الصفحة السابقة

الصفحة التالية

اما التوابون، وبعد اربع سنوات من محنة كربلاء، وبعد ان عصفت بهم ريح الندم وآنسوا ان‏الفرصة مواتية للثار، تداعوا وتبادلوا الراي مشيرين في كلماتهم الى الحسين وآل البيت‏بتعابير عديدة: «ابن ابنة نبين» «ولده وحبيبه وذريته ونسله»، «آل نبين» «ولدنبينا وسلالته وعصارته وبضعة من لحمه ودمه»، «ابن بنت نبيكم» «ذا صدق وصبر،وذا امانة ونجدة وحزم، ابن اول المسلمين اسلاما وابن بنت رسول رب العالمين»، «اهل‏بيته»، «اخواننا بالطف رحمة اللّه عليهم».

تركز هذه الاشارات على صلة النسب‏بالرسول(ص) دون ان تغفل طبيعة هذه الصلة وحقيقتها. فالحسين ابن بنته، والجماعة اهل‏بيته. وان يكون الحسين ابن بنته يعني ان يكون ولده وحبيبه وعصارته وبضعة من لحمه‏ودمه، وفي هذا اشارة واضحة الى انه امتداد للرسول(ص) في الوجود دينيا ودنيويا.

وان‏تكون الجماعة اهل بيته يعني ان تكون ذريته ونسله وسلالته، وفي هذا اشارة الى انهم‏المزكون المطهرون من اللّه سبحانه وتعالى. ينظر التوابون الى الحسين واهل بيته(ع) اذانظرة آل البيت الى انفسهم بوصفهم نتاجا طهريا ايمانيا علميا للدوحة المحمدية المباركة.ومن يراقب التوابين عشية معركتهم مع ابن زياد يلاحظ روحا جديدة تمازج تضاعيف‏الوصية التي اوصى بها سليمان بن صرد رجاله: «لا تقتلوا اسيرا من اهل دعوتكم الا ان‏يقاتلكم بعد ان تاسروه، او يكون من قتلة اخواننا بالطف رحمة اللّه عليهم». ولا تكمن‏هذه الروح في النفس العلوي وحده، ولكن في تبدل الاشارة الى اهل الطف: من «اهل بيت‏نبين» الى «اخواننا بالطف». ولعل هذه النقلة مرتبطة بالنقلة التي تمت داخل نفوس‏الكوفيين. فقد تحولوا من متخاذلين الى مقبلين على الموت: (ان اللّه لا يغير ما بقوم حتى‏يغيروا ما بانفسهم) «الرعد/13/11». واذا ما حملوا السلاح واتخذوا قرار الشهادة انتقاماللطف اعادوا الاعتبار الى ذواتهم فباتوا يسمون شهداء واقعة كربلاء اخوانهم جريا على‏القاعدة القرآنية التي تقول: (انما المومنون اخوة) «الحجرات/49/10».

واذا ما تراءت الصورة الحسينية، عند آل البيت من خلال الاعتزاز بها والانتماء اليها، تراءت‏عند التوابين من خلال ترجحهم بين عقدة الذنب والنجاح في التغلب عليها، حتى لكانهم‏ارادوا ان يحققوا اخوتهم للذرية النبوية الطاهرة عبر الشهادة على طريقها.

2- الحدث بين الكوفيين ويزيد بدت صورة الكوفيين، غداة الحدث، جلية في مخيلة آل البيت، قدموها، في خطابتهم،باسلوب مباشر بعيد عن اي شكل من اشكال التلوين الكلامي. نادتهم السيدة زينب(ع): «يااهل الكوفة، يا اهل الختل والغدر والخذل». وقال لهم زين العابدين(ع): «كتبتم الى ابي‏وخدعتموه واعطيتموه من انفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه وخذلتموه».وكانت كلمة ام كلثوم(ع) الاولى لهم: «ما لكم خذلتم حسينا؟». ولئن استطاعت الصفات‏الاربع الاساسية التي وصفوا الكوفيين بها: (الختل، والغدر، والخذل، والمخادعة) ان‏تقدمهم وقد ارتكبوا خطا غير عادي بفاحشته، الا ان هذه العناوين الاربعة، وان سمت مافعلوه باسمه الذي وضعته له اللغة، فانها غير قادرة على تقديم خصوصية هذا الفعل بوصفه‏حدثا تم فيه قتل الحسين(ع) وسبي نسائه. وتاتي التشابيه لتعوض قصور تلك المفردات في‏التعبير عن خصوصية واقع الكوفيين: قالت لهم السيدة زينب(ع): «انما مثلكم كمثل التي‏نقضت غزلها من بعد قوة انكاث»، فتراءوا من خلال تشبيههم بتلك المراة وقد اضاعواموقفهم القوي سدى.

ويسمهم هذا الامر بالغباء لتحولهم من الحق الى الباطل الذي لاينفعهم. وهذه الوضعية التي قدمها التشبيه لم تكن معروفة من خلال المفردات الانفة. ولاتستعين السيدة(ع) بالذكر الحكيم وحده لتقديم صورة الكوفيين، ولكنها تستعين بالحديث‏الشريف ايضا، حيث تشبههم قائلة: «او كمرعى على دمنة». واذا اشار المرعى الى قوة‏الخير والعطاء التي كان يمكن ان يمثلها الكوفيون لو وقفوا الموقف السليم، اشارت الدمنة‏الى قوة الاتلاف والتخريب التي حولت ذلك المرعى من مصدر للخير الى نفاية موذية،مستحضرة بهذه المشابهة حديث الرسول(ص) بكل عمقه وتكامله وما ينزله على ذلك‏المرعى من صفات الغش والاذية والعواقب السيئة. اما تشبيهها لهم قائلة: «او كفضة على‏ملحودة» فان الفضة وان اختزنت من المعاني الايجابية ما تختزنه، الا انها باتت قيمة‏ضائعة عندما كانت على ملحودة. فقد تعطلت وظيفتها الاساسية بوصفها زينة او قرشامدخرا.

ومن الجدير بالذكر ان التشابيه قد تدرجت بالكوفيين من نقض الغزل، الى مرعى على دمنة،الى فضة على ملحودة تدرجا يومى‏ء الى بعد ايجابي معطل، ويحمل لوما شديدا يلقي على‏الحدث ظلالا سوداء ويقدمه فعلا مستهجنا ومستنكرا. ولو عدنا الى الصفات الاربع:(الختل والغدر، والخذل، والمخادعة) وقراناها من جديد على ضوء التشابيه الثلاثة لرايناهاموجهة باذيتها الى ذات الكوفيين بقدر توجهها الى الحسين(ع)، لان الضعف الذي عراهم‏لحظة الحسم جعل موقفهم يمثل ختلا وغدرا وخذلا ومخادعة لحقيقة الموقف الذي تمنواان يقفوه ولم يقدروا عليه. وهو بالتالي خيانة للذات واضاعة لصالحهم قبل ان يكون خيانة‏للحسين(ع).

وصورت السيدة زينب(ع) هذا الضعف بواسطة تشبيهين آخرين: «ملق الاماء وغمزالاعداء» مقدمة بذلك صورتهم البشعة التي لا يحسدون عليها. فالملق المعطوف على‏الغمز الموجه الى آل البيت يكشف عن الدرك الذي انحدر اليه الكوفيون بخذلهم‏الحسين(ع).

والخذل هو الذي اسمته السيدة بالصفقة حين خاطبتهم: «خسرت الصفقة» مختصرة‏بهاتين الكلمتين الخطا الفادح الذي ارتكبوه. فالخسارة مركبة، لان التجارة بغير مرضاة اللّهخاسرة، وان ربحت، فكيف اذا لم يتحقق لهم ما مناهم به ضعفهم لحظة التخاذل؟ ولا تتكامل خصوصية الخذل الكوفي، ولا تتجلى كل ابعادها من خلال اللغة التصويرية‏وحدها، اذ لابد من ان نتبين كل ذلك على مرآة اللّه ورسوله. خاطبتهم السيدة قائلة: «بوتم‏بغضب من اللّه، وضربت عليكم الذلة والمسكنة» فقدمت الحدث جريمة نكراء اثارسخط اللّه، وجعلهم يتراءون امام ابصارنا على مرآة القرون البائدة من عاد وثمود وغيرهم،عبر آصرة النسب التي تربط الذلة والمسكنة بريح الصرصر العاتية. ورات فاطمة‏الصغرى(ع) عملهم «اجتراء منكم على اللّه ومكر» فاضاء كلامها عناصر الحدث كلها:الامام الحسين(ع) الذي تراءى موقفه ببعده الالهي الواضح، والكوفيين الذين بلغ الاثم بهم‏درجة الاجتراء على اللّه والشجاعة في عصيانه، والحدث الذي تبدى جريمة بحجم اجتراءقوم لوط على نبيهم. ولقد دفعها ذلك لتقول: «فانتظروا اللعنة والعذاب فكان قد حل بكم وتواترت به السماء نقمات فيسحقكم بماكسبتم ويذيق بعضكم باس بعض».

ويسالهم الامام زين العابدين مستغربا: «باية عين‏تنظرون الى رسول اللّه(ص) اذ يقول لكم: قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي فلستم من‏امتي» واذا غشي النظر ما يمنعه عن الروية الواضحة، حضر الرسول(ص) ليزيل تلك‏الغشاوة. فالذين قتلوا هم عترته، والحرمة التي انتهكت بسبي نساء الحسين(ع) حرمته.وحين تبلغ الامور هذا الحد هل تبقى من علاقة تربط القاتل بمن قتل ابناوه؟ ان تبرا الرسول‏منهم يعني ان يتبرا الاسلام منهم. وهل هناك صفة تعد اقسى من الصفة التي رآها زين‏العابدين للكوفيين؟ وتتكلم السيدة ام كلثوم(ع) باللغة نفسها: «اتدرون اي دواه دهتكم؟واي وزر على ظهوركم حملتم؟ واي دماء سفكتموها؟ واي كريمة اصبتموها؟ واي صبية‏سلبتموها؟ واي اموال انتهبتموها؟ قتلتم خير رجالات بعد النبي». فيخرج الاستفهام‏الانكاري الى التقريع ليشير كما اشار استفهام زين العابدين الى عدائية عملهم للرسول،ويقدمهم مارقين مع ما يعنيه المروق من سخط ولعنة.

وتدفعنا هذه الصورة التي تبدت للكوفيين على لسان آل البيت لنتساءل ان كانوا يحملونهم‏المسوولية كاملة عما جرى لهم في كربلاء. فنجد ان العقيلة(ع) توجه الاتهام مباشرة اليهم:«اتدرون ويلكم اي كبد لمحمد(ص) فرثتم، واي عهد نكثتم، واي كريمة له ابرزتم، واى‏حرمة له هتكتم، واي دم له سفكتم؟»، معيدة ضمير المخاطب في هذه العبارات الى‏الكوفيين وحدهم دون ان تترك اية اشارة الى احتمال وجود مشاركين فيه، مع انها تعرف‏ويعرف الكوفيون ايضا ان العملية قد تمت بامر من يزيد. وهذا ما يعط‏ي الكلام لازما دلالياله. مفاده ان السيدة تريد ان تبرز ذنبهم على مقدار الخطا الذي ارتكبوه. فهم يتحملون من‏مسوولية القتل ما يتحمله يزيد. فلولا رسائلهم وخذلهم لما وصلت النتائج الى ما وصلت‏اليه. وهي لم تحملهم مسوولية بسيطة عندما اسندت الافعال اليهم، وعدتها الى ما يرتبط‏بالرسول(ص): (كبده، وعهده، وكريمة له، وحرمة له، ودم له)، فالامور التي وقع الاعتداءعليها جوانب غير منفكة عن شخصيته النبوية، والاعتداء عليها اعتداء على الاسلام، ان‏اتهام السيدة للكوفيين اتهام صائب وان تغافل عن يزيد، فهي في اثناء هذه الخطبة انماتواجه الكوفيين ولا بد من ان تحدثهم بما يعنيهم هم دون غيرهم. ونجد الفاعل نفسه للفعل‏نفسه عند كل من فاطمة الصغرى(ع)، وام كلثوم(ع). اما عند الامام زين‏العابدين(ع) فالامر مختلف نسبيا. يعرف بنفسه امام الكوفيين: «انا ابن من انتهك حريمه،وسلب نعيمه، وانتهبت ماله، وسبي عياله» مستخدما الفعل الماضي المبني للمجهول‏الذي يترك الفاعل غير محدد. ولو شاء التركيز على الكوفيين لاستخدم الصيغة المعلومة‏للافعال واسندها اليهم.

ولكنه قصد استخدام الصيغة كما استخدمها، لانه حدد اتهامه‏للكوفيين بشكل واضح: «هل تعلمون انكم كتبتم الى ابي وخدعتموه واعطيتموه من‏انفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه وخذلتموه؟» مسميا الاشياء باسمائها، حتى‏كلمة«قاتلتموه» فهي لا تشكل اتهاما بقتله، بل جاءت موقعة بما تدل عليه، لان دلالتها غيردلالة «قتلتموه». تبدا مسوولية الكوفيين بالمكاتبة، وتنتهي بالخذلان والمقاتلة.

يعني انهم‏اسهموا بكل ما جرى للحسين(ع) واهل بيته، ولكنهم ليسوا وحدهم. يضم الفاعل غيرالمحدد يزيد ومن والوه والكوفيين وربما قصد كل من اسهم بمسيرة الانحراف في الحياة‏السياسية الاسلامية، لانه ادى، وبطريقة غير مباشرة، الى حصول ما حصل للحسين(ع).ولعل تتويجه للتعريف بنفسه قائلا: «انا ابن من قتل صبرا فكفى بذلك فخر» انما هوافتخار بانتماء اهل بيت الحسين(ع)، الذين حل بهم ما حل، الى مسيرة الصواب في الحياة‏السياسية الاسلامية في مواجهة مسيرة الانحراف. ويعني ذلك ان التضحية قد وقعت في‏سياقها التاريخي الاسلامي، ولذلك كانت موضع فخره. اما ما قام به الكوفيون فقد يقع على‏هامش تاريخ الانحراف لا في صلبه. وان تكون روية زين العابدين(ع) متميزة عن روية‏السيدة زينب(ع)، وفي الموقع نفسه، هو من قبيل تميز الامام المعصوم على من سواه من‏ابناء العترة الطاهرة.

ولقد بلغ الامر بالخطباء من آل البيت ان يصلوا حد تقريع الكوفيين، فترددت عبارة «تبا لكم»في معظم كلماتهم.

واستعاضت عنها السيدة زينب(ع) بالتعبير القرآني «تبت‏الايدي» متوصلة بذلك الى اقصى التقريع، لان اسناد الفعل (تبت) الى (الايدي) دون‏اضافتها اليهم انما تفتح الباب على مصراعيه لصب جام غضبها على كل جارحة من‏جوارحهم. ولقد عبرت السيدة(ع) عن نقمتها هذه باساليب مختلفة: دعاء ساخطا «فلارقات العبرة ولا هدات الزفرة»، وتبكيتا لضمائرهم «الا بئس ما قدمت لكم انفسكم»مستخدمة التوكيد: «تعسا تعسا ونكسا نكس» لتبلغ بذلك النقمة اشدها.

ومن الجدير بالذكر ان هذه الامور لم تسق في هذه الخطب للتنفيس فحسب، ولكنها سيقت‏لوظيفة محددة. فلو ان الكوفيين كانوا مصرين على غيهم من «الصلف والعجب والشنف‏والكذب» كما هي حال يزيد، لما راى آل البيت حاجة الى مثل هذا الكلام. والحقيقة ان‏الكوفيين، وبعد ان «خسرت الصفقة»، تنبهوا الى جسامة ما اقترفوه فرقت قلوبهم حتى‏وجدنا شيخا من شيوخهم تخضل لحيته بالبكاء بعد ان استمع الى خطبة السيدة‏زينب(ع)، وسمعنا اصوات الناس وقد ارتفعت بالبكاء عند كلام زين العابدين(ع)وبعد خطبة فاطمة الصغرى، وضج الناس بالبكاء والنوح، ونشر النساء شعورهن‏ووضعن التراب على رووسهن وخمشن وجوههن... وبكى الرجال ونتفوا لحاهم بعيد خطبة‏ام كلثوم.

ولئن دل هذا على شي‏ء فانما يدل على ان آل البيت قد آنسوا شيئا من التحول الايجابي في‏نفوس الكوفيين فتوجهوا اليهم بالتقريع، لعله ينفع في حثهم على الجهاد الحقيقي.

وحين وصل الموكب الحزين الى دمشق وقفت السيدة زينب(ع) امام يزيد متحدثة، فغابت‏صورة الكوفيين تماما لتحل محلها صورة المسوول الاساسي عما حدث، يزيد: «وكيف‏ترتجى مراقبة من لفظ فوه اكباد الازكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف لا يستبطا في‏بغضنا اهل البيت من نظر الينا بالشنف والشن‏آن والاحن والاضغان». وحين تستعيرالسيدة(ع) ليزيد فاه جدته انما تقدمه حاملا لارث تلك الجدة في الحقد على الاسلام. ولقداوضحت السيدة ذلك الحقد من خلال حشد اهم المفردات التي وضعتها العربية للتعبيرعن انواعه ودرجاته: (الشنف، والشن‏آن، والاحن، والاضغان). ولم تكتف بتقديمه في‏الموقعية السلالية الحاقدة على الاسلام، بل عمدت الى تقديمه ثمرة غير مباركة للتاريخ‏الاموي ودوره في سفك دماء الشهداء: «ونبت لحمه من دماء الشهداء». ان اسنادالفعل(نبت) الى الفاعل (لحمه) اكسب هذا الفاعل هوية الشجرة الغريبة التي لا تسقى‏بالماء، لان تعدية هذا الفعل الى (دماء الشهداء) من خلال حرف الجر(من) اعط‏ى الدماءهوية الري الغريب الذي يسقي تلك الشجرة.

ويخرج كل ذلك بلحم يزيد ليجعله الارث‏الاموي المتحدر عبر سواقي دماء الشهداء جيلا بعد جيل. واذا ما وضع التركيب شخصية‏يزيد في موضع ضدي مع دماء الشهداء، يعني انه قدمها بذرة للشر. وشتان ما بين بذرة الشرالمتجلية في يزيد، وروح «الختل والغدر والخذل» التي راتها في الكوفيين. واذا ما تحدثت‏في الكوفة وسط مناخ من الندم الذي عرا الكوفيين تحدثت في دمشق في ظل مناخ من‏الصلف والتجبر والكبرياء عند يزيد لا لتوثر عليه وتحوله عن موقفه، ولكن لتقول كلمتهابشجاعة، وتعلن انتصار آل البيت عليه: «اظننت يا يزيد حيث اخذت علينا اقطار الارض‏وآفاق السماء، فاصبحنا نساق كما تساق الاسارى، ان بنا على اللّه هوانا وبك عليه كرامة،وان ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بانفك ونظرت في عطفك جذلان مسرورا، حيث‏رايت الدنيا لك مستوثقة والامور متسقة وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلا مهل».ظنه في غير محله، وذلك لسوء فهمه لحقائق الامور واسرارها.

ويزيد هو من ارتكب جريمة كربلاء النكراء بكل ابعادها في نظر السيدة(ع) مستبعدة‏الكوفيين عن دائرة الضوء هذه المرة: «نكثت القرحة واستاصلت الشافة باراقتك دماء ذرية‏محمد(ص) ونجوم الارض من آل عبد المطلب» مضيفة الاراقة الى ضمير المخاطب‏يزيد، معدية المصدر المضاف الى «دماء ذرية محمد(ص») قصد الاشارة الى ان استئصال‏الشافة المحمدية الاسلامية مستهدف من قبل يزيد من خلال تلك الاراقة. وتغييب‏الكوفيين ليس تبرئة لهم، ولكنه بسبب التركيز على الاهداف الاساسية التي اريقت الدماءالزكية لاجلها، وهي استئصال شافة لطالما حقد عليها الامويون ومنهم يزيد سواء اتعلق‏الامر بشقها النبوي الاسلامي ام بشقها الهاشمي العائلي.

وتحمله مسوولية اخرى: «وسوقك بنات رسول اللّه سبايا قد هتكت ستورهن، وابديت‏وجوههن، تحدو بهن الاعداء من بلد الى بلد، ويستشرفن اهل المناهل والمناقل، ويتصفح‏وجوههن القريب والبعيد والدني والشريف، ليس معهن من رجالهن ولا من حماتهن‏حمي» مشيرة الى جريمة اضافية تكاد توازي جريمة اراقة الدماء بحجمها. كيف لا،وبنات رسول اللّه(ص) يسبين؟.

ولا يعني ذلك نصرا ليزيد. فروية السيدة(ع) للنتائج ليست كما يتصور هو، واجهته قائلة:«كد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فواللّه لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولاتدرك امدنا، ولا ترحض عنك عاره». فاذا بها تحدد اهداف يزيد من واقعة كربلاء بقدرما تعلن فشله وانتصار المقتول على القاتل.

فالامور التي تقض مضجعه: ذكر آل البيت،والوحي الذي نزل في ابياتهم، وكرامتهم عند اللّه، والتي استهدفها بقتل الحسين(ع)، لم‏يفشل في تحقيقها فحسب، ولكنه ابتلي بعار لا يستطيع غسله مهما فعل ايضا.

ولا تقف السيدة(ع) عند هذا الحد، ولكنها تستمر في توهين امر عدوها: «وهل رايك الافند، وايامك الا عدد، وجمعك الا بدد؟» واضعة كل انجازاته على مرآة الموت الذي‏سيجرده منها جميعا فيبدو سلطانه علامة وهن خصوصا وانه لا يقوم على مرضاة اللّه. واذاما اطمانت الى انها قد ارته انتصاره فشلا، اعلنت انتصارها عليه: «الحمد للّه رب العالمين‏الذي ختم لاولنا بالسعادة والمغفرة، ولاخرنا بالشهادة والرحمة».

حيث يومى‏ء «حمداللّه» الى اعلى درجات الثقة بالنفس.

فالشهادة والرحمة مثار للعزة والفخار قبالة من يتمنى‏الشلل والبكم لكي لا يكون قد قال ما قال وفعل ما فعل.

يبقى ان خطباء آل البيت قد راوا الواقعة والكوفيين ويزيد على مرآة الاسلام بشكل عام. ولايعني ذلك انهم قدموا صورة واحدة عما تناولوه بحديثهم. فلكل خطيب منهم موقعه‏الديني والقيادي الذي اعط‏ى رويته خصوصية تميزها عن روية سواه.

واذا تراءى الحدث كما رايناه عند خطباء آل البيت، تتحدد معالمه على ضوء الخطيب مرة:زين العابدين او السيدة زينب او السيدة فاطمة الصغرى، او ام كلثوم عليهم السلام، وعلى‏ضوء المخاطب مرة اخرى: الكوفيين او يزيد. فكيف سيتراءى عند التوابين؟ وما هي الامورالاخرى التي استرعت انتباههم؟.

حاول المسيب بن نجبة الفزاري ان يرسم صورة للكوفيين في اثناء اجتماع التوابين للتداول‏في امر الثار للحسين(ع): «كنا مغرمين بتزكية النفس، وتقريظ شيعتنا، حتى بلا اللّه اخيارنا،فوجدنا كاذبين في موطنين من مواطن ابن ابنة نبينا(ص). وقد بلغتنا كتبه، وقدمت علينارسله، واعذر الينا يسالنا نصره عودا وبدءا، وعلانية وسرا فبخلنا بانفسنا، حتى قتل الى‏جانبنا، لا نحن نصرناه بايدينا، ولا جادلنا عنه بالسنتنا، ولا قويناه باموالنا، ولا طلبنا له‏النصرة الى عشائرن». عدى الخطيب فعل (غرام الكوفيين) الى امرين بواسطة حرف‏الجر الباء: (تزكية النفس) و(تقريظ شيعتهم). يعني ان اقبالهم على هذين الامرين قد تعدى‏حدود العلاقة العادية ليصبح شغلهم الشاغل وموضع اهتمامهم، لانه قد تجاوز دائرة‏الاقتناع الى دائرة الميل النفسي. فهل ستعط‏ي هذه العلاقة اكلها؟ وهل وصلوا بتزكية انفسهم‏درجة بيعها للّه؟ وهل بلغ بهم تقريظهم لشيعتهم درجة الشهادة؟ يدل الذي حصل على‏فشلهم ازاء التجربة. وفي محاولة منه لمحاسبة النفس قال: «وبلغتنا كتبه وقدمت علينارسله، واعذر الينا يسالنا نصره». واول ما يلفت انتباهنا في هذا الكلام ان المسيب قدذكر كتب الامام اليهم ولم يذكر كتبهم اليه ووعدهم اياه بالنصرة. يحمل نفسه المسوولية‏بحدود التزامه بالتشيع، فيكون التقصير، من وجهة نظره، محصورا بعدم نصرهم اياه‏بايديهم، ومجادلتهم عنه بالسنتهم، وتقويتهم اياه باموالهم وعشائرهم، اي بعدم امدادهم‏اياه باي شكل من اشكال الدعم او العون. واذا اراد ان يسمي حقيقة هذا الموقف استخدم‏كلمتي(الكذب) و(البخل).

ولئن المحت الكلمة الاولى الى الغدر، فانها لم تسمه باسمه‏وابقته احتمالا غير موكد. ولا تشكل الكلمة الثانية توغلا اشد في القساوة من (الكذب).فهي وان احتملت الخذل في تضاعيفها الا انها لا تحتمل المعاني التي اطلقتها السيدة‏زينب(ع) على الكوفيين: الختل والغدر والمخادعة.

يعني ان المسيب لم يستطع ان يصل‏بنفسه وبالكوفيين الى الصورة التي قدمها آل البيت(ع) عنهم. فهي صورة مخففة للخطاتحمل في طياتها دعوة الى النهوض والثار.

اما سليمان بن صرد الخزاعي فيقول: «انا كنا نمد اعناقنا الى قدوم آل نبينا، ونمنيهم بالنصر،ونحثهم على القدوم، فلما قدموا ونينا وعجزنا وادهنا وتربصنا وانتظرنا ما يكون حتى قتل‏فينا... اذ جعل يستصرخ النصف فلا يعطاه... الا انهضوا فقد سخط ربكم... واللّه ما اظنه‏راضيا دون ان تناجزوا من قتله او تبيرو». انه يشير الى مسالة اغفلها المسيب، وهي‏حقيقة دعوتهم الحسين(ع) للقدوم. ان يمدوا اعناقهم الى قدوم آل نبيهم كناية عن شوقهم‏الشديد اليهم وتمسكهم القوي بهم.

وهذا ما ادى الى ان منوهم بالنصر وحثوهم على‏القدوم الى الكوفة. وحين يواجه سليمان بن صرد اخوانه الكوفيين بهذه المعلومات فانه لايقدم لهم معلومات يجهلونها، ولكنه يريد النفاذ من خلال كلامه هذا الى الاعتراف،باسمهم، بالخطا الكبير، خصوصا وانه يلجا الى الحجة، يعرض القول ثم يقارنه بالفعل «فلماقدموا ونين»، لكي لا يكون ثمة مجال للنقاش.

حتى لكانه يقول: افحمنا الحدث ولا نملك‏ما ندافع به عن انفسنا، نفاذا من كل ذلك الى تقريع الانفس وحثها على الجهاد. ولكن بم‏وصف هذا الخطا؟: «ونينا وعجزنا، وادهنا، وتربصنا وانتظرنا ما يكون». حيث نجد كلمتين‏مترادفتين تقريبا في البداية: (ونينا) و(عجزنا) وهما لا تدلان على ان التقصير قد جرى‏بسبب الوني والعجز الموجودين، ولكنهما تدلان على ان الكوفيين قد اصطنعوهمااصطناعا. وهذا ما ينفي العذر عن التقصير.

ونجد كلمتين اخريين مترادفتين تقريبا: (تربصنا) و(انتظرنا) وهما تشيران الى الحيادية التي‏اصطنعها الكوفيون حيال الحدث طلبا لحفظ رووسهم. وتتوسط الكلمات الاربع‏كلمة(ادهنا) التي تختزن الخبث الذي يتدخل في توجيه دلالة تلك الكلمات ودفعها تجاه‏مزيد من السلبية ملمحة الى الختل والغدر والمخادعة وان لم تسم هذه المعاني باسمائها.وسليمان بن صرد وان تقدم المسيب في اتهام نفسه واتهام الكوفيين الا انه لم يصل الى ماوجهه اليهم آل البيت(ع).

حاول الكوفيون ان يقدموا صورة مخففة نسبيا عن خطاهم وان راوا انهم قد اقترفوا «الذنب‏العظيم» مستقلين قتل النفس في سبيل الخروج منه لو كان قتل النفس محللا.

وحاول التوابون مراقبة ما جرى، على ضوء الاسلام، فراى عبيداللّه بن عبداللّه ان الذين‏ارتكبوا القتل «لم يراقبوا فيه ربهم ولا قرابته من الرسول». ولم يحمل مسوولية هذاالسلوك غير الاسلامي للامويين وحدهم، لان «اللّه لم يجعل لقاتله حجه، ولا لخاذله‏عذر» مفرقا بين القاتل والخاذل محملا كلا منهما ما يجب ان يتحمله. وتضيق هذه‏المسافة عند رفاعة بن شداد عندما يسمي موقف الكوفيين ازاء الحدث(الذنب العظيم).ولا توضح هذه التسمية عمق العلاقة التي تربط الحسين باللّه وقوتها فحسب، ولكنها تقدم‏الحدث جريمة تفوق كل تصور، وتقدم الكوفيين طرداء اللّه على ارضه فكيف يكون الامربمقترفها من الامويين. ويترك سليمان بن صرد الباب مفتوحا على غير احتمال: «الا انهضوافقد سخط اللّه... واللّه ما اظنه راضيا دون ان تناجزوا من قتله او تبيرو». ولئن اختزن هذاالكلام بعدا تحريضيا تثويريا يتوخى دفع الكوفيين الى القتال ثارا للحسين(ع) الا ان اسنادالفعل (سخط) الى (اللّه) دون تعديته الى موضوع ذلك السخطيضع الكوفيين على قدم‏المساواة مع الامويين في موقف اللّه منهما. وهذه المساواة عامل تثوير يضع التوابين امام‏تحدي تمييز الذات عن الامويين وتحدي دفع سخط اللّه عنهم خصوصا وان (قد) التي‏تلعب دورا تحقيقيا للفعل رسخت ذلك السخط في اذهانهم.

وميز التوابون انفسهم عن قتلة آل البيت. ويعني هذا التمييز نظرة محددة الى القتلة، فماهي؟ استخدم التوابون في وصف يزيد وابن زياد والموالين لهما الفاظا عديدة اهمها:المحلون، والمارقون، والفاسقون، والقاسطون. وتحدد هذه الالفاظ موقع هولاء القوم من‏الدين اما تجاوزا لحدوده، واما عصيانا لامر اللّه، واما جورا عن خط العدالة المستقيم. وهي‏كلمات لا تقفل الباب تماما امام هولاء القوم، بل تبقي خيط امل، ولو كان دقيقا جدا،يربطهم بالدين. فهل كان هذا حقيقة راي الكوفيين بيزيد ورجاله؟ عندما سمى عبيداللّه بين‏عبداللّه قتالهم جهادا في قوله: «انا ندعوكم... الى جهاد المحلين والمارقين»، انما اسبغ‏على ذلك القتال صفة القداسة التي ستسبغ بدورها بعدا عدائيا للاسلام على المحلين‏المارقين. ولا يعني استخدام المسيب بن نجبة كلمة (قاتل) في وصفهم تخفيفا عنهم: «وقدقتل فينا ولده وحبيبه وذريته ونسله، لا واللّه، لا عذر دون ان تقتلوا قاتله والموالين عليه...فعسى ربنا ان يرضى عنا عند ذلك»، لانه وان تبادر الى الذهن بان هذه التسمية تسمية‏حيادية موضوعية، الا انها سرعان ما تستخلص حقيقتها الدلالية من مختلف اجزاء التركيب.وقوله: «فعسى ربنا ان يرضى عن» انما يقدمهم مذنبين ذلك الذنب الذي قد يكون خارج‏دائرة الذنوب التي يغتفرها اللّه. وحين يربط امكانية الغفران بقتل قاتل الحسين(ع) انما يعودليضي‏ء كلمة(قاتل) التي تبدت لاول وهلة مخففة. فاذا كان قتل القاتل قد لا يرضي اللّهتعالى ولا يشكل كفارة عما اقترفه الكوفيون وهو دون القتل، فما هي وضعية القاتل عنداللّه؟ انها وضعية غير قابلة للتصور تذهب بالخيال كل مذهب.

بات التوابون اسيري عقدة الذنب اذا، فباي اتجاه سيندفعون؟ وهل سينصب سخطهم على‏الدنيا وعلى التمسك باهدابها؟ هل سيتخذون قرار الموت؟ بادر المسيب بن نجبة الى رسم‏الطريق الذي يجب ان يسلكه التوابون: «لا واللّه لا عذر دون ان تقتلوا قاتله والموالين عليه،او تقتلوا في طلب ذلك». انها الدعوة الى الجهاد يعلنها الخطيب دون ان يكون مهتمابابعادها السياسية. كل ما في الامر ان احساسا بغضب اللّه قد انتابهم، وعليهم ان يحاولواكسب مرضاته «فعسى ربنا يرضى عن». واذا تطلب الجهاد قائدا طلب المسيب: «ايها القوم‏ولوا عليكم رجلا منكم» محددا الاولويات المطلوبة: الجهاد وقائد مسيرة ذلك الجهاد.

وكان ان امروا سليمان بن صرد الذي اتخذ قرار الموت: «الا انهضوا فقد سخط ربكم، لاترجعوا الى الحلائل والابناء حتى يرضى اللّه، واللّه ما اظنه راضيا دون ان تناجزوا من قتله‏او تبيرو». والذي يلفت الانتباه في هذا الكلام ان القائد قد وضع قرار الموت في موقع‏ضدي مع الدنيا: «لا ترجعوا الى الحلائل والابناء حتى يرضى اللّه» ولن يرضى الا «ان‏تناجزوا من قتله او تبيرو». ويشكل الانتصار على الدنيا انتقاما منها، لانها حالت بينهم وبين‏نصرة ابن بنت نبيهم(ص). وتاتي استجابة خالد بن سعيد بن نفيل نموذجية على هذا القرار:«ان كل ما اصبحت املكه، سوى سلاحي الذي اقاتل به عدوي، صدقة على المسلمين‏اقويهم به على قتال القاسطين».

وتحويل كل ما يملكه، سوى سلاحه، الى صدقة يعني‏قطع كل صلة له بالدنيا، واندفاعة لا هوادة فيها تجاه الموت، حتى لكان الدنيا منافية لمرضاة‏اللّه. ولعل من رسم الطريق بهدوء وقدمه هادفا يرمى الى تحقيق الاهداف التي استشهددونها الحسين(ع) هو عبيداللّه بن عبداللّه: «انا ندعوكم... الى جهاد المحلين والمارقين، فان‏قتلنا فما عند اللّه خير للابرار، وان ظهرنا رددنا هذا الامر الى اهل بيت نبين». لم تعدالقضية عنده ردا عفويا ينحو منحى ثاريا، صارت مشروعا سياسيا.

والذي جعل روية‏عبيداللّه اكثر وضوحا هو انه لم يكن كوفيا.

كان الكوفيون مغرمين بتزكية انفسهم، وتقريظ‏شيعتهم حتى بلا اللّه اخيارهم، فكانت النتيجة تخاذلا سبب لهم عقدة ذنب لم يعرفهاالشيعة من غير الكوفيين. ففي المدائن كانوا «مجمعين مزمعين على نصر الحسين... واللّهمثيب «هم‏» على حسن النية». عاش الكوفيون اذا ازمة عقدة الذنب التي لم يعشهاالشيعة الاخرون، وكانوا قادرين على وعي الابعاد السياسية لعملهم الجهادي.

ومهما يكن من امر، فان خطابة آل البيت قد فعلت فعلها ونجحت في تسعير عقدة الذنب‏الكوفية وتحويلها الى فعل جهادي. فانتقلوا من خاذلين متخاذلين الى توابين عازفين عن‏الدنيا مقبلين على الموت. واستطاعت خطابتهم في الشام ان تنغص على يزيد نشوة‏انتصاره وان تحوله الى اسير جريمته.

ولم يقل دور خطابة التوابين نجاحا عن خطابة آل البيت. فقد استطاعوا ان ينتصروا على‏ذواتهم وعلى الدنيا وان يتخذوا القرار الصعب، قرار الموت او قتل القتلة.

ب- اللغة الخطابية بين آل البيت والتوابين اكتشف الرماني، ومنذ القرن الرابع للهجرة، الامكانات التي يختزنها التركيب فقال: «ان دلالة‏الاسماء والصفات «اي الكلمات‏» متناهية، اما دلالة التاليف فلا نهاية له»، محددا من‏خلال هذا الفهم كيف تكون الكتابة ناجحة تتصف بالابداع، وكيف لا تكون. ان لا نهائية‏الدلالة التي يقدمها التاليف تضعنا امام امكانية مفتوحة لانتاج ابكار الدلالات وتوجب عليناالا نكرر ما قلناه، او ما قاله سوانا. فالمتسع الذي تتيحه آلية التركيب متوفر للجميع، خصوصااذا ادركنا ان تعديل وضعية كلمات التركيب نفسه تقديما او تاخيرا، تعريفا او تنكيرا يجر الى‏تعديل واضح ودقيق في الدلالة. واذا اضفنا الى هذا الامر ان مفردات اللغة التي تشكل‏بطبيعتها عناوين شديدة العمومية لاشياء الوجود وهي في موقع ضدي مع حاجاتناالتعبيرية حيث كل شي‏ء نسبي وشديد الخصوصية. لمسنا بدقة البعد الابداعي في الكتابة.فالانسان الذي يواجه امور الحياة وقضاياها بشكل حيادي غير موجود. تتم قراءاتنا للحدث‏او لاشياء العالم من خلال شبكة معقدة، لعل اهم امرين فيها هما: الثقافة والموقف، وقلمانرى الوجود من خارج هذين العاملين. فالثقافة هي كل ما حصله الانسان من المعرفة‏وتقنياتها وادواتها، والموقف هو تلك القناعات التي ترسخت في نفسه بناء على ثقافته‏الخاصة ومنطقه الخاص. وحين يكون الامر على هذه الشاكلة لا بد من ان يرى كل منا ابعاداخاصة من الحدث او من اشياء الوجود لا يستطيع الاخرون ان يروها. يعني ان «تنتمي اشياءالوجود عنده الى عالمه الخاص وتستقي منه دلالاته». وتكمن قدرة المبدع في‏استخدام اللغة استخداما يمكنه من تقديم تلك الابعاد الخاصة التي رآها. واللغة، بدلالة‏مفرداتها، وبناء على ذلك، حركة مستمرة لا تعرف الانقطاع، وهي موازية لحركة الانسان‏ونموه النفسي والخلقي والاجتماعي والاقتصادي والمعرفي. يعني انها مرتبطة بقدرتنا على‏اكتشاف ابعاد جديدة لاشياء العالم. حيث نجد الكلمات (العناوين) غير قادرة على التعبيرعن خصوصية ما رايناه ولا بد من ان نلجا الى ما اوجدته اللغة نفسها لتعويض هذا القصور.عنيت بذلك الاستعارة والتشبيه والمبالغة والطباق وغير ذلك.

ونحن في كربلاء امام حدث فريد له خصوصيته الواضحة بكل جزئياته وعناصره البشرية‏والنفسية والسياسية والدينية. فهل استطاع الخطباء من آل البيت والتوابين، ان يعبروا عن‏هذه الخصوصية؟ وهل كانت تسميتهم لمختلف عناصر هذا الحدث منتمية الى ثقافتهم‏وموقفهم، والى خصوصية ذلك الحديث؟.

1- لغة آل البيت الخطابية كان لخطابة آل البيت معجم خاص بها. استقطب المفردات اللغوية المتعلقة بخصوصية‏واقعة كربلاء من جهة وبخصوصية الاطراف المرتبطة بهذا الحدث سلبا-، ام‏ايجابا- من جهة اخرى، فكان معجما دالا على مدى الابداع الذي يتمتع به هولاءالخطباء. فهل سيكون التركيب اللغوي موازيا لذلك المعجم من الناحية الابداعية؟.

من يتصفح النصوص الخطابية التي تحدث بها آل البيت، بعيد الواقعة، يجد نفسه امام لغة‏خاصة لها مقوماتها سواء اتعلق الامر باستنطاقهم المشاهد للتعبير عن مشاهداتهم، ام باعادة‏شحن الكلمات بدلالات جديدة خاصة، ام بتحميلها مهمة التعبير عن نظرتين متناقضتين: اولا: استنطاق المشاهد: حاول هولاء الخطباء من خلال تقديم بعض المشاهد ان ينفذوا الى التعبير عن نظرتهم الى‏بعض عناصر الحدث الكربلائي: خاطبت السيدة زينب(ع) الكوفيين قائلة: «لقد جئتم شيئاادا، تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هد» فلم تكتف بوصف‏عملهم بالشي‏ء الاد (الفظيع)، لان ذلك يدرجه من بين امور فظيعة كثيرة. وتسمية الحدث‏بهذه الطريقة هي مجرد تقديم عنوان عام لا يضعنا امام حرارة التفاصيل او خصوصية ماجرى. وياتي الفعل الناقص (تكاد) لتجعلنا المقاربة التي ينطوي عليها نترقب مقدار فظاعة‏ذلك الحدث من خلال الخطورة التي كان يمكن ان نواجهها لو ان تلك الفظاعة كانت اكثرمن ذلك بقليل. فالمسالة غير قابلة للحصر او التقدير، لان تفطر السماء وانشقاق الارض‏وانهداد الجبال ليست من الامور التي يصادفها الجيل او مما يحدث كل عدة اجيال. انهاغضب اللّه الكبير الذي ارادت الخطيبة ان ترينا على مرآته صورة كل من الكوفيين ويزيدالتي راتها لهم. ولا يقدم هذا المشهد صورة من غضب اللّه عليهم فحسب، ولكنه يقدم‏صورة من غضب اللّه لاجلهم ايضا. تلك الصورة التي تقارب صورة الانبياء، الذين اباد اللّهلاجلهم الامم والقرون الخالية.

وتقف بنا السيدة(ع) امام مشهد آخر، وان كان عند يزيد هذه المرة: «فهذه الايدي تنطف من‏دمائنا، والافواه تتحلب من لحومن». يحمل المجاز المرسل، في التركيبين: الاول‏والثاني، يزيد المسوولية الكاملة عما حدث لال البيت في كربلاء. والتركيبان تجاوزا العلاقة‏السببية ليقدما لوحة ناطقة ببشاعة ما اقدم عليه يزيد. فهما كنايتان: تشير الاولى منهما الى‏كثرة ما اريق من دماء آل البيت، وتبدل الثانية هوية الامويين الموضوعية بهوية فنية موحية‏هي هوية الكواسر.

وتتعاون هاتان الكنايتان مع المجاز المرسل لتقدم صورة مجزرة رهيبة،وجزارا من طراز فريد.

لعبت المشاهد التي رسمها الخطباء وظيفة بالغة الاهمية في خطابتهم، لانها استطاعت ان‏تقدم لنا خصوصية بعض العناصر الكربلائية التي لا تستطيع اللغة العادية ان تسميها لنا،سواء اتعلق الامر بوضعية الكوفيين على ضوء غضب اللّه، ام بوضعية يزيد على ضوءالايدي التي تنطف دماء والافواه التي تتحلب من لحوم آل البيت.

ثانيا: اعادة شحن الكلمات: هل نجح آل البيت في شحن الكلمات التي استخدموها في خطابتهم بدلالات جديدة‏تعطيها ابعادا خاصة بهم وبواقعة الطف. وصفت السيدة(ع) الكوفيين قائلة: «ملق الاماء،وغمز الاعداء». تستدعي كلمة (اماء) نقيضها (الحرائر)، لان الاضافة (ملق الاماء) اشارة‏الى علاقة الامة بسيدها وولي نعمتها. فاذا تاسست علاقة الحرائر بالازواج على قاعدة‏الاعتزاز بالانتماء والتكافو الاجتماعي، تاسست علاقة الاماء باسيادهن على قاعدة الذلة‏والاحساس بالدونية. يضاف الى ذلك ان الملق قائم على الافتعال لا على العفوية‏والاستجابة الطبيعية. ويرتب كل ذلك دلالة قائمة على المكر والختل والمخادعة. واذاعرفنا ان السيدة(ع) تصف رجالا بهذا النوع من الملق، ادركنا الوضعية السيئة التي قدمهم‏التركيب من خلالها، خصوصا اذا نظرنا اليها على ضوء الحديث الشريف: «ليس من خلق‏المومن الملق».

اما كلمة(غمز)، فانها تشكل اشارتين في ايماءة واحدة: الاولى الى اعوجاج الاخر وخطاه،والثانية الى ترفع الغامز وتعاليه عن الخوض بالمغمز. وفي الحالين ايلام للاخر واثارة لنقمته،واذا اقترنت هذه الكلمة بالملق بواسطة حرف العطف، تبادلت معها الاضاءة والاستضاءة،وتزاوجت دلالتاهما، فتبدت شخصية الكوفيين شخصية غريبة يصعب التعامل معها حتى‏لكانها الرمال المتحركة يستدرج الحسين(ع) الى الخوض فيها. ومما يجدر ذكره ان وضعية‏الكوفيين التي قدمتها لغة السيدة زينب(ع) من خلال هذين التركيبين هي وضعية خاصة بهم‏وفي تجربة محددة. وهي لا تعني مختلف اجيال الكوفيين ولا اية جماعة كوفية ممن لاعلاقة لهم بما جرى في كربلاء، انها تخص اولئك الذين راسلوا الحسين(ع) ودعوه ثم‏خذلوه وقاتلوه. يعني ان كلمات النص (ملقراماءرغمزراعداء) بما ادته من دور وبما حملهااياه التركيب من دلالة قد باتت منتمية الى هذا النص دون سواه.

ويتكيف الفعل(رحض) مع خصوصية الذنب الكوفي في كلام السيدة نفسها(ع): «ابليتم‏بعارها، ومنيتم بشنارها، ولن ترحضوها ابدا، وانى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن‏الرسالة». لقد اسندته الى الكوفيين وعدته الى الجريمة التي اقترفوها، فاعطت الذنب‏هوية الوسخ، والتخلص منه هوية الاغتسال. ويشكل الاغتسال تعبيرا اكيدا عن الرغبة في‏التخلص من الوسخ. وهو عملية سهلة يمارسها جميع الناس، ولانها كذلك استعارتهاالسيدة(ع) للتعبير عن رغبة الكوفيين في التخلص من الذنب، ولتضعهم بين ما يتمنون(سهولة التخلص) ويفكرون به(الرحض)، وبين استحالة تحقيقه (انى ترحضون؟).فالاستفهام الانكاري المتلبس بهذه الاستعارة تعدى الانكار الى الاستحالة، لان ما يرغبون‏رحضه غير قابل للرحض(قتل سليل خاتم النبوة). ولقد سبق هذا الاستفهام الانكاري نفي‏لهذا الفعل (لن ترحضوها) بعد توضيح لهوية ما يراد غسله (ابليتم بعارها ومنيتم بشنارها).فلا يكمن هذا الوسخ فوق جلود الكوفيين ولكنه يمازج ارواحهم حتى صار ميسما لهاوعلامة تعرف بها وجزءا من هويتها. وهذا ما جعل الفعل(رحض) محملا بالقلق الذي انتاب‏الكوفيين ازاء ذنبهم والغصة التي يتجرعون حرقها وعقدة الذنب التي حولت حياتهم مرارة‏وجحيما. كيف لا؟ وهي لم تكتف باضافة كلمة(قتل) الى (سليل خاتم النبوة ومعدن‏الرسالة) فحسب، ولكنها اضافتها الى كل الاسماء التي تعبر عن الحسين(ع). فهو سيدشباب اهل الجنة، وملاذ حربهم، ومعاذ حزبهم، ومقر سلمهم، واسى كلمهم، ومفزغ‏نازلتهم، والمرجع اليه عند مقاتلتهم، ومدرة حججهم، ومنار محجتهم. وبقدر ما تتراكم هذه‏الصفات النوعية معبرة عن حقيقة الحسين(ع) المقدسة يشحن هذا الفعل بمعاني الصعوبة‏ والاستحالة. حتى نشعر كانه يستعمل لاول مرة في اللغة العربية.

وتاخذ كلمة(مدرة) مثل هذا البعد في وصف الامام الحسين(ع) «مدرة حججكم». لان‏اضافة(مدرة) الى (حججكم) انما ابدلت الهوية الموضوعية بهوية فنية هي هوية المدراي(الطين). ولم يجر هذا الابدال بشكل عبثي ولكن وظف توظيفا دلاليا محكما. فمدرالحوض يجعله محكما ويمنع تسرب الماء منه، وكذلك الحجة الماخوذة من مدرة الامام‏الحسين(ع) حجة قائمة على الاحكام والدقة. وتضي‏ء الحجة المدرة مثل ما اضاءتها. فلاتحتفظ المدرة بهويتها الموضوعية بل تستبدلها بهوية فنية هي علوم الحسين(ع) ومعارفه‏التي تكسبها المدرة صفة الاتساع والعمق وعدم النفاد.

ولا تسمي زينب(ع) الحسين(ع) «مدرة حجج» الناس الا لانها مقتنعة بانه وريث علم‏الرسول(ص). فهي تسمية شديدة الخصوصية اكسبت كلمة(مدرة) دلالة خاصة لا نجدهالها خارج هذا النص، خصوصا اذا ادركنا دور الحجة الكبير في الجدل الذي كان دائرا في‏حياة المسلمين الدينية والسياسية في تلك الحقبة.

وتتصف كلمة (لتودن) التي وجهتها السيدة زينب(ع) الى يزيد بمثل هذه الخصوصية، قالت‏له: «فلتردن وشيك» موردهم ولتودن انك شللت وبكمت، ولم تكن قلت ما قلت وفعلت مافعلت»، معدية الفعل(لتودن) الى مفعولين هما: اسم ان وخبرها وحين يتعدى هذاالفعل الى الفعلين الواقعين في محل نصب مفعول به ثان (شللت) و(بكمت). انما يحيلهمامن دلالتهما السلبية المخيفة (الشلل والبكم) الى دلالة محببة ايجابية. وحين يصير الشلل‏والبكم امرين مرغوبين يعني اننا امام قول وفعل ليزيد ينطويان على ذنب لا يمكننا تصورحجمه.

ويعود كل ذلك ليضي‏ء الفعل (لتودن) اضاءة جديدة، فلا يبقى قائما على الراحة‏النفسية، بل ينتفي منه كل بعد ايجابي. ان يود المرء ما لا يود يعني ان الوداد قد دخل مناخامرضيا يقدم يزيد في اقصى درجات الوهن والضعف.

ويدخل، في هذا السياق، موقف السيدة زينب(ع) من «مخاطبة» يزيد: «لئن جرت علي‏الدواهي مخاطبتك. اني لاستصغر قدرك واستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك».تنتمي كلمة (مخاطبتك) في هذا النص الى خصوصية الموقف النفسي الزينبي من يزيد،فاسناد الفعل (جرت) الى (الدواهي) وتعديته الى (مخاطبتك)، انما يقدم تلك المخاطبة‏مخاطبة خاصة لا يمكن ان نجدها خارج هذا التركيب، لان ارتباط المخاطبة بالدواهي‏جعلها مخاطبة بالغة الصعوبة حتى لتكاد تساوي ما تخشاه السيدة(ع) وهي لا تخشى‏الموت. والسبب في ذلك ان السيدة تستصغر قدر يزيد وتستعظم تقريعه وتستكثر توبيخه.وهذا ما يجعلنا نحس وكاننا نسمع هذه الكلمة لاول مرة.

يتبين مما تقدم ان آل البيت، ومن موقع البداهة التي واجهوا بها الحدث الكربلائي، كانوامخلصين للكلمة، بقدر اخلاصهم لانفسهم ولدينهم فجاءت مخلصة مما حملته اياهاالتجربة الابداعية قبلهم ليعاد شحنها بما يتناسب وثقافتهم وموقفهم ورويتهم.

ثالثا: كلمات اللغة امام دلالتين متناقضتين: تشير نصوص آل البيت الخطابية الى وجود لغتين: لغتهم، ولغة الاخرين. ويتجلى هذا الامرمن خلال المفردات التي وضعتها هذه النصوص امام رويتين متناقضتين. حيث ينشق‏الفعل(ابتلى) في كلام فاطمة الصغرى(ع): «انا اهل بيت ابتلانا اللّه بكم وابتلاكم بنا فجعل‏بلاءنا حسن» الى بعدين دلاليين مختلفين من خلال تعديته الى آل البيت في مواجهة‏الكوفيين مرة، وتعديته الى الكوفيين في مواجهة آل البيت مرة اخرى. حتى لنحس ان جدلايدور داخل دلالة هذا الفعل. انه امتحان الطرفين. ولكن شتان ما بين مضموني الامتحانين.ابتدات السيدة فاطمة من الفعل نفسه (ابتلى)، لتبرهن على ان لغة آل البيت مناقضة للغة‏الكوفيين، موكدة ان التمايز اللغوي قائم على تمايز نفسي وعقائدي يضعنا امام‏جدل(المنصور/النصير) و(المقدم/الخاذل) و(الخاسر/الرابح) و(المنتصر/المهزوم)، نواجه‏سلمين للقيم يستدعي كل واحد لغته الخاصة به.

ونجد هذه الحقيقة عند زين العابدين(ع): «انا ابن من انتهك حريمه، وسلب نعيمه، وانتهب‏ماله، وسبى عياله، انا ابن من قتل صبرا، فكفى بذلك فخر»، حيث عدل الافتخار دلالة‏الافعال السلبية بابعاد دلالية ايجابية. والذي ادى الى هذا التعديل نظرته المختلفة الى‏الافعال التي رآها وقد اكسبت آل البيت اجرا متناسبا بسموه عكسيا مع مقدار بشاعتها.حولها الاجر الى موضع فخر الامام(ع) على عكس ما يراه يزيد برويته ولغته. وتتجلى قدرة‏روية الامام على تحويل دلالة الكلمات الى اضدادها في قوله: «خدعتموه واعطيتموه من‏انفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه وخذلتموه». فلو وجد التركيب (اعطيتموه)مع ما تعدى اليه من مفاعيل منفردا لادى دلالة ايجابية. اما وقد عطف على (خدعتموه)،واسند مثله الى الفاعل نفسه (اهل الكوفة) وتعدى مثله الى المفعول نفسه الامام‏الحسين(ع)، صار امتدادا للخديعة متلبسا السلبية متخليا عن كل بعد ايجابي.

وكذلك الفعلان: (قرت) و(فرحت) في كلام السيدة فاطمة الصغرى(ع): «قرت بذلك‏عيونكم، وفرحت قلوبكم اجتراء منكم على اللّه»نظرت الى حالهم على ضوء مرضاة‏اللّه فوجدتها اجتراء منهم عليه، فدفع هذا الاجتراء الفعلين لكي يتخليا عن مضمونيهماالحقيقيين وما يستتبعه ذلك من راحة وطمانينة ليتحولا الى عهر نفسي يخفي ابعاداماساوية تضج بالقلق ويعصرها الحزن. وتصبح بذلك قرارة العيون وفرح القلوب حالامرضية لا دليل صحة وعافية.

وتقرا السيدة زينب(ع) جذل يزيد وسروره بلغتها قائلة: «فشمخت بانفك، ونظرت في‏عطفك جذلان مسرور» .

وهي حين تسوق ليزيد خبرا يعرفه، انما تريد النفاذ الى دلالة‏تكمن فيما وراء ذلك الخبر. ينفي الفعل(ظننت) المسبوق بهمزة الاستفهام ان يكون على‏اللّه هون بل البيت وكرامة بيزيد. وحين ينتفي الظن الذي بنى يزيد شموخه وجذله وسروره‏عليه تصبح هذه المشاعر مفرغة من مضمونها الحقيقي وتتحول الى حال مرضية تضع‏السيدة زينب في موضع الهازئة الساخرة. وهذا من اقوى المواقف التي يقفها اسير في‏مواجهة جلاده.

وتاخذ القسمة بين اللغتين ابعادا اخرى. فكما انشقت الكلمة الواحدة الى دلالتين‏مختلفتين، التقت الكلمتان المتناقضتان حول دلالة واحدة، تقول السيدة ليزيد: «لئن‏اتخذتنا مغنما لتجدنا وشيكا مغرم». فالمغنم في عين يزيد هو مغرم في عين آل البيت.والعكس بالعكس، لاننا امام رويتين متناقضتين ننظر من خلالهما الى هاتين الكلمتين اللتين‏الغيت ضدتيهما.

فالمغنم مغنم ومغرم، والمغرم مغرم ومغنم.

ونجد مثل هذا في قولها ليزيد ايضا: «ما فريت الا جلدك، ولا حززت الا لحمك»، حيث‏يكون قتل الحسين(ع) فريا لجلده وحزا للحمه في عين الدنيا، وفريا لجلد عدوه وحزا للحم‏ذلك العدو في نظر الاخرة. لقد وحدت الرويتان المتناقضتان دلالة ما تناقض من الكلمات‏كما فرقت دلالة ما ائتلف منها. ولنعد الى النصوص نجد ان كل كلمة قد انقسمت على نفسهالتجر اللغة كلها الى مثل ذلك الانقسام: النصر، الهزيمة، القتل، السبي، الانتهاك، الانتهاب،الجذل، السرور، الهوان، الكرامة، الصفاء. لكل واحدة دلالتان: واحدة تخص آل البيت‏واخرى تخص الاخرين. لقد استطاع آل البيت ان يعبروا عن نظرتهم الى الخطب الذي الم‏بهم في كربلاء بلغة تخصهم.

نطقت بثقافتهم وموقفهم وطبيعة التجربة التي خاضوها.

انهالغة شديدة الخصوصية. وفي ذلك تكمن قيمتها الفنية الراقية.

2- لغة التوابين الخطابية