|
اول المنهاج
بقلم مسير التحرير
بسم اللّه الرحمن الرحيم
تشتد حاجة المسلمين اليوم - اكثر من اى وقت مضى - اى
توحيد صفوفهم، وتنسيق جهودهم، ودفن خلافاتهم على
جميع الاصعدة ليتمكنوا من مواجهة الاخطار الداهمة
التي تهدد مصيرهم جمعيا دون تمييز بين مذهب ومذهب
او
بين عنصر وآخر.
وقد جاهد في سبيل قضية التقريب بين المذاهب
الاسلامية
وبخاصة بين السنة والشيعة -العديد من كبار علماء
المسلمين
في القرن الحالي، وبذلوا في هذا السبيل جهودا
عظيمة مشكورة، ومن بين هولاء الاعلام الامام
الشيخ
عبدالمجيد سليم الذي اسهم بكل طاقاته المادية
والمعنوية في
انشاء جماعة التقريب ودعا الى تاييدها بقلمه
ولسانه، واسهم
معه في هذه الدعوة لفيف من شيوخ الازهر وكبار
علمائه،
نخص منهم بالذكر الشيخ محمدمصطفى المراغي والشيخ
مصطفى عبدالرزاق والشيخ محمود شلتوت والشيخ علي
الخفيف والشيخ عبدالعزيز عيسى والشيخ محمد
الغزالي
والشيخ سيد سابق.
ومن بين من اسهم من جانب الشيعة الامامية اسهاما
بارزا في
هذا الصدد المراجع الكبيرآية اللّه العظمى السيد
حسين
البروجردي والشيخ الامام محمد حسين كاشف
الغطاءوالامام
السيد عبدالحسين شرف الدين والشيخ محمدجواد مغنية
والشيخ محمدتقي القمي.
وقد اعط ى الامام الراحل الشيخ محمود شلتوت شيخ
الازهر
لدعوة التقريب بين المذاهب الاسلامية في مطلع
التسينات
دفعة كبيرة باصداره فتواه الشهيرة بجواز التعبد
بالمذهب الشيعي الامامي.
ورغم العنت الشديد الذي جوبهت به هذه الفتوى من لدن
بعض المتعصبين بقي الشيخ مصرا على فتواه وعلى
دعوته
للتقريب وتاييده للجهود المبذولة في سبيله، يقول
رحمة اللّه:
«لقد آمنت بفكرة التقريب كمنهج قويم واسهمت منذ اول
يوم
في جماعتها، وفي وجوه نشاط دارها بامور كثيرة... ثم
تهيا لي
بعد ذلك، وقد عهد الى بمنصب مشيخة الازهر،
ان اصدرت
فتواي في جواز التعبد على المذاهب الاسلامية
الثابتة الاصول،
المعرفوة المصادر، المتبعة لسبيل المومنين،
ومنها مذهب
الشيعة الامامية الاثنا عشرية، وقرت بهذه الفتوى
عيون
المومنين المخلصين الذين لا هدف لهم الا الحق
والالفة
ومصلحة الامة،وظلت توارد علي الاسئلة والمشاورات
والمجادلات في شانها وانا مومن بصحتها، ثابت على
فكرتها،
اويدها في الحين بعد الحين فيما ابعث به من رسائل
للمتوضحين، او ارد به على شبه المعترضين، وفيما انشىء من
مقال ينشر او حديث يذاع او بيان ادعو به الى الوحدة
والتماسك
والالتفاف حول اصول السلام ونسيان الضغائن
والاحاقد،
حتى اصبحت - والحمدللّه - حقيقة مقررة تجري بين
المسلمين مجرى القضايا المسلمة بعد ان كان
المرجفون في
مختلف عهود الضعف الفكري والخلاف الطائفي والنزاع
السياسي يثيرون في موضوعهاالشكوك والاوهام
بالباطل. وها
هو ذا الازهر الشريف ينزل على حم هذا المبدا، مبدا
التقريب
بين ارباب المذاهب المختلفة، فيقرر دراسة فقه
المذاهب الاسلامية سنيتها وشيعيها دراسة تعتمد
على الدليل
والبرهان وتخلو من التعصب لفلان وفلان».
(راجع: «مشيخة الازهر منذ انشائها حتى الان»
للاستاذ علي
عبدالعظيم، ج 2، ص 187،وما بعدها، القاهرة 1979م).
وقد قامت جماعة التقريب بعيد انشائها باصدار
مجلتها
المعروفة «رسالة الاسلام»واستمرت في الصدور مدة من
الزمن، وشارك في كتابة مقالاتها ثلة من علماء
المسلمين
من مختلف المذاهب، ثم توقفت عن الصدور، كما توقف -
للاسف الشديد - نشاط الجماعة ذاتها في عهد الرئيس
السابق
انور السادات.
وبعد قيام الجمهورية الاسلامية في ايران بقيادة
الامام الراحل
الخميني - طيب اللّه ثراه -عمد السادات الى اقفال
مركزها في
القاهرة ومصادرة متلكاتها، وبهذا منيت جهود
التقريب بنكسة
خطيرة على العصيد الرسمي، لكن من بقي على قيد
الحياة من
العلماء الذين شهدوامولد دعوة التقريب في مصر
واسهموا بدور
بارز في نشاطاتها ظلوا على التزامهم بهذه الدعوة
وبقيت
ايديهم ممدودة الى اخوانهم الشيعة، ومنهم العالم
المجاهد
والمصلح الكبيرالشيخ محمد الغزالي الذي لبى نداء
ربه عن
عمر ناهز الواحد والسبعين عاما قبل مدة وجيزة.
لقد كان الشيخ الغزالي احد ابرز دعاة الاصلاح
والوحدة بين
المسلمين والنهوض بهم في مواجهة التحديات
والاخطار
الحضارية والسياسية المحدقة، وكان له نشاط مميز في
مجال التقريب ودور بارز في جماعته التي تاسست في
القاهرة
اواخر الاربعينات، وبقى وفيا لنهج هذه الجماعة
واهدافها رغم
العصوبات والعراقيل، وكان يحضر موتمرات الوحدة
الاسلامية في طهران وغيرها من العواصم الاسلامية.
وفي
الموتمر السابع الذي انعقد عام 1994بطهران، حيث لم
يتمكن
من الحضور بنفسه، ارسل الى الموتمر ورقة تليت عنه
بالنيابة اوضح فيها ان الاعداء يتربصون بالاسلام
والمسلمين،
ويحيكون الموامرات ضدهم ويهددون حاضرهم
ومستقبلهم
ولهذا فان هذه الاوضاع توجب علينا الاتحاد
والتعاون وجمع
الكلمة وتوحيد الصفوف.
رحم اللّه الشيخ الغزالي وقيض للمسلين من العلماء
الصالحين
ودعاة الوحدة والاصلاح من يدعو بدعوته وينهج نهجه.
خالد عطية
الاستصناع: حكمه وتخريجه في الفقه
الاسلامي
السيد محمود الهاشمي
حقيقة الاستصناع:
الاستصناع هو اتفاق مع ارباب الصنائع على عمل شيء
معين
للمستصنع كالحذاء والسريروالباب ونحوها، ويكون
العين
والعمل كلاهما على الصانع، فاذا كانت العين من
المستصنع كان اجارة، وان كان ما يريده المستصنع
جاهزا
بالفعل ياخذه منه، كان بيعا وشراء.
وهذا يعني ان الاستصناع يشبه بلحاظ المادة البيع
والشراء،
وبلحاظ العمل المطلوب من الصانع الاجارة. ومن هنا
يقع
البحث عن صحته وكيفية تخريجه.
وقد اختلفت كلمات فقهاء العامة فيه، بعد اتفاق اكثر
المذاهب
الاربعة على صحته، وقدجعله اكثرهم من باب بيع
السلم.
والاصح عند الحنفية كونه بيعا للمعدوم صح على
خلاف القاعدة، من باب تعارف الناس عليه او من باب
الاستحسان. ومن خرجه منهم على اساس عقد السلم
اشترط
فيه ما يشترط في السلم من تسليم تمام الثمن في مجلس
العقد ومن لزوم العقد وغير ذلك. ومن جعله بيعا للمعدوم لم يشترط فيه تلك
الشروط، وكانت صفة العقدعنده عدم اللزوم، فاذا صنع الصانع الشيء كان للمستصنع الخيار ان
شاء اخذه وان
شاءتركه وفسخ العقد، لانه اشترى شيئا لم يره فكان
له خيار
الروية.
كلمات الاصحاب:
وظاهر كلمات الشيخ الطوسي في (الخلاف) كتاب
السلم
الحكم بالبطلان عند فقهائناحيث قال: «استصناع
الخفاف
والنعال والاواني من الخشب والصفر والرصاص والحديد
لايجوز، وبه قال الشافعي. وقال ابو حنيفة: يجوز، لان
الناس قد
اتفقوا على ذلك.
دليلنا على بطلانه: انا اجمعنا على انه لا يجب
تسليمها وانه
بالخيار بين التسليم ورد الثمن،والمشتري لا يلزمه
قبضه فلو
كان العقد صحيحا لما جاز ذلك، ولان ذلك مجهول
غيرمعلوم
بالمعاينة ولا موصوف بالصفة في الذمة فيجب المنع
منه».
وقال الشيخ الطوسي في (المبسوط) كتاب السلم
«استصناع
الخف والنعل والاواني من خشب او صفر او حديد او
رصاص لا
يجوز، فان فعل لم يصح العقد وكان بالخيار ان
شاءسلمه وان
شاء منعه، فان سلمه كان المستصنع بالخيار ان شاء
رده وان شاء
قبله».
واما سائر فقهائنا بعد الشيخ الطوسي فلم اجد من
تعرض
للمسالة بعنوان الاستصناع،وان كان قد يستفاد
البطلان من
بعض كلماتهم في ابحاث عقد السلف وشروطه وما
يصح فيه وما
لا يصح.
ولا شك في ان ما يقع بين المستصنع والصانع لو كان
مجرد
وعد بالشراء على تقدير الصنع كما يتفق فليس هذا
عقدا ولا امرا
واجب الوفاء، الا ان هذا المطلب ليس هو المطابق
مع المرتكز
العرفي والعقلائي، لا اقل في بعض موارد الاستصناع
التي يرى
فيها الالتزام والتعاقدوالمسوولية بينهما بان
يصنع الصانع له
وياخذه المستصنع ويضمنه، وهذا واضح في اكثرموارده
خصوصا مع ما اتسع اليوم من نطاق مثل هذه المعاملة،
وما فيها
من الخسارة والخطورة على الصانع لو لم يلتزم
المستصنع باخذ
المصنوع لكثرته او لكونه على ذوق وسليقة خاصة قد
لا يقبلها
الاخرون، فيتضرر الصانع لو لم يكن المستصنع ملزما
باخذه.فيقع البحث في انه هل يمكن تخريج الاستصناع
على
اساس عقد من العقود الملزمة ولوفي الجملة؟ ام لا
يمكن
ذلك، كما هو ظاهر كلمات الشيخ ؟
تخريجات الاستصناع:
وبهذا الصدد يمكن ان نصور تخريجات عديدة لصحة
الاستصناع:
1- ان يكون الاستصناع عقدا مستقلا براسه ملزما
للطرفين على
حد سائر العقود اللازمة.
2- ان يكون الاستصناع من اقسام عقد البيع.
3- ان يكون الاستصناع من اقسام عقد الاجارة وشبهه
كالجعالة.
4- ان يكون الاستصناع مركبا من اكثر من عقد.
5- ان لا يكون الاستصناع عقدا، بل امر بالصنع على وجه
الضمان.
التخريج الاول:
اما التخريج الاول والذي مال اليه بعض الكتاب
المحدثين
فيمكن تقريره باحد نحوين:
النحو الاول: ان يقال بان الاستصناع عقد مستقل ينشا
فيه
مفهومه المميز عن البيع والايجار،وبموجبه يكون
الصانع
مسوولا عن ايجاد الصنعة وتسليمها للمستصنع. كما ان
المستصنع مسوول عن تسليم الثمن الذي اتفق عليه
بينهما
في قبال ما يصنعه له الصانع.
ويمكن الملاحظة على هذا البيان: ان الاستصناع ليس
الا
بمعنى طلب الصنع، وهو مفهوم تكويني لا انشائي
اعتباري
كالبيع او الايجار او غيرهما من عناوين المعاملات،
فلا معنى
لان يكون الاستصناع بمفهومه ومعناه اللغوي هو
المنشا
المعاملي في هذا العقد المستقل. بل لابد وان يرجع
الى انشاء
مفهوم آخر اعتباري، وهو اما تمليك العين المصنعة
فيكون
بيعا، اوالعمل فيكون اجارة او شبهها، فيرجع الى احد
الاحتمالات الاخرى.
النحو الثاني: ان يكون المنشا المعاملي بينهما هو
الاتفاق على
ان يبين الصانع ما يريده المستصنع ويعرضه عليه
ليشتريه منه
في الموعد المقرر وبالقيمة المتفق عليها مسبقا
اوفيما بعد،
فيكون عقد البيع فيما بعد، اي بعد اعداد المصنوع.
واما عقد الاستصناع فهو اتفاق بين الصانع
والمستصنع على
التزام كل منهما بعمل في قبال الاخر يكون فيه غرض
ونفع له،
فالصانع يلتزم باعداد الصنعة وعرضها على المستصنع
في الوقت المتفق عليه ليشتريه منه، والمستصنع
يلتزم بشرائها
منه بعد اعدادها وعرضهابالقيمة المتفق عليها
بينهما مسبقا او
عند الشراء.
وهذا يكفي في صدق العقد، ولا يشترط ان يكون بيعا او
تمليكا،
اذ ليس العقد الا الالتزام والتعهد المربوط
بالتزام آخر، او المتفق
عليه بين اثنين.
فيقال بلزوم الوفاء به تمسكا بعموم (اوفوا بالعقود)
«المائدة/1»
ونحوه من ادلة الصحة والنفوذ، واثره وجوب الصنع
على الصانع
ووجوب الشراء على المستصنع عند اتمام الصنع وجوبا
تكليفيا.
ويمكن ان يلاحظ على هذا الوجه:
بان العقد ليس مطلق الالتزام الجازم بفعل للاخر
مطلقا او مع
التزام في مقابله، والا كان كل تعهد جازم بفعل
للاخر عقدا
واجب الوفاء به، كما اذا التزم ان يخرج في اليوم
الفلاني في قبال
ان يخرج الاخر ايضا في نفس اليوم او يوم آخر، او
التزم بان
يسافر الى زيارة صديقه اوغير ذلك مما لا اشكال
فقهيا في كونه
من الوعد غير الواجب.
ودعوى خروج ذلك بالاجماع والسيرة والا كان مشمولا
لعموم
(اوفوا بالعقود) كما ترى.ولو فرض فلماذا لا يقال بها
في المقام
ايضا؟!
والذي يخطر في الذهن فعلا وقد ياتي مزيد بحث عنه
ايضا ان
العقد ليس مجرد الالتزام الجازم بفعل، والا كان كل
وعد جازم
بفعل عقدا. وليس الفرق بين العقد والوعد او
الشرط الابتدائي
بكون الاول جزميا والثاني مرددا ومشكوكا. كما انه
ليس الفرق
بان الاول مشتمل على التزامين والثاني التزام من
طرف واحد،
كيف! وفي العقود ما يكون الالتزام فيه بمعنى من عليه الشيء
من طرف واحد كالهبة.
وانما العقد هو الالتزام بعلقة ورابطة اعتبارية
تنشا بذلك
الالتزام او الاتفاق القائم بين اثنين،كالتزام
بالتمليك، او اعطاء
حق للاخر، او الزوجية، او الولاية، او اية علقة
وضعية
قانونية اخرى، فليست العلاقة الوضعية تنشا من
الالتزام باداء
عمل تكليفا، بل لا بد وان تكون هناك علقة وضعية
متعلقة له
ويكون الالتزام انشاء لها بنحو المسبب الشخصي الذي
يقع موضوعا للامضاء والاعتبار القانوني العقلائي
او الشرعي.
وعلى هذا الاساس لا يكون التزام الصانع بان يصنع
المتاع في
قبال التزام المستصنع بان يشتريه منه بعد صنعه
عقدا ما لم
يرجع الى تمليك العين، او العمل، او اعطاء حق له
عليه،والذي
يرجع الى البيع او الايجار ونحوهما.
واما التمسك بمثل «المومنون عند شروطهم» فسياتي
انه لا يمكن ان نثبت به اكثر من صحة الشرط ونفوذه
في ضمن
عقد صحيح، لا صحة اصل العقد الجديد.
اشكال ورد:
ان قلت: اي مانع في ان يملك المستصنع في المقام على
الصانع ان يصنع المتاع ويهيئه في قبال ان يملك
ويستحق
عليه الصانع ان يشتريه منه، اي لا يتركه عنده
ويبتلى به، فكل
منهماله ان يلزم الاخر بما يستحقه عليه، فيكون
الالتزام
المذكور متعلقا بعلقة وضعية او مستتبعالها، فيكون
عقدا.
قلت: هذا فرع ان يكون كل من العملين المملكين في
قبال
الاخر له مالية لكي يعقل تمليكه،فيكون عندئذ
اجارة، كما اذا
آجره لخياطة ثوبه في قبال ان يعلم ابنه مثلا، فان
التمليك
اوالاختصاص انما ينش آن في الاموال.
وتطبيق ذلك في المقام فيه اشكال على ما سنشرحه عند
التعرض للتخريج الثالث اوالرابع.
وعلى كل حال فيرجع هذا الوجه بهذا التطوير الى تركب
الاستصناع من ايجار وبيع، لا عقدآخر خارج عنهما.
وسياتي
مزيد بحث عن لزوم مثل هذه الالتزامات في بعض
الفروع القادمة من هذ البحث.
دعوى:
ثم انه قد يقال بان المستفاد من بعض الروايات
الواردة في
النهي عن بيع ما ليس عندك ان اية معاقدة ومقاولة
على شراء
متاع يحصله البائع في المستقبل اي غير مهيا عنده
فعلا
لاتصح شرعا، الا اذا كان كل من الطرفين بعد حصول ذلك
المتاع بالخيار ان شاء باعه واشتراه الاخر، وان لم
يشاءا لم يتعاقدا
عليه. فوجوب الشراء على المستصنع للمتاع بعد
صنعه بنفس
المقاولة الاولى خلاف مفاد تلك الاخبار ومحكوم
بالفساد
والبطلان.
ففي صحيح معاوية بن عمار قال: «قلت لابي عبداللّه
جعفر بن
محمد الصادق(ع) يجيئني الرجل يطلب «مني » بيع الحرير وليس عندي منه شيء، فيقاولني عليه واقاوله في
الربح والاجل حتى نجتمع على شيء، ثم اذهب فاشتري له الحرير
فادعوه
اليه؟ فقال: ارايت ان وجد بيعا هو احب اليه مما
عندك
ايستطيع ان ينصرف اليه ويدعك؟ او وجدت انت
ذلك اتستطيع ان تنصرف عنه وتدعه؟ قلت: نعم. قال: فلا
باس».
وهناك غيرها من الروايات بالمضمون نفسه او ما
يشبهه.
وظاهرها ان المعيار والميزان في الصحة هو ذلك، بحيث لو كان ملزما كان باطلا
وفيه باس.ولا فرق في ذلك بين ان يكون الاتفاق على بيع وشراء شيء غير موجود عنده بان
يحصله مصنوعا من السوق او يحصل مادته من السوق
ويصنعه
ثم يكون الاخر ملزما باخذه.
هذه الدعوى:
الا ان الانصاف بطلان هذا الكلام، وذلك:
اولا: بالنقض بما اذا كان قد اشترط في ضمن عقد لازم
ان
يشتري منه ما سيصنعه فلان، فانه لا اشكال في وجوب
الشراء
عليه اذا صنعه، وصحة شرائه، حيث لا يتوهم فقهيا
بطلانه
اوبطلان الشرط او النذر بذلك.
وثانيا: بالحل، وذلك بالفرق بين مفاد الروايات
المذكورة وما
نحن فيه على القول بوجوب الوفاء بالالتزام
بالشراء على تقدير
الصنع، فان مفاد تلك الروايات ان المشتري لا
يكون ملزما
بذلك المتاع بنفس المقاولة الاولى، بان تكون هي
البيع والشراء
بينهما، بل لا بيع بينهما. وانما البيع لا بد وان
يقع بينهما بعد
ان يشتريه من السوق، اما لما ذكره المشهور
من بطلان البيع
والشراء قبل الملك، او لما نحن احتملناه بل قويناه
في جملة
من الروايات من بطلان جعل الصفقتين صفقة واحدة،
لانه من
ربح ما لم يضمن، بان يقع المتاع بمجرد شرائه من
السوق
للمشتري الاول بالمقاولة السابقة معه.
وكلا هذين المطلبين اجنبيان عن محل الكلام، وكذلك
عن
موارد اشتراط الشراء في ضمن عقد لازم، لعدم تحقق
الشراء
بالشرط او النذر او التعاقد المذكور في المقام،
وانما
مودى الشرط او التعاقد المذكور مجرد الالتزام
بعمل الشراء
المستلزم لوجوه عليه تكليفا، فما لم يشتر منه لا
يقع له، ويكون
تلفه وهلكته على الصانع لا المستصنع.
وقد ورد في تلك الروايات عطف ذلك على قوله(ع): «ان
شاء
اشترى وان شاء لم يشتر»فراجع وتامل.
هذا تمام الكلام في التخريج الاول.
التخريج الثاني:
اما التخريج الثاني فهو ان يكون الاستصناع بيعا،
وهذا له
حالتان:
الحالة الاولى: ان يكون بيعا لشيء حالي، وذلك فيما اذا كان هناك شيء موجود بالفعل، اماقسم من المصنوع كمقدار
من
السجاد قبل اكماله او مادة له كالحديد والخشب
فيشتريه المستصنع ويشترط على الصانع ان يجعله
سريرا مثلا
او ان يكمل صنع السجاد. وهذا من البيع الشخصي،
والذي لا
يشترط فيه شرائط السلم كاقباض الثمن في مجلس العقد.
ولكن هذا خلاف الارتكاز العرفي في موارد
الاستصناع، اذ لازمه
انه لو لم يصنع الباقي ويكمله كان المستصنع مالكا
للناقص،
غايته ان له خيار الفسخ. مع انه ليس كذلك،
بل الباقي
كالمصنوع قيد للمبيع، وليس غرض المستصنع الا في
المصنوع النهائي بلا حاجة الى فسخ.
كما ان لازمه ان تلفه بلا تعد او تفريط يكون من مال
المستصنع
قبل اتمام الصنع لا الصانع،لانه كالاجير تكون
العين في يده
امانة. وهذا ايضا خلاف المرتكز من ان الصانع يصنع ما
لم يريده
المستصنع له لا يكون له حق عليه.
كما انه اذا ظهر بطلان البيع لم يكن المستصنع
مسوولا عن
عمل الصانع لو خسر ببقاءالمصنوع عنده، لكونه على
ذوق
المستصنع خاصة مثلا. اللهم الا ان يتمسك بقاعدة
الغرورمثلا
او ضمان الاضرار بالغير ونحو ذلك لاثبات ضمان
المستصنع ما
تضرر به الصانع نتيجة طلبه وعقده ولو كان باطلا،
وهو لا يخلو
من اشكال.
الحالة الثانية: ان يكون بيعا كليا في الذمة،
فيشتري المستصنع
من الصانع متاعا كليابمواصفات معينة ولتكن احداها
انه من
صنعه لا صنع غيره. وهذا هو الغالب في
مواردالاستصناع، اذ قد
لا يكون هناك عين بالفعل لدى الصانع.
وهذا هو التخريج الذي ذكره بعض العامة، وعلى اساسه يكون من السلم، واشترطوا فيه
مايشترط في السلم كقبض الثمن في مجلس العقد. وهذا بنفسه يوجب محدودية عقدالاستصناع
خارجا، حيث لا يسلم فيه شيء من الثمن او اكثره
عادة، فلو
كان من السلم كان اللازم فساده.
وقد يحاول دفع ذلك بانه لا دليل على اشتراط تسليم
الثمن
في مجلس بيع السلم:
ا اذ لو كان مدركه عدم صدق عنوان السلم عليه من دون
اقباض الثمن فان السلم والسلف مقابل للنسيئة لغة
وعرفا فلا
تشمله روايات السلم فهذا لا يوجب بطلان بيع الكلي
في
الذمة نسيئة او بلا اقباض الثمن، اذ غايته عدم صدق
بيع السلم
عليه وعدم شمول تلك الروايات له، عدم صحته، اذ
تكفي
لاثبات الصحة عمومات (احل اللّه البيع) «البقرة/275»
و(تجارة عن تراض) «النساء/29» ونحو ذلك. هذا مضافا
الى منع
تقوم التسليف بذلك لغة او عرفا،وانما صدقه بلحاظ
التسليف
في المبيع، كما ان روايات السلف لا تدل على ذلك. نعم
قديظهر من بعضها ان ثمن السلف لم يكن دينا في ذمة
المشتري، بل كان مدفوعا للبائع الا انه اعم من
الاقباض في
المجلس.
ب وان كان مدركه ما ذكره في التذكرة من شمول النهي
عن بيع الدين بالدين اذااجل الثمن ولم يقبض في
المجلس ففيه:
اولا: الدين غير عدم الاقباض وبينهما عموم من وجه،
اذ قد
يكون الثمن مالا خارجيا من دون اقباض في المجلس بل
يقبضه بعد ذلك، وقد يكون الثمن دينا ويقبضه في
المجلس،فكيف يصح الاستدلال على شرطية اقباض الثمن
في
صحة السلف بالنهي عن بيع الدين بالدين.
وثانيا: قد يكون ظاهر بيع الدين بالدين ما اذا كان
المبيع
والثمن او المبيع على الاقل دينابقطع النظر عن ذلك
البيع،
فلا يشمل ما يصبح دينا بنفس البيع كما في المقام،
ولا اقل
من الاجمال كما يظهر من كلمات الفقهاء وفتاواهم في
مسالة
بيع الدين بالدين، على ان في روايات السلم ما قد
يستظهر منه
صحة السلف بالدين، فراجع وتامل.
ج وان كان مدركه نهي النبي(ص) عن بيع الكالي
بالكالي، فهذا
لم يثبت بطرقنا، بل في طرق العامة، على ان المراد
بالكالي
لعله الدين لا مطلق المبيع المتاخر بالثمن المتاخر
عن مجلس
العقد. والكالي من الكلاءة بمعنى الحفظ والمراقبة،
والكالي كما
ذكره في «مسالك الافهام». المسالك «امام اسم فاعل،
فكان
كل واحد من المتبايعين يكلا صاحبه اي يراقبه لاجل
ماله الذي
في ذمته، وفيه اضمار حينئذ اي بيع مال الكالي بمال
الكالي. او
اسم مفعول كالدافق فلا اضمار» فيرجع هذا الحديث
الى ما هو
منقول عندنا من النهي عن بيع الدين بالدين.
د وان كان مدركه الاجماع الذي ذكره اكثر الفقهاء
فيحتمل
فيه المدركية واستناد المجمعين الى بعض الوجوه
المتقدمة،
فلا يمكن ان يكشف عن قول المعصوم(ع).
وعليه فلا يشترط في صحة بيع المبيع الكلي في الذمة
اي
السلم ان يكون ثمنه مقبوضا في مجلس العقد، وعليه
فيصح
شراء المصنوع في مورد الاستصناع بنحو السلف ولو لم
يسلم فيه ثمنه الا بعد تسليمه بعنوان كونه بيعا
ولو لم يسم
سلفا.
والانصاف: ان هذه المحاولة غير تامة، لان الاجماع
المذكور
بدرجة من الوضوح عند فقهاءالامامية والعامة بحيث
لا يحتمل
استناد كل المجمعين فيه الى مثل تلك الوجوه التي لم
تردالا
في بعض اشارات العلامة الحلي وتعبيراته. بل يمكن
دعوى قيام
سيرة المتشرعة بل سيرة المسلمين عملا على ذلك، وان
ارتكازهم العملي كان على ان من يشتري شيئا سلفافي
ذمة
الغير لا يصح منه ذلك ما لم يقبضه ثمنه في المجلس.
بل لعل سيرة العقلاء ايضا لا تساعد على تحقق البيع
والمعاوضة
اذا كان كلا العوضين في الذمة او موجلين، فكانه
مواعد على
البيع فيما بعد عند تحقق احد العوضين وقبضه.
واماالبيع عند
العرف فعلا، فلابد فيه من فعلية وجود احد العوضين
من الثمن
او المثمن.
نعم قد يصح ان يقال: ان القدر المتيقن من مثل هذا
الدليل
اللبي شرطية فعلية احد العوضين في تحقق المعاوضة
وعدم
كونهما معا موجلين، وهو اعم من شرطية الاقباض في
المجلس.وتمام الكلام في ذلك موكول الى محله.
وهكذا يظهر: ان تخريج الاستصناع على اساس السلم
يوجب
تحديد عقد الاستصناع بخصوص ما اذا كان الثمن
مقبوضا في
المجلس او نحوه.
نعم، يمكن تخريجه لا على اساس السلم وبيع الكلي، بل
بيع
الشخصي حتى في الحالة الثانية على اساس بيع
المعدوم كما
نقل عن اكثر الاحناف من العامة بان لا يكون المبيع
كليافي
ذمة الصانع، بل المبيع شخصي اي يشتري المصنوع الذي
يصنعه الصانع خارجا والذي هو متعين خارجا ولو
بمادته، او
بنحو الكلي في المعين الذي هو خارجي ايضا اذا كان
مايصنعه
اكثر مما يريده المستصنع، وباعتبار تعارفه
والاطمئنان
بتحققه من جهة التزام الصانع بالصنع لا يكون
باطلا، فان وجه
البطلان ليس عقليا، بل هو لزوم الغرر ونحو ذلك مما
يرتفع بالتعارف المذكور والاطمئنان بالصنع.
وبهذا يخرج عن السلف، لاختصاصه بما اذا كان المبيع
كليا في
الذمة. كما انه لا تشمله روايات بطلان بيع المعدوم
كالعبد
الابق ونحوه، لانصرافها الى موارد عدم
التعارف الخارجي وعدم
الاطمئنان بتحققه في ظرفه بنحو يرتفع الغرر والخطر.
الا ان هذا التخريج لو تم وكذلك التخريج على اساس
بيع السلم
لم يكن وجه لالزام الصانع بالصنع ما لم يرجع الى
شرط ضمني
عليه، كما هو واضح. كما ان لازم اصل
تخريج الاستصناع على
اساس البيع انه لو ظهر بطلان البيع بعد ان صنع
الصانع ما
عليه ان لا يكون المستصنع مسوولا عن خسارته اذا
كسدت
السلعة المصنوعة في يده نتيجة كونها قدصنعت حسب
رغبة
المستصنع وذوقه، مع انه في العرف الخارجي يعتبر
المستصنع مسوولا عن ذلك. وهذا يناسب مع تخريج
الاجارة
وشبهها لا البيع وان عمل الصانع كانه مضمون على
المستصنع
حيث كان بامره، وهذا ما سنبحثه في التخريج الثالث.
التخريج الثالث:
اما التخريج الثالث فهو ان يكون الاستصناع ايجارا
للصانع من
قبل المستصنع، او شبه الايجار كالجعالة في قبال ما
يتفق عليه
بينهما، ويكون المصنوع عندئذ للمستصنع تبعالتملكه
عمل
الصانع وصنعه بالاجارة.
وامتياز هذا التخريج انه يخرج لنا وجه ضمان
المستصنع لعمل
الصانع اذا ظهر بطلان العقد،وان المصنوع يكون
للمستصنع،
ويضمن للصانع اجرة مثل عمله التي تساوي قيمة
ذلك المصنوع بخصوصياته لا محالة. ولعله لهذا ذكرت
مجلة
(الاحكام العدلية) عقد الاستصناع ضمن عقود
الاجارات.
وقد يقال: ان لازم ذلك ان يكون تلف المصنوع قبل
تسليمه
من مال المستصنع لا الصانع،وهو خلاف الارتكاز في
باب
الاستصناع.
والجواب: انه يمكن اعتبار تسليم مثل هذا العمل
بتسليم
المصنوع لا مجرد الصنع، فمع عدم تسليمه تنفسخ
الاجارة.
الا ان الاشكال عندئذ في وجه تملك المصنوع الذي هو
عين
خارجية، مع ان الاجارة تمليك للمنافع لا الاعيان،
فانها بحاجة
الى البيع بشروطه. ويمكن في المقام ان يذكروجهان
لتقريب
تملك المستصنع الذي هو المستاجر للعين المصنوعة
بالاجارة
او شبههاتبعا:
الوجه الاول: ان يقال بان العين المصنوعة تعتبر
بمثابة نتيجة
العمل وثمرته ونمائه، فتكون ملكا لمالك العمل
بقانون التبعية
وان من ملك الاصل ملك النماء، نظير ما يقال في
الاجيرعلى
الحيازة من ان ما يحوزه يكون ملكا للمستاجر، او في
ثمار
البستان والشجرة المستاجرة والتي تكون للمستاجر
تبعا لملك
منفعة البستان.
ويلاحظ على هذا الوجه: بان التبعية لا دليل لفظ ي
فيه
ليتمسك باطلاقه، وانما يثبت بالسيرة العقلائية
والارتكاز
العرفي الممضي شرعا في مثل الثمر والشجر ونحو ذلك
مما
يكون احدالمالين متولدا من الاخر ذاتا وامتدادا له.
وفي المقام
ليست المادة المصنوعة متولدة من العمل جزما، واما
الهيئة
المصنوعة فهي حيثية تعليلية في العين والمادة عرفا
وشرعا،
ولهذالا تكون مالا مستقلا في قبال المادة.
وعدم التبعية في المقام اولى منه في مورد الحيازة
وان كان
الصحيح فيها ايضا عدم التبعية على ما حققناه في
محله. ووجه
الاولوية ان المادة المصنوعة هنا كانت مالا مملوكا
للصانع في
المرتبة السابقة، فيحتاج انتقالها في الملكية من
الصانع الى
المستصنع الى سبب ناقل لامحالة، وهذا بخلاف المال
المحاز
الذي لا يكون مملوكا الا بعمل الحيازة نفسه.
واما تملك الثمرة لمن يستاجر الشجرة فهو على اساس
عناية
اخرى عرفية غير التبعية، وهي ان الثمرة تعتبر
بالنسبة للشجرة
منفعة لها ايضا، فيكون ايجارها بمعنى تمليك
منفعتها
والتي منها ثمرتها. ومن هنا اشترط بعضهم ان يكون
ذلك قبل
حصول الثمرة.
واما في المقام فليست العين المصنوعة منفعة لا لعين
اخرى
ولا لعمل الصانع. نعم الهيئة المصنوعة قد تلحظ
منفعة لعمل
العامل الا انها ليست مالا مستقلا في العين، بل هي
حيثية تعليلية لازدياد مالية العين المصنوعة كما
ذكرنا،
فيحتاج انتقال ملكيتها من الصانع الى المستصنع
الى سبب
ناقل غير الاجارة.
الوجه الثاني: ان يكون تملك المادة المصنوعة
بالتبع، بمعنى
الشرط الضمني على الاجيران يعطيها للمستصنع، نظير
ما
يقال من تملك المستاجر ضمنا الخيوط التي
يستخدمهاالخياط في عمله او الصبغ الذي يستخدمه
الصباغ
مقدمة لعمل الصباغة ونحو ذلك، حيث انها تكون على
الاجير ما
لم يشترط خلافه.
وفيه: ان هذا قد يصح في مثل الخيوط والصبغ ونحوه مما
يستهلك ويتلف مقدمة للعمل الواقع على مال الغير
بحيث لا
يكون له بقاء معتد به مستقلا عما هو مال المستاجر
عنده،والا
كان بحاجة الى سبب آخر غير الاجارة كالتوكيل في
الشراء له
مثلا. فيكون هناك عقدان،بيع واجارة، ومثاله ما
يحتاجه
الخياط من قماش آخر(البطانة) فيشتريه الخياط
للمالك وكالة.
هذا، مضافا الى ان هذا انما يصح فيما اذا فرض وجود
عين
اخرى زائدا على العمل الذي يصبه الاجير على مال
المستاجر
كالبطانة للقماش.
واما في المقام فالعين المصنوعة بتمامها للصانع، وليس شيء
منها للمستصنع، وعندئذيكون عمل ايجادها مقدمة لها،
وليس
للمستصنع غرض في ايجادها بقطع النظر عنها، بل ولا مالية لايجادها مع قطع النظر
عنها، فلا يوجد مالان احدهما عمل الصانع والاخر الشيءالمصنوع، بل هناك مال واحد
اما هو
المصنوع او هو العمل والايجاد بلحاظ ماله من
نتيجة ونماء
وفائدة. فلا يصح ان يتحقق سببان وانشاءان معامليان
احدهما
تمليك عمل الايجادبالاجارة والاخر تمليك المصنوع
الناتج
منه بالشرط. بل اما ان يكون المصنوع بمثابة
النماءوالمنفعة
للعمل فيصح ايجاد العمل على اساس الوجه السابق،
والا كما
هو كذلك فلا تصح الاجارة على الايجاد وتمليك
المصنوع
بالشرط، لعدم تعدد المال، بل وعدم صحة الاجارة على
ما لا
مالية له، وهو الايجاد بعد ان لم يكن مستتبعا لتملك
المال
المصنوع، فترجع المعاملة لبا وروحا الى تمليك
المصنوع
بصيغة الشرط.
ومنه يظهر ايضا بطلان تخريج الاستصناع على اساس
الاجارة
او الجعالة في قبال تمليك المصنوع للمستصنع، فان
عمل
التمليك لامالية له مستقلا عن العين المملكة والا
امكن ارجاع
كل بيع الى اجارة.
التخريج الرابع:
واما التخريج الرابع فهو ان يكون الاستصناع مركبا
من اكثر من
عقد واحد. وتصويره المتعارف بان يكون مشتملا على
توكيل
الصانع بشراء مادة الصنع له، فيشتمل على
وكالة اولا ثم شراء
للمادة بالوكالة للمستصنع ثانيا، ثم هو اجير على
صنعها بالنحو
الذي يريده المستصنع بالاجرة المتفق عليها
بينهما.
الا ان هذا التخريج وان كان معقولا في بعض الموارد،
كمورد
الخياطة ونحوها مما يحتاج العمل في مال المستاجر
الى بعض
التوابع الاخرى، ولكنه خلاف المرتكز في
مواردالاستصناع، لانه
مضافا الى بعده في نفسه عن المركوز العرفي فيه حيث
لا
يوكل المستصنع الصانع في ان يشتري له المادة جزما
ان من
لوازم ذلك ان تكون المادة المشتراة قبل الصنع ملكا
للمستصنع وعليه تلفها وخسارتها، وان المستصنع لو
رجع عن
قصده قبل بدء الصانع بالصنع لزمه ان ياخذ المادة
التي اشتراها
الصانع لانها اشتريت له، وان لا يحق للصانع التصرف
فيها بدون
اذنه واعطاوها للغير وصنع فرد آخر للمستصنع، الى
غير ذلك
مما لايناسب هذا العقد جزما.
كما ان هذا التخريج لا يجعل المستصنع ضامنا لعمل
الصانع لو
ظهر بطلان التوكيل في شراءالمادة، او بطلان شرائها
للمستصنع. فهو كالتخريج الثاني لا يفسر ذلك
الارتكاز الذي
اشرنااليه فيما سبق.
التخريج الخامس:
اما التخريج الخامس فهو ان يكون الاستصناع امرا
بالصنع على
وجه الضمان للمصنوع نظيرالامر بالعمل على وجه
الضمان. او
الامر باتلاف المال كذلك، فيكون الصانع مامورا
بان يصنع له
على وجه الضمان وهو الذي يتفقان عليه، فاذا صنعه
للمستصنع كان ضامنا لتلك القيمة في قبال تملك
المصنوع.
وهذا التخريج ينسجم مع المرتكزات العرفية في باب
الاستصناع، حيث يفسر لنا بقاءالمصنوع على ملك
الصانع ما لم
ياخذه المستصنع، ولهذا يجوز للصانع ان يعطيه لغيره
بعدصنعه لا للمستصنع، غاية الامر لا يكون المستصنع
عندئذ
ضامنا له، لان التخلف منه كماانه يفسر لنا ضمان
المستصنع
للمصنوع بعد صنعه وعرضه عليه من قبل الصانع
بحيث يكون
له بما اتفقا عليه من القيمة او القيمة السوقية ب لا
حاجة الى
بيع وشراء ومعاملة اخرى.
الا ان هذا التخريج يتوقف صحته على ان يدعي توسعة في
باب
الضمان بالامر، وتوضيح ذلك: انه لا اشكال في ضمان
الامر
للعمل، كما اذا امره بان يخيط ثوبه، وكذلك لا
اشكال في
الضمان بالامر بالاتلاف، كما اذا قال له: الق مالك
في البحر
وعلي ضمانه، او اعطه الحيوان لياكله وعلي ضمانه.
كما لا اشكال عقلائيا في تعين ضمان المسمى اذا
اتفقا عليه،
ولعل من هذا الباب الجعالة ايضا.
الا ان هذه الموارد كلها من باب الاتلاف للعمل او
المال، فيكون
الامر بالاتلاف على وجه الضمان موجبا للضمان، اما
ضمان
الغرامة او حتى للمسمى الذي يتفقان عليه.
وفي المقام لا يوجد اتلاف للمال المصنوع، وانما نقل
للمال
وتمليك، وعندئذ قد يقال: بان القاعدة المذكورة
انما هي
توسعة لقاعدة ضمان الاتلاف، فلا تشمل الا موارد
الاتلاف
لمال الغير بالامر، واما التمليك والتملك فبحاجة
الى سبب
ناقل من بيع او ايجار. فلا يتم هذاالتخريج في
المقام.
الا انه يمكن ان يقال: بان القاعدة المذكورة اوسع من
ذلك عند
العقلاء، فتشمل مواردالاتلاف على المالك ولو لم
يكن اتلافا
للمال. وهذه التوسعة لها تطبيقان:
احدهما: ما اذا كان اتلافا للملكية وسيطرة المالك
على المال،
اما حقيقة وشرعا كما اذا قال له اوقف او تصدق بمالك
او اعتق
عبدك وعلي ضمانه، او عرفا كما اذا امره بان يري
ماله للسلطان
فاخذه منه غصبا، فانه يضمن الامر قيمة ماله جزما،
لانه اتلفه
عليه عرفا.
الثاني: ما اذا لم يكن اتلافا حتى للملكية وسيطرة
المالك على
ماله، ولكنه كان اتلافا للهيئة التي كان عليها
المال ومتعلقة
لغرض مالكه التي كان يريده بها، كما اذا قال لبائع
اللحم
اشوهذا اللحم لي، فشواه له، فانه خرج بذلك عن كونه
لحما،
فيكون ضامنا لقيمة اللحم او مااتفقا عليه، ويكون
المشوي له له
ولو بعد دفع بدله، وليس للامر ان تركه ويذهب.
وهذا نقوله في مورد الغصب ايضا، فمن اخذ مال الغير
غصبا
وغيره ولم تنزل قيمته السوقية بذلك ولكنه كان بنحو
لا يفيد
مالكه كان من حق المالك المطالبة بقيمة اصل ماله او
بمثله في قبال ما غيره عليه. بل قال الفقهاء-في مثل
حمل متاع
الغير ونقله الى مكان آخر : ان الغاصب ضامن لنقله
الى مكانه
الاول لو اراده المالك فيه ولو لم تتغير قيمة
المتاع
في المكانين.
فضمان ما يتغير من خصوصيات مال المالك بالتصرف او
بالامر
على وجه الضمان مطابق مع الارتكاز العقلائي.
نعم يبقى هنا لمالك اللحم الحق في ابقاء المشوي
لنفسه، لان
تملك الامر له انما كان من باب الضمان لقيمته
السوقية او
المتفق عليها بينهما بدلا عن السوقية اذا اراد
المالك ذلك
لاالمبادلة والتمليك الفعلي. وهذا هو الذي يفسر لنا
وجه بقاء
الاختيار بيد الصانع ما لم يعط العين المصنوعة
للمستصنع ان
يعطيه لغيره ما لم يلزم منه اضرار على المستصنع
وانتظاره،والا امكن ان يقال بضمانه له من باب
التعزير في
الوقت نفسه الذي لو كان من اجله واعطاه له كان
المستصنع
ضامنا لقيمته، فلا يمكنه التخلف بعد الصنع واعداده
له، لانه
يكون من اتلاف العمل والمادة عما كان غرض المالك
عليه
بامره على وجه ضمان المادة والعمل معا.
اشكال ورد:
لا يقال: لو سلمنا هذه التوسعة مع ذلك لا يمكن تفسير
كل
المرتكزات العرفية في باب الاستصناع، فان لازم ما
ذكر انه لو
صنعه الصانع على وجه الضمان اصبح المصنوع
ملكاللمستصنع
واصبحت ذمته مشغولة بقيمته للصانع، فلو تلف قبل
ايصاله
الى المستصنع بلاتعد وتفريص كان من مال المستصنع،
مع ان
المرتكز العرفي انه من مال الصانع، بخلاف مااذا كان
من باب
المعاملة كالبيع او الاجارة حيث يكون عدم التسليم
موجبا
للانفساخ.
فانه يقال: يمكن تفسير عدم ضمان المستصنع في المقام
على
اساس ان الامر كان مقيدا من اول الامر بصنعه
وتسليمه له، فاذا
لم يسلمه له ولو لتلفه عنده لم يكن وجه للضمان.
والانصاف: ان التخريج المذكور مما لا يمكن المساعدة
عليه،
لان ضمان الامر في باب الاعمال لا يكون اكثر من
ضمان ما
اتلف واهدر من العمل المصبوب خارجا، ولا
يتضمن بوجه من
الوجوه ضمان الاعيان الموجودة، وفي مثال الامر
بشوي اللحم
لا نقبل اكثر من ضمان عمل الشوي بعد فرض تملك
المادة
وهو اللحم من قبل المشتري اولا ولو
بالمعاطاة والمراضاة،
فيكون من ضمان نفس العمل بالامر.
وهذا يعني ان المادة المصنوعة تبقى في المقام ملكا
للصانع ما
لم يتسبب الى تمليكه للمستصنع بعقد ناقل كالبيع
ونحوه، ولا
يكفي مجرد الامر بصنعه لتمليكه. نعم، يمكن قبول ان
الامر
بالصنع يوجب ضمان الاضرار والخسائر التي تقع على
الصانع اذا
ما لم يقبل المصنوع، لانها بحكم الاتلاف عليه
بامره.
واللّه العالم بحقائق الامور.
دراسات قرآنية
عمارة السورة القرآنية:
دراسة في فنيتها سورة «صاد» نموذجا
د. محمود البستاني
القسم الاول
قال تعالى: (بسم اللّه الرحمن الرحيم. ص والقرآن
ذي الذكر،
بل الذين كفروا في عزة وشقاق، كم اهلكنا من قبلهم من قرن، فنادوا: ولات حين
مناص، وعجبوا ان جاءهم منذرمنهم، وقال الكافرون: هذا ساحر كذاب، اجعل الالهة
الها واحدا، ان هذا لشيء عجاب..)
بهذا المقطع تفتتح سورة صاد،... وقد جاء موضوعها
الاول
مركزا على سلوك المنحرفين:مع التاكيد على سمتين من
سماتهم، وهما: العزة والشقاق (بل الذين كفروا في
عزة وشقاق)، اي: التكبر والعناد. وسنرى كيف ان
هاتين
السمتين تنسحبان على موضوعات السورة التي ستحوم
حول
هذا الجانب، ما دمنا نعرف ان مقدمة السورة لا بد ان
تكون
ذات مهمة فنية تتمثل في كون المقدمة بمثابة دم
يسري في
عروق النص جميعا: كما نرى، وهوامر يكشف بطبيعة
الحال عن
مدى الاحكام الهندسي للسورة الكريمة، من حيث
ارتباط اجزائها بعضها ببعضها الاخر.
وها هي مقدمة السورة، تعرض لنا مفردات من سلوك
المنحرفين، حيث تكشف هذه المفردات عن الطابعين المذكورين في سلوكهم... يقول
المقطع: (وعجبوا ان جاءهم منذرمنهم، وقال الكافرون: هذا ساحر كذاب اجعل الالهة الها
واحدا، ان هذا الشيء عجاب).هذا الكلام الذي نطق به
المنحرفون، يكشف اولا عن مدى عقم الذهن الذي يصدر
عنه المنحرفون وهزاله، مثلما يكشف عن سمتي التكبر
والعدوان. فاتهامهم صاحب الرسالة بالسحر والكذب،
يكشف عن
عدوانيتهم، كما هو واضح، وتساولهم متعجبين: كيف
تجعل الالهة الها واحدا؟ يكشف عن هزالهم ذهنيا، كما هو واضح ايضا. ولا شيء ادل على العقم والهزال والتخلف
الذهني من
كونهم يتعجبون كل العجب من جعل الالهة الها واحدا...
ولنتابع ردود فعلهم الهزيلة في هذا الصعيد:
(وانطلق الملا منهم: ان امشوا واصبروا على آلهتكم ان هذا لشيء يراد). ان هذا الحوارالجمعي يكشف عن سمة
المخاصمة
والعناد، كما هو بين فكل واحد منهم يتحدث
مع الاخر، مصبرا
اياه على مواجهة الرسالة الجديدة، «الالتفاف حول
الاصنام
التي يعبدونها،زاعمين ان هذه موامرة تصاغ للقضاء
على آلهتهم
المزعومة»...
لنلاحظ، من جديد، مدى هزال الذهن الذي يصدرون عنه،
فيما يختل توازنهم بحيث يطالبون بالصبر على عبادة
الاوثان،
ويحذرون من الموامرة التي تحبك من اجل القضاء
على سلوكهم الوثني. ولنواصل الاستماع الى
محاوراتهم:
(ما سمعنا بهذا في الملة الاخرة، ان هذا الا اختلاق
اانزل عليه
الذكر من بيننا؟..) ان هذاالتقرير والتساول بانهم لم
يسمعوا
بمثل هذا الكلام الذي يدعوهم الى عبادة اللّه تعالى
ونبذالاصنام، وذهابهم الى انه اختلاق، وهل انزل
على
محمد(ص) دون سواه.. امثلة هذا التقريروالتساول، تكشف
بما
لا لبس فيه عن قمة ما يمكن تصوره من الهزال والعقم
الذهني، حيث ان استدلالهم لا يرتكن الى اية تاملات
معقولة
بقدر ما ينغلق على التقليد الصرف لما الفوه من
الحياة
الاجتماعية القائمة على عبادة الاحجار، وبقدر ما
ينغلق على
معايير ساذجة هي:ان نزول الرسالة على رجل مثلهم امر
لا
يمكن تقبله.
هنا يبدا النص فيرد على المنحرفين، اكمالا للحجة
عليهم،
فيتساءل: (ام عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب
ام لهم
ملك السماوات والارض وما بينهما؟) ثم
يخاصم(فليرتقوا في
الاسباب). اي ان المقطع القرآني الكريم ذكر بان
هولاء
المعترضين لا يملكون خزائن الرحمة، ولا يملكون
اسباب
السموات والارض، حتى يسوغ لهم مثل هذا الكلام،واذا
كان
ذلك بامكانهم فليرتقوا في الاسباب، اي فليصعدوا
الى السماء،
وليصنعوا مايشاوون.
ان هذه العبارة (فليرتقوا في الاسباب) تجسد واحدة من
الصور
الفنية التي تقوم على«الاستعارة» او على «الصورة
الفرضية» التي تفترض امكان الصعود الى السماء وهو
امر
لايمكن تحقيقه، كما تنطوي الصورة الفنية المشار
اليها على
عنصر «السخرية» من هولاءالمنحرفين الذين يعجزون عن
تحقيق ما يعترضون عليه بالنسبة الى انتخاب الرسول.
لكن بغض النظر عن هذا الجانب، فان نمط تفكير
المنحرفين
يظل قائما على التكبر والعناد اوالمخاصمة التي
تتجانس مع
سمة (العزة والشقاق) التي طرحت في مقدمة الصورة،
مايكشف عن الاحكام الهندسي لعمارة السورة الكريمة،
من
حيث صلة اجزائها بعضهاببعضها الاخر وفق الذي
ذكرناه.
القسم(2)
قال تعالى: (جند ما هنالك مهزوم من الاحزاب، كذبت
قبلهم
قوم نوح وعاد وفرعون ذوالاوتاد، وثمود وقوم لوط
واصحاب
الايكة اولئك الاحزاب، ان كل الا كذب الرسل
فحق عقاب، وما
ينظر هولاء الا صيحة واحدة ما لها من فواق).
يتناول هذا المقطع من سورة عرضا قصصيا سريعا عن
مصائر الاقوام البائدة من دون الدخول في تفصيلات
ذلك، كما
انه يلوح في بداية المقطع بهزيمة المنحرفين
المعاصرين لرسالة الاسلام، حيث ان العرض القصصي
جاء تنويرا
او توظيفا فنيا من اجل القاء الضوءعلى سلوك
المشركين، حتى
يتجانس المصيران اللذان ينتهي المعاصرون
والبائدون
اليهما،وهو: الهزيمة دنيويا. ويلاحظ، ان غالبية
النصوص
القرآنية تلوح بالعذاب الدنيوي بالنسبة الى
المنحرفين
المعاصرين لرسالة الاسلام، الا ان هذا التلويح يظل
حينا بمثابة
تخويف،حتى يتعدل السلوك، وحينا آخر يتحقق ذلك، كما
هو
الامر بالنسبة الى هذا المقطع الذي نتحدث عنه.
طبيعيا،
السياق هو الذي يفرض (فنيا) انزال العذاب او الهزيمة
الدنيوية
في بعض المواقف، او تاجيله اخرويا في مواقف اخرى.
وبما ان
نهاية هذا المقطع تتضمن مطالبة المنحرفين انزال
العقاب
عليهم قبل اليوم الاخر: (وقالوا: ربنا عجل لنا قطنا
قبل
يوم الحساب)، حينئذ نحتمل (فنيا) ان يكون هذا الطلب
منهم
وان يعاتبوا قبل يوم الحساب،مرتبطا عضويا بنزول
العقاب او
الهزيمة دنيويا.. اي، ان السياق الفني استتلى ان
تعجل العقوبة
الدنيوية ما داموا قد سخروا من ذلك وطالبوا، على
نحو الهزء،
ان يعجل لهم الحساب.
والان، اذا ادركنا السر الفني الكامن من وراء تعجيل
العقاب
دنيويا، مقابل عدم تحقيقه في مواقع اخرى من نصوص
القرآن
الكريم، نتساءل: ما هو السر الفني وراء التلويح
بنزول العقاب
على المنحرفين قبل ان يعرض المقطع القرآني الكريم
مطالبتهم بنزول العقاب؟ اي ان المقطع ذكر اولا
هزيمتهم،
حيث قال في بداية المقطع: (جند ما هنالك مهزوم
من الاحزاب) ثم ذكر، بعد ذلك، مطالبتهم بتعجيل الجزاء حيث يتوقع القارىء او السامع ان تعرض اولا سخريتهم
من العقاب، ثم
تعرض هزيمتهم؟
|