الصفحة السابقة

الصفحة التالية

في تصورنا، ان هناك اسرارا فنية متنوعة وراء هذا النحو من العرض القصصي. فهناك اولاتفاوت بين الهزيمة التي لحقتهم (وهي معركة بدر : كما يقول المفسرون) ، وبين مطالبتهم بالجزاء، حيث تذكر النصوص المفسرة ان هولاء المنحرفين قد طالبوا بابراز الكتب التي يشير اليها الكتاب والسنة من انها تنشر امام الخلق في عرصات القيامة، اي انهم طالبوابصحيفة اعمالهم وليس نزول العقاب، لكن بما ان المطالبة تنطوي على السخرية، فان الاجابة لا بد من ان تقترن بنزول عقاب يهزمهم فكريا واجتماعيا. ولذلك كانت الهزيمة (في معركة بدر) تجسيدا للهزيمة الفكرية والاجتماعية المشار اليها. بيد ان المهم هو: ان النص كما نحتمل يستهدف غرضا مزدوجا من وراء عرضه اولا للهزيمة، ثم عرضه لاقوال المنحرفين بعد ذلك، وهو تحديد المهمة التبليغية للرسول من حيث طالبه النص بالصبرعلى سخريتهم، (اصبر على ما يقولون...) ثم عرض بعد ذلك كما سنرى قصة داود ثم سليمان الخ. بالنحو الذي سنتحدث عنه لاحقا. لذلك، فان عرض سخريتهم في سياق الصبر عليها يظل امرا مفسرا لهذا الجانب، مضافا الى كون مطالبتهم بمشاهدة صحائف اعمالهم، غير متوافقة مع العقاب، وانما جاء العقاب بمثابة اجابة متوافقة مع سخريتهم، مايفسر لنا عدم الضرورة الفنية لتسلسل الزمن وترتيب الاثار على ذلك، بيد ان الاهم من ذلك كله هو: ان النص قد ذكر في بداية السورة انه تعالى قد اهلك من قبلهم امما بائدة (كم اهلكنامن قبلهم من قرن، فنادوا ولات حين مناص). هذه المقدمة القت الضوء على مستقبل الاحداث التي تنتظر هولاء المكذبين، لذلك بعد ان عرض النص جوانب مختلفة من سلوكهم، اردفها بالتلويح بهزيمتهم (جند ما هنالك مهزوم بين الاحزاب). فجاءت الهزيمة تجسيدا فنيا لتلكم المقدمة التي لوحت بمصائر الاقوام البائدة. ولذلك ايضا، جاء المقطع الذي نتحدث عنه يعرض لنا مرة ثانية مصائر الاقوام البائدة (كذبت قبلهم قوم نوح... الخ)حيث تستكشف ان التذكير بالاقوام البائدة في مقدمة السورة يحمل سرا فنيا يختلف عن السر الفني الذي يحمله التذكير بهم فيما بعد. وبهذا، نتبين مدى الاحكام الهندسي في صياغة الموضوعات المتقدمة من حيث علاقات التنامي والترابط بينهما، بالنحو الذي اوضحناه، وبالنحو الذي سنوضحه في ما يلي.

القسم(3) قال تعالى: (اصبر على ما يقولون، واذكر عبدنا داود ذا الايد، انه اواب، انا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق، والطير محشورة كل له اواب، وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب، وهل اتاك نبا الخصم اذ تسوروا المحراب)..

نواجه في هذا المقطع وما بعده عنصرا قصصيا يتصل برسم شخصيات داود وسليمان وايوب وسواهم من الانبياء عليهم السلام. واذا كنا ندرك جميعا ان القصص في السورة توظف في الغالب من اجل انارة (الافكار) المطروحة فيها، حينئذ نتوقع ان تكون قصص داود وسليمان وايوب وسواهم، موظفة لانارة «فكرة» السورة التي تتحدث عنها «سورة صاد». لكن ينبغي ان ندرك ايضا ان القصص ذاتها قد تجسد (فكرة) ضمن السورة فتكون مستكملة لها (مثل القصص التي نتحدث عنها الان)، وقد تستقل في تجسيدها لفكرة خاصة، كما هو طابع السور التي تتضمن قصة واحدة او اكثر تستغرق السورة (مثل قصص يوسف(ع)، ونوح(ع)، في سورة نوح وسواهما).

وحين نمعن النظر «في سورة صاد» نجد ان بدايتها كانت تتحدث عن المنحرفين المعاصرين لرسالة الاسلام حيث وصفهم النص بانهم (في عزة وشقاق)، وحيث اعترضوا على رسالة محمد(ص) بانها نازلة على واحد منهم، وحيث اجابهم النص على ذلك قائلا (ام عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب ام لهم ملك السماوات والارض وما بينهما، فليرتقوا في الاسباب). هذا يعني ان النص قد طرح هنا «فكرة» خاصة هي: خزائن الرحمة التي يمتلكهااللّه تعالى، وان العبد لا يمكنه ان يحقق شيئا من ذلك. هذه «الفكرة»، سوف تاخذ بالتبلورحينما نجد انفسنا امام مجموعة من القصص التي تتحدث عن «خزائن الرحمة» التي انكرهاالمنحرفون، وانكروا ان يخص اللّه تعالى بها محمدا(ص) في اصطفائه لتحمل الرسالة. لكن في الوقت نفسه تجيء هذه القصص لتطرح افكارا جديدة من خلال مفهوم «الرحمة»نفسها، حيث تضمنت هذه القصص الثلاث (داود، سليمان، ايوب) «فكرة» خاصة هي:اخضاع هذه الشخصيات النبوية لنوع من «الابتلاء» او «الامتحان»، ثم الخروج من هذاالامتحان او الابتلاء بنتيجة هي اضفاء المزيد من «خزائن الرحمة» عليهم، بحيث جعل داود(ع) «خليفة في الارض»، بعد ان ماتوا، ومنح سليمان(ع) ملكا لم يمنح لغيره، وعادت الحياة الى اهل ايوب(ع)، كما يتبين لنا ذلك لاحقا.

اذن نحن، الان، امام اكثر من «فكرة» مستهدفة في هذا العنصر القصصي. والمهم هو ان نتابع العرض القصصي واستخلاص التفصيلات المرتبطة بفكره.

القصة الاولى هي قصة داود(ع). حيث استهل الحديث عنها بمجموعة من السمات التي تطبع شخصيته، وفي مقدمتها: سمة«الايد» او القوة، فيما وصفها النص بقوله تعالى: (واذكرعبدنا داود ذا الايد)، اي ذا القوة.

ونتساءل: ما هو السر الفني في هذا الاستهلال القصصي الذي ركز على صفة «الايد» او القوة هنا ينبغي ان نتذكر ان سورة صاد سبق ان عرضت في سياق تذكيرها للمنحرفين مصائرالاقوام البائدة التي كذبت رسلها ثم لحقهم العقاب الدينوي، ومنهم «فرعون» الذي وصفه النص بقوله: (وفرعون ذو الاوتاد)... لقد خص «فرعون» من دون سواه بهذه الصفة التي تعني بانه كان متمكنا في سلطانه الدنيوي، سواء اكانت «الاوتاد» تعني وسائل التعذيب التي كان يمارسها، او الجنود الذين كانوا يحيطون به، او مطلق القوى التي تمكنه من الفساد في الارض... ولكنه، مع قوته المشار اليها، فقد طاله العقاب الدينوي.

في تصورنا، من زاوية الاستخلاص الفني الذي نحتمله، ان النص عرض في مقابل القوى التي يمتلكها المنحرفون القوى التي منحها اللّه تعالى للانبياء عليهم السلام، حتى يضع القارىء امام موازنة بين الفريقين: الفريق المنحرف الذي يخسر دنياه وآخرته في نهاية المطاف، والفريق الذي يربحهما جميعا، حيث يتبلور مفهوم «خزائن الرحمة» التي ذكرتعالى بها اولئك المنحرفين المعترضين على اكرام محمد(ص) بالرسالة.

اذن، من حيث البناء الهندسي للنص، امكننا ان نلحظ واحدا من اسرار الفن الذي يربط بين مقدمة السورة وبين عنصرها القصصي، فيما يكشف مثل هذا الربط عن مدى الاحكام العضوي للنص، من حيث علاقة اجزائه بعضها ببعضها الاخر وفق الذي اوضحناه.

القسم(4) قال تعالى: (اصبر على ما يقولون، واذكر عبدنا داود الايد، انه اواب انا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق والطير محشورة كل له اواب ويشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب..).

اوضحنا، في ما سبق، صلة هذه الاقصوصة بفكرة السورة الكريمة. اما الان فنتحدث عن المبنى الفني للاقصوصة من خلال موضوعاتها المطروحة.

لقد رسمت القصة شخصية داود(ع) بجملة من السمات الخارجية والداخلية، وهي: انه «ذوايد» اي قوة، سواء اكانت هذه القوة جسمية او عسكرية او موقعا اجتماعيا او سوى ذلك،...ورسمته «اواب» اي توابا راجعا عن كل ما لم يرتضه اللّه تعالى او مسبحا، ثم رسمته من خلال هذه السمة وقد شاركته الطير والجبال في التسبيح، ترجع تسبيحه، تقديرا من اللّهتعالى لشخصيته العبادية، ثم رسمته بسمتين داخليتين هما:

«الحكمة وفصل الخطاب»،حيث جاء رسم هاتين السمتين من خلال سمة ثالثة ذات طابع اجتماعي، وهي الملك(وشددنا ملكه، وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب). اما الحكمة فتعني اما الاستبصار في الامور او النبوة، بينا يعني «فصل الخطاب» العلم بالقضاء، اي ممارسة الفصل بين الخصومات ونحوها.

اذن نحن الان امام شخصية قصصية تمتلك مجموعة من السمات الفردية والاجتماعية والعبادية المتميزة، حيث انشطرت سماتها الى ظواهر ذات طابع «اعجازي» من جانب،وذات طالع متفرد او خاص من جانب آخر. اما الطابع الاعجازي فيتمثل في تسخير الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق، وفي حشر الطير معه (كل له اواب). هذه الطوابع الاعجازية، ينبغي الا نمر بها مرورا عابرا بل ينبغي ان نتبين دلالتها العبادية وصلة ذلك بشخصية داود(ع) او صلته بمعطيات اللّه تعالى وانعكاسها على الشخصيات التي اصطفاهااللّه تعالى. فهناك، اولا، كشف لبعض الاسرار الكونية المتمثلة في ان ما يسمى ب«عنصرالجماد» في التصور العلمي انما هو يمارس عملية تسبيح (ولكن لا تفقهون تسبيحهم: كماهو صريح الاية الكريمة في سورة الاسراء)،.. كما ان «العضوية الحيوانية، ومنها: الطير»تمارس عملا مماثلا ايضا.. وهناك ثانيا معطيات متميزة يهبها اللّه تعالى بعض عباده المصطفين دون سواهم من الادميين، ومنهم داود(ع) حيث منحه تعالى معط ى اعجازيا هومشاركة الجبال والطير في تسبيحه، مضافا الى الدعم الخاص لسلطانه او حكومته، ثم مضافاالى ايتائه الحكمة وفصل الخطاب.

خارجا عن هذه المعطيات ذات الطابع الاعجازي والمتميز، ينبغي ان نقف عند البناءالعماري او الهندسي للاقصوصة: من حيث صلة اجزائها: بعضها ببعضها الاخر، فضلا عن صلتها ببناء السورة الكريمة (سورة صاد).

اما صلة اجزائها، بعضها ببعضها الاخر، فيلاحظ ان النص بعد ان ينتهي من عرض القسم الاول من الاقصوصة (وهو: العرض القصصي الذي يتناول رسم شخصية داود(ع»، يبداالقسم الثاني منه، بعرض قضية خاصة ترتبط بالقضاء كما سنرى (وهل اتاك نبا الخصم اذتسوروا المحراب).. لكن، قبل ان نبدا بالحديث عن هذا القسم من الاقصوصة، ينبغي ان نذكر القارىء او المستمع بان النص القرآني الكريم قد ختم القسم الاول من الاقصوصة بقوله تعالى: (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) مع ملاحظة ان «فصل الخطاب» جاءت عبارته في ختام الاية، او لنقل: جاءت السمة الاخيرة التي رسمها النص في سياق عرضه لمجموعة السمات الداخلية والخارجية.. و«فصل الخطاب» يعني كما اشرنا العلم بالقضاءاو الفصل بين الخصومات.

ويلاحظ، ايضا، ان القسم الثاني من الاقصوصة (كما سنفصل الحديث عنه لاحقا) قد تناول قضية ترتبط بالقضاء، حيث تسور رجلان خصمان محراب داود(ع) ذات ليلة من اجل القضاء بينهما في قضية خاصة.. هذا يعني، من حيث العمارة الهندسية للقصة، ان القسم الاول من القصة الذي ختم بعبارة (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) قد شكل تمهيداعضويا تنعكس دلالاته على القسم الثاني من الاقصوصة، وهو القسم الخاص بقضية مرتبطة بفصل الخطاب. وهذا النمط من الربط الفني بين قسمي القصة يعد، من حيث البناءالهندسي، قمة في الامتاع القصصي، مفصحا عن مدى الاحكام العضوي للنص، من حيث تلاحم موضوعاته وتناميها وفق الذي اوضحناه.

القسم(5) قال تعالى: (وهل اتاك نبا الخصم اذ تسوروا المحراب اذ دخلوا على داود ففزع منهم، قالوا:لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق، ولا تشطط، واهدنا الى سوآءالصراط، ان هذا اخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، فقال:

اكفلنيها وعزني في الخطاب)..

بهذا المقطع وما بعده، يبدا القسم الثاني من قصة داود(ع).

وكان القسم الاول من القصة يتحدث عن شخصية داود، والمعطيات الاعجازية وغيرها مما منحها اللّه تعالى للشخصية المذكورة، من مشاركة الجبال والطير لتسبيحه، وشد ملكه، وايتائه الحكمة وفصل الخطاب.وها هو النص يعرض لنا جانبا من ممارسة «القضاء» لداود(ع)، حيث منحه اللّه تعالى «فصل الخطاب» الذي يعني ممارسة القضاء والفصل بين الخصومات. وقد سبق ان قلنا ان قصة دواد وسواها من القصص التي تضمنتها سورة  تتناول جانبين من الرسم القصصي لشخوص الانبياء عليهم السلام، احدهما: المعطيات المتميزة التي يهبها اللّه للمصطفين من عباده، والاخر:

تعرضهم لبعض الاختبارات او الامتحان. وبالنسبة لداود(ع) تعرض في هذاالقسم من القصة لتجربة القضاء بين خصمين.

وكانت النتيجة هي ان ينتبه داود لسرالامتحان او التجربة الذي تعرض له، حيث استغفر سريعا من ممارسته التي حكم من خلالهالاحد الخصمين بنحو كان المطلوب هو: ان يتحفظ في الحكم لاحدهما: كما تقول النصوص المفسرة. والمهم ان النص القصصي عقب على ذلك بقوله تعالى: (فغفرنا له ذلك، وان له عندنا لزلفى وحسن مب). هذا التعقيب ينطوي على اهمية كبيرة بالنسبة الى «فكرة» القصة التي تحوم على عملية «الامتحان العبادي»، من حيث انتباه الشخصية القصصية لسر«الامتحان» المذكور، ما يترتب عليه ان يغفر اللّه تعالى للشخصية التي استغفرت من ممارستها التي اضيفت للامتحان من اجلها. ليس هذا فحسب، بل ان ما ترتب على ادراك السر هو ان تكون للشخصية المذكورة قربى وحسن مب في الاخرة.

وقد جاءت العبارات الاتية لتكشف لنا عن ان اللّه تعالى منح داود(ع) موقعا اجتماعيا خطراكل الخطورة، هو: (يا داود انا جعلناك خليفة في الارض، فاحكم بين الناس بالحق..) ان الاختبار او الامتحان يفضي الى ان تنتبه الشخصية لابسط ما يمكن ان يتنافى مع متطلبات الممارسة القضائية، بحيث يترتب على الانتباه المذكور: ممارسة القضاء في المستقبل في افضل شرائطه المطلوبة، وهذا ما تقرر فعلا حينما عقب النص القصصي قائلا: (يا داود اناجعلناك خليفة في الارض، فاحكم بين الناس بالحق...).

بعد ذلك تاتي قصة جديدة تتحدث عن شخصية سليمان(ع) ابن داود(ع): (ووهبنا لداودسليمان، نعم العبد، انه اواب).

لنلاحظ، ونحن نبحث في البناء الهندسي للنص، ان قصة داود قد رسمت شخصيته (كما لحظنا) من خلال مجموعة من السمات، وفي مقدمتها سمة«اواب» (واذكر عبدنا داود ذا الايد انه اواب). صحيح ان القصة رسمته اولا بانه ذو «ايد» اي قوة، الا ان رسم هذه السمة (وهي القوة) انما جاءت في سياق كونه «اواب»، كما هو واضح..

والان حينما نواجه القصة الجديدة (قصة سليمان) نلحظ ان صفة «اواب» قد رسمها النص بالنسبة لسليمان(ع) ايضا. ولنقرا من جديد (ووهبنا لداود سليمان، نعم العبد، انه اواب).

اذن ثمة عنصر مشترك بين القصتين قد طرحه النص القرآني الكريم في سمة لشخصيتي داود وسليمان، العنصر السمة هو (اواب). كما ان الشخصيتين تخضعان لطابع آخر تشتركان فيه هو: الطابع النسبي (اب وابن)، وهذا يعني ان التجانس بين الشخصيتين قد تكثف في اكثر من طابع، ما يضفي على الهيكل الهندسي للقصص: جمالية فائقة دون ادنى شك...وسنرى عبر متابعتنا لقصة سليمان، ان تجانس القصتين ياخذ طوابع اخرى ترتبط من جانب بهيكل القصتين، كما نرتبط من جانب آخر بهيكل السورة الكريمة (سورة صاد)، وذلك جميعا، يفصح عن اسرار فنية بالغة الدهشة بالنسبة الى عمارة النص القرآني الكريم، من حيث تجانس اقسامه وموضوعاته وعناصره وتلاحمها وتناميها.

القسم(6) قال تعالى: (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد انه اواب، اذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد، فقال: اني احببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب، ردوها علي،فطفق مسحا بالسوق والاعناق).

هذا هو القسم الاول من قصة سليمان(ع)، تتحدث عن سليمان من خلال رسم شخصيته العبادية، فيما وصف بكونه «نعم العبد» وبانه «اواب». ثم جاء الرسم لشخصيته التي تعرضت لامتحان او اختبار الهي هو: قضية الاستعراض العسكري لخيوله. وقد سبق ان قلناان العنصر القصصي الذي تخلل سورة قد تضمن ثلاث قصص (داود، سليمان، ايوب)طبعها عنصر مشترك هو: تعرض هذه الشخصيات للامتحان او الاختبار من جانب، ثم مضاعفة المعطيات التي وهبها اللّه تعالى لهذه الشخصيات من جانب آخر، تقديرا لانتباههم لسر التجربة، والخروج منها بسلوك جديد، حيث لحظنا ان داود(ع) قد استغفر ربه تعالى من ممارسته للقضاء بين خصمين، وحيث نلحظ الان تعرض سليمان لاكثر من تجربة، ثم انتباهه للسر الكامن وراء ذلك.

التجربة الاولى هي: استعرض سليمان ذات يوم «من اجل هدف عسكري» خيوله (اذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد)، اي الخيل التي تقف على ثلاث قوائم، السريعة الجري.وتقول النصوص المفسرة ان هذا الاستعراض قد شغله عن الصلاة في وقتها حتى غابت الشمس. وازاء ذلك، علق سليمان قائلا (اني احببت حب الخير عن ذكر ربي، حتى توارت بالحجاب). هذا الحوار الداخلي لسليمان، ينطوي على هدف فني مزدوج، فهو من جانب قد كشف عن «تطور» الحدث في القصة، حيث عرفنا من خلال «الحوار» ان الشمس قدغابت خلال استعراضه للخيل، كما ان الحوار من جانب آخر كشف عن (انتباه) سليمان(ع)لهذه الظاهرة، وهي ان حبه للخيل قد شغله عن ذكر اللّه تعالى. ومن الطبيعي ان يترتب على هذا الانتباه رد فعل حاد يتناسب مع وعي سليمان عباديا، لذلك هتف قائلا: (ردوها علي)،اي طلب احضار الخيل...

وعند ذلك يقول النص (فطفق مسحا بالسوق والاعناق) اي اخذ يمسح سيقانها واعناقها.وبهذا ينتهي هذا القسم من القصة.

بيد ان اكثر من سوال فني يثار حيال هذه الصياغة القصصية.

من ذلك، مثلا، ان القصة لم تشر الى «الصلاة» التي فات وقتها بل اكتفت بالقول،على لسان سليمان، ان الشمس توارت، وان حب الخيل حجزه عن ذكر اللّه تعالى... ومن ذلك ان القصة لم تشر الى دلالة المسح لاعناق الخيل وسيقانها، حيث يظل القارىء متطلعاالى معرفة التفصيلات المرتبطة بعملية المسح.

طبيعيا، قد تكفلت النصوص المفسرة بتوضيح كل التفصيلات، ولكن السر الفني وراء هذا الصمت عن التفصيلات المذكورة،يتمثل كما نحتمل في ان هدف القصة هو التاكيد على ان حب الخيل قد شغل سليمان(ع)عن ذكر اللّه تعالى، سواء اكان الذكر صلاة ام غيرها من الاعمال العبادية، لذلك لا ضرورة فنية لتحديد الصلاة او سواها، بل يترك للقارىء ان يستوحي ذلك ويستخلصه، تحقيقالعنصر المساهمة في الكشف عن دلالات القصة. كذلك حينما يسكت النص عن تحديددلالة المسح لسيقان الخيل واعناقها، فانما يترك ذلك للقارىء، حتى يستخلص ويستنتج اكثر من تفسير، لان المهم هو ان سليمان(ع) قد انتبه لهذا الجانب وادرك ان حب الخيل ينبغي، «وان كان لهدف عبادي»، الا يشغله عن ذكر اللّه تعالى، ومن ثم لا بد من ان يتم التكفير عن ذلك بعمل ما بحيث يتناسب هذا العمل عكسيا مع حب الخيل، ولذلك مسح سيقانها واعناقها. اما ما هي تفصيلات هذا المسح، فامر يمكن للقارىء ان يستنتج اكثر من دلالة من ذلك. واما النصوص المفسرة فتحدد ذلك في اكثر من تفسير حيث ذهب بعضهاالى انه(ع) قد جعلها في سبيل اللّه تعالى، وذهب بعضها الاخر الى نفي هذه الحادثة، وان سليمان(ع) قد طلب رد الشمس وليس رد الخيول، وانه تعالى قد استجاب لطلبه. والمهم هو ابراز الفكرة الذاهبة الى ان سليمان(ع) قد انتبه لموقفه من حب الخيل وانه رتب اثراعلى ذلك. وهذا هو الهدف الرئيسي. والمهم ايضا ان ندرك (من الزاوية الفنية) ان هذه الحادثة تظل مرتبطة بقصة سابقة (قصة داود) وبقصة لاحقة (قصة ايوب)، حيث تصب هذه القصص في هدف واحد هو تعرض هذه الشخصيات لتجربة عبادية تترتب عليها آثارمتنوعة، فيما يفصح مثل هذا التجانس بين القصص عن مدى الاحكام الهندسي للنص.

القسم(7) قال تعالى: (ولقد فتنا سليمان والقينا على كرسيه جسدا، ثم اناب، قال: رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي انك انت الوهاب، فسخرنا له الريح تجري بامره رخاءحيث اصاب، والشياطين كل بناء وغواص، وآخرين مقرنين في الاصفاد، هذا عطاونا فامنن او امسك بغير حساب وان له عندنا لزلفى وحسن مب).

هذا هو القسم الثاني والاخير من قصة سليمان(ع)، حيث كان القسم الاول يتضمن حادثة استعراضه للخيل وما ترتب عليها من نتائج تتصل بالاختبار الالهي لعباده المصطفين، وهاهو القسم الثاني من القصة يتضمن حادثة اختبار اخرى هي (والقينا على كرسيه جسدا، ثم اناب). لقد صرحت القصة بوضوح انها اخضعت سليمان(ع) للفتنة (ولقد فتنا سليمان والقينا على كرسيه جسدا)، كما انها صرحت بوضوح ايضا عندما قالت عن داود (في القصة السابقة) (وظن داود انما فتناه). فاذن نحن الان امام شخصيتين قصصتين: احداهما تمثل الاب، والاخرى تمثل الابن، وهذا هو التجانس الاول بين الشخصيتين. والبعد الثاني من التجانس بينهما ان داود وسليمان من الشخصيات النبوية. والبعد الثالث من التجانس انهماقد وصفا بصفة «العبد» (واذكر عبدنا داود) (ووهبنا لداود وسليمان نعم العبد)، والبعدالرابع من التجانس بينهما هو صفة «الاواب» لكليهما، (واذكر عبدنا داود ذا الايد انه اواب)(ووهبنا لداود وسليمان، نعم العبد، انه اواب). والبعد الخامس من التجانس بينهما، انهماتعرضا للفتنة (وظن داود انما فتناه) (ولقد فتنا سليمان)، والبعد السادس من التجانس بينهما، ان كلا منهما قد «اناب» للّه تعالى بعد وقوع الفتنة، حيث ذكرت القصة عن داود(ع)بانه استغفر واناب، وذكرت عن سليمان(ع) بانه «ثم اناب»، والبعد السابع من التجانس بينهما ان كلا منهما قد اشير الى ان له زلفى وحسن مب، حيث قالت القصة بعد حادثة الفتنة لداود (وان له عندنا زلفى وحسن مب). وقالت عن سليمان العبارة نفسها: (وان له عندنا لزلفى وحسن مب).

والبعد الثامن من التجانس فيهما، ان كلا منهما قد منحه اللّهتعالى معط ى دنيويا «فضلا عن المعط ى الاخروي»، حيث عقبت القصة على داود بعدالفتنة: (يا داود انا جعلناك خليفة)، وحيث عقبت القصة على سليمان بعد الفتنة فقالت:(فسخرنا له الريح..الخ). اذن نحن الان امام ثمانية ابعاد من التجانس الفني بين شخصيتي داود وسليمان، وهذا الرقم الكبير من التجانس يكشف عن اسرار فنية بالغة الاثارة والدهشة في صعيد البناء الهندسي للقصص. لكن بغض النظر عن هذه الابعاد الثمانية من التجانس بين القصتين، ينبغي ان نقف عند «حادثة» الفتنة التي تعرض لها سليمان(ع)، والنتائج المترتبة عليها. اما الحادثة فتقول النصوص المفسرة ان الجسد الذي القي على كرسي سليمان(ع): (والقينا على كرسيه جسدا) هو جسد ابنه الميت، حيث ورد ان الجن لما راواوليد سليمان(ع)، اشفقوا من ان يسبب لهم متاعب جديدة مثلما سبب لهم سليمان ذلك حيث وظفوا لخدمته، لذلك استرضع سليمان ولده في السحاب: تحفظا من الجن، وكانت النتيجة ان الولد قد توفي والقي جسده على كرسي سليمان. وهذه هي الفتنة التي تعرض لهاسليمان اي انه اشفق على ولده من الجن فاسترضعه في السحاب، قد واجه ولده ميتاامامه، ما يعني ان الاسباب بيد اللّه تعالى من جانب حيث لا ينفع الهروب من قوة مخلوقة مثل الجن، الى قوة مخلوقة اخرى مثل السحاب، وحيث يترتب على ذلك رد فعل خاص من قبل سليمان من حيث ملاحظة كونه قد واجه مصيرا لابنه خلاف ما توقعه: من جانب آخر. ولكن سليمان(ع) قد نجح في هذه التجربة كما نجح داود قبله، بحيث انتبه للسرالكامن وراء هذه الفتنة، لذلك «اناب» الى اللّه تعالى، حيث عقبت القصة على هذه الحادثة بعبارة «ثم اناب».

وقد امكننا، مرة ثانية، ملاحظة نجاح سليمان(ع) في هذه التجربة وما ترتب عليها من نتائج سنعرض تفصيلاتها لاحقا، ما يكشف عن تجانس هذه القصة مع سابقتها (قصة داود) كماقلنا، فضلا عن نفسها مع سائر موضوعات السورة الكريمة، من حيث علاقة بعضها ببعضهاالاخر.

القسم(8) قال تعالى: (واذكر عبدنا ايوب اذ نادى ربه اني مسني الشيطان بنصب وعذاب، اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب، ووهبنا له اهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لاولي الالباب وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث، انا وجدناه صابرا، نعم العبد، انه اواب)..

هذه هي القصة الثالثة من قصص سورة صاد. ويلاحظ ان هذه القصص تركز على فكرة واحدة هي: اخضاع الشخصيات القصصية (وهم ثلاثة انبياء) لتجربة صعبة، خرجوا منهابنجاح، حيث ترتب على ذلك ان منحهم اللّه تعالى مزيدا من المعطيات ذات الطابع الاعجازي.

والان، لنقف عند قصة ايوب(ع) لملاحظة موقعها الهندسي في سياق القصص من جانب،وملاحظة احداثها وافكارها الاخرى من جانب آخر. اما احداثها فتتمثل في الشدة التي تعرض لها ايوب، وهي شدة جسمية ونفسية لا يتحملها الا من اصطفاه اللّه تعالى. حيث هجره الناس لمرضه، وذهب اهله.. وحيث ساقه ذلك الى ان يهتف مناديا: يا رب (اني مسني الشيطان بنصب وعذاب). وقد خرج ايوب، من هذه المحنة بنجاح، بحيث صبرعلى بلائه صبرا لا مماثل له، كما نلحظ ذلك في السمة التي خلعها اللّه تعالى عليه وهي الصبر. قال تعالى: (انا وجدناه صابرا، نعم العبد، انه اواب). هذه السمات الثلاث سنتحدث عنها بعد قليل. لكن ما ينبغي ان نلحظه الان هو: ان اللّه تعالى رفع عنه الشدة حينما امره ان يضرب برجله الارض، حيث نبعت من الضرب عينان، احداهما للشرب والاخرى للاغتسال، فبرىء من مرضه، كما رد اليه اهله ومثلهم معهم «اي اهله الذين ماتوا قبل شدته واثناء شدته». (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ووهبنا له اهله ومثلهم معهم، رحمة منا). ويلاحظ ان النص عقب على هذه الحوادث بقوله تعالى: (انا وجدناه صابرا، نعم العبد،انه اواب).

هذا التعقيب ينبغي ان نقف عنده بشيء من التفصيل، نظرا لارتباطه عضويا بسائر القصص التي تضمنتها سورة صاد. لقد وصف النص (ايوب) بسمة «الصبر» اولا، نظرا لارتباط الامتحان الذي تعرض له بسمة الصبر، كما قلنا. ثم وسمه بصفتين، احداهما العبودية «نعم العبد» والاخرى سمة «الاواب» (انه اواب). وهاتان الصفتان قد خلعهما النص على شخصيتي داود وسليمان ايضا، حيث قال النص عن داود(ع) (واذكر عبدنا داود ذا الايد انه اواب) فقوله تعالى «عبدن» و«انه اواب» هو نفس قوله تعالى عن ايوب «نعم العبد، انه اواب»، كما ان قوله تعالى عن سليمان (ووهبنا لداود وسليمان: نعم العبد انه اواب) يحمل نفس الصفتين اللتين خلعهما على ايوب.

اذن ثمة سمات قصصية في رسم الاشخاص الثلاثة، جاءت مشتركة بين الابطال المشاراليهم. وهذا التجانس بين سمات الابطال له اهميته الفنية من حيث «وحدة العنصرالقصصي»، بحيث يمكن القول اننا امام قصص متداخلة فيما بينها او امام قصة واحدة ينتظمها ابطال ثلاثة من الانبياء، يحملون سمات مشتركة بينهم. ليس هذا فحسب، بل ان الحوادث التي تعرضوا لها، ثم النتائج التي رتبها اللّه تعالى على الحوادث المشار اليهاتتجانس ايضا فيما بينها،.. فكما جعل اللّه تعالى داود «خليفة» بعد تجربته في القضاء، وكمامنح لسليمان الريح والشياطين والملك بعد تجربته في مواجهة الجسد الميت (وهو ابنه)...كذلك منح ايوب(ع) المغتسل البارد والشراب ورجوع الاهل، بعد تجربته في مكابدة المرض وسواه.

اذن، للمرة الثالثة، نحن الان امام عمارة تعبيرية بالغة الاحكام والامتاع، من حيث تجانس الصفات المخلوعة على شخصيات القصص الثلاث، ومن حيث تجانس الحوادث التي تعرضوا لها، ومن حيث النتائج التي ترتبت على ذلك، ويكشف هذا التجانس بين الابطال الحوادث والنتائج، عن مدى الاحكام الهندسي للنص، من حيث علاقة موضوعاته: بعضهاببعضها الاخر.

القسم(9) قال تعالى: (واذكر عبادنا ابراهيم واسحاق ويعقوب اولي الايدي والابصار، انا اخلصناهم بخالصة ذكرى الدار، وانهم عندنا لمن المصطفين الاخيار، واذكر اسماعيل واليسع وذاالكفل وكل من الاخيار، هذا ذكر، وان للمتقين لحسن مب..).

هذا القسم من سورة  يمكن ان نجعله امتدادا للعنصر القصصي الذي تحدث عن داودوسليمان وايوب عليهم السلام، حيث تم عرض شخصياتهم بشيء من التفصيل. اما القسم الذي نتحدث عنه الان، فلا يعرض للشخصيات الا عابرا بحيث يكتفي بسرد اسمائهم واكسابهم صفة مشتركة، مثل صفة «اولي الايدي والابصار» بالنسبة لكل من ابراهيم واسحاق ويعقوب، وكونهم مخلصين واخيارا. ومثل صفة«الاخيار» لكل من اسماعيل واليسع وذا الكفل... طبيعيا، لا بد ان يكون لانتخاب هذه الاسماء من جانب، ثم شطرها الى مجموعتين من جانب آخر (اي: ابراهيم واسحاق ويعقوب مقابل اسماعيل واليسع وذي الكفل)، لا بد ان يكون لهذا العرض والتقسيم والصفات للشخصيات المذكورة اكثر من سرفني، فيما ويتطلب كشف هذه الاسرار متابعة خاصة لحياة كل منهم مما لا يسمح حديثنابه.

من هنا، نتجاوز هذا الجانب، لنتحدث عن السمات التي خلعت عليهم وصلتها بالعنصرالقصصي في السورة وبهيكل السورة اساسا. لقد رسم هولاء من خلال سمات «القوة،والاستبصار، والخيرية والاخلاص»، مع ملاحظة ان عرض هذه السمات ينطوي بداهة على هدف تركز السورة عليه، يماثل الاهداف التي ابرزها العنصر القصصي في شخصيات داود وسليمان وايوب. واذا كانت الشخصيات الثلاث الاخيرة قد عرضت في سياق تعرضها لتجربة (امتحان)، وما ترتب عليه من المزيد من معطيات اللّه تعالى بحيث سخرلهم مختلف القوى من جبال وطير وجن وريح (بالنسبة لداود وسليمان)، وبحيث تم الابراءمن المرض واعادة الحياة الى الموتى (بالنسبة لايوب)،..

نقول، اذا كانت هذه الشخصيات قد عرض لها في سياق خاص من الامتحان والمعطيات الدينوية، فان التلويح بالجزاءالاخروي لهم، وبالمعطيات هناك ايضا، يظل عنصرا مشتركا بينهم وبين الشخصيات النبوية التي عرضها هذا القسم من السورة، وبينهم جميعا وبين مطلق المومنين الذين تطبعهم(التقوى) من جانب آخر، وهذا ما نلحظه من التعقيب القصصي القائل (هذا ذكر، وان للمتقين حسن مب) والتعقيب القائل: (ان هذا لرزقنا ماله من نفاد). ان قوله تعالى: (وان للمتقين لحسن مب) ينبغي الا نفصله من سياق العنصر القصصي الذي ركز على سمة مشتركة بين داود وسليمان، عليهما السلام، حينما قال عنهما في صدد الجزاء الاخروي(وان له عندنا زلفى وحسن مب)، فعبارة (حسن مب) جاءت الان في المقطع الذي نتحدث عنه بالصيغة نفسها التي وردت فيها بالنسبة لشخصيتي داود وسليمان... وهذايعني (من حيث الهيكل الهندسي لعمارة القصص، والسورة ايضا) ان النص القرآني الكريم قد وصل بين اقسام السورة الكريمة، واخضعها لبناء فني متجانس، تتلاحم وتتنامى فيه الموضوعات والفكر: بعضها مع بعضها الاخر، من حيث انصبابها في «فكرة» تقول: انا لعباداللّه الاخيار «حسن مب» سواء اكانوا انبياء ام عاديين، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان للانبياءتميزهم الخاص في الجزاء المذكور..

كذلك، يمكننا ملاحظة بعد آخر من التجانس، وهو قوله تعالى في هذا القسم الذي نتحدث عنه (ان هذا لرزقنا ماله من نفاد) حيث وردت هذه الاية في سياق الحديث عن الجزاءالاخروي:

الجنة،.. لكن ينبغي ان نتداعى باذهاننا الى قصة سليمان(ع) حيث عقب النص عليها بقوله تعالى: (هذا عطاونا فامنن او امسك بغير حساب). فبالرغم من ان العطاءالمذكور ورد في صعيد الجزاء الدينوي، حيث وهب اللّه تعالى له ملكا متفردا، وسخر له الريح والجن، فانه لمجانس للجزاء الاخروي الذي يقول: (ان هذا لرزقنا ماله من نفاد)، فعدم نفاد الرزق يتجانس مع العطاء بغير حساب، بصفة ان كلا منهما لا حدود له بالنسبة لمعطيات اللّه تعالى.

اذن ثمة تجانس وتلاحم بين الموضوعات يتم من خلال «الوحدة» بينها، مقابل «تجانس وتلاحم» يتم من خلال «القضاء» بين المعطيين دنيويا واخرويا، الا ان (التجانسين) كليهما،يخضعان لطابع مشترك هو عطاء اللّه تعالى في الحالات جميعا. وهذا النمط من التجانس،يكشف عن مدى الاحكام الهندسي للنص القرآني الكريم.

القسم(10) قال تعالى: (هذا، وان للطاغين لشر مب جهنم يصلونها فبئس المهاد، هذا فليذوقوه حميم وغساق، وآخر من شكله ازواج، هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم انهم صالوا النار، قالوا:بل انتم لا مرحبا بكم انتم قدمتموه لنا فبئس القرار، قالوا: ربنا من قدم لنا هذا فزده عذاباضعفا في النار، وقالوا: ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار، اتخذناهم سخريا ام زاغت عنهم الابصار، ان ذلك لحق تخاصم اهل النار).

هذا المقطع، من السورة الكريمة، امتداد لما سبق من المقطع الذي تحدث عن مصائرالمومنين في الجنة ووصفها بعبارة (وان للمتقين لحسن مب)، هنا في المقطع الذي نتحدث عنه يقابل النص بين اولئك المومنين وبين الفاسقين، حيث وصف مصائرهم في النار بصفة (وان للطاغين شر مب). هذا التقابل بين المومنين والمنحرفين قد خضع هندسيالنوع من التجانس الفني الذي يفصح عن الاحكام العضوي لبناء النص، اي: نحن الان امام ظاهرة فنية هي: «التماثل من خلال التضاد» او «التضاد من خلال التماثل»، فالتضاد هو: الجنة والنار، الشر والحسن: الشر بالنسبة لمصائر المنحرفين، والحسن بالنسبة لمصائر المومنين،اما التماثل فهو «الم آب» او المصائر، فقوله تعالى: (حسن مب) بالنسبة الى المومنين، وقوله تعالى: (شر مب) بالنسبة للمنحرفين، يعد(تضادا) من خلال (التماثل) في الم آب. ان لكل منهما مبا (وهذا هو التماثل)، لكن مب المومن الى الجنة، ومب الكافر الى النار، وهذا هوالتضاد.. علما بان هذا المقطع وسابقه، يظلان مرتبطين عضويا بالعنصر القصصي في السورة الكريمة، حيث تحدثت السورة عن شخصيات داود وسليمان وايوب وسائر الانبياء،واشارت في حينه الى مواقعهم اخرويا، وربطت بين تلكم المواقع او المصائر، وبين مصائرمطلق المومنين.

لكن، خارجا عن هذا المبنى الهندسي الذي يربط بين اجزاء السورة او مقاطعها: بعضهاببعضها الاخر، يعنينا ان نتابع العرض الفني الذي قدمه المقطع بالنسبة لبيئة النار التي يحياها المنحرفون، وما يواكبها من رسم المواقف المثيرة في هذا الصعيد. واول ما يلفت النظر، هنا، ان المقطع عرض ردود الفعل التي تصدر عن الروساء والمرووسين او قادة الضلال واتباعهم، حيث يتبادل الفريقان القاء اللوم فيما بينهما،.. فالروساء او الشياطين عندما يقال لهم (هذا فوج مقتحم معكم) في دخول النار، حينئذ يقول الروساء لاتباعهم الذين اقتحموا النار (لا مرحبا بكم) ثم يضيف هولاء الاتباع قائلين «انتم قدمتموه لنا) اي انتم ايها الروساء او الشياطين قدمتم لنا هذا المصير البائس.

ليس هذا فحسب، بل يتكرر هذا الكلام مرة اخرى عندما يتجه الاتباع الى اللّه تعالى قائلين(ربنا: من قدم لنا هذا، فزده عذابا ضعفا في النار). وهذا التكرار ينطوي على اكثر من سرفني، منه: ان توجه الاتباع الى اللّه تعالى بمضاعفة العذاب، من الممكن ان يتم في مرحلتين، مرحلة دخولهم النار واستقرارهم فيها، حيث كان الموقف الاول هو: اثناءدخولهم النار فيما قالوا لروسائهم «لا مرحبا بكم انتم»، والموقف الثاني هو: بعد دخولهم النار فيما قالوا «فزده عذابا ضعف». ومن الممكن ان يكونوا قالوا هذا الكلام مباشرة بعدكلامهم السابق، حيث تعني هذه العبارة «فزده عذابا ضعفا من النار» ان الروساء ما داموا قدتسببوا في دخولنا النار، فعليه زدهم يا رب عذابا مضاعفا. ثم ينقل المقطع لنا موقفا آخرلاصحاب النار، حيث يتحاور هولاء قائلين: (ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشراراتخذناهم سخريا، ام زاغت عنهم الابصار). ان هذه المحاورة الداخلية او الجمعية تنطوي ايضا على اكثر من سر فني، منها ان الاحساس بالندم يتنوع لدى المنحرفين، حيث انهم حينايتلاومون روساء واتباعا: وحينا آخر يلتفتون الى ماضيهم الدينوي فيتذكرون اشخاصا كانوايعدونهم اشرارا في المقاييس الدنيوية، ولكن لا وجود لهم في النار، بل هم في الجنة، مايعني ان احساسهم بخطا مقاييسهم قد جر عليهم عذابا نفسيا آخر، حيث يتداعى الذهن تلقائيا الى المقارنة بين مقاييسهم الدنيوية وبين ما يشاهدونه الان في الاخرة، كل ذلك في نطاق الضلالة الفكرية التي قادتهم الى عدم الايمان برسالة الاسلام او في نطاق تصوراتهم عن المومنين الذين خيل اليهم انهم اشرار في الدنيا.

ومن الواضح، ان هذا المنحى من صياغة ردود الفعل التي يصدر عنها المنحرفون، يظل على صلة عضوية بمقدمة السورة التي وصفتهم بانهم في «عزة وشقاق» حيث ان تصوراتهم المخطئة التي بداوا يتحسسونها هي انعكاسات صفتي العزة والشقاق كما هو واضح،.. وهوامر يكشف لنا عن مدى الاحكام العضوي للنص، من حيث علاقة موضوعاته، بعضها مع بعضها الاخر.

القسم(11) قال تعالى: (قل هو نبا عظيم، انتم عنه معرضون، ما كان لي من علم بالملا الاعلى اذيختصمون، ان يوحى الي، الا انما انا نذير مبين، اذ قال ربك للملائكة: اني خالق بشرا من طين، فاذا سويته ونفخت فيه من روحي، فقعوا له ساجدين..الخ).

بهذا المقطع تختم سورة  التي بدات بقوله تعالى: (ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروافي عزة وشقاق)، حيث ختمت بالاشارة الى القرآن الكريم وموقف المنحرفين منه، فيمابدات بوصف الكافرين بصفتي العزة والشقاق. وها هو الان يعرض لنا موقفهم نفسه بعبارة(هو نبا عظيم انتم عنه معرضون).. طبيعيا، ان اعراضهم هذا جاء متجانسا مع المقطع السابق الذي عرض فيه مصير المنحرفين الذين غفلوا عن الاخرة، ونعني به: جهنم التي بداوا يتحسسون من خلالها مدى العزة والشقاق اللذين دفعا بهم الى امثلة هذا المصيرالبائس. بيد ان الملاحظ ان النص او المقطع الختامي للسورة، طرح فيها موضوع جديد هو:موقف ابليس من آدم(ع)، حيث يدفعنا ذلك الى التساول عن السر الفني لعرض هذه القصة في ختام السورة.

في تصورنا، ان قصة ابليس وموقفه من عدم السجود لادم، قد ركز فيها على ظاهرة «التكبر»من جانب، وظاهرة «جهنم» من جانب آخر، وبالرغم من ان هاتين الظاهرتين تتكرران في قصص آدم، الا ان التركيز هنا جاء ملحوظا بحيث نستكشف وجود علاقة عضوية بين افكارالسورة وبين هذه القصة. اما سمة «التكبر» فتتضح علاقتها بسمتي «العزة والشقاق» اللتين طبعتا المنحرفين. واما التركيز على «جهنم»، فمع انه يتناسب مع سمتي العزة والشقاق اللتين تقودان المنحرف الى جهنم: لكن مع ملاحظة ان هذه القصة جاءت بعد مقطع تناول بالتفصيل مهمات المنحرفين وهم في جهنم حيث كانوا يتبادلون التهم فيما بينهم، بخاصة ان الاتباع كانواع يشيرون بنحو متكرر الى ان الشياطين او الروساء هم الذين قادوهم الى الانحراف.. لذلك، عندما يركز النص على «جهنم»، نستكشف وجود علاقة بين هذه القصة وبين المقطع السابق الذي القى المنحرفون فيه تبعة سلوكهم على الشيطان..

لنستمع الى المحاورة الاتية: (قال: فبعزتك لاغوينهم اجمعين، الا عبادك منهم المخلصين قال: فالحق والحق اقول لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم اجمعين). لنلاحظ، ان المقطع قد اشاربعبارة (وممن تبعك) الى المضمون نفسه الذي لحظناه في المقطع الاسبق الذي القى الاتباع اللوم فيه على الشيطان..

اذن من حيث المبنى الهندسي للنص، نجد ان هناك خيطا عضويا يربط بين القصة التي ختمت بها السورة، وبين موضوعات السورة، سواء اكان ذلك في بداياتها ام في وسطها.فالبداية تضمنت الاشارة الى سمتي «العزة والشقاق»، والوسط تضمن الاشارة الى اتباع الشيطان. وكل منهما اي بداية السورة ووسطها مرتبط بخاتمة السورة التي تحدثت عن اغواء الشيطان للمنحرفين، ثم عن التلويح بالمصير الذي ينتهي اليه المنحرفون وهو جهنم،اضافة الى ما تقدم، ينبغي الا نغفل عن ملاحظة بعد فني آخر في هذا المقطع الختامي،حيث لحظنا ان بداية المقطع قد اشارت الى ان القرآن او تعاليمه هو (نبا عظيم انتم عنه معرضون) اي اشارت الى اعراض المنحرفين عن الحق، ورمز للحق بكلمة «نب»، ثم ختم السورة ب آية تقول: (ولتعلمن نباه بعد حين). هذا التجانس بين «النب» وبين العلم به بعدحين، يشكل بعدا جديدا من ابعاد التجانس او الترابط العضوي في النص، فهو اشار الى ان المنحرفين «معرضون من النبا العظيم»: (قل هو نبا عظيم انتم عنه معرضون). وها هو في آخر آية من السورة الكريمة، يعرض لنا نتائج الاعراض المذكور، بقوله: (ولتعلمن نباه بعدحين) اي في اليوم الاخر.

اذن امكننا ملاحظة مختلف الابعاد الفنية التي ربطت بين ختام السورة وبين موضوعاتها في البداية والوسط. ويكشف مثل هذا الترابط بين اقسام السورة الكريمة، عن مدى الاحكام الهندسي فيها، وفق النحو الذي اوضحناه.

فكر الاسلامي

العصمة بين النفي والاثبات

الاستاذ مصطفى خميس

كثر الجدل والحوار حول قضية بلغت من الحساسية درجة جعلتها تمس شخصية رسول اللّهمحمد(ص)، وهي قضية:

«العصمة». وتجاوز بعض الكتاب حدود المعقول والمنقول حين جنح الى الطعن في هذه القضية، وبخاصة ما يتعلق منها بعصمة رسول اللّه(ص) في امورالوحي والعقيدة، وما يتعلق ب آيات القرآن الكريم.

وهذه فقرات من نظرية بحثت هذا الموضوع، ولكن بشكل غير متفق عليه وجاء فيها: «اذاقلنا ان الحكم من قبل الناس بخطا رسول اللّه(ص) غير جائز، فذلك لا يعني انه غير جائز ان صدر من اللّه عز وجل في حق نبيه.. فان اللّه يقضي بما يشاء في حقهم، ويوجههم، او يعتب عليهم، او يخطئهم كما يريد».

«ولكن اللّه عز وجل، وقد علم نبيه وادبه، له ان يخطئه، وان يعتب عليه وان ينسب اليه مايريد فقد قال له: (تريدون عرض الدنيا واللّه يريد الاخرة واللّه عزيز حكيم»).

«وقال له: (يا ايها النبي، لم تحرم ما احل اللّه لك تبتغي مرضاة ازواجك). وقال: (واذتقول للذي انعم اللّه عليه وانعمت عليه امسك عليك زوجك اتق اللّه وتخفي في نفسك مااللّه مبديه وتخشى الناس واللّه احق ان تخشاه). وقال: (عفا اللّه عنك لم اذنت لهم»).

وقال: «حتى عندما يخط ىء في اجتهاده في علم اللّه وحكمه انما يكون خطوه ذاك بالهام من اللّه لحكمة باهرة. ثم ان الوحي ينسخ ذلك الالهام في الوقت المناسب». ومثل هذه الاقوال والنظريات تجدها لدى الكثيرين ممن لم ينزهوا رسول اللّه(ص) وكذلك غيره من الانبياء والرسل، سواء في امور الدين والشريعة، ام في امور الدنيا والحياة الدنيوية.

واحتج القائلون بذلك ب آيات اخرى، واولها خطا آدم عليه السلام في قوله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى) وغيرها من الايات.

ومن هنا نجد انه من الواجب علينا تبرئة الانبياء والرسل من النواقص والاخطاء التي نسبت اليهم، وتاويل ما جاء بحقهم من آيات بما يليق بمكانتهم وفضلهم عند اللّه. وقد كثر التساول حول هذه الايات ودلالاتها، وما يستفاد منها في تثبيت عقيدة المسلمين، ونظرتهم الى شخصية رسول اللّه(ص) وقدسية الرسالة المعصومة.

ولست ادري لماذا يثير بعض الكتاب مثل هذه القضايا مركزين على تخطئة الرسول(ص)في امور كثيرة تناقض عصمته، وتحط من مكانته، وتتعارض مع كثير من الايات الدالة على عصمته مطلقا، هل يفعلون ذلك تسويغا لمواقف بعض الامراء والملوك والسلاطين، الذين جعلوا سنتهم حجة كسنة رسول اللّه(ص)، فاذا جاز للرسول ان يخط ىء، واذا ثبت ذلك،فما المانع من ان يقع مثل ذلك مع من هم دون الرسول رتبة؟ وعند هولاء لا باس بالطعن في عصمة النبي والكذب عليه اذا كان ذلك يرفع واضعي سياساتهم المعادية لرسول اللّه(ص)، وللدين الحنيف الذي ركزه النبي وبينه، ثم رحل وتركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها حين قال لهم في غدير خم مرجعه من حجة الوداع: «اني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي اهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلواابدا، ولقد انباني اللطيف الخبير انهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» وقال في هذاالموقف المشهود نفسه: «من كنت مولاه فعلي مولاه».

كان لا بد من القاء الضوء، باختصار، على هذا كله، وبقدر توفيق اللّه عز وجل، للدفاع عن انبياء اللّه ورسله، وبخاصة سيدنا ومولانا محمد صلى اللّه عليه وآله الطيبين الطاهرين.

العصمة من الدلائل العقلية، والبراهين النقلية، ومن الضرورات الشرعية، ان يكون الرسول او النبي معصوما. لانه اذا عرف عن النبي الكذب او ارتكاب الذنب، صغيرا كان ام كبيرا، كان ذلك مذمة له ومنقصة، وسببا في عدم تصديقه في ما يوحى اليه من اللّه عز وجل، لعدم الاطمئنان اليه اولا، ولانه اذا كذب في امر صغير فانه يكذب في امر كبير ثانيا، وهو اضافة الى ذلك لا يمتنع بحقه ان يرتكب خطيئة او فاحشة بعد ذلك.

وهذا كله يعتبر قدحا في الرسالة وطعنا في النبوة، وهو، صلى اللّه عليه وآله وسلم، الذي عصمه اللّه بالوحي في قوله تعالى:

(ان هو الا وحي يوحى).

ووصفه بما لم يصف به احدا من قبل بانه على خلق عظيم في قوله تعالى: (وانك لعلى خلق عظيم). والخلق العظيم يعني ترفعه على كل صغيرة وكبيرة، او ذنب او هفوة تخل بخلقه العظيم قبل الرسالة او بعدها. وقد ذكر كافة ارباب السير انه، عليه الصلاة والسلام، كان يسمى ب«محمد الامين» قبل البعثة.

اذا فقد اختاره اللّه وهياه وعظمه خلقا وخلقا، وصدقا وعدلا، وحفظا من كل ما يشينه،وحفظه اللّه من كل خطا او ذنب، او هيا له من لدنه روحا ملكا يسدده ويحفظه بامر اللّه عزوجل. قال ابو بصير: «سالت ابا عبداللّه، عليه السلام، عن قول اللّه تبارك وتعالى: (وكذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان) قال: خلق من خلق اللّه عزوجل اعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول اللّه يخيره ويسدده وهو مع الائمة من بعده».

قال امير المومنين، عليه السلام، في خطبته المعروفة ب«القاصعة»:

«ولقد قرن اللّه به، صلى اللّه عليه وآله وسلم، من لدن ان كان فطيما، اعظم ملك من ملائكته» يسلك به طريق المكارم، ومحاسن اخلاق العالم، ليله ونهاره، ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر امه، يرفع لي في كل يوم من اخلاقه علما، ويامرني الاقتداء به»، اضافة الى ما عنده من عزم واستعداد وصبر.

فاذا كان الرسول، او النبي، يعمل بوحي من اللّه، وهو سبحانه وتعالى المسدد لافعاله واقواله، فكيف يمكن للّه، عز وجل، خالق الافعال، وبارىء كل شيء، ان يخط ىء نبيه اورسوله بنفسه، ثم بعد ذلك يعتب عليه ويلومه على ما فعل؟! ولو ان اللّه، عز وجل، اراد حقا ان يخطئه، فان العدل الالهي يقتضي ان لا يعتب عليه، لان اللّه عادل في حكمه، ولا يمكن ان يفعل المتناقضات، وهو عز وجل لا يامر بشيء ويعاقب على طاعته فيه، لان ارادة اللّه مقضية ومبرمة، وطاعة النبي فيها تلزم ثوابه وليس عقابه اومعاتبته.

فقولهم: «ان اللّه يخط ىء نبيه ثم يعتب عليه»، يبطله ما قلناه.