في راينا ان هذا الفشل هو نتيجة للانصراف عن النهج السديد
في فهم مرامي كتاب اللّه عز وجل. ذلك النهج الذي يتلخص
في اعتماد التدبر ونبذ التاءويل. وفي رد المتشابه الى المحكم.
على ما بيناه في مقالتنا الانفة الذكر. والاعتمادبدلا عن ذلك
اعتمادا كليا على كتب التفسير. على ما فيها من نقص، وعلى ما
خالطها احيانا من سذاجة، وعلى ماداخلها من اختراقات مريبة،
اسرائيليات وغيرها. فضلا، بل اولا، على اختلاف مناهجها
ومدارسها واغراض مؤلفيها،ولونهم الفكري، بحيث اننا نكاد نقرا
في مكتبة التفسير التيارات الفكرية المتخاصمة، وتاءثيرها على
فهم النصوص القرآنية، اكثر مما نقرا المعنى القرآني. الامر الذي
يعكس اتجاه التاءثير، ويجعل القرآن ميدانا للافكار الجاهزة
مسبقا. فمن هنا نقول: ان الاعتماد على كتب التفسير اعتمادا
كليا، وفي غير سياق التدبر، هو هروب من المهمة التي ندبنا
اليهاالمولى سبحانه في قوله: (افلا يتدبرون القرآن ام على
قلوب اقفالها) (محمد/24) واغلاق للمعنى القرآني على ما
انتهى اليه الاسلاف. ولو ان اهل القرآن امتثلوا وتدبروه، لما
بقيت مساءلة الانزال والتنزيل مطوية، وهي التي يطرحها كتاب
اللّهضمنا في العشرات من آياته الكريمة.
ثم ان هناك سببا آخر يدعونا الى تخصيص هذا الموضوع الان
بالكتابة. هو هذه النابتة الجديدة، التي تزعم ان كتاب اللّهوحي
بمعانيه. اما اللسان، اي اللغة والصيغة والسبك، فهو بشري.
((هذا اللسان ليس الا لسان بشري)). ونفهم من هذاالكلام، ان
القرآن، فيما يزعم، كان يتنزل على النبي صلوات اللّه عليه
وعلى آله وحيا. لكن ما كان يبلغه للناس، وما تلاه المسلمون
ونتلوه نحن اليوم، ليس الوحي بذاته. بل ما كان يعيه النبي منه،
ثم ما كان يصوغه بعد وعيه، بلغته البشرية العربية الحجازية.
وهذا كلام جديد. يتفق الجميع على بطلانه، سواء المسلمون
وغيرهم، وان لاسباب مختلفة. يبدو ان قائله اقتفى فيه اثر
العقيدة المسيحية. التي تقول في الانجيل مقالة مماثلة. ابتغاء
التخلص من ماءزق اختلاف رواياته،المنسوبة الى تلاميذ السيد
المسيح عليه السلام. وليس مثل هذا الخلط بين المشكلات
والحلول بالامر الجديد علينا.فكثيرا ما كانت الحلول التي
يبتدعها الغربيون لمشاكلهم الحضارية والثقافية، تستورد الينا،
مقطوعة عن ارضها ومناخهاومنبتها. لا تصادف تربتها المناسبة
فتحيا، ولا يقضى عليها فتموت. لتغدو عندنا مشكلات مزمنة.
تخترق بنيتنا الفكرية والثقافية الصلبة وتضعف تماسكها. وهذا
هو المقصود.
(2) غاية البحث ومنهجه
غايتنا من البحث فهم علة التمايز، الذي يوحي به، ويوجب
البحث عنه، اختلاف الصيغتين، لمادة منتشرة في
القرآن،وتتصل بوصوله الينا من عند اللّه. اذن، فهي تتصل، من
هذه الزاوية، بعموم القرآن الالهي - الانساني. الالهي
مصدرا،الانساني موردا ولغة. وهو سبب كاف لمعالجة الموضوع.
نريد ان نفهم مغزى الاختلاف بين ((الانزال)) و ((التنزيل))
ومعناه، وبناء تصور مستخرج من القرآن نفسه
للمفهومين.متبعين في سعينا الى غايتنا منهج التدبر ورد
المتشابه الى المحكم. ثم فهم عمقه، اي عمق المعنى، في
التصور القرآني للقرآن، استنادا الى قاعدة عدم الاختلاف التي
ترشد اليها الاية الكريمة: (افلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند
غير اللّهلوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (النساء/81). التي تستند
وتشير الى صلابة التفكير القرآني ووحدته وتكامله. بحيث ان
اي عنصر من عناصر هذا التفكير لابد ان يجد المتدبر ما يكمله
او يناسبه او يوضحه او يت آلف معه في كافة العناصرالاخرى.
والتصور الذي نسعى اليه، ان وفقنا الى بنائه، سينير نقطة
واسعة وهامة مما ينبغي للمسلم معرفته عن كتابه.هو، فيما
ندعي، مكنوز ومذخور لمن يعرف كيف يصل اليه ويستخرجه.
وانني لاتهيب، اذ اصل الى هذه النقطة مما نقدم به لاساس البحث، ان يخطر لقارىء انه من التدقيق غير المفيد او
غيرالضروري. خصوصا واننا لا نجد في القرآن معالجة مستقلة
لهذه المساءلة. وان الدراسات القرآنية البالغة الكثرة لم
تخصهابالدراسة. وهي التي لم تترك كبيرة ولا صغيرة الا
احصتها، او وضعت عليها الدراسات والبحوث.
من جهتي ساءترك للبحث ان يجيب. وللقارىء بعد ان يحكم.
لكنني ساءقول الان على سبيل العجالة وتنظيم التفكير،
اذانجحنا في معالجة المساءلة استنادا الى صريح القرآن، ثم
وصلت بنا المعالجة الى نتيجة جديدة، فهذا دليل لا
يدحض وفي غاية الوضوح على انه من تخومه، اي تخوم القرآن.
طبقا للحديث الشريف عن الامام الصادق، عن ابيه عن آبائه،عن
رسول اللّه صلوات اللّه عليه وعليهم: ((... له اي القرآن تخوم،
وعلى تخومه تخوم)). ويفسر في الوقت نفسه لمن يتساءل، لماذا
لا نجد في القرآن معالجة مستقلة للمشكلة في آياته. انها من
التخوم التي علينا ان نسعى سعيا الى ولوجهاواستخراج خبيئها.
ولن تاءتينا عفوا ودون جهد.
هذا، فضلا عن ان من نتائج البحث المباشرة، الجواب على
الزعم المشار اليه اعلاه. القائل ان لسان القرآن لسان بشري.وهو
زعم في منتهى الخطورة. قاله من قاله دون دليل. ونحن
نعتقد انه، اي الزعم، يتصل بخطة اغلاق الينابيع، التي يغترف
منها المسلم الثابت. ولا مراء في ان تقديم الدليل على ان
القرآن وحي كله، بمعانيه ولسانه، هو بعد هذا الزعم بمثابة
الدفاع عن حصون الاسلام. وهي نتيجة، ان وفقنا الى الفوز بها،
تعزز وجاهة البحث.
(3) الانزال
ذكر الانزال معنيا به القرآن فيه مرات كثيرة جدا، بصيغ
مختلفة (نزل، اءنزل، انزل، انزلنا). ومن الواضح انه لا
فرق،بالنسبة لاساس المعنى، بين هذه الصيغ. المعنى الذي
تتقاطع عنده جميعها هو الانزال، بوصفه حركة من العالي
الى الداني، حدثت دفعة واحدة.
الامر الجامع الذي نستخرجه من تدبر جميع الايات التي ورد
فيها ذكر الانزال يتاءلف من العناصر التالية:
الاول: انه تعالى انزل القرآن دفعة واحدة، مثلما انزل الكتب من
قبل على انبيائه السابقين (... وانزل التوراة والانجيل من قبل
هدى للناس وانزل الفرقان) (آل عمران/3و4) (لقد ارسلنا
رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب) (الحديد/25).
الثاني: ان انزال القرآن كان بالعربية (اءنزلناه قرآنا عربيا)
(يوسف/2 طه/113) (اءنزلناه حكما عربيا) (الرعد/37)
(وكذلك اوحينا اليك قرآنا عربيا) (الشورى/7).
الثالث: ان الانزال كان على نبيه محمد صلى اللّه عليه وآله
(وانزل اللّه عليك الكتاب) (النساء/113) (اءنزل على
عبده الكتاب) (الكهف/1) (انزلنا اليك الكتاب) (النساء/105)
(كتاب انزلناه اليك) (ابراهيم/1).
الرابع: ان الانزال حدث، بحسب الزمان، في ليلة القدر (انا
انزلناه في ليلة القدر) (القدر/1) (انزلناه في ليلة
مباركة)(الدخان/3) وهي ليلة من ليالي شهر رمضان (شهر
رمضان الذي انزل فيه القرآن) (البقرة/185).
الخامس: ان الذي نزل بالقرآن هو الروح الامين (نزل به الروح
الامين) (الشعراء/193).
واذا وضعنا هذه العناصر الخمسة في جملة واحدة، فيمكن ان
تكون: ان اللّه تعالى انزل القرآن على نبيه بالعربية دفعة واحدة
في ليلة القدر، نزل به الروح الامين.
ونجد هذه العناصر، عدا الزمان، مجتمعة في قوله تعالى: (نزل
به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربي
مبين) (الشعراء/193- 195).
(4) التنزيل
اما التنزيل فان ذكره يرد في القرآن ايضا مرات كثيرة جدا،
وبصيغ مختلفة (نزل، نزلنا، نزله، ننزله، نزل). اساس
المعنى فيه، الذي تتقاطع عنده جميع هذه الموارد، ان تنزيل
القرآن حدث على دفعات كثيرة غير محددة العدد.
وبتدبر جميع الايات التي ورد فيها ذكر التنزيل، نجد ان الامر
الجامع الذي نستخرجه منها، يتاءلف من العناصر التالية:
الاول: ان المولى سبحانه نزل القرآن نجوما على دفعات (وقرآنا
فرقناه لتقراه على الناس على مكث ونزلناه
تنزيلا)(الاسراء/106) (وما ننزله الا بقدر معلوم) (الحجر/21)
(وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة)
(الفرقان/(32)ينزل على عبده آيات) (الحديدر9). وهذه ابين
الايات على معنى الدفعات. ولكننا قلنا ان كلمة التنزيل،
بكافة اشتقاتها، تدل على ذلك، دونما حاجة الى تنصيص
اضافي.
ولنتاءمل، هنا، في مطلع الاية الاولى: ((وقرآنا فرقناه...)) التي
يفهم منها المتدبر ان القرآن كان مجموعا ففرقه باريه.
اذالضمير في قوله: ((فرقناه)) راجع الى القرآن دون ادنى ريب.
ولو انه قال، مثلا، وقرآنا فرقنا نزوله لاختلف المعنى.وليحتفظ القارىء بهذه الملاحظة في ذهنه لصلتها بما يلي من البحث.
الثاني: ان التنزيل كان ايضا على النبي صلوات اللّه عليه وآله،
كما كان النزول. (نزل عليك الكتاب) (آل عمران/3)
(نزلناعليك القرآن) (الدهر/23) (نزل الفرقان على عبده)
(الفرقان/1).
الثالث: ان الذي نزل القرآن على النبي هو روح القدس (قل
نزله روح القدس من ربك) (النحل/102) وهو جبريل (قل
من كان عدوا لجبريل فانه نزله على قلبك) (البقرة/97).
واذ وضعنا هذه العناصر الثلاثة في جملة واحدة، فيمكن ان
تكون:
ان اللّه سبحانه نزل القرآن على نبيه مفرقا، نزله روح القدس.
(5) مقارنة ومغزى
الانزال التنزيل
دفعة واحدة مفرقا
بالعربية لا ذكر للغة التنزيل
على النبي على النبي
في ليلة القدر دون تحديد
نزل به الروح الامين نزله روح القدس
ان المغزى الاساسي الذي نستخرجه من هذا السبر الكامل، او-
نقول تحفظا - شبه الكامل، للايات المتعلقة بمشكلة البحث، هو
ان انزال القرآن غير تنزيله. اي انه انزل ونزل في حدثين
منفصلين. حتى ان الذي نزل به من عند اللّه هو غيرالذي نزله.
وبحيث يقال بالدقة وقت نزوله. ويتعذر مثل ذلك بالنسبة
لتنزيله، لانه حدث في آنات متعددة جدا. ولكن كلا الانزال
والتنزيل كان على النبي. اما التنصيص على ان النزول كان
بالعربية، والسكوت عن ذلك بالنسبة للغة التنزيل،فهو ذو
مغزى عميق جدا. لا يفي ببيانه تدبر الايات التي فيها ذكر
الانزال والتنزيل.
اذن، فلابد من العدول هنا عن قاعدة التدبر، واللجوء الى قاعدة
عدم الاختلاف المكملة لها. وبالفعل وجدنا الجواب-المغزى
غير بعيد، ولكن تحت عنوان آخر ومفهوم مختلف، هو مفهوم
الاحكام التفصيل.
(6) الاحكام والتفصيل
والاحكام من اوصاف القرآن لنفسه. ولكنه من الاوصاف النادرة
جدا، بحيث انه لم يرد فيه وصفا لعموم القرآن الا مرة واحدة.
وذلك في قوله تعالى: (الر كتاب احكمت آياته ثم فصلت من
لدن حكيم خبير) (هود/1). ويقول السيدالطباطبائي اعلى اللّه
مقامه في (الميزان: 3/12): ان ((المراد بالاحكام بيان حالة من
حالات الكتاب كان عليها قبل النزول.هي كونه واحدا لم يطرؤ
عليه التجزؤ والتبعيض)). وهذا كلام متين، يؤيده التدبر، اذا
كان المقصود به وصف عموم القرآن قبل النزول. ولكن القرآن
يصف سورة وآياته ايضا بالاحكام (... منه آيات محكمات هن ام
الكتاب واخر متشابهات) (آل عمران/7). (ويقول الذين آمنوا
لولا نزلت سورة فاذا انزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال...)
(محمد/20). ومن الواضح ان السور والايات هي من ابعاض
القرآن، ومن حالاته بعد النزول، بل بعد التنزيل، كما سياءتيك
بيانه.
والذي نراه، بعد التدبر، ان للاحكام معنى عاما. ليس هو الا
المعنى الذي نجده في اصل اللغة. الذي يعني الاتقان والمتانة
وجودة البناء وما الى ذلك. تقول: احكمته فاستحكم، اي جعلته،
بالجعل البسيط، متقنا لا عيب فيه ولا نقص.والمعنى الخاص
لاحكام القرآن قبل النزول، ومقابله التفصيل، هو ما نقلناه عن
السيد الطباطبائي اعلاه، وهو لا يرد الاوصفا لعموم القرآن. اما
احكامه بعد النزول، ومقابله التشابه، فهو ان يكون بينا، لا
يحتمل اكثر من معنى. وهو وصف للايات والسور. اذن، فالاحكام
بالمعنى الاول يتعلق بالتركيب. اما بالمعنى الثاني فانه يتعلق
بالمعنى. وغني عن البيان،بعد هذا، ان الاحكام سابق على
التفصيل. وهو، على كل حال، صريح قوله تعالى: (كتاب
احكمت آياته ثم فصلت...)لما في معنى ((ثم)) من الترتيب
بانفصال.
وللتفصيل ايضا معنى عام، هو التوضيح والبيان. وخلافا
للاحكام، فان القرآن يستعمل الكلمة كثيرا في غير الكلام
عن نفسه (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات
البر والبحر، قد فصلنا الايات لقوم يعلمون. وهو الذيءنشاءكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع، قد فصلنا الاياته
لقوم يفقهون) (الانعام/97 و98) (وهو الذي جعل الشمس
ضياءوالقمر نورا، وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب،
ما خلق اللّه ذلك الا بالحق، يفصل الايات لقوم
يعلمون)(يونس/5). واقرا الايات: (الانعام/126 والاسراء/12
والرعد/2) ف ((التفصيل في هذه كلها هو بالمعنى العام
الذي ذكرناه، اي التوضيح والبيان)).
اما التفصيل، وصفا للقرآن، فانه يعني نقله من صورته الاصلية
الى اللغة التي نزل بها، اي جعله عربيا. (كتاب فصلت آياته قرآنا
عربيا) (فصلت/3) (ولو جعلناه قرآنا اعجميا لقالوا لولا فصلت
آياته، اءاءعجمي وعربي، قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء...)
(فصلت/44). ومن الواضح ان جعله عربيا، او نقله الى اللغة
العربية، هو بالنسبة للعرب، وتاليا بالنسبة الى جميع البشر،
ايضاح وبيان له وتيسير، او بحسب لغة القرآن تفصيل. بعد ان
كان في حالته السابقة، اعني قبل النزول، علياعليهم.
وجماع هذا المعنى هو في قوله تعالى: ((... كتاب احكمت آياته
ثم فصلت...)) مضمومة الى قوله: ((كتاب فصلت آياته قرآنا
عربيا...))، التي كاءنها في مقام البيان لما اتى مجملا من معنى
التفصيل في سابقتها. وهذا مثال مشرق على جدوى منهج
التدبر. بالمعنى الذي بيناه في مقالتنا السابقة الذكر، المنشورة
في مجلة ((المنهاج)) . حيث اكدنا هناك على ضرورة استقراء
جميع الموارد المتصلة بما نتاءمل فيه. فالمعاني القرآنية تكون
سيالة في معاني اخرى. بحيث تترابط جميعهاوتتلازم لترجع
الى حقيقة واحدة، لا تنكشف الا باستقراء تنويعاتها في الكتاب.
(7) الكتاب وام الكتاب
واذا رغبنا في ان نغوص في هذا المعنى بمختلف وجوهه الى
ابعاد اكثر عمقا، اي ان ننتقل الى التخم الذي وراءالمحكم
والمفصل، على حد الحديث النبوي، الذي سبقت لنا رواية قسم
منه في اوليات هذا البحث، لوصلنا الى((الكتاب)) و ((ام
الكتاب)).
و ((الكتاب)) مما يسمى القرآن به نفسه. والامثلة على ذلك
كثيرة جدا. على انه قد يريد به ايضا الكتب التي انزلها
على انبيائه السابقين. ((واهل الكتاب)) من الاضافات القرآنية
المعروفة. والاطلاقان مجتمعان في قوله سبحانه: (وكذلك
انزلنااليك الكتاب، فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به..)
(العنكبوت/47). والى جانب هذين الاطلاقين الاساسيين،
نجداطلاقا ثالثا نادرا، هو ما في قوله تعالى: (... لكل اجل كتاب)
(الرعد/38). ولا علاقة له ببحثنا.
والظاهر ان اسم ((الكتاب)) يراد به الاشارة الى الوحدة التي
يتصف بها القرآن. وحدة التفكير، ووحدة الاسلوب والصياغة،
ووحدة المنهج، ووحدة الغاية... الخ. اي، بكلمة، وحدة
الشخصية. دون ان يعني ذلك بالضرورة مجموعابين دفتين،
على نحو ما نعرفه من الكتب، كما يحاول بعض اهل التفسير ان
يقولوا. فمن الثابت ان الايات التي ورد فيهاذكر ((الكتاب))،
معنيا به القرآن، قد نزلت قبل ان يتتام ويتكامل كما نعرفه. وان
يكن اسم ((الكتاب))، من الجهة الاخرى،دليل على الاتجاه
الذي كان ينهد اليه المشروع، الذي كان يتلقاه المسلمون آيات
آيات.
اما ((ام الكتاب)). فالظاهر من تدبر الايتين اللتين ورد فيهما،
انه يعني حالته ومصدره قبل نزوله. اي قبل ان يجعله
منزله تبارك وتعالى بلغة البشر. والتعبير يستعير معنى الام، وما
يوحي به من ولادة وانجاب. فكاءن هذا القرآن كما نعرفه، بكل ما
فيه من سور وآيات وكلمات وحروف، وبكل ما اشتمل عليه من
معان وموضوعات، كان حقيقة واحدة ترجع اليها كل الحقائق
التي يزخر بها. (انا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون. وانه فيءم
الكتاب لدينا لعلي حكيم) (الزخرف/3و4).وعلى هذا، فان
القرآن: (الكتاب) قد جعله اللّه عربيا، رجاء وابتغاء ان يعقله
البشر، بعد ان يسر فهمه لهم بلغتهم. ولكن اصله ومصدره
موجود في ((ام الكتاب)) عند اللّه سبحانه. حيث هو اعلى من
ان يناله فهم البشر، وحيث هو متصف بالحكمة المطلقة. اي
متصف بالتطابق الكامل بين وسيلة حفظ المعرفة، اي ما يقال
اللغة عند البشر، وبين الحقيقة الكاملة المذخورة فيه. وهي
حكمة لم ياءخذ منها عجز لغتنا البشرية عن التصوير الكامل
للحقيقة والواقع. لان لغتنا هي في النهاية، ومهما تكن درجتها
من البلاغة، وعاء خبراتنا عن البشر. وهي بالتالي عاجزة عن
التعبير عما هو وراء هذه الخبرات. اما وسيلة حفظ المعرفة عند
الباري، ايا تكن ويكون اسمها، فانها تتطابق فيها الحكاية
وموضوعها تطابقا كاملا.ولكن هذا البحث تخم من تخوم القرآن
وراء الذي نحن فيه. يخرج بنا الكلام فيه عن عمود الموضوع
وغايته.
ويفهم من الاية الثانية، التي فيها ذكر ((ام الكتاب))، ان ((ام
الكتاب)) ليس مصدر القرآن فقط، بل مصدر كل محو
واثبات.(وما كان لرسول ان ياءتي بية الا باذن اللّه، لكل اجل
كتاب. يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب) (الرعد/38
و39).الحوار الداخلي في هاتين الايتين يدور بين ((الكتاب)) و
((ام الكتاب)) بوصفهما درجتين للاجال والمواقيت التي
يقضيهااللّه تعالى، محوا واثباتا. اما في الايتين اللتين قبلهما،
فهو بين القرآن : (الكتاب) وبين ((ام الكتاب))، بوصفهما
حالتين للقرآن، الاولى قبل النزول والثانية بعده. لكن الظاهر ان
الام في الايتين هي نفسها. بما تعنيه من استعارة لمعنى الام،
وماتوحي به من ولادة وانجاب. كما قلنا آنفا.
يبقى، ونحن نبحث مفهوم ((ام الكتاب))، ان نذكر المورد
الثالث للكلمة. (هو الذي انزل عليك الكتاب، منه
آيات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات. ..) (آل
عمران/7). من الواضح، هنا، ان الاية تتحدث عن القرآن
المنزل.والظاهر ان وصف الايات المحكمات، اي التي لا تحتمل
الا معنى واحدا، باءنها ((ام الكتاب)) هو من قبيل
المجاز.بمناسبة انها اقرب ما يكون الى الواقع الاصلي المذخور
في مصدره ((ام الكتاب)). او انها مرد الايات المتشابهة. الكتاب
:(القرآن) هنا هو نفسه ((ام الكتاب))، ولا تقابل بين مفهومين
مختلفين، كما لاحظنا في الايتين السابقتين. الحوار
الداخلي يعود بنا الى مفهومي المحكم والمتشابه. وعلى كل
حال فان الاية تفسر نفسها بنفسها. ولا حاجة، بالنسبة لما نحن
فيه،للوقوف عليها باءكثر مما قلنا.
(8) خلاصة ونتائج ما من قارىء حصيف يرتاب، بعد هذا، في ان القرآن قد اوحي به
الى النبي صلوات اللّه عليه وآله على نحوين:
دفعة واحدة، يعبر عنها القرآن ب ((الانزال)) بمختلف
اشتقاقاتها.
على دفعات، وفقا للمقتضى والحاجة، يعبر عنها القرآن ب
((التنزيل))، بمختلف اشتقاقاتها ايضا.
هذه النتيجة تحل مشكلات كثيرة جدا، بالنسبة لتالي القرآن
تلاوة متدبر، بعدد الايات التي ورد فيها ذكر ((الانزال))
وذكر((التنزيل)). فضلا عن مشكلات اخرى تتعلق بمفهوم
القرآن، والخطاب به وتلقيه، مما المحت اليه آيات الكتاب
بشكل اوبخر. وانني اعتقد جازما ان متدبرها سيفهمها الان
فهما جديدا.
ومن اهم النتائج التي يخلص اليها الباحث المتدبر، من معالجة
هذه الموضوعات المتلازمة المتراكبة، اننا امام
مفهومات متقاطعة: انزال - تنزيل، محكم - مفصل، الكتاب- ام
الكتاب. كلها ترجع الى حقيقة واحدة وواقع واحد. الكتاب
هوالمفصل، وهو الذي كان موضوعا للانزال ثم للتنزيل.
والمحكم هو نفسه ام الكتاب او ما صدر عن ام الكتاب قبل
الانزال وبالتالي قبل التنزيل.
هذه النتيجة هي دليل ساطع على عظمة المنهج الذي وضعه
القرآن للمؤمنين، ليهتدوا به، وهم يبحثون فيه عن
الحقيقة التي ضمها، ذلك المنهج الذي يتاءلف من عنصرين:
التدبر وعدم الاختلاف. وقد جاءت الاشارة اليه بعنصريه في
قوله تعالى: (افلا يتدبرون القرآن، ولو كان من عند غير اللّه
لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (النساء/82).
النتيجة الثانية، وهي تقابل السبب الاخر الذي دعانا للكتابة
الان في هذا الموضوع، كما اشرنا في اوليات البحث، هي
ان القول باءن القرآن وحي بمعانيه دون الفاظه، ليس فقط
كلاما بدون دليل، كما لاحظنا سابقا، بل هو، بعد البحث،
كلام بعكس الدليل. فقد تبين لنا الان ان القرآن ينص على انه
انزل، او نقل من المحكم الى المفصل، او من ام الكتاب
الى الكتاب، عربيا باءلفاظه. الا ان يكون القائل مفكرا لاصل
الوحي ولاصل التنزيل. وهو ما رايناه يحرص على نفيه
تكرارابشدة.
هذا، ومن الممكن ان نضيف عدة نتائج اخرى. ولكن ذلك سيؤدي الى تكرار ما قلناه سابقا.
ويمكن للقارىء ان يستخرجها بنفسه دون ادنى صعوبة. خصوصا القارىء الذي يعرف جيدا
بعض المشكلات الوهمية التي تخبط فيهاالمفسرون. مع ان
القرآن اوضحها بما لا يترك مجالا للشك وللخروج عن سبيله. ولم يكن عليهم الا ان يتبعوا المنهج الصحيح. السيد جعفر مرتضى العاملي الخطاء في فهم النصوص
اننا حين نقرا نصوصا كتبها، او قالها، غيرنا فقد نفهمها على
حقيقتها، ونقف على المراد منها، كما لو كنا نحن الذين
كتبناهااو قلناها. وقد نقع في الخطاء في ذلك.
ويتمثل هذا الخطاء في عدة حالات: فقد يتمثل في مجانبة
الحقيقة الى غيرها بصورة كاملة احيانا، او جزئية احيانااخرى،
وذلك بسبب القصور عن نيل المراد منها، او لاي سبب آخر
ينشاء عنه ذلك.
وقد يظهر هذا الخطاء بصورة تضخيم المراد، وتجاوزه الى غيره،
الى درجة لا تقل في خطورتها وسوئها عن مجانبة المعنى
نفسه، والابتعاد عنه الى غيره.
وقد يتجلى ذلك، في ما نجده لدى بعض الباحثين من اصرار
على الاخذ بحرفية جانب من النص، والاباء الشديد عن الاخذ
بنظر الاعتبار ما يكتنفه من حدود وقيود، وذلك رغبة منه في
تاءكيد معنى، او مفهوم، يسعى الى تاءكيده وترسيخه في
الاذهان بصورة خفية وذكية.
وعدا عن جميع ذلك، فاننا نجد لدى آخرين اهتماما بالموارد
المتشابهة التي يحتاج فهمها الى الرجوع الى الراسخين في
العلم من اهل بيت العصمة، عليهم السلام، فيحاول هؤلاء
اثارتها بصوت عشوائية ليغرقوا الناس في بحر من الشبهات التي
تبعدهم عن الهدى وتصدهم عن الرشد.
وهذا هو الاسلوب الذي يتبعه اهل الزيغ، ومثيروا الفتنة، الذين
جاءت الادانة الصريحة لهم في كتاب اللّه سبحانه حيث يقول:
(منه آيات محكمات هن ام الكتاب، واءخر متشابهات. فاءما
الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة،وابتغاء
تاءويله، وما يعلم تاءويله الا اللّه والراسخون في العلم، يقولون:
آمنا به كل من عند ربنا. وما يتذكر الا اولواالالباب).
وقد جاءت النصوص العديدة لتؤكد على ان في الحديث الشريف
ايضا - كما في القرآن - ناسخا ومنسوخا، ومحكماومتشابها،
وخاصا وعاما.
وثمة فريق آخر من الناس، ما اسهل عليه ان يبادر الى رفض
النص، والحكم عليه بالتحريف تارة، والتزوير والاختلاق اخرى،
واظهار البراءة من عهدته باءسلوب اثارة الشبهة في ثبوته ثالثة.
انه يفعل ذلك لانه عجز عن تبريره وتوجيهه، وفقاللنهج الذي
ارتضاه لنفسه، غير ملتفت الى ان قصوره هذا لا يبرر له
التشكيك بثبوت النص، او بسلامته من التحريف.
وانما قلنا: ((وفقا للنهج الذي ارتضاه لنفسه)) لادراكنا ان كثيرا
من النصوص القرآنية والحديثية الواردة عن المعصومين،يحتاج
فهم المراد منها الى الاعتماد على خلفيات فكرية، وسوابق
ذهنية، من شاءنها ان تتحكم في مسارها، وتحدد
نقطة الانطلاق والارتكاز منها وفيها، وتخرجها - من ثم - عن
دائرة الاجمال والترديد، لتضعها في دائرة الوضوح
والتعين والتحديد.
كما ان هذه الخلفيات تساعد على معرفة الحدود التي ينتهي
اليها النص ويقف عندها وتفصح عن امتداداته وغاياته،فتحصنه
عن القصور والتقصير في شموليته وانحساره على حد سواء.
فاذا كان ثمة خلل او نقص في تلك الخلفيات فلسوف يؤثر ذلك
على فهم النص بصورة سليمة وقويمة.
واما رد الروايات بالاحتمالات العقلية، فهو غير صحيح ولا
مقبول. الا اذا صادمت الرواية الحكم العقلي القاطع والصريح.
مثال على ما تقدم
ونحن نشير، هنا، الى واحد من هذه النصوص التي ربما يقف
عندها او يتحير فيها، او يخط ىء بعض الناس في فهم المراد
منها.. للاسباب المختلفة التي اشير الى بعضها، وهو النص
التالي:
((عن علي بن الحسن المؤدب، عن احمد بن محمد بن خالد،
واحمد بن محمد، عن علي بن الحسن التيمي، جميعا
عن اسماعيل بن مهران، قال: حدثني عبداللّه بن الحارث، عن
جابر، عن ابي جعفر عليه السلام، قال:
خطب امير المؤمنين الناس بصفين وذكر خطبته فكان مما
قاله عليه السلام: ((فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة،
ولاتتحفظوا مني بما يتحفظ به عند اهل البادرة، ولا تخالطوني
بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي.
ولاالتماس اعظام لنفسي لما لا يصلح لي، فان من استثقل
الحق ان يقال له، او العدل ان يعرض عليه، كان العمل بهما
اثقل عليه.
فلا تكفوا عني مقالة بحق، او مشورة بعدل، فاني لست - في
نفسي - بفوق ما ان اخط ىء، ولا آمن من ذلك من فعلي، الاان
يكفي اللّه من نفسي ما هو املك به مني، فانما انا وانتم عبيد
مملوكون الخ..)).
الطعن الخفي، والذكي
وقد اعتبر بعض الباحثين ان هذا النص يكاد يكون صريح الدلالة
على امكان وقوع الخطاء من المعصوم عليه السلام،ولتلطيف
الجو قد يقال لك:
((ولكنه الخطاء غير المتعمد الذي لا يوجب عقوبة، ولا بعدا عن
الساحة الالهية، ولا يعد من الذنوب، لا من كبيرها، ولامن
صغيرها)).
فقد قال المعتزلي الشافعي: ((هذا اعتراف منه، عليه السلام،
بعدم العصمة، فاما ان يكون الكلام على ظاهره او يكون
قاله على سبيل هضم النفس، كما قال رسول اللّه، صلى اللّه عليه
وآله: ((ولا انا الا ان يتداركني اللّه برحمته)).
راي الشيعة
اما الشيعة، فيقولون: ان النبي والامام معصومان عن الذنب،
وعن السهو والنسيان، والخطاء، عمديا كان ذلك ام غيرعمدي،
في التبليغ وفي غيره وتدل على ذلك الروايات.
والعصمة لطف رباني، ورعاية وتسديد الهي شامل، اين منها
ملكة العدالة في عمقها وقوتها ورسوخها، ولا يمكن
تجزئة الملكة، ليكون معصوما هنا عن الخطاء وغير معصوم عنه
هناك.
وكيف يمكن ان نتصور الخطاء والسهو في من هو اسوة وقدوة
في كل حركاته وسكناته حتى في اخص شؤونه وحالاته،وفي
كل ما يمكن ان يصدر عنه حتى في ادق التفاصيل في حياته
الشخصية. فمن يخط ىء كيف يكون اسوة وقدوة،وقوله وفعله
وتقريره حجة ودليل على حكم الاباحة على الاقل.
وعلى هذا الاساس يصبح فهم قول الامام عليه السلام: ((لست
بفوق ان اخط ىء)) صعبا ومعضلا، بحسب النظرة السطحية في بادىء الامر.
فهل لهذا الكلام وجه وجيه ومقبول؟! ام لابد من الحكم عليه
بالبطلان، وتكذيب نسبته اليه عليه السلام، لمخالفة بدهيات
المذهب ثم ضرورات العقل والوجدان؟! الحي ام ان الاصوب هو
الحكم عليه باءنه قد حرف بزيادة او نقيصة،لا نملك تحديدها؟!
ام ان الاولى هو الاعتراف بالعجز التام عن فهم مغزاه ومرماه،
وايكال امره من ثم الى اهله، فانهم عليهم السلام اعرف
بمقاصدهم، واعلم بمرامي كلامهم؟!
اسئلة تطرح نفسها، وتتطلب منا الاجابة عنها بانصاف
وبموضوعية واناة.
اي ذلك اقرب واصوب؟
ونقول في الجواب:
ان هناك اكثر من اجابة عن هذه الشبهة، وللقارىء ان يختار
منها ما هو اولى واقرب، واصح واصوب، مما هو اوفق بالمعايير
الصحيحة، التي يفترض فيها ان تكون المتحكمة بطريقة
التعامل مع النصوص، ومع الافكار التي يريد الانسان ان يتبناها،
وان يلتزم ويلزم الاخرين بها.
ونذكر من هذه الاجابات ما يلي:
1- هضم النفس والتواضع
اشار بعض الباحثين، كابن ابي الحديد المعتزلي، ومحمد بن
اسماعيل المازندراني الخواجوئي، واوضحه العلامة محمد باقر
المجلسي رحمه اللّه، الى انه، عليه السلام، قد قال مقالته تلك
على سبيل هضم النفس، والانقطاع الى اللّه،والتواضع، الباعث
لهم على الانبساط بقول الحق، وعد نفسه من المقصرين في
مقام العبودية، والاقرار باءن عصمته من نعمه تعالى.
وليس انه اعتراف بعدم العصمة كما توهم، بل ليست العصمة الا
ذلك، فانها هي ان يعصم اللّه تعالى العبد عن
ارتكاب المعاصي. وقد اشار عليه السلام الى ذلك بقوله: الا
ان يكفي اللّه.
ويؤكد صحة هذا التوجيه انه، عليه السلام، قد قال هذه
الكلمات في حرب صفين. ولم يكن العراقيون آنئذ
يعتقدون بامامته وعصمته عليه السلام، فيما عدا بعض الافراد
القليلين منهم.
واستشهد الخواجوئي لذلك بما روي عن علي عليه السلام:
((الم تعلموا: ان للّه عبادا اسكتتهم خشيته من غير عي ولابكم،
وانهم الفصحاء العقلاء الالباء العالمون باللّه وايامه، ولكنهم اذا
ذكروا عظمة اللّه انكسرت السنتهم، وانقطعت افئدتهم،
وطاشت عقولهم، وتاهت حلومهم، اعزازا للّه واعظاما واجلالا.
فاذا افاقوا من ذلك استبقوا الى اللّه بالاعمال الزاكية، يعدون
انفسهم مع الظالمين والخاطئين، وانهم براء من المقصرين
والمفرطين، الا انهم لا يرضون بالقليل الخ)).
2- لولا العصمة الالهية لكان الخطاء
وقد يجاب عن ذلك بطريقة اخرى لا تختلف عن سابقتها من
حيث النتيجة، وان كانت تفترق عنها من حيث استبعادعنصر
التواضع وهضم النفس. فيقال: ان الامام قد تحدث عن نفسه
بغض النظر عن العصمة التي هي لطف الهي،وتسديد وتوفيق،
وهبة ورعاية ربانية لمن تطلب ذلك وسعى اليه. اي انه، عليه
السلام، يريد ان يقول: لولا العصمة الالهية لوقعت في الخطاء.
فانه، عليه السلام، قد نظر الى نفسه الانسانية، بما لها من
خصائص ومزايا ومواصفات اقتضتها الطبيعة البشرية،
والتكوين الانساني. فهو بهذه التركيبة، وبغض النظر عن اللطف
والرعاية والعصمة الالهية ليس بفوق ان يخط ىء ولذا قال:
((فانني لست في نفسي بفوق)). فكلمة ((في نفسي)) تشير الى
انه يتحدث عن نفسه بغض النظر عن اللطف الالهي
والعصمة الربانية.
فهو، عليه السلام، بشر كالنبي(ص) وكيوسف، وابراهيم، ونوح
وغيرهم، فانهم ايضا بشر، فلو اوكلهم اللّه الى انفسهم،وحجب
عنهم رحمته وتسديده، وابتعدوا عن لطفه تعالى ورعايته
وعصمته فانهم ليسوا بفوق ان يخطئوا.
وهذا هو ما اشار اليه النبي(ص) في كلمته التي نقلها عنه
المعتزلي الشافعي في ما سبق. وهي قوله(ص): ((لا، الا
ان يتداركني اللّه برحمة منه)). ثم ذكر ذلك امير المؤمنين،
عليه السلام، في كلماته التي هي مورد البحث بقوله: ((الا ان
يكفي اللّه)).
وقد يكون مراد الخواجوئي ما يقرب من هذا حين قال: ((ان
المعصوم لما كان في قالب بشري، وجلباب ناسوتي وكانت له
قوى حيوانية متجاذبة، متداعية الى الشر والضر شارفت ان
تسول له المعصية والجراة)) لا ان ذلك قد وقع منه بالفعل،
بل اللطف الالهي بالعصمة يكون مانعا من ذلك.
3- التعليم
وثمة اجابة ثالثة يمكن ان تراود اذهان بعض الباحثين، وهي انه،
عليه السلام، يريد ان يعلم الناس كيف يتعاملون مع الحكام
الذين سوف يلون رقابهم، ويتسلطون على الامة بغير حق، -
يريد ان يعلمهم - بطريقة لا تثير حفيظة احد، ولاشكوك هذا او
ذاك، باءنه عليه السلام يريد بكلامه هذا التعريض بهذا الحاكم او
ذ اك ممن سبقوه، وعرف الناس حالهم وطريقتهم.
انه، عليه السلام، يريد ان يقول للناس: ان سلطان الحاكم لا
يجوز ان يمنعهم من مواجهته بالحق، ومطالبته بالعدل والعمل
به، والالتزام بخط الشريعة والدين. والا فان عليهم ان يصنفوه
في عداد الجبابرة ومن اهل البادرة.
فاذا كان علي، عليه السلام، وهو الامام المنصوص على امامته.
وقد نص الرسول الاعظم، صلى اللّه عليه وآله وسلم،على انه مع
الحق، والحق معه، ونصت آية التطهير ودلت الادلة العقلية
والنقلية المتواترة على عصمته عن الخطاء والزلل- اذا كان
علي عليه السلام - يريد من رعيته ان ينفتحوا عليه الى هذا
الحد، فما بالك اذا كان راعيهم من اولئك الذين ليس لهم صفة الامامة المنصوصة، ولا
عصمة لهم، بل هم لا يؤمنون على شيء
ولا يتورعون عن ارتكاب العظائم، من الجرائم والمثم، فان رصد
حركة هؤلاء، ومراقبة تصرفاتهم اولى واوجب، ومطالبتهم
بالتزام العدل والاستقامة الزم واصوب.
وقد المح عليه السلام الى طريقة اولئك المنحرفين، الذين
هذه حالهم، وتلك صفاتهم، حين قال في نفس كلامه المتقدم:
((فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة، ولا تتحفظوا مني بما
يتحفظ به عند اهل البادرة)).
ثم قدم لهم معيارا وضابطة مهمة جدا ليتعرفوا من خلالها على
طبيعة هذا النوع من البشر ومزاياه، ليتخذوا منهم
الموقف الحازم والحاسم اذا اقتضى الامر ذلك، فقال: ((فان من
استثقل الحق ان يقال له، او العدل ان يعرض عليه، كان
العمل بهما اثقل عليه)).
كما ان، عليه السلام، باءسلوبه هذا يكون قد ابتعد عن الاسلوب
الصدامي الحاد، وعن الظهور بمظهر من يريد ان يفرض احكامه
وتوجيهاته من موقع الامر والزاجر، والمتسلط المهيمن القاهر.
ولكن المازندراني الخواجوئي قد اشار الى ان لهذا التعليم
منحى آخر، حيث قال: ((او يكون هذا من باب تعليمهم
الامة والرعية كيفية الطاعة، والعبادة والخضوع
والخشوع)).
اي انه، عليه السلام، يريد ان يجسد لهم من نفسه الاسوة
والقدوة الصالحة، ليتعلموا ذلك منه.
4- التكليف الصواب، والواقع الخطاء
وثمة اجابة رابعة قد لا يستسيغها بعض الناس، لا سيما اذا لم
يتابعوا حديثنا هذا الى نهايته، لتتضح لهم بعض
اللمحات والخصوصيات، التي تفيد في تركيز الفكرة، وجلاء
الصورة، ونلخص هذه الاجابة على النحو التالي:
ان المعصوم - النبي او الامام - قد يطلع على الواقع من طريق
عادي، كمعرفته بسرقة السارق بوساطة الشهود،
وبطهارة الجبن مثلا، وبحلية اللحم، لكونه ماءخوذا من يد
المسلم، او من سوق المسلمين، وكمعرفته بحياة زيد من
الناس بوساطة اخبار الناس له بحياته.
وقد يطلع المعصوم على الواقع من طريق غير عادي- كالوحي
للنبي(ص)، وكاخبار النبي(ص) للائمة ببعض الاموروالوقائع
الغيبية.
وما يكون التعامل، مع الناس على اساسه ومن خلاله، هو النوع
الاول. فيقطع المعصوم يد السارق استنادا الى شهادة عدلين،
ويجلد شارب الخمر، ويجلد الزاني او يرجمه. . استنادا الى
الشهود، او الى الاقرار من الفاعل. ويحكم بملكية زيد لشيء
بعينه استنادا الى قاعدة اليد، ويلتزم ويلزم غيره بالطهارة،
وبذكاة اللحم، استنادا الى سوق المسلمين، او الى حمل فعل
المسلم على الصحة. وما الى ذلك.
فان كان ثمة خطاء، فانما جاء من الشاهدين، او من الاقرار غير
المطابق للواقع، وليس الخطاء من الحاكم والحكم.
وعلى هذا الاساس نجد الرواية المعتبرة تحدثنا: ان النبي(ص)
قال:
((انما اقضي بينكم بالبينات والايمان. وبعضكم الحن بحجته
من بعض، فاءيما رجل قطعت له من مال اخيه شيئا،
فانماقطعت قطعة من النار)). او ما هو قريب من هذا
المضمون.
وقال عبداللّه بن ابي رافع، وهو يحكي لنا قصة التحكيم في
صفين:
((حضرت امير المؤمنين عليه السلام، وقد وجه ابا موسى
الاشعري، وقال له: احكم بكتاب اللّه، ولا تجاوزه، فلما ادبرقال:
كاءني به وقد خدع.
قلت: يا امير المؤمنين، فلم توجهه وانت تعلم انه مخدوع؟!
فقال: يا بني، لو عمل اللّه في خلقه بعلمه ما احتج عليهم
بالرسل)).
فالعمل اذن.. لابد ان يكون وفق الشواهد والدلائل الظاهرية كما
ذكرنا.
شواهد من الواقع
ولاجل ان المعصوم انما يتصرف ويتعامل مع الناس على اساس
هذا العلم الواصل اليه بالطرق الماءلوفة التي هي حجة ودليل،
نجد النبي(ص) يرسل خالد بن الوليد الى بني جذيمة، فيرتكب
خالد جريمته النكراء في حقهم، ويقتل بعضهم، ويضطر
النبي(ص) الى ان يديهم، ويعوض عما اخذ منهم، وكان علي،
عليه السلام، هو الذي تولى ايصال ذلك اليهم في قصة معروفة.
ولكنه، عليه السلام، لا يعاقب خالدا ومن معه، ربما لانهم كانوا
يثيرون ما يوجب الشبهة في كون ارتكابهم للجريمة قدجاء عن
سابق علم واصرار. ومن المعلوم ان الحدود تدرا بالشبهات.
ومن هذا القبيل، ايضا ارسال النبي(ص) الوليد بن عقبة الى
بني المصطلق. وما كان منه في حقهم، حيث تسبب
في تعرضهم للكارثة، فنزلت في حقه الاية الكريمة: (يا ايها
الذين آمنوا، ان جاءكم فاسق بنباء فتبينوا ان تصيبوا قوما
بجهالة،فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).
وقد جعل النبي(ص) في حرب احد اناسا على فتحة في الجبل
ليحفظوها من تسلل المشركين منها، فتركوا
مراكزهم،وسنحت الفرصة للاعداء، فتسللوا منها، واوقعوا
بالمسلمين.
وقد استكتب النبي(ص) عبداللّه بن سعد بن ابي سرح، ثم ارتد
وذهب الى مكة، وجعل يزعم انه كان يغير في الفاظ القرآن حين
يلقيها اليه النبي ليكتبها، فبدل ان يكتب: غفور رحيم. كان
يكتب: عزيز حكيم مثلا.
ثم انه(ص) قد امر عمرو بن العاص على بعض السرايا، واستعمل
ابا سفيان على بعض الصدقات، رغم معرفته بهما.
وقد ولى علي، عليه السلام، مصقلة بن هبيرة، ففر الى معاوية
في قضية اموال طالبه بها ليعيدها الى بيت المال.
وولى الاشعث بن قيس آذربايجان، ولم يكن ليخفى عليه امر
الاشعث ولا حقيقة نواياه..
وولى الامام الحسن، عليه السلام، عبيداللّه بن عباس، وغيره،
فانحازوا الى معاوية في مقابل حفنة من المال.
وقد كان علي بن ابي حمزة البطائني من وكلاء الامام الكاظم(ع)، فلما توفي، عليه
السلام، وكان بيده شيء من
مال الامام، ادعى الوقف عليه طمعا في ما بيده، وكان هو
المنشاء للفرقة التي تسمى بالواقفة.
الى غير ذلك مما هو كثير وكثير جدا لا حاجة الى تتبعه
واستقصائه.
فكل ما تقدم يدل على ان النبي(ص) او الامام، عليه السلام،
حين ولى هذا او ذاك، او جعله وكيلا له، او ارسله في مهمة، او
ما الى ذلك، فانما كان يعمل بوظيفته، وتكليفه وفق ما انتهى
اليه علمه، بوساطة ما توافر لديه من ادلة وشهادات، امره اللّه
بالعمل وفقها. او استند الى حسن الظاهر، الذي لابد من العمل
على وفقه، حيث لا يوجد ما ينقضه ويخالفه.
فهو، عليه السلام، لم يخط ىء في عمله، لا عمدا ولا سهوا، بل
الذي اخطاء هو ذلك الدليل، وتلك الشهادة. وليس هوعليه
السلام مسؤولا عن ذلك.
نعم، لو جاء الناس اليه او بعضهم، ونقضوا له ما ادت اليه تلك
الشهادة، او الدلالة، بطل تاءثيرها، ولم تعد دليلا معتبرا،وارتفع
التكليف بالعمل بموجبها، فان هذا النقض يكون في محله، وهو
محبوب ومطلوب للّه جل وعلا.
فلو ان الناس جاؤوا الى النبي، صلى اللّه عليه وآله وسلم، قبل
ان يرسل الوليد بن عقبة، او خالد بن الوليد مثلا، واطلعوه على
واقع هذين الرجلين، وحقيقة نواياهما، لم يجز له صلى اللّه عليه
وآله وسلم - والحالة هذه ان يرسلهما في المهمة التي حصل
فيها ما حصل، وذلك لان حسن الظاهر لهما قد بطل اثره،
وتبدل التكليف، وصار من الواجب ترتيب آثارالفسق الذي ثبت
باخبار الناس لرسول اللّه به من باب النصيحة للامة وللائمة،
والنصيحة واجبة على الناس كلهم كما هومعلوم.
وهكذا الحال بالنسبة لسائر الموارد، كل مورد بحسبه.
فالنصيحة من الناس للامام، وللنبي، انما هي باعلامه بالامر
الذي لم يكن مكلفا بالتحري عنه، ولا كان ملزما بالعمل
على وفقه، رغم ان المعصوم قد يكون عارفا بالحقيقة، ولكن من
طريق غير عادي، كالوحي او غيره.
ولكن العلم من هذا الطريق غير العادي لا يلزم النبي(ص)، او
الامام، عليه السلام، بالعمل وفق المعلوم، فلو حلف المدعي
كاذبا، او شهدت البينة بخلاف الواقع، وعلم(ص) بهذا الخلاف
من طريق الوحي، فلا يحكم بعلمه، بل يحكم وفق البينة، او
اليمين.
ولعل الامر يرجع الى ان في ذلك صونا لمستقبل الامة، وحفظا
لها من ان يتخذ الظالمون والطواغيت، واصحاب الاهواءذلك
ذريعة الى توجيه ضرباتهم القاتلة الى قوى الايمان والخير،
والتنكيل بهم، وذلك بحجة انهم قد عرفوا بطرقهم الخاصة غير
العادية بما لم يعرف به الاخرون.
وبذلك نعرف السبب في ان الرؤيا في المنام غير قابلة
للاعتماد، وكذلك دعوى ملاقاة الامام الحجة المنتظر
عليه السلام، والاخذ منه مباشرة. فضلا عن العلوم المزعومة
التي قد تنسب الى الجن، او السحر، او ما الى ذلك.
هذا، وقد اشارت الروايات الى ان عمر بن الخطاب، قد حاول ان
ينتزع اعترافا من الصحابة، او من بعضهم باءن له ان يعمل
بعلمه، فواجهه علي وابن عوف او احدهما برفض ذلك منه.
ويفصل البعض: هذه القضية، فيقول: ((روي ان عمر كان يعس
ذات ليلة بالمدينة، فلما اصبح قال للناس: ارايتم لو ان اماما راى
رجلا وامراة على فاحشة، فاءقام عليهما الحد، ما كنتم فاعلين؟!
قالوا: انما انت امام.
فقال علي بن ابي طالب: ليس ذلك لك، اذن يقام عليك الحد،
ان اللّه لم ياءمن على هذا الامر اقل من اربعة شهود.
ثم تركهم ما شاء اللّه ان يتركهم، ثم ساءلهم، فقال القوم مثل
مقالتهم الاولى، وقال علي مثل مقالته الاولى)).
نتيجة ما تقدم
اذن، فليس ثمة ما يمنع من ان يطلب امير المؤمنين، عليه
السلام، من اصحابه ان يخبروه بالواقع الذي يعرفونه،
وان يبطلوا الشهادات او الادلة التي لو لم يظهر خلافها، لكان
عليه ان يبادر الى العمل بمضمونها.
فتكون تلك المبادرات منهم سببا في اسقاطها عن الاعتبار
وعن الحجية، لانه، عليه السلام، مكلف بالعمل وفق تلك الادلة،
الى ان يظهر خلافها.
فهو، عليه السلام، يدعو اصحابه، ويريد منهم ان يرصدوا الواقع
من اجل ان يحفظوه. وحفظ الواقع بهذه الطريقة، لايوجب خللا
في عصمته، عليه الصلاة والسلام، كما انه لا يوجب خللا في
عصمة النبي، صلى اللّه عليه وآله وسلم.
5- ضعف سند الرواية
وبعد ما تقدم نقول: ان الاجابات المتقدمة كانت مبنية على
اساس ان يكون سند هذه الرواية صحيحا، او معتبرا، مع ان الامر
ليس كذلك. وقد قال المجلسي عن هذا الحديث: ((ضعيف
بعبداللّه بن الحارث. واحمد بن محمد معطوف على علي بن
الحسن، وهو العاصمي. والتيمي هو ابن فضال. وقل من تفطن
لذلك)).
6- الثوابت هي المرجع
ولنفترض جدلا ان جميع ما تقدم لم يستطع ان يقنعنا، ولم
يحل مشكلة الشرح اللفظ ي لكلامه عليه السلام، فاننا نقول:
ان ما ذكرناه في ما تقدم، وفيه ما هو القوي في ظهوره ودلالته،
يمنع من الركون الى مقولة: ان عليا يخط ىء بالفعل،استنادا الى
تلك العبارة المنقولة عنه: ((ما انا - في نفسي - بفوق ان
اخط ىء))، وذلك لانه اذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، فكيف
اذا كان هذا الاحتمال هو الظاهر والمعقول، والمرضي
والمقبول؟!
ومع صرف النظر عن ذلك كله.. فان عصمة النبي والامام عن
السهو والخطاء والنسيان، والذنب لهي من الثوابت الايمانية،
والعقيدية التي قامت عليها الادلة القاطعة والبراهين الساطعة
من العقل والشرع خصوصا آية التطهير،وقوله(ص): ((علي
مع الحق والحق مع علي)). فلابد- مع وجود الشبهة - من
الرجوع الى هذه الثوابت، والاحتكام اليها، ثم الرد والقبول على
اساسها.
فاذا كانت كلمة امير المؤمنين، عليه السلام، ضعيفة السند،
متشابهة الدلالة فما علينا اذا توقفنا عن قبولها، ثم نرد
علمهاالى اهلها ملامة او جناح، فان الحق احق ان يتبع.
قبل الختام
وقبل ان نختم حديثنا حول هذا الامر، نرى ضرورة الفات النظر
الى بعض الامور التي ينبغي اخذها بنظر الاعتبار في مايرتبط
بالتعرض لقضايا الايمان والعقيدة، مع تاءكيدنا على اننا لا نقصد
التجريح باءحد من الناس بعينه، فلا يظنن احد بناذلك، وانما
هو الراي الذي نطرحه على الاخوة العاملين، ولهم الخيار في
الرد وفي القبول، اذا اقتضى الامر - بنظرهم -ايا من هذين
الامرين.
لابد من التذكير وما نود ان نذكر به القارىء هو الامور التالية:
1- ان طرح الاحاديث المتشابهة، او التي يصعب فهمها على
الناس، ثم الاصرار على الاستمرار في هذا الطرح، من
دون تقديم التفسير المعقول والمقبول، ليس بالامر المرضي،
ولا هو محمود العواقب، خصوصا اذا كان ذلك من قبل
اناس يتوقع الناس منهم حل المشكلات، وتوضيح المبهمات.
وعلى الاخص اذا كانت هذه الاحاديث، او القضايا المشكلة لا
تطرح على اهل الاختصاص من اهل الفكر، وانما على الناس
السذج، بمن فيهم الصغير والكبير، والمراة والرجل، والعالم
والجاهل. وذلك عبر وسائل الاعلام العامة وفي الهواء الطلق.
2- ان اثارة المسائل الحساسة، وطرح التساؤلات على اولئك
الذين لا يملكون من اسباب المعرفة ما يمكنهم من حل العقدة
بصورة سليمة وقويمة. ومن دون تقديم اجابات كافية، او حتى
من دون اجابات اصلا ان ذلك يفرض على العلماء المخلصين ان
يبادروا الى رفع النقيصة، وسد الثغرات وتقديم الاجوبة
الصحيحة بكل ما يتوافر لديهم من وسائل، لئلا يقع الناس
الابرياء الغافلون في الخطاء الكبير والخطير. مع الحرص الاكيد
على ان لا تصدر اية اساءة، ومن دون تجريح او انتقاص لاي كان
من الناس. وانما مع حفظ الكرامة والسؤدد، وبالاسلوب العلمي
المهذب والرصين. مع التذكير والالماح الى ان تبعة اثارة هذه المواضيع تقع على عاتق مثيرها الاول. لا على الذين تصدوا للتصحيح والتوضيح. |
|---|