|
تتميز مولفات الشيخ عبداللّه العلايلي عن
الامام الحسين(ع)
بعدة خصائص لا يشركه في معظمها، غيره ممن كتب عن
شخصية الامام الحسين(ع) وثورته الخالدة، وهم كثر،
اهمها
،في ما ارى، ثلاثة:
الاولى: انها اسست لطور جديد من الكتابة عن الامام
الحسين(ع) انتقل به العلايلي من طور السردالاخباري
الذي
درجت عليه كتب المقاتل والتراجم الى طور التحليل
والتعليل
والنظر الى شخصية الامام الحسين(ع) في اطارها
الموضوعي
الرحيب، ومن مناحيها المثالية الحية، فنحن اليوم -
كما
يقول العلايلي- احوج ما نكون الى زعيم كالحسين،
ومجاهد
كالحسين، وقدوة كالحسين.
الثانية: انه خرج ، فيما اطلقه من آراء واحكام تتصل
بالمرحلة
الاولى من مراحل التاريخ الاسلامي التي يجثم
عليها الغموض
من اقطارها -بحسب قوله- وبالاخص فيما يتصل بحكومة
الخلفاء من بعدالنبي(ص)، وبسلطان بني امية ومواقف
رجالاتهم، خرج فيها عن مالوفه ومالوف قومه العقيدي
الذي يتمسك بمقولة عدالة الصحابة بلا تحفظ او
استثناء،
ويتلمس لاخطائهم شتى الاعذار بما يرفعهم الى مقام
العصمة.
فكان بذلك واحدا من المورخين الثقات الاحرار الذين
عصمهم
اللّه من فتنة الامويين، كمااشار الى ذلك الشاعر
بولس سلامة
في مقدمة ملحمته الشهيرة(عيد الغدير).
الثالثة: انها صورة كاملة من شخصية صاحبها انعكست
فيها
موهبته الذاتية وصنعته المكتسبة على السواء،واعني
بموهبته
الذاتية: سجيته المجبولة على عشق الحرية، التي
قادته الى
عشق ابي الاحرار والثوارالحسين،
بن علي(ع) فكتب عنه،
لانه
راى فيه قضيته.
واعني بصنعته المكتسبة: صنعته اللغوية التي ابدع
فيها وجدد،
وبرع في توظيفها في كتاباته التاريخية.
لقد مضى على مولفات الشيخ العلايلي الثلاثة عن
الامام
الحسين(ع) (سمو المعنى في سمو الذات، اواشعة من حياة
الحسين/1937م- تاريخ الحسين: نقد وتحليل/1941م- ايام
الحسين، او مشاهد وقصص من ايام النبوة/1947م- مضى
عليها
ما يزيد على نصف قرن، ولكنها لا تزال تعد في طليعة
ما كتب
عنه،وهو كثير جدا. كما انها لا تزال جديرة بعناية
النقاد
والباحثين بوصفها لونا من الوان الادب الحديث
الذي انبثق
على يدي الشيخ وتمازجت فيه الروية الابداعية
الذاتية للكاتب
مع رويته العلمية الموضوعية.
وبعيد رحيل الشيخ العلايلي وانتقاله الى جوار ربه
قبل بضعة
اشهر رات مجلة المنهاج ان خير تحية تبعثهاالى روحه
الطاهرة
ان تخصص منتداها في هذا العدد للبحث في اروع واشرف
ما
خطته يراعته -من حيث الموضوع- وهو مولفاته الثلاثة
السالفة،
فدعت اليه ثلة من الاساتذة والباحثين المهتمين
بفكر
الشيخ العلايلي والمتابعين لكتاباته للحديث حول
تلك
المولفات، فكان من ذلك بحث قيم وحوار ممتع
يجدالقارى
خلاصته بين يديه في هذا العدد.
والى جانب ما طرح في هذه الندوة من بحث وحوار يحمل
اليك - عزيزي القارى- هذا العدد بين دفتيه مجموعة
من
البحوث والدراسات والمتابعات الثقافية، تاتي في
طليعتها
دراسة الفقيه المحقق السيدمحمود الهاشمي لمسالة
« حكم
القاضي بعلمه» وهي احدى المسائل الخلافية المهمة
في باب
القضاءوالتي لا تزال موضعا للنقاش بين الفقهاء من
مختلف
المذاهب الاسلامية. وقد جاءت هذه الدراسة في اطار
من
التحليل والعرض الشامل للاراء والموازنة بين الحجج
والادلة.
وعلى صعيد الفقه ايضا ياتي بحث كاتب هذه السطور عن
«معجم فقه الجواهر ومشروعات تكشيف التراث الفقهي
الممهدة للموسوعات الفقهية». حاول فيه بيان خصائص
ومميزات هذا المعجم الفقهي الصادر حديثا عن موسسة
دائرة
معارف الفقه الاسلامي في ايران ومقارنته بالمعاجم
والكشافات
الفقهية التي سبقته.
وفي رحاب القرآن الكريم يستكمل الشيخ محمد مهدي
الاصفي مقاربته العرفانية لاية (لا اله الا
انت سبحانك اني كنت
من الظالمين) من خلال بحثه «مع ذي النون في رحلة
العودة الى اللّه» الذي تقدمت حلقته الاولى في
العدد السابق،
والذي يبحث فيه في الحال التي يعود فيها العبد
المومن الى
ربه ويخاطبه مباشرة من دون حجاب.
وفي مجال الفكر الفلسفي الاسلامي يبحث الدكتور
زهير
غزاوي في دراسته «التيار التغريبي
العلماني العربي ودراسة
فكر الامام الصادق» مقولات الدكتور محمد عابد
الجابري
الخاصة بالتشيع والتي تضمنتهاثلاثيته (نقد العقل
العربي)
التي اثارت جدلا واسعا في الساحة الثقافية العربية.
وفي مجال البحث التاريخي تطالعنا في هذا العدد ثلاث
دراسات يستكمل في احداها الاستاذ صائب عبد الحميد
بحثه
الذي تقدمت حلقته الاولى في العدد السابق عن عوامل
نشاة
الفرق والمذاهب عندالمسلمين، فيتحدث في هذه الحلقة
عن
عاملين كانا وراء نشاة العديد من تلك الفرق،
احدهما:
علم الكلام والاخر: التطرف الديني او الغلو.
وفي الدراسة الثانية يستكمل الاستاذ حسن الامين
حلقات
بحثه عن «الشهيد الاول محمد بن مكي العاملي» التي
تقدمت في الاعداد الثلاثة السابقة، فيتحدث في هذه
الحلقة
الاخيرة عن الاهداف التي سعى هذا العالم الى
تحقيقها وما
واجهه من مشكلات ادت في النهاية الى استشهاده.
وفي الدراسة التاريخية الثالثة يتناول الدكتور
زكار بالبحث
حياة «ابن شهاب الزهري المستشار التاريخي للبلاط
المرواني».
وفي شوون الاسلام المعاصرة يبحث الدكتور جورج جبور
في
دراسته «الاسلام واوروب» حاضر العلاقات بين
العالم
الاسلامي واوروبا ومستقبلها في ضوء ابعادها
التاريخية،
والدينية، والثقافية، والاجتماعية، الاقتصادية،
و السياسية.
ونلتقي اخيرا على صعيد الدراسات مع الدكتور خالد
محيي
الدين البرادعي في دراسته الادبية عن ابي فراس
الحمداني
الذي يمثل في تاريخ الشعر العربي ظاهرة متفردة
اشارت هذه
الدراسة الى بعض خطوطها وملامحها.
وفي قسم القراءات يقدم هذا العدد قراءة تحليلية
لكتابين
احدهما: «فتح القدس» للاستاذ عجاج نويهض والاخر: «تاريخ
الاسلام الثقافي والسياسي: مسار الاسلام بعد
الرسول ونشاة
المذاهب» للاستاذ صائب عبد الحميد.
واما قسم المتابعات فيضم تقارير عن موتمرات وندوات
فكرية
عقدت في بلدان شتى من العالم الاسلامي. كما يضم
تقريرا عن
رسالة جامعية نوقشت في كلية الامام الاوزاعي في
بيروت،
وتقريرا آخرعن بعض الاصدارات الجديدة لدور النشر.
هذا ما تقدمه اليك المنهاج - عزيز القارى- في هذا
العدد، والى
لقاء قريب متجدد. خالد العطية
هل يجوز للقاضي ان يقضي بعلمه الشخصي؟
المعروف بين فقهائنا بلا خلاف فيه الا من مثل ابن
الجنيد
جوازه بالنسبة للامام المعصوم(ع). اما القاضي غير
المعصوم
فقد اختلفت كلماتهم فيه بين قائل بالجواز مطلقا
ولعله
المشهور، وقائل بعدم الجواز مطلقا،كما عن ابن
الجنيد في نقل
الانتصار وقائل بالتفصيل بين حقوق اللّه وحقوق
الناس بالجواز
في الاول دون الثاني، كما عن ابن الجنيد في نقل
المسالك او
بالعكس، كما عن ابن حمزة.
عند فقهاء المذاهب الاربعة خلاف ايضا في هذه
المسالة، وان
كان المشهور عند متاخريهم عدم الجوازمطلقا. وقد جاء
في
كلمات بعض المحدثين منهم ما يلي:
«فان الادلة التي يحصل بها الاثبات تحقق للقاضي
علما
مكتسبا بالحادثة المكلف بالحكم فيها،
فيكون الحاكم بعد قيام
الدليل كانه شاهد الواقعة ووقف على ظاهرها
وباطنها، فلا
يسعه الا الحكم بما علم من هذا الطريق، اذ ان خلاف
ذلك
مجهول لديه، فكيف يحكم بمجهول؟ ويستلزم هذا
التعامل ان
للحاكم ان يحكم بعلمه الشخصي غير المكتسب من طريق
الدليل الذي قام لديه، بل حصل له من طريق
مشاهدته ووقوفه
عليه شخصيا، لان هذا اقوى من العلم الذي حصل له من
طريق
الشهادة مثلا، والى هذا الراي ذهب كثير من فقهاء
الشريعة
المتقدمين، ولكن لما خربت الذمم وضعف الوازع
الديني وفسد
الضمير في كثير من الناس وطغى حب المادة على
النفوس
واشربت القلوب حب المال من اي طريق جاء، اصبح
علم القاضي الشخصي مكتنفا بالظنون والريب، حتى
قال الفقيه
الشافعي: «لولا قضاة السوء لقلت ان للحاكم ان يحكم
بعلمه».
ولهذا قرر المتاخرون من الفقهاء بالاجماع عدم جواز
حكم
الحاكم بعلمه».
والموقف نفسه نجده عند الفقه الوضعي ببيان آخر، فقد
جاء في
الوسيط للسنهوري:
«ان الحقيقة القضائية قد تبتعد عن الحقيقة
الواقعية، بل قد
تتعارض معها، لانها لا تثبت الا عن طريق قضائي
رسمه القانون،
وقد يكون القاضي من اشد الموقنين بالحقيقة
الواقعية
ومخالفتها للحقيقة القضائية،والقانون في تمسكه
بالحقيقة
القضائية دون الواقعية يوازن بين اعتبارين: اعتبار
العدالة في
ذاتها ويدفعه الى تلمس الحقيقة بكل السبل ومن جميع
الوجوه
حتى تتفق معها الحقيقة القضائية، واعتبار
استقرارالتعامل
ويدفعه الى تقييد القاضي في الادلة التي ياخذ بها،
فيحدد له
طرق الاثبات وقيمة كل طريق منهاكي يامن من جوره
ويحد
من تحكمه، ولا يختلف القضاة في ما يقبلونه من دليل
وفي
تقدير قيم الادلة في الاقضية المتماثلة».
وهذا يقتضي تقييدا في طرق الاثبات لدى القاضي لا
الغاء علمه
الشخصي مطلقا الا ان هناك بيانا آخر لهم اصطلحوا
عليه، وهو
مبدا حق الخصم في الاثبات ومناقشة الادلة التي
يقدمها
الطرف الاخر ونقضها،ولهذا كل دليل يقدم في الدعوى
يجب
ان يعرض على الخصوم جميعا لمناقشته، والدليل الذي
لا
يعرض على الخصوم لا يجوز الاخذ به.
وعلى هذا الاساس ذكروا: «ويترتب على حق الخصوم في
مناقشة الادلة التي تقدم في الدعوى انه لايجوز
للقاضي ان
يقضي بعلمه، ذلك ان علم القاضي هنا يكون دليلا في
القضية،
ولما كان للخصوم حق مناقشة هذا الدليل اقتضى الامر
ان ينزل
القاضي منزلة الخصوم فيكون خصما وحكما، وهذا
لايجوز».
ثم انهم جعلوا طرق الاثبات ستة:
1- الكتابة. 2- الشهادة او البينة. 3- القرائن. 4-
الاقرار. 5-
اليمين. 6- المعاينة.
كما انهم جعلوا علم القاضي الذي لا يختص به بل يعد
من
العلوم المعروفة بين الناس ولا يكون مقصوراعليه،
كالمعلومات
التاريخية والعلمية الثابتة كذلك، فعلم القاضي
الذي يحصل
على اساس المعلومات الحاصلة في مجلس القضاء حجة،
ولعله
لاعتبارها من مصاديق القرائن الذي هو الطريق
الثالث عندهم.
ونحن انما نقلنا هذه الكلمات لتشخيص موقفهم، لا
الاستناد
الى استدلالهم الذي لا ينسجم مع منهج فقهنا عموما،
لكونه
استحسانات واستصلاحات بشرية، ونحن اتباع ما تقتضيه
الادلة
الشرعية على ان ماذكر من احتمال الجور وتحكم القاضي
في
حكمه واتهامه لا يختص بفرض كون علمه الشخصي
نافذاوحجة في القضاء، بل يتاتى ايضا في سائر الطرق
التي لا
شك في جواز الاستناد اليها وان كان بنسبة اقل،على
ان الشارع
قد اشترط عدالة القاضي بدرجة فائقة، وهي تمنع، في
النظام
الاسلامي، وقوع مثل هذاالجور بدرجة كبيرة، اذا فرض
تطبيق
الانظمة الاسلامية بتمامها وكمالها.
كما ان مبدا حق الخصم في المناقشة لا يمنع جواز قضاء
القاضي بعلمه الشخصي، بعد تقديم المحكوم عليه لكل
ما لديه
من المناقشات وعدم وفائها في هدم الادلة ونقضها بلا
فرق
بين البينة وعلم القاضي. وماذكر من ان القاضي لا
يجوز ان
يكون خصما وحكما صحيح بمعنى ان يكون هو طرف الدعوى
المستفيدمنها، فان احد المتخاصمين لا يمكن ان يكون
هو
الحكم في تلك المخاصمة، فالخصم بمعنى المدعي
اوالمدعى
عليه لا يكون حكما، لا الخصم بمعنى كل من يمكن ان
يناقش
ما قدم من الدليل في المحكمة من قبل المحكوم عليه،
كيف!
وقد يناقش المحكوم عليه جملة مما يستند اليه القضاة
في
الحكم، كما اذاجرح في الشهود من حيث العدالة او
العدد،
والقاضي يعلم عدالتهم وتمامية عددهم، فان هذا لا
يجعل القاضي الحكم خصما.
وعليه، فاللازم ملاحظة الادلة الشرعية اثباتا
ونفيا. وقبل
الشروع فيها نشير الى امور:
الاول:
لا اشكال في ان مقتضى القاعدة هو عدم نفوذ حكم احد
على
احد الا بدليل، وهذا لا يفرق فيه بين ان يكون الشك
في نفوذ
الحكم من ناحية الشك في الاهلية كما اذا شك في
اشتراط
العدالة او الاجتهاد اوالذكورة في القاضي او من
ناحية الشك
في سعة دائرة نفوذ الحكم وضيقها كما اذا شك في نفوذ
حكم القاضي على الغائب مثلا او من ناحية الشك في
مستند
الحكم كما في مسالتنا هذه، فانها جميعا من
باب واحد، اي شك
في نفوذ حكم القاضي بنحو الشبهة الحكمية، والاصل
فيه عند
الشك وعدم الدليل ولوباطلاق وعموم هو عدم الحجية
وعدم
النفوذ، وهذا واضح.
الثاني:
قد يتصور ان عدم جواز حكم القاضي بعلمه مخالف لما هو
مقرر
في محله من الحجية الذاتية للعلم وعدم امكان الردع
عنه
عقلا، لانه حينما علم القاضي بوقوع الجريمة فهو يرى
لا محالة
تحقق موضوع العقوبة من حد او تعزير، ويرى وجوب
اجرائها
عليه واستحقاقه لذلك واقعا، فكيف لا يجوز له الحكم
بذلك واسناد الجرم اليه على حد اسناد كل حكم واقعي
حينما
يحصل لديه القطع بتحقق موضوعه، ولا يرادبالحكم الا
ذلك.
الا ان هذا البيان غير تام، لان جواز حكم القاضي
بعلمه ينحل
بحسب الدقة الى حكمين:
1- الحكم التكليفي بجواز اسناد الجرم الى المتهم في
نفسه،
نظير شهادة البينة واسنادها الجرم الى المتهم.
2- حجية هذا الحكم في المحكمة ونفوذه، بمعنى امكان
حسم
النزاع وانهائه على اساس منه، نظيرحجية البينة او
اليمين في
المحكمة وحسم النزاع بهما.
والحكم الاول قد يكون صدور الجرم واقعا تمام
الموضوع فيه
والقطع طريق محض اليه وان كان هذا ايضاخلاف
التحقيق،
فان العلم موضوع لجواز الاسناد والقضاء، ومن هنا لو
قضى
بالواقع مع الجهل يكون عاصيا لا متجريا الا انه
حكم يخص
القاضي نفسه. بينما الحكم الثاني هو المهم والمنظور
اليه في
هذاالبحث، لان المقصود من جواز حكم القاضي بعلمه
نفوذه
على المدعي والمدعى عليه في مقام حسم النزاع، ومن
الواضح
ان هذا الاثر وهو حسم النزاع والنفوذ على الاخرين
يكون علم
القاضي ومستنده موضوعا له، لا طريقا.
وان شئت قلت: ان هناك حجيتين متصورتين لعلم القاضي:
احداهما حجيته بالنسبة لنفسه من حيث ترتيب الاثار
المتعلقة
به، وهذا يمكن ان يكون جواز الاسنادتكليفا منه، وان
كان
التحقيق خلافه على ما سياتي.
والثانية حجيته القضائية، بمعنى نفوذه على المدعي
والمدعى
عليه ولزوم التزامهما به وانتهاء الخصومة وسقوط
حق الدعوى
بذلك. وهذا الاثر يكون علم القاضي موضوعا فيه، لان
الاثر
المترتب والمنظور اليه متعلق بغير من له العلم،
فيكون
موضوعا له لا محالة. ومن هنا تكون سعته وضيقه بيد
المشرع
فله ان يجعل مطلق علم القاضي موضوعا للحجية
القضائية وله
ان يقيده بخصوص ما يحصل له من منشا معين او بخصوص
ما
اذا كان المستند البينة واليمين لا غير، ولا يلزم
من ذلك الردع
عن حجية القطع الطريقي اصلا. ولهذا لم يستشكلوا في
عدم
نفوذ حكم القاضي المستند الى العلوم الغريبة غير
المتعارفة.
لا يقال: ان تجويز الحكم بما هو حق وعدل وواقع،
المستفاد من
بعض الايات والروايات، يدل على جوازحكم القاضي بما
يراه حقا
وواقعا بلحاظ كلتا الحجيتين، فيكون موضوع الحجية
القضائية
الواقع ايضا.
فانه يقال: لو سلم بصحة هذا الاستدلال وهذا ما سياتي
الحديث
عنه فهذا يعني استفادة التوسعة في موضوع الحجية
القضائية
من الادلة، وان علم القاضي بوقوع الجرم يكفي لنفوذ
حكمه
على الغير، وهذا لابحث فيه لو تم الدليل عليه، ولكن
ليس
معناه طريقية علم القاضي للحجية القضائية.
وبعبارة مختصرة: ان الحجية والنفوذ سواء للشهادة او
للحكم او
الفتوى لا يمكن ان يكون موضوعه الواقع بان يكون
موضوع
حسم النزاع والقضاء الواقع فقط، فان هذا غير معقول،
وانما
موضوعه علم الشاهد اوالحاكم او المفتي بالواقع،
فيكون علم
القاضي كالبينة موضوعا للحجية لا محالة، فلابد من
ان يقوم
دليل على جعل هذا العلم حجة ولو من باب ضم دليل الى
دليل، كدليل جواز الحكم بالحق والواقع وكون ماجاز
الحكم به
حجة ونافذا على الاخرين لو فرض تمامية ذلك.
الثالث:
ان ما ثبت بالايات والروايات من الامر بجلد الزاني
او قطع يد
السارق ونحوهما مما رتب فيه الحكم على واقع الزنى
او السرقة
ليس حكما تكليفيا راجعا الى كل مكلف او الى القاضي
بالخصوص باقامة الحد على موضوعه الواقعي كلما
تحقق، كما
في «لا تشرب الخمر» مثلا، وانما هو تشريع وضعي
للعقوبات
في انواع الجرائم بلسان الامر بها، ولعل ذلك
للاشارة الى لزوم
اقامتهاوعدم جواز تعطيلها في المجتمع. واما
شروط الاقامة
ومن له حق الاقامة وكيفية اثبات الجرم على المتهم
بها فهذه
جميعها حيثيات اخرى اجنبية عن مفاد هذه الادلة
وجهة
البيان فيها، فلا يمكن التمسك باطلاقها من تلك
النواحي
لنفي اشتراط شيء فيهاكاشتراط البينة او اليمين
مثلا في
الاثبات، خصوصا اذا لاحظنا ارتكازية ان الحقوق
والمسووليات
سواءالمدنية منها او الجنائية بحاجة الى اثبات في
مقام المرافعة
والمخاصمة لاجراء الحكم على شخص، ولايكفي ثبوتها
الواقعي
من دون اثبات لادانته بها، فلا اطلاق لادلة تشريع
العقوبات
على العناوين الواقعية للجرائم ليتمسك به لاثبات
جواز حكم
القاضي بعلمه بدعوى: ان ظاهرها ترتب العقوبة والحد
على صدور الجرم واقعا، فان هذا ترتب وتشريع جنائي،
وليس
قضائيا.
وبعبارة اخرى: ان الادلة المذكورة في مقام بيان
كبرى الحكم
الجنائي في نفسه، اما كيفية ادانة الاخرين به في
مقام القضاء
واثباته عليهم فهو مقام آخر اجنبي عن منظور هذه
الادلة،
ولابد فيه من ملاحظة ادلة القضاء وكيفية اقامة
الدعوى واثباتها
او نفيها ومن يكون له القضاء وكيف يقضي ليكون قضاوه
نافذا،فاستفادة ذلك من اطلاق هذه الادلة خلط بين
المقامين
والحكمين: الجنائي والقضائي.
ومنه يظهر وجه الاشكال في ما افاده سيدنا
المرتضى(قدس
سره) في «الانتصار» من الاستدلال ب آيات الحدود
وتابعه
عليه آخرون حيث قال: «والذي يدل على صحة ما ذهبنا
اليه
زائدا على الاجماع المترددقوله تعالى: (الزانية
والزاني فاجلدوا
كل واحد منهما مائة جلدة) «النور/2»، وقوله تعالى:
(والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما) «المائدة/38»،
فمن علمه
الامام سارقا او زانيا قبل القضاء او بعده فواجب
عليه ان يقضي
فيه بما اوجبته الاية من اقامة الحد، واذا ثبت ذلك
في الحدود
فهو ثابت في الاموال، لان من اجاز ذلك في الحدود
اجازه في
الاموال، ولم يجزه احد من الامة في الحدود دون
الاموال.
فان قيل: لم زعمتم انه اراد بقوله: «الزانية
والزاني»
و«السارق والسارقة» من علمتموه كذلك دون ان
يكون اراد
من اقر عندكم بالسرقة او الزنى او شهد عليه الشهود؟
قلنا: من اقر بالزنى او شهد عليه الشهود لا يجوز ان
يطلق
القول بانه زان وكذلك السارق، وانما حكمنافيهما
بالاحكام
المخصوصة اتباعا للشرع وان جوزنا ان يكون ما فعلا
شيئا من
ذلك، والزاني في الحقيقة من فعل الزنى وعلم منه
ذلك
وكذلك السارق، فحمل الايتين على العلم اولى من
حملهما
على الشهادة والاقرار».
وجه الاشكال: ان العناوين الواردة في موضوعات
الاحكام
ظاهرة في وجوداتها الواقعية لا المعلومة،فكما لا
يكون
الموضوع للحد من اقر بالزنى او شهد عليه الشهود،
كذلك لا
يكون الموضوع من علم منه ذلك، بل الموضوع الزاني
والسارق
الواقعيان، فيكون دليل ترتيب الحد على تلك
العناوين كدليل
ترتيب الحقوق والاحكام الواقعية الاخرى على
موضوعاتها
الواقعية، فهل يمكن ان نستفيد من دليل
الضمان واشتغال ذمة
من اتلف مال الغير مثلا، او تعلق الدية بالقتل
الخطا جواز حكم
القاضي بعلمه في حقوق الناس؟! فاذا لم تصح هذه
الاستفادة
هناك، فكذلك الحال في حقوق اللّه وادلتها، فانها
ليست دالة
الا على ثبوت الحق على موضوعه الواقعي في نفسه،
والذي
عبرنا عنه بالحكم الجنائي، اما كيفية اثباته
قضائياعلى المتهم
وادانته به المعبر عنه بالحكم القضائي فهو اجنبي عن
مفاد
هذه الادلة بالمرة.
وهذا لا يفرق فيه ان يكون الخطاب في آيات الحدود
متوجها
الى العموم او الى خصوص الحكام، فانه على كلا
التقديرين
يكون ارشادا الى تشريع العقوبة، وان من زنى او سرق
مثلا
فحده وعقوبته الجلد اوالقطع في الشريعة، اما كيفية
اثباته
فمربوط بادلة القضاء وكيفية اثبات الدعوى المعبر
عنه
باصول الاثبات.
لا يقال: فاي فائدة لثبوت الحكم الجنائي على موضوعه
الواقعي
اذا فرض عدم كفاية ذلك للحكم القضائي الاثباتي؟
فانه يقال: ،مضافا الى ان مقتضى طبع المطلب
وملاكاته ان
يكون الحكم الجنائي على موضوعه الواقعي والحكم
القضائي
كالاحكام الظاهرية اثباتية انه يترتب على ذلك
ثمرات كثيرة
تظهر بالتامل، منها امكان نقض حكم القاضي في صورة
العلم
بخطئه، ومنها: امكان ترتيب آثار الحكم الجنائي
الواقعي اذا
كان حقاخاصا كالدية والقصاص، فيصح استيفاوه ولو لم
يثبت
قضائيا، الى غير ذلك من الثمرات والاثار.
نستخلص من مجموع ما تقدم ان مسندية وحجية علم
الشخص بحاجة الى دليل كحجية البينة تماما،وليس
امرا مبنيا
على القاعدة بحيث لا يحتاج نفيه الى دليل عليه، او
ردع عنه
كما توهم في مسالة الطريقية الذاتية للعلم بلحاظ
متعلقه وآثار
متعلقه، لا بالنسبة الى امر آخر، وعلمه بالواقعيات
لا ربط له
بمحل كلامنا.
ويقع البحث بعد هذا في ما استدل به تارة لاثبات جواز
قضاء
القاضي بعلمه الشخصي، واخرى لاثبات عدم جوازه
مطلقا او
على تفصيل، فنقول:
اما ادلة الحجية فيمكن ان يكون احد وجوه:
الوجه الاول: التمسك بالاجماع: فقد ذكر في الرياض:
«وهل
لغيره اي لغير الامام ايضا ان يقضي بعلمه في حقوق
الناس
وحقوق اللّه تعالى من حدوده؟ فيه قولان: اظهرهما
انه
كسابقه، وهو اشهرهما، بل عليه عامة متاخري
اصحابنا، وفي
صريح الانتصار والخلاف والغنية ونهج الحق وظاهر
السرائر ان
عليه اجماع الامامية، وهو الحجة، مضافا الى ادلة
كثيرة ذكرها
الجماعة». وظاهره ان القولين ثابتان في حقوق
اللّهوحقوق الناس معا.
ولكن في الجواهر: «وغيره اي غير الامام من القضاة
يقضي
بعلمه في حقوق الناس قطعا، وفي حقوق اللّهتعالى على
قولين
اصحهما القضاء، وفي الانتصار والغنية ومحكي الخلاف
ونهج
الحق وظاهر السرائرالاجماع عليه، وهو الحجة».
وظاهره ان القولين في خصوص حقوق اللّه. الا ان
المنسوب الى
ابن الجنيد في الانتصار القول بان الحاكم لا يحكم
بعلمه في
شيء من الحقوق والحدود، كما ان المنسوب الى
الشهيد
الثاني، في المسالك،قوله في كتابه الاحمدي: «يحكم
الحاكم
في ما كان من حدود اللّه بعلمه، ولا يحكم في ما كان
من
حقوق الناس الا بالاقرار او البينة» وهذا يعني
ثبوت
القولين في حقوق الناس ايضا، اللهم الا ان يكون
نظره الى غير
ابن الجنيد من فقهائنا، حيث لم ينقل عن احد منهم في
حدود
تتبعي القول بعدم جواز حكم الحاكم بعلمه في حقوق
الناس.
اما التفصيل بين حقوق اللّه وحقوق الناس بعدم
الجواز في
الاول والجواز في الثاني فهو مختار جملة من اعلام
الطائفة:
احدهم الشيخ الطوسي(قد): وقد قال في «النهاية»: «واذا
شاهد الامام من يزني او يشرب الخمر كان عليه ان
يقيم الحد
عليه، ولا ينتظر مع مشاهدته قيام البينة ولا
الاقرار. وليس
ذلك لغيره، بل هو مخصوص به.وغيره، وان شاهد، يحتاج
ان
يقوم له بينة او اقرار من الفاعل على ما بيناه. واما
القتل
والسرقة والقذف ومايجب من حقوق المسلمين من الحد
والتعزير فليس له ان يقيم الحد الا بعد مطالبة صاحب
الحق،
وليس يكفي فيه مشاهدته اياه، فان طلب صاحب الحق
اقامة
الحد فيه كان عليه اقامته، ولا ينتظر مع علمه
البينة والاقرار
على ما بيناه».
فان الظاهر من هذه العبارة، صدرا وذيلا، ثبوت
تفصيلين عنده:
احدهما: التفصيل في حقوق اللّه كالزنى والسرقة بين
الامام
المعصوم وغيره، فاذا علم بهما الامام كان عليه ان
يقيم الحد
عليه ولا ينتظر مع مشاهدته قيام البينة ولا
الاقرار، بخلاف
غيره من الحكام.
والثاني: التفصيل بين حقوق اللّه وحقوق الناس في
مطلق
الحاكم حتى الامام من حيث انه ليس له ان يقيم الحد
في
حقوق الناس الا بعد مطالبة صاحب الحق، فان طلب صاحب
الحق الاقامة كان عليه اقامته ولاينتظر مع علمه
البينة
والاقرار، ومقتضى اطلاق هذا التفصيل الثاني ان غير
الامام ايضا
لا ينتظر البينة والاقرار مع علمه بموجب الحق في
حقوق
الناس.
وقد تشعر به عبارته في «المبسوط» ايضا حيث قال: «واما
اقامته بعلمه فقد ثبت عندنا ان للحاكم ان
يحكم بعلمه فيما
عدا الحدود، وفي اصحابنا من قال وكذلك في الحدود،
وفي
الناس من قال مثل ذلك على قولين».
وممن قال بهذا التفصيل ايضا الفقيه الاقدم ابو
الصلاح الحلبي
في كتاب «الكافي» حيث ذكر تحت عنوان:«فصل في العلم
بما يقتضي الحكم»: «علم الحكم بما يقتضي تنفيذ
الحكم
كاف في صحته ومغن عن اقراروبينة ويمين، سواء علم
ذلك
في حال تقلد الحكم او قبلها، لسكون نفس الحاكم
العالم الى
علمه في حال حكمه بمقتضاه». ثم ذكر في ذيل هذا
الفصل:
«فاما ما يوجب الحد فان كان العالم بما يوجب الحد
الامام فعليه الحكم بعلمه، لكونه معصوما مامونا،
فان كان غيره
من الحكام الذين يجوز عليهم الكذب لم يجز له الحكم
بمقتضاه، لان اقامة الحد اولا ليست من فرضه، ولانه
بذلك
شاهد على غيره بالزنى واللواط وغيرهما، وهو واحد
وشهادة
الواحد بذلك قذف يوجب الحد وان كان عالم».
وقال بذلك ايضا صريحا ابن حمزة في الوسيلة: «يجوز
للحاكم
المامون الحكم بعلمه في حقوق الناس وللامام في
جميع
الحقوق».
ويظهر من مجموع ذلك:
اولا: انه لا اجماع في حقوق اللّه مع مخالفة مثل
الشيخ(قد)
والحلبي وابن حمزة وابن الجنيد، وتصريح جمع كثير
من
فقهائنا بوجود قولين في المسالة.
وثانيا: فيما يرجع الى حقوق الناس، وان لم ينقل
صريحا عن
احد القول بعدم الجواز غير ابن الجنيد، الا ان ما
ورد في كلام
ابن حمزة من تقييد الحكم بالجواز بما اذا كان
الحاكم مامونا،
وكذلك ورد ذلك في«مبسوط» الشيخ: «وعندنا ان الحاكم
اذا كان مامونا قضى بعلمه وان لم يكن كذلك لم يحكم
به» مشعربان المسالة لم تكن اجتماعية بينة، وانما
مستندة الى التعليلات والاستدلالات الفقهية نفيا
واثباتا
حيث استدل على عدم الجواز بالتهمة فاخذت
المامونية عن
ذلك قيدا في الحاكم الذي قضى بعلمه، بل مراجعة
كلمات
الفقهاء القدامى واستدلالاتهم تدل على استنادهم في
القول
بالجواز مطلقا او بالتفصيل الى بعض تلك الوجوه
والاستدلالات
مما يجعل الاجماع المذكور محتمل المدركية فلا حجية
فيه.
الوجه الثاني: التمسك بخطابات الحدود والامر
باقامتها على
السارق والزاني ونحوهما. والظاهر ان اول من تمسك
بهذا الوجه
هو السيد في «الانتصار» كما تقدم، وقد قرره في
الجواهر
بنحو احسن، فقال:«مضافا الى تحقق الحكم المعلق على
عنوان قد فرض العلم بحصوله كقوله تعالى: (السارق
والسارقة..)و(الزانية والزاني...) الى آخرها والخطاب
للحكام،
فاذا علموا تحقق الوصف وجب عليهم العمل،
فان السارق
والزاني من تلبس بهذا الوصف، لا من اقر به او قامت
عليه به
البينة، واذا ثبت ذلك في الحدودففي غيره بطريق
اولى».
ولكنك عرفت ان تعليق الحكم نفسه في هذه الخطابات
على
عنوان الجريمة بوجوده الواقعي دليل على نظرها الى
مقام
الثبوت لا الاثبات، اي الى تشريع العقوبة على
موضوعها
الواقعي. اما كيفية اثبات موضوعها وادانة المتهم
بها فهو مقام
القضاء واثبات الدعوى الذي هو مقام آخر اجنبي عن
مفاد
هذه الخطابات، كما هو الحال في تمام ادلة الاحكام
والحقوق
المدنية او الجنائية الواقعية الاخرى.
وكون الخطاب للحكام لو
سلم لا يقتضي كونه ناظرا الى مقام الاثبات، بل هو
ارشاد على
كل حال الى التشريع الجنائي وما هو المقرر ثبوتا
في كل جريمة
من العقوبات. اما مسالة الحجية الذاتية للعلم
بالنسبة
لمن حصل له العلم بموضوع الحكم فقد عرفت، في ما
سبق، انه
اجنبي ايضا عن باب القضاء وجواز حكم الحاكم به
فضلا عن
نفوذه على الاخرين.
وقد يقال: ان الخطاب في الايات الكريمة لو كان
متوجها الى
الحكام فهذه النكتة نفسها تصبح قرينة على ان نظر
الايات الى
الحكم القضائي ايضا، وان شئت: قلت الى الحكم
النهائي
والنتيجة العملية، فتدل لامحالة على كفاية الواقع
للحكمين
الجنائي والقضائي معا، فيجوز حكم الحاكم استنادا
الى
علمه الشخصي، لكونه حينئذ طريقا الى جواز الحكم،
وجوازه
موضوع للنفوذ وحجيته في حق الاخرين بمقتضى ادلة
نفوذ
حكم الحاكم اذا كان حكمه جائزا له مشرعا، على ما
سياتي
الحديث عنها.
ولكن الصحيح انه لا وجه لهذا الاستظهار، فان نكتته
ان كانت
لغوية جعل الحكم الجنائي على موضوعه الواقعي
والحكم
القضائي على كيفية احرازه واثباته فقد تقدم عدم صحة
ذلك
في المقدمات، وان كانت النكتة في نفس توجيه الخطاب
الى
الحكام فمضافا الى امكان المنع عن اصل ذلك حيث لا
موجب لتقييد الايات بذلك انه لا موجب له اذ الحاكم
ايضا لابد
من ان يعرف ما هو الحكم الجنائي، فتكون الايات
بصدد الارشاد
اليها بلا نظر الى الحكم القضائي اصلا، فانه حكم
آخر وجهة
اخرى كما لا يخفى.
وقد يقال: اننا نستفيد ذلك من ضم ادلة اقامة الحدود
والحقوق الى دليل النصب والامر بالقضاءللمجتهدين
نحو رواية
«وان الراد عليه كالراد على اللّه»، حيث ان الامر
يدل على
ثبوت الحكم او الحق على موضوعه الواقعي، فيجوز
للقاضي
اسناده والحكم على واقعه ويدل على نفوذ حكمه وحجيته
على الاخرين.
وفيه: ما ذكرنا من ان جواز الحكم والقضاء، بل
والاسناد يكون
العلم موضوعا فيه، فلا يمكن استفادته بشيء من
هذين
الدليلين ولو ضم احدهما الى الاخر، لان مفاد كل
واحد منهما
حكم آخر اجنبي عن الحجية القضائية، ولا ملازمة
بينهما وبين
ذلك لا عقلا ولا عرفا، خصوصا مع ملاحظة كونهما
دليلين منفصلين، لا في خطاب واحد، فتدبر جيدا.
الوجه الثالث: ما ذكره في «الجواهر» وغيره من كون
العلم
اقوى من البينة المعلوم ارادة الكشف منها.والظاهر
من ذيل
هذا التعبير ان مقصوده ان البينة اذا كانت حجة في
مقام القضاء
والحكم ومن المعلوم ان حجيتها انما تكون من باب
الكاشفية
والطريقية لا الموضوعية والصفتية فالعلم الذي هو
طريق
وكاشف اقوى اولى بالحجية والقيام مقام البينة
الماخوذة بما
هي كاشف في موضوع جواز الحكم والقضاء.
وفيه ان العلم انما يكون اقوى كشفا واولى بالحجية
بالنسبة الى
نفس العالم وما يرجع اليه من الاحكام الواقعية
التي يلتمس
طريقا اليها، وليس كذلك بالنسبة للاخرين، كما هو
الحال في
باب القضاء، حيث يرادتنفيذ حكم القاضي على الغير،
فانه
عندئذ لا يكون علمه وهو شاهد واحد اقوى من البينة
عند
الشارع ولاعند المدعي والمنكر، بل البينة العادلة
اقوى من
ناحية تعدد الشهادة فيها، فقد لا يكتفي الشارع
بعلم الواحد ولو
كان هو القاضي. هذا مضافا الى ان احتمال ملاحظة
الجنبة
الموضوعية في حجية البينة واليمين في باب القضاء
زائدا على
الكاشفية متجه، ومعه لا مجال للاستدلال بالاولوية
المذكورة،
كما لايخفى.
الوجه الرابع: ما ذكره في الجواهر «من استلزام عدم
القضاء
بالعلم فسق الحاكم او ايقاف الحكم، وهما
معاباطلان، وذلك
لانه اذا طلق الرجل زوجته ثلاثا مثلا بحضرته ثم جحد
كان
القول قوله مع يمينه، فان حكم بغير علمه وهو
استحلافه
وتسليمها اليه لزم فسقه والا لزم ايقاف الحكم لا
لموجب».
ويلاحظ على هذا الاستدلال بانه مصادرة على
المطلوب، فانه
انما يكون الحكم على خلاف علمه فسقااذا ثبت في
المرتبة
السابقة حجية علمه في مقام القضاء، وكذلك انما يكون
ايقاف
الحكم لا لموجب وباطلا اذا ثبت جواز الحكم بالعلم
في المرتبة
السابقة. نعم لا ينبغي الاشكال في ان المستفاد من
ادلة حجية
البينة واليمين طريقتيهما بنحو بحيث مع العلم
بالخلاف لا
حجية لهما، فلا يصح الحكم على طبقهما مع العلم
بالخلاف، الا
انه ما لم يثبت حجية علمه لا يمكن الحكم على طبقه
ايضا،
فيكون ايقاف الحكم لموجب، وهو عدم الحجة
القضائية،
فيمكنه عندئذ ان يحول المرافعة الى قاض آخر ويشهد
عنده بما يعلمه او ينتزع منه الاقرار على الطلاق
مثلا ولو
بالاكراه، فيكون حجة، لانه اقرار مطابق للواقع
عنده وان حصل
عن اكراه، فتدبر جيدا.
الوجه الخامس: ما جاء في الجواهر ايضا «من استلزامه
ايضا
عدم وجوب انكار المنكر وعدم وجوب اظهار الحق مع
امكانه او
الحكم بعلمه، والاول معلوم البطلان فتعين الثاني،
وذلك لانه
اذا علم بطلان قول احد الخصمين فان لم يجب عليه
منعه عن
الباطل لزم الاول والا ثبت المطلوب».
وكان مقصوده(قد) ان ادلة وجوب انكار المنكر واظهار
الحق،
مع امكانه، تدل بالملازمة على جواز حكم القاضي
بعلمه وتعينه
عليه.
وفيه: اولا ان انكار المنكر واظهار الحق اجنبي عن
جواز حكم
القاضي بعلمه ونفوذ هذا الحكم على الاخرين، فانه
قد يجب
على القاضي الانكار على احد المتخاصمين ونصحه
وامره
بالمعروف وحمله على الاقرار بالواقع، ولكنه مع
ذلك لا يكون
له القضاء بعلمه، بل قد يجب عليه القضاء بما قامت
عليه البينة
اذا فرض حجيتها بنحو الموضوعية لا الطريقية، كما هو
الحال
في حق من يعلم بخطا حكم القاضي لاحد الخصمين بناء
على
القول بحجية حكم الحاكم حتى مع العلم بخطئه، فانه
قد
يجب على العالم بالخلاف ان ينكر على من حكم له اذا
كان
متعديا في ما اخذه بحكم القاضي ويردعه عن
المعصية والعدوان رغم نفوذ حكم الحاكم عليه ايضا.
نعم يمكن
ان يدعى الملازمة العرفية بعد فرض طريقية
البينة واليمين
في مقام الاثبات القضائي ولو في الجملة بين وجوب
اظهار
الحق وانكار المنكر على القاضي ايضا وبين حرمة
الحكم
بالخلاف ومايراه القاضي منكرا، واما جواز الحكم
بما علمه من
دون بينة ويمين فلا يستلزمه ذلك بوجه من الوجوه
الا اذا قام
دليل على وجوب الحكم عليه وعدم جواز ايقافه، وهو
اول الكلام.
وثانيا: لا دليل على وجوب اظهار الحق بالمعنى
المذكور، فانه
لو اريد التمسك بادلة النهي عن المنكر فهي فرع
تحقق المنكر،
وهو لا يكون مع فرض احتمال وجود عذر للخصم، كما اذا
كان
يعتقد ان الحق له واقع او ظاهر، فالدليل اخص من
المدعى.
اللهم الا بضميمة عدم القول بالفصل، وان اريد
التمسك بادلة
حرمة الكتمان فهي مخصوصة بموارد خاصة من قبيل
كتمان
الشهادة او كتمان البينات ودلائل النبوة او
كتمان الدين وتبليغ
احكامه ونحو ذلك، وكله اجنبي عن محل الكلام، كما هو
واضح.
الوجه السادس: ما جاء في كلمات المحقق الكليني(قدس
سره
الشريف) من التمسك بما دل من الايات على لزوم الحكم
بما
انزل اللّه منطوقا او مفهوما، وهي آيات كثيرة:
منها قوله تعالى: (انا انزلنا اليك الكتاب بالحق
لتحكم بين
الناس بما اراك اللّه ولا تكن للخائنين
خصيما)«النساء/105».
ومنها قوله تعالى: (فاحكم بينهم بما انزل اللّه ولا
تتبع اهواءهم)
«المائدة/48» (ومن لم يحكم بما انزل اللّهفاولئك هم
الكافرون)
«المائدة/44» وقوله: (ومن لم يحكم بما انزل اللّه
فاولئك هم
الظالمون)«المائدة/45» وقوله: (ومن لم يحكم بما انزل
اللّه
فالئك هم الفاسقون) «المائدة/47»، وقوله: (وان
احكم بينهم
بما انزل اللّه ولا تتبع اهواءهم) «المائدة/49».
وتقريب الاستدلال انها امرت بالحكم بما انزل
اللّه، اي ان يكون
حكم القاضي على طبق الحكم الذي انزله اللّه سبحانه
وجعله
حكما للواقعة، وحيث ان ذلك الحكم مجعول على موضوعه
الواقعي فاذا ثبت لدى القاضي وعلم بما هو موضوع
ذلك الحكم
الكلي الذي جعله اللّه، ولم يحكم به في المرافعة
كان ممن لم
يحكم بما انزل اللّه لا محالة، وكان فاسقا ظالما
كافرا على حد
تعبير الايات المباركة.
وان شئت قلت: ان المستفاد من هذه الايات ان موضوع
جواز
القضاء والحكم هو واقع ما انزله اللّه وجعله من
الحكم للواقعة،
فيكون العلم به علما بموضوع جواز القضاء، وهذا علم
طريقي
بالنسبة لموضوع جوازالقضاء، ويودي الى العلم بجواز
القضاء لا
محالة، ولا يمكن الردع عن حجيته.
ونلاحظ على هذا الاستدلال:
اولا: ان القاضي له حكمان: احدهما حكمه بتحقق
الموضوع
المترافع فيه حيث ان الترافع والقضاء يكون في
الموضوعات
كالحكم بانه سرق او زنى او قتل او غصب مال الغير
وغير ذلك،
وهذا هو الحكم القضائي بالدقة، اي هو الذي ينشئه
القاضي
ويحكم به، ومن هنا كان نفوذ حكم القاضي من اقسام
نفوذحكم الحاكم في الموضوعات. والاخر ترتيب حكم
الواقعة
على المورد والالزام به كالحكم بالدية اوالقصاص او
الحد او
الضمان، وهذا الحكم بحسب الحقيقة من انشاء الشارع
وجعله لا
القاضي، وانمايطبقه القاضي على المورد اجتهادا او
تقليدا،
فيقال انه حكمه مسامحة وبهذا الاعتبار.
فاذا اتضحت هذه المقدمة نقول: ان الايات المذكورة
بقرينة
امرها بالحكم بما انزل اللّه وشرعه تكون ناظرة الى
المرحلة
الثانية لا الاولى، فيكون مفادها ان الحاكم لابد من
ان يطبق
الاحكام الالهية المشرعة من قبل اللّه والنازلة
على انبيائه
العظام لا الاحكام البشرية التابعة لاهوائهم، وهذا
يعني ان نظر
الايات المذكورة الى الشبهة الحكمية وما ينبغي ان
يطبقها
الحكام من احكام وشرائع، فلا يجوز لهم ان
ينحرفواعما انزله
اللّه لعباده، اما ان الموضوع المترافع فيه بماذا
يثبت قضائيا
بحيث يكون حكم القاضي نافذا فيه على المتخاصمين
فهذه
جهة اخرى اجنبية عن منظور هذه الايات، بل هذه الجهة
ماخوذة في الايات كالموضوع مفروغا عنه، فكانها
تقول كلما
ثبت الموضوع بما يكون مثبتا له فلابد من الحكم فيه
بما
انزله اللّه لا بما جعله البشر، فهي ليست بصدد
اثبات الموضوع،
بل بصدد الامر باتباع ما انزله اللّه سبحانه
في ذلك الموضوع
على تقدير ثبوته في كل مورد بحسبه.
لا يقال: الامر بالحكم بما انزل اللّه وعدم مخالفته
كما يشمل
انكار اصل الحكم المجعول من قبل اللّهسبحانه كذلك
يشمل
باطلاقه من لا يطبق الحكم الالهي على موضوعه عند
العلم
بتحققه، فانه ايضا يكون مصداقا لمن لم يحكم بما
انزله اللّه في
ذلك المورد، فيكون القاضي مامورا بذلك في مورد
علمه الشخصي بمقتضى اطلاق الايات، ولازم ذلك جواز
القضاء
بالعلم، وهو المطلوب.
فانه يقال: لو كانت الايات واردة في باب المرافعة
وناظرة الى
مرحلة الاثبات القضائي للموضوع المترافع فيه كما
اذا كان
بلسان ان القاضي يحكم بما يراه الواقع او بما يراه
حكم اللّه
الواقعي امكن استفادة نفوذحكم القاضي من ذلك. الا
انها
ليست واردة في هذا المجال، وانما وردت ناظرة الى
الاحكام
والشرائع النازلة من السماء وبلسان الامر بالحكم
بما انزل اللّه
وعدم مخالفته، وهذا اللسان ليس مفاده اكثر
من القضية
الشرطية التي ذكرناها، وهي انه كلما فرض تمامية
الموضوع
ثبوتا واثباتا فلابد من الحكم فيه بماانزل اللّه،
واطلاق مثل هذه
الشرطية حتى لموارد القضاء والمرافعات لا يستلزم
تعرض
الايات لكيفية احراز موضوع الشرطية حتى يستكشف
منه
بالملازمة نفوذ علم القاضي، وهذا واضح.
ومما يشهد على ان تمام النظر في هذه الايات الى
الشبهة
الحكمية والشرائع الالهية عموما لا
الواقع المتنازع فيه في
المرافعة وكيفية اثباته قضائيا، ما نجده في ثنايا
الايات وسياقها
من ذكر التوراة والانجيل والقرآن والمقابلة بينها
وبين اهواء بني
اسرائيل او المقابلة بين حكم اللّه وحكم الجاهلية
او التصريح
بان ما انزله اللّه من الكتب يحكم به النبيون
والربانيون والاحبار
الى غير ذلك من التعبيرات المبثوثة في هذاالمقطع من
الايات
المباركة والصريحة في ان تمام النظر فيها الى
الشرائع الالهية
ولزوم اقامتها واحيائها،ومن هنا لا يبعد ان يكون
المراد من
الحكم في هذه الايات المعنى الاعم من القضاء بحيث
يشمل
كل الوان الحكم والالزام وتنفيذ الاحكام الشرعية،
فان الحكم
في اللغة اصله المنع والالزام ومنه
الاحكام الشرعية، وياتي
بمعنى العلم والحكمة، وبمعنى التنفيذ ومنه الحاكم
والحكومة، وبمعنى مطلق القضاءالشامل للافتاء
وبيان الحكم
الكلي ومنه قضاء النبي(ص) بلا ضرر ولا ضرار وغيره،
والسياق
والقرائن المذكورة في هذه الايات يناسب ارادة
المعنى الاعم،
كما انه في بعض الروايات فسرت آية (يحكم
بهاالنبيون...)
«المائدة/44» الخ بالامامة والحكومة، كما وطبق آيات
(ومن لم
يحكم بما انزل اللّه...)«المائدة/44 و45 و47» على ما
فعله
الحكام من منع الخمس ونصيب آل محمد(ص). وفي معتبرة
ابي بصير بنقل الكليني(قدس سره) عن ابي جعفر(ع) قال:
«الحكم حكمان، حكم اللّه وحكم الجاهلية، وقدقال
اللّه عز
وجل: (ومن احسن من اللّه حكما لقوم يوقنون)
«المائدة/50»
واشهدوا على زيد،بن ثابت لقدحكم في الفرائض بحكم
الجاهلية». وكان قد حكم زيد بالعول والتعصيب وغيرها
اجتهادا وعملابرايه واتباعا لعمر وخلافا على امير
المومنين(ع).
وثانيا: لو تنزلنا عما سبق، مع ذلك هناك اشكال آخر
على
الاستدلال بهذه الايات وحاصله:
ان الماخوذ في موضوع الامر في هذه الايات هو الحكم
بما انزل
اللّه، وهذا العنوان عام يشمل ما يشرعه اللّه في
كيفية القضاء
ايضا، فلو فرض احتمال ان يكون الميزان في جواز
القضاء
خصوص البينة واليمين مثلا وان العلم الشخصي
للقاضي ليس
حجة قضائية لم يصح التمسك بهذه الايات، لانه من
الشك في
مافرضه اللّه وانزله في القضاء، فيكون تمسكا
بالعام في الشبهة
المصداقية له، ففرق بين ان يقال: احكم بالواقع
والحق او ان
يقال: احكم بما انزل اللّه، فان الثاني يشمل جميع ما
انزل اللّه
حتى في القضاء نفسه وكيفيته، ولا يختص بخصوص الحكم
الواقعي المجعول على الموضوع المترافع فيه لكي يدل
بالملازمة على جواز القضاء بالعلم، كما توهم في
الاستدلال.
ومما يشهد على ذلك ما ورد في صحيح سليمان بن خالد
الذي
يرويه الكليني(قدس سره) عن محمد بن يحيى، عن احمد
بن
محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن هشام
بن سالم، عن سليمان بن خالد، عن ابي عبداللّه(ع)
قال: «لا
يحلف اليهودي ولا النصراني ولا المجوسي بغير
اللّه، ان اللّه
عزوجل يقول: (فاحكم بينهم بما انزل اللّه)
«المائدة/48»
وقد نقله العياشي ايضا عن سليمان بن خالد.
ولعله لهذه النكتة لم يستند المشهور، القائلون
بالجواز بهذه
الايات، وانما اقتصروا على ما دل من الايات على
الحكم بالحق
والعدل والقسط، كما سياتي في الوجه القادم.
الوجه السابع: التمسك بما دل من الايات على الامر
بالحكم
بالعدل والحق والقسط كقوله تعالى: (يا داودانا
جعلناك خليفة
في الارض فاحكم بين الناس بالحق) «ص/26».
وقوله تعالى: (واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا
بالعدل)
«النساء/58».
وقوله تعالى: (وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط)
«المائدة/42».
وامتياز هذه الايات على سابقتها ان الوارد في
موضوعها هو
الحكم بالحق والعدل، فيقال ان ظاهرها ارادة الحكم
بالحق
والواقع المترافع فيه، فيكون دليلا على ان موضوع
جواز القضاء
والحكم هو الواقع، ويكون علم القاضي طريقا محضا
اليه.
وقد ناقش في هذا الاستدلال المحقق العراقي(قدس سره)
بانه
قد يكون المراد بمثل الحق والعدل هوالحق والعدل وفق
مقاييس القضاء لا الحق والعدل وفق الواقع، وكون علم
القاضي
من مقاييس القضاء اول الكلام.
وهذا الاشكال قابل للدفع بان حمل الحق والعدل
وخصوصا
الحق على الحق والعدل بلحاظ مقاييس القضاء خلاف
الظاهر
جدا، فان العدل يقابله الظلم، والحق يقابله سلب
الحق، ومن لم
يحكم بمقاييس القضاء كما اذا فرض انه اخذ باليمين
في غير
مورده او اكتفى بشاهد واحد لا يصدق عليه انه حكم
بالظلم وبغير حق، وانما خالف شرع القضاء وكيفيته،
ومن هنا
قلنا بالفرق بين عنوان الحكم بما انزل اللّه
وشرعه وبين عنوان
الحكم بالحق والعدل، فان الاخير ظاهر في كون ما
يقضي به
حقا وعدلا، لا ان كيفية قضائه لابد ان يكون مطابقا
لحكم اللّه
وشرعه في كيفية القضاء ومقاييسه.
|
|---|