الصفحة السابقة

الصفحة التالية

3- مرحلة نظام الملكية العقارية الكبرى: وهو المترجم خطا بالنظام الاقطاعي، ذلك ان الاقطاع كان سائدا في الشرق، حيث تتملك السلطة الاراضي وتقطعها، في حين ان الامر في الغرب لم يكن يتم على الشكل نفسه، بل كان المالك العقاري الكبير يتملك بمبادرات منه.

في هذا النظام، لا تقوم الملكيات على اساس مشروع، وعندما يحرم بعض منها فان حرمانهم ليس محقا، والى جانب هذه المظلمة، تدفع الظروف الامنية الفلاحين المالكين،او صغار الملاك الى الجاء اراضيهم الى الملاكين الكبار ليوفروا الحماية لهم ولها. اضافة الى ان المالكين الكبار يفرضون على اقنانهم الارتباط بالارض بحيث اذا بيعت يباع القن معها،كما انهم يفرضون على القن انواعا من الضرائب والاتاوات ينوء بها.

اما من ناحية ممارسة الحقوق كالسياسية والتمتع بالحريات، فانها مقصورة على الملاكين الكبار ويحرم منها الاقنان لهذه الاسباب، ولما يرافق هذا النظام ايضا من عصيان لاحكام اللّهفي امور اخرى كثيرة، فانه لا بد من ان يجر الغضب الالهي والانتقام بحيث يسقط في نهاية المطاف.

4- المرحلة الخراجية: وفيها يسود نمط انتاجي يقوم على وجود طبقة تجبي الخراج على شكل ضرائب من المنتجين، بحيث تكون هي مالكة الارض والناس يعملون في املاكها. وهو النمط المعروف بالاقطاع الشرقي.

في هذا النمط تكون السلطة مغتصبة عادة للحكم وللارض والناس مغلوبين على امرهم.ومن هنا فان المجتمع يكون رازحا تحت نير الظلم، الامر الذي يجر العقاب، نتيجة تسلط فريق وخنوع فريق آخر، وبسبب من انواع الظلم الاخرى، كالاغتصاب الذي يمارسه المقطعون على الفلاحين والذي لا بد من ان يستتبع العقاب الذي سيتوالى في احقاب تاريخية مختلفة، فان النمط بكامله سيزول.

5- نمط الانتاج الاسيوي: يرى ماركس ان هذا النمط ساد في المناطق التي لم تعرف الانتقال المنتظم من تشكيلة اجتماعية اقتصادية الى اخرى، حيث بقي قرونا متطاولة من دون اي تغير، وهو يقوم على اساس وجود فئة حاكمة ورعايا، وحيث يسود نظام المشاعية القروية.

ويعتقد ماركس ان هذا النمط لم يعرف الصراع الطبقي، لذلك لم تقم فيه الثورات المودية الى تغييره، وكان لا بد من دخول الاستعمار الحديث لتبدا فيه التفاعلات، على غرار نبش الجثث وتعريضها لعوامل الطبيعة.

6- الاستعمار: ولا نقصره على الاستعمار الحديث الناجم عن توسع الدول الراسمالية الكبرى في القرن الماضي والنصف الاول من القرن الحالي، بل نعني به كل اجتياح ذي امدطويل تقوم به دولة لدولة اخرى.

هذا النمط من الحكم القائم على استغلال شعب لشعب، ونهب دولة خيرات دولة، هواعتى اشكال ظلم الانسان للانسان، ولانه ظلم فلا بد من ان يستثير العقاب على شكل ردات فعل تودي الى زواله، وقد عاينا نماذج لا حصر لها من ذلك.

7- النظام الراسمالي: وهو نظام يقوم على حرية الملكية وحرية المنافسة، وقد ادى الى قيام طبقة من ارباب العمل تمتلك الثروات الباهظة من المصانع وموسسات الخدمات ووسائل النقل وغيرها، وفي مقابلها طبقة لا تملك الا القدرة على العمل تبذلها لتحصل على لقمة العيش.

في هذا النظام يسحق القوي الضعيف ويبتز العامل الذي لا يقوى على المنافسة بسبب العرض الهائل من القوى العاملة امام الطلب المحدود نسبيا لدى ارباب العمل.

يحمل هذا النظام قدرا من المظالم لا يقل عما حملته الانظمة الاخرى.

ففي مجال حرية التملك، فان اساس هذه الحرية ليس مشروعا، وذلك ان التراكم النقدي الذي يسبق عملية اقامة الموسسات، انما يقوم غالبا على النهب والسرقة السافرين اوالمقنعين، ثم ان الاموال الموظفة لم تخلص من الحقوق الشرعية المتوجبة لفئات الفقراءوالمعوزين.

واذا كان هذا النظام قد عقلن موخرا، ففرض على اصحاب الثروات ان يساعدوا الفقراء، فان هذه المساعدة لا تتم ضمن الحدود التي وضعها اللّه تعالى.

وتبقى عمليات الحصول على الاموال بعد اقامة الموسسات غالبا مشبوهة، اذ تتم من طريق الصفقات الخاصة، او السمسرة او الاحتكار.

فاذا اضفنا الى هذه المظالم سواها مما يقع بين الافراد من تنكر لاحكام اللّه، فيفشو الزناواللواط وتفكك الاسرة واختلاط الانساب وعقوق الوالدين وما اليها، فان هذا النظام لا بدمن ان يكون عرضة للانتقام الالهي الى ان يزول.

8- النظام الشيوعي: هذا النظام يقوم على الالحاد، وبالتالي فانه ظالم في اساسه ولايمكن ان يكتب له الاستمرار على اساس السنن القرآنية. واذا تركنا هذا الجانب ودخلنا في احكام النظام، نجده يقوم على الغاء الملكية الفردية الخاصة، ويقيم على انقاضها الملكية الجماعية، ومن هنا فانه يساوي على صعيد الرزق بين العامل المجد وبين الكسول المتراخي، الامر الذي يعدم الحوافز باستثناء المعنوي منها، وهذا النوع لا يكفي لدفع جميع افراد الجنس البشري للعمل بقدر ما يستطيعون.

غير ان آباء الشيوعية يقولون ان الانسان في مجتمعهم المنشود يكون قد تخلص من عوامل الاثرة والطمع، وان العمل يصبح بالنسبة اليه متعة، سوف يستهلك ما يحتاجه ويعيش في بحبوحة فلا يبقى مسوغ للجمع والادخار واكتناز الاموال.

ولكن هذا امر لا يمكن اثباته، بل المعروف ان الانسان ميال بطبعه الى الاثرة وحب المال،وهذا ما تقرره الاديان السماوية، وما لاحظته البشرية، حتى في مرحلتها التي يسميها ماركس بالشيوعية البدائية، والا فما تفسير ان ينقسم ذلك المجتمع الى طبقات ويغادر المساواة الى نظام الرق، ان هذا النظام الذي يساوي بين العامل وغير العامل، انما يطعم هذا من مجهودذاك، وبالتالي فهو في نظر القرآن نظام ظالم ولا يكتب له الاستمرار، لا سيما اذا اضفنا الى مظالمه المذكورة ما يتمخض عنه من شيوعية النساء وما يودي اليه هذا الامر من اختلاط الانساب وغير ذلك من المفاسد الاجتماعية.

من هذا الاستعراض نستنتج ان جميع الانظمة التي اقامها البشر، تقوم على الظلم من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مع ما يرافق ذلك من ظلم من انواع اخرى يقوم على عصيان الاوامر الالهية القاضية بتنظيم علاقات الافراد بعضهم ببعض وعلاقاتهم بخالقهم،وسلوكهم باتجاه الاهداف التي خلقوا من اجلها، وهذه امور كفيلة بتعريض المجتمعات المختلفة للدمار.

وقد عرفت الانسانية تجارب عانت فيها المرارات والغصص، دماء جرت انهارا وقضى فيهاعشرات الملايين بل مئاتها من البشر، واهدرت فيها ثروات كانت كافية لاطعام الجياع وايواءمن لا مساكن لهم وتامين وسائل الطبابة والمدارس لجميع المحتاجين في اربع اقطارالارض.

واذا كان كل هذا يدفع الى البحث عن الحل، فان اللّه تعالى قد ارشد اليه، وقد اشرنا سابقاالى ان الرسول(ص) بدا بتطبيقه، كما اكمل الامام علي(ع) الخطوة، فاسسا نظاما يربط الانسان بخالقه، فيكون ذلك ضمانا لترسيخه.

النظام الذي حمله القرآن يتميز هذا النظام باقامة العبادات لتذكير الناس بان هناك خالقا خلقهم وبين لهم حقوقهم وواجباتهم، كما يتميز بتكريم بني آدم ومنحهم الحق بالحياة والحرية والرزق، على ان يقاوموا كل ما يتهدد هذه الحقوق والحريات.

الحق بالحياة: وهو يمنع على الانسان التصرف بحياة الانسان لانها حقه الذي اعطاه اللّه اياه لهدف، وعليه الدفاع عنها ضد الاخرين بمن فيهم الحاكمون كي لا ، يستطيعوا قتله من دون حق ولا يستطيعوا تعريضه للقتل بناء على ارادتهم ورغباتهم. ومن هنا فان الحاكم الذي يعدم انسانا بناء على قانون وضعه هو، يكون معتديا على حياته، والذي يدفع محكوميه الى قتال يحقق له اغراضا خاصة او لبلده اهدافا لم يامر اللّه بتحقيقها، انما يرتكب جرائم القتل ضد رعاياه وضد اعدائه على حد سواء.

وبهذا يتناقض النظام القرآني مع نظام العبودية المعممة لجهة عدم امكانية التصرف بالحياة الفردية، كما يتناقض مع جميع الانظمة الاخرى التي تشن الحروب لتحقيق غايات ليست ماامرها اللّه بتحقيقه.

واذا كان اللّه يسمح بالقتل في بعض الاحيان، فذلك يقوم على احكام وضعت للدفاع عن الانسان نفسه. فاذا جرى القتل لغير هذا الغرض فهو يشبه قتل الناس جميعا، اذ يقول تعالى:(من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الارض فكانما قتل الناس جميعا) «المائدة/32».

واذا كان اللّه يامر بالحرب، فهي جهاد للمشركين الذين يشكلون خطرا على المكاسب التي منحها اللّه للانسان، لان المشركين يومنون بحكم الطاغوت المتجبر الذي يعتبر البشر املاكاشخصية له على انه ربهم الاعلى.

وهذا الجهاد لم يشرعه حاكم لمصلحته، ولا امة لتحقيق اغراضها، بل هو مفروض من اللّه لايستطيع الحاكم التملص منه كما لا يستطيع مومن التهرب من مستلزماته.

الحق بالحرية: ان الاصل في النظام الالهي عدم تسليط احد على احد، لان كل انسان مسوول عن عمله، ولكن ضرورات الحفاظ على الجنس البشري تقضي بوجود قيمين اواولياء مهمتهم تطبيق النظام الالهي عندما يجري خرقه وتهيئة السبل للمومنين للقيام بواجباتهم. واذا كان هذا واجبا على كل مومن، يبقى ان الجهود بحاجة الى تنسيق وتوجيه وتركيز، وتبقى الاهداف بحاجة الى تحديده والاولويات بحاجة الى تعيين.

من هنا كان لا بد من سلطة سياسية تفوض الى شخص او مجموعة من الاشخاص. وهذه السلطة يحدد اللّه طريقة تعيينها.

اما صلاحيات هذه السلطة، فلما كانت استثناء كل قاعدة حرية الانسان وعدم خضوعه،فهي بالضرورة يجب ان تكون محصورة وبقدر الضرورة. وقد حفظ النظام الذي اقامه الرسول(ص) والامام علي(ع) الحقوق السياسية للمسلمين فكانوا يناقشون جميع القضاياالتي تهم الجماعة، وقد سمح الامام علي(ع) لمعارضيه بان يتجمعوا ويوسسوا التنظيمات ويناقشوا افكاره، لكن الى ما دون حدود الفساد في الارض وقتل النفوس المحرمة. وماموقفه من الخوارج ومن تجمع طلحة والزبير الا الدليل على ذلك.

كما اكد الاسلام الحقوق والحريات الاخرى، وترك اهل الكتاب، الذين لا يشكلون خطرااكيدا ومحتما على المكاسب الاسلامية، يمارسون شعائرهم الدينية، وضمن الحدود التي لا تتحول فيها الى خطر على المجتمع.

في كل هذا يتناقض النظام القرآني مع الانظمة الاخرى جميعا، اذ ان اساس سلطتها جميعهاغير شرعي، فاللّه لم يامر به، وكل سلطة يمارسها الحكم انما اساسها الغلبة والقهر. وحتى اذا قامت على الاختيار، فهي لا تخلو من ذلك. واذا خلت منه، على سبيل الافتراض، فهي تطبق انظمة وتقيم موسسات ليست مما انزل اللّه.

وسواء سمحت بهامش من الحريات والحقوق ام لم تسمح، فان الامر لا يغير شيئا في الاساس، وانما يغير بعض الشيء في النتيجة. وبعض الشيء هذا على اهميته، وحتى على عظمته، ليس مضمونا في جميع الظروف بل هو ينسف في الظروف الاستثنائية التي تتعرض فيها السلطة للخطر.

اما مسالة الرق فقد كان للاسلام فيها موقف خاص. فالقرآن لم يامر بالغائه، بل اقره، ولكنه حصر مصادره بالحرب، فلا يجوز استرقاق احد بسبب عسر في ايفاء ديونه، بل جعل ايفاءديون المعسرين بابا من ابواب صرف الصدقات وسماهم بالغارمين: (انما الصدقات للفقراءوالمساكين.. والغارمين) «التوبة/60».

اما اقرار الرق لاسرى المشركين، فهو عقوبة لهم لقتالهم من كلفه اللّه بنشر حكمه في الارض، بعد ان بلغهم ما يراد اقامته من العدل لصالح الانسانية جمعاء.

واذا قيل ان هولاء مامورون وليسوا مختارين في القتال، فان الحقيقة هي ان اللّه يامرالمجاهدين بان يعذروا، اي يبينوا لخصومهم غرضهم بحيث لا يبقى التباس، فاذا اصرواعلى رفضهم الدعوة او السماح بايصالها الى الاخرين، فعند ذلك يجوز قتالهم فيقتل من يقتل ويؤسر من يؤسر. والاسير يجب عقابه. ولكن الاسلام مع ذلك لم يكن ليديم حالة الرق، اذ فرض العتق في حالات عديدة كفارة لذنوب معينة، كما شجع العبد على شراءحريته، وكذلك امر بالتحرير من المال العام: (انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل اللّه وابن السبيل فريضة من اللّهواللّه عليم حكيم) «التوبة/60» بحيث انه اذا توقفت الحروب يزول الرق في زمن قصير.

الحق بالرزق: لقد حمى اللّه الملكية وامر بالسعي لتحصيل الرزق. ولم يسمح بانتزاع اموال الناس، وهو بهذا يتناقض مع النظام الشيوعي، الا انه لا يلتقي مع النظام الراسمالي، وذلك لان مصادر الثروة الرئيسية، وكانت في ايام الرسول(ص) الارض ظاهرا وباطنا، لم تكن تملك للافراد تمليكا خالصا، بل هي تلزم للاستثمار بحيث يبقى حق الرقبة للمسلمين عامة.

وهذا يميز الاسلام ايضا عن نظام الملكية العقارية الكبرى. وقد منع اللّه انواع العمل الطفيلي ومنع الاحتكار والمراباة، فحرر عملية ايصال السلع الى الناس من كل ما يشوبها ممايرفع سعرها بغير ضرورة. كما جعل العملة معيارا ومقياسا للقيمة فلا يجوز تغيير قيمتها من حين الى حين، كما لا يجوز حجبها واكتنازها، لتكون دائما موظفة خالقة فرص العمل والاستفادة.

غير ان حماية الملكية الواردة في القرآن، لا تعني الحرية المطلقة في جمع الثروات، وفلتان المنافسة، فيسحق القوي الضعيف. فقد ضربت على الاموال ضرائب في مقدمها الخمس، بحيث يمسي على الانسان ان يدفع لحاكم المسلمين عشرين بالمئة ممايكسب، اضافة الى الزكاة، والواجبات المالية الاخرى.

وهذه الاموال حدد القرآن طرائق صرفها، كما عين الفئات الاجتماعية المستفيدة منها،بحيث لا يبقى محتاج ولا محروم.

واذا اردنا معرفة مقدار ما يتجمع من مال من الضرائب الشرعية فما علينا الا تقدير ثروات العالم واستخراج خمسها على الاقل، بعد ان نعيد الى هذه الثروات ما ينتزعه الحكام ويصرفونه في المجالات التي لا يقرها اللّه تعالى.

الخلاصة: نستنتج، من كل ما تقدم، ان اللّه لم يخلق الطبيعة فقط بل وضع القوانين للمادة وظواهرها وللطاقة وللاحياء وبخاصة للبشر.

غير ان القوانين(او السفن) الالهية في مجال البشر ليست سننا حتمية، بل هي سنن مشروطة، وقد اظهر تعالى شروطها للانسان، حاثا اياه على فعل ما يضمن له الحياة الفضلى تاركا له حرية ان يتبع ما امره به اللّه او يخالطه. فاذا خالفه فان عقابا سيطوله فردا وجماعة،ومن هنا فان القوانين التي يدعي بعض الناس اكتشافها، اذا صح بعضها، لن تكون صحيحة بالمطلق، لان هولاء الناس لم يكتفوا بتبجيل ما لاحظوه او نقل اليهم عمن لاحظه، بل هم عمدوا الى وضع التنبوات من دون ان يدركوا ان تطور التاريخ مشروط وليس مطلقا، ولعل ذلك نتيجة من نتائج تصور عقل الانسان وعجزه عن الاحاطة بكل شيء، الامر الذي نجم عنه محدودية علم الانسان: (وما اوتيتم من العلم الا قليلا) «الاسراء/15».

الانتظار الموجه: دراسة في علاقة الانتظار بالحركة وفي علاقتها به

الشيخ محمد مهدي الاصفي

(ولقد كتبنا في الزبور، من بعد الذكر، ان الارض يرثها عبادي الصالحون) «الانبياء/105».

للانتظار علاقة عضوية وشيجة بالحركة، فهي من نتائجه، وهو من عواصمها. وسوف نبحث،ان شاء اللّه، اولا، في علاقته بها، وثانيا في علاقتها به.

1- علاقة الانتظار بالحركة التوجيه النفسي لمسالة الانتظار يحب بعض الناس ان يصوروا حالة «الانتظار» بانها مسالة نفسية نابعة من حالة الحرمان في الطبقات المحرومة في المجتمع والتاريخ، وحالة الهروب من الواقع المثقل بالمتاعب الى الاستغراق في تصور المستقبل الذي يتمكن فيه المحرومون من استعادة جميع حقوقهم واستعادة السيادة والحقوق المغتصبة، وهذا نوع من «احلام اليقظة»، او الهروب من الواقع الى التخيل.

مناقشة التوجيه المقدم اقول: ان هذا التوجيه لمسالة الانتظار غير علمي بالتاكيد، اذا قدر لنا ان ننظر في تاريخ المسالة والمساحة الواسعة التي تحتلها من العقائد الدينية المعروفة في تاريخ الانسان.

الانتظار في المدارس الفكرية(غير الدينية) تتجاوز مسالة الانتظار الدائرة الدينية وتعم المذاهب والاتجاهات غير الدينية كالماركسية مثلا، كما يقول برتراندراسل: «الانتظار لا يخص الاديان فحسب، بل المدارس والمذاهب ايضا تنتظر ظهور منقذ ينشر العدل ويحقق العدالة».

والانتظار، كما يقول راسل، عند الماركسيين، هو الانتظار نفسه عند المسيحيين.

وللانتظار، عند «تولستوي» المعنى نفسه الموجود عند المسيحيين، الا ان هذا الروائي الروسي يختلف عن المسيحيين في الزاوية التي يطرح منها المسالة.

الانتظار في الاديان السابقة على الاسلام نقرا، في العهد القديم من الكتاب المقدس: «لا تقلق لوجود الاشرار والظالمين فسوف تنقطع سلالة الظالمين، والمنتظرون لعدل اللّه يرثون الارض والذين لعنوا يتفرقون،والصالحون من الناس هم الذين يرثون الارض ويعيشون فيها الى نهاية العالم».

وهذه الحقيقة التي يقررها المزمور 37، من كتاب المزامير، هي التي جاءت في القرآن الكريم: (ولقد كتبنا في الزبور، من بعد الذكر، ان الارض يرثها عبادي الصالحون)«الانبياء/105».

الانتظار عند المسلمين (من اهل السنة) ولا يختص انتظار «المهدي المنقذ»، عليه السلام، بالشيعة، فقد تواترت روايات المهدي(عج) من طرق السنة باسانيد صحيحة ومستفيضة لا يمكن التشكيك فيها كماوردت من طرق الشيعة الامامية.

يقول عبد الرحمن بن خلدون، من علماء القرن الثامن الهجري، وصاحب المقدمة الشهيرة لكتاب «العبر...»: «اعلم ان المشهور من الكافة، من اهل الاسلام، على مر الاعصار، انه لا بدفي آخر الزمان من ظهور رجل من اهل البيت يويد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون،يستولي على الممالك الاسلامية ويسمى ب«المهدي»، ويكون خروج الدجال وما بعده من اشراط الساعة الثابتة في الصحيح على اثره، وان عيسى عليه السلام ينزل من بعده فيقتل الدجال، او ينزل معه فيساعده على قتله وياتم بالمهدي في صلاته».

ويقول الشيخ عبد المحسن العباد، المدرس بالجامعة الاسلامية في المدينة المنورة، في بحث قيم له: «اثر حادث الحرم المولم حصلت بعض التساولات، فاوضح بعض العلماء،في الاذاعة والصحف، صحة كثير من الاحاديث الواردة عن رسول اللّه(ص)، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن عبداللّه بن باز، رئيس ادارة البحوث العلمية والدعوة والارشاد كتب في بعض الصحف مثبتا ذلك بالاحاديث الصحيحة المستفيضة عن رسول اللّه(ص). ومنهم الشيخ عبد العزيز بن صالح امام وخطيب المسجد النبوي».

ثم يذكر انه كتب هذه الرسالة موضحا ان القول بخروج المهدي آخر الزمان تدل عليه الروايات الصحيحة، وهو ما عليه العلماء من اهل السنة في القديم والحديث الا ماشذ.

ويقول ابن حجر الهيثمي، في الصواعق المحرقة، في قوله تعالى: (وانه لعلم للساعة فلاتمترن بها...) «الزخرف/61»، قال مقاتل ومن تبعه من المفسرين: ان هذه الاية نزلت في المهدي.

وستاتي الاحاديث المصرحة بانه من اهل البيت النبوي وحينئذ ففي الاية دلالة على البركة في نسل فاطمة وعلي رضي اللّه عنهما، وان اللّه ليخرج منهما كثيرا طيبا، وان يجعل نسلهمامفاتيح الحكمة، ومعادن الرحمة. وسر ذلك ان النبي(ص) اعاذها وذريتها من الشيطان الرجيم، ودعا لعلي(عليه السلام) بمثل ذلك.

ويقول الشيخ ناصر الدين الالباني من شيوخ الحديث المعاصرين في مجلة «التمدن الاسلامي»: «اما مسالة المهدي فليعلم ان في خروجه احاديث كثيرة صحيحة. قسم كبيرمنها له اسانيد صحيحة وانا مورد هنا امثلة منه»، ثم يذكر طائفة من هذه الاحاديث.

احاديث الانتظار عند الشيعة الامامية اما احاديث انتظار الامام المهدي(عج) عند الشيعة الامامية فهي كثيرة، متواترة، وردت طائفة منها بطرق صحيحة.

وقد جمع بعض العلماء هذه الاحاديث في منهج علمي قيم، منهم: الشيخ لطف اللّهالصافي الگلپايگاني في كتابه القيم «منتخب الاثر»، ومنهم الشيخ علي الكوراني في موسوعة الامام المهدي وغيرهما.

ولسنا الان بصدد استعراض هذه الروايات عن اي من الطريقين.

فليس موضوع دراستنا هذه دراسة الاحاديث الواردة في الامام المهدي(عج) ومناقشة هذه الروايات من حيث السند والدلالة، وانما نطلب في هذه الدراسة امرا آخر نساله تعالى ان يوفقنا له، ونترك مسالة الاحاديث الواردة في الامام المهدي الى مجالها المخصص من كتب الحديث. والمسالة التي نريد ان نتحدث عنها، هنا، ان شاء اللّه هي: ما هو الانتظار؟ وما قيمته الحضارية؟ الانتظار مفهوم اسلامي وقيمة حضارية وعلى هذا المفهوم يترتب سلوك حضاري معين، فقد يفهم الناس الانتظار بطريقة سلبية يتحول فيها هذا المفهوم الى عامل للتخدير والاعاقة عن الحركة.

وقد يفهم بطريقة ايجابية تجعل منه عاملا من عوامل التحريك والبعث والاثارة في حياة الناس.

اذن لا بد لنا من ان نقدم تصورا دقيقا لمسالة الانتظار، وهذه هي مهمتنا الاساسية في هذه الدراسة.

الانتظار ثقافة ومفهوم حضاري يدخل في تكوين عقليتنا واسلوب تفكيرنا ومنهج حياتناورويتنا الى المستقبل، وبشكل فاعل وموثر، وله تاثير في رسم الخط السياسي الذي نرسمه لحاضرنا ومستقبلنا.

وللانتظار عمق حضاري في حياتنا يقرب من الف وتسعين سنة لان الغيبة الصغرى انتهت سنة 329ه، وقد مر على هذا التاريخ الف وتسعون سنة تقريبا..

وخلال هذا التاريخ دخلت هذه المسالة في صياغة عقليتنا السياسية والحركية بشكل موثر.ولو قمنا نظريا بعملية تجريد لتاريخنا السياسي والحركي عن عامل «الانتظار» لكان لهذاالتاريخ الطويل شان آخر.

والذي يقرا «دعاء الندبة» الذي يداب عليه المومنون ايام الجمعة يعرف عمق هذه المسالة ونفوذها في نفوس المومنين وعقليتهم ومنهجهم في التفكير والحركة.

انحاء الانتظار يكون انتظار الانقاذ على نحوين: النحو الاول من الانتظار انتظار الانقاذ في ما ليس بوسع الانسان ان يقدمه او يوخره، كما لو كان الغريق ينتظر وصول فريق الانقاذ اليه من الساحل ويراهم مقبلين اليه لانقاذه. فانه من الموكد ان الغريق لايستطيع ان يقدم وصول فريق الانقاذ اليه، الا انه من الموكد ايضا ان هذا الانتظار يبعث في الغريق نفسه املا قويا في النجاة ويدخل نور الامل على ظلمات الياس التي تحيط به من كل جانب.

و «الامل» يمنح الانسان «المقاومة» بالضرورة، فيواصل الغريق المقاومة حتى يصل فريق الانقاذ اليه. وعجيب امر هذا الانسان اذا انهار، واذا قاوم.. فاذا انهار لا يتمكن احد من ان يثبته او يبني ويعيد ما ينهار منه. وقد يكون هذا الذي ينهار كيان سياسي ضخم، وليس فردااو جماعة. وكلنا قد شاهد في وقت قريب انهيار الاتحاد السوفيتي، ثاني اعظم كيانين سياسيين في العالم، ان لم يكن الاول المكرر منهما.

واذا قاوم الانسان ورزقه اللّه القدرة على المقاومة والصمود فلا يفت شيء في مقاومته وصموده ولا يضعف شيء ثباته ومقاومته.

ومن عجب ان يتحول هذا الانسان الكائن من لحم ودم واعصاب الى كتلة مرصوصة وقوية يتحمل من العذاب ما يتفتت منه صلب الحديد. ولا شك في ان هذه المقاومة من اللّه تعالى، ولا شك في ان «الامل» من اسباب هذه المقاومة، وهاتان معادلتان لا سبيل للتشكيك فيهما: المعادلة الاولى: ان «الانتظار» يبعث على «الامل»، ويخترق ظلمات الياس التي تكتنف حياة الانسان.

المعادلة الثانية: ان «الامل» يمنح الانسان «المقاومة».

النحو الثاني من الانتظار وهو ما يستطيع الانسان ان يقربه ويدعي به، كالشفاء من المرض وانجاز مشروع عمراني اوعلمي او تجاري والانتصار على العدو والتخلص من الفقر، فان كل ذلك من الانتظار، وامرتعجيل هذه الامور او تاخيرها وتاجيلها بيد الانسان نفسه.

فمن الممكن ان يعجل بالشفاء ومن الممكن ان يوخره او ينفيه، ومن الممكن ان يعجل بالمشروع التجاري او العمراني او العلمي او يوخره، او يلغيه راسا. ومن الممكن ان يعجل بالنصر والغنى او يوخرهما او ينفيهما راسا.

وبهذا التقرير يختلف امر هذا الانتظار عن النحو الاول الذي تحدثنا عنه، فان بامكان الانسان ان يتدخل في تحقيق ما ينتظره والاسراع به او تاجيله او الغائه.

ولذلك فان الانتظار من النوع الثاني يمنح الانسان بالاضافة الى «الامل» و-«المقاومة»:«الحركة». وهذه الاخيرة، اعني «الحركة»، تخص هذا النحو من الانتظار، فان الانسان اذاعرف ان نجاته وخلاصه يتوقفان على حركته وعمله وجهده سوف يبذل لخلاصه ونجاته في عمله من الجهد والحركة ما لا قبل له به من قبل.

ففي الانتظار، من النحو الاول، لم يكن بامكان الانسان غير «الامل» و-«المقاومة». اماالانتظار الاخير فهو يمنح الانسان بالاضافة الى «الامل» و- «المقاومة» «الحركة» ايضا: 1- امل في النفس يمكن الانسان من اختراق الحاضر وروية المستقبل، وشتان بين من يرى«اللّه» و- «الكون» و-«الانسان» من خلال معاناة الحاضر فقط وبين من يرى ذلك كله من خلال الحاضر والماضي والمستقبل. ولا شك في ان هذه الروية تختلف عن تلك ولا شك في ان العتمة والظلمة والسلبية التي تكتنف الروية الاولى تسلم منها الروية الثانية.

2- ومقاومة تمكن الانسان من مواصلة الصمود ومقاومة الانهيار والسقوط حتى وصول المدد، وما لم يكن للانسان امل في وصول المدد فانه لا يقاوم.

3- وحركة تمكن الانسان من تحقيق الخلاص والنجاة وتحقيق القوة والغنى والكفاءة. وهذاالانتظار هو-«الانتظار الحركي»، وهو افضل انواع الانتظار، والانتظار الذي نحن بصدددراسته من هذا النوع الاخير.

آلية التغيير وهذا الانتظار يشبه توقع الناس من اللّه ان يغير امورهم من السيء الى الحسن، ومن الفقرالى الغنى، ومن العجز الى الكفاءة، ومن الهزيمة الى النصر. ولا شك في انه توقع صحيح وعقلاني، فان الانسان ركام من الضعف والعجز والفقر والجهل والسوء.

واللّه تعالى هو المومل ليغير ذلك كله ويحوله الى القوة والكفاءة والغنى والعلم والحسن.وليس من باس على الانسان من هذا التوقع والانتظار من اللّه تعالى ولكن بشرط ان يسلك الانسان لتحقيق هذا الانتظار الالية المعقولة التي دعا اليها اللّه تعالى لهذا التغيير، فان هذاالتغيير من جانب اللّه تعالى لا شك في ذلك، ولكن ضمن آلية معينة، وما لم يستخدم الانسان هذه الالية، فلا يصح له ان يتوقع او ينتظر هذا التغيير من جانب اللّه.

وهذه الالية هي ان يبدا الانسان بتغيير ما بنفسه حتى يغير اللّه تعالى ما به.

ان ما بنا من التخلف الاقتصادي والهزيمة العسكرية والتخلف العلمي وسوء الادارة...ناشىء عما بانفسنا من الاشكالية والضعف والكسل والياس، وفقدان الجراة والشجاعة والجهل...

فاذا غيرنا «ما بانفسن» غير اللّه تعالى ما بنا من دون شك.

وليس من شك في ان اللّه تعالى هو وحده الذي يغير ما بنا.

كما ليس من شك في اننا لو لم نغير ما بانفسنا لا يغير اللّه ما بنا الا ان شاء اللّه، وهاتان حقيقتان تابيان النقاش والتشكيك.

وانتظار التغيير من اللّه تعالى حق ليس فيه شك، ولكن على ان يقترن هذا الانتظار بالحركة والفعل من ناحية الانسان، وهذا هو الانتظار الحركي في توضيح ثان.

الانتظار «حركة» وليس «رصد» ان من الخطا ان نفهم الانتظار على انه رصد سلبي للاحداث المتوقعة من دون ان يكون لنادور فيه سلبا او ايجابا كما نرصد خسوف القمر وكسوف الشمس، فالتفسير الصحيح للانتظار انه «حركة» و-«فعل» و-«جهد» و-«عمل»، وسوف ندخل ان شاء اللّه في تفاصيل هذا البحث.

ما هو السبب في تاخير(الفرج)؟ على الاجابة الصحيحة عن هذا السوال يتوقف فهم المعنى الصحيح للانتظار، وهل هوبمعنى-«الرصد» او- «الحركة»؟ الراي الاول: فاذا كان السبب في تاخير الفرج بظهور الامام (عجل اللّه فرجه) وثورته الكونية الشاملة هوان تمتلىء الارض ظلما وجورا، فلا بد من ان يكون الانتظار بمعنى «الرصد»، فلا يجوز لنا ان نوسع رقعة الظلم والجور في الارض، ببداهة الاسلام.

ولا يصح لنا ان نكافح الظلم والجور لان ذلك يودي الى اطالة زمن الغيبة، بموجب هذه الرواية.. فلا بد من ان نرصد اذن تطور الظلم والجور في حياتنا السياسية والاقتصادية والعسكرية والقضائية، حتى اذا امتلات الارض ظلما وجورا ظهر الامام (عليه السلام)،واعلن الثورة ضد الظالمين والفرج عن المظلومين.

الراي الثاني: واذا كان السبب في تاخير الفرج هو عدم وجود الانصار الذين يعدون المجتمع لظهور الامام والذين يوطئون الارض ويمهدونها لثورته الشاملة، ويدعمون ثورة الامام ويسندونها، فان الامر يختلف. فلا بد من العمل والاعداد والتوطئة، والامر بالمعروف والنهي عن المنكرلاقامة سلطان الحق على وجه الارض لياتي الفرج بظهور الامام (عجل اللّه فرجه). وبناءعليه لا يكون الانتظار بمعنى-«الرصد»، بل بمعنى-«الحركة»، والعمل، والجهاد لاقامة سلطان الحق على وجه الارض، الامر الذي يقتضي اعدادا يوط ىء الارض لظهور الامام وثورته الشاملة.

ويختلف معنى الانتظار سلبا وايجابا بين-«الرصد» و-«الحركة» بناء على هذا الفهم لظهورالامام (عليه السلام) وظهور الفرج على يده. ونحن نناقش الان هذه المسالة لنصل الى الجواب الصحيح.

نقد الراي الاول لنا مجموعة ملاحظات على الراي الاول، وهي: 1- ليس معنى ان تمتلى الارض ظلما وجورا هو ان يجف نبع التوحيد والعدل على وجه الارض، ولا تبقى رقعة يعبد الناس عليها اللّه تعالى، فهذا امر مستحيل وعلى خلاف سنن اللّه تعالى.. وانما المقصود بهذه الكلمة طغيان سلطان الباطل على الحق في الصراع القائم بين الحق والباطل دائما.

2- ولا يمكن ان يزيد طغيان سلطان الباطل على الحق اكثر مما هو عليه الان. فقد طغى الظلم على وجه الارض شر طغيان، وان الذي يجري في بلاد البلقان على مسلمي البوسنة والهرسك بايدي الصرب امر يقل نظيره في تاريخ الظلم والارهاب، ولطالما شق الصرب بطون النساء الحوامل، واخرجوا من ارحامهن الاجنة، وقتلوا الاطفال الصغار، وقطعوارووسهم، ولعبوا بها «لعبة الكرة» امام اعين آبائهم وامهاتهم.

وفي الشيشان يذبح الروس اطفال المسلمين، ويقدمون لحومهم طعاما للخنازير. والظلم الذي مارسه الشيوعيون على مسلمي بلاد آسيا الوسط ى ابان الحكم الشيوعي امر تقشعر له الجلود. وما يجري على المسلمين في سجون اسرائيل من العذاب الوحشي امر فوق حدودالتعبير. وفوق ذلك كله واعظم منه، ما جرى ويجري في العراق من ظلم وتصفية وابادة وتعذيب واضطهاد للمومنين على يد جلاوزة البعث من فئة صدام، مما لا يقوى على وصفه التعبير.

.. اقول ان الذي يجري من الظلم في اقطار العالم الاسلامي على المسلمين، في كل مكان تقريبا، امر رهيب يدل على شيء اكثر من الظلم والجور ومن «امتلاء الارض ظلما وجور»،انه يدل، ومن دون مواخذة، على نضوب نبع الضمير في الاسرة الدولية المعاصرة وفي الحضارة البشرية المادية المعاصرة.

ونضوب الضمير موشر خطر في تاريخ الانسان يعقبه دائما السقوط الحضاري الذي يعبرعنه القرآن ب «هلاك الامم».

و-«الضمير» حاجة اساسية ورئيسية للانسان، وكما لا يمكن ان يعيش من دون «الامن»،ومن دون «الطب والعلاج»، ومن دون «الغذاء»، ومن دون «النظام السياسي»، ومن دون«العلم»، كذلك لا يمكن ان يعيش من دون الضمير، ومتى آل امر هذا النبع الى النضوب، فان السقوط الحضاري هو النتيجة الطبيعية لهذه الحالة، وبعد السقوطياتي قانون «الاستبدال»و- «التبديل» و- «الارث»، وهذه هي حالة قيام ثورة الامام (عليه السلام) الكونية وقيام الدولة العالمية الشاملة.

3- وقد كانت غيبة الامام (عليه السلام) بسبب طغيان الشر والفساد والظلم، ولولا ذلك لم يغب، فكيف يكون طغيان الفساد والظلم سببا لظهور الامام (عليه السلام) وخروجه؟ 4- وبعكس ما يتوقعه بعض الناس يتجه العالم اليوم باتجاه سقوط الموسسات السياسية والعسكرية والاقتصادية الظالمة.

فقد شاهدنا باعيننا كيف سقط الاتحاد السوفيتي خلال بضعة اشهر، وكان مثله مثل بناء خاو، منخور من الداخل لم يتمكن احد من دعمه واسناده عند سقوطه.

ورياح التغيير اليوم تهب على امريكا وتعرضها لهزات عنيفة وقوية في اقتصادها وامنهاواخلاقها ومصداقيتها، بوصفها دولة كبرى.

ان النظام الجاهلي اليوم آخذ بالعد العكسي موذنا بالسقوط والانهيار، فكيف نتوقع ان يزدادهذا النظام قوة وشراسة وضراوة؟ 5- على ان الذي يوجد في نصوص الغيبة: «يملا الارض عدلا كما ملئت ظلما وجور»وليس «بعد ان ملئت ظلما وجور».

وليس معنى ذلك ان الامام ينتظر ان يطغى الفساد والظلم اكثر مما ظهر الى اليوم ليظهر،وانما معنى النص ان الامام (عليه السلام) اذا ظهر يملا الارض عدلا، ويكافح الظلم والفسادفي المجتمع، حتى يطهر المجتمع البشري منه كما امتلا المجتمع البشري بالظلم والفسادمن قبل.

روى الاعمش، عن ابي وائل، ان امير المومنين (عليه السلام) قال في المهدي-(عليه السلام): «يخرج على حين غفلة من الناس واماتة من الحق واظهار من الجور، يفرح لخروجه اهل السماء وسكانها، ويملا الارض عدلا كما ملئت ظلما وجور» وفي رواية اخرى:«يملا الارض عدلا وقسطا، كما ملئت جورا وظلم» او «بعدما ملئت ظلما وجور».

وفي رايي ان معنى جملة «تملا الارض ظلما وجور» ان يكثر الظلم والجور حتى يضج الناس منه، ويفقد الظلم غطاءه الاعلامي الذي يخرجه للناس اخراجا حسنا، فيبرز للناس في صورته الحقيقية، وتفشل هذه الانظمة في تحقيق ما تعد الناس به من خير، ويبدا الناس بعد هذا الاحباط الواسع بالبحث عن النظام الالهي الذي ينقذهم من هذه الاحباطات، وعن القائد الرباني الذي ياخذ بايديهم الى اللّه تعالى. وقد بدات تتعاقب الاحباطات المتوالية في حياة الناس واحدة بعد اخرى، وكان اعظم هذه الاحباطات سقوط الاتحاد السوفيتي والهزات العنيفة التي تعرضت لها امريكا في السنوات الاخيرة، وكل واحد من هذه الاحباطات يوجه الناس الى النظام الالهي والقائد الرباني المنقذ.

هذا، على نحو الاجمال نقد الراي الاول في اسباب تاخير الفرج.

والان نبحث في الراي الثاني.

الراي الثاني في اسباب تاخير الفرج يعتمد الراي الثاني، في فهم اسباب تاخير الفرج وتاخير ظهور الامام، الاسباب الموضوعية،وفي مقدمتها عدم وجود العدد الكافي من الانصار من الناحية الكمية وعدم وجود الكيفية المطلوبة في انصار الامام وشيعته من الناحية الكيفية.

ان الثورة التي يقودها الامام ثورة كونية شاملة، يتولى فيها المستضعفون والمحرومون الامامة والقيمومة على المجتمع البشري(ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين)«القصص/5ج. يرث المستضعفون المومنون، في هذه المرحلة، ما كان يتداوله الطغاة في مابينهم من السلطان والمال (ونجعلهم الوارثين)، (ان الارض يرثها عبادي الصالحون)، ويتم لهم السلطان على وجه الارض (ونمكن لهم في الارض)، ويطهر الامام في هذه المرحلة الارض كلها من لوثة الشرك والظلم «يملا الارض عدلا كما ملئت ظلما وجور»، ولا يبقى،كما في طائفة من الروايات، في المشارق والمغارب، ارض لا يودى فيها لا اله الا اللّه.

ومحور هذه الثورة الشاملة «التوحيد» و-«العدل». ومثل هذه الثورة لا بد لها من اعدادواسع، وتوطئة على مستوى عال من الناحيتين الكمية والكيفية، ومن دون هذا الاعداد،وهذه التوطئة لا يمكن ان تتم هذه الثورة الشاملة، في سنن اللّه تعالى في التاريخ.

دور السنن الالهية والامداد الغيبي في الثورة لا تتم الثورة، في مواجهة العتاة والطغاة والانظمة والموسسات الجاهلية الحاكمة والمتسلطة على رقاب الناس، من دون امداد غيبي واسناد وتاييد من جانب اللّه بالتاكيد. والنصوص الاسلامية توكد وجود هذا الامداد الالهي وتصف كيفيته.

الا ان هذا المدد الالهي احد طرفي هذه القضية والطرف الاخر هو دور السنن الالهية في التاريخ والمجتمع في تحقيق هذه الثورة الكونية وتطويرها واكمالها. فان هذه السنن لا تتبدل ولا تتغير (سنة اللّه في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة اللّه تبديلا) «الاحزاب/62ج، ولاتعارض المدد والاسناد الالهيين.

وشان هذه الثورة شان دعوة رسول اللّه(ص) الى التوحيد،والحركة التي نهض بها(ص) لتحقيق التوحيد في حياة الناس. فقد كانت هذه الحركة موضع الامداد الالهي الغيبي بالتاكيد، ونصر اللّه تعالى رسوله(ص) بالملائكة المسومين والمردفين والرياح وجند لم يروهم، ونصره على اعدائه بالرعب، ولكن اللّه تعالى امر رسوله(ص) بان يعد العدة لهذه المعركة المصيرية (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة) «الانفال/60ج.

وتمت مراحل هذه المعركة بموجب سنن اللّه تعالى في التاريخ والمجتمع، ينتصر فيهارسول اللّه(ص) على اعدائه حينا وينتكس حينا آخر، ويستخدم الجند والمال والسلاح في هذه المعركة، ويخطط لها، ويفاجىء العدو بوسائل واساليب جديدة للقتال، ويفاجئه في الزمان والمكان، ولا يعارض شيء من ذلك الاعداد الغيبي الالهي لرسوله(ص) الذي لانشك فيه، وهما وجهان لقضية واحدة.

ولا تشذ الثورة الكونية التي يقودها حفيده عن الدعوة والثورة التي قادها هو(ص)، من قبل،بامر من اللّه تعالى.

ومن جملة هذه السنن التي لا بد منها، في هذه الثورة الكونية، «الاعداد» و-«التوطئة» قبل ظهور الامام و- «النصرة» و-«الانصار» حين ظهور الامام عليه السلام، ومن دون هذا الاعدادوالنصرة والتوطئة لا يمكن ان تتم ثورة بهذا الحجم الكبير في تاريخ الانسان.

ونحن، في ما يلي، نستعرض طائفتين من النصوص تختص اولاهما ب «الاعداد والتوطئة»والاخرى ب «الانصار والنصرة» لنتامل فيهما ان شاء اللّه.

والطائفة الاولى من النصوص هي النصوص المتعلقة ب-«الموطئين»، وهم الجيل الذي يعد الارض والمجتمع لظهور الامام(عج)، وثورته الكونية الشاملة. وهذا الجيل بطبيعته يسبق ظهور الامام(عليه السلام)، والطائفة الثانية من النصوص تخص «الانصار»، وهم الجيل الذي ينهض بهم الامام (عليه السلام). ويقود بهم الثورة على الظالمين. اذن نحن بين يدي جيلين: 1- جيل «الموطئين» الذي يمهدون الارض لظهور الامام.

2- جيل «الانصار» الذين ينهض بهم الامام (عليه السلام)، ويثور بهم على الظالمين. وفي مايلي نستعرض، ان شاء اللّه، هاتين الطائفتين من النصوص.

جيل «الموطئين» في النصوص الاسلامية تضافرت طائفة من النصوص الاسلامية، من الفريقين (الشيعة والسنة)، عن جيل الموطئين الذين يوطئون الارض لدولة الامام المهدي(عج)، وقد حددت هذه النصوص عددا من الاقاليم الاسلامية المعروفة لهذا الجيل، واهم هذه الاقاليم التي تخص جيل الموطئين هي:المشرق وخراسان (ويظهر ان المشرق هو خراسان) وقم، وري، واليمن، وفي ما يلي النصوص التي تخص جيل الموطئين في هذه الاقاليم: 1- الموطئون في المشرق: روى الحاكم، في مستدرك الصحيحين، عن عبداللّه بن مسعود، قال: اتانا رسول اللّه(ص)فخرج الينا مستبشرا يعرف السرور في وجهه، فما سالناه عن شيء الا اخبرنا به ولا سكتنا الاابتدانا حتى مر فتية من بني هاشم منهم الحسن والحسين، فلما رآهم التزمهم وانهملت عيناه، فقلنا: يا رسول اللّه، ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه؟ فقال: «انا اهل بيت اختار اللّه لنا الاخرة على الدنيا، وانه سيلقى اهل بيتي من بعدي تطريداوتشريدا في البلاد حتى ترتفع رايات سود في المشرق، فيسالون الحق لا يعطونه، ثم يسالونه فلا يعطونه، ثم يسالونه فلا يعطونه فيقاتلون فينصرون.

فمن ادركه منكم ومن اعقابكم فليات امام اهل بيتي، ولو حبوا على الثلج فانها رايات هدى،يدفعونها الى رجل من اهل بيتي».

وعن الامام الصادق (عليه السلام): «كاني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلايعطونه ثم يطلبونه، فاذا راوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم فيعطون ما شاءوا فلايقبلونه حتى يقوموا ولا يدفعونها الا الى صاحبكم (اي الامام المهدي عليه السلام) قتلاهم شهداء».

2- الموطئون من خراسان: عن محمد بن الحنفية، والرواية موضوعة، ولكن يبدو انها عن الامام امير المومنين علي بن ابي طالب-(عليه السلام): «ثم تخرج راية من خراسان يهزمون اصحاب السفياني حتى تنزل ببيت المقدس توط ىء للمهدي سلطانه».

3- الموطئون من و«ري»: روى المجلسي في بحار الانوار: «رجل من قم يدعو الناس الى الحق يجتمع معه قوم قلوبهم كزبر الحديد، لا تزلهم الرياح العواصف، لا يملون من الحرب ولا يجبنون وعلى اللّهيتوكلون والعاقبة للمتقين».

4- الموطئون من اليمن: عن الامام الباقر (عليه السلام) في قيادة اليماني قبل ظهور الامام: «وليس في الرايات اهدى من راية اليماني، هي راية هدى لانه يدعو الى صاحبكم».

الدلالات 1- الجيل الصلب: واول ما يلفت النظر في هذا الجيل هو الصلابة والقوة والاستحكام، فهو جيل صعب، شديدالمراس، يوط ىء الارض لظهور الامام، ويواجه وحده طواغيت الارض. والامام الصادق(عليه السلام) يفسر، كما في رواية محمد بن يعقوب الكليني قوله تعالى: (فاذا جاء وعداولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا اولي باس شديد) «الاسراء/5ج بهذا الجيل، وتصفهم الرواية بهذا الوصف العجيب: قلوبهم كزبر الحديد، لا تزلهم الرياح العواصف، انها قلوب ومن طبيعة القلوب اللين والرقة، ولكن هذه القلوب تتحول في مواجهة الطغاة والعتاة الى زبر من الحديد لا تلين ولا ترق. ان الصلابة والقوة من خصائص الاجيال التي يحملها اللّه تعالى مسوولية التغيير، والثورة، ومن خصائص الاجيال التي يضعها اللّه تعالى في منعطفات التاريخ الكبرى لنقل الناس من مرحلة الى مرحلة، وهذا الجيل يحمل هذه الخصائص.

2- جيل التحدي والتمرد: ومهمة هذا الجيل هي تحدي «النظام العالمي» والتمرد عليه، وما ادراك ما النظام العالمي وكيف صمم على خدمة القوى الكبرى ومن دار في فلكها والاحتفاظ بمراكز القوة والمواقع الاستراتيجية لها في مختلف مناطق الارض. انها مسوولية شاقة وعسيرة ودقيقة يتعهد بهاهذا النظام على مستوى العالم كله، وليس على مستوى منطقه او اقليم من الارض فحسب.

ان هذا النظام يتكون من مجموعة من المعادلات والموازنات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاعلامية الدقيقة، ومن انظمة اعضاء الاسرة الدولية ومن مجموعة من الخطوط الحمراء والخضراء والصفراء فيما بين هذه الانظمة وهذه المجموعة من الاتفاقات والتنازلات وتنظيم الادوار واقتسام الموارد والاسواق ومصادر الثروة ومناطق النفوذ، اقول:ان هذه المجموعة المعقدة تمكن القوى الكبرى من السيطرة على الوضع العالمي، كماتمكن العتلة الصغيرة (العصا الضخمة من حديد تستخدم في اعمال الهدم والحمل)، اي الانسان، من حمل الاثقال الكبيرة بحركة خفيفة. ولذلك فان النظام العالمي قبل سقوط الاتحاد السوفيتي، وبعد ذلك، يبقى امرا يحترمه الجميع، لان هولاء يستفيدون منه كل بمقدار حجمه وقوته..

وهولاء الشباب من جيل الموطئين يخترقون ببساطة ومن دون ترددهذه الخطوط الحمراء، ويغيرون هذه المعادلات والموازنات التي يتفاهم عليها الجميع ويتلقونها بالقبول والاحترام، ويفسدون على هذه الانظمة والموسسات الدولية استقرارهاوتوازنها وهيبتها الدولية. ولا سبيل لها على هولاء الشباب، ولا تستطيع ان تتحملهم ولاتتمكن من ان تدفعهم.

فان اكثر قوة هذه الانظمة وهيبتها الدولية في مواجهة انظمة وموسسات من مثلها، واقوى ما تملك من السلاح هو القتل والسجن والتعذيب والمطاردة.

وهولاء لا يخافون شيئا من ذلك ولا يرهبهم شيء من ذلك.

والوصف الموجود في الرواية دقيق. في وصف هذا الجيل: «لا تزلهم الرياح العواصف، لايملون من الحرب ولا يجبنون وعلى اللّه يتوكلون والعاقبة للمتقين». ان الذي لا يجبن لايمل الحرب ولا تزله الرياح العواصف بطبيعة الحال، وقوة هولاء وميزتهم انهم لا يجبنون،وهذه هي مشكلتهم في حساب الانظمة والقوى الكبرى.