الصفحة السابقة

الصفحة التالية

وهكذا كان.. ولم يستطع موسى الصبر في الحالة الاخيرة.. وبدا العبد الصالح بعد ان نفذ تهديده بالفراق يشرح لموسى كل شيء ويوضح له طبيعة الاعمال التي اثارت استنكاره، وكيف كانت مرتبطة باءمر اللّه لا برايه الشخصي، وليس من شاءن هذا البحث ان ندخل في الحديث عن تقويم هذه الاعمال من حيث انسجامها مع الخطوط الماءلوفة للشريعة اواختلافها عنها، وخضوعها لحالة استثنائية اقتضتها طبيعة تلك الحالات الخاصة فان لذلك بحثا لا مجال له الان.

ولكن ما نريده هو الاستفادة من الجو في هذا الحوار بتقرير فكرتين اساسيتين في مستوى القيمتين الاخلاقيتين، وهما:

1- الانضباط والصبر والصمت في الحياة العملية المتحركة في اتجاه ممارسة الانسان للمسؤولية اذا كانت الجهة التي يتبعها، او يتعاون معها في مستوى الثقة الفكرية والدينية والعملية التي تبرر له الاعتماد عليها والسير معها فلا يسارع بالاعتراض على ما يوجه اليه من اوامر، وما يشاهده من اعمال تخالف ما هو ماءلوف لديه، لان ذلك قد يؤدي الى الارتباك في العمل، والخلل في انضباط الصفوف، بل يؤخر ذلك الى الظرف المناسب.

2- ان على المؤمنين ان يتقبلوا بالصبر والتسليم ما يلقى اليهم من احكام اللّه مما لا يتفق مع الافكار التي ياءلفونها، لان اللّهاعلم بجهات الصلاح والفساد، فاذا حدثت لهم شبهة في اي امر من ذلك فليتهموا افكارهم، في البداية، وليحاولواالبحث - بعد ذلك - عن طبيعة الحكم وحيثيته ليصلوا الى الحقيقة الحاسمة في نهاية المطاف.

وقد نلتقي بقصة امراة فرعون التي ضربها اللّه مثلا للذين آمنوا من الرجال والنساء لنجد فيها المراة المؤمنة القوية التي تتمرد على كل نقاط الضعف في شخصيتها فترفض كل ملك فرعون من اجل الحصول على رضوان اللّه ونعيمه في جنته، وذلك هو قوله تعالى: (وضرب اللّه مثلا للذين آمنوا امراة فرعون، اذ قالت:

رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين) (التحريم/11).

وهذا هو التعبير الانساني النسوي عن الايمان القيمة الذي يدفع صاحبه الى الارادة القوية في رفض الواقع الفاسد الذي يتنافى مع مبادئه، مهما كانت المغريات محيطة به او محتشدة في ساحته، لينفتح على النتائج الايجابية الكبرى في القضايا المصيرية، الامر الذي يؤكد واقعية القيمة الايمانية في تاءثيرها على حركة الذات في التحدي للنفس الامارة بالسوء وللقوى الضاغطة التي تطبق على قرار النفس في عملية مواجهة حادة تصنع من الضعف قوة لا سيما في المراة التي لا يمثل ضعفها الانساني قضاء وقدرا يحكم حياتها بحيث لا تملك التحرر منه، فكما يملك الرجل - وهو الانسان الذي خلقه من ضعف - ان ينتقل من الضعف الى القوة بارادته الايمانية فان المراة المخلوقة من ضعف، تملك ذلك لان اللّه لم يتحدث في القرآن عن ضعف المراة بل تحدث عن ضعف الانسان.

ان القيمة هنا - في القصة - هي ان الانسان المراة قد يرتفع الى النموذج الاعلى الذي يجسد القيمة الاخلاقية في الثبات على الخط واسقاط الانحراف في افضل مثال.

ويتحرك - بعد ذلك - كل القصص القرآني في تعبير فني ايحائي عن القيمة المتجسدة في الناس، لتكون القصة منهجاتربويا في تاءكيد القيمة في الواقع الانساني في حركة النمو والتطور والتزكية الانسانية.

د. علي لاغا:

جاء، في موسوعة «في ظلال القرآن»: «ان النظر في آثار الغابرين يهز القلوب، حتى قلوب المتجبرين...

ولحظات الاسترجاع الخيالي لحركاتهم وسكناتهم وخلجاتهم، وتصورهم احياء يروحون في هذه الامكنة ويجيئون، يخافون ويرجون... ان هذه التاءملات لتهز القلب البشري هزا مهما يكن جاسيا غافلا قاسيا. ومن ثم ياءخذ القرآن بيد القوم ليوقفهم على مصارع الغابرين بين الحين والحين: (...

افلم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الاخرة خير للذين اتقوا افلا تعقلون) (سورة يوسفر109). افلا تعقلون؟.. فتدبروا سنن اللّه في الغابرين؟ افلا تعقلون فتؤثروا المتاع الباقي على المتاع القصير؟».

ان هذه الاية وما تلاها (حتى اذا استياءس الرسل وظنوا انهم قد كذبوا جاءها نصرنا..)، تؤكد سنة اللّه تعالى في شاءن الدعاة والدعوات لابد من الشدائد ولابد من الكروب، حتى لا تبقى بقية من جهد ولا بقية من طاقة..

كما ان قصة موسى عليه السلام مع الخضر تركز على المعاني التي يمكن لانسان ضعيف في علمه ان يستشفها:

اولا: انه فوق كل ذي علم عليم، وحذار من الركون الى الغرور والاستعلاء، ان موسى عليه السلام كبير انبياء بني اسرائيل وقاهر فرعون، وصاحب اليد والعصا التي بها انفلق البحر، وكانت من قبل قد التقفت كل حبال السحرة، موسى النبي الذي نزلت عليه التوراة وكلمه اللّه تعالى.. وصل به الامر الى ان يظن بنفسه انه حوى كل العلوم، فاءوحى اليه تعالى ان العلم اعظم من ان يحويه رجل، او ينفرد به رسول، فكانت قصته مع الرجل الصالح الخضر عليه السلام. والايات 60- 82من سورة الكهف تحكي تفاصيل تلك القصة.

ثانيا: المنهج التجريبي في التعلم، والحوار التالي يشهد على ذلك: (قال له موسى: هل اتبعك على ان تعلمني مماعلمت رشدا. قال: انك لن تستطيع معي صبرا، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا؟ قال: ستجدني ان شاء اللّه صابراولا اعصي لك امرا) (الكهف/66- 69). وهذا يعني ايضا وجوب التسليم من قبل المتعلم للمعلم، والصبر على ما التبس عليه حتى تظهر الحقيقة في اوانها.

ثالثا: يمكن للعالم في حقائق الامور ان يتخذ موقفا ويتفرد به.

وهذا يمكن اسقاطه على القادة الملتزمين بشورى اهل الخبرة الى الحد الذي يستكمل كل امكانيات المجتمع، حيث انه لا يجوز القيام بعمل وما زال اناس لديهم القدرة على تحسينه وتحصينه، دونما ضم جهودهم الى القدرات المبذولة.. عندها يجوز لهؤلاء ان يفعلوا ما ليس مفهوما عندآخرين من خاصة او عامة، كمثل خرقه للسفينة ثم بنائه للجدار المتصدع..

اما قصة ابراهيم الخليل وابنه اسماعيل عليهما السلام فهي مشهد لتجربة ثبت فيها الايمان باللّه تعالى وتصديقه والالتزام باءوامره على الرغم من كل عاطفة ورغبة، ان الطاعة كانت من الاب الذي سينفذ عملية الذبح والابن المراد ذبحه (..

قال يا بني اني ارى في المنام اني اذبحك فانظر ماذا ترى. قال:

يا ابت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء اللّه من الصابرين) ثم الامتثال لامر اللّه تعالى. يتنزل الفرج (فلما اسلما وتله للجبين. وناديناه ان يا ابراهيم. قد صدقت الرؤيا انا كذلك نجزي المحسنين. ان هذا لهو البلاء المبين. وفديناه بذبح عظيم..) (الصافات/101- 112).

ان الطاعة للّه عز وجل وفق السنن المفروضة هي الطريق الى الفرج مهما ادلهمت الظلمات، او تداخلت المصاعب والمتاعب..

الدكتور محمود البستاني:

ما دمنا نخبر جميعا ان كل مادة قرآنية كريمة تنطوي على صياغة «هدف» ما، حينئذ فان الاهداف، او القيم، او الافكارالتي يستهدف توصيلها الى المتلقي تظل متنوعة تبعا لتنوع المبادىء الاسلامية نفسها.. كل ما في الامر: ثمة قيم يتم التاءكيد عليها اكثر من التاءكيد على سواها، وهذا من نحو القصص التي ترسم مصائر الامم المنحرفة: بخاصة المصائرالدنيوية بهدف تعديل السلوك البشري في تحديد موقفه من الكون، اي الايمان به تعالى، بصفته هو النافذة التي يمكن ان يطل الانسان منها الى سائر مبادئه تعالى.. لكن: اذا تجاوزنا هذا الجانب، نجد ان قيما متنوعة اخرى، منها ما اشرتم اليه من حادثتي وموقفي موسى وابراهيم(ع) وعشرات امثالها، تنفرز امام المتلقي ليجد نفسه حيال مبادىء او اهداف متنوعة يستخلصها من الواقعة الواحدة، وذلك بما تنطوى عليه من التعدد الدلالي. فحادثة موسى مع الخضر(ع) لاتنحصر في استخلاصنا الدلالة التي يشير اليها النص التفسيري في ذهابه الى انه(ع): اما ان يكون قد انبهر بمعطياته من الايات المتنوعة، او استخلاص ان كل شخصية مصطفاة «تتخصص» في معط ى تتفاضل به على اخرى، بل يتجاوز ذلك الى دلالات اخرى، منها مثلا: ورودها في سياق مجموعة من القصص والايات التي تتحدث عن «زينة الحياة» الدنيا،وانشطار الناس حيالها الى «متشبث» بها او «نابذ»، مثل حادثة صاحب الجنتين اللتين انبهر بهما، فشكك بقيام الساعة مقابل ذي القرنين الذي ملك شرق الارض وغربها دون ان ينبهر بزينة الحياة الدنيا، او حادثة اهل الكهف التي المحت الى انهم انتخبوا اقصى نبذ لزينة الحياة وهو دخولهم الكهف مقابل المتشبثين باءبسط زينة، او ملاحظتنا لنمطين من الشخصيات المصطفاة: احداهما شخصية موسى(ع) الذي القيت عليه الاضواء بحيث عزمته الدنيا مقابل الخضر(ع)فيما لم يعرفه حتى موسى(ع) نفسه.. ان المتلقي حينما ينتهي من قراءة النص القصصي المذكور، سوف يستخلص جملة دلالات واهداف، لا دلالة واحدة، فبالاضافة الى انه سوف يتداعى بذهنه - ولو بنحو غير مباشر - الى التعرف على مستويات التشبث او النبذ لزينة الحياة، سوف يستخلص دلالة «الحكمة» الكامنة وراء كثير من الظواهر التي تند عن التعليل. انه سيستخلص مبلغ علم الانسان مهما تعاظمت شخصيته العبادية، ويستخلص ضرورة الصبر، ويستخلص توزيع الادوار العبادية التي اوكلها تعالى الى المصطفين من عباده.. الخ..

3- يؤكد بعض العلماء والباحثين وجود قوانين وسنن تحكم حركة التاءريخ، وان القرآن قد توخى في عرضه لتجارب الماضي واحداثه اكتشاف هذه السنن لنوظفها في تعاطينا مع الواقع.

ما هو رايكم في ذلك؟ السيد محمد حسين فضل اللّه:

ان التاريخ، في حركته، هو جزء من الطاقة الانسانية المتمثلة في النماذج المتنوعة للانسان الخاضعة للنظام الوجودي الذي اراد اللّه للكون وما في داخله ان يتحرك فيه، فان اللّه قد خلق كل شيء بقدر، وجعل لكل شيء قدرا واودع في الذات الانسانية المنفتحة على الروابط العضوية الحية التي تربطه بالوجود كله في داخلها وخارجها من العناصروالقوانين التي تنظم، فلا يملك الانسان ان يتحرك بطريقة فوضوية حتى لو اراد ذلك، لان مثل هذه «الفوضوية» تخضع للنظام السلبي في الواقع الحركي الوجودي للانسان، فكما يحتضن النظام الرياح المعتدلة فانه يحتضن الرياح العاصفة،وهكذا يتمثل النظام الوجودي في الفيضانات والزلازل والبراكين.

وعلى ضوء هذا فان التاريخ لا يتحرك بطريقة عمياء ولا يخضع للصدفة لان الانسان في عقله وعاطفته وتطلعاته وحركيته هو الذي يدفع بالمسار التاريخي الى غاياته الكبرى في جانب السلب او الايجاب والخير والشر فارادته في الظروف الموضوعية التي تتحرك في خلفياتها وفي امتداداتها هي التي تحدد المقدمات والنتائج، فقد جعل اللّه الحركة التاريخية مرتبطة بالواقع الانساني الداخلي الذي يمثل الخارج صورة له على هدى ما جاء في قوله تعالى: (ذلك باءن اللّهلم يك مغيرا نعمة انعمها على قوم حتى يغيروا ما باءنفسهم) الانفال/53) وقوله تعالى: (ان اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيرواما باءنفسهم) (الرعد/11). وتلك هي سنة الهية انسانية تحرك الحياة لانها لا تنفصل في اوضاعها المتحركة عن الانسان،وهذا هو الذي يجعلنا نستوحي الفكرة الاسلامية الوجودية، وهي ان الانسان هو صانع التاريخ ومبدع الواقع العملي من خلال خصائصه الانسانية التي اودعها اللّه فيه، في دوره المميز في خلافة اللّه على الارض، من اجل قيادة الحياة وتحريكها على صورة الهدى الذي اراد اللّه للحياة ان تتمثل فيه.

وليس معنى ذلك ان السنن التاريخية تتحرك من خلال الانسان وحده بعيدا عن المؤثرات الاخرى الكامنة في صعيدالواقع، ولكن معناه هو ان الانسان هو الذي يتعامل مع هذه المؤثرات والظروف الموضوعية المحيطة بها من خلال الزمان والمكان والاشخاص والمفردات الحية والجامدة المتناثرة في ساحاتها، وهو الذي يعرف كيف يحركها ويديرهابالطريقة التي يصنع بها النتائج بارادته العاقلة، وحركيته الفاعلة.

وهذا هو الذي يجعل من السنن التاريخية عنوانا يتصل بالوجود الانساني كحالة طبيعية في حركته وحركة الحياة من حوله، فهناك نظامان في الكون، النظام الكوني الطبيعي المتمثل بالظواهر الطبيعية التي تحكم الارض والسماء في وجودها التكويني، والنظام الانساني المتمثل بكل النشاط الانساني الفردي والاجتماعي في علاقاته الانسانية وفي علاقته بالارض وما فيها من وجودات اخرى وبالفضاء وما يتناثر فيه من ظواهر ومخلوقات، وهذا هو الذي يتيح للعاملين في الحقل الرسالي والاصلاحي ان يبداوا التخطيط المدروس في النفاذ الى عقل الانسان وعاطفته وحياته من خلال النظام الذي يحكم وجوده الحركي الذهني والعملي الفاعل فيضع للحياة اوضاعها ويحرك للتاريخ مسيرته.

وقد انطلق القرآن في تاءكيد هذه المساءلة وتحويلها الى قاعدة حركية في الواقع الانساني، وفي اعتبار الحركة التاريخية مظهرا من مظاهر فعليتها المتحركة في الواقع وقد اكد القرآن الكريم على ذلك في الحديث عن التجربة التاريخية للانسان، وذلك في قوله تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) (آل عمران/137).

وقوله تعالى: (.. فهل ينظرون الا سنة الاولين فلن تجد لسنة اللّه تبديلا ولن تجد لسنة اللّه تحويلا) (فاطر/43).

وقوله تعالى: (سنة اللّه في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة اللّه تبديلا) (الاحزاب/62).

فاننا نلاحظ ان اللّه يحدثنا، في الاية الاولى، عن سنن من كان قبلنا في حركة المواجهة والتكذيب للرسل وفي النتائج السلبية المتصلة بهذه المساءلة مما يجعلها قانونا تاريخيا يصل النتائج بالمقدمات من حيث ارتباط المقدمات بارادة الانسان، الامر الذي يجعل من النتائج حالة طبيعية للواقع الانساني في التاريخ.

اما في الايتين التاليتين فان اللّه يحدثنا عن الثبات في سنة اللّه فلا تتبدل ولا تتحول الى سنة اخرى او الى مسار آخر، تماماكما هو القانون الطبيعي الذي يحكم الوجود الكوني الذي لا مجال لتبديله، كما يحدثنا عن بعض هذه السنن باءنها «سنة الاولين» للايحاء باءن الانسان هو الذي يحرك هذه القوانين التاريخية، فلا منافاة بين نسبتها الى اللّه من حيث انه هو الذي اودع في الاسباب سر السببية وربط بين السبب والمسبب، ونسبتها الى الانسان باعتبار انه هو الذي يمسك بالسبب في حركته الارادية في تحريك الاسباب في حركة الوجود في الامر الذي يجعل من التنمية الثقافية للانسان هدفا كبيراللرسالات، لتكون حركته في اتجاه الامساك باءسباب الخير لا الشر لتنطلق السنن في خط الايجاب لا في خط السلب لان القضية متصلة بارادته المنطلقة من فكره ومشاعره وتطلعاته.

ولابد لنا في الدراسة القرآنية من اكتشاف هذه السنن في حركة التاريخ على مستوى القاعدة التي تحكم النظام الانساني الطبيعي في الكون، لنستفيد من ذلك في وعي النتائج السلبية او الايجابية في الواقع، ولنعرف كيف نحرك القضاياالانسانية في اتجاه الحصول على حياة انسانية متوازنة والابتعاد عن كل الاوضاع السيئة التي ترهق مسيرة الانسان وتثقل مصيره لان هناك فرقا بين دراسة الحركات الانسانية في التاريخ الذي صنعه الانسان في الماضي والتاريخ الذي يصنعه في الحاضر والمستقبل، على اساس انها مفردات متناثرة في السلوك الذي لا تحكمه قاعدة وبين دراستها على اساس خضوعها لقاعدة ثابتة في مجمل الوجود الانساني في حركيته الفاعلة. ولعل افضل دراسة في هذا الموضوع هي الدراسة التي انطلق بها السيد الشهيد محمد باقر الصدر الذي يرجع اليه اكتشاف هذه «السنن التاريخية في القرآن»ليكون - بحق - هو المؤسس لدراسة هذه القضية على مستوى القاعدة.

الدكتور محمود البستاني:

الحديث عن السنن او القوانين التاريخية او الاجتماعية بعامة، سابق لاوانه، حيث طرحه علماء الاجتماع الموروث والمعاصر في مستويات متنوعة من التقبل او التحفظ او الرفض... بيد اننا اسلاميا لا نتردد البتة في تقبل ذلك، ومن ثم فان عرضها في القرآن الكريم يظل توظيفا - كعنصر القصة التي تحدثنا عنها - لتعديل السلوك. . طبيعيا، ينبغي ان نتحفظ في تحديد ما هو «اجتماعي» مقابل ما هو «فردي» من السنن او القوانين حيث يرد- في القرآن الكريم - مصطلح قوم او امة او انسان من دون ان يعني ذلك ان المقصود هو احدى الدلالتين بل قد تنسحب احداهما على الاخرى، مايجعل التشكيل بصياغته قانونا اجتماعيا او فرديا، من الصعوبة .... واحسب ان التفصيل في ذلك يتطلب مجالا خارج هذه الصفحات.

4- يلاحظ ان بعض القضايا التاءريخية التي اهتم القرآن الكريم بذكرها لها طابع اعجازي خارج عن نطاق القوانين الطبيعية،مثل قضية يونس والحوت، وقصة سليمان وعرش بلقيس او قصته مع النملة او مع الهدهد، او قصة اصحاب الكهف، اوقصة العزيز وحماره.

فهل هذه القضايا تمثل سننا تاءريخية ايضا يمكن ان نفيد منها في التعامل مع الواقع؟ وما هي الحكمة من طرحها؟ السيد محمد حسين فضل اللّه:

ان مساءلة المعجزة في الدين تمثل الحادثة الخارقة للعادة الماءلوفة في حركة الاسباب والمسببات في وعي الانسان للسببية، لتكون نوعا آخر من الاسباب الخفية التي تتحرك بعيدا عن مجالات المعرفة الانسانية كما هو راي بعض المفكرين المسلمين، او لتكون فعلا الهيا مباشرا على طريقة الخلق التكويني بعيدا عن الارتباط العضوي باءي سبب خفي، ولذلك فان هذه الحادثة في كل نماذجها لا تمثل قضية متصلة بالمسار الانساني في حركة التاريخ، ولكنها تتصل بالسنة الالهية في اعطاء بعض القدرات غير العادية لبعض انبيائه واوليائه، او توفير بعض الوسائل غير الماءلوفة، او تهيئة بعض الاوضاع الاعجازية في ساحة التحديات مع الذين يواجهون الرسالات بالتحدي العدواني، او ايجاد بعض الحوادث غير الطبيعية في حياة بعض الانبياء على سبيل الابتلاء، وما الى ذلك مما يدخل في تجاوز الماءلوف في الطبيعة والاسباب العادية التي تمثل الخط الطبيعي للنظام الكوني في اوضاعه وحوادثه.

اما الحكمة من طرحها فهي التاءكيد على قدرة اللّه في الماءلوف وغير الماءلوف لان كل ذلك من ابداعه وهيمنته على الوجود كله، فان المعجزة في الماءلوف قد تكون اعظم في سرها العميق في القدرة من غير الماءلوف، لانها تتحرك في القاعدة بينما تتحرك تلك في حادثة معينة مما يجعل عمق القدرة فيها اقوى واوسع واشمل واكثر امتدادا في الزمن،ولكن الالفة تفقد الشيء تاءثيره في النفس.

ثم انها توحي برعاية اللّه لرسله ولاوليائه في ساحات التحدي، كما يمكن ان يمنح بعض ذلك للمؤمنين المخلصين في بعض فجوات الواقع الصعب الذي يعيشونه من خلال بعض الكرامات التي يكرمهم اللّه بها ليحل لهم مشكلة معقدة، اولينقذهم من خطر داهم، او ليظهر فضلهم عن الناس، وهكذا يعرف الناس ان الغيب يتحرك في الواقع، كما يتحرك في المطلق ليتجاوز الناس الحس والماءلوف الى الافاق الواسعة في قدرة اللّه التي لا يحدها شيء ليعيشوا في اجواء الثقة به في كل مواقع وجودهم.

ومن خلال ذلك يعرف العاملون في سبيل اللّه انهم يتحركون في رعاية اللّه، ليزدادوا وثوقا به وتوكلا عليه واملابالمستقبل، وبالخروج من النفق المظلم مهما ضاقت مساربه ونوافذه الى الصحو المشرق المبدع في آفاق الامل الكبيرباللّه.

الدكتور علي لاغا:

ان المعجزات التي كانت تاءتي على يد الرسل عليهم السلام انما تهدف لاثبات نبوءتهم. واخبارنا بحصولها لا يخرج عن الهدف الذي حدثت به امام معاصريها، فالمشهد يفاد منه بالمشاهدة كما بالرواية.. والمهم هو الرواية الصادقة..

وبعد التثبت من صدق الراوي ينصرف الانسان المؤمن الى التنفيذ، فالمساءلة هي اقتناع او ايمان، ثم بعد ذلك عمل دؤوب لتطبيق المنهج...

الدكتور محمود البستاني:

لا احسب ان ثمة ضرورة لان نصطنع فارقا بين السنن التاريخية او الاجتماعية وبين الظاهرة «الفردية» بالنسبة الى الظواهرذات الطابع الاعجازي، فالمهم ليس «اجتماعية» الظاهرة او «فرديته» بل هو «الانسان» ومدى افادته من الظواهرالاعجازية. ومما لا شك فيه، ان اية ظاهرة - طبيعية كانت او اعجازية - ينبغي ان يوظفها الانسان في تعديل سلوكه، اوما اسميتموه بالتعاط ي مع الواقع. فالقرآن الكريم حينما يطرح ظاهرة اعجازية نجده حينا: يطرحها من خلال الشخصيات المصطفاة كالانبياء(ع) او اوصيائهم، وحينا آخر مع بشر عاديين كاءصحاب الكهف، والمهم هو استثمار ذلك في تعديل السلوك بحيث يصح الذهاب الى ان الاخلاص في التعامل مع اللّه تعالى يفضي الى تسخير «المعجز» لصالح الشخصية سواء اكانت مصطفاة ام عادية.

5- يهتم القرآن الكريم بعرض قضايا ومواقف خاصة لها طابع شخصي جزئي ربما نرى انها ليست مهمة او اساسية بادىءالنظر، كما ورد في سورة التحريم: (واذ اسر النبي الى بعض ازواجه حديثا فلما نباءت به واظهره اللّه عليه عرف بعضه واعرض عن بعض فلما نباءها به قالت من انباءك هذا قال نباءني العليم الخبير)...الخ الايات. او قوله تعالى: (قد سمع اللّهقول التي تجادلك في زوجها وتشتكي الى اللّه واللّه يسمع تحاوركما ان اللّه سميع بصير).

ما هو السر في نظركم وراء اهتمام القرآن بعرض امثال هذه القضايا؟ السيد محمد حسين فضل اللّه:

قد نستوحي من ذلك ان اللّه يريد ان يقدم للناس حياة رسوله بكل تفاصيلها العائلية ليدلل على المعاناة التي كان يعيشهافي داخل بيته والمشاكل التي كانت تتجمع حوله، وعلى الصبر الانساني الرائع الذي كان يتمتع به في مواجهة ذلك كله،ليكون ذلك درسا لكل العاملين في حقل الدعوة والاصلاح الذي قد يعيشون في مثل هذه التجربة للايحاء اليهم باءنهاحالة طبيعية تصيب الانبياء، فلا يتعقدون منها بل يتابعون مسيرتهم بكل صبر وثبات ورضا واطمئنان.

وربما كانت المساءلة تمثل الايحاء باءنه ليس من المفروض في نساء الانبياء ان يكون سلوكهن في المستوى الاعلى من الانضباط والتقوى في الجانب الاخلاقي، وان النبوة لا تمنحهن عصمة في العلاقة الزوجية بالنبي، بل تهيء لهن الجوالمناسب للالتزام بالاستقامة في العمل. ولكنهن قد ينحرفن عن ذلك بطريقة وباءخرى وفي ضوء ذلك ينبغي الا يربط الناس في القيمة بين الرسالي وعائلته ليمنحوها التعظيم الذي يمنحونه له، لان العلاقة لا تفرض ذلك، فللنبي قيمته ولعياله قيمتهم، وهذا ما تحدث اللّه عنه في سورة التحريم في بعض ازواج النبي، كما تحدث عن امراة نوح وامراة لوط مع الفارق بين الموردين في الخصوصيات وفي المواقف.

ومن ناحية ثانية، فان على الناس الا ينظروا الى الرساليين نظرة سلبية اذا كان اولادهم وزوجاتهم واقرباؤهم منحرفين عن الخط في سلوكهم الاخلاقي، ليكون ذلك دليلا على فشلهم لعدم قدرتهم على هدايتهم الى سواء السبيل، فان الانبياءوالائمة والاولياء والعاملين في سبيل اللّه لا يملكون الوسائل غير العادية للهداية، لان اللّه لم يجعل ذلك لهم في الخط العام. وهذا مما اكده اللّه في خطابه للنبي(ص) (فذكر انما انت مذكر لست عليهم بمسيطر)(الغاشية /31).

اما في آية المجادلة فانها تدلل على رحابة صدر النبي(ص) لسماع الشكوى في القضايا الجزئية الصغيرة التي تمس حياة الناس العاديين، على الرغم من المكان العظيم الذي يحتله. وصبره على جدالها الذي قد يكون بعيدا عن اللياقة في اطلاق الكلمات انطلاقا من المستوى المتدني للاسلوب الجدلي لامثال هذه المراة من الناس العاديين فلم يعترض النبي(ص) على ذلك بل تقبله بكل حنان ورعاية وعاطفة. ليكون ذلك ايحاء لكل الكبار في المواقع الدينية المتقدمة ان لا تمنعهم مواقعهم الكبيرة من العيش مع الناس في رعاية امورهم وسماع شكواهم وحل مشاكلهم والا يتحولوا الى طبقة مستعلية في البرج العاجي ليطلوا على المستضعفين من فوق ليعتبروا انفسهم اكبر من معالجة هذه الامور ومن التنازل الى هذه الدرجة الاجتماعية. وهذا ما نستوحيه من سورة «عبس» في هذا الجانب منها: وان عليهم ان يتحملواكل السلبيات الكلامية وكل اساليب الجدل الذي يثيره المستضعفون معهم في قضاياهم ثم.. ان هناك نقطة مهمة في هذه الاية، وهي رعاية اللّه في رحمته فلا يعتبروا انفسهم فوق ذلك لعباده حيث يستمع اللّه الى شكواهم ويتعهد آلامهم بالرعاية والعناية وانزال الوحي التشريعي لحل مشكلة هذه الانسانة الضعيفة التي لم تستطع ان تحل مشكلتها ذاتيافرفعت شكواها الى اللّه، من خلال رسول اللّه(ص) فاستجاب اللّه لها وانزل التشريع الذي تحول الى قاعدة لمثل هذه القضية ليكون حلا لكل النماذج المماثلة لها في حياة الناس الاخرين.

وفي ضوء ذلك، نعرف ان اللّه يرحم عباده المستضعفين ويسمع شكواهم وان الشريعة تمثل رحمة اللّه بهم في كل القضايا الصغيرة والكبيرة.

الدكتور محمود البستاني:

ان طرح الظواهر يتم، في الاعمال الفنية الخالدة، من خلال بعدها العام، اي بكلمة بديلة: ان «العام» يظل هو الهدف من وراء الطرح، سواء اكانت القضية المطروحة ذات طابع اجتماعي ام كانت ذات طابع «فردي» فاذا نقلنا هذه الميزة الفنية الى القرآن الكريم نجد ان احد طوابع اعجازه يتمثل في الحقيقة المشار اليها. سر ذلك ان القرآن الكريم ما دام يتحدث مع الاجيال جميعا، حينئذ، فان الجمع بين ما هو «نسبي» كالتعامل مع مجتمع صدر الاسلام مثلا وبين ما هو «مطلق»يظل هو الحقيقة الفارضة ذاتها على الواقع.. فالقضية الفردية التي تتحدث عن «الانباء» او استماعه تعالى للمحاورة بين الطرفين، او «العبوس»، او اية قضية فردية ترتبط باءشخاص باءعيانهم كالثلاثة الذين تخلفوا او قضية زيد او الخ تظل جميعاتفرز اهدافها بوضوح من خلال الافادة منها في معرفة الحقائق من جانب وتعديل السلوك من جانب آخر.

6- من الظواهر اللافتة للنظر في القرآن الكريم انه كان ينزل مفرقا بحسب الحوادث الواقعة، ومن ذلك نشاء البحث في مايعرف عند المفسرين باءسباب النزول.

كيف تفسرون هذه الظاهرة؟ السيد محمد حسين فضل اللّه:

ان نزول القرآن نجوما كما هو التعبير المصطلح لنزوله مفرقا لا جملة واحدة، قد عبرت عن السر فيه الاية الكريمة في قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورثلناه ترتيلا) (الفرقانر32).

فان فقرة «لنثبت به فؤادك» قد توحي باءن اللّه اراد للقرآن ان يواكب حركة الدعوة في حركة النبي محمد(ص) من اجل ان يتابع التحديات والمشاكل والاهتزازات الاجتماعية والنفسية التي كانت تحدث في ساحة الصراع مما كان يثقل الواقع الاسلامي ويدفع بالمسلمين الى بعض الحيرة والارباك والتساؤل عن هذه القضية، وتلك المشكلة، وحكم اللّه في هذه الواقعة او تلك بما كان النبي(ص) يتوقف لينتظر امر ربه في ذلك كله ليربيهم على انه لا يتحرك من ذاته في المساءلة التشريعية، او في الواقع العملي بل من خلال امر اللّه ووحيه، لينطلقوا في هذا الخط فلا يقدموا رجلا ولا يؤخروا اخرى حتى يعلموا ان ذلك للّه رضا، ولا يتحركوا في اية مشكلة او في اية قضية الا من موقع الوحي الالهي في كتابه والتعليم النبوي في سنته وربما كان هذا الاسلوب من افضل الاساليب في تثبيت الموقف وتركيز الموقع ومتابعة الحركة في رعاية وحي اللّه ليزدادوا ثقة بالنهج النبوي في التوجيه والتخطيط، وبالمسيرة التي تتحرك برعاية اللّه في تفاصيلها الصغيرة والكبيرة.

اما الحديث عن تثبيت اللّه فؤاد النبي وعقله وروحه فانها التعبير عن ثبات الرسالة باعتبار انه التجسيد لها، وذلك من خلال كل الحركية المفتقرة الى المتابعة التفصيلية.

لقد انطلق القرآن من حياة الناس في وحي اللّه الذي كان يريد للفكرة ان تتحرك في الواقع من خلال هذه المناسبة، اوذلك الشخص او تلك المشكلة، فتتجذر في الحس وفي الوجدان الذاتي للفرد والمجتمع في عهد الرسالة لتاءخذ بعدذلك البعد الكلي العام للتشريع الذي لا يتحدد في زمان ومكان فليست اسباب النزول حدود الاية او السورة بل هي المنطلق الذي يقدم نموذج المشكلة والحل في الواقع ليكون الوجه الواقعي للخط العام للمشكلة والحل في الحياة الانسانية كلها وهذا ما عبر عنه الامام الباقر(ع) فيما روي عنه في مضمون حديثه: «ان القرآن يجري مجرى الشمس والقمر والليل والنهار».

وربما يستوحي المجتهد من اسباب النزول الموثوقة من بعض الظروف الموضوعية المحيطة بالمساءلة، مما يتصل بالشخص في خصوصياته وبالمكان في حدوده وغير ذلك، ما يمكنه من تقييد المطلق وتخصيص العام، وارادة خلاف الظاهر بوساطة القرائن المتناثرة هنا وهناك، وقد توحي ببعض اللمحات التفسيرية التي تطل على المضمون بايحاءات واشارات وايماءات فكرية قد تعين على فهم بعض النواحي في ابعاد الاية. ولكن لابد من التدقيق الدقيق في وثاقة روايات اسباب النزول لانها قد تكون اجتهادا من رواتها، لا حديثا عن الواقع في مورد نزول الاية.

واخيرا، ان القرآن هو كتاب الدعوة الاسلامية في جانبها الموضوعي والحركي. ولهذا فلابد للمفسر من ان يعيش الذهنية الحركية التي تدرس القرآن في حركة الانسان في الواقع بالاضافة الى معنى مفرداته في القاموس لانه كان في طريقة نزوله كتاب الواقع الذي يشرع للخط العام في المطلق.

7- صرح القرآن الكريم بهيمنته على سائر كتب الاديان السابقة، وقد مارس بالفعل هذه الهيمنة فصحح كثيرا مما ورد فيهامن اخبار الانبياء وتجارب الامم الماضية.

ما هي اسس هذه الهيمنة في نظركم؟ وهل يمكن القول انها توجه المسلم الى التعامل مع الاخبار والاحداث بطريقة واعية وناقدة؟ السيد محمد حسين فضل اللّه:

لما كان القرآن يمثل الكتاب الخاتم للكتب الالهية الذي جاء مصدقا لما بين يديه من الوحي الالهي في التوراة والانجيل وغيرهما، لذلك كانت مهمته ان يقوم بتصحيح الانحرافات التي حدثت في تلك الكتب من اجل سلامة النص الالهي الذي يمثل الكتاب كله الذي يصدق بعضه بعضا حتى لا تتعارض النصوص فتفسد التصور وتؤدي الى التناقض والدخول في صراعات دينية لا اساس لها من الوحي، وهذا هو الذي حدث فيما نعيشه من صراعات الاديان من اجل التحريفات في النص او الفهم او في امثال ذلك.

واذا كان القرآن الكريم قد انطلق من اجل توثيق المفاهيم الدينية الواردة في الكتب الالهية، فان ذلك يمثل المنهج القرآني التوثيقي في النظر الى الفكر الديني في اصالته ونقائه، ولذلك فلابد لنا من السير في خط هذا المنهج العلمي الذي يعمل على التدقيق في نسبة الفكر الى الوحي الالهي او في نسبته الى النبي(ص) او الى ائمة اهل البيت(ع) فقدنلاحظ ان هناك حشدا كبيرا من حركة الوضع في الاحاديث الماءثورة ونسبتها الى الثقاة من الرواة، كما نقرا في اكثر من رواية ان بعض الناس كاءبي الخطاب في كتب اصحاب الامام الباقر(ع) اربعة آلاف حديث وكان اصحابه المنتمون شكلياالى اصحاب الامام يستعيرون كتب الثقاة من الرواة عن الامام فيدسون فيها احاديث الكفر والغلو والزندقة - كما جاء في نص الحديث - وفي ضوء ذلك لابد لنا من التدقيق في مضمون الرواية بالاضافة الى التوثيق في سندها من خلال المقارنة بينها وبين المضمون القرآني في ظاهر القرآن لنصل الى الحقيقة الحاسمة في الفكر والفقه والمفاهيم العامة والخاصة.

ولعلنا نلاحظ ان هناك ركاما هائلا من الاحاديث الضعيفة التي نفذت الى داخل الساحة الحديثية مما تساهل فيه المتساهلون على اساس انها لا تمثل الزاما في المساءلة الفقهية فلا مشكلة - في هذه الجهة - لان هناك قاعدة التسامح في ادلة السنن التي لم تثبت علميا، ولكنها امتداد الى كل المجالات حتى غير الفقهية مما اساء الى الكثير من المفاهيم الاسلامية العامة في اكثر من موقع.

الدكتور علي لاغا:

قال تعالى: (وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه..) (سورة المائدة: 48). والهيمنة تعني الحفظ وتعني انه مؤتمن عليه، والهيمنة هي شاهدة بالصحة، وهنا بصحة الكتب المنزلة، كما تعني العلو والارتفاع(تفسير القرطبي: 6/210).

ومن يدرس الكتاب المقدس بقسميه العهد القديم والعهد الجديد، يرى الاحكام الشرعية في سفر الخروج وفي تثنية الاشتراع.. احكام الزواج والطلاق والمحرمات والحيض والنفاس.. احكام الزكاة، احكام الحدود من سرقة وزنى وقتل..احكام الردة... كلها ما زالت موجودة لكن يعتريها التحريف مما يجعلها قاسية، صعبة التصور..

ان القرآن الكريم اماط اللثام عن هذه الشريعة التي حوتها التوراة المنزلة على موسى عليه السلام، وكشف عن حقيقة ماحدث لعيسى عليه السلام مع اليهود والرومان الوثنيين.. تلك هي اسس الهيمنة، الحفظ والتصديق والتصحيح..

8- من خلال ظاهرة توظيف القرآن الكريم للحدث التاءريخي في خطابه الى البشر، هل يمكن الاشارة الى خصائص منهجية معينة تميز عملية التوظيف هذه؟ السيد محمد حسين فضل اللّه:

ان ميزة هذا التوظيف القرآني للحدث التاريخي في خطابه الى الانسان انه يضع المنهج الفكري والعملي للانطلاق في خط الواقع في حركة الفكرة في الوجدان الانساني في خط الاعلام، لننطلق من خلال ذلك الى توجيه الباحثين والمفكرين الى الابتعاد عن فكر التجديد الذي يحلق في الفراغ في متاهات الخيال الفكري والتركيز على التحرك في ساحة الواقع ليكون الفكر الاسلامي - كما هو في طبيعته - واقعيا يتحرك مع الانسان في معطيات حياته وتطلعاتها في دور الخلافة الانسانية على الارض حتى اننا نقرا في القرآن ان اللّه سبحانه يريد للانسان ان ينطلق في ايمانه باللّه من واقع الكون في اسرار العظمة، ومن واقع الحياة في اسرار النعمة ليرى الانسان المؤمن ربه في كل مظاهر الربوبية في الواقع وفي كل حركة النعمة في الحياة.

اننا ننطلق من الغيب في العقيدة الالهية لنعيش في الحياة التي ارادنا اللّه ان نتحمل مسؤوليتنا في تفجير طاقاتنا فيها في عملية تزاوج عميق بين الغيب والحضور لان اللّه هو الحاضر الذي لا حضور اعظم من حضوره، والغائب الذي لا غيب اوسع من غيبه، وهكذا تنطلق الحركة الثقافية الاسلامية لتحلق في اجواء المطلق من خلال الحدود، ولتعيش في الغيب من خلال الحضور، وهذا هو سر النهج القرآني الذي يوظف الحياة المتحركة في الماضي التاريخي لخدمة الحياة الحاضرة والمستقبلة وليدفع بالفكرة من داخل الواقع الانساني في كل حركيته لتمثل خطا عريضا لامتداد الفكرة في مدى الزمن بكل امتداداته في الحياة.

الدكتور علي لاغا:

ان القصص القرآني انما كان بعثا لتجارب ماضية، ووضعها بكل ايجابياتها وسلبياتها امام الانسان الحي كي يفيد منهامختصرا الوقت مبتعدا عن تكرار ما ثبت خطاءه، ومثال على ذلك ما حدث للعزير وطلب موسى عليه السلام من ربه«قال: رب ارني انظر اليك قال: لن تراني ولكن انظر الى الحبل..»، وطلب ابراهيم عليه السلام لربه ان يريه كيف يحيي الموتى، او الاجابة على من شككوا بيوم القيامة، كل ذلك يقف بالباحث امام حقيقة المنهج، ليس من جهة التشريع وانما من جهة كيفية بناء القناعة والايمان عند الانسان، انها التجربة التي تضع الحقيقة الحسية المشاهدة، المعلومة امام الانسان.. وعندها لا يترك للعقل فرصة الضياع ومضيعة الوقت..

وعندها.. يرتقي العقل المسلم سلم العلوم والمعرفة، وتنزاح عن عينيه الغشاوة، وتزول التعدديات وتحقق وحدة الرؤية والمعتقد، وحدة الهدف المصير.. سبب ذلك ان المعلوم لا يحتمل التاءويل والظن.. بل هو حقيقة واحدة، لا تتعدد ولاتتبعض.. تلكم هي طريقة وحدة الامة، وتلكم هي الطريق الى ريادة العالم من جديد..

الدكتور محمود البستاني:

سبقت الاشارة، الى ان القرآن الكريم قد وظف «العنصر القصصي» بما يتطلبه من اداء فني في عرض الشخصيات والمواقف والاحداث والبينات بالنسبة الى الحدث التاءريخي، وهذا يعني ان «المنهج الفني» هو المميز للتوظيف المذكور.. طبيعيا، ينبغي ان ناءخذ بنظر الاعتبار ان نمط الاستجابة البشرية للشيء، يستتبع بالضرورة ملاحظة العمليات النفسية التي تنظم سلوك البشر عبر ادراكه لحقائق الحياة...

وهذا الجانب - اي ملاحظة مبادىء الاستجابة البشرية - قد اخذها القرآن الكريم بنظر الاعتبار، سواء اكان ذلك يتم بنحو مباشر ام غير مباشر، حيث نلحظ ان كثيرا من الافكار المطروحة قد تتم بنحو غير مباشر بحيث يطرحها النص القرآني الكريم على لسان شخصية ثانوية او ياءتي بها عرضا بحيث يحمل المتلقي على ان يتداعى بذهنه - بشكل غيرواع - الى تمثل الدلالة التي استهدفها القرآن الكريم وهضمها. والامثلة على ذلك متنوعة، ولعل قراءة المواقف والاحداث التي واكبت حياة يوسف(ع) ، مثلا، في تعامله مع الشخصيات الثانوية في القصة يوضح لنا هذا الجانب ممالا مجال للحديث عنه الان.

متابعات في نقد الاسطورة السبئية الاستاد ادريس الحسيني نشرنا، في العددين الاول والثاني من المنهاج، دراسة مطولة عن عبداللّه بن سباء للدكتور ابراهيم بيضون، وقد وردتنا هذه المقالة التي تتابع البحث في الموضوع نفسه. و«المنهاج» اذ تفتح صفحاتها لكل اسهام يغني النقاش في هذا الموضوع وفي اي موضوع من الموضوعات الاخرى، تنشر هذه المقالة في مجال متابعة بحث الموضوع.

المنهاج اقدم كثير من الباحثين على ارجاع التشيع الى ابن سباء، الرجل اليهودي الذي اسلم نفاقا في عهد عثمان بن عفان.

يقول احسان الهي ظهير: «واما دين الامامية ومذهب الاثني عشرية فليس مبنيا على تلك الاسس التي وضعتها اليهودية الاثيمة بوساطة عبداللّه بن سباء الصنعاني، اليمني، الشهير بابن السوداء (والسوداء امه). .».

ويقول الجبهان: «اما نحن، فاننا نقول ان التشيع نشاء وترعرع في احضان الماسونية، اما غارسو بذرته الاولى، وواضعوحجره الاول فهم: اولا، شخصيات يهودية تقمصت الاسلام، مقلوبا.

فانقلبت به الى وحوش كاسرة، وصلال تحمل السم الناقع من امثال عبداللّه بن سباء اليهودي، وكعب الاحبار ووهب بن منبه».

اما ناصر بن عبداللّه القفاري، صاحب «اصول مذهب الشيعة الاثني عشرية»، فيقول: «والذي ارى ان الشيعة كفكروعقيدة لم تولد فجاءة، بل انها اخذت طورا زمنيا، ومرت بمراحل. ولكن طلائع العقيدة الشيعية واصل اصولها ظهرت على يد السبئية باعتراف كتب الشيعة التي قالت باءن ابن سباء اول من شهد بالقول بفرض امامة علي..» .

وسوف اقتصر، في النقاش، على كتاب «اصول مذهب الشيعة..»، لجمعه تلك الافترءات، ولاشتباهه في الكثير من الامور في هذا المجال! نبدا بقوله: «وقد اتفق القدماء، من اهل السنة والشيعة على السواء، على اعتبار ابن سباء حقيقة واقعية وشخصية تاريخية،فكيف ينفي ما اجمع عليه الفريقان؟» .

هذا الكلام يستدعي اقرارا باجماع المسلمين على اعتبار ابن سباء حقيقة تاريخية.. فهل اجمع عليها المؤرخون المعتبرون؟ وترد هذه الشبهة، من طريقين اولهما، يتعلق بما يكسر ذلك الاجماع المزعوم، وهو عدم ذكر البلاذري لاي خلفية شيعية لابن سباء في انسابه، وهو ممن تعرض لكل احداث ما يعرف بالفتنة الكبرى، وهو من المؤرخين المعتبرين. ترى، هل كان ذلك جهلا منه، او انه غض الطرف عنها؟ فلو اعتقدنا بجهله ذلك، فكيف يستقيم ادعاء كهذا على مؤرخ كبير، وهو من قرا في مختلف بطون الاسفار التاريخية. وبناء على ذلك، لن يكون البلاذري الا متجاوزا لها، نظرا لتهلهلها، وتهدل محتواها.

وثانيهما، هو ان خبر «عبداللّه بن سباء»، لم يرد الا في مصدر آحاد، وهو سيف بن عمر التميمي. وهو اول من قال به.وسيف بن عمر هذا الذي جرحه محدثو السنة من امثال النسائي والبيهقي وغيرهما، يعد مصدره الرئيسي عند كل من قال به بعده.

واذا كان المؤرخون الذين اخذوا به، بتاءثير من تاريخ الطبري، فان الطبري باعترافه اخذه عن سيف بن عمر التميمي.وقبل الاسترسال في بحث هذا الموضوع، نحب ان نستعرض جملة من شهادات بعض علماء اهل السنة المعاصرين في المساءلة.

يقول عبد الحليم محمود، شيخ الازهر:

«راينا في اصل الشيعة: ولكنا نرى ان السبب في نشاءة «الشيعة لا يرجع الى الفرس عند دخولهم في الاسلام، ولا يرجع الى اليهودية ممثلة في «عبداللّه بن سباء»، وانما هو اقدم من ذلك. فنواته الاولى ترجع الى شخصية «علي»(رض)، من جانب، وصلته بالرسول(ص) من جانب آخر».

وفي السياق نفسه، يقول:

«اما عبداللّه بن سباء، الذي يلصقونه «بالشيعة»، او يلصقون الشيعة به، فهذه كتب الشيعة باءجمعها تعلن لعنه، والبراءة منه.واخف كلمة تقولها كتب رجال الشيعة في حقه، ويكتفون بها عن ترجمة حاله عند ذكره في حرف العين هكذا:

«عبداللّهبن سباء العن من ان يذكر».

اما د. حفني داود، فيقول:

«ولعل اعظم هذه الاخطاء التاريخية التي افلتت من زمام هؤلاء الباحثين وغم عليهم امرها فلم يفقهوها ويفطنوا اليهاهذه المفتريات التي افتروها على علماء الشيعة، حين لفقوا عليهم قصة «عبداللّه بن سباء» في ما لفقوه من قصص اشرت الى بعضها في مؤلفاتي».

وهذا يدل على عدم وقوع اجماع في المساءلة، اذ ثمة من قال بها، وهناك من انكرها، من المتقدمين والمتاءخرين! لقد تطرق كثير من الباحثين الى شخصية عبداللّه بن سباء.

ولكن، رغم تكاثر القائلين بها، لم تتوضح تفاصيل شخصيته..من هو؟ كيف نشاء؟ كيف اقنع الامصار؟ لماذا لم يعاقبه عثمان ولا حتى معاوية؟ من ابوه، من امه، من عشيرته؟ كل ما يذكره التاريخ، انه شخصية لا جذور لها، ولا تفاصيل في احوالها. فكونه عبداللّه، لا يفيد شيئا، ما دام لم يذكربصيغة ابن كذا او ابوه كذا..

ويقال عنه «اليماني»، وما اكثر عباد اللّه من اليمن.. او السبائي. ويقال عنه ابن السوداء، وما اكثر من اطلق عليهم هذاالوصف. ان كتب التاريخ والسيرة والانساب، لم تعطنا صورة واضحة عن هذا الرجل، واذا كان العرب يمعنون ويبالغون في ضبط انساب من هم اقل شاءنا واهون حالا، فكيف لا يفعلون ذلك بالنسبة الى شخصية كعبد اللّه بن سباء، الذي - في زعمهم - كان وراء اخطر حدث في تاريخ الاسلام، كقتل عثمان وانشاء التشيع؟! اضافة الى ذلك، فان عبداللّه بن سباء هذا، عرف خبره اضطرابا حتى لدى من اعتمده. ان عبداللّه بن سباء هذا الذي وجدفي اذهان بعض المؤرخين، هو ذلك اليهودي الصنعاني الذي اسلم نفاقا، وهو ذلك الذي كاد الامام علي يحرقه.. وهوذلك الذي اختفى فجاءة ولم يسمع له بعد الفتنة ذكر.

غير ان بعض مؤرخي السنة، كانوا قد اطلقوا هذا الاسم على افراد آخرين. مما يعزز الظن باءن عبداللّه بن سباء لم يكن سوى عنوان كبير ينضوي تحته عدة افراد ومصاديق. . ومن تلك المصاديق، المدعو، عبداللّه بن وهب الهمداني.

قال المقريزي في خططه: «وقام في زمانه - اي علي(ع) - عبداللّه بن وهب بن سباء المعروف بابن السوداء السبئي،واحدث القول بوصية رسول اللّه(ص) لعلي بالامامة من بعده بالنص، واحدث القول برجعة علي والنبي وانه حي وان فيه الجزء الالهي، ومن ابن سباء هذا تشعبت اصناف الغلاة من الرافضة».

فالواضح، هنا، ان عبداللّه بن وهب- ابن سباء - كان هو نفسه ابن السوداء، اي اول من احدث القول بتلك العقائدالمذكورة آنفا.

ويترتب على ذلك، ان باقي السبئيين هم اتباعه.

يقول ابن حجر في تبصير المنتبه: «السبئي طائفة منهم عبداللّه بن وهب السبئي». فهل كان ابن سباء زعيم السبئية ام رجلا واحدا منهم؟! طبعا الامر هنا على درجة من الغموض، حسب عبارة ابن حجر. ولكن حتى نخرج من هذاالغموض، نقول بترجيح كون ابن سباء هذا له اتباع سبئيون.

فمن هم هؤلاء الاتباع الذين راحوا وراء عبداللّه بن سباءووجدوا في تبشيره ما يشد اعناقهم الى الفتنة! يقول مؤرخو اهل السنة، انهم قوم من الصحابة. غير ان قوما من السلفية تداركوا ذلك الموقف واسقطوه، بطريقة وعظية لا مجال فيها للتحليل. ونلاحظ ان ابن حجر آنفا، يؤكد على ان هناك اكثر من سبئي.. افترضنا انهم كلهم اتباع عبداللّه بن سباء.

فمن هم السبئيون اتباع عبداللّه السبئي هذا؟ يقول ابن خلدون: «الا عمارا، فانه استماله قوم من الاشرار انقطعوا اليه، منهم عبداللّه بن سباء، ويعرف بابن السوداءج...ج كان يكثر الطعن على عثمان ويدعو في السر لاهل البيت، ويقول: ان محمدا يرجع كما يرجع عيسى».

ويذكر البلاذري ايضا: «واما حجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي وحبة بن جوين البجلي ثم العرني، وعبداللّه بن وهب الهمداني، وهو ابن سباء، فانهم اتوا عليا فساءلوه عن ابي بكر وعمر».

ويذكر ابن خلدون في مورد آخر: «وكان ابن سباء ياءتيه - اي ابا ذر - فيغريه بمعاوية، ويعيب قوله: المال مال اللّه ج...ج حتى عتب ابو ذر في ذلك معاوية ج...ج وجاء به عبادة الى معاوية وقال: هذا الذي بعث عليك ابا ذر».

الصفحة السابقة

الصفحة التالية