التقى معجم التوابين مع معجم آل البيت
حول حقل
الدين، متدخلا مثله في توجيه دلالة سائر المفردات.
وكان
لهذا المعجم خصوصيته سواء اتعلق الامر بانتشار
كلمات
حقل القوة، وما يعنيه من تمسك باهدابها خصوصا بعد
ان
افاق الندم من رقدته ام بانتشار كلمات حقل الدنيا
التي
طالما دفعتهم الى ربقة ذلك الندم. ويدل هذا
المعجم على
امرين رئيسين: حرارة الموقف الذي استدعى الكلمات
التي
تناسبه، وعقدة الذنب التي حكمت سلوكهم ولغتهم. تلك
العقدة التي استقطبت مفردات خطابتهم حول
مناخها،فجاءت
وفق دلالة تخصهم بوصفهم جماعة ترى نفسها في صف آل
البيت، وقد دعت الحسين(ع) ثم خذلته حتى قتل مع جمع
من
اهل بيته ورجاله فاستبيحت حرمته. وهذه المفردات هي
اشبه
ما تكون بعناوين تعبر عن همومهم الاساسية في تلك
المرحلة:
(التوبة،القائد، الذات، العدو، الدنيا، الاخرة،
الحق، الجهاد،
الشهادة، الحرب، الموت) وان كنت ساقتصر من بينها
على:
الذات والتوبة والعدو لانها قادرة على اعطائنا
فكرة واضحة عن
لغة التوابين الخطابية في تلك المرحلة.
كان المطلوب، في بداية الامر، ان يعي التوابون
ذاتهم. وتجلى
هذا الوعي في حديث سليمان بن صرد: «من كان انما
اخرجته
ارادة وجه اللّه وثواب الاخرة، فذلك منا ونحن منه»
الذي
اكتشف في اثناء بحثه عن مضمون الخروج(ذات) التوابين.
فليس المهم ان يكون خروج، مع اهمية الخروج بالنسبة
الى من
تخاذل يوم الطف ولم يخرج، ولكن المهم ان تكون
ارادة وجه
اللّه وثواب الاخرة وراء ذلك الخروج. لقد وضع
الخطيب الخروج
في آلية الجدل الكبير الدائر ما بين الدنيا
والاخرة، حاسما اياه
لصالح الاخرة. ونلمح قباله(اخرجته ارادة اللّه...)
الضد (اخرجته
ارادة الدنيا...). ولا يمكننا ان نفهم ما رمى اليه
سليمان بن صرد
الا من خلال تعريضه بالدنيا مميزا من يكون من
التوابين عمن
لا يكون منهم،ونحس وراء هذه القسمة عقدة الذنب التي
اوقعتهم بها الدنيا. ويخص تعريفه هذا
للذات التوابية الكوفيين
في ذروة الندم الذي عصف بهم بعد مقتل الحسين(ع) دون
اية
مرحلة اخرى.
واذا ارادوا لذواتهم ان تكون على هذه الحال، فكيف
سيكون
سلوكهم؟ تاتي (التوبة) على راس المفردات التي تخص
ذلك
السلوك. فهل سيكون لهم توبتهم الخاصة، خصوصا
وانهم قد
استقوا اسمهم (صفتهم) منها؟ انتشرت الكلمة بشكل
لافت في
خطابتهم. واول من طالعنا بها رفاعة بن شداد في
اثناء تعقيبه
على المسيب بن نجبة: «ان اللّه هداك لاصوب القول،
ودعوت
الى ارشد الامور... دعوت الى جهاد الفاسقين، والى
التوبة من
الذنب العظيم». يدل كلامه على انه قد عنى ب (اصوب
القول) و(ارشد الامور) (جهادالفاسقين). وهو لم يعد
دعوة
المسيب الى (جهاد الفاسقين) فقط، بل عداها الى
(التوبة
من الذنب العظيم) ايضا. يعني ان التراكيب جميعها مترادفة تنطوي على حقيقة واحدة
هي(السلوك المطلوب) من الكوفيين. واذا كان(الجهاد) من خلال صيغتي افعل
التفضيل:(اصوب) و(ارشد) هو الحقيقة الكبرى الباقية في حياتهم، كانت (التوبة) هي
(جهادالفاسقين) ولا شيء
غيره.
وهذه التوبة التي تلبست بدلالة الجهاد وقرار الموت
ليست
اية توبة. انها التوبة التي لا تنفي سلوكا فحسب
ولكنها
التوبة(الكفارة). وتعط ي هذه الدلالة التوبة بعدا
شديد
الخصوصية لا يتعدى نصوص التوابين الى غيرها.
ولا تقوم هذه التوبة عند عبيداللّه بن عبداللّه على
طمانينة
المستريح الى باب اللّه يدقه ساعيا الى عفوه اذ
يقول: «فويل
للقاتل، وملامة للخاذل. ان اللّه لم يجعل لقاتله
حجة، ولالخاذله
معذرة الا ان يناصح للّه في التوبة فيجاهد القاتلين
وينابذ
القاسطين، فعسى اللّه عندذلك ان يقبل التوبة ويقيل
العثرة». صحيح انه ميز القاتل عن الخاذل، فاقفل باب
العفوفي وجه الاول وتركه مشرعا امام الثاني. الا ان
ذلك
بشروط. فلا معذرة للخاذل «الا ان يناصح للّه في
التوبة». ولا
يعني ذلك ان الامر قد هان، طالما ان باب التوبة
مفتوح. الامر
غيرذلك، اذ لم يكتف الخطيب بخصوصية التوبة التي
عرفناها
عند رفاعة (التوبة رالجهاد)و(التوبة رالكفارة)،
ولكنه امعن اكثر
فاكثر في تخصيصها: «فعسى اللّه عند ذلك ان
يقبل التوبة
ويقيل العثرة» فهذه التوبة، وان كانت نصوحا، الا
انها لا تحمل
على الطمانينة والراحة،لان(عسى) تختزن من احتمالات
الرفض بقدر ما تختزنه من احتمالات القبول.
واذا ارتنا(عسى) حجم الذنب الاحتمالي، فانها قد
ارتنا، في
الوقت نفسه، ان هذه التوبة توبة منغصة بعقدة نفسية
مرة لا
تلبث ان تكشف عن نفسها على لسان صخير: «ما لنا خيرفي
صحبة من الدنيا همته ونيته. ايها الناس: انما
اخرجتنا التوبة
من ذنبنا والطلب بدم ابن بنت نبين». اذ لا تقتصر
دلالة
(التوبة) على البعد الجهادي التكفيري الذي يقدمه
اسنادالفعل(اخرجتنا) اليها. ولكنها تكتسب من النفي
الذي
يطالعنا به هذا النص ابعادا اخرى.فالخروج للطلب بدم
ابن بنت
نبيهم سلوك مضاد لصحبة «من الدنيا همته ونيته»
وضدية الخروج المسند الى التوبة مع الدنيا يكسب
التوبة نفسها
هذه الضدية لانها فاعل الخروج.والتوبة العادية لا
تعني في اي
حال من الاحوال معاداة الدنيا. وحين تكون توبة
الكوفيين معادية للدنيا، فانها توبة خاصة بهم
تنطلق من عقدة
الذنب التي عرفناها لهم.
والتوبة المعقدة بهذا القدر المتلبسة بالجهاد
والتكفير تفترض
عدوا له خصوصيته. فما هي الدلالة التي اضفتها
خطابتهم على
كلمة(عدو).
استخدم التوابون مفردات كثيرة في تسمية ذلك العدو
فهو:
المحل، والفاسق، والقاسط،والقاتل. وتتناول هذه
الكلمات
صفات متعددة تشمل مختلف الخصائص التي
يراهاالتوابون
لقتلة الامام الحسين(ع)، وهي خصائص عامة لا تقدم لنا
العدو
الذي يتوجهون الى قتاله بلحمه ودمه والجرم الذي
ارتكبه،
ويستدعي ذلك ان نتوغل اكثر في النص
التوابي لاكتشاف
خصوصية ذلك العدو.
وصف سليمان بن صرد التوابين قائلا: «من كان انما
اخرجته
ارادة وجه اللّه وثواب الاخرة فذلك منا ونحن منه»
وهو لم
يصفهم بالاقبال على الاخرة فحسب، ولكنه
وصفهم بالعزوف
عن الدنيا ايضا: «فواللّه ما ناتي فيئا نستفيئه ولا
غنيمة نغنمها
ما خلا رضوان اللّهرب العالمين». وحين يستانف كلامه
قائلا: «وما هو الا سيوفنا في عواتقنا، ورماحنا
في اكفنا وزاد
قدر البلغة الى لقاء عدون» انما يريد ان يوحي
الينا بان هذا
العدو يتصف بصفات مضادة لصفات التوابين حتى لكانه
الدنيا
التي يجب ان يثار منها. والعدو في نظرهم كما يراه
خالد بن
سعيد بن نفيل من خلال كلامه: «ان كل ما اصبحت املكه،
سوى سلاحي الذي اقاتل به عدوي، صدقة على المسلمين
اقويهم به على قتال القاسطين». عدو ذوابعاد جديدة.
فحين سمى التوابين(المسلمين) ولم يسمهم (الشيعة)
اخرج
الصراع من دائرة الفتنة الداخلية ليعطيه ابعادا
جهادية في
مواجهة الكافرين. ويعني ان (القاسطين) لم يظلوافي
حدود
الجور داخل الدائرة الاسلامية، ولكنهم خرجوا من
الانتماء
الاسلامي الى انتماءمضاد له، لان ماله «صدقة على
المسلمين
«يقويهم » به على قتال القاسطين» اي غيرالمسلمين
بالطبع.
فهل يعني ذلك ان عدوهم قد تحدد على ضوء مشروع سياسي
يعيد السلطة الى آل البيت؟
تستفيق عقدة الذنب قوية حين يتشاور التوابون في امر
من
يتوجهون الى قتاله اولا، اهو عمربن سعد الموجود في
الكوفة
نفسها، ام عبيداللّه بن زياد؟ حيث يرى سليمان بن
صرد
اولية الخروج الى ابن مرجانة على حد تعبيره: «فسيروا الى
عدوكم على اسم اللّه» فهل يعني كلامه هذا ان ابن
زياد هو
العدو دون عمر بن سعد؟ نعم العدو في نظره هو من يعني
قتله
ثارالدم ابن بنت النبي(ص). تتحدد ابعاده الدلالية
على ضوء
مشروع التوابين الذي لا يهدف الى رد امر الخلافة
الى آل
البيت، لانهم لم يقصدوا يزيد. كما انه ليس فورة
عاطفية
تكتفي بعمر بن سعد. قتل ابن زياد يعني الثار لابن
بنت
نبيهم(ص). فهو العدو المقصود. يعني ان دلالة
كلمة(عدو)
متناسبة مع مشروعهم الثاري. وهذه خصوصية لا نراها
لهذه
الكلمة في اي نص ما خلا نصوصهم.
نستنتج مما تقدم ان للتوابين لغتهم الفنية الخاصة
بهم التي
تنتمي الى ثقافتهم وموقفهم والحدث الذي يحاورونه،
تماما
كما كان لال البيت لغتهم الفنية الخاصة بهم.
خاتمة
ومهما يكن من امر، فان النتاج الخطابي الذي نجم عن
واقعة
كربلاء، وان تغذى بلبان القرآن والحديث والنهج
فانه يتمتع
بخصوصية فنية تميزه عنها، وتشده الى المرحلة التي
نشا
فيها،والى الحدث الذي كان سببا لوجوده. وينتمي هذا
النتاج
كما النهج الى مرحلة التاسيس النثري لكلام
المسلمين على
ضوء الاسلام.
ولعل اهمية الرجال الموسسين لذلك النثر: النبي(ص)،
وعلي
وغيره من رجالات آل البيت(ع) قد ادت على نحو ما الى
نجاح
الخطابة في ان تكون اسلامية، وان تكون مختلفة عن
الخطابة
الجاهلية موضوعا ولغة فنية، بعكس الشعر الذي لم
يستطع ان
يتخلص من المثال الجاهلي الذي استمر في الوجود
بشكل من
الاشكال وبمستوى من المستويات.
وهكذا وجدنا نتاج كربلاء الخطابي اسلاميا برويته
ولغته.
استطاع ان يوسس لمنهج رويوي واضح، يرى في الاسلام
قاعدة
راسخة تتحدد على اساسها المواقف، وان قدم فهما
شفافاللتاريخ يتبين على اساسه السداد والاستقامة
والارتداد
والانحراف. واذا وقع التوابون فريسة عقدة الذنب
التي انتابتهم
فكانت رويتهم للمستقبل غائمة ترى الامور من منظار
الثاروالتكفير، استطاعت روية آل البيت، مع قرب
خطابتهم من
زمان الحدث ان تتخلص من شائبة الحزن والغيظ وهول
المفاجاة وان تكون واضحة في استيعاب الواقعة،
وادراك ابعادها
وما تحمله للمستقبل من مواسم واعدة. سموا الخلافة
حقهم،
وراوا في انتصار يزيدهزيمة، وفي قوته ضعفا، وفي
صفاء ملكه
عكرا.
ولعل خطابتهم التي عبرت عن معارك الاسلام المبكرة
مع
اعدائه الذين تلبسوا بلبوس شتى، كانت التاسيس
السليم للروية
الاسلامية المستقبلية. خصوصا وان لغة تلك
الخطابة مثلت
عناد الحق في وجه الباطل وعرت الكلمات من كل ما
تحمله
من اوهام الروية الغائمة التي رايناها عند
التوابين لتجعلها تشف
بحساسية متناهية عن صدق الموقف وحرارته.ولذلك
وجدنا
انفسنا، ونحن نواجه خطابتهم، نحس بوجود مواجهة
قاسية
بين لغتين: لغة آل البيت، ولغة الاخرين. حتى لكان
المواجهة
العسكرية التي شهدتها كربلاء قد انتقلت الى جسد
الخطاب
الكربلائي فجعلت الكلمة الواحدة تنشق على نفسها
فهي
الحقيقة وهي ضدها، كما ازالت الضدية من بين
الكلمات
المتناقضة: فالحق والباطل هما الباطل والحق.ولا يعد
ذلك
غريبا فكلام آل البيت اول حاشية على هامش ما سطره
الحسين(ع) بالدم،كيف لا، وهناك آصرة واضحة النسب
ممتدة
من وقفة السيدة(ع) في الشام، الى وقفة الحسين(ع) في
كربلاء. وهذا ما اسس لخطابة حمالة للهموم بعيدا عن
كل
مظهر من مظاهرالترف التي شهدها غيرها من الفنون
الادبية.
منتدى المنهاج
اثر الاتجاهات الفكرية والسياسية في
كتابة التاريخ الاسلامي
المنتدون: د. سهيل زكار، د. ابراهيم
بيضون،
ا. صائب
عبدالحميد
تمثل اعادة قراءة التاريخ الاسلامي وكتابته، من
دون شك،
قضية كبرى من قضايانا الثقافية،في هذه المرحلة
الحرجة من
تاريخنا المعاصر. ويفترض ان تسهم هذه الاعادة
الواعية
في تعزيز النهضة الاسلامية التي تشهدها هذه
المرحلة.
يتابع «منتدى المنهاج»، انطلاقا من هذا الفهم،
بلورة الاسئلة
التي تثيرها هذه القضية،ويطرحها على العلماء
والباحثين
المختصين، وقد اجاب عدد منهم في الاعداد
السابقة(الثاني
والثالث والرابع) عن بعض هذه الاسئلة في سياق بحث
محاور
معينة. ويقدم المنتدى، في هذا العدد، وقائع الندوة
التي عقدها
في مقر مركز الغدير للدراسات، وقدشارك فيها كل من
الدكتور
سهيل زكار، استاذ التاريخ في جامعة دمشق ونائب رئيس
اتحادالمورخين العرب، والدكتور ابراهيم بيضون،
استاذ التاريخ
الاسلامي في الجامعتين اللبنانية والاسلامية،
والاستاذ صائب
عبد الحميد، الباحث في التاريخ الاسلامي، وقدم لها
وادارهارئيس تحرير المجلة الشيخ خالد العطية، وتمت
فيها
الاجابة عن مجموعة من الاسئلة تثيرها قضية «تاثير
الاتجاهات
السياسية والفكرية في كتابة التاريخ الاسلامي».
وفي ما ياتي وقائع الندوة، بعد ان رحب رئيس التحرير
الشيخ
العطية بالمشاركين والحضور:
رئيس التحرير: منذ ما يقرب من عام طرح على بساط
البحث
في هذه الندوة موضوع:التاسيس لمنهجية جديدة في
اعادة
كتابة التاريخ، او بالاحرى اعادة قراءته، ونظرا
لما لهذاالموضوع
من اهمية ولتعدد جوانب البحث فيه رات مجلة المنهاج
ان
تتابع بحثه عبرسلسلة من الندوات واللقاءات الفكرية
مع
الاساتذة والباحثين المختصين. وها نحن
نلتقي اليوم مع ثلة
منهم في خاتمة هذه الندوات المكرسة لبحث هذا
الموضوع
لنبحث جانبا آخرمن جوانبه، ولعله الاكثر خطورة
وحساسية،
وهو: «اثر الاتجاهات الفكرية والسياسية في كتابة
التاريخ
الاسلامي».. هذه الاتجاهات التي لعبت دورها مرتين،
مرة: في
تشكيل وقائع التاريخ واحداثه، واخرى: في التاريخ
لهذه الوقائع
والاحداث.
وقبل ان ندخل بعمق في صلب هذا الموضوع، نتوجه الى
الاستاذ الدكتور سهيل زكاربالسوال عن اهم
الاتجاهات الفكرية
والسياسية التي كانت سائدة في العصر الذي تم
فيه تدوين
التاريخ الاسلامي، ليكون هذا مدخلا وتمهيدا للبحث
في تاثير
هذه الاتجاهات.
د. زكار: في الحقيقة، للاجابة عن هذا السوال نحتاج
الى تحديد
معنى التدوين. هل المعني بعصر التدوين ما تم بعد
قيام الدولة
العباسية او «القرن الثالث للهجرة»؟ او ماذا؟
رئيس التحرير: المعني بعصر التدوين العصر الذي
ابتدا فيه
جمع الحديث الشريف وتدوين السيرة النبوية ثم
انطلق التدوين
بعد ذلك في القرن الثالث الهجري.
د. زكار: يرى بعض الباحثين ان عصر التدوين بدا في
ايام
النبي(ص) في المرحلة المكية،وتطور وتوسع في المرحلة
المدنية. وقد وجد، في المرحلة المكية، من دون صحفا
خاصة من القرآن الكريم، او دون مجموعات خاصة من
الاحاديث. وايضا وجد بعض الصحابة الكرام الذين
اهتموا بجمع
الاخبار اكثر من سواهم، ووجدت لديهم صحف خاصة
فمثلا،عندما نقرا، في سيرة ابن اسحاق، قصة ايمان
عمر بن
الخطاب نجد صحيفة مدونة.
يضاف الى هذا ان تدوين القرآن الكريم واخراجه في
كتاب
واحد، في عصر الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن
عفان،
عملية تعد من اكبر العمليات التي فتحت الطريق
نحواخراج
الكتاب والتاليف والتبويب وغير ذلك.
نحن، في ايامنا هذه، يسهل علينا التعامل مع الكتاب،
واعتدنا
بحكم الميراث وباحكام كثيرة ان نجد كتابا بين
ايدينا مجلدا في
مجلد واحد وصفحاته مرقمة، في حين ان كثيرا
من الحضارات
لم تحقق ذلك حتى عصور قريبة.. وعلى سبيل المثال، لم
تعرف الديانة اليهودية الكتاب بل عرفت استخدام
المدرجات او
اللفائف، وكانوا يكتبون على وجه واحد ولايرقمون.
وكان يقع
التباس كبير في القراءة من اليمين الى اليسار، او
من اليسار الى
اليمين.بينما نحن تمكنا، ومنذ البدايات، من تجاوز
هذه
المشكلة، وقطعنا مرحلة، وتشكلت سابقة كبيرة، هي
سابقة
اخراج الكتاب، اعني القرآن الكريم، في مصحف واحد،
او مجلد
واحد.
وبالنسبة للاحاديث يروى انه وجدت مجموعات خاصة، لا
بل
لدينا اكثر من هذا، ان عدداكبيرا من الصحابة الكرام
كانت
لديهم نسخهم الخاصة من القرآن الكريم، معنى ذلك ان
الجوالتاليفي والفكر التدويني توفر في مجتمع
المدينة،
وتوفرت المفاهيم لاخراج التدوين.
في الحقيقة انه، بعد قيام الدولة الاموية، ما كان
يوافق سياسة
هذه الدولة الداخلية ازدهارحركة التدوين
واستمرارها. يضاف
الى ذلك ان سياسة البطش التي اتبعتها هذه الدولة
اثرت تاثيرا
ماساويا على حركة التدوين. فتدوين الحديث النبوي
ووليدته،
او شقيقته، السيرة النبوية كان يضر بحال الاسرة
الجديدة
الداخلة على الاسلام منذ ايام. وكل ما ورد في
السيرة اخبار
تحكي كيف واجه هولاء الاسلام، وبالتالي كانت
السياسة الاموية
في البداية لا تشجع على نمو حركة التدوين. يضاف الى
هذا ان
ما حدث في (الحرة) وما حدث بعد ذلك من اعمال بطش ادت
الى افناء اجيال من العلماء، وسنحتاج الى وقت طويل
حتى
تستردالحركة الثقافية في المدينة عافيتها،
لتستانف عملها. في
الوقت نفسه، وفي ظل الدولة الاموية، وجدت تيارات
بعضها ايد
او ساير السلطة، وكثير منها عارض السلطة،
واهم التيارات التي
عارضت السلطة هي: التيار الشيعي، والتيار الخارجي
مع وجود
تيار المرجئة لكن ليس بفعالية التيار الشيعي.
وعرفت هذه
المرحلة عمليات تدوين وعمليات طرح لمايسمى بفكر
اهل
العدل. وقد تطور، بعد ذلك، فكر اهل العدل. والحركة
الشيعية،
منذالبداية، حركة ذات تاصيل عقائدي، فبعضهم يتحدث
عن
عمليات تدوين للحديث وغيره ويعيدها الى ايام
الامام علي بن
ابي طالب(ع) وبعضهم يعزو صحفا الى واحد من
السبطين:الحسن والحسين والى زين العابدين علي بن
الحسين.
وتدور حول ذلك مناقشات، انما المهم في الامر اننا
نلاحظ
تيارا من تيارات المعارضة بداباعمال تدوين، وهذه
مسالة
تحتاج الى تتبع وتنقيب وتوثيق. في المقابل، السلطة
الاموية
ماكان بامكانها ان تقف بمعزل عما يجري، فكانت
تستزلم، او
تاتي باناس يجدون مصالحهم مرتبطة بالسلطة بشكل او
بخر،
وهولاء الناس قد تضطرهم الظروف للالتحاق بالسلطة
على الرغم من الانتقادات. وهنا مثلنا الاكبر
الامام الزهري. انما
قبل ان نقف مع الامام الزهري،هناك معارضات اخرى
للسلطة
الاموية وان شغلت بامور التدوين، وهي معارضات
ابناءالصحابة،
حتى من البيت الاموي نفسه مثل «ابان بن عثمان»، ومن
البيت الزبيري، مثل«عروة ابن الزبير»، ويمكن ان
يكون هولاء
قد دونوا صحفا كثيرة في المغازي والسيرة والحديث
وتفسير
القرآن الكريم، ولكنهم لم يبوبوا وينسقوا ما
دونوه، ولم يخرجوه
للناس الا على شكل روايات، حتى الزهري نفسه يبدو
ما اعطاه
ردودا او فتاوى تاريخية، لكن الزهري وان عد من
كبار الائمة
فانه كان مستشارا تاريخيا للبلاط الاموي، وهذا اثر
على سمعته
لدى كثير من ائمة الجرح والتعديل.
وكان التيار المعارض، لا سيما التيار الشيعي،
الاقوى، لانه بعد
كربلاء التزم الائمة بعدم التورط باعمال عسكرية،
وراوا ان العمل
الفكري اكثر جدوى، ويودي الى منافع اعظم.ونلحظ هذا
في
سيرة معظم الائمة، لا سيما الامام السادس (جعفر بن
محمد،
الامام الصادق)، وقبله الامام محمد الباقر، فمثلا
عندما فكر زيد
بن علي بالثورة لم يوافقوه وراواانه سيكون ضحية.
ونلاحظ، في
الوقت نفسه، ان عددا من الناس تحلقوا حول الامام
جعفربن
محمد، ودونوا. ولعلنا في مستقبل الايام نكتشف بعض
هذه
الوثائق والمدونات. ويعزى الى زيد نفسه كتاب
احاديث او
مسند، وقد طبع هذا الكتاب ويحتاج الى دراسة نقدية.
اذن نحن ما زلنا نعيش في العصر الاموي، او في مطلع
القرن
الثاني للهجرة، ولدينا اعمال تدوين تطورت تطورا
كبيرا، لا
سيما في المدينة المنورة، مع موسى بن عقبة ومحمد
بن اسحاق المطلبي في كتابه عن السير والمغازي.
ويلاحظ
الباحث ان محمد بن اسحاق،عندما دون للمرة الاولى،
اعط ى
مفهوما اراد ان يستوعب به التاريخ الانساني، لكنه
انطلق من
منطلق شيعي، طبعا سيعدل هذا المنطلق الشيعي بعد
التحاقه
بابي جعفر المنصور، لكن وهو في الحجاز كان منطلقه،
الى حد
ما، شيعيا، اثني عشريا بالتحديد، اذن لدينا
بدايات للتدوين
مرتبطة بالدعوة الاسلامية تاريخا وتطورا. لكن،
والحق يقال، ان
اعمال التدوين بدات تاخذ شكل الظاهرة المستقرة في
العصر
العباسي، ولا بد لنا من ان نذكر ان حركة التدوين لم
ترتبط
فقط بالتيارات المعارضة او بالتيارات غير المعارضة
والتيارات
الحكومية،وانما تاثرت بتوفر الكوادر المتعلمة،
وبتطويع اللغة
العربية الى ان تكون لغة تدوين اخبارية او غير
ذلك، وبسهولة
الحصول على الورق، لانه قبل الفتح الاسلامي في
الشرق
الاقصى،لم يكن الورق متوفرا، وكان الكاغد(ورق
البردي) غالي
الثمن، والجلود والورق الحريري،وحتى الحبر
والاقلام وغير
ذلك، او المواد الاخرى للكتابة، لم تكن متيسرة.
لكن، مع
انهيارالدولة الاموية، بدات حركة التدوين تنشط
كانما كان سد
يمنع الفكر من التحرك، وعندماانهار هذا السد، حدث
التدفق.
الحقيقة ان السلطة الاموية تدخلت للتخفيف من دور
ابي سفيان، او دور الاسرة الاموية، في معاداة
الاسلام ولم تكتف
بذلك، وانما حاولت ان تخترع ادوارا.
وقبل ان اختم هذه المداخلة، اضرب مثلا: نقرا، في
السيرة
النبوية، ان النبي(ص) راسل ملوك عصره، ومن جملة من
راسلهم «هرقل» عظيم الروم، وراسله عن طريق يحيى
الكلبي.توحي لنا اخبار السيرة، اولا، ان اللقاء حدث
في بصرى،
مع ان «هرقل» لم يات الى بصرى،وكان آنذاك في حمص،
وثانيا، ان هرقل اراد ان يستوضح ويسال: من هذا
النبي؟ فجلب
له ابو سفيان وقدم لنا ابو سفيان، في الرواية
الموجودة في كتب
السيرة التي نقراها، بصيغة ادبية بليغة تصلح
لمسرح من
المسارح، ولا تصلح لوصف واقعة تاريخية مثل
الوقائع الاخرى.
وهذا اختراع، ونسال: من الذي اخترع هذه الحكاية؟
ولماذا
اخترعها؟
ناتي الى واقعة موتة، فنجد، من المصادر غير
العربية، وهنا اريد
ان الح على مسالة استخدام المصادر غير العربية
وتاثيراتها على
حركة التدوين وتطورها، مع اننا نقول ان حركة
التدوين التاريخي اصيلة، وانا طبعا اغفلت، في
الوقت نفسه،
حركة تدوين الايام التي تمت في الامصار، ولها حديث
آخر. في
معركة موتة، لم يتحقق عامل المفاجاة، والقوات
البيزنطية كانت تنتظر وصول الجيش الاسلامي وقد
رصدته.
في المصادر العربية ليس لدينا ذكرلذلك، نجد لدى
تيوفانس
في تاريخه، وهو بيزنط ي، ان «تيودور»، وهو اخو
الامبراطور«هرقل» كان لديه حاجب اسمه قطبة القرشي،
وقطبة هذا زود نائب الامبراطور بتقرير واف عن
الحملة،
واستعدت بيزنطة لتلقيها. هذا يعني، اضافة الى ما
قلته من ان
هرقل لم يات الى بصرى، ان السلطة الاموية لم تكتف
باختراع
الاخبار وانما حرفتها، وفي تفسير خبر قطبة نقول: ربما وجدت القوافل السفيانية،
او القوافل المكية، وكانت لا تزال تذهب الى بلادالشام وتاتي منها، مشاريع تحالف بين
اهل مكة وبيزنطة ضد ما كان يجري في المدينة.ونحن نقرا، في خبر الثلاثة الذين
تخلفوا، ان مالك جاءه رسول من الامير الغساني يقول له:يقال لماذا تعيش في عزلة،
تعال انا اعوضك عن كل شيء
منعه عنك
صاحبك. وهذا،ايضا، مع شذرات اخرى من الاخبار،
يجعلنا
نفترض بقناعة ان السلطة الاموية، كانت لهاعلاقة مع
السلطات
البيزنطية، وان السلطة الاموية عندما بدات تجمع
اخبار السيرة
وتدونهالم تكتف بشطب هذه الاخبار، وانما احلت صورة «محسنة» لدور ابي سفيان في المسرحية
التي نقراها مسجعة في السيرة النبوية، مع شيء كبير من التعاطف تجاه
هرقل، مثل
القول ان هرقل اراد ان يسلم، لكن الكهنة منعوه
وهذا يعط ي
دلائل اخرى على ان التصنيع تم بعناية شامية، ذات
رواسب او
اتجاهات مسيحية، لابقاء صورة هرقل حسنة. طبعا
لدينا، في
مابعد، مع السلطة العباسية دور آخر ومشكلة اخرى، مع
المنصور، تتعلق بدور العباس في معركة بدر واسره
وطمس هذا
الدور. صحيح ان السلطان قد يستطيع في مرحلة حكمه
ان يطمس شيئا، لكنه لا يستطيع ان يطمس الحقيقة،
ولا بد
من ان ياتي في يوم من الايام من ينقب ويرى ويكتشف
الحقيقة.
واخلص الى القول ان السلطة الاموية كانت تقف سدا حائلابين التدوين وتطوره الى
مجيء العصر العباسي. ولنا
حكاية اخرى
مع العصر.
رئيس التحرير: ما اشرتم اليه من التيارات
والاتجاهات التي
سادت، في القرنين: الثاني والثالث للهجرة، نشات،
في اغلبها،
بفعل عوامل سياسية، او بالتحديد بفعل
السلطان الحاكم، هل
من تيارات او اتجاهات اخرى نشات بفعل عوامل فكرية..
كلامية
او اجتماعية مثلا؟
د. زكار: اولا: نجد، في هذه المرحلة، ما نسميه تيار «اهل
العدل» افترقت الاراء حول تيار«اهل العدل»، وحول
فكر
المرجئة، وربط تيار «اهل العدل» او «القدرية»، في
ما
بعد،بالمعتزلة، وارى ان هذا التيار، ارتبط، في هذه
المرحلة،
بالفكر الشيعي. حسين بن نوير، اثناءحصار مكة، يقول
مقولة
مشهورة معناها ان اللّه تعالى بعث نبيه في مكة،
فعندما لم
يومن به اهل مكة لم يرتضها دارا له، واخرجه الى
المدينة.
وعندما قتل اهل المدينة الخليفة المظلوم، لم يعد
يرتضي
المدينة دارا لخلافته وسلطانه ونقلها الى الشام.
وهذا يعني
ان هناك «جبرية». «تيار اهل العدل» يقول ان اللّه،
تعالى،
عادل وليس بظلام للعبيد، وهو،بصرف النظر عن تطوره
الفلسفي والاعتزالي في ما بعد، ارتبط، في هذه
المرحلة،
بالتشيع.بعض الكتاب، حديثا، يحاولون ان يربطوه
بالنشاط
الذي قام به يوحنا الدمشقي في ايام عمر بن عبد
العزيز، ويزيد
بن عبد الملك. ولا يوجد عندي غير اشارة واحدة،
وليست تاريخية، وهي انه على اثر معركة اليرموك
وقعت بقايا
من نصوص العهد القديم والعهدالجديد التي كانت
متوفرة مع
الجيش البيزنط ي، ومن جملة ذلك قطعة من «سفر
التثنية»
اوالسفر كله وانه ترجم لعبداللّه بن عمرو بن العاص.
كيف
ترجم؟ لا ادري، واورد ذلك ابوعبيدة قاسم بن سلام في
كتابه: «غريب الحديث».
التيار الخارجي، التزم، في عمليات التدوين، بتيار
الحديث،
يعني ابو جعفان، الامام جابرينسب اليه مصنفا فيه
حوالى الف
حديث (انا عندي نسخة منه) وانه الف في سنة (100-120ه)
لكنه حديث يتعلق بمسائل الامامة ومسائل اخرى.
والمثير
للدهشة ان حوالى 70و80 بالمئة من الاحاديث مروية عن
عبداللّه بن عباس وكاني بعبداللّه بن عباس كان
اميل الى الفكر
الخارجي منه الى الدور الذي صنع له في ما بعد. وهذه
اشكالية
ثانية تتعلق بعمليات التزييف التي مارستها السلطة
العباسية.
رئيس التحرير: شكرا للاستاذ الدكتور سهيل زكار على
ما
تفضل به. ننتقل بالسوال للاستاذالدكتور ابراهيم
بيضون.
تعلمون ان مصادر التاريخ الاسلامي لم تكن، في
الاغلب
الاعم،مدونات ووثائق ثابتة، او آثارا وشواهد
مادية، وانما هي،
تقريبا كلها، عبارة عن اخباروروايات. هنا نريد ان
نتساءل عن اثر
الاتجاهات الفكرية والسياسية التي كانت سائدة
في القرنين
الثاني والثالث في هذه الروايات والاخبار التي
اعتمدها
المورخون في مدوناتهم ومجاميعهم التي صنفوها؟
د. بيضون: اعتقد ان هذه المداخلة تجيب عن هذا السوال
او
عن نقاط كثيرة منه. وربماتجيب عن اسئلة اخرى. على
اية
حال، لو بقي هناك من لبس يمكن ان نناقشه بعد
قراءة هذه
المداخلة التي تركز على القرن الثاني الهجري بشكل
خاص،
باعتبار ان هذا القرن اسس لمرحلة الكتابة
التاريخية في
انتشارها القوي:
ان لبعد الزمن بين الحدث وتدوينه ان صح ان الكتابة
لم تكن
منتشرة فيما قبل «التدوين»فان غموضا كان ما يزال
يحيط
بالكتابة التاريخية في المراحل الاولى لتشكل علم
التاريخ عند
المسلمين. وهي اشكالية جديرة بالاهتمام اذا اخذنا
في الاعتبار
الموروث الشفوي الزاخر، والمتردد حينذاك عبر
قناتين غير
متساويتين. «السيرة النبوية» اساسا،
و«الانتساب»،موازية
لها، او متقاطعة معها. ولكن الموروث الكتابي، وان
ضاقت
دائرته، لم تغب بصماته عن هذه المرحلة، وكانت له
تعبيرات
شتى في ثقافتها منذ وقت مبكر.
اما البدايات فكانت «اسلامية» بطبيعة الحال، وكانت
النخب
المشدودة الى الرسول، ما يزال«النموذج» حاضرا،
وبقوة، في
حياتها، كذلك القرآن، بما احتواه من اخبار عن
الماضين ترقى
الى بدء الخليقة.. كلاهما اسهم في تنمية الوعي
التاريخي عند
المسلمين، فكان لا بدمن خوض التجربة، بما انطوت
عليه من
تفاعل مع حركة الزمن، واحتكاك بثقافات
الشعوب التي
انتشرت فوقها راية الاسلام.
ومن هذا المنظور يرد عبد العزيز الدوري في بحث له عن
تكوين علم التاريخ عند العرب،تكون علم التاريخ الى
التطور
الثقافي في حياتهم، والذي اقتضى عودة او التفاتا
الى
تراثهم السابق على الاسلام. وكان علي اومليل اكثر
تحديدا في
نظرته الى هذه المسالة، فرد ذلك الى «الدعوة
العالمية
للاسلام» كما جاء في كتابه (الخطاب التاريخي). مما
دفع
المسلمين وقد وجدوا انفسهم في مستوى احداث
التاريخ
الكبرى، الى الاهتمام بالتاريخ... وكان بدهياان
يكون موضوع
العلم الجديد، هو الحدث الاكبر الذي كان اصلا لكل
ما سبق،
اي ظهورالاسلام وشخصية النبي. ذلك ان الحدث هو الذي
جعل المسلمين امة، ومكنهم من ان يلعبوا الدور
الهام الذي
لعبوه في التاريخ».
وهكذا كان التاريخ حاضرا في وعي النخب التي انكبت
على
تفسير القرآن واحاديث الرسول. وكان الخبر
باعتباره تاريخا
آخذا في التراكم، وعلى هذه النخب تتبع حلقاته،
مطبقة عليه
ما جرى عبر مجموعة من الرواة. واذا كان الهدف من ذلك
فحص الخبر، الثقة التي تمتع بها الحديث، فان الاول
لم
يكتسب، منهجيا، الدقة التي اكتسبها الثاني وما
حظ ي به
من اهتمام مبكر، دون ان تفعل مسافة الزمن فعلها
فيه، كما
جرى للخبر الذي غيرت هذه شيئامن معالمه، اختصارا او
زيادة
او تشويها، وما الى ذلك. وهذا واضح في تعدد حلقات
الخبرالذي جمعت مادته من غير ان يجري عليها النخل
الذي
شهدته «الاحاديث»، مما ادى الى تكريس اخطاء
تناقلها
الاخباريون والمورخون، دون ان يخامرهم شك بمصداقية
اسلافهم العلماء والائمة في هذا المجال.
ولم يعرف عن الصحابة الذين واكبوا مباشرة الاسلام،
انهم
تنبهوا للتاريخ او دوره في حركة الامة الجديدة.
ولا ندري ايضا
اذا كان ابناوهم الذين اسهموا في تكوين التراث
التاريخي الاول
في الاسلام، قد فعلوا ذلك انطلاقا من نظرة تاريخية،
ام ان
شخصية الرسول كانت الحافز الاساسي للاهتمام
باخباره، والذي
كان يعبر عن نظرة دينية فحسب. ولكن شعورالمسلمين
بانهم
اصحاب دور وحملة رسالة، كان ما ينفك ينشط الذاكرة
التاريخية، سواءعلى مستوى النموذج، او على مستوى
الامة في
وقت لاحق.
ولم ينفصل عن ذلك، ما اتخذه الخليفة عمر بن الخطاب
من
حل لمشكلة التوقيت التاريخي عند المسلمين، وما
يعنيه ذلك
من استهلال تاريخ خاص بالامة، متفقا مع
ولادتهاالاساسية في
المدينة. هذه الامة التي جعلت المسلمين يفخرون
بالانتماء
اليها، وتبلورت فكرتها، ربما على المستوى النظري
في «نهج
البلاغة»، حيث نجد صورة متكاملة لها،تختلج بالحدث
التاريخي وتتفاعل مع سياقه، كفعل ماض ونظرة
مستقبلية.
على ان ابناء الصحابة، كانوا محور الحركة التي تاسس
على
تراثها التاريخ في الاسلام، بدءامن عبداللّه بن
عباس (ت 78ه)
وابان بن عثمان (ت 95ه) وعروة بن الزبير
(ت 95ه)،
والذين
شكلوا ما يمكن ان نعده الجيل الاول من الاخباريين.
وكان
قطبه عروة بن الزبير،موسس اتجاه المغازي، واول
المصنفين
على نطاق واسع فيها، حيث ترددت اخباره في مصنفات
ابن
اسحق والواقدي والطبري وغيرهم. وثمة ما يجب التوقف
عنده
في هذاالصدد، ان المغازي، كمادة تناولت سيرة
الرسول
وحروبه، انما ارست تقليدا تماهى معه الاخباريون
والمورخون،
في تركيزهم على الحدث السياسي، طاغيا على ما عداه
من احداث ظلت غائبة او مهمشة في التاريخ الاسلامي.
والجيل الثاني، كان الاكثر تعبيرا عنه، ثلاثة ايضا:
عبداللّه بن
ابي بكر بن حزم (ت 130ه)وعاصم بن عمر بن قتادة (ت 120ه)
وابن شهاب الزهري (ت 124ه). على ان الاخير كان الاكثر
شهرة فيما بينهم، وبالتالي الاكثر تنوعا، اذ كتب في
السيرة
والانساب، فضلا عن الاهتمام بفترة من تاريخ
الخلفاء الراشدين،
وانتقال السلطة الى الامويين. وعلى خط المرحلة
بجيليها،
يدخل اثنان روجا لاخبار لم تندرج تماما في السياق،
وهما عبيد
بن شريه، المعاصر لمعاوية، والراوي له اخبارا عن
الملوك
الماضين، ووهب بن منبه(ت 114ه) الذي اهتم بالمغازي
اضافة
الى اخبار اليمن التي يتحدر منها، شان
الاخباري السابق. وقد
جاءت رواياتهما، بما تنطوي عليه من تمجيد، ربما غير
مباشر،
لبلدهما، حافلة بالقصص او ما يسمى بالاسرائيليات،
مما جعل
هذه الروايات، على ما فيها من اساطير،موضع اهتمام
المورخين الذين توغلوا مسافة وراء الاسلام، ممهدين
من
خلالها لمصنفاتهم ذات الطابع الشمولي.
اما الجيل الثالث، فيمثله موسى بن عقبة (ت 141ه) الذي
تاثر
باسلافه علماء المدينة، وابن اسحاق (ت 151ه) احد
اشهر
المصنفين في السيرة، منطلقا من هذه النظرة
الشمولية الواسعة الى التاريخ، متجاوزا من
خلالها، ولاول مرة،
نظرة المحدث الى ما يقرب من نظرة المورخ، فيما
يتعلق
بالتوثيق والتبويب، والشك، ورصد بعض التيارات
السياسية،
ودعم اخباره بالايات القرآنية وما الى ذلك.
وكانت المدينة في الواقع، خزان هذه الحركة باجيالها الثلاثة، بمن في ذلك الذين
غادروهاالى الشام (الاموية)، او الى العراق (العباسي) فيما بعد. ولكن مع الجيل
الرابع ستنكفىءهذه
المدرسة (المدينة)، الا عن شخصية مهمة، دفعت بحركة
التاريخ شوطا بارزا في مضمار التطور، عنيت بها
الواقدي (ت
207ه) الذي جاءت مادته منظمة ومنطقية، لا سيمافي عرض
المصادر وطرح الموضوع قبل التوسع في التفاصيل.
ولذلك
يعد كتابه (المغازي)من ابرز مصنفات المرحلة، لما
اكتنفه من
توثيق ونقد ودعم بالايات القرآنية
والتفاصيل الجغرافية، فضلا
عن الموضوعية وتفادي القصص الى حد كبير.
والواقدي هو احد اقطاب الجيل الرابع من
الاخباريين، والذي
ارتبط بمدرسة العراق، بمن فيهم هذا «المورخ» الذي
كان
مقربا من الخليفة المامون. واذا استثنينا المدائني
الذي يوصف
بشيخ الاخباريين، المتاخر قليلا عن هذا الجيل،
والمختلف
اقامة عنهم، حيث ولدفي البصرة وانتقل الى المدائن
التي
اكتسب منها لقبه، قبل ان يستقر به المقام في بغداد،
فان هذا
الجيل كانت الكوفة محور نشاطه، وانعكست الاجواء
السياسية
في الاخيرة، بصورة اوباخرى عليه. ويمتاز المدائني
بالشمولية
والانفتاح، فضلا عن كثير من الحياد، وغير ذلك مما
جعل
رواياته تتسم بالثقة لدى معاصريه والمتاخرين عليه.
وهكذا برزت في موازاة مدرسة المدينة، مجموعة واكبت
الجيلين الثالث والرابع من الاخباريين فيها
امتدادا الى العراق،
مدرسة الكوفة التي عبرت عن اتجاهات كانت ما
تزال حاملة
رواسب الصراعات السياسية وعصبيات القبائل، وما الى
ذلك
من تراث العهودالاسلامية الاولى وهذه المدرسة تمتد
جذورا
الى النصف الثاني من القرن الاول الهجري،حيث كان
الشعبي
من روادها، ولكنها اخذت تتبلور في القرن الثاني مع
ابي
مخنف الازدي(ت 157ه)، المعاصر لابن اسحق، والذي نسب
اليه تصنيف نحو ثلاثين كتابا، واهتم بشكل خاص،
باخبار
المعارضين للحكم الاموي، لاسيما العلويين الذين
اتهم
بالتحزب لهم.
وخلافا لابي مخنف، يبدو لنا اخباري آخر على غير هذا
الخط
السياسي، وهو عوانة بن الحكم الكبير (ت 147ه). وقد
عبر عن
موقفه هذا بما صنفه من سيرة كانت بمثابة
تاريخ لمعاوية
واسرته الاموية وثمة اخباري ثالث اثار جدلا في
رواياته ومدى
دقتها، وهو سيف بن عمر التميمي (ت 180ه)، والذي تخصص
باخبار الردة والفتوح، فضلا عن اهتمامه الخاص
بالفتنة ومعركة
الجمل. اما الجدل، فيرد اساسا الى ان بعض رواياته لا
تتمتع
بالثقة التي تمتعت بها روايات معاصريه، لا سيما
روايته التي
تفرد بها عن عبداللّه بن سبا وحركته.ويبقى من اركان
هذه
المدرسة من الاخباريين الكبار، نصر بن مزاحم
المنقري
(ت 212ه)،وهو كوفي ايضا، ويصنف لدى بروكلمان بين
اوائل
المنحازين للموقف الشيعي، مستثنياكما يبدو ابا
مخنف من
هذا التصنيف، على الرغم من تشابه العنوانين لدى كل
من الاخباريين، في وقعة الجمل وحروب صفين ومقتل
الحسين الخ..
هولاء وضعوا لبنة مدرسة العراق، اشهر المدارس
التاريخية في
الاسلام. وقد شكلت رواياتهم المادة الاساسية
لتصنيفات
المرحلة التالية مع تطور علم التاريخ واستقرار
مناهجه بصورة
ما، اي في القرن الثالث للهجرة. وتبقى الاشكالية
قائمة، اذ
كانت المادة التاريخية ماتزال تتناقل عبر الرواية
الشفوية، في
وقت تجاوز هولاء الاخباريون رواية الخبر الى
دائرة التصنيف
والتوثيق، وهو ما كان من الصعب اتمامه بمعزل عن
الكتابة.
ولعل ما قام به اليعقوبي والبلاذري، من حذف للسند،
واستخدام عبارة «وقالو» او «حدثو» في
توثيق الرواية، انما
كان يعني ان المادة التاريخية باتت معروفة، وان
جزءا منها على
الاقل قد دون في ذلك الحين.
ولكن الاشكالية الكبرى ليست في الرواية الشفوية او
المكتوبة
في التاريخ الاسلامي، بقدرما هي في تكريس مادة
انهكها التواتر
ولم تخضع بصورة فعلية للنقد. والاخطر من ذلك
ان يصبح
التاريخ او التصنيف فيه، مرتبطا بالسلطة، ودائرا
في فلكها،
وعاكسا موقفها السياسي وبالتالي راويا الاحداث من
داخلها،
وليس على مسافة منها. واذا توقفنا عند
استدعاءمعاوية لعبيد
بن شريه ودغفل بن حنظلة، ليكونا بين المشرفين على
تربية
ولي عهده(يزيد)، وتزويده خصوصا باخبار الانساب،
لعرفنا
مدى التورط من جانب المشتغلين بالتاريخ في هذه
العلاقة مع
السلطة وانحيازهم لها، بل وتركيزهم على الاحداث
المتعلقة
بهادون غيرها. ولا نستثني من ذلك ابا جعفر الطبري
الذي،
وان تفادى شخصيا، بحكم تكوينه الفكري، الانخراط
مباشرة في «حزب» السلطة، فان كتابه او مصنفه (تاريخ الرسل
والملوك)لم يكن عنوانا ومضمونا خارج هذا الفلك الذي
شد
التاريخ الى حركة دورانه الخاصة.
وقبل الطبري كان اساتذة التاريخ الاسلامي، قد
نافسوا الشعراء،
بل تفوقوا عليهم في الموقع والحظوة لدى اهل الحكم
والسلطان. فالشاعر كان يلقي قصيدته التي تحرك حينا
المشاعروالافئدة، ثم يغادر وقد اجزل له العطاء،
فيما «المورخ» الفقيه لا يكاد يبارح القصر او
يهتم كثيرا بما يجري
بعيدا عنه. ولا تعدو ان تكون صفته الاولى (المورخ)
تتمة
للثانية (الفقيه)،فيما يسوغه للسلطان، مواكبا عن
كثب قراراته،
ومترددا الى الماضي بناء على طلبه، اوتوسلا
لاكتساب رضاه.
ومورخ البلاط ليست توصيفا في غير محله، اذا توقفنا
عند
رموزكبيرة من رواد المشتغلين بالتاريخ الاسلامي،
من امثال
الزهري الذي كان حسب الدكتورزكار «مستشار»
الخليفتين
الامويين عبد الملك وابنه هشام، وابن اسحق المقرب
من الخليفة العباسي المنصور، والواقدي صاحب
الحظوة عند
الخليفة المامون، والبلاذري المقيم في بلاط ثلاثة
من الخلفاء:
المتوكل والمنتصر والمستعين، دون الانتهاء مع
الزبير بن بكار
الذي صنف كتابا اهداه لابي احمد الموفق، اخي
الخليفة
المعتمد، رامزا الى اسمه في العنوان (الاخبار
الموفقيات).
والسوال قد يكون في محله بعدما سلف قوله، عما اذا
كان
التاريخ الاسلامي قد كتب فعلابكل فصوله واجزائه،
والتيارات
العاصفة فيه؟ وهل كانت الموضوعية ماتوخاه
«المورخ»الذي
روى او صنف في مناخ لم يكن ملائما على الاقل لكتابة
تاريخ
حيادي مجرد؟
ان موثرات عدة خضع لها التاريخ الاسلامي، رواية
وتدوينا، مما
جعل نصوصه غير متطابقة تماما مع الواقع الذي كاد
المورخ
ينفصل عنه، منسجما مع توجهات السلطة اكثر من
اتفاقه مع
قناعاته الخاصة. وقد حدا ذلك به، الى الاسهاب حينا
في مسار،
والاختصار في آخر، ان لم يكن التجاهل في مسار ثالث.
والعودة
الى الطبري تكشف لنا كثيرا من الفجوات في
هذه المسارات،
كما ان لجوء آخرين الى الانتقاء في رواياتهم، اسهم
في تغييب
حقائق ربماغيرت بعض ملامح هذا التاريخ لو كانت اخذت
حجمها الطبيعي فيه.
رئيس التحرير: شكرا للاستاذ الدكتور ابراهيم بيضون
على ما
تفضل به في مداخلته المفيدة هذه. انتقل بالسوال
للاستاذ
صائب عبد الحميد: ما المنهج الصحيح لقراءة التاريخ؟
وهل يمكن ان تبين لنا العوامل الموثرة في انتخاب
الروايات، وما
ادى اليه ذلك من مشكلة لاتزال قائمة، وينبغي ان
يواجهها
المورخون المعاصرون؟
الاستاذ صائب عبد الحميد: في حديث شريف يقول الرسول
الاكرم(ص): «الا ان رحى الاسلام دائرة الا فدوروا
مع الكتاب
حيث دار، الا وان السلطان والقرآن سيفترقان، الا
فلاتفارقوا
الكتاب، الا وانه سيعمل عليكم رجال مضلون يقضون
لانفسهم
ما لا يقضون لكم فان اطعتموهم اضلوكم وان عصيتموهم
قتلوكم»..
اذن هناك مساران: مسار يدور مع كتاب اللّه حيث دار،
ومسار
للسلطان ليس من الضروري ان يفترق مع الكتاب دائما،
قد
يفارقه وقد يحالفه. فالتاريخ الذي نريده وننتصر له
هو
المسارالذي يدور مع الكتاب حيث دار ولا يمثله
السلطان
بالضرورة، فربما مثلته خطوط اخرى معارضة للسلطان.
هذه
القضية حين التبست على بعض نقاد التاريخ الاسلامي،
اعتبروا
ان الاسلام تجربة فاشلة في تاريخ طويل على مدى
اربعة عشر
قرنا، فلا يمكن الاستفادة منه اليوم حين اعتبروا
ان اخطاء
السلطان في الماضي تعني بالضرورة فشل الاسلام
بوصفه اطروحة في مواجهة الحياة، هناك غير موقف
لنقد
التاريخ الاسلامي ومحاكمته، هناك من يعتبر ان
التاريخ
مجموعة احداث لم تقع، كتبها رجال لم يعاصروها. ان
مثل هذه
النظرة مبالغة في الافراط بالسلبية. هناك نظرة
اخرى قد
تقترب منها الى حد ما، تقول: ان التاريخ اذا اعطانا
روايتين
مختلفتين، في قضية، ليس بالضرورة ان تكونا
متناقضتين،
وانمااختلافهما يعني ان احداهما تلغي الاخرى،
والمحصلة
صفر، اي اننا لا نعلم شيئا عن احداث التاريخ، وهذا
الموقف،
ايضا، غير علمي. وهناك موقف آخر يعتمد الشك
بشكل آخر،
يحاول من خلال نظرته الشكية الى التاريخ ان يعكس كل
قضية
طرحها التاريخ،فيحاول ان يقول ان الصحيح عكس ذلك،
ربما
بعض المستشرقين اعتمد منهج العكس بناءعلى مبدا
لديهم
يقول: ان الانسان المخط ىء او الناقص لا يحب ان
يظهر بصفاته
الحقيقية،ولكن يظهر بصفات معاكسة، فاذا قال
المسلمون:
نحن ابطال، يعني هذا انهم جبناء. واذاقالوا: فتحنا،
يعني هذا ام
انكسروا، وما شابه ذلك. ولقد تاثر بعض الاسلاميين
او
المسلمين،الى حد ما، بمنهج العكس.
ان المنهج الصحيح لقراءة التاريخ، كما نرى، هو ان
نمتلك، في
البداية، ادوات علمية وموضوعية في القراءة وان
نحدد، في
البداية، منهجا في ملاحظة التاريخ. ويمكن ان
نقول:من
المستحيل، الان، ان نقدم تاريخا اسلاميا يحظ ى
باجماع
المسلمين، ولكن الممكن هوان نقترب من خطوط منهجية
عامة في قراءة التاريخ وفي الحكم عليه. هذه الخطوط
في الحقيقة هي التي ستنقلنا بدرجة مباشرة الى الاسس المنهجية والاصول التي
اعتمدها
مورخونا الاوائل في تدوين التاريخ الاسلامي. ما اريد ان ابدا منه نقاط تحتاج
الى شيء
من الملاحظة وتتصل بالاجابة عن السوال الموجه لنا
مباشرة
في مرحلة متطورة نسبيا من مراحل التدوين، والتي
ابتدات
بعروة-بن الزبير، صاحب المغازي المعروفة،
وصاحب المدرسة،
فشهد مثالا للعوامل الموثرة في تدوين التاريخ عند
السلطة،
هذا المثال هوالموقف الذاتي للمورخ، عروة بن
الزبير لا
نستطيع ان نثبت انه كان يكتب باملاء من
السلطة الاموية
مباشرة، او بضغط مباشر منها. نستطيع ان نسجل عليه
نقطة
في المدارات، حينماقال: ان المتحدث في الحبشة كان
عثمان
بن عفان وليس جعفر-بن ابي طالب، هذه قدتكون مدارات
للجو الاموي، عروة بن الزبير له موقف كان مع ابيه،
فقد كان
صغير السن عندما وقعت معركة الجمل. حاول الخروج،
ردوه
لصغر سنه. كان يقال ان سنه كانت ثلاث عشرة سنة، مال
الى
هذه الكفة واعتمد مصدره الاساس في الحديث (حديث ام
المومنين عائشة) صحيح ان ام المومنين خالته، لكن
بني هاشم
ايضا اخواله، والرواية العلمية في الحقيقة ليس
لها صلة بالنسب
اكثر ما تتصل بالميل. حدثنا الزهري، وهو اهم تلامذة
عروة،في
حديث لتلميذه معمر الذي نقل اهم رواياته ومغازيه،
ان تلميذه
معمر يساله عن حديثين لعروة عن عائشة في علي بن ابي
طالب، فيقول له الزهري: مالك ولحديثهما لانهمامن
بني
هاشم. هذا الموقف ليس موقف سلطة وانما هو موقف مبدئي
اتخذه عروة وانعكس على روايته او على سيرته. هذا
الموقف قد
يظهر لنا الزهري الان بصورة المورخ الناقد
الايجابي الذي لم
يخضع لاستاذه او لمدرسة استاذه الخضوع التام. هناك
ملاحظة اخرى في هذا العامل الموثر، فاذا اجرينا
مقارنة بسيطة
بين عاصم بن عمر بن قتادة الذي هومن الانصار وبين
موسى
بن عقبة الذي هو مولى آل الزبير، نلاحظ ان الجو الذي
نشا فيه
كل منهما ترك اثره على النص التاريخي الذي نقله كل
واحد
منهما، عاصم على اعتبار انه من الانصار نشا في جو
الانصار
المعتدل الذي لا يميل الى الامويين بل بالعكس يميل
الى خصومهم، اختلفت روايته للسيرة النبوية عن
موسى بن
عقبة الذي كان تلميذ مدرسة عروة بن الزبير على
الرغم من
انهما عاشا في حقبتين زمنيتين متقاربتين، عاصم كان
متقدما
قليلاعلى موسى.