وقبل معركة احد استشار الرسول(ص) اصحابه
بشاءن البقاء في
المدينة او الخروج منها، واستجاب لراي يخالف رايه.
وبعد
تحزيب الاحزاب قبل وقعة الخندق، استشار(ص) اصحابه
فاءشار عليه سلمان الفارسي بحفرالخندق. وفي محاولة
مصالحة غطفان في موقعة الخندق، لدفعها الى التراجع
مقابل
حصة في تمر المدينة، استشارالرسول(ص) ذوي الشاءن،
سعد
بن معاذ وسعد بن عبادة، فاءشارا بعدم الموافقة،
فاءخذ
الرسول(ص) بالمشورة.
3- روحية العفو: كان الرسول يبتعد عن روح الانتقام،
ويلجاء
الى العفو في كل الامور، التي لا يؤدي العفو فيها
الى
مس بالدين او بحقوق اللّه وحدوده. وكان هذا تمرينا
لاصحابه
على التخلي عن الضغائن ونسيان احقاد الجاهلية،
ليبداوامسيرة جديدة بعيدة عن روح التعصب القبلي،
وكان هذا
حثا لمن يسلم فيما بعد، للابتعاد عن كل انواع
التعصب
مهمايكن منشؤه. ولعل اهم موقف اظهر سمو الرسول
العظيم(ص)، كان الموقف يوم فتح مكة، حيث خاطب اولئك
الذين اضطهدوه واضطهدوا اصحابه واخرجوهم من
ديارهم
وقتلوهم، بقوله: «يا معشر قريش ويا اهل مكة، ما ترون
اني
فاعل بكم؟» قالوا: «اخ كريم وابن اخ كريم» فقال:
«اذهبوا
فاءنتم الطلقاء». وكان ذلك بعد ان مكنه اللّه من
رقابهم.
وكان رسول اللّه قد عهد الى امرائه على الجيش،
اثناء دخوله
مكة، باءن لا يقتلوا احدا الا من يقاتلهم. وسحب
الراية من سعد
بن عبادة، حين اخذ سعد يهدد، واعطاها علي بن ابي
طالب(ع).
هذا وقد اعلن رسول اللّه(ص) حين فتح مكة، وهو بباب
الكعبة،
بطلان كل الحقوق المترتبة قبل ذلك لاسباب
متعلقة بالقتال
وذلك بقوله: «لا اله الا اللّه، وحده لا شريك له،
صدق وعده،
ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده. الا كل ماءثرة اودم
او مال
يدعى فهو تحت قدمين هاتين، الا سدانة البيت وسقاية
الحاج»
ولم يكن رسول اللّه(ص) يتوانى عن حض اصحابه على
العفو
والتنازل ونسيان الحزازات والاوتار، تنفيذا
لاحكام اللّهتعالى.
ب- المسؤولية: ان المسؤولية فرع من فروع الامانة
التي حملها
اللّه للانسان، بقوله تعالى: (انا عرضنا الامانة
على السماوات
والارض والجبال فاءبين انه يحملنها واشفقن منها
وحملها
الانسان انه كان ظلوما جهولا). وهذه المسؤولية
تقوم عند
الانسان المسلم، بعد تاءمين مستلزماتها على ثلاثة
محاور:
المحور الاول: هو المسؤولية عن الدين،والمحور
الثاني: هو
المسؤولية عن المجموع، والمحور الثالث: هو
المسؤولية عن
الافراد.
1- المسؤولية تجاه الجماعة: وهي تقوم على الانصياع
لاحكام
اللّه المتعلقة بنشر الدعوة، وبمقاومة الانحرافات
الصغيرة منها
والكبيرة.
نشر الدعوة: ففي مجال نشر الدعوة حض اللّه تعالى على
التبشير بالافكار الاسلامية بين الناس، وحيثما
يتعذر ذلك
امراللّه تعالى بالقتال، فقد قال تعالى: (ولتكن
منكم امة يدعون
الى الخير). وقال: (قل هذه سبيلي ادعو الى اللّه
على بصيرة
انا ومن اتبعني). وقال ايضا: (ادع الى سبيل ربك
بالحكمة
والموعظة الحسنة) كما قال: (وادع الى ربك انك لعلى
هدى مستقيم) كما قال تعالى: (وادع الى ربك ولا تكونن
من المشركين) وقال: (ومن احسن قولاممن دعا الى اللّه
وعمل صالحا وقال انني من المسلمين) .
اما طريقة الجدال التي امر اللّه بها بداية، فهي ان
يجري الجدال
بالحسنى، لا سيما مع اهل الكتاب اذا لم يظلموا،
اذيقول تعالى:
(ولا تجادل اهل الكتاب الا بالتي هي احسن الا الذين
ظلموا
منهم) ويقول: (وجادلهم بالتي هي احسن) وقد اكد
الرسول(ص) هذه الاحكام، فاءمر اولا بدعوة المشركين
الى
الاسلام، فان ابوا، فعند ذلك يحل قتالهم، فقد
قال(ص):
«امرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا
اللّه وان
محمدا رسول اللّه، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة،
فاذا فعلوا ذلك
عصموا مني دماءهم واموالهم الا بحق الاسلام
وحسابهم على
اللّه»كما قال جواباعلى سؤال علي(ع) في معركة خيبر:
«قاتلهم حتى يشهدوا ان لا اله الا اللّه، وان محمدا
رسول اللّه.
فاذا فعلوا ذلك فقدمنعوا منك دماءهم واموالهم الا
بحقها
وحسابهم على اللّه».
مقاومة الانحراف: وهي تقوم على مبدا الامر بالمعروف
والنهي
عن المنكر، الذي ورد في عدد لا باءس به من
الايات القرآنية وقد اكد الرسول(ص) هذا المبدا في
سيرته،
حيث يقول في موضوع الجلوس في الاسواق في تفسير
اعطاءحق الطريق: «غض البصر وكف الاذى ورد السلام
وامر
بالمعروف وانه عن المنكر». وفي حديث ابي ذر:
«امرنارسول اللّه(ص) ان لا يغلبونا على ثلاث: ان
ناءمر
بالمعروف وننهى عن المنكر ونعلم الناس..» . وفي مجال
حث المسلمين على التميز من بني اسرائيل يقول(ص):
«واللّه
لتاءمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر، ولتاءخذن على
يدالظالم، ولتاءطرنه على الحق اطرا، ولتقصرنه على
الحق
قصر» وفي مجال التهديد في حال التخلي عن
الامربالمعروف والنهي عن المنكر يقول(ص): «والذي
نفسي
بيده لتاءمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر، او
ليوشكن اللّه
ان يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب
لكم».
ولعل اهم ما في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر،
مقاومة
ائمة الجور حيث يقول رسول اللّه(ص): «من راى
سلطاناجائرا
مستحلا لحرم اللّه، ناكثا لعهد اللّه، مخالفا لسنة
رسول اللّه،
يعمل في عباده بالاثم والعدوان، فلم يغير عليه
بفعل ولا قول،
كان حقا على اللّه ان يدخله مدخله».
وقد جاء عن علي(ع) في تفسير الاية الكريمة: (ومن
الناس من
يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللّه) ان المراد بها الرجل
يقتل
على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر».
2- المسؤولية عن المجموع: كل مسلم مسؤول عن مجموع
المسلمين، في مجال الدفاع عن الدين والذب عن
البيضة،وفي
مجال العمل والجد لرفعة دولة الاسلام وقوتها. وقد
خاطب اللّه
تعالى جميع افراد الامة الاسلامية وحملهم
هذه المسؤولية، فاذ
يحثهم تعالى على القتال يقول: (يا ايها الذين آمنوا
اصبروا
وصابروا ورابطوا) (..خذوا حذركم وانفروا ثبات او
انفروا
جميعا) (..اذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم
الادبار) (اطيعوا اللّه ورسوله ولا تولواعنه)
(..اذا لقيتم
فئة فاثبتوا..) (.. ما لكم اذا قيل لكم انفروا في سبيل
اللّه
اثاقلتم الى الارض)(اع 62آ ع 72آ ع(2)قاتلوا الذين
يلونكم من
الكفار وليجدوا فيكم غلظة).
واذ ينهاهم عن موادة الكافرين يقول تعالى: (يا ايها
الذين آمنوا
لا تتخذوا الكافرين اولياء من دون المؤمنين..)
(..لاتتخذوا
اليهود والنصارى اولياء). ..لا تتخذوا عدوي وعدوكم
اولياء..)(اع 02آ ع 82آ ع 2) (..كونوا انصار اللّه..».
واذ يريد منهم ان يطيعوه ورسوله ويستقيموا يقول
تعالى: (يا
ايها الذين آمنوا اطيعوا الرسول واولي الامر منكم
وان تنازعتم في شيء فردوه الى اللّه والى الرسول..) (.. كونوا
قوامين للّه
شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شن آن قوم على الا
تعدلوا
اعدلوا..) (.. كونوا قوامين بالقسط شهداء للّه..)
(استجيبوا للّه وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم..)(..
اتقوا اللّه
وقولوا قولا سديد».
واذا يرشدهم الى محاسن الاخلاق واحترام الاخرين
يقول
تعالى: (يا ايها الذين آمنوا لا تاءكلوا اموالكم
بينكم بالباطل..)
..اوفوا بالعقود..» (..لا تخونوا اللّه والرسول
وتخونوا اماناتكم
وانتم تعلمون) (..لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى
تستاءنسوا
وتسلموا على اهلها) (..اذا جاءكم فاسق بنباء فتبينوا
ان
تصيبواقوما بجهالة..) (.. لا يسخر قوم من قوم عسى ان
يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى اللّه ان يكن
خيرا
منهن ولا تلمزوا انفسكم ولا تنابزوا بالالقاب..)
(..اجتنبوا
كثيرا من الظن..). .. اذا نودي للصلاة يوم الجمعة
فاسعوا
الى ذكر اللّهوذروا البيع) (.. لا تلهكم اموالكم
واولادكم عن
ذكر اللّه..) (..وانفقوا مما رزقناكم..).
وهكذا فان الخطاب القرآني موجه الى مجموع
المؤمنين،
وليس الى السلطة او الى فريق خاص، ومن هنا
تكون المسؤولية
جماعية تجاه ما يعترض الجماعة الاسلامية من مشاكل،
او ما
يقع على عاتقها من واجبات. على ان هذا لايتعارض مع
كون
بعض هذه الواجبات فروض عين يجب ان يقوم بها كل افراد
الجماعة، وكون بعضها فروض كفاية لاتستدعي تدخل
جميع
الافراد، بل قسم منهم فيجزي عن الاخرين.
3- المسؤولية عن الافراد: وهذه المسؤولية قد تقوم
للدفاع عن
مجموعة من الافراد او حتى عن فرد واحد، ذلك
ان هنالك الى
جانب الدفاع عن النفس، الدفاع عن الغير، وهناك سد
حاجات
المحتاجين ومواساة المنكوبين وما اليها،اضافة الى
انقاذ
المجموعة العاجزة عن حماية نفسها، اذ يقول تعالى:
(ما لكم لا
تقاتلون في سبيل اللّه والمستضعفين من الرجال
والنساء
والولدان الذي يقولون ربنا اخرجنا من هذه القرية
الظالم اهلها
واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا)«)
).
الشعور الجماعي: لقد الح الرسول الاكرم(ص) على زرع
هذا
الشعور وتنميته، فبعد عمليات المؤاخاة بين
المسلمين،كان
القتال الجماعي وتنامي روح التضحية عند كل فرد، ثم
كانت
عوامل التلاحم الاجتماعي، في جو من التوحيدالروحي،
بحيث
يكون هدف كل فرد الاخر فينصرف عن الصغائر الدنيوية.
1- الوحدة في القتال: جاء في الكتاب العزيز: (ان اللّه
يحب الذين
يقاتلون في سبيله صفا كاءنهم بنيان مرصوص). وفي هذا
الجو
تولد وحدة المصير بحيث يشعر كل مقاتل باءنه جزء من
المجموع الذي يقاتل من اجل القضية الواحدة،
وباءن قوة
المجموع قوة لكل فرد وقوة كل فرد قوة للمجموع،
وبعدها لا
يهم ان يستشهد الفرد او ان يبقى حيا، ما دام قد
انصهرفي
الوحدة الكبرى، ولعل هذا ما اعط ى ذلك الزخم
للقتال الذي
فتح به المسلمون الاوائل البلاد الواسعة، عندما
كانوايتسابقون
لتحقيق المعجزات، لا لتوفير السلامة الفردية. ولم
يكن جائزا
ان ينكص المقاتل، اذ يقول اللّه تعالى: (يا
ايهاالذين آمنوا اذا
لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار ومن
يولهم يومئذ
دبره الا متحرفا لقتال او متحيزا الى فئة فقدباء
بغضب من اللّه
وماءواه جهم وبئس المصير). فقد كان الواجب ان يواسي
كل اخاه بنفسه فلا يدع الاعداءيستفردون به، وهذا ما
يؤكده
تلميذ الرسول الاكرم(ص) علي بن ابي طالب(ع) بقوله:
«رحم
اللّه امرا واسى اخاه بنفسه،ولم يكل قرنه الى اخيه،
فيجتمع
قرنه وقرن اخيه، فيكتسب بذلك اللائمة، وياءتي
بدناءة».
والى جانب هذا كان المسلمون مطالبين باظهار
الشجاعة
والبطولة، بحيث لا يكتفون في القتال بالتصدي
لامثالهم،
بل لاضعافهم فقد كان مطلوبا ان تتصدى المجموعة
لعشرة
اضعافها بناء على قوله تعالى: (يا ايها النبي حرض
المؤمنين على
القتال ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وان
يكن
منكم مائة يغلبوا الفا من الذين كفروا باءنهم قوم
لايفقهون)
ولكن اللّه ما لبث ان هون على المؤمنين الامر،
فاءنزل العشرة
الاضعاف الى الضعفين بقوله تعالى: (الان خفف اللّه
عنكم وعلم
ان فيكم ضعفا فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا
مائتين وان
يكن منكم الف يغلبوا الفين باذن اللّهواللّه مع
الصابرين) .
كل هذا في جو من المساواة والكرامة المحفوظة للجميع
ولكل
فرد، حتى ان ما يريده المقاتل، حتى ولو كان من
اقل المقاتلين
من انقاذ فرد من افراد العدو، يلزم الجميع،
بقوله(ص):
«المؤمنون اخوة تتكافاء دماؤهم وهم يد على
من سواهم يسعى
بذمتهم ادناهم» وتفسير ذلك انه «ايما رجل من ادنى
المسلمين او افضلهم نظر الى رجل من المشركين فهو
جار
حتى يسمع كلام اللّه، فان تبعكم فاءخوكم في الدين،
وان ابى
فاءبلغوه ماءمنه واستعينوا باللّه عليه».
ان كل هذه الاحكام، من شاءنها، اذ ما نفذت، ان تصهر
المقاتلين
جميعا في بوتقة واحدة، فيصبحوا كاءنهم اعضاء
في جسم واحد،
لكل وظيفة يؤديها في المجموع ولخدمة المجموع
والافراد.
2- بث روح التضحية: وذلك عن طريق ترسيخ حب الهجرة مع
ما تحمله من تضحية ومشاق، وزرع روح الشهادة،
على اساس
قوله تعالى: (فالذين هاجروا واخرجوا من ديارهم
واوذوا في
سبيلي وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم
سيئاتهم ولادخلنهم جنات
تجري من تحتها الانهار ثوابا من عند اللّه واللّه
عنده حسن
الثواب).
ذلك ان الشهادة بنحو خاص هي حياة، اذ يقول تعالى:
«ولا
تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه اموات بل احياء ولكن
لاتشعرون) فهم استبدلوا الحياة الاخرة بالحياة
الدنيا،
لذلك فياءمرهم اللّه تعالى بالقتال فيقول: (فليقاتل
في
سبيل اللّه الذين يشرون الحياة الدنيا بالاخرة
ومن يقاتل في
سبيل اللّه فيقتل او يغلب فسوف نؤتيه اجرا عظيما)
ذلك لانهم وهبوا اللّه انفسهم واموالهم مقابل
دخولهم الجنة
(ان اللّه اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم باءن
لهم
الجنة يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون) ومن
هنا
يصبح عند المؤمن سيان ان يقتل او ينتصر، فكل هي
الحسنى:(قل هل تربصون بنا الا احدى الحسنين).
هذا وقد مارس رسول اللّه(ص) الجهاد وحض عليه، فقال
كناية
عن ذلك: «الخير كله في السيف وتحت ظل السيف ولايقيم
الا السيف والسيوف مقاليد الجنة والنار» وراى ان
الجهاد
مفخرة تتجاوز من قام به الى اعقابه، فيقول(ص):«اغزوا
تورثوا
ابناءكم مجد».
وبناء على ذلك فان حرمة المجاهد تزداد عند اللّه ما
دام في
جهاده فمن «اغتاب مؤمنا غازيا او آذاه او خلفه في
اهله بسوء،
نصب له يوم القيامة فيستغرق حسناته ثم يركن في
النار، اذا
كان الغازي في طاعة اللّه عز وجل».
على ان التضحية لا تقتصر على هذا النوع من الجهاد،
بل هي
مطلوبة للدفاع عن افراد المسلمين لدفع الشر عنهم ف
«من سمع رجلا ينادي للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم»
.
ولعل اهم اوجه دفع الشر، هو دفع الشرور التي تطال
اعدادامتزايدة من المسلمين كالفيضان والنار او
سائر الاعداء.
يقول(ص): «من رد عن المسلمين عادية ماء او نار او
عادية
عدومكابر للمسلمين، غفر اللّه له ذنبه».
3- التحابب بين المؤمنين: امر رسول اللّه بالاهتمام
باءمور
المسلمين، ف «من اصبح لا يهتم باءمور المسلمين
فليس بمسلم».
كما امر باءن يكون الموقف من اللّه هو المعيار، لا
الموقف
الشخصي ولا المنفعة الشخصية، ذلك ان «اوثق عرى
الايمان الحب في اللّه والبغض في اللّه وتوالي
اولياء اللّه والتبري
من اعداء اللّه» ومن هنا تصبح معاملة المسلم
كمعاملة النفس، سواء في الانصاف منها ام في مواساة
الاخرين،
ف «سيد الاعمال انصاف الناس من نفسك ومواساة الاخ
في اللّه وذكر اللّه على كل حال».
كما ياءمر(ص) باسداء المعروف الى جميع الناس، سواء
منهم
المستحقون ام غير المستحقين. فهو يقول:
«اصنع المعروف
الى من هو اهله والى من ليس من اهله، فان لم تصب من
هو
اهله فاءنت اهله».
ومن المعروف اغاثة الملهوف ومساعدة المحتاج، ف
«الخلق
عيال اللّه واحب الخلق الى اللّه من نفع عيال
اللّه»و«من
قضى لمؤمن حاجة قضى اللّه له حوائج كثيرة» ولعل اجر
المساعدة يزداد مع ازدياد الشدة والحرج ف «من اغاث
اخاه
المسلم حتى يخرجه من هم وكربة وورطة، كتب اللّه له
عشر
حسنات ورفع له عشر درجات واعطاه ثواب عتق عشر
نسمات
ودفع عنه عشر نقمات واعد له يوم القيامة عشر
شفاعات».
والى جانب هذا فان من امس واجبات المسلم تجاه
المسلم،
النصيحة له في المشهد والمغيب، ف «ان اعظم
الناس منزلة
عند اللّه يوم القيامة امشاهم في ارضه بالنصيحة
لخلقه»
هذا ويبث الاسلام في المؤمنين، الى جانب الشدة
مع الاعداء
المعاندين، اخلاق التراحم والتواصل، يقول تعالى:
(محمد
رسول اللّه والذين معه اشداء على الكفار
رحماءبينهم..).
على ان هذا الواجب ليس مفروضا على كل مسلم يمارسه
بمفرده، بل مطلوب من كل مسلم ان يمارسه وان يوصي
اخوانه
بممارسته، بحيث تعم الرحمة بين الجميع، يقول تعالى:
(ثم
كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبروتواصوا
بالرحمة) .
وقد اثبت الرسول(ص) هذه الاحكام فحض على الرحمة
بقوله(ص): «من لا يرحم لا يرحم»كما حض على
صلة الرحم فقال في حديث قدسي: ان اللّه تعالى خاطب
الرحم
قائلا: «اما ترضين ان اصل من وصلك واقطع من قطعك»
. وشدد الرسول(ص) على التزاور في الصحة والمرض
فقال(ص): «من عاد مريضا او زار اخا له في اللّهناداه
مناد ان
طبت وطاب ممشاك وتبوات من الجنة منزل».
وهكذا يصبح المؤمنون جسما واحدا يهم الفرد فيه ما
يهم
الجميع، ويهم الجميع ما يهم الفرد، وهذا ما يؤكده
الرسول الاكرم(ص) بقوله: «مثل المؤمنين في توادهم
وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، اذا اشتكى منه عضو
تداعى
له سائرالجسد بالسهر والحمى».
4- الثواب الاخروي: ان ما يزيد في التعلق بالايثار
والتضحية،
الثواب الاخروي، فالمؤمن الذي يضحي، لا يقيم
حساباللارباح
والخسائر في الحياة الدنيا، والا فان الكثيرين ممن
يقومون
بالاعمال الكبيرة كانوا يدعونها ما لم تجر لهم
نفعابقدرها. ولكن
الدين الاسلامي، بتركيزه على الجزاء الاخروي، دفع
اتباعه
المؤمنين بمبادئه الى التعلق بالاخرة والتضحية
بالدنيا، يقول
تعالى مفضلا الاخرة على الدنيا: (قل متاع الدنيا
قليل والاخرة
خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا) . ف (ما هذه
الحياة الدنيا
الا لهو ولعب وان الدار الاخرة لهي الحيوان لو
كانوا
يعلمون).
ومن هنا وجبت التضحية بالدنيا في سبيل الاخرة، حيث
يقول
تعالى: (فليقاتل في سبيل اللّه الذين يشرون الحياة
الدنيابالاخرة).
ويؤكد الرسول الاكرم هذه الامور فيقارن بين حب
الدنيا وحب
الاخرة فيقول: «من كانت الاخرة همه جعل اللّه غناه
في قلبه
وجمع له شمله واتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت
الدنيا همه
جعل اللّه فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله ولم
ياءته من الدنيا
الا ما قدر له». حتى المجاهد، ان كان جهاده يحتمل
غرضا
دنيويا فجهاده باطل، فقد سئل رسول اللّه(ص):«رجل
يريد
الجهاد في سبيل اللّه وهو يبغي عرضا من عرض
الدنيا؟»
فقال(ص): «لا اجر له».
5- الضمانات الاجتماعية: تشكل هذه الضمانات صيغة من
صيغ التلاحم والاندماج الاجتماعي، بحيث يشعر كل
فرد
ان الجماعة مسؤولة عنه فيطمئن الى غده وغد عياله
من
الناحية المادية، فقد كلف الاسلام الاغنياء باعالة
الفقراء على
قدرالاستطاعة، ولم يترك الامر للعفوية
والاستنساب، بل هو
فرض حقوقا للفقراء في ارباح الاغنياء، وهذه الحقوق
يمكن ان
تصل الى درجة الكفاية اذا سمحت الاحوال الاقتصادية.
واذا شعر الانسان بالتحرر من العب ء المعيشي على
هذا الوجه،
فانه يندفع الى الجهاد والتضحية دون ان يشغله هم
من يعولهم.
ولعلنا ندرك اهمية امر الضمانات الاجتماعية اذا
نظرنا الى
آثارها في ايامنا الحاضرة، علما باءن الاسلام
يتجاوز ما
توفره الانظمة القائمة اليوم، والتي لم توفر ما
توفره الا بعد
المعاناة والصراع وتهديد سلطة الحاكمين.
وهكذا فالى جانب الاعتقاد بالتكفل الالهي بالارزاق في كل حال، يرى المؤمن باءم
العين، ومن بين مصاديق هذا التكفل،مساءلة الحقوق المفروضة للفقراء في ارباح
الاغنياء فيطمئن قلبه، حتى ولو كان ممن يساورهم شيء من
الشكوك،
يقول علي(ع): «ان اللّه سبحانه فرض في اموال
الاغنياء اقوات
الفقراء، فما جاع فقير الا بما متع به غني، واللّه
تعالى سائلهم عن
ذلك..».
تمثل تعاليم الاسلام: ان الالتزام باءحكام الدين
الحنيف
ومحاولة تمثلها والتعلم من الرسول الاكرم(ص)
باستمرار،
كان قمينا باءن يخلق انسانا جديدا متميزا لا تهمه
مطامع الدنيا
ولا بهارجها، انسانا خلق للاخرة، يذوب شوقا الى
اللّه
وتعلقابالاخرة، يتجافى جنباه عن المضاجع قياما
للّه تعالى،
ويعتاد البكاء خشية من اللّه تعالى، فيما يكون اسدا
هصورا
في المعارك لا يبالي ان قتل او عاش، لا بل يفضل
الشهادة على
الحياة الفانية.
على ان كل هذا لم يكن ليحصل بين ليلة وضحاها بل هو
امتد
على فترة طويلة، وجعل المسلمين متمايزين
بداية بالفضل،
ليعلم السابق اللاحق فيتكامل الجميع وينتهي الامر،
اذا ما
سارت الامور حسب ما خطط اللّه تعالى وعمل الرسول
الاكرم،
الى التوحد في اللّه.
لقد جعل اللّه ورسوله آل بيت محمد في المقدمة
ليقودوا
الناس ويعلموهم، وجعل السابقين الى الاسلام قبل
غيرهم
في الفضل المعنوي، ولكن في عملية تفاعلية تجعل
الافضل
يرتقي بالمفضول فيتكامل الجميع.
1- آل بيت الرسول(ص): لقد امر اللّه تعالى باعزاز آل
الرسول
واعطائهم حقهم معنويا وماديا في جو من
مودتهم وطاعتهم،
وذلك لانه طهرهم اذ يقول: (انما يريد اللّه ليذهب
عنكم
الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) ثم قال:(اطيعوا
اللّه
واطيعوا الرسول واولي الامر منكم). وقال: (قل لا
اساءلكم
عليه اجرا الا المودة في القربى) اي موردة قربى
الرسول،
اهل بيته.
وقد ذكر رسول اللّه(ص) بهذه الاحكام فقال: «النجوم
امان
لاهل السماء واهل بيتي امان لاهل الارض» كما
قال:«مثل اهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها
نجا
ومن تخلف عنها غرق».
وقال: «اني اوشك ان ادعى فاءجيب، واني تارك فيكم
الثقلين،
احدهما اكبر من الاخر، كتاب اللّه، حبل ممدود
من السماء الى
الارض وعترتي اهل بيتي، وان اللطيف الخبير اخبرني
انهما لن
يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا بم تخلفوني
بهم».
كما امر(ص) بحبهم بقوله: «واحبوا اهل بيتي لحبي».
وقوله: «الزموا مودتنا اهل البيت، فاءنه من لقي
اللّه عز وجل
وهو يودنا دخل الجنة بشفاعتنا. والذي نفسي بيده لا
ينفع عبدا
عمله الا بمعرفة حقن».
من هنا فان القيادة الدينية، بفروعها كافة هي لاهل
البيت
الذين يتابعون عمل النبي(ص) في سبيل اقامة
المجتمع الاسلامي الواحد المتكامل، وهو غير
المجتمع المجزا
الذي لا يهم الفرد فيه الا نفسه.
2- السابقون الاولون من المهاجرين والانصار: وهم
السابقون
الى الاسلام الذين تحملوا المشقات وخاضوا الحروب
وهم في
قلة من العدد فقدموا الشهداء ومحصوا وذاقوا الجوع
والعطش،
وكانوا اكثر ملازمة للرسول(ص) ممن سياءتي
بعدهم.فاذا
اتبعهم هؤلاء نالوا من اللّه الحسنى، وهو ما يبينه
اللّه تعالى
بقوله: (والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار
والذين اتبعوهم باحسان رضي اللّه عنهم ورضوا عنه،
واعدلهم
جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ابدا ذلك
الفوزالعظيم). ذلك باءن المهاجرين الاولين الذين
آمنوا
وجاهدوا والانصار الذين تحملوا المسؤولية، هم
المؤمنون الحقيقيون، لقوله تعالى: (ان الذين آمنوا
وجاهدوا
باءموالهم وانفسهم في سبيل اللّه والذين آووا
ونصروا اولئك
بعضهم اولياء بعض) وقوله: (والذين آمنوا وهاجروا
وجاهدوا
في سبيل اللّه والذين آوو ونصروا اولئك هم المؤمنون
حقالهم
مغفرة ورزق كريم) وكذلك فان من اتبعوهم بالهجرة قبل
انقطاعها والجهاد بعد الايمان هم منهم. يقول
تعالى:(والذين
آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم اولئك منكم).
وحتى الاعراب، الذين يؤمنون حقا ويخلصون في
اعمالهم للّه،
سيدخلون الجنة لقوله تعالى: (ومن الاعراب من
يؤمن باللّه
واليوم الاخر ويتخذ ما ينفق قربات عند اللّه وصلوات
الرسول الا
انها قربة لهم سيدخلهم اللّه في رحمته ان اللّه
غفوررحيم).
اما سائر الاعراب ممن لا يقومون بشيء من ذلك،
فمطلوب
منهم طاعة اللّه والرسول عمليا، اي سواء آمنوا ام
لم يؤمنوا،وهنا
تكون الطاعة عمياء، وهي تكون كافية كحد ادنى لنيل
ثواب
الاعمال. يقول اللّه تعالى فيهم: (قالت الاعراب آمنا
قل لم تؤمنوا
وقولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم وان
تطيعوا اللّه
ورسوله لا يلتكم من اعمالكم شيئا ان اللّه
غفوررحيم).
وقد اشاد الرسول(ص) بالعديد من اصحابه كجعفر بن ابي
طالب وعمار وابي ذر وحذيفة بن اليمان كما اشاد
بالانصارعموما وذلك لفضلهم وسابقتهم وجهادهم فقد
ظهر
حب الرسول لجعفر بن ابي طالب عند قدومه بعد فتح خيبر
حيث عانقه الرسول(ص) وساوى بين رؤيته له وفتح خيبر
نفسها فقال: «لا ادري باءيهما انا اسر، بفتح خيبر ام
بقدوم جعفر». علما باءن خيبر كانت ريف الحجاز
بكامله.
واما عمار فكان، كما يقول الرسول(ص) «الطيب
المطيب»وان: «ستقتله الفئة الباغية. واما ابو ذر
فكان، كما يقول الرسول(ص) «ممن تشتاق اليهم الجنة»
لانه «ما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء اصدق من
ابي
ذر».
واما حذيفة بن اليمان، فقال عنه رسول اللّه(ص): «ما
حدثكم
حذيفة فصدقوه»...
واما موقف الرسول(ص) من الانصار عموما فقد عبر عنه
بقوله:
«الانصار لا يحبهم الا مؤمن ولا يبغضهم الا منافق،
من احبهم
احبه اللّه ومن ابغضهم ابغضه اللّه» واختياره
الوقوف مع
الانصار اذ يقول(ص): «لو سلكت الانصار واديا (اوشعبا)
لسلكت وادي الانصار (او شعبهم) ولولا الهجرة لكنت
امرا من
الانصار» وذلك لان الانصار كانوا (يحبون من هاجر
اليهم
ولا يجدون في صدورهم حاجة مما اوتوا ويؤثرون على
انفسهم
ولو كان بهم خصاصة).
وهكذا فان التفاضل يقوم على الايمان والتقوى
والجهاد، فلا
تتكون في الاسلام طبقات مغلقة، بل كل درجة مفتوحة
لمادونها فيبلغها من يضحي ويتفانى بشكل مميز.
العبادات الواحدة: لقد فرض الاسلام على الجميع
عبادات
واحدة، لا يتقدم فيها شخص على شخص بسبب من
نسبه وشرفه، بل الجميع يركعون ويسجدون للواحد
القهار،
ويصومون ويحجون بدون تمييز من اي نوع، وفي هذا
اعمق مظاهر المساواة التي تصهر الجميع في البوتقة
الواحدة،
وتشعر كل فرد بالمسؤولية دون ان يعتمد على غيره.
ان الوحدة في المسجد وعند البيت الحرام تنزع
الغلواء والفخر
من الاغنياء ومن الزعماء، وتنزع الصغار ومركبات
النقص من
الفقراء، فتجعل الجميع سواسية كاءسنان المشط.
هذا بالاضافة الى ان العبادات تصرف الانسان عن
الذنوب
وتتوجه به الى اللّه تعالى، فيقيم وجهه للدين وللّه
فتصفونفسه من شوائبها وادرانها وتصبح خالصة
لخالقها
مشتاقة اليه راغبة في جنته.
اعداد الفريق المحترف الجهاد: وهكذا بعد كل هذه
العوامل
والتقنيات، وبعد كل هذا التدريب المنوع
الاشكال والمحتوى،
يتهياء للاسلام مجموعة متراصة جاهزة للتحرك، لا
يدفعها الا
ايمانها باللّه، دونما اثر للظروف
الاجتماعية والسياسية
والاقتصادية عليها، انها مجموعة لا تنطبق عليها
نظريات
الثورة المعاصرة، سواء منها الماركسية او
النظريات الاخرى.
فالماركسية تمرحل الثورات وتجعل منها ثورات
اقطاعية على
مجتمع الرقيق، وثورات برجوازية على المجتمع
الاقطاعي،
وثورات اشتراكية على المجتمع الراسمالي وهكذا..
وهذه
الثورات لا تقوم في نظر الماركسية الاعندما تتفاقم
التناقضات
الى درجة لا تعود محتملة، وذلك عندما تاءخذ علاقات
الانتاج
في تشكيل الكابح لتطور قوى الانتاج.
اما النظريات الاخرى فمتعددة ولعل اهمها التي
تعتبر ان
الثورة تقوم عندما يقتنع الشعب، بعد تفاقم المظالم
باءن
من حقه ان يتحرك للقضاء عليها، لا سيما عندما
تتعقد العوامل
الاجتماعية، ثم ينضاف اليها عامل قومي او وطني او
غيرذلك.
ان الجماعة الاسلامية المؤمنة التي تتهياء، نتيجة
للعوامل التي
تحدثنا عنها في الصفحات السابقة، هي مجموعة
تثبت اولوية
العامل الديني على ما عداه، فهي تتحرك عندما تتلقى
الامر
بالتحرك كجيش واع عقائدي يقوده من يؤمن
بقدراته وكفاءاته
ليحقق المستحيل.
اما اذا قامت العوائق في وجه عمليات الاعداد، سواء
كانت عوائق
قبلية او اثنية او عرقية، او كانت عوامل
الافسادالمادي للجماعة
قبل وصولها الى مرحلة الاندماج، وادت هذه العوامل
الى
اجهاض عملية التربية والتراص، فان ذلك ينبغي ان لا
يقضي
على آمال المسلمين باقامة الاسلام الحقيقي، بحكمه
وشرائعه
ومؤسساته واخلاقه، بل يجب ان يكون ذلك عاملا يدفع
المخلصين الى محاولة اعادة الكرة، لعل اللّه ان
يكون في
عونهم.
على ان كل ذلك لا يمكن ان يطمئن اليه ما لم يقم شخص
بما
كان يقوم به النبي(ص) تجاه الجماعة، فيستاءنف
اعدادهاوصقلها لتقوم بالمهمات المطلوبة، وهذا
الشخص هو
الامام، فما هو دوره؟
الامام: يستاءنف الامام دور النبي لقيادة كل
العملية بكافة
اوجهها التي ناقشناها حتى الان، وحتى يستطيع
الامام
ذلك،لابد له من الضمانات الاخلاقية والعلمية
والقدرات
القيادية، التي توفر له ثقة يمحضه اياها المؤمنون
وينقادون له.
وهكذا يمسي الامام والامة القطبين اللذين تقوم
بينهما علاقة
جدلية، تقوم على الحقوق والواجبات المتكافئة، فاذا
قام كل
بواجبه تجاه الاسلام وتجاه الاخر، اطردت عملية
البناء لينتصر
الدين الحق، ويقوى المجتمع الاسلامي وتتوفر
له سبل العزة
والغلبة.
يقول علي(ع) في هذا الخصوص: ثم جعل سبحانه من حقوقه
حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها
تتكافاءفي
وجوهها ويوجب بعضها بعضا ولا يستوجب بعضها الا
ببعض،
واعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي
على
الرعية وحق الرعية على الوالي، فريضة فرضها اللّه
سبحانه لكل
على كل، فجعلها نظاما لالفتهم وعزا لدينهم،فليست
تصلح
الرعية الا بصلاح الولاة ولا تصلح الولاة الا
باستقامة الرعية، فاذا
ادت الرعية الى الوالي حقه وادى الوالي اليها
حقها، عز الحق
بينهم وقامت مناهج الدين واعتدلت معالم العدل وجرت
على
اذلالها السنن. فصلح بذلك الزمان وطمع في بقاء
الدولة
ويئست مطامع الاعداء، واذا غلبت الرعية واليها او
اجحف الوالي
برعيته، اختلفت هنالك الكلمة وظهرت معالم الجور
وكثر
الادغال في الدين، وتركت محاج السنن، فعمل بالهوى
وعطلت
الاحكام وكثرت علل النفوس».
وهكذا فان استقامة الحاكم والمحكومين، والحاكم
الامام الحق
مستقيم على كل حال، فان الامة تاءخذ طريقها
الى التسامي،
فيحس كل فرد باءنه الكل ويحس الكل باءنه كل فرد،
ويندفع
جميع المؤمنين على طريق تنفيذ الواجبات في مباراة
الى اللّه
تعالى، وهي المباراة التي يحث عليها القرآن الكريم
بقوله
تعالى: (سابقوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضهاكعرض
السماوات والارض اعدت للذين آمنوا باللّه ورسله)
ويقول:
(وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) .
بهذا تقوم وحدة حركية دينامية فاعلة، تنشىء
الظروف
وتخضعها لارادتها المستمدة من ارادة اللّه، فتغير
وجه
الكون وتقيم فيه العدالة الالهية، لا وحدة شكلية
متراخية
مهلهلة، ولا وحدة جامدة ستاتيكية منفعلة، تنتظر
الفرج من
اللّه دون ان تقوم باءي مجهود لاستحقاقه، او تعول
على القوى
البشرية الكافرة لتنقذها، فيما هي لابد ان
تتقاذفها باءرجلها
ذات اليمين وذات الشمال على مذابح مصالحها
واطماعها.
ان الوحدة التي عمل الرسول(ص) على اقامتها، هي
الوحدة
المتحملة للمسؤولية عن الاسلام وعن المسلمين بل
عن الكون
وعن البشر، وحدة يظهر اللّه بها الاسلام على الدين
فكر ولو كره
الشرق والغرب والقوى النووية وغيرالنووية.
اعاقة استمرار تجربة الرسول(ص)
عند وفاة الرسول(ص)، كان المسلمون لا يزالون حديثي
عهد
بكفر وهذا ما صرح به(ص) مرارا، وكان من الواجب
ان تتابع
تجربته، ولكن الامور اخذت منحى مختلفا منذ
السقيفة، الامر
الذي تفاقم في ايام عثمان، ليجري الارتداد
الكبيرمنذ بداية
العهد الاموي.
السقيفة ونسف الوحدة الاسلامية
عند وفاة الرسول(ص)، وفيما كان لا يزال مسجى في
بيته،
سارع الانصار الى الاجتماع في سقيفة بني ساعدة
ليتدارسواامرهم، ويبحثوا عن وسائل لدرء الاخطار
التي بدات
تتهددهم من قبل قريش، التي وتروها في حروب النبي
ضدالمشركين ثم اتت بقضها وقضيضها مسلمة بعد ياءسها
من هزيمة النبي، ولا سيما بعد فتح مكة. وكان يظهر
من بعض
تصرفات الكثيرين من رجالها روح قبلية، تهدد
مستقبلا
بالانتقام.
ولكن عيون قريش في اوساط الانصار ما لبثوا ان افشوا
خبر
الاجتماع الى ابي بكر وعمر. فتحرك الرجلان
واصطحبابعض
الاقارب والموالي الى اجتماع الانصار ليفشلوه. وقد
كرست في
مناقشات السقيفة امور خطيرة كان اهمها
اعادة الانقسام الى
صفوف الانصار وتاءكيد القبلية القرشية في مواجهة
الاخرين
واستبعاد آل بيت الرسول(ص).
الانقسام في صفوف الانصار: كان الانصار في الجاهلية
منقسمين قبليا الى الاوس والخزرج، وقد نشبت بينهم
خلافات كان اهمها «حرب بعاث»، وكانت قريش تنحاز
الى
الاوس، وفي السقيفة اختلطت المواقف فكان بعض
الخزرج
ضدزعيمها سعد بن عبادة لكن عداوة الاوس كانت تظهر
بشكل ابرز، والدليل مسارعة الاوسيين عويم بن
ساعدة ومعن
بن عدي الى ابي بكر وعمر، ليفشلا اجتماع الانصار
على سعد
بن عبادة، وكذلك تصدي اسيد بن حضير للخزرج منعا من
سيادتها وميلها لحرمان الاوس.
هذا وقد ذكر ابو بكر بشكل ذكي بالخلاف بين الاوس
والخزرج
واحتمال بروزه وتفاقمه من جديد، اذ قال في
السقيفة:«ان
هذا الامر ان تطاولت اليه الخزرج لم تقصر عنه الاوس
وان
تطاولت اليه الاوس، لم تقصر عنه الخزرج، وقد كان
بين الحيين قتلى وجراح لا تداوى..».
تاءكيد القبلية القرشية: لقد اتخذت مقالتا ابي بكر
وعمر منحى
قبليا في السقيفة. فكان مما قاله ابو بكر: «نحن عترة
رسول اللّه، وان العرب لا تعرف هذا الامر الا لهذا
الحي من
قريش، وهم اوسط دارا ونسب» ومما قاله عمر بن
الخطاب للانصار: «.. انه واللّه لا يرضى العرب ان
تؤمركم ونبيها
من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي ان تولي هذا الامر
الا من
كانت النبوة فيهم، واولو الامر منهم، لنا بذلك على
من خالفنا
من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من
ينازعنا
سلطان محمد وميراثه ونحن اولياؤه وعشيرته، الا
مدل بباطل
او متجانف لاثم او متورط في هلكة».
وهكذا فان كلام ابي بكر قد حوى بعضا من الحجج ذات الطابع الاسلامي، الا انها
وظفت لتزكية جميع المهاجرين دونماتفريق بين شخص وآخر، بين صاحب بلاء وتضحية عظيمين
وبين مشارك في الحد الادنى، وقد جمعهم جميع«شرف» قبلي، هو الانتماء الى قريش.
اما كلام عمر فانه لم يركز على اي معيار اسلامي، بل هو تجاهل كل المبادىء التي حملها
الدين الحنيف
عن المساواة، ليتمسك بمفاهيم العرب ومعاييرها.
استبعاد اهل بيت النبي: بعد البيعة الاولية لابي
بكر في
السقيفة، وما تبعها من بيعات على الطريق، استخدم
فيهاالارهاب المعنوي على نطاق واسع، وامتناع بطون
من
قريش واعداد من المسلمين من القبول باءبي بكر، بدات
عملية مساومات، لا علاقة بها بالدين من قريب او
بعيد.
فقد تخوف ارباب النظام الجديد من وحدة الرافضين وهم
اقوى
افخاذ قريش، بنو هاشم وبنوا امية والزبير
والمقدادواعداد
اخرى، فاقترح عمر استرضاء ابي سفيان، فترك له ابو
بكر
صدقات اليمن التي كان جمعها بتكليف من الرسول(ص)
كما ولي اولاده في الجيش المتوجه الى الشام.
ثم جرت محاولة لكسب العباس بن عبد المطلب، عن طريق اغرائه بشيء لاولاده ولكنه رفض.
واخيرا تم الهجوم على بيت فاطمة الزهراء(ع) للقبض
على علي
والزبير وحملهما الى ابي بكر للمبايعة.
كل هذا علما باءن الحجة التي استخدمت لابعاد
الانصار، هي
الحجة ذاتها التي تجعل الخلافة في اهل
بيت الرسول(ص)، فاذا
كانت القربى هي التي اعطت الحق لقريش، فقد كانت هذه
القربى تدفعها الى اهل البيت لانهم الاقرب الى
الرسول(ص)
وهذا ما احتج به علي(ع) على قريش التي ادلت باءنها
شجرة
الرسول(ص) حيث يقول:
اففان كنت بالشورى ملكت امورهم
فكيف بهذا والمشيرون غيب
فوان كنت بالقربى حججت خصيمهم
فغيرك اولى بالنبي واقرب
علما باءن عليا، يرفض ان تقوم الخلافة الا على
الفضل والسابقة
والعلم وغيرها من الخصال السامية، فهو يقول:
«واعجبااتكون
الخلافة بالصحابة والقرابة».
في عهد عثمان
لقد كان عهد عثمان كفيلا بتسديد طعنة الى مجهود
الرسول
لتكوين النواة الاسلامية الصلبة، فقد استفاد
الخليفة الثالث من
سنة سنها عمر في التمييز في العطاء، ليوزع الاموال
بطريقة لا
تمت الى المساواة ولا الى خدمة الاسلام باءي صلة.
فقد كان عمر قد ميز الناس في العطاء، فيما كان
الرسول(ص)
وابو بكر يساويان بين الجميع، وقد جعله عمر يتراوح
بين مايتين واثني عشر الفا من الدراهم.
اما عثمان فقد اخذ يغدق الاموال على المقربين
والنافذين،
فاءصبح الزبير يمتلك مباني في الكوفة والبصرة ومصر
اضافة الى اراضي عظيمة وماية فرس وماية امة وخمسين
الف
دينار. وكان دخل طلحة من العراق الف دينار يوميا،
وقد
امتلك القصور في المدينة والكوفة، وكان عبد
الرحمن بن عوف
يمتلك نصف مليون دينار اضافة الى ابل وخيل.
وكان من تبذير عثمان للمال العام ان قدم عليه
عبداللّه بن
خالد بن اسيد من مكة ومعه ناس، فاءمر لعبداللّه
باءربعمائة
الف درهم ولكل من اصحابه بمائة الف.
ثم انه قرب الحكم بن ابي العاص، عمه، وابناءه، وهو
الذي طرده
رسول اللّه(ص) ورفض ابو بكر ثم عمر اعادته،
ومنحه واولاده
الاموال الجليلة، اذا اعط ى الحكم مائة الف
واعط ى الحرث بن
الحكم سوق نهروز في المدينة وكان وقفا على مصالح
المسلمين، واعط ى مروان بن الحكم فدك، وهي ما كان
اعط ى
الرسول(ص) لفاطمة ونزعها ابو بكر، كما اعطاه خمس
ارمينيا
ومائة الف درهم، وكما اعط ى ابا سفيان مائتي الف.
وكان زيد
بن ثابت يملك من الذهب ما يكسربالفؤوس كما انه كان
يمنح بناته الجواهر من بيت المال.
والى هذا فقد احاط عثمان نفسه باءقاربه وائتمن على
التجربة
التي اقامها الرسول، غلمان بني امية الذين ولاهم
اهم الولايات
واقطعهم اعظم القطائع.
كل هذا الى تنكيله باجلاء الصحابة كابن مسعود وعمار
بن ياسر
وابي ذر الغفاري وغيرهم.
وكان من نتيجة كل ذلك ضرب النواة الاسلامية واثارة
الاحقاد
والحسد بين افرادها الامر الذي ادى الى الثورة
على عثمان
والى سلسلة الحروب، التي ادت الى تملك بني امية
رقاب
المسلمين، وتحويل الخلافة الى ملك عضوض.
الامويون والقضاء على التجربة ولي معاوية بن ابي سفيان مغتصبا الخلافة من
الوجهة العملية، وراح ينسف المبادىء الاساسية لسياسة النبي(ص)،
من التحكم
باءموال المسلمين وتوزيعها على هواه، الى نسف
المصدر الثاني
للتشريع الاسلامي، سنة الرسول بما امر به من وضع
احاديث
بحق عثمان وغيره، ومعارضة كل قول في علي بن ابي
طالب،
كما راح يصفي من يعجز عن استيعابه من خصومه
السياسيين
كالحسن بن علي(ع) وحجر بن عدي واصحابه بعد اغتياله
مالك الاشتر وبعد لجوئه الى سفك دماءالمسلمين
بواسطة
قادته لا سيما بسر بن ارطاءة، وراح خلفاؤه وعمالهم
يسترقون
المسلمين ويمنعون اسلام الموالي وابناء البلدان
المفتوحة،
خوفا من تدهور مداخيل الدولة.
والى كل ذلك اقاموا الشرخ بين العرب والموالي،
الامر الذي
اسس لما سوف يسمى ب «الشعوبية»، كما
اثارواالحساسيات
بين قريش والانصار عن طريق استئثار بني امية وسائر
اقاربهم
ممن ساروا في ركابهم واستبعاد غيرهم.
واخيرا اثاروا النعرات القبلية التي جاء الاسلام
للقضاء عليها،
الامر الذي ادى الى الحروب بين القيسية واليمنية.
اما في مجال الجهاد، فقد حول الامر الى مجرد فتح
وغزو ونهب
اموال دونما اهتمام بنشر الدعوة.
كل هذا كان كفيلا بالقضاء على تجربة الرسول في مجال
تكوين
الطليعة الصلبة، التي تستطيع ان تنشر الاسلام
وتحافظ عليه،
دونما تاءثر بالظروف او المعطيات، طليعة ادركت
اهمية اقامة
مثلها، الاحزاب الثورية في ايامنا حيث حققت
عن طريقها
انتصارات لا باءس بها.
محاولات علي استنئاف سيرة الرسول
بعد عثمان وقبل حكم بني امية بذل الامام علي(ع)
جهودا
جبارة لاعادة تكوين النواة الاساسية للاسلام، ولكن
لم يتح ان
يسير بالمشروع حتى الانجاز وذلك لاسباب عديدة
اهمها:
اولا: ان النواة التي كان انشاءها الرسول(ص) وهي
تتكون من
المهاجرين والانصار، لم يصمد جميع اعضائها
امام المغريات، بل
هم استجابوا لها واثرى الكثيرون منهم واصبح هم
الواحد منهم
تكديس الاموال واقتناء الضياع والجواري والعبيد.
ثانيا: ان من عصم اللّه من النواة المذكورة،
استهلكتهم
الحروب، التي فرضت على علي(ع) فذهبوا شهداء، لشد ما
تاءوه عليهم الامام وتحسر.
ثالثا: ان سائر المسلمين من غير النواة الاساسية،
لم يتح
للنبي(ص) ان يصهرهم لضيق الوقت، اذ ان منهم من اسلم
يوم فتح مكة ومنهم من اسلم فيما بعد.
رابعا: ان معاوية مارس سياسة اغراء شديدة تجاه
الزعماء
القبليين في جيش الامام، مما جعلهم يهتمون بما يمكن
ان يحصلوا عليه اكثر من اهتمامهم بنشر الدين
واقامة النظام
الحق.
غير ان محاولة علي(ع) لم تذهب هباء، بل هو استطاع ان
يستخلص بعضا من المؤمنين، وان قل عددهم، ثم
تابع خلفاؤه
الدرب في ظروف شديدة الصعوبة والتعقيد، من مثل
مجزرة
كربلاء وسائر المحن التي لم تتوقف حتى غياب الامام
الثاني
عشر، بل استمرت حتى الامس القريب.
ولو انه اتيح لعلي ان يخلف الرسول في حكم المسلمين،
لكان
من المؤكد ان تؤتي التجربة ثمارها المرجوة.
شهداء مرج عذراء حجر بن عدي واصحابه
(رض)
د. علي زيتون
المكان، من الوجود الجغرافي الى الوجود التاريخي
تنشاء بين
الانسان والمكان علاقة يتحول بها المكان من
الوجودالجغرافي
الى الوجود التاريخي الانساني. يعط ي الانسان، في
هذه الحالة،
المكان وجوده هذا، فيذكر ليكون معلما من معالم
حياته.
ومن العلاقات الفريدة بين الانسان والمكان ما نشاء
بين حجر
بن عدي الكندي ومرج عذراء.
مفارقة فريدة
واول ما يلاحظ، في شاءن هذه العلاقة، مفارقة نادرة
وفريدة في
التاريخ الانساني، تتمثل في ان الصحابي الذي يفتح
بلدة«عذراء» ويكون اول مسلم يكبر فيها، ويرسي فيها
اسس
الدين الحنيف، لا يلبث ان يقتل فيها باءمر ممن تولى
الحكم باسم الاسلام. جاء، في سير اعلام النبلاء،
ان حجرا قال لما
صار هو واصحابه الى عذراء: «اما واللّه، اني لاول
مسلم
نبح كلابها في سبيل اللّه».
يصور الشيخ عبداللّه السبيتي اللحظة التي عاشها
حجر، وهو
يتقدم مصفدا بالقيود الى مرج عذراء، فيقول:
«و..اعادته الكلمة
الى عقدين من الزمن ويزيد، عندما كان يتقدم بنفسه،
وهو
يقود كتيبة من الجيش الاسلامي، ليفتح مرج
عذراء،فكان اول
من وطاءتها قدماه، واول من نبحته كلابها في سبيل
اللّه، وهو
الان يعود اليها، مصفدا بالحديد في سبيل اللّه،ولا
تكاد المحنة
التي اصابته تؤثر على نفسه، او تفل شيئا من عقيدته».
لهذه المفارقة قصة تروي سيرتي المكان والانسان،
وهاتان
السيرتان تمثلان جانبا من جوانب التحول التاريخي
الذي حدث
بعد ان خرج والي الشام، معاوية بن ابي سفيان، على
قيادة الامة
الشرعية، وتمكن، في ملابسات معروفة من استلام
الحكم.
عذراء ومرجها
نبدا هذه القصة بالتعرف الى المكان. يقول ياقوت
الحموي
(المتوفى سنة 626 ه):
«عذراء.. قرية بغوطة دمشق، من اقليم خولان معروفة.
واليها
ينسب مرج. واذا انحدرت من ثنية العقاب، واشرفت
على الغوطة، فتاءملت على يسارك، رايتها اول قرية
تلي الجبل،
وبها منارة. وبها قتل حجر بن عدي الكندي، وبها قبره.
وقيل انه
هو الذي فتحها. وبالقرب منها «راهط» الذي كانت فيه
الوقعة
بين الزبيرية والمروانية. قال الراعي:
وكم قتيل يوم عذراء لم يكن
لصاحبه، في اول الدهر، قالي»
وعذراء من قرى غوطة دمشق، تقع في الشمال الشرقي
منها.
وتبعد عنها خمسة عشر ميلا، وقال ابن منظور: عذراء
قرية بالشام معروفة.. قال ابن سيدة: اراها سميت
بذلك لانها لم
تنل بمكروه ولا اصيب سكانها باءذاة عدو.
ويا من عن نجد العقاب، وياسرت
بنا العيس عن عذراء دار بني الشجب
وهي، الان، بلدة عامرة يقصدها زائرو مقام حجر بن
عدي
واصحابه. وفيها قبور: مدرك بن زياد الفزاري وسعد بن
عبادة واسيد الخزرجي ودحية الكلبي.
فمن هو هذا الصحابي الجليل الذي اتبع الحق، ولم يحد
عن
دربه، وقدم حياته راضيا مرضيا في سبيله.
حجر بن عدي الكندي
هوية حجر
هو حجر بن عدي الكندي (بضم الحاء وسكون الجيم)، قتيل
مرج عذراء. عرف بحجر بن الادبر، وبحجر الخير تمييزا
له من
ابن عمه حجر بن يزيد، الموصوف بحجر الشر، الذي شهد
صفين في جيش معاوية. اما كنيته فاءبو عبد الرحمن.وصف
بالكندي نسبة الى قبيلته كندة، وبالكوفي نسبة الى
اقامته في
مدينة الكوفة. وهو من الاربعة الذين انتهى
اليهم الجمال في
تلك المدينة.