اول المنهاج

بقلم رئيس التحرير

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الملتقى الفقهي الذي انعقد قبل بضعة اشهر في مدينة قم لمحاولة تنظير المقولة التي اطلقهاالامام الخميني(قدس سره)في السنوات الاخيرة من حياته، ودعا الفقهاء لاخذها بنظرالاعتبار في ممارستهم الفقهية، وهي(تاءثير الزمان والمكان في الاجتهاد)- هذا الملتقى جذب الى دائرة الاهتمام الفقهي قضية لم تكن غائبة تماما عن الممارسة الفقهية عندمجتهدي الشيعة، بل وعند غيرهم من مجتهدي المذاهب الاسلامية الاخرى، في الحدودالتي كانت تجري فيها هذه الممارسة،وان لم تاءخذ هذه المقولة نصيبها الكامل من التنظيرالفقهي عندهم.

و اكبر شاهد على ذلك هو ما نلاحظه من ظاهرة تغير الفتاوى والاراء الفقهية من عصر الى فقيه، بل وحتى عند الفقيه الواحد في مرحلتين مختلفتين او في مراحل مختلفة من حياته، وذلك على الرغم من وحدة الموضوع ووحدة قيوده،وعلى الرغم من وحدة النصوص التي يستند اليها الفقيه في استنباط الحكم.

ومن الشواهد العامة على صحة هذه المقولة ايضا اننا نجد الفقهاء في مسائل العبادات يستدلون على احكامهابالنصوص مباشرة، ولا يستنبطونها من مبادئ عامة وقواعد كلية، اما في المعاملات فانهم يستنبطون معظم احكامها في ضوء اصول الشريعة وقواعدها العامة، مثل: قاعدة نفي الضرر، ونفي الغرر، ونفي العسر والحرج، وقاعدة اليد، ولا تجارة الا عن تراض، وتبعية العقود للقصود، واوفوا بالعقود، وعلى اليد ما اخذت، وما على المحسنين من سبيل...الخ.

والسبب في ذلك، ان المعاملات ليست من صنع الشارع وانما هي طرق اخترعها الناس لتبادل المنافع فيما بينهم، وعلى هذا فهي عرضة للتغيير والتطور تبعا لحاجات الناس ومنافعهم المتجددة، ويتبع ذلك امكانية تبدل احكامها ايضا.

ومن شواهدها ايضا ما اصطلح على تسميته بمنطقة الفراغ التشريعي، وهى الساحة المرنة من الشريعة التي ترك لولي الامر اجراء الاحكام وتطبيقها فيها وفقا للمصلحة، وبحسب مقتضيات الزمان والمكان، وفي ضوء المبادئ العامة والقواعد الكلية للشريعة.

ومن الشواهد: ان المتعاقدين اذا سكتا عن شرط ياخذه الناس عادة في معاملاتهم ضمنا، ثم تنازعا فيه، فصل الحاكم بينهما على اساس العرف والعادة، وهي بلا شك ليست ثابتة وانما تتغير من عصر الى عصر ومن بيئة الى اخرى.

وعلى هذا تبدو القضية من حيث المبدا مسامة لا جدال فيها، ولا تتنافى في حدودها المطبقة مع مبدا ثبات الشريعة وديموميتها، بل هي في الواقع اساس مبدا صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، وسبب استجابتها لحاجات الناس ومصالحهم المتجددة في كل عصر ومصر.

انما الجديد الذي دعا الامام الراحل (قدس سره) - فيما نعتقد - لطرح هذه المقولة، والتاكيد عليها في هذه المرحلة هوعاملان اساسيان:

الاول: تسارع وتيرة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية في هذا العصر بسبب التطور الهائل الذي حققته العلوم التجربية،وما نتج عن هذا التطور من تبدل نظم المعيشة ووسائلها، الامر الذي طرح قضايا ومشكلات فقهية جديدة لم تكن معروفة من قبل.

الثاني: انفتاح الممارسة الفقهية بعد قيام نظام الحكم الاسلامي على مجالات الفقه العام التي غابت عنها هذه الممارسة قرونا متطاولة، اي على قضية الولاية العامة للدولة، ومشكلات الادارة ولاقضاء والعلاقات الدولية.. وما الى ذلك.

وحسنا فعل هذا الملتقى الفقهي اذ ركز في بحوثه التي اربت على المئتين وسبعين بحثا على ايضاح المعنى المقصودمن هذه المقولة، وتنظيرها في ضوء الاصول والثوابت الفقهية المقررة، مؤكدا انسجامها التام مع مبدا ثبات الشريعة وبقاءها الى الابد، الامر الذي بدد الوهم وازال الغموض الذي كان يكتنفها في بعض الاذهان.

لكن يبقى بعد ذلك هذا السؤال: ما هو السبيل العملي الى جعل هذه المقولة تؤثر اثرها في العملية الاجتهادية، وكيف يجد الفقيه في ضوءها للمشكلات الفقهية المتراكمة الحلول المناسبة؟

فقه

مجال الاجتهاد ومناطق الفراغ التشريعي

الشيخ محمد مهدي شمس الدين

1- مجال الاجتهاد في نطاق التشريع المنصوص ان مجال الاجتهاد المبحوث عنه وفيه، وحقل عمل المجتهد، هو الادلة الشرعية. وهذه الادلة الشرعية هي التي نصبها الشارع المقدس للدلالة على الاحكام الشرعية الكلية، فهي طريق المسلم لمعرفة الشريعة. والانسان الذي يقودعملية المعرفة الشرعية للمسلم وييسرها له، هو المجتهد.

والشريعة ليست معرفة نظرية اعتقادية فقط، كما هو الشاءن في العقيدة، بل هي معرفة من اجل العمل، لانها دستورالمسلم وقانونه في حياته اليومية الخاصة والعامة، في علاقته مع المجتمع وعلاقته مع الطبيعة. وكذلك هي دستور الامة المسلمة وقانونها في خاصة نفسها، من حيث علاقاتها الداخلية، وفي علاقاتها مع العالم الخارجي (العالم غيرالمسلم).

وهذه الادلة الشرعية تنقسم من حيث ما تعلقت به الى قسمين رئيسين:

احدهما: الادلة التي قامت على الاحكام الكلية التي بلغها النبي(ص) الى الامة بصورة مباشرة، او بلغها الى الامة عن طريق ائمة اهل البيت المعصومين(ع) بتبليغهم اياها.

وهذه من قبيل ادلة العبادات وادلة تفاصيلها واجزائها وشرائطها، وادلة علاقات الاسرة (زواج وطلاق واحكام اولادونفقات ومواريث.. وما الى ذلك) وادلة تفاصيلها، وادلة الانشطة الاقتصادية والمالية والزراعية والصناعية وادلة تفاصيلها وشرائطها (بيوع، واجارات، وشركات، وربا، ومزارعة وغرس ومساقاة، وتدخل في ذلك احكام الارضين والمياه والمعادن... وما الى ذلك). ونظام المحرمات في الافعال والتروك والعلاقات (الخمر، والميسر، والزنا، والسرقة،والظلم، والبغي، وموالاة الكفار، والكذب، والنميمة...

وما الى ذلك).

وثانيهما: المبادىء العامة والقواعد العامة التي لم ترد لبيان حكم كلي، من حيث علاقات المسلم والامة وافعالهماوتروكهما. بل وردت لبيان الموقف الشرعي والحكم الشرعي ل «حالات معينة» وردت عناوينها في ادلة هذه المبادىءوالقواعد، تعرض للمسلم والامة.

وهذه «الحالات» منها ما لا تقتصر على مجال معين من مجالات الشريعة والحياة، من قبيل العلاقات الخاصة والعامة في الطبيعة والمجتمع، او مجال العبادات او المعاملات، بل تشمل جميع المجالات. ومنها ما يختصر بحالات معينة.

وهذه من قبيل قاعدة نفي الضرر والضرار، وقاعدة نفي العسر والحرج. وقاعدة الميسور والمعسور، وقاعدة وجوب حفظ النظام، وقاعدة اليسر، وشرط القدرة على الامتثال، وغير ذلك من القواعد والمبادىء العامة.

فان هذه القواعد والمبادىء العامة لم تنصب على افعال او تروك او علاقات مع الطبيعة والمجتمع، بل انصبت على«حالات» تعرض للمسلم والامة في علاقاتهما مع المجتمع والطبيعة والعالم.

هذان هما القسمان اللذان تنقسم اليهما الادلة الشرعية.

ومتعلق هذه الادلة - بقسميها - هو حياة المسلم والامة في مجالات الافعال والتروك والعلاقات مع النفس ومع الغيرومع الطبيعة، في الحدود المنظورة الموجودة بالفعل والمتوقعة لهذه العلاقات والافعال والتروك في حركة تطور الفردوالامة في الحياة والمجتمع الانساني.

وقد وردت هذه الادلة على نحو القضية الحقيقية التي لا يعتبر ان يكون موضوعها متحققا في عالم الوجود العيني بالفعل، بل هي التي يكون موضوعها مقدر الوجود، فكلما وجد هذا الموضوع ثبت له الحكم الوارد في الدليل.

وهذه الادلة هي الحقل الفعلي لعمل المجتهد، وهي المجال الفعلي للاجتهاد والاستنباط.

2- مجال الاجتهاد في نطاق الفراغ التشريعي تداول الباحثون في الفقه الاسلامي - وفيهم فقهاء - مصطلح «منطقة الفراغ التشريعي»، ويعنون بذلك ان اللّه تعالى قدترك في الاسلام منطقة فراغ تشريعي يتولى التشريع فيها ولي الامر والفقهاء، بما تقضي به حاجة الامة في تطورها، ومايطرا عليها من تبدلات وتغيرات. وهذه الدعوى قيلت في مواجهة ادعاء جمود الشريعة وعدم تطورها بما تقضي به تغيرات الحياة وتبدلاتها. وهي دعوى جديدة، اذ لم نقع في كلام قدماء الفقهاء ومن تقدم منهم في هذا العصر على مايناسبها، ولذا فلابد من البحث عن اصل المساءلة، وعن مجالها وعن دليلها، وسائر ما يتعلق بها، فنقول:

هل في الاسلام «منطقة فراغ تشريعي»؟ بمعنى وجود موضوعات ليس فيها للّه حكم عند نزول الشريعة وتبليغها من قبل النبي(ص) وائمة اهل البيت(ع) ولولي الامر التشريع فيها والحكم عليها بما يراه مناسبا لمصلحة المسلمين.

ان هذه المساءلة تلحظ، تارة، بناء على «التصويب» واخرى تلحظ بناء على التخطئة.

اما على مبنى المصوبة، على تقرير الاشعري. فالفراغ التشريعي امر واقع، لاعتبارهم ان الحكم، عند اللّه، في ما لا نص فيه هو ما ادى اليه ظن المجتهد، وهذا لا فرق فيه بين الموضوعات والافعال والتروك والعلاقات الموجودة بالفعل اوالمقدرة الوجود او المجهولات التي تظهر في مستقبل الزمان.

واما على مبنى المخطئة وعلى مبنى التصويب المعتزلي بتقريريه فلا يمكن القول بوجود فراغ تشريعي لمخالفة ذلك للكلية المسلمة عند المخطئة، بل هي من اصولهم «ان للّه في كل واقعة حكما يستوي فيه العالم والجاهل»، والظاهر من المعتزلة تسليمهم بهذه الكلية. ومقتضاها عدم وجود فراغ تشريعي، من غير فرق بين متعلقات الاحكام الموجودة المعلومة والمقدرة والمجهولة، لمنافاة الفراغ التشريعي لهذه الكلية، الا اذا فسر بالقسم الاول والثاني الاتي، وستعرف انه ليس مما يصح ان يقال عنها «منطقة فراغ تشريعي»، لانها من موارد الحكم الثانوي الذي لا يكاد يخلو منه مورد من موارد التشريع بسبب العوارض والطوارىء على المكلف. وهو مشمول للمبادىء والقواعد العامة المثبتة للاحكام الثانوية، من قبيل قواعد الضرر والضرار والاضطرار والعسر والحرج والميسور والمعسور وشرط القدرة في الامتثال ويسرالشريعة وسماحتها، ومن قبيل «ما من شيء حرمه اللّه الا وقد احله لمن اضطر اليه»، اذ للفقيه الا يقتصر فيه على خصوص مورد الحرمة، بل يشمل جميع الاحكام فالواجب كذلك، والمباح بالمعنى الاعم يمكن ان يحرم او يجب اذاحصلت الضرورة للفعل او المنع.

وهذا لا يختص بحاد المكلفين، بل يشمل المجتمع، بل يشمل الامة اذا دعت حاجتها او ضرورتها الى ذلك، بل شموله للمجتمع والامة من باب اولى، ويمكن الاستدلال عليه بما ورد في شاءن حفظ بيضة الاسلام وما اليه.

واما القسم الثالث فهو من هذا القبيل ايضا، فهو حين يوجد ويتحقق في عالم الفعلية ويكون موردا لابتلاء آحاد المكلفين او المجتمع او الامة، فاءما ان يتعنون بعنوان يقتضي الالزام به او المنع منه، واما ان لا يتعنون كذلك فيكون على الاباحة العامة، فاذا طرا عليه عنوان ثبت له الحكم المناسب لذلك العنوان.

والمرجع، في هذا القسم، هو الادلة التي نصطلح عليها ب «ادلة التشريع العلي»، وهي فوق ادلة التشريع المباشرة من المبادىء والقواعد العامة وادلة الاحكام الكلية، التي هي مدار نظر الفقيه واستنباطه، في مجال اجتهاده الماءلوف والمتعارف عليه.

وادلة التشريع العليا هي من قبيل آيات التسخير: الامر بالعدل والاحسان والنهي عن الفحشاء... وآيات النهي عن الاسراف والتقتير وشرط القدرة في التكليف، وآيات النهي عن العلو والفساد في الارض، وآيات النهي عن تغيير خلق اللّه..

فالتحقيق انه لا توجد «منطقة فراغ تشريعي» بالمعنى الذي ذكرناه سواء في ذلك على مبنى المخطئة او على مبنى المعتزلة في التصويب.

وننقل البحث الى المجالات المتصورة لمنطقة الفراغ التشريعي.

يلحظ مجال الفراغ التشريعي، تارة، في نطاق الموضوعات والافعال والتروك التي ورد فيها الزام وجوبي او تحريمي.

ويلحظ، تارة اخرى، في نطاق ما لم يرد فيه من الشارع الزام كذلك، بل كان من المباحات او المستحبات او المكروهات التي تتغير قيودها وظروفها، فتحدث لاحاد المكلفين او للمجتمع والامة ظروف جديدة تكون قيودا للمباح او للمكروه او للمستحب، فيتغير حكمه بتغير ظروفه، «من قبيل الارتكاز الناشىء من ادلة الاباحة العامة وتسلط الناس على اموالهم، على مشروعية استهلاك ما يشاء الانسان من الماء، وانجاب ما يرغب من الذرية، او استهلاك ما يشتهي من الطاقة».

ولكن لابد من اعادة النظر في هذه المشروعية، نظرا لتغير الظروف التي تستدعي وضع قيود على المشروعية، وتقتضي تحديد سلطة الانسان والمجتمع، فالامر هنا من قبيل تغير الحكم لموضوع بادخال بعض الشروط عليه.

المباح بالشرط يكون محرما او واجبا، وفي الوضعيات، من قبيل تسلط الزوجة على طلاق نفسها بالشرط على الزوج بذلك في متن عقد الزواج.

ويلحظ، تارة ثالثة، في نطاق ما لم يرد له في الشرع عنوان بخصوصه او بما يعمه، بل هو من المجهولات التي كشف عنهاتطور الانسان والمجتمع في الحياة. وان كان يدخل في عمومات التشريع العليا، من قبيل آيات التسخير «تسخير ما في السماوات وما في الارض للانسان»، في باب الموضوعات وعلاقة الانسان بالطبيعة، ومن قبيل «الامر بالعدل والاحسان والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي»، في باب علاقات البشر مع بعضهم وانشطتهم في المجتمع.

ولكن المبدا التشريعي الاعلى لم يتعرض للاوضاع التنظيمية التي لابد ان تنشاء عن هذين النوعين من العلاقات، علاقة الانسان والمجتمع بالطبيعة، وعلاقة الانسان بالانسان والمجتمع.

هذا مع ملاحظة ان الاصل الاولي التشريعي في علاقة الانسان والمجتمع بالطبيعة هو الاباحة والاطلاق.

ولكن الاوضاع التنظيمية الناشئة عن تطورات مجال الفراغ التشريعي قد تقتضي بل هي تقتضي بالفعل الحجر والتقييد.

وان الاصل التشريعي الاولي في علاقة الانسان بالانسان والمجتمع هو عدم سلطة احد على احد وعدم ولايته عليه.

ولكن الاوضاع التنظيمية الناشئة من تطورات مجال الفراغ التشريعي، قد تقتضي - بل هي تقتضي بالفعل - ممارسة الولاية وسلطة الامر والنهي وواجب الطاعة.

ا- فاءما ما ورد فيه الزام، فمن الواضح انه ليس منطقة فراغ تشريعي، فهو في وضعه الطبيعي وبعنوانه الاولي مورد تشريع فعلي. ولكن قد يطرا على المكلف حالة (الاضطرار، او العسر والحرج، او الضرر، او العجز، او الجهل، او النسيان)،فيترتب على هذه العناوين حكم آخر غير الحكم الاولي الذي هو الوجوب او الحرمة. فيكون الحرام واجبا او راجحا اومباحا، ويكون الواجب مباحا او راجحا او محرما.

فاعتبار هذه الموارد من منطقة الفراغ التشريعي فيه تسامح ظاهر. لان «الحكم الثانوي» الثابت، في حالة الضرورة والاضطرار والعسر والحرج، مشرع ايضا، وملحوظ في اصل التشريع بنحو القاعدة الكلية.

ب- اما مجال المباحات بالمعنى الاعم (المباح والمستحب والمكروه)، فقد اعتبره بعضهم «منطقة فراغ تشريعي»،بمعنى ان موضوعاته خالية عن الاحكام الالزامية.

فاذا دعت حاجة المجتمع او الجماعة او الفرد الى تحريم المباح بالمعنى الاعم او ايجابه، كان لسلطة التشريع الاجتهادي ان تمنع من فعل المباح فيكون حراما، او تاءمر بفعله فيكون واجبا. والوجوب والحرمة، هنا، ناشئان من الصلاحية المعطاة لسلطة التشريع الاجتهادي، وليسا ناشئين من وجود نص خاص او عام في الشريعة، فبهذا الاعتبار يمكن ان تعتبر هذه الموارد من منطقة الفراغ التشريعي، والا فان المباح بالمعنى الخاص وبالمعنى العام محكوم بالحكم الشرعي الذي هو الاباحة او الكراهة او الاستحباب، وليس مهملا بلاحكم.

والفرق بين هذا القسم وسابقه ان الاول لحكمه الثانوي مرجع منصوص في الشريعة، وهو قاعدة الضرر او الاضطرار اوالعسر والحرج. واما هذا القسم الثاني. فليس لحكمه الثانوي مرجع منصوص في الشريعة، والسلطة التي اوجبته اوحرمته هي سلطة التشريع الاجتهادي. هذا، ولكنك ستعرف ان سلطة التشريع الاجتهادي لا تشرع من دون مرجعية تشريعية في اصل الشريعة هي عمومات ومطلقات التشريع العليا، وبعض المبادىء التشريعية الادنى رتبة المناسبة لكل مورد من موارد مجال الفراغ التشريعي.

ج- اما مجال المجهولات التي لم يرد لها في الشرع عنوان بخصوصها او بما يعمها، فهو يشمل موضوعات خارجية وافعالا وتروكا وعلاقات بين البشر افرادا وجماعات ودولا.

وهذا المجال من انشطة البشر وعلاقاتهم ينشاء ويتكون من حركة المجتمع والانسان في الحياة، وما يحدث له اثناء ذلك من حاجات جديدة ثابتة او طارئة، وما يكتسبه من معرفة تزيده قدرته على التصرف في محيطه على الارض وفي اعماقها وفي الفضاء، وما يستلزمه كل ذلك من اساليب الضبط والتنظيم والسيطرة.

وهذا المجال لم يكن موجودا عند التشريع. ولا يمكن للبشر التنبؤ به. وليس من الحكمة ان يكشف عنه الوحي الالهي،لان الحكمة تقضي باطلاق حرية البشر في تكوين صيغ اختياراتهم وصيغ استجابتهم لضروراتهم، وتقضي بعدم حصرهم في قوالب وصيغ تنظيمية لتطورهم وصيغ استجابتهم بالاختيار او الضرورة لمقتضيات هذا التطور الذي تقضي به طبيعة الحياة وتقلباتها. ولابد ان تواكب الشريعة ذلك كله، فلا يجمد الانسان حائرا لا يعرف الموقف الصحيح والاتجاه المشروع، ولا يتصرف على هواه من غير هدى.

وهذا المجال يتسع لكل شيء من تقلبات الانسان وافعاله وتروكه وعلاقاته بالطبيعة والمجتمع عدا العبادات..

ففي العبادات لا مجال اطلاقا لاي تصرف، لانه لا يعقل ان تكون من مكونات مجال الفراغ التشريعي، حيث ان العبادات توقيفية من جميع الجهات.. مواقيتها، وعددها، واجزائها وشروطها، وكيفية امتثالها، وقد لوحظ في تشريع العبادات وفقهها ما يطرا من تغيرات وتقلبات على الانسان، من حيث المكان والظروف والامكانات، ووضعت الصيغ الفقهية المناسبة لكل حالة من حالات الضرورة والطوارىء، حسب ما تقتضيه الادلة الشرعية الواردة في باب العبادات.

ان مجال الفراغ التشريعي يشمل كل وضع جديد لم يرد فيه نص مباشر او قاعدة عامة، من اوضاع البشر التي تحدث نتيجة للتطور ونمو المعرفة ونمو القدرة، اللذين يقتضيان اشكالا جديدة ومتطورة من الضبط والسيطرة والتنظيم للمجتمع وللانسان في المجتمع، من حيث التعامل والعمل في داخل المجتمع، ومن حيث العلاقة مع الطبيعة.

فمن باب المثال:

تطور العلوم الطبية وتعمق الخبرة بجسم الانسان، التي نشاء عنها عمليات نقل الاعضاء وزرعها، (اخذ الاعضاء من الاموات والقتلى او تبرع - او بيع - الاحياء لهارالتلقيح الاصطناعي بصيغه المتنوعة).

تطور علوم الفيزياء والكيمياء والهندسة، بمجالاتها وفروعها المتنوعة، وما نتج عن ذلك من تطور هائل في صنع الاسلحة (التقليدية رواسلحة الدمار الشامل، الذرية، والهدروجينية، والنيوترونية، والكيماوية، والجرثومية،والبيولوجية)، وما يستلزمه انجاز صنع هذه الاسلحة من تجارب في الفضاء وعلى الارض وتحت الارض وتحت الماء،وآثار وجود هذه الاسلحة على البشر في المجتمعات المالكة لهذه الاسلحة وغيرها.

كل ما نشاء وينشاء من السيطرة على فضاء الارض والفضاء الخارجي، والسيطرة على بعض الكواكب، بالنسبة الى الدول ذات القدرة على السيطرة، والتي سيطرت بالفعل، والمجتمعات العاجزة عن ذلك، وقد وقعت تحت سيطرة الدولة المالكة لهذه القدرة ونتائجها وادواتها.

قضايا البيئة من جميع جوانبها (الفضاء الخارجي، والفضاء، وسطح الارض، وجوفها، والمياه ومصادرها، والبحار)،وعلاقة ذلك بالتجارب النووية وغيرهامن التجارب المدمرة والمخلة للتوازن في الطبيعة، وكمية استهلاك الطاقة وكيفيتها، ونمو الصناعات وعلاقته بالبيئة، والنفايات الصناعية وعلاقتها بذلك.

ازمة الطعام والمياه التي تواجه العالم، وتواجه الشعوب الفقيرة او العاجزة المتخلفة بوجه خاص.

النمو السكاني وعلاقته بقضايا التنمية وازمتي الطعام والمياه والطاقة (حرية الانجابرتنظيم النسل والاسرة رتعقيم الذكروالانثى).

وهي تستدعي اوضاعا تنظيمية تناسبها في داخل المجتمع، من حيث علاقات الناس ببعضهم وعلاقتهم بالمرافق العامة، وطريقة استخدامهم لها، وعلاقتهم بالسلطة الحاكمة، وعلاقتها بهم، وعلاقة الدول ببعضها، وعلاقة المجتمعات والدول بالطبيعة (ارضها وجوها وفضاؤها، واعماق الارض والمعادن والمياه، وغير ذلك).

وهذا كله يستدعي تكوين سلطات في المجمع وعلى المستوى الاقليمي والدولي، ويستدعي تقييد حريات الافرادوالمجتمعات والدول بما يتناسب مع اوامر هذه السلطات ونواهيها، ويقتضي طاعة الافراد والجماعات والدول لاوامرهذه السلطات ونواهيها وشروطها وقيودها.

وقد تكونت هذه السلطات فعلا على المستوى الدولي، فاءنشئت «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» كما انشئت وكالات دولية واقليمية للسكان، والصحة العالمية، ويجري العمل لانشاء وكالة عالمية لحماية البيئة.. وغير ذلك.

ان جميع الامور التي ذكرناها وما يترتب، منها وعليها، من آثار على الانسان والمجتمع والطبيعة باءوسع معانيها والبيئة باءوسع معانيها وما تستدعيه من اوضاع تنظيمية في المجتمعات والمناطق الاقليمية، وعلى المستوى الدولي والعالمي والكوني، وما يترتب على ذلك من تقييد لحريات البشر افرادا وجماعات ومجتمعات، ومن تكوين سلطات على هذه المستويات كلها تاءمر وتنهى وتفرض طاعتها.

ان جميع ذلك او معظمه يكون مجالا جديدا تماما، هو مجال فراغ تشريعي لم ترد فيه نصوص تشريعية خاصة او قواعدتشريعية عامة.

ويواجه الانسان الفرد، والجماعة، والمجتمع، والدولة، والجنس البشري، كل ما يولده هذا المجال من ظروف جديدة تماما تقتضي تشريعات تتناسب مع الضرورات، ومع انواع الخيارات التي يقتضيها التكيف مع هذه الظروف الجديدة.

3- الاستنباط في مجالات الفراغ التشريعي اسسه واصوله ومنهجه ان عملية الاجتهاد والاستنباط، في مجال «الفراغ التشريعي»، التي تنتج الاحكام التدبيرية (التنظيم والعلاقات والادارة في المجتمع) تقوم على الاسس والاصول العامة للاستنباط بالنسبة الى الاحكام الشرعية الالهية التي يعبر عنها بالفتوى،كما تخضع لهذه الاسس والاصول عملية الاجتهاد والاستنباط في مجال القضاء وفصل الخصومات التي تنتج «الاحكام القضائية» في الدعاوى بين المتخاصمين.

ولكن عملية الاجتهاد والاستنباط في مجال الاحكام التدبيرية (الفراغ التشريعي) تخضع لبعض المعايير الاخرى،بالاضافة الى الاسس والاصول العامة للاجتهاد والاستنباط.

وهذه المعايير تستفاد مما سميناه «ادلة التشريع العلي» بنحو القواعد الكلية في القضايا المالية والاقتصادية والعلائقية داخل المجتمع المسلم، وبين المجتمع المسلم ودولته والمجتمعات والدول الاخرى والتنظيمية والامنية.

كما تستفاد من الموارد الخاصة للاحكام التدبيرية الواردة عن النبي(ص) والائمة المعصومين:

1- من قبيل نهي النبي(ص) عن ذبح الحمر الاهلية الذي فسره الامام الباقر(ع) باءنه كان لغرض عدم افنائها لان مصلحة المجتمع في بقائها فان هذا التفسير يصلح مستندا لمنع صيد انواع معينة من الاسماك والطيور والحيوانات،للمحافظة على انواعها في الطبيعة.

2- من قبيل التعليل الوارد في ادلة الاحتكار، فانه لا يصلح ان يحتكر الطعام ويترك الناس ليس لهم طعام.

3- من قبيل التعليلات الواردة في جواز العمل والتعامل مع الحكومات غير الشرعية، كما شرحنا ذلك مفصلا في كتابنا:«نظام الحكم والادارة في الاسلام».

فان التعليلات الواردة، في هذه الموارد وامثالها، لا يقتصر فيها على موردها، بل هي معايير ترشد الفقيه والخبير الى المنهج الذي يجب اعتماده في الاجتهاد والاستنباط في قضايا المجتمع وانظمته وقضاياه، والمشاكل التي تواجهه في داخله وفي علاقاته مع الخارج المسلم وغير المسلم.

وهذه التعليلات ليست احكاما شرعية الهية وليست منشاء لاحكام شرعية الهية، بل هي اسس احكام شرعية تدبيرية،يعود امر النظر في موضوعاتها واستنباطها الى المجتمع الاسلامي بوساطة خبرائه وفقهائه، فهي مبادىء منهجية للاستنباط في هذا المجال.

وعلى هذا الاساس ينبغي ان يكون اصل «المصالح المرسلة» واصل «سد الذرائع» عند من يقول بهما في المذاهب الاسلامية من اصول الاستنباط في مجال التشريع التدبيري في مجال «الفراغ التشريعي»، وليسا من اصول الاجتهاد في الاحكام الشرعية الالهية.

فما يستنبط على اساسهما ليس احكاما شرعية الهية، بل احكام تدبيرية، كما هو الشاءن فيما يستنبط على المنهج الذي ذكرناه «ادلة التشريع العلي» ، والتعليلات الواردة في الموارد الجزئية، كالامثلة التي ذكرناها.

4- سلطة التشريع الاجتهادي في مجالات الفراغ التشريعي لا ريب في ثبوت سلطة التشريع الاجتهادي في مجالات الفراغ التشريعي للنبي(ص) وللامام المعصوم(ع)، لكن لاباعتباره نبيا موحى اليه ولا باعتباره اماما معصوما مبلغا للوحي عن النبي(ص)، بل باعتبار «الولاية والحاكمية :

السلطة السياسية» على الامة والمجتمع. وقد ذكرت امثلة لهذا التشريع الاجتهادي رويت عن النبي(ص) وبعض الائمة المعصومين(ع)، سياءتي بيانها.

والاعتراض على ذلك، والمتمثل باءن المرتكز في الاذهان ان النبي(ص) انما هو حسب النص القرآني: (وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى).

مدفوع: باءن التشريع الاجتهادي من النبي(ص) باعتباره حاكما وولي الامر، ليس «نطقا عن الهوى» قطعا، وكونه ليس وحيا لا يقتضي كونه نطقا عن الهوى. وذيل الاية قرينة على انها واردة في الرد على المشركين الذين اتهموا النبي(ص)في النص القرآني باءنه سحر او شعر او تعليم بشر، كما حكى اللّه تعالى ذلك في القرآن .

بل قد ورد في النص القرآني ان النبي(ص) مخول من اللّه تعالى بالتشريع بحسب رايه ونظره، وذلك قوله تعالى: (اناانزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك اللّه. ولا تكن للخائنين خصيما).

واذا ثبتت سلطة التشريع الاجتهادي للنبي(ص) في مجالات الفراغ التشريعي، فلا ريب في ثبوتها للامام المعصوم(ع)بما هو حاكم وولي امر الامة.

ولكن الكلام في: من هو مركز سلطة التشريع الاجتهادي، في عصر غيبة الامام المعصوم(ع)، عند الشيعة الامامية؟ ومن هو مركز سلطة التشريع الاجتهادي، في هذه المجالات، بعد عصر النبوة، في المذاهب الاخرى؟ المعروف بين الامامية - خاصة بين فقهاء عصرنا - ان هذه السلطة ثابتة للفقيه الجامع للشرائط. وهذا هو الظاهر من ادلة حجية فتوى الفقيه وحكمه، بلا فرق بين القول بالولاية العامة للفقيه في عصر الغيبة، او عدم القول بذلك والقول بولاية الامة على نفسها كما هو الصحيح على الظاهر من ادلة الولاية في عصر الغيبة ، فان الفقهاء - على هذا المبنى ايضا - هم المرجع التشريعي في مجالات الفراغ التشريعي.

ولكن الكلام يقع في ان سلطة الفقيه على التشريع في مجالات الفراغ، هل هي مطلقة تشمل الموضوعات الخارجية كتحريم المباحات (من قبيل تحريم الشيخ الشيرازي لاستعمال التنباك) والعلاقات (من قبيل تحريم التعامل مع اسرائيل) وتحديد الحريات (من قبيل الاوامر والنواهي التنظيمية في البناء والسير والزراعة والتجارة - حرية استيرادالسلع وتصديرها - وانجاب الاولاد، واستهلاك الماء والطاقة.. وامثال ذلك) والتصرف في النفس (من قبيل العمليات الجهادية الانتحارية، وهبة او بيع اعضاء الجسم لمن يحتاجها وامثال ذلك). او انها محدودة في خصوص التشريع المتعلق بالموضوعات الخارجية (من قبيل التنباك، واستهلاك المياه والطاقة، وغير ذلك). واما القضايا التنظيمية وقضاياالعلاقات، فتعود سلطة التشريع فيها الى اهل الخبرة؟ المعروف، انه بناء على ثبوت الولاية العامة للفقيه، فانه يتمتع بسلطة التشريع الاجتهادي في جميع مناطق الفراغ.

وفي هذا مجال للتاءمل والنظر، فان دليل هذا القول عند القائلين به هو ادلة حجية الفتوى والقضاء. وحيثية سلطته على التشريع الاجتهادي هنا كونه ولي الامر وحاكما وليس محض كونه فقيها، الا ان يقال: انه ولي امر وحاكم باعتباره فقيها،فلذا تكون الولاية على التشريع باعتباره فقيها ولي الامر، وعلى اي حال فانه ليس مطلق الصلاحية لذلك، بل لابد له من الرجوع الى اهل الخبرة في كل ما يتعلق بتنقيح موضوع الحكم من الموضوعات، وفي جميع القضايا التنظيمية وقضاياالعلاقات.

واما بناء على عدم ثبوت الولاية العامة للفقيه، وثبوت ولاية الامة على نفسها، فالظاهر انه لابد من الرجوع الى الفقيه في ما يتعلق بالحكم على الموضوعات الخارجية والتصرف في النفس لكن بقيد رجوعه الى اهل الخبرة كما ذكرنا .

واما قضايا العلاقات والتنظيم، فالظاهر ان الولاية على التشريع فيها للامة نفسها عن طريق ممثليها في هيئات الشورى،ولا تتوقف شرعية الاجراء التنظيمي والخاص بالعلاقات على فتوى الفقيه او حكمه بما هو فقيه، اما اذا كان هو احدممثلي الامة في هيئات الشورى، فلا ريب في دخالة رايه بهذا الاعتبار، وان كان الاحوط الاولى اعتبار رايه على كل حال.

5- وجه الفرق بين التشريع للموضوعات الخارجية وغيرها ووجه الفرق بين التشريع للموضوعات الخارجية وبين غيرها في لزوم الرجوع الى الفقيه، في الموضوعات والتصرف في النفس دون غيرهما، هو ان التشريع في الموضوعات بالاباحة والايجاب والتحريم من سنخ الحكم الشرعي الالهي على الموضوعات المنصوصة، ويكون التشريع فيها غالبا من نوع الحكم الثانوي. واما قضايا العلاقات والتنظيم، فهي بعيدة عن مفهوم الحكم الشرعي الالهي - وان كان فيها الزام وحظر - واقرب الى الامور الاجرائية التي ثبت من ادلة التشريع العليا والعامة ولاية الناس على انفسهم فيها حتى في عصر النبوة والامامة المعصومة، كتنظيم المدن، والسير،والمراعي، والسوق، وحفظ - او استيراد- مقدار الحاجة من المؤن وسائر السلع، والامتناع عن تقوية العدو، وحفظ الثروات العامة للعامة، وغير ذلك. وسياءتي في امثلة التشريع الولايتي في ما يسمى منطقة الفراغ التشريعي، ما يشهدلكون هذا النوع من الاوامر والنواهي ليس احكاما شرعية بالمعنى المصطلح، بل هو اجراءات ادارية وتنظيمية تستجيب لحاجات ادارية وتنظيمية تتغير بتغير الظروف والاحوال.

6- سنخ الحكم المشرع اصطلح بعض الباحثين على تسمية الحكم المشرع في مجالات الفراغ التشريعي ب «الحكم الولايتي» نسبة الى الولاية،باعتبار ان هذا الحكم يشرع من المعصوم(ع) - النبي او الامام - او من الفقيه في عصر الغيبة، باعتبارهم اولياء الامر، لاباعتبار النبوة او الامامة او الفقاهة المقتضية لحجية الفتوى والحكم. وهو الاعتبار الذي يقضي بالنسبة الى النبي(ص)والامام(ع) بكون احكامهما احكاما شرعية الهية واقعية، ويقضي بالنسبة الى الفقيه كون فتاواه واقضيته احكاما شرعية ظاهرية.

وهذا الاصطلاح- بالاعتبار الذي ذكرناه مناسب لهذا السنخ من التشريعات، خاصة اذا لاحظنا ما ذكرناه آنفا بالنسبة الى التشريعات المتعلقة بقضايا العلاقات وقضايا التنظيم، من انها بعيدة عن مفهوم الحكم الشرعي الالهي.

7- هل الفقيهرهيئة الشورى مشرع او مكتشف، مستنبط او مجتهد؟ بناء على التصويب ينبغي القول بكون الفقيه على القول بولايته العامة - مشرعا هنا وليس «كاشفا عن الحكم الشرعي الالهي»، اذ على جميع تقارير التصويب المتقدمة، فان ما يؤدي اليه ظن المجتهد هو الحكم الشرعي. بل ان الامر هنااخف مؤونة، لان الفقيه يظن بالحكم في مجال فراغ تشريعي على الفرض، فليس ثمة اشكال حتى بناء على تقريري التصويب المعتزلي، فضلا عن التصويب الاشعري.

وكذلك الحال اذا قلنا بولاية الامة على نفسها، فان (مجالس الشورى) اذا شرعت حكما تكليفيا او تنظيميا لشيء اولعلاقة او فعل او ترك، فانه يكون كذلك حكما شرعيا يثبت بالاجماع - على المصطلح عند المذاهب- (وهو المناسب للقول بالتصويب)، حيث ان الاجماع عندهم دليل مستقل في موازاة الكتاب والسنة.

ففي الحالتين - بناء على التصويب- يكون الحكم «مشرع» من قبل الفقيه او الامة، ويكون الفقيه او الامة «مشرع»لحكم اللّه، وليس كاشفا عن حكم اللّه في موارد الفراغ التشريعي.

واما بناء على التخطئة..

فان قلنا: باءن ما سمي منطقة الفراغ التشريعي داخل في القضية الكلية القاضية باءن «للّه تعالى حكما شرعيا ثابتا في واقع الامر لكل شيء وفعل وترك وعلاقة، ناشئا من وجود مصلحة تقتضيه او مفسدة تقتضيه، مشترك بين العالم والجاهل».

فعلى هذا لا يكون، ثمة، في واقع الامر، منطقة فراغ تشريعي، بمعنى عدم الحكم، بل تكون الاشياء والعلاقات والافعال والتروك في هذه المنطقة مجالا للتشريع الالهي الثابت لها، غاية الامر انه مما لا نص فيه بالخصوص او بالعموم والاطلاق في نطاق العمومات والمطلقات الواردة في بيان احكام متعلقاتها بعناوينها. ولكنه يبقى مجالا للاجتهاد وعمل المجتهد في البحث عن الحكم الواقعي الالهي استنادا الى ادلة التشريع العليا التي تقدم ذكر بعضها، والمجتهد، في هذاالمجال، يقوم بوظيفته في استنباط الاحكام بمقتضى ادلة حجية الفتوى ونفوذ حكم القاضي.

واما سلطة التشريع الاجتهادي بمقتضى ما قيل انه الدليل عليها - كما سياءتي - فعلى فرض تسليمها تدل على حجية فتوى المجتهد ووجوب طاعة الاحكام الشرعية، ولكن البحث عن - واستنباط- الحكم الشرعي هنا لا يتوقف على كون المجتهد «ولي الامر وحاكما سياسي»، بل ان هذه السلطة التشريعية ثابتة له بما هو «فقيه فقط» كماهو الشاءن في سائرموارد الاستنباط.

وان قلنا: ان الاشياء والافعال والتروك والعلاقات، في ما سمي منطقة الفراغ التشريعي، لا حكم لها في علم اللّه وفي الامر نفسه، ولذا فان كلية: «ان للّه في كل واقعة حكما...» لا تشملها، فان مؤدي ذلك عدم صدق هذه الكلية اصلا، ولايفيد تنزيلها على خصوص الوقائع والاشياء الماءلوفة والمتوقعة، لانها بذلك تكون - مهما اتسعت دائرتها - قضية جزئية لا كلية، لان مفردات ما يسمى منطقة الفراغ التشريعي، بعد وقوعها في الخارج وابتلاء المكلف بها، صارت حقائق موجودة، ولابد للمسلم من تشريع يسير على طبقة بالنسبة اليها، والمفروض انه ليس للّه فيها حكم.

وهذا يستلزم ايضا الا تكون الاحكام المشرعة لهذه الوقائع تابعة للمصالح والمفاسد في الامر نفسه، لعدم التشريع الالهي المقتضي لذلك، ولان نظر المجتهد لا يحيط بالمصالح والمفاسد الواقعية، لعدم علمه بحقائق الاشياءوالملاكات الواقعية للاحكام. هذا، فضلا عن ان الكلام بناء على التخطئة.

وعلى اي حال، فيقع الكلام في ان المجتهد هنا او الامة بناء على ولايتها على نفسها (مجلس الشورى رهيئة الشورى)«مشرع» للاحكام او «كاشف» عنها؟.

اما بناء على عموم كلية: «ان للّه في كل واقعة حكما..» لما يسمى منطقة الفراغ التشريعي، فان المجتهد- وكذلك الامة بناء على ولايتها على نفسها مستنبط وكاشف عن حكم اللّه تعالى المجهول في الامر نفسه للواقعة، من الادلة والاصول المناسبة لموضوع بحثه، ومنها العمومات والمطلقات التشريعية العليا، ومنها الاصلان الكبيران في علاقة الانسان بالطبيعة وعلاقة الانسان بالانسان. ففي نطاق اباحة كل شيء وكل فعل وترك وعلاقة بمقتضى ادلة تسخير الكائنات وخلقها للانسان، يمنع من كل ما ينطبق عليه عناوين المنكر والبغي والعلو في الارض والفساد فيها، ويرجع او يلزم كل ماهو عدل واحسان...

وفي نطاق استقلالية الانسان وسيادته وولايته على نفسه وعلى مصيره بمقتضى الاصل الاولي، يمنع من كل ولاية لغيره عليه الا ما اخرجه الدليل ، ولكن في القضايا التنظيمية للمجتمع والامة والعلاقات الداخلية والخارجية لهما، تلاحظ مصلحة المجتمع والامة في كل ما يتصل بسلامتهما وتقدمهما وقوتهما، فلا تطغى حرية الفرد وولايته على نفسه على مصلحة المجتمع والامة.

واما بناء على عدم عموم القضية الكلية المذكورة لما يسمى مناطق الفراغ التشريعي، فلا مناص من القول بكون المجتهد- والامة بناء على ولايته على نفسها - مشرع ومشرعة - من خلال مجالس الشورى للاحكام الشرعية في مفردات مناطق الفراغ، لفرض عدم وجود احكام مجعولة لها في الامر نفسه، والواقع من قبل اللّه تعالى، وانما ترك امرهاالى المجتهد او مجالس الشورى (الامة)، حتى بناء على شمول ادلة التشريع العليا لها وهو كذلك ، لانها محكومة بالاباحة او الحظر، فجعل حكم لها غير المجعول الاصلي يكون تشريعا لحكم لم يسبق جعله، وليس كشفا عن حكم مجهول.

ولا يخفى منافاة ذلك لمبنى المخطئة في اساس مذهب التخطئة، وفي بنائهم على ان الاحكام تابعة للمصالح والمفاسد، وهذا ما لا يمكن الالتزام به لاوله الى نقض ومخالفة المبنى الاعتقادي في الموردين (لكل واقعة حكم،وتبعية الاحكام للمصالح والمفاسد)، فيتعين القول بكون المجتهد (مجلس الشورى) مستنبطا ومكتشفا لحكم شرعي الهي مجعول في الامر نفسه، ولازم ذلك عدم وجود ما يسمى منطقة فراغ تشريعي بمعنى فراغ الواقع عن الحكم، كماان لازم ذلك عدم ارتباط سلطة التشريع (الاستنباط) الاجتهادي في ما يسمى منطقة الفراغ بكون المجتهد ولي الامر، بل هو يستنبط في هذا المورد كما في سائر الموارد باعتباره فقيها دل الدليل على حجة فتواه ونفوذ حكمه.

8- الدليل على سلطة التشريع الاجتهادي في منطقة الفراغ ذكر بعضهم ان الدليل التشريعي العقيدي على ثبوت سلطة التشريع للفقيه في ما يسمى «منطقة الفراغ التشريعي» عندالحاجة الى ذلك هو قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول واولي الامر منكم).

بدعوى: ان الفقيه بناء على ولايته العامة تجب له الطاعة بما انه ولي الامر، فاذا شرع حكما في منطقة الفراغ، باءن افتى اوحكم بحرمة او وجوب مباح، وجبت طاعته في ما افتى او حكم به.

ولكن هذا الاستدلال غير تام، فهو موقوف على كون المراد باءولي الامر في الاية الفقيه، وعلى ثبوت الولاية العامة للفقيه.ولو سلم كلاهما وهما موضع نظر، بل منع ، فلا تدل الاية الكريمة على ثبوت سلطة التشريع للفقيه، بل تدل على وجوب طاعته، وهذا اعم من طاعته في ما افتى به هو او افتى به غيره من الاحكام في منطقة الفراغ التشريعي، فلو لم يفت هو وافتى غيره وامر بمضمون فتوى غيره من الفقهاء وجبت طاعته باعتباره فقيها مستنبطا للحكم الشرعي الفرعي،وليس باعتباره حاكما سياسيا.

وقد عرفت ان الصحيح ان سلطة التشريع ثابتة للفقيه بما هو فقيه لا بما هو ولي الامر. وان الفتوى والحكم في ما يسمى منطقة الفراغ التشريعي ليست جعل حكم وتشريعه، بل هي نتيجة استنباط واكتشاف للحكم المجعول في واقع الامرمن الادلة الشرعية على حد الاستنباط والافتاء في سائر المجالات.

ولابد من مزيد من التاءمل والبحث في المقام.

9- امثلة على التشريع «الولايتي» في منطقة الفراغ التشريعي نذكر امثلة من التشريع «الولايتي» في ما يلي، وكلها مروية عن رسول اللّه(ص)، ولها نظائر مروية عن الامام علي(ع).وفي سيرة الخليفتين ابي بكر وعمر(رض) امثلة من هذا الباب:

1- فمن امثلة ذلك نهي النبي(ص) عن بيع الثمرة قبل نضجها، وقد ورد ذلك في رواية صحيحة السند عن الامام الصادق(ع): «انه سئل عن الرجل يشتري الثمرة المسماة من ارض، فتهلك ثمرة تلك الارض كلها؟ فقال: قد اختصموافي ذلك الى رسول اللّه(ص) فكانوا يذكرون ذلك، فلما رآهم لا يدعون الخصومة نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة، ولم يحرمه، ولكنه فعل ذلك من اجل خصومتهم».

فنهي النبي(ص) هنا من جهة انه ولي الامر الذي له ان يمنع من الحلال اذا دعت حاجة المجتمع الى ذلك. وصريح الرواية ان نهيه(ص) ليس حكما شرعيا الهيا حيث قال: «.. ولم يحرمه..»، بل هو اجراء تنظيمي واداري.

2- ومن ذلك ما روى عن الامام الصادق(ع)، قال: «قضى رسول اللّه(ص) بين اهل البادية انه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كل».

ومقتضى الجمود على النص هو تحريم منع فضل الماء وفضل الكلاء عمن يحتاج اليهما. فان التعبير ب «قضى» وظاهرالنهي المحكي، هو التحريم. ولكن المشهور بين الفقهاء هو عدم حرمة منع مالك الماء والكلا لما يفضل عن حاجته منهما، بل له ان يمنع ذلك عن غيره في غير موارد ضرورة غيره اليها.

وهذا يقتضي عدم الجمود على النص. وفهم النهي على انه اجراء تنظيمي لا انه حكم تحريمي، فقد كان المجتمع المسلم في عصر النبي(ص) في اشد الحاجة الى انماء الثروة الحيوانية والزراعية، فاءلزم - باعتباره حاكما وولي الامر -من يملك فائضا عن حاجته من الماء والكلا ببذله لمن يحتاجه لري زرعه ورعي ماشيته وسقيها.

3- ومن ذلك ما رواه علي بن جعفر(رض) عن اخيه الامام الكاظم(ع) في شاءن نهي النبي(ص) عن اكل لحوم الحمرالاهلية، قال: «ساءلته عن لحوم الحمر الاهلية، اتؤكل؟.

فقال: نهى عنها رسول اللّه(ص)، وانما نهى عنها، لانهم كانوايعملون عليها، فكره ان يفنوه».

4- ومن ذلك ما اخرجه كل من البخاري ومسلم، في صحيحيهما، عن ابن عباس قال: «لا ادري انهى عنه رسول اللّه من اجل انه كان حمولة الناس، فكره ان تذهب حمولتهم. او حرمه في يوم خيبر. يعني لحوم الحمر الاهلية».

5- وفي رواية اخرى اوردها البخاري عن عمرو بن دينار قال:

«قلت لجابر بن زيد: يزعمون ان رسول اللّه نهى عن حمرالاهلية. فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن ابى ذلك الحبر ابن عباس، وقرا: (قل لااجد في ما اوحي الي محرما على طاعم يطعمه).

10- مرونة الشريعة الاسلامية النص:

نسبية او اطلاقيته، حركيته او جموده لقد قيل: ان مشروعية التشريع في منطقة الفراغ تجعل الشريعة الاسلامية مرنة وقادرة على التكيف مع الحاجات المتجددة للمجتمع ومع التغيرات الطارئة عليه.

اقول: هذا الكلام يعبر عن فكرة سائدة حكمت تفكير الاسلاميين وبعض الفقهاء في العصر الاخير. وهي فكرة دفاعية تبريرية، نشاءت من رغبة في التوفيق بين الشريعة الاسلامية وواقع الحياة والمجتمع في صيغتهما الغربية التي طبعت حياة المسلمين ومجتمعاتهم بطابعها.

وهي فكرة تنطلق من اساس خاط ىء، وهو ان الشريعة ينبغي ان تكون مرنة لتتكيف مع الواقع، وتفترض لحل اشكال«التكيف» حلا غير صحيح.

اما خطاء الاساس، فهو من جهة ان الشريعة لم توضع «لتكيف» نفسها مع نسق حياة منطقة تقودها افكار ومفاهيم وخيارات وضرورات ناشئة من ثقافات اخرى ومن شرائع اخرى كما هو الشاءن في اوضاع المسلمين بالنسبة الى نمط الحياة الغربي ، فيطلب من الشريعة الاسلامية ان تكيف نفسها وفق هذا النمط وافكاره ومفاهيمه وخياراته وضروراته،ليبقى المسلمون مسلمين وليصوغوا في الوقت نفسه حياتهم وفق نمط الحياة الغربي. بل وضعت الشريعة لتصوغ هي حياة المجتمع وفق مفاهيمها وافكارها، ولتكيف حياة المجتمع والانسان على اساس هذه المفاهيم، فيتحقق من ذلك«التطابق» بين الافكار والمفاهيم في العقيدة والتشريع، وبين السلوك والممارسة في الحياة الاجتماعية وعلاقات الانسان بالمجتمع والطبيعة والعالم، فتكون الشريعة قد ادت مهمتها في «صنع نمط» حياة الانسان والمجتمع.

ولا تكون حياة المسلمين «نسخة» عن حياة غيرهم، بل تكون تعبيرا اصيلا عن «مضمونهم» الداخلي الفكري والعقيدي والاخلاقي والجمالي.

واما خطاء الحل المفترض، فهو ارتكازه على فكرة «منطقة الفراغ التشريعي»، مع حصر سلطة التشريع الاجتهادي في الفقيه المتولي للحكم بناء على ولاية الفقيه العامة.

والخطاء في هذا الحل المفترض من وجوه:

الاول: فكرة «منطقة الفراغ التشريعي» من اساسها، فقد عرفت ان هذه الفكرة ليست صحيحة بالمعنى الذي يبدو انه يرادمنها. واما بمعنى المبدا الاصولي الفقهي الذي ينطبق على اساسه «الحكم الثانوي» على موارد «الحكم الاولي»، فهي مبدا اساس في الشريعة وفي النظر الاجتهادي وفي الاستنباط، ولا تنحصر في دائرة ما يسمى منطقة الفراغ التشريعي.