من نافل القول تكرار ما قدمته المراجع
المعاصرة في دفعها
راي الباحث الشيخ هذا، ذلك»ان النظر الى الحدث من
زاوية
اكثر انصافا تقنع الناظر بصوابية موقف الامام
والهامه معا.
كان»الصادق يعلم كما اثبتت الاحداث التالية ان
السلطة توول
الى السفاح والمنصور، ولكنه»حاول جاهدا انه يسجل
موقفا
انسانيا، رغم معرفته لاستحالة منع ما سيجري، فقام
بتقديم»النصيحة بما في ذلك مناورة بارعة لابعاد
محمد النفس
الزكية عن تبني وجهة نظر والده بانه»المهدي
والخليفة
المقبل. هذه المناورة مع علمه بما ستوول اليه
الاحداث لا
يمكن»تفسيرها الا بالتقية لانها اكسبته منزلة
عظمى في نفس
الحكام الجدد وقد تولوا السلطة،فلقبوه بالصادق ولم
يقدموا
على قتله.
ولكن.. كيف علم الامام الصادق سلام اللّه عليه
بالمستقبل، فان
تلك اشكالية لا يستطيع اي»دارس للتاريخ الا ان
يضعها في
خانة الالهام بالقطع. ذلك ان قيادة الثورة عرضت
عليه فعلابعد
وفاة ابراهيم الامام. ورفضها من دون تردد.
وكم يبدو رفض الباحث الشيخ لحديث الوصية المتفرع
جزئيا
من حديث الغدير. وقد وردفي معظم صحاح السنة بهذا
النص
(خاصة في مسلم): «تركت فيكم ما ان تمسكتم به
لن»تضلوا
بعدي ابدا، كتاب اللّه وعترتي آل بيتي» كم يبدو
ذلك، وهو
يقول ان من اورده بلفظ»سنتي اوثق ممن اورده بلفظ
عترتي،
متهافتا ومماحكة لفظية، خاصة عندما يلجا الى
تاويل»المعنى،
وهو ما ترفضه السلفية اصلا بان عترتي تدل على
الوصاية بالفقه
والعلم وليس»الامامة السياسية!! فالعصمة
والمعجزات هي من
قبيل الغلو في حق اهل البيت .
من هنا الا يحق للباحث المنصف وهو يشهد هذا
الاضطراب
والتشوش لدى الشيخ الراحل»الا ان يحكم بشي»ء من
القسوة
على قيمة كتاب كالذي بين ايدينا.
5- في مجال الاتهام، الجذور اليهودية (السباية»
تفريخ الغلاة
التفسير البوليسي لتطور الفكرالتعصب المذهبي.
في اطار دراسة الامام الصادق وعصره يترافق النفي مع
الاتهام
دائما لدى التيار السلفي.ولعل ابرز ما يتبناه
المولف، من دون
مناقشة، نسبة نشوء التشيع في الاسلام الى
قصة»مشهورة عن
شخصية اسطورية هي عبداللّه بن سبا لكنه لا ينسى
عندما
يتحدث عن»نشوء تيارات اخرى من الغلاة ان يجدد
مسوولية
الحكم الاموي عن ذلك بعيد استشهادالامام علي بن ابي
طالب(رض).
لقد اتيح لقصة «ابن سب» ان تصبح بغنى عن التعريف
لشهرتها، وانقسم الباحثون بين مويدلصحتها ومعارض
لها.
وتسللت الى بعض مصادر الشيعة مثل كتاب الرجال
للكشي ويظل استخدامها في مواجهة التشيع عملا لا
يتسم
بالسعي للوصول الى الحقيقة ولا يعبرعن حسن النوايا
تجاه
مذهب اصبح يحمل صفة الاسلامية بعيد الاعتراف بجواز
التعبد به»مثل الازهر. ان العنصر الاهم في تلك
الدراما من
تعليلات نشوء التشيع وفرقه هو ما يبدو من»اسلوب
بوليسي في
تسويغ تصاعد تلك الفلسفات التي اتهمت بالغلو، وهذا
ما يتبناه
ابوزهرة منها جميعا من دون مناقشة. وليس من شك في
ظهور الغلو في كل الافكار في العالم،لكن الحقيقة في
ما حدث
قبل الف واربعمائة من السنين احيطت بالكثير من
الغموض»والشائعات والتهم التي لا يثبت كثير منها
امام
التحقيق العلمي. هذه الفرق عارضت السلطة»الاموية
وسعت من
منظورها الى تحقيق العدالة. اما الشيعي منها فكان
يرفع شعار
الرضا من»آل محمد والانتقام من ظالميهم كفرقة
المختار
الثقفي مثلا. ولان ردود السلطة اتسمت»بالقمع الشرس
في
المرحلتين معا (الاموية والعباسية) فلا مندوحة من
ابداء الحذر
فيما نقل»عن تلك الفرق من كتب المسلمين جميعا. ذلك
ان
عصر التدوين ظل محكوما بامرين»مهمين، اولهما:
محاربة
مستمرة للمعارضة الشيعية لتصفيتها جسديا وفكريا
(وهذا
هوالاهم) وثانيهما بروز ما سمى بتيار السنة كرد فعل
في الواقع
على الدعوات لال بيت»النبي(ص). وباتفاق الباحثين
فان تيار
السنة في رموزه الغالبة انسجم في كتاباته
مع»طروحات
السلطة واطلق احكام قيمة متعسفة على المعارضة
بكافة
تفرعاتها .
ويطرح تساول مشروع: لماذا يستمر النزال مع التشيع
كل هذا
المدى الزمني؟ ولماذا لم يكن»ممكنا اعتبار
الامامي منه مذهبا
اسلاميا كغيره الا قبل فترة وجيزة؟
لقد ترسخ النزال الفكري، في تيار السنة، من اطار
ثوابت افرزتها
طبيعة النزال، رغم عدم»ثباتها للتمحيص العلمي،
بحيث
اعتبرت بعض الكتب(للسنة) في ثانية بعد القرآن
من»القداسة.
وبما ان الباحث مقسور على التفكير بمقاييس زمنه
بسبب
غموض المراجع تلك، فان»السوال الذي يبرز هو: هل
يصدق انه
حاكا ما يندفع الى القمع الفكري او الجسدي نحو
فرقة»مسالمة
لا تسعى الى قلب نظامه؟ وفي اطار التسامح الكبير مع
شرائح
من فرق عاشت بين»المسلمين بما من ذلك اليهودية
والمجوسية وغيرها هل يصبح مشروعا الادعاء بان
الحاكم»يقوم
بحملات لتصفية جماعات صغيرة مسالمة لمجرد فعالاتها
في
حب اهل البيت؟ لكن«ابو زهرة» يعرض المسالة بمنظور
مختلف: هذه الفرق المسماة «البيانية، الكيسانية
التي»تفرعت
عن حركة المختار الثقفي ثم الجبرية والقدرية
والخطابية
وغيرها وغيره» هل كانت»فرقا مقاتلة حتى تستدعي
شهوة
التصفية الجسدية ومن والى الكوفة تحديدا او من
قام»مقامه؟
ولماذا الكوفة تحديدا؟ ويصل الى النتيجة التالية:
«كانت الكوفة وما وراءها مكانا تاوي في ظلامه تلك
الاراء التي
تتولد في اخيلة مريضة قداصابها درن المجوسية
والوثنية
القديمة ودرن الفساد، فكانوا في اعتقادهم باللّه
حشوية»ياخذون
بظاهر الالفاظ، وكانوا وثنيين بالنسبة للائمة
واعتقدوا بانهم
آلهة. كل ذلك القى عتباعلى الباقر والصادق» .
هذه العبارات تجعل القارى»ء يتصور الكوفة باتساع
لندن (مع
انها مجرد قرية) تصخب بالغلووالفرق والمجوسية
وغيرها.. وان
ما وراءها متاثر بها. اما ما(قبلها) يعني الشام
ومصروالحجاز
فيمكن الاستنتاج بنظافتها وبان الوالي الاموي
(المومن) قام
بتطبيق شريعة الاسلام»على المرتدين عنه وان
الائمة تبراوا من
شيعتهم. اما لماذا تبرا الصادق منهم فلانهم
«تسترواباسمه
لهدم الاسلام والحكم العربي وسعوا الى اعادة الحكم
المجوسي
الفارسي». هكذايقول ابو زهرة حرفيا من حكم قيم
استقاه
مباشرة من المستشرقين الذين تبنى افكارهم.ولكن..
الا يبدو
حشر المسالة القومية هكذا بعيدا عن روح ذاك العصر..
في
الاسلام لا فرق»بين عجمي ولا عربي.. اما مدينة
الكوفة فلانها
بورة التشيع قام الشيخ بصب جام غضبه»عليها في خطاب
سياسي ملي»ء بالتناقض. اما ما اراد الوصول اليه
اخيرا فهو «لقد
دسوا على»الامام الصادق احاديث كثيرة. فهل نتصور
ان القول
بنقص القرآن قد وصل الى الكافي»منهم». ويتابع: «لقد
ادى
ذلك الى اعتزال الامام الصادق للسياسة بكل الوانها
فكان ما
بلغه»من المنزلة بهذا الاعتزال اكبر مما ناله غيره
بالسيف
والغلب» .
اذن فقد اعتزل الامام الصادق الحياة غاضبا على
شيعته وليس
على السلطان الظالم. لكن اي»باحث يجد نفسه مقسورا
على
التعامل مع مقولات ذاك العصر بكثير من التحفظ، بما
في»ذلك
نشوء الغلو والغلاة وسبب قمع السلطة الطاغية لهم.
الباحث الشيخ يكمل اتهاماته بنص اخير يقول: «ورد في
التهذيب ان الصادق رفض رواية»غير الشيعي ولو كان
عدلا
موثوقا معروفا ما دامت روايته لا يوثقها شيعي امامي
او
يمدحه»امامي.. وفي ذلك تعصب مذهبي نرجو الا يستمر» .
ثم نكتشف، بعد مراجعة التهذيب، ان ما نقل عن الامام
الصادق
هذا محرف بطريقة»عجيبة.. انه يريد ان يستمر في
توجيه اصبع
الاتهام مبرئا الذين ينطق باسمهم كونهم»وحدهم
الذين
يملكون الحقيقة.
ثانيا الفصل
يقصد بهذا المفهوم ببساطة ان كل ما نقل عن الائمة
اهل بيت
النبي(ص) من احاديث وآراءفكرية وما تفرع عن مذهبهم
او ما
عبر عنه تلاميذهم وشيعتهم وما نسب اليهم من
مدونات،ليس
لهم به وبناقليه اية علاقة. فليس لدى الائمة شيعة او
اتباع. اما
ما يمكن قبوله عنهم فهوما ورد في كتب الجمهور التي
لا تقبل
النقد ولا يصل اليها الباطل. وهكذا تبدو مجمل
الاراءالتي
يناقشها ابو زهرة في كتابه مجرد افكار منسوبة الى
الصادق من
تاليف اتباعه!!
وبالعودة الى آرائه في ان الصادق لم يدع الامامة
ولم يسع الى
تكوين اتباع فلا بد من»التساول عن مصدر هولاء
الاتباع
ولماذا اتبعوه ووضعوا مذهبه باقلامهم؟!
يعترف الباحث الشيخ بالحيرة في سعيه لتلمس الدور
السياسي
للامام في عصره، قائلا ان»الراي السياسي للامام لا
يمكن الاتفاق
على ماهيته . وبما انه حسم القول عن الصادق»بانه لم
يكن
يعتقد نفسه اماما معتبرا ان العبرة في الولاية، ليس
بالوصاية
ولكن باختيار (اوبانتخاب) الامثل. فان السياق
المنطقي
لتحليله لتلك المرحلة يبدو بعيدا عن التماسك
رغم»تعمده
المفرط الاشادة بالصادق في كل صفحة.
كان الامام قطب عصره (كما يعترف) فهل يمكن لانسان
هذه
صفاته ان يخلو من مريدين اواتباع او.. شيعة؟
لا يستطيع باحث منصف ان يتجاهل ان معارضة النظامين:
الاموي ثم العباسي كانت في»ظل قيادة ملهمة للحشود،
ومثلها
الائمة في حياتهم ثم نوابهم بعد اختفاء الامام
المهدي»عام
265ه، لكن الصادق كان على علم بكل الاتجاهات
السياسية
كما يقول ابو زهرة ومع ذلك فهو ابن عصره وكان يجتهد
برايه في غياب النص. فهل في اطار ظروف كهذه لم»يكن
من
تيار ينطق باسم اهل البيت وهل ان هولاء قد تخلوا عن
هذا
الدور؟ ويظل اشد ماحير الباحث هو اشكالية بقاء
الامام الصادق
على قيد الحياة في خضم عصر بالغ الاضطراب»والتغير
في
مرحلة ما بين عهدين. لقد نحا ابو زهرة الى توصيفه
بالحيادية
المطلقة وعدم»تدخله في شوون الحكام او المسلمين!!
حتى انه
يتساءل بحيرة: هل اتصل الصادق»بالخوارج مثلا؟،
علما انهم
احتلوا المدينة المنورة وهو قاطن فيها؟ لماذا لم
يقتله
الخوارج»مع انهم قتلوا من هو اشد مسالمة منه؟ وفي
استسلام
قدري عن غلبه الشر على عصرالصادق يحاول الباحث
الخروج من حيرته باقتباس للمنصور العباسي يعط»ى
تسويغاللحفاظ على حياة الصادق يقول: «الصادق.. هذا
الشجى
المعترض في حلوق الخلفاء،الذي لا يجوز نفيه ولا يحل
قتله،
ولولا ما تجمعني واياه من شجرة طاب اصلها وبسق
فرعهاوعذب ثمرها وبوركت في الذرية وقدست في الزبر
لكان
جنى ما لا تحمد عقباه لما بلغني»من شدة عيبه لنا
وسوء القول
فين» .
كان الخليفة العباسي على قناعة تامة بان الصادق يقف
في
مواجهته، كما عبر عن ذلك»بجلاء «شدة عيبه لنا وسوء
القول
فين»، بل ان المنصور العباسي كان يعلم ان الامام
يقودتنظيما
من الاتباع (والشيعة) يمتد في ارجاء دار الاسلام،
فلماذا كان
يخشاه حتى لم يجروعلى قتله؟ هناك الكثير من التشويش
في
استخدام معطيات المراجع لدى الشيخ «ابو زهرة»وغيره
من
باحثي الطرف الاخر في محاولتهم تفسير ذلك. ولا يكفي
ان
يقال ان سلبيته اوحياديته الظاهرية وعدم تدخله في
السياسة
والامور العامة تفسر بقاءه دون تعرض
للاغتيال.وبالمقابل لا
يجوز اتهامه بالحرص على حياته الى درجة ابتعاده عن
الايجابية التي تقتضيهامكانته الكبرى بين الناس
وسعيه الى
خدمتهم دينا ودنيا.
ان مكانة الامام الصادق بناء على ما رشح من كل
المراجع تحتل
موقعا لم يصله احد من»مشاهير عصره، فقد اثر عنه
الكثير من
مختلف العلوم، وكان مصدر معظم المدارس
العلمية»بما في
ذلك الكيمياء . بل انه برز على واجهة الاحداث عام 134ه
عندما اتاه الدعاة»ليرجوه تسلم قيادة المرحلة
الجديدة الحتمية
المجي»ء. لقد اثار رفضه للقيادة الكثير
من»الاستغراب، فلم يكن
له من منافس حقيقي بعيد اغتيال ابراهيم الامام، وهو
ما حير
التيارات»البحثية المصرية جميعا في دراستها
للتشيع. ولكنها
لم تقدم من التفسير ما يستحق ان»يوصف به الامام
الصادق كما
هو عليه.. القائد الملهم الذي يعرف ما اوكل اللّه
سبحانه اليه»من
مهام، اداها جميعا كما يجب ان يفعل انسان تجاوز
المالوف
والاعتيادي ليكون امام»عصره فعلا.
تروى تلك الحادثة كما يلي «حكى المسعودي، في مروج
الذهب، ان ابا سلمة الخلال»داعية العباسيين حين
بلغه مقتل
ابراهيم الامام، اضمر الرجوع عما كان عليه من
الدعوة»العباسية
الى آل بيت ابي طالب فبعث بكتابين مع رسول الى
المدينة،
احدهما الى جعفربن محمد والاخر الى عبداللّه بن
الحسن بن
الحسن بن علي بن ابي طالب، فلما وصل»الرسول الى
جعفر
اعلمه انه رسول ابي سلمة ودفع اليه كتابه ليلا،
فقال جعفر: ما
انا وابوسلمة وابو سلمة شيعة لغيري؟ فقال: اني رسول
فتقرا
كتابه وتجيبه بما رايت، فدعا جعفربسراج ثم اخذ كتاب
ابي
سلمة فوضعه على السراج حتى احترق وقال للرسول:
عرف»صاحبك بما رايت: ثم تمثل قول الكميت:
ايا موقدا نارا لغيرك ضوورها
يا حاطبا في غير حبلك تحطب» .
لهذه القصة دلالات عديدة، ولكن ابلغ ما تدل عليه،
سوى مدى
ما وصلت اليه مكانة»الصادق والهاميته، انها تعبر
عن امتلاكه
المعرفة الدقيقة لشيعته وشيعة غيره رغم
تشابك»التنظيمين،
وكان احدهما على الاقل (العباسي) يسعى لاسقاط
الدولة
الاموية، وقد نجح»في ذلك. وكم سعى المنصور العباسي
بعد
ذلك لاستدراجه للايقاع به فلم يفلح. وما من»شك في
انه احاط
الامام الصادق بحشد من مخابراته، ومع ذلك لم يتمكن
من
اثبات شي»ءرغم معرفته اليقينية بوجود الشيعة
وانتشارهم .
فهل كان من الممكن حفظ وثائق الائمة»من اهل البيت
النبوي
لولا وجود هذا التنظيم؟ وهل يجوز القول ان ما نقل من
احاديث عن»الصادق وابنائه وآبائه في الكتب
الاربعة التي اشرنا
اليها هو مجرد بناء من الوضع والتاليف»الذي لا
يقوم على اساس
من مراجع تتصل بهولاء الائمة؟
يتطرق الشيخ ابو زهرة الى مسالة تثير اشكالية اخرى،
وهي
رفض الصادق لخروج الناس»على الحكام، او عدم تاييده
لذلك
على الاقل حتى وهو يعترف بان الامام كان في
حقيقة»امره لا
يوافق على سلوك هولاء الحكام، بحجة، لعدم دعم
الخروج، ان
ضرره اكبر من»نفعه . لكن الباحث وهو يوكد ذاك الرفض
من قبل الامام باطلاق يتجاهل التزام
الصادق»باحقية خروج
جده الحسين من جهة وبتاييده لسلوك عمه زيد بن علي
عندما خرج على»الحاكم الاموي واستشهد من جهة اخرى .
اما بالنسبة للامام جعفر بن محمد الصادق شخصيا فقد
قام باداء
مهمته.. حفظ وثائق»الاسلام كما تلقاها عن آبائه، عن
رسول
اللّه(ص). ولولا نجاحه في مهمته تلك لما
شاهدناامامنا من هذا
الزمن الا نماذج من رجال للدين في مقدمتهم الدكتور
الراحل
وموسسة الازهروغيرها.. وبالتاكيد لم يكن ممكنا ان
يبقى لاهل
بيت النبي تراث يذكر في ظلال محاولات»طمس السلطات
المتعاقبة لتراثهم وشيعتهم معا.
نظرية انتقاد الصحابة
يبدو تمسك التيار السلفي باتهام اتباع مدرسة اهل
البيت بانهم
ينتقدون او يهاجمون صحابة»الرسول مجرد تبسيط
واختزال
للاشكالية القائمة في الاسلام منذ عصره الابعد. ذلك
انهاتعتبر
هذا الانتقاد الخيط الفاصل بين السنة والشيعة. لذا
نراها تاخذ
حيزا اكبر مما يستحق»في الكتاب الذي بين ايدينا.
يجهد الشيخ ابو زهرة، في سعيه للفصل الكامل بين
الامام زين
العابدين وبعده الباقروشيعتهما، في مراجعه،
لاكتشاف اقوال
تويد وجهة نظره حول رفض الامامين لانتقاد ابي»بكر
الصديق
وعمر بن الخطاب، لكنه لم يجد ذلك لدى الامام الصادق
فيقول: «لقد اثر عن»زين العابدين والباقر رفضهما
للطعن في
الخلفاء الثلاثة، ولم يوثر عن الصادق ما
يخالف»ذلك.. اوصى
الباقر جابر الجعفي قائلا: ابلغ اهل الكوفة انني
بري»ء ممن تبرا
من ابي بكروعمر رضي اللّه عنهما وارضاهما، ومن لم
يعرف
فضلهما فقد جهل السنة» .
وقد اورد هذا الاقتباس من «حلية الاولياء»، مقررا
ببساطة
ومن دون مناقشة ان هذا الكتاب»مقبول لدى كل
الاطراف
وموثوق لديهم. تلك المقولة التي لا يسندها باية
وثيقة
اومرجع وخاصة من الجانب الشيعي. ويتابع الشيخ
اقتباسه من
الكتاب عن الامام الباقر:«والذي نفس محمد بيده لو
وليت
لتقربت الى اللّه بدمائهم ولا نالتني شفاعة محمد ان
لم»اكن
استغفر لهما واترحم عليهما وان اعداء اللّه
لغافلون عنهم..». ثم
يتابع: «بل ان الباقر كان»يستشهد باعمال ابي بكر
وعمر ويقول
نعم الصديق. وقد فسر آية الولاية (انما وليكم
اللّهوالذين آمنوا)
فقال: هم اصحاب محمد فقال السائل: يقولون هو علي
فقال:
«علي»منهم» .
ان استخدام «حلية الاولياء» لا يسهم مطلقا في حل
اشكالية
مفادها ان تاريخ المسلمين يقرران الخلاف استحكم
حول
خلافة رسول اللّه بين صحابته الى درجة ان اقوالا
كهذه
منسوبة»الى الامام الباقر تبدو مجرد محاولة
لتحميل لسانه ما لا
ينسجم مع منطق التاريخ والاحداث»المتواترة. فان
بديهية
التشيع الاولى وخاصة للامام علي تنص على ان الشيخين
غصبا
حقه»في خلافة الرسول، وتويد ذلك كتب التاريخ
الاسلامي
المعتمدة، ولا يبدو من خلال»محاولة «ابو زهرة»
التوفيقية
(وقد حاول غيره ذلك من قبل) باعتماده على مجرد
روايات
لاتثبت امام التحليل العلمي ومنطق الاحداث، الا
سعي
بمحاولة التوفيق وتبسيط الامور. ان»تجاهل التاريخ
لخدمة
الايديولوجيا لا يلغي التاريخ، وتجاهل الاشكالية
لا يحلها. بل
ان»الادعاء بوجود تشيع من دون قيادة او ائمة يتشيع
لهم، فكرة
فيها من التبسيط ما يثير الدهشة»والاستفزاز.
وبعد فمن هم الصحابة؟
يحددهم ابو زهرة باصحاب بيعة الرضوان العشرة . هذا
بحد
ذاته تجاهل لاخرين لاينكر فضلهم وجهادهم وفيهم
كبار شيعة
الامام علي(رض) كالمقداد وسلمان وعمار وابي»ذر
وغيرهم،
وعشرات من الانصار المجاهدون الولاية ثابتة لهولاء
العشرة
فقط كما يصرالشيخ وهو يردف براي لابن ابي الحديد
يقول
فيه: «فاما الافاضل من المهاجرين والانصارالذين
ولوا الامامة
قبله (يعني الامام علي) فلو انكر احد امامتهم وغضب
عليهم
وسخط»فعلهم فضلا عن ان يشهر عليهم السيف او يدعو
الى
نفسه لقلنا انه من الهالكين! لكن رايناعليا رضي
امامتهم
وبايعهم وصلى خلفهم وانكحهم واكل فيئهم فلم يكن لنا
ان
نتعدى»فعله».
ثم يخلص اخيرا الى غايته الاساسية، مقررا ان هذا
الراي يخرج
اكثر الصحابة عن موضع»الطعن، مستشهدا بان كتابا
معاصرين
من الشيعة يقرون بذلك، ومنهم محمد جوادمغنية .
فهل استطاع الباحث الشيخ عبر منطقه الجدلي هذا ان
يحل
الاشكالية الابرز في التاريخ»الاسلامي من خلال
تبرئة الائمة
بادانة شيعتهم؟
ان استخدام المراجع، بطريقة كهذه، لا يخدم اي بحث
علمي
تاريخي. لقد ثبت عن الائمة»ومن طريق مراجع اخرى
تتسم
بالوثاقة ما يناقض اقوال الشيخ، وهو يتجاهلها كليا.
فليس
من»المنطق الادعاء بان الامام علي لم يختلف مع
قرنائه على
خلافة النبي(ص) والا فان عليناالغاء عقولنا
ومصادرنا وواقعنا
الخلافي الراهن، وذلك لا يخدم الاسلام بحد ذاته.
الصحابة بشر.. تصارعوا، وسفكت في حروبهم الداخلية
الدماء،
وانتقدوا بعضهم، وتنبارسول اللّه بذلك في احاديث
عديدة
مدرجة في كل كتب الحديث. وظل ذلك طبيعيا في»اطار
الصراع على الحق، ولم يكن نشوء المذاهب المتعددة في
الدين
الا انعكاس لهذاالصراع الذي لا يجوز تجاهله بايصال
الصحابة
(مهما كان عددهم) الى مرتبة العصمة.
يقول السيد محمد حسين فضل اللّه: «مشكلتنا، في هذا
الشرق
الانفعالي العاطفي، ان»الانسان يكون في حاضره مع
الناس
شكله او موقعا للنقد والمناقشة، حتى اذا صار
ماضياارتفع الى
اعلى القداسات، الانسان القيمة العادة التقاليد،
مشكلتنا ان
الزمن عندنا عندمايمضي يدخلنا في تقديس الاخطاء
والخرافات والعادات حتى تنطلق من حياتنا
كاشياءمقدسة لا
تملك اي معنى للقداسة سوى ان الماضي في عقلنا (انا
وجدنا
آباءنا على امة واناعلى اثارهم مقتدون) .
هذا ينطبق على شخصيات عصر رسول اللّه اشد ما ينطبق،
فلماذا يصر التيار السلفي»الاسلامي على وضع بشر لم
يجر النص
القرآني على عصمتهم في مرتبة تعلو البشرية،
ثم»بالمقابل ينقد
الشيعة لانهم اعتمدوا على نصوص القرآن (آية
التطهير) في
اثبات عصمة»اهل بيت النبي: علي وفاطمة وبنوهما حتى
الامام
المهدي.
في اطار نظرية الفصل لدى الباحث الشيخ يقدم منحى
جديدا
يعتمد على تفسير قول»منسوب للامام الصادق،
بتحميله نتائج
لا تنسجم مطلقا مع مسار فكره وحياته وحتى مع»بنية
نص هذا
الحديث. هذا القول ورد كما يلي: «من ضرب الناس بسيفه
ودعاهم الى نفسه،وفي المسلمين من هو اعلم منه، فهو
ضال
متكلف» .
من خلال فلسفة تحليل حديث كهذا ينطلق ابو زهرة الى
آفاق
عجيبة، فهو يعتبر ان الصادق»منسجم مع ما وصل اليه
(الجمهور) في مسالة الامامة، ثم يقسم الامامة الى
قسمين:
نبوية»وتكون بالمبايعة وملكية لا تتصف بهذا الوصف.
اما الصادق
فيصر على ان الامامة تكون»بالمبايعة . هذا الادعاء
يخدم
نظرية الشيخ في الفصل ووصف الائمة بانهم كانوا
مجردرجال
دين ولم يدعوا لانفسهم الامامة او الولاية او حتى
تكوين اتباع
وشريعة، ووافقوا على»مجريات حادثة السقيفة
المشهورة التي
رفضها الامام علي.
يستنتج الباحث الشيخ ايضا، في تفسير الحديث، ان
المقصود
بالعلم هو علم الاسلام مضافااليه القدرة على ادارة
دفة الحكم،
وفي اعتقاده ان ذلك ينطبق على الخلفاء الاربعة
الرواشد.وكما
نلحظ فان الشيخ يتابع توظيف التاريخ لخدمة افكاره،
متجاهلا
ان الثلاثة الاوائل من»الخلفاء اعترفوا للامام
علي بالاعلمية رغم
انهم لم يوافقوا على توليه الامارة. هذا من جهة،ومن
جهة
اخرى فان جدلية الامامة لدى الشيخ، وهو يسعى الى
تشريع ما
جرى من احداث»او بالاحرى اسلمتها بادعاء الاجماع
بين
الجمهور، يقوده الى القول: اتفق الجمهور في
الامام»ان يكون
قرشيا عادلا صاحب شورى وجاء بالمبايعة، وهو يظل
اماما ما دام
قائما بالعدل،فاذا انحرف لا تستمر امامته نبوية بل
ملكا دنيويا،
هذا بالاتفاق ولكن مجريات الامورتستوجب اتفاقا آخر
لتسويغها
ووضعها في اطار الشريعة، فيقول «اذا تغلب قرشي عادل
ثم»ارتضاه المسلمون بعد ذلك وبايعوه يكون خليفة
ولو كان
الاختيار متاخرا: هذا راي الشافعية»والمالكية
والحنابلة، اما
الحنفية فالاختيار عندهم سابق للولاية» . وبما ان
مناقشة
آراءكهذه ليست ذات جدوى حقيقية ما دامت تحمل صفة
الدغمائية والاجتهادات المتضاربة،فان ما يعنينا
هو ما يتعلق
بالامام الصادق. ذلك ان الادعاء بانه موافق على راي
الجمهوريخرجه من مسار حركة التشيع، وحتى ما عرف
بالتواتر
عن افكاره التي تنسجم مع سيرة»حياته، وذلك ما سعى
اليه ابو
زهرة من خلال كتابه.
الامامة عند الصادق ركن الاسلام الخامس، وهو ما اثر
عنه وعن
الائمة جميعا وتحملوا من»اجله كل ذلك العذاب
والاضطهاد،
والا فلماذا عمل الحكام على مطاردتهم وقتلهم ما
داموايقفون
مع جمهور مسوغي شرعية الحكام؟ اما الاغرب فان
الباحث
الشيخ يقول في سياق»بحثه: «اننا لا نعرف للامام
الصادق رايا
مقطوعا في شروط الامام الذي يتولى امورالمسلمين»
متابعا اضطرابه وتناقضه حتى النهاية.
يبدو من خلال هذا الكتاب، التيار السلفي الاسلامي،
يبدو من
خلال هذا الكتاب، مجموعة»مقولات دغمائية لا تتصل
بالمنطق
والعقل باية صلة، ولهذا لم يقدم للاسلام خدمات
تذكرفي
مجال المستجدات، وحتى في سبيل الوحدة الاسلامية
والتقريب بين المذاهب، لكننانسجل معه اعترافه
الاخير «لما
مات الامام الصادق(رض) احس العالم الاسلامي كله
بفقده،وكان له ذكر عطر على كل لسان واجمع العلماء
على
فضله، لم يغال في عداوته احد ولم»يعاده احد» . تطور الاتجاهات الاسلامية في الدولة العثمانية، «من التنظيمات حتى نهاية عصر السلطان»عبدالحميد الثاني» (الحلقة الاولى)
عندما اعتلى السلطان عبد الحميد الثاني العرش عام
1876،
كانت الدولة العثمانية قدتعرضت الى شتى انواع
الاختراقات
من قبل الدول الاوروبية الرئيسية، ووصلت
الى»درجات دنيا من
الضعف والتدهور. فبفضل «الامتيازات الاجنبية»،
تمكنت
الدول الغربية»من خلق وضع مميز لها داخل السلطنة،
وتدخلت
في شوونها الداخلية. وتحت ستار الدين»الذي جمعها
بالطوائف
غير الاسلامية (اهل الذمة)، تم اختراق نظام الملة
العثماني
وانعدم»التماسك ضمن الفسيفساء الاجتماعية
والدينية
والعرقية التي تكون منها المجتمع. كماتدهورت
قطاعات
الانتاج التقليدية لصالح «الجيوب» الاقتصادية
الاجنبية
وفرض الراسمال»الغربي هيمنته على البلاد، التي
اصيب ماليتها
بالانهيار التام. وبفضل «التنظيمات» (1839-1876)، التي
قصد منها خلق مواطنة عثمانية جديدة (العثمنة) على
اساس
المساواة بين»الطوائف الدينية في السلطنة، حدث
شرخ آخر في
بنية المجتمع العثماني.
وعلى الصعيد العسكري، تمكنت روسيا في الربع الاخير
من
القرن الثامن عشر من تحويل»البحر الاسود الى
«بحيرة
روسية»، وزادت من ضغطها على ولايات السلطنة
الاسيوية»والبلقانية. كما سقطت الجزائر بيد
الاستعمار الفرنسي
(1830) ومد البريطانيون نفوذهم الى»الخليج العربي
بعد عام
1820 وفرضوا حمايتهم عليه، بعدما احتلوا عدن عام 1839،
فيماخرجت مناطق بلقانية عن سيادة الدولة
العثمانية. ثم
جاءت الحرب الروسية العثمانية»عامي 1877 و1878 وموتمر
برلين (1878) واحتلال بريطانيا لجزيرة قبرص عام
1878(برضى السلطان) ولمصر عام 1882 وفرنسا لتونس عام
1881، ما جعل النفوذ العثماني لايتعدى طرابلس في شمال
افريقيا ويقتصر على الولايات العربية في المشرق
ودواخل»الجزيرة العربية، فضلا عن الاناضول
ومقدونيا،
والروميللي (حتى عام 1885) و «الباني»وبلغاريا
المستقلة
ذاتيا والبوسنة والهرسك، اللتين وضعتا في عهدة
النمسارهنغاريا. ووسط»هذا، كانت فرنسا تتهيا
للانقضاض على
المغرب الاقصى، فيما تتطلع ايطاليا للاستيلاء
على»طرابلس
(ليبيا). اما بريطانيا التي ساءت علاقاتها مع
السلطنة حتى قبل
ان تحتل مصر، اي»منذ الحرب الروسية العثمانية
الاخيرة،
فاخذت تعمل على ضرب آخر وشيحة تربط مصربالسلطنة
العثمانية، وذلك بفرض احتلالها الدائم عليها،
وتوطيد هيمنتها
في الخليج، وفوق»كل شي»ء، سلب السلطان العثماني
اعز القابه،
وهو لقب «الخليفة» و«حامي الحرمين»الشريفين». وقد
تجلى ذلك بتحريضها اشراف مكة للانفصال عن السلطنة
وادعاء خلافة»منافسة ، او التلويح بخلافة مصرية
برئاسة
الخديوي عباس حلمي الثاني ، وذلك من»خلال اللعب
على
التناقضات العربية العثمانية.
ولقد طرحت مسائل تراجع الدولة العثمانية امام هجوم
الاستعمار، وتعرض البلدان»الاسلامية، في آسيا
وافريقيا بدورها،
الى زحف الاستعمار، وتطلع شعوبها الى
السلطنة»العثمانية
بوصفها خلافة اسلامية لانقاذها، وتقاعس هذه
الاخيرة عن
ذلك ، طرحت»هذه المسائل مجتمعة تساولات كثيرة في
العالم الاسلامي حول شرعية الخلافة التي لاتتوسع
على
حساب «دار الحرب» فحسب، بل لا تودي واجبها في
الدفاع
عن «دارالاسلام» . وبمعنى آخر، حول شرعية السلطان
العثماني في الاستمرار بادعاء الخلافة،فيما قلاع
الاسلام
تتهاوى امام هجوم الاستعمار .
ولقد ادى تراجع الاسلام، امام اوروبا المسيحية الى
بدء التحول
التدريجي لفكرة الجامعة»الاسلامية، من مجرد
«صفوة» تقوم
على وحدة المشاعر والتفكير والتضامن بين
المسلمين،بغض
النظر عن العرق واللون واللسان والظروف ، الى
«يقظة» و«تيار تجديدي» يقومان على تفعيل
مفاهيم الامة عند المسلمين واصلاح مجتمعاتهم
وتقويتها
لمواجهة»الغرب المسيحي وتهديداته وتحرير البلدان
الاسلامية
من الاحتلال الاجنبي . وقامت»الاتجاهات الفكرية
للجامعة
الاسلامية على مجموعة من الافكار التي اتت بها
الحركات»الاصلاحية السلفية وعدد من المفكرين
المسلمين ابرزهم جمال الدين الافغاني»ومحمد عبده
ومحمد
رشيد رضا وعبد الحميد الزهراوي وخير الدين التونسي
وامير
علي»وسيد احمد خان وغيرهم، الذين طالبوا باصلاح
المجتمع
الاسلامي وتقويته وتحديثه»سواء بالعودة الى
الشريعة والقيم
الاسلامية والى سنة السلف الصالح، ام بالاجتهاد
وتطبيق»الشورى ام بالاقتباس عن الفكر الغربي .
اما الاتجاه الاخر للجامعة الاسلامية فكان سياسيا،
وبرز بقيادة
السلطان عبد الحميد الثاني،وذلك من جراء الاحداث
الداخلية
والخارجية التي عصفت بدولته منذ تسلمه السلطة.فعند
وصوله الى العرش، كانت «الامتيازات» قد نهشت مواقع
مسلمي السلطنة الثقافية»والاجتماعية
والاقتصادية، فيما
وجهت التنظيمات ضربة قاصمة للتعايش القديم
بين»
المسلمين واهل الذمة، ولما يسمى بسيادة الامة
الاسلامية.
ولمواجهة هذه التحديات، كان»
على السلطان ان يخرج
عن نهج
اسلافه في الحكم الذي قام على ضمان سلامة
السلطنة»وسيادتها من خلال الاعتماد على القوى
الاوروبية او
التسوية معها وتحديث الدولة»واصلاحها من خلال
علمنة
«مستوردة» بعيدة عن الاسلام والتقاليد العثمانية.
وقد
استطاع»عبد الحميد ان يصوغ ايديولوجية الجامعة
الاسلامية
«السياسية»، التي كانت استجابة لمااستجد لسيادة
السلطنة
على ولاياتها ولما طرا من تحولات داخل المجتمع
العثماني.
وفي ضوء عدم وجود منافسين حقيقيين للعثمانيين على
منصب الخلافة ، بدات للمرة»الاولى اعادة تشكيل
مشروع
الخلافة «عثماني»، من خلال الجمع بين السلطنة
والخلافة
معا،وبدات تطرح مقولة «السلطان الخليفة» على رعايا
السلطنة في الداخل، وبنص دستوري»منذ عام 1876 ، وفي
التعامل مع القوى الاوروبية و«رعاياه» من
المسلمين،
بعدمااسقطت اجهزة السلطان الاعلامية الدينية
النسب
القرشي كشرط للاستخلاف وقوت»في الوقت نفسه من
ادعاءات السلطان بالمنصب «لحمايته» الاماكن
المقدسة
للاسلام»وبخادميته للحرمين الشريفين و«محافظته»
على سلامة طرق الحج .
وكان السلطان عبد الحميد الثاني يامل ان تقوي
الجامعة
الاسلامية ومقولة «السلطان»الخليفة» من شعبيته
وشرعية
حكمه وتعط»ي السلطنة دفعة جديدة من الحياة
وامكانية»اعادة تركيب المجتمع العثماني ودمجه
بالدولة على
اسس حضارية واجتماعية واقتصادية»اسلامية ومواجهة
تيارات
القومية لما تبقى من «قوميات» السلطنة الاسلامية
بمفهوم
الامة»الاسلامية . وقد ادرك السلطان العثماني ان
ظروف
دولته واوضاع البلدان الاسلامية»الرازحة تحت نير
الاستعمار لا
تسمح له ادعاء زعامة دنيوية على المسلمين خارج
حدودالسلطنة . ولهذا، كانت الجامعة الاسلامية
بالنسبة
اليه اولا واخيرا ذات بعد داخلي ،ولهذا ايضا، اقتصر
البعد
الخارجي للجامعة الاسلامية زمن السلطان المذكور
على
استغلال»ما تفرضه من تضامن واتحاد في تحريض
المسلمين
الخاضعين للاستعمار الاوروبي على»حكوماتهم
المسيحية،
بحيث تنشغل هذه بمشكلات «رعاياه» المسلمين وتدخل
الجامعة»الاسلامية في حساباتها عند تعاملها مع
«السلطان
الخليفة» .
بعد هذه المقدمة، اقدم الفرضيات التالية:
ان نمو الاتجاهات الاسلامية داخل الدولة العثمانية
لم يكن
صنيعة السلطان عبد الحميدالثاني ولم يات من فراغ،
وانما جاء
نتيجة تراكمات سنوات طويلة من الاحتقان
الديني»والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي
داخل
المجتمع العثماني بفعل «الامتيازات»و«التنظيمات».
واني
افترض ان التعايش في المجتمع العثماني على اساس امة
ذات
سيادة»في «دار الاسلام» (المسلمون) وملل غير
اسلامية في
ذمة الدولة الاسلامية، وصل الى»طريق مسدود مع نمو
الفكر
القومي لدى الملل المسيحية وبقاء المسلمين ضمن
مفهوم»سيادة الامة الاسلامية. وعندما ارادت
الدولة العثمانية
متاخرة ايجاد صيغة جديدة للتعايش»بين
الطوائف(العثمنة)،
طرحت هذه المحاولة اشكالية دقيقة بين تخلي
المسيحيين
عن»تطلعاتهم القومية وبين تخلي المسلمين عن دورهم
السيادي في الدولة (الاسلامية). ومن»هنا جاء
التضارب الذي
شهدته الفترة ما بين عامي 1839 و1876: بين الملل
المسيحية»المتمسكة بالامتيازات والرافضة
للتنظيمات
والمصرة على الوصاية الاجنبية وعلى
الكيان»القومي، وبين
المسلمين بسبب تشبثهم بمقولة «الامة صاحبة السيادة
في
دار الاسلام». وقداستطاع السلطان عبد الحميد ان
يوظف هذا
الاحتقان وتطور الاتجاهات الاسلامية في»صياغة
ايديولوجية
جديدة للمجتمع العثماني تقوم على الاسلام. واني
افترض،
ايضا، ان»تحول الدولة العثمانية الى دولة ذات
اكثرية اسلامية
بعد الحرب الروسية العثمانية الاخيرة(1877- 1878) كان
عاملا اضافيا في تطور الاتجاهات الاسلامية في
المجتمع
العثماني،وان نمو «القومية»، عند مسلمي السلطنة
سواء تم
ذاتيا ام بفعل دسائس بريطانيا، عجل»باستخدام
السلطان
العثماني للجامعة الاسلامية اداة لدفع الاتجاهات
الاسلامية الى
الامام»وكبح الاتجاه القومي لدى الشعوب
الاسلامية، وايضا لدى
الارمن، عندما هزت «القومية»الارمنية» بعنف
«الامن القومي
العثماني» في شرق الاناضول.
اولا: تجذر الاسلام في الدولة والمجتمع
منذ البداية، شكل الاسلام في الدولة العثمانية
ايديولوجية
دينية وسياسية في آن واحد ولعب دورا مركزيا في
التكوين
التاريخي للسلطنة. فمنذ نشاتها، ظلت الدولة
العثمانية
دولة»اسلامية مكرسة نفسها لتوسيع «دار الاسلام»
او الدفاع
عنه، وخاضت لاجل ذلك حروبامتواصلة ضد اوروبا
المسيحية
لقرون ستة . وقد انعكس هذا الصراع الطويل بين
الاسلام»والمسيحية، مصحوبا بالنزعة الدينية لدى
شعوب
السلطنة من المسلمين وحرص السلاطين»العثمانيين
على
صبغ دولتهم بالمظهر الديني وتمثل ذلك بالعلاقة بين
الدولة
والمجتمع.فعملوا على الا تسير السياسة العثمانية
بشكل
يخالف الشريعة او يمس مشاعر العامة من»المسلمين .
وبالمقابل، نظرت شعوب السلطنة الاسلامية الى
الدولة على
انها «دولة»الاسلام» وان حاكمها هو «باديشاه
الاسلام» وان
جنودها هم «جنود الاسلام» . ولقداستغل السلاطين
العثمانيون بذكاء هذه النزعة الدينية عند المسلمين
وعملوا
على تاجيجهاوتسخيرها في سبيل الحصول على الولاء
الديني
السياسي منهم . فخاطبوا مشاعرهم»الاسلامية مظهرين
كفاءة عالية في لعب هذا الدور الذي انتدبوا له، وهو
حماية
«دار الاسلام»وتوسيعها ، وحماية الشريعة
الاسلامية
والحرمين الشريفين وطرق الحج اليهماوتخصيص
الاموال
للمقدسات في مكة والمدينة وبناء المساجد والموسسات
الدينية»ورعاية العلماء ورجال الدين والمتصوفين
والاولياء ،
ما اكسبهم معنوية كبيرة وشرعية»تاريخية، بحيث راى
المسلمون في السلطنة، رغم ضعفها، امتدادا لدولة
الخلافة»الاسلامية .
وفي اطار العلاقة بين الدولة والمجتمع، لعبت
الهيئة
الاسلامية الممثلة بشيخ الاسلام وكبارالعلماء
والوعاظ والائمة
حلقة الاتصال. فباشرافها على الاوقاف والقضاء
والتعليم»والمشاركة في مجالس الدولة، احتلت موقعا
دينيا
واجتماعيا اقتصاديا مهما. ومن خلال»تقديمها
الغطاء الشرعي
لما تمارسه السلطة الحاكمة من ممارسات وما تصدره من
قوانين،تبوات الهيئة الاسلامية مركزا سياسيا
كبيرا تزامن مع
ضعف سلطة السلاطين العثمانيين منذنهاية القرن
السابع
عشر، ما افسح المجال لظهور ارستقراطية من العلماء
عملت
على تدعيم»نفوذها في القرن التالي . وهذا ادى بدوره
الى
انخراط الهيئة الاسلامية في الصراعات»داخل الهيئة
الحاكمة
عبر تحالفاتها السياسية، و«العسكرية» (مع
الانكشارية)،
وذلك بعدمااصبحت جزءا من مراكز القوى داخل السلطة .
وقد تمكنت الهيئة الاسلامية، على الاقل حتى عام
القضاء على
الانكشارية في 1826،وبعد ذلك رغم فترات همود، من
التاثير
على المجتمع والسلطة من خلال تغليب
ثقافتهاالتقليدية التي
قامت على تفوق الحضارة الاسلامية على الحضارة
الغربية
المسيحية«المادية». ومن هذا المنظور، تمكن
العلماء، الى
حد كبير، من ابقاء المجتمع الاسلامي»العثماني
بعيدا عن
الموثرات الخارجية، الفكرية اساسا، التي قد تخل
بالتوازن
الاجتماعي»السياسي القائم لمصلحتهم وامتيازاتهم.
وعندما
اخذت رياح الاصلاح والتحديث تعصف»بالسلطنة منذ
عصري
السلطانين سليم الثالث (1789- 1807) ومحمود الثاني
(1808-1839) حاملة علمنة لا يقرها المجتمع الاسلامي
العثماني لتتحول فيما بعد الى«تنظيمات» رسمية، لم
يستطع العلماء التصدي لهذه «الهجمة» بجبهة موحدة،
فارتباط»كبارهم بالسلطة ورغبتهم في المحافظة على
امتيازاتهم، جعلهم ينحنون لمشيئة الدولة، في»حين
تمثلت
المعارضة «الدينية» للتنظيمات في الطبقة الوسط»ى
من
العلماء وما دون، الذين»اعتبروها «بدعة غير شرعية
وتقليدا
للكفرة» .
وعلى الرغم من ان الهيئة الاسلامية قد فقدت، بفعل
«التنظيمات»، مرتكزات اساسية في»سلطتها
المتوارثة
(الاشراف على الاوقاف والتعليم والقضاء)، الا ان
الدولة
العثمانية بقيت»دولة اسلامية، ولم يطمس دور
الهيئة
الاسلامية السياسي ، بل على العكس، ظلت
الهيئة»الاسلامية تحافظ على دورها من خلال
المشاركة في
مجالس الدولة والاتصال اليومي»لصغار العلماء
وطلاب المدارس
الدينية (السفطة) بالعامة وتحريضهم عند الاقتضاء ،
اوعرقلة تنفيذ الكثير من قوانين عصر «التنظيمات».
وفي
اكثر الاحيان، حملت الهيئة»الاسلامية بشخص صغار
علمائها
بخاصة رجال الاصلاح مسوولية مشاركة الغرب في«تدمير
الدين والدولة» . وكان لدورها الفضل في اسقاط
اصلاحات
رشيد باشا(موقتا) بين عامي 1841- 1845 واصلاحات فواد
باشا وعالي باشا بعد عام»1871 وانبثاق فكر اصلاحي
اجتماعي سياسي جديد وجد جذوره في
التقاليدالاسلامية، بدا
ياخذ ملامحه منذ عصر السلطان عبد العزيز، ثم وجد له
ارضية
خصبة على»يد السلطان عبد الحميد الثاني، حين
استعاد العلماء
هيبتهم ودعموا الاتجاهات»الاسلامية للسلطان دون
ان
يتسلموا دورا قياديا .
واسوة بغيره من المجتمعات الاسلامية، كان المجتمع
العثماني تربة خصبة للتعاليم الدينية»والتقاليد
الاسلامية وتميز
بالتدين الذي انتشر بين مختلف فئاته . ولهذا كانت
آراءالعلماء وبخاصة طبقتهم الوسط»ى وما دون
الداعمة للنزعة
الدينية والرافضة للعلمنة»والتغريب، تجد صدى
ايجابيا واسعا
لدى العامة وفئات مثقفة رات في العلمنة شكلا آخرامن
حروب
الفرنجة (الصليبية) ضد آخر معقل للاسلام(الدولة
العثمانية) .
واذا كان العلماء هم عقل الاسلام، فقد كانت الطرق
الصوفية
قلبه ومحركة المجتمع»العثماني من الداخل والمروجة
للايديولوجية الشعبية الاسلامية .
ومع العلماء، شكل المتصوفون قوة اجتماعية كبيرة
اثرت على
العامة بشكل كبير. وعلى»الرغم من ان الطرق الصوفية
لم تكن
ضمن الهيئة الاسلامية، الا انها تمكنت خلال
القرنين»الثامن
عشر والتاسع عشر من ان توسع نفوذها من الجيش الى
فئات
الشعب العثماني»مستفيدة من مظاهر الاتجاه الديني
للدولة
ومن الثقافة الجماهيرية (الجهل والقدرية
واعتبارالتصوف
مظهرا من مظاهر الاسلام) ومن بروز المعضلات
الاجتماعية والسياسية»والاقتصادية. وكانت
المولوية
والنقشبندية والقادرية، والبكتاشية (حتى عام 1826
وبعدذلك
التاريخ ساد نفوذها في جنوب «الباني») والخلوتية
والرفاعية
والشاذلية والمدنية»والسنوسية والتيجانية
والختمية اعظم
طرق الصوفية . وقد انتشرت هذه الطرق في»القرى
والحارات والاسواق وبين مختلف فئات الشعب، حيث وجد
كل
مواطن مكانا له»فيها . وبواسطة تنظيمها، ربطت
الطرق
الصوفية بين الفئات الصغرى المنفصلة في»المجتمع .
فتوزعها في الاسواق والحارات من جهة وارتباطاتها
بالتنظيمات الحرفية من»جهة اخرى، جعلها تلعب دورا
اجتماعيا وسياسيا حيث تواجدت وان تتحول الى
حالة»اجتماعية دافعة للاتجاهات الاصولية
المعادية للغرب
والتحديث وذلك بوسائل سلمية اوعكس ذلك . وبعد
سقوط «التنظيمات»، انضوت الطرق الصوفية تحت جناح
السلطان»عبد الحميد الثاني، الذي وجد فيها افضل
محرك
جماهيري لسياسته الاسلامية .
ومقابل هذا التيار الديني والشعبي، برز التيار
الاصلاحي
الاسلامي، الذي دعا الى اصلاح»السلطنة من خلال
العودة الى
تراثها وانظمتها الشرقية، لان الاقبال على مدنية
الغرب
كماراى اصحاب هذا التيار افقدها هويتها المتميزة
وسلخها عن
«شرقيته» وجردها من عناصرقوتها الحقيقية
المتمثلة
بالشريعة الاسلامية واوقعها في ازمة حضارة، بين
حضارتها
الشرقية»والحضارة الغربية المستوردة . ومن ابرز
دعاة
الاصلاح الاسلامي احمد جودت باشاونامق كمال. وقد
فهم
الاول الاسلام على انه نظام حيوي شامل ينظم الحياة
الاجتماعية،وادرك ضرورة عصرنة النظام الشرعي
والقضائي
الاسلاميين، لكنه دافع عن استبدال»الشريعة
بالقوانين
الوضعية، وطالب بالعودة الى القيم والتقاليد
الاجتماعية
والسياسية»الاسلامية التي قامت عليها الدولة . اما
نامق
كمال، فعلى الرغم من لبراليته، فقد كان»مخلصا
للمبادى»ء
والافكار الاسلامية، ودعا الدولة الى التمسك
بقوانينها
(الشريعة)ومعتقداتها التي تشكل اساس حضارتها .
ومع تطور التعليم ووسائل النقل والاتصال، نمت
الصحافة
الاسلامية بعامة والعثمانية»بخاصة، مما زاد من
مشاعر الجامعة
الاسلامية بين المسلمين، وذلك من خلال نشر
الاخبارالمتعلقة بالاسلام والمسلمين وبث مشاعر
الوحدة
بينهم وتحريكهم ضد القوى المعادية»للاسلام . وقد
تزامنت
هذه «الصحوة» الاعلامية الاسلامية مع تركيز الادب
القصصي»الشعبي العثماني على تمجيد الاسلام
وبطولاته تجاه
المسيحية باسلوب صوفي كان يشدالطبقات الدنيا في
المجتمع الاسلامي العثماني الى مراحل الحكم
الاسلامي
الزاهرة .
ثانيا: نمو الاتجاهات الاسلامية في المجتمع
العثماني ومسبباته
لم تنحصر مسالة تنامي الاتجاهات الاسلامية في
المجتمع
العثماني في اطارها الديني»الفكري فحسب، بل كانت
لها
مسبباتها الاجتماعية الاقتصادية والسياسية
والنفسية،
بسبب»تغلغل النفوذ الاجنبي في المجتمع وتدخله
لصالح
الاجانب ورعايا السلطنة من غيرالمسلمين والتي عملت
«الامتيازات الاجنبية» ثم «التنظيمات العثمانية»
على
بلورتها.فكيف حدث هذا؟
الامتيازات الاجنبية: اختراق المجتمع والاقتصاد
تحولت معاهدات الامتيازات التي كانت الدولة
العثمانية قد
منحتها الى الدول الاجنبية،ابان قوتها، الى اداة
تقبض على
عنقها خلال فترة ضعفها الطويل، اذ خلقت وضعا
مميزالتلك
الدول داخل السلطنة سمح لها ان تروج تجارتها على
حساب
الاقتصاد القومي وان»تمتص موارد البلاد وتوسس
«جيب»
اقتصاديا لا علاقة له باية عملية تكامل
وتحديث»اقتصاديين .
وتحت ستار الامتيازات، تدخلت الدول الاجنبية في
شوون
السلطنة»الداخلية. فنشطت موسساتها الثقافية
وارسالياتها
التبشيرية لتسريب ثقافات ومفاهيم»تغريبية، وكذلك
قنصلياتها
لتخريب المجتمع العثماني من الداخل، وفي مقدمها
حماية»الاجانب ورعايا السلطان من غير المسلمين
والتدخل
القضائي والسياسي لمصلحتهم .وبالمقابل، فان
المجتمع
العثماني بانقسامه الى طبقتين رئيسيتين، حاكمة
ومحكومة:بيروقراطية ادارية وعسكرية ودينية تثري
نفسها من
خلال استهلاك الفائض وعدم»استخدامه في عمليات
انتاجية،
وطبقة محكومة من الصناع والفلاحين والتجار
والعمال»تعمل
مرغمة لتوفير هذا الفائض للبيروقراطية على حساب
قدراتها
الانتاجية، قد جعل دورالدولة العثمانية مجرد محصل
للضرائب
ووسيلة للاثراء الشخصي لا علاقة لها على عكس»ما
حصل اثناء
مراحل تطور الراسمالية الاوروبية بعملية تدعيم
العلاقات
الاقتصادية»المتعددة الجوانب سواء في الداخل او
تجاه
الخارج .
وبفضل الامتيازات، التي بدات اولا مع فرنسا في
القرن السادس
عشر، ثم مع دول اوروبية»اخرى، حصلت تلك الدول على
مكتسبات من العثمانيين، ابرزها تحريك سلعها
داخل»اسواق
السلطنة لقاء ضريبة زهيدة، وذلك بعدما اعفي التجار
الاجانب
من الجزية وضرائب»عامة اخرى . وقد ادى هذا المنحى
الى
انخفاض دخل السلطنة من الرسوم الجمركية»وغيرها
وانعكس
سلبا على قيمة العملة الوطنية خلال القرن الثامن
عشر .
وفيما كانت»الدولة العثمانية تشرف خلال عصور
عظمتها على
الانتاج الحرفي في البلاد وعلى تصديرالسلع لاجل
تحقيق
توازن بين التجارة والصناعة، تغير الحال منذ نهاية
القرن
الثامن عشر،حين اخذت الدولة تركز على الاستيراد
اكثر من
التصدير وتتحول الى مزود لاوروبا بالموادالخام
والى مستورد
لسلعها المصنعة. وقد استخدمت دول اوروبا الرئيسية
الامتيازات»كعقود قانونية لتسهيل تغلغلها . |
|---|