر غيرهما. فمن قصص صاحب عذاب عبيداللّه بن زياد، ما رواه ابن عبد البر في كتاب((الاستيعاب))، وهو يتحدث عن الصحابي قيس بن خرشة القيسي، اراد عبيداللّه بن زياد تعذيبه، لا لشي‏ء بل لانه كان قوالا بالحق. ولما اعد له العذاب، مات قبل ان يصيبه‏شي‏ء.

وصاحب السيرة الحلبية يقول، وهو يروي القصة: ((ان عبيداللّه بن زياد قال: ائتوني بصاحب العذاب. فمال عند ذلك قيس فمات)).

لقد كان مجرد ذكر ((صاحب العذاب)) كافيا ليحدث صدمة في نفس الصحابي قيس بن خرشة فيموت في الحال.

وفي عهد الحجاج، كان اسم صاحب العذاب ((معد)). ويروي صاحب كتاب ((النجوم الزاهرة)) ما جرى لحطيط الزيات الكوفي مع الحجاج، ويعدد المؤلف بعض صفات ((حطيط))بقوله: ((كان عابدا زاهدا يصدع بالحق)). ويروي صاحب الكتاب حوارا جرى بين حطيط والحجاج، كان حطيط فيه شجاعا صريحا، لم يحد عن خطه المستقيم، فقال‏معدصاحب العذاب للحجاج: ((اني اريد ان تدفعه الي فواللّه لاسم عنك صياحه))، فسلمه اليه، فجعل يعذبه ليلته كلها وهو ساكت، حتى كسرت ساقه. ثم دخل عليه الحجاج‏وقال له: ((ما فعلت باسيرك؟)). فقال: ((ان راى الامير ان ياخذه مني فقد افسد علي اهل سجني)). فقال الحجاج:

((علي به))، فعذبه بانواع العذاب وهو صابر، ثم لفه في بارية‏والقاه حتى مات.

ومثالا للانتقام من محمد بن عبداللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ومن مناصري ثورته، نروي قصة واحدة جرت مع الحجاج نفسه. لقد امتدت الحياة بثلاثة من الصحابة الى ان‏ادركوا عصر الحجاج. جاء في ((اسد الغابة)) ما يلي: ((ختم الحجاج في عنق سهل الساعدي وانس بن مالك وفي يد جابر بن عبداللّه يريد اذلالهم)). وهؤلاء الثلاثة كانوا آخر من‏بقي من اصحاب رسول اللّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم).

اما منهج السيطرة فتمثله هذه القصة: كان زياد بن سمية واليا على البصرة فتغيب عنها فترة واوكل فيها الامر الى سمرة بن جندب، فلما عاد زياد كان سمرة قد قتل في غيابه من‏اهل البصرة ثمانية آلاف رجل، فاخبر زيادا بما فعل، فقال زياد:

((هل تخاف ان تكون قد قتلت احدا بريئا؟)) فاجاب سمرة: ((لو قتلت اليهم مثلهم ما خشيت)) .

د.ط‏ي: ولكن هؤلاء قاموا بالفتوح فكيف تقوم ذلك؟