الصفحة السابقة

الصفحة التالية

وان شئت قلت: ان هذا المعنى، اعني العدل والحق بمقاييس القضاء، حق وعدل نسبيان اضافيان لابد من اضافتهما الى ما هو المشروع والمجعول في كيفية القضاء، وهذه عناية زائدة بحاجة الى قرينة، والا فظاهراللفظ ارادة الحق والعدل المطلقين، وهما الحق والعدل بحسب الواقع المترافع فيه.

نعم، يبقى هنا اشكالان آخران:

احدهما: ما تقدم في الاشكال على الوجه السابق من ان النظر في هذه الايات الثلاث ايضا الى نفس ما كان النظر اليه في تلك الايات، اعني كبرى الحكم والتشريع الذي يريد الحاكم تطبيقه على موضوعه بعدالفراغ عن ثبوته قضائيا، فلابد من ان يكون ذلك الحكم عدلا وحقا لا من الاحكام الباطلة والظالمة التي وضعها الطواغيت والحكام الجائرون باهوائهم الفاسدة، اما كيف يثبت موضوع الحكم العادل والحق فهواجنبي عن منظور الايات.

والحاصل: فرق بين ان يقال: «احكم بالواقع» وان يقال:

«احكم بالعدل والقسط والحق»، فان هذه العناوين من اوصاف نوع الحكم والتشريع الذي يحكم به القاضي، وليس النظر فيه الى الظلم من ناحية انكاره للموضوع مع علمه به.

ومما يشهد على هذا الاستظهار ان سياق الاية الثالثة هو سياق الايات المتقدمة نفسه، بل هي منها. والاية الاولى حيث فرع فيها الحكم بالحق على جعل داود خليفة في الارض من قبل اللّه سبحانه، فيناسب ان يكون المراد بالحكم بين الناس بالحق فيها مطلق اقامة الحق والشريعة الالهية العادلة على الناس. اما الاية الثانية فقد ورد فيها الحكم بالعدل عقيب الامر باداء الامانة الى اهلها حيث قال تعالى: (ان اللّه يامركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل ان اللّه نعما يعظكم به ان اللّه كان سميعا بصيرا) «النساء/58» وهذا التعقيب يدل على ان المقصود بالامانة التي امر اللّه بادائها سنخ امانة خاصة عظيمة لها ارتباط بالحكم بالعدل واقامته بين الناس، فيناسب ان يكون المراد بها الامامة والحكومة، ويراد بالحكم بالعدل اقامة الشريعة العادلة واقامة حكم اهل البيت(ع)، كما دلت على ذلك روايات صحيحة مستفيضة اكدت على ان هذه الاية المباركة فينا نزلت وايانا تعني وان الحكم بالعدل هوالحكم بما في ايدينا.

الثاني: اننا نعلم بان الواقع ليس تمام الموضوع لجواز القضاء والحكم، بمعنى ان من قضى بالواقع اتفاقا من دون علم ولا حجة شرعية لم يكن قضاوه جائزا فهو نظير الافتاء بلا علم وان صادف الواقع، فالحكم والافتاء من هذه الناحية على حد واحد، وليس ذلك من باب التجري واحتمال الحكم بخلاف الواقع بلاحجة، بل بنفسه معصية اذا لم يكن له حجة سواء صادف الواقع ام لا، ولعل هذا من المسلمات الفقهية،ويستفاد من جملة من الروايات. وهذا يعني ان الاحراز دخيل في موضوع جواز القضاء، وليس الواقع تمام الموضوع فيه، بل لعل هذا مرتكز ايضا في الذهن المتشرعي، ومعه من المحتمل ان يكون الشارع قداشترط في الاحراز الماخوذ موضوعا لجواز القضاء الاحراز الخاص اي البينة واليمين لا علم القاضي،فيكون العلم موضوعيا لا طريقا الى موضوع جواز القضاء، نعم لا مانع من ان يكون الواقع ايضا جزءالموضوع لجواز القضاء وتكون الحجة عليه طريقا لاحراز ذلك الجزء ومحققا في الوقت نفسه للجزءالاخر، الا انه ليس الواقع تمام الموضوع، ومعه لا تتم دلالة الايات على جواز القضاء بالعلم، لانه فرع دلالتها على كون الواقع تمام الموضوع له، وقد ثبت خلافه، او قيام دليل على كفاية مطلق الاحراز حتى العلم الشخصي للقاضي في موضوع جواز القضاء، وهو بحاجة الى دليل آخر.

وهذا الاشكال قابل للدفع: فانه اذا فرض تمامية دلالة الايات على الحكم بالواقع فما ثبت في الارتكازالمتشرعي او بالادلة الخاصة لا يمنع عن الاستدلال المذكور، لان مقتضى الايات المذكورة جواز الحكم بالواقع مطلقا حتى مع عدم احرازه، نخرج عن هذا الاطلاق بمقدار ما ثبت من القيد وهو عدم جوازالحكم بالواقع مع عدم وجود احراز للواقع لا علمي ولا تعبدي، اما ما عدا هذه الحالة فيبقى تحت اطلاق الامر بالحكم بالواقع، ولازمه كفاية مطلق الاحراز العلمي او التعبدي مع الواقع في جواز القضاء، ولانحتاج الى دليل آخر، كما لا يخفى.

فالصحيح في وجه الاشكال على الاستدلال بهذه الايات هذا الاشكال الاول.

ثم ان للمحقق العراقي(قدس سره) كلاما آخر على الاستدلال بالايات والعمومات المذكورة مرجعه الى انه لا يثبت بها ميزانية العلم للقضاء كالبينة واليمين، وانما تثبت الميزانية في الجملة، ولا يظن التزام المشهور به، حيث قال:

«وعليه اي بناء على ان المراد بالحق في العمومات الواقع المدعى به ينفذ حكمه اي القاضي في حقه وحق كل من علم بكون علمه مطابقا للواقع كي يحرز به كون قضائه بالحق عن علم، واما الشاك في مطابقة علمه للواقع فلم يحرز كونه قضاء بالحق وان علم كونه حاكما به باعتقاده وعلمه، وعليه فلا مجال لاثبات كون العلم كالبينة ميزانا للفصل على وجه لا تسمع الدعوى على خلافه حتى بنظر الشاك في مطابقة علمه للواقع، اذ كم فرق بين العلم والبينة حيث ان مفاد البينة من جهة حجيتها في حق الشاك بنظر كل احديصدق على الحكم على طبقها انه حكم بالحق بالنسبة الى كل احد، وهذا بخلاف علم القاضي الذي لايكون الا حجة في حق العالم دون غيره.

ولا يخفى ان هذا المقدار وان كان لا يضر بميزانية العلم بالحق في الجملة، لكن ليس مثله كالبينة تمام الميزان، بل الميزان التام هو العلم المطابق للواقع لا مطلقا، وحينئذ تختص حرمة نقضه بخصوص من احرز ذلك لا مطلقا، وهذا المقدار خلاف ظاهر كلمات من جعل العلم من الموازين في قبال البينة واليمين وحينئذ يصح لنا دعوى عدم وفاء امثال هذه العمومات لميزانية العلم نفسه، ولو لم يطابق الواقع كالبينة واليمين».

ثم تعرض الى دعوى الاجماع او تنقيح المناط في ميزانية العلم كالبينة واليمين وان عهدتها على مدعيها.ثم قال: «وبالجملة نقول: انه بعد القطع بان الكلام في كونه بنفسه ميزانا في عرض البينة بحيث يكون الحكم الصادر عن علمه حكما فاصلا صحيحا بنحو لا تسمع الدعوى ولا البينة على خلاف مضمونه مالم يقطع بمخالفة الحكم للواقع، ان هذا المعنى لا يكاد يحرز من العمومات السابقة، بل غاية ما تقتضي العمومات كون الفاصل هو الحكم المطابق للواقع، ومثل ذلك لا يمنع عن سماع الدعوى والبينة على خلافه عند الشك في مخالفته للواقع المساوق للشك في كونه فاصلا وان فرض محكوميته بالصحة والفاصلية ببركة اصالة الصحة لولا دليل او امارة اخرى على خلافه. ولكن ذلك المقدار لا اظن التزامه من القائل بالميزانية لعلم القاضي، وعليه فلا يكاد تتم الميزانية بالنحو المزبور على وجه لا تسمع بعده الدعوى والبينة على خلافه مع الشك في مخالفة حكمه للواقع الا بتمامية الاجماع المدعى على ميزانية علمه او دعوى الاجماع على الملازمة بين الجواز التكليفي لهذا القضاء وبين نفوذه وضعا في حق غيره،واتمام الوجهين عهدته على مدعيه، والا فلا مجال لاثبات ميزانية العلم للقضاء بنحو ميزانية البينة وسائرالموازين له».

ومحصل ما افاده هذا العلم(قدس سره) على طول كلامه والتكرار الملحوظ فيه: ان نفوذ حكم القاضي بعلمه ان كان على اساس كون الحق والواقع موضوعا وميزانا لجواز القضاء والعلم او البينة طريق اليه ،كماهو مبنى الاستدلال بالعموميات، فلازمه ان لا يكون حكم الحاكم نافذا الا مع احراز كونه مطابقا للواقع ليكون حكما بالحق، فاذا كان حكمه مستندا الى البينة احرزنا ذلك بالبينة التي هي حجة لكل احد، فلاتسمع الدعوى على الخلاف، اما اذا كان حكمه مستندا الى علمه فلا يحرز لغيره ان حكمه بالحق الا اذاكان هو ايضا عالما بمطابقة الحكم للواقع، فتسمع الدعوى على الخلاف مع الشك لا محالة.

ونلاحظ على ما افاده:

اولا: قد تقدم في ما سبق ان في المقام حكمين:

احدهما: جواز الحكم والقضاء بالعلم.

والثاني: نفوذ هذا الحكم على الغير وعدم جواز نقضه لا من المتخاصمين ولا من قاض آخر، وهو معنى عدم سماع الدعوى والبينة على خلافه.

والحكم الاول يمكن ان يكون الواقع موضوعا فيه، اما الحكم الثاني فلا يمكن ان يكون موضوعه الواقع،اذ لا معنى لان يقال بان نفوذ حكم الحاكم منوط بكونه على طبق الواقع والحق، فان هذا معناه عدم حجية حكمه في حق المتخاصمين ولا غيرهما ممن هو شاك في واقع الامر. وقد تقرر في محله من الاصول انه لا يعقل تقييد حجية الحجة سواء كانت البينة او اليمين او حكم الحاكم او غير ذلك بفرض مطابقته للواقع، لانه لغو عندئذ.

وهذا يعني ان موضوع نفوذ حكم الحاكم وحجيته على الاخرين انما هو نفس حكمه وقضاوه بلا تقييدذلك بفرض مطابقته للواقع، وهو معنى ما ذكرناه سابقا من ان علم القاضي بالواقع ومستنده عليه بلحاظ هذا الحكم اعني النفوذ والحجية القضائية في حق الاخرين يكون موضوعيا لا طريقيا.

وعلى هذا الاساس يتضح ان من يستدل بالمعموميات على جواز القضاء بالعلم يدعى دلالتها على كون الحق الواقع موضوعا لجواز القضاء اي الحكم الاول، فيكون علم القاضي طريقا اليه، فيجوز له ان يحكم بما يراه الواقع، اما الحكم الثاني وهو الحجية القضائية والنفوذ على الاخرين وعدم جواز نقضه ولا سماع الدعوى والبينة على خلافه فهو حكم آخر يترتب على ذلك ويثبت على نفس حكم الحاكم بعلمه لاالواقع بدليل آخر:

اما هو الدلالة الالتزامية لنفس العموميات المذكورة الامرة بالحكم بالحق حيث ان الامربذلك لا محالة يكون لغرض نفوذه على المتخاصمين والا كان لغوا، او بالادلة الاخرى الدالة على حرمة رد حكم القاضي الشرعي المنصوب من قبلهم،عليهم السلام من قبيل صحيح ابي خديجة ومقبولة عمربن حنظلة وغيرهما.

وهكذا يتضح وقوع خلط في كلام هذا المحقق بين ما هو موضوع جواز القضاء بالعلم وبين موضوع حجية حكمه ونفوذه على الاخرين، وان الثاني حكم آخر يستحيل ان يكون موضوعه الواقع، بل نفس حكم الحاكم ودليله يرتبه على حكم الحاكم بعلمه اذا كان جائزا له بمقتضى اطلاقه، لا على الواقع.

وثانيا: لو فرضنا ان موضوع نفوذ الحكم هو الواقع كما يفترضه(قدس سره) فكما لا تتم ميزانية العلم للقضاء بالنحو المطلوب لا تتم ميزانية البينة واليمين ايضا. فلا وجه للتفصيل الذي ذكره ايضا.

والوجه في ذلك ان حجية البينة وكذلك سائر الموازين والحجج مقيدة بصورة عدم العلم بكذب البينة ولولم يعلم بمخالفتها للواقع، فمن علم بان البينة كاذبة في شهادتها وانها لا علم لها او ان اليمين كذلك فلاحجية لهما في حقه، بل ولو قامت بينة اخرى على الخلاف ايضا سقطت حجية البينة التي استند اليهاالقاضي بالمعارضة في اثبات الواقع المترافع فيه لان الحجية مقيدة بعدم المعارض فلا يحرز كون حكم القاضي المستند اليه حكما بالحق والواقع لكي يكون نافذا، فلا تسمع الدعوى على الخلاف، وكذلك لوكان مستند القاضي اليمين ثم قامت بينة على الخلاف عند القاضي الاخر فانها لحكومتها وتقدمها على اليمين ايضا يوجب سقوط حجية اليمين وميزانيته في حق القاضي الثاني، فيخرج حكم القاضي الاول عن كونه حكما بالحق فيجوز للثاني نقضه كذلك. وهكذا يتضح ان التفصيل الذي ذكره لا اساس له حتى على المبنى الباطل الذي افترضه، واللّه الهادي للصواب.

الوجه الثامن: التمسك بمرفوعة البرقي عن ابي عبداللّه(ع) قال: «القضاة اربعة ثلاثة في النار وواحد في الجنة: رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة».

وتقريب الاستدلال بها: ان ظاهر الحق في القضاء بالحق هو الواقع المترافع فيه والحق في ذاته لا الحق بحسب مقاييس القضاء، خصوصا مع قوله «قضى بالحق وهو لا يعلم». غاية الامر من اجل ان لا تكون الحرمة في هذه الصورة من باب التجري بل من باب المعصية كما هو ظاهر الحديث يظهر من ذلك ان موضوع جواز القضاء هو الحق والواقع بشرط العلم والاحراز وان كلا منهما جزء الموضوع فيه، فلا وجه لتاويله وحمل الحق فيه على ارادة الحق بحسب مقاييس القضاء او دعوى اجمال الحديث كما عن المحقق العراقي(قدس سره)، فيدل الحديث على كفاية العلم واحراز الواقع في جواز القضاء، بل لعل المتيقن من قوله «قضى بالحق وهو يعلم» صورة العلم بالواقع، فالرواية كالصريحة في جواز القضاء بالعلم.

ونلاحظ على هذا الاستدلال:

اولا: الاشكال في سندها، فانها مرفوعة، حيث نقلها الكليني(قدس سره) في الكافي عن عدة من اصحابناعن احمد بن محمد بن خالد، عن ابيه، رفعه عن ابي عبداللّه(ع). ونقلها المفيد في «المقنعة» مرسلا عن الامام جعفر الصادق(ع)، وكذلك نقلها الصدوق في «الفقيه». ونقلها في «الخصال» عن محمد بن موسى المتوكل عن السعدآبادي عن احمد بن ابي عبداللّه، عن ابيه، عن ابن ابي عمير، رفعه الى ابي عبداللّه(ع).

فاذا قبلنا مراسيل الصدوق او مراسيل ابن ابي عمير، او قلنا بامكان نقل ابن ابي عمير عن الصادق(ع) كماورد في بعض الروايات وان لم تكن كثيرة او قلنا بان نقله عنه بواسطة محكوم باصالة الحسية بحيث يكون من النقل الحسي لقرب الزمان بينهما لاحتمال التواتر والاستفاضة في حقه فيكون مشمولا لدليل الحجية كان السند معتبرا، والا فلا.

وثانيا: الاشكال في الدلالة، فان المراد بالحق في هذا الحديث ايضا هو الحق بحسب الشبهة الحكمية لاالموضوع المترافع فيه، فيكون المراد من العلم فيه العلم بالاحكام الشرعية، ويكون وزانها وزان ما دل على حرمة الافتاء والقضاء بلا علم بالاحكام الشرعية عن طرقها المعتبرة، ولعل هذا هو مقصود المحقق العراقي(قده) من مقاييس القضاء.

والشاهد على هذا الاستظهار مضافا الى ما تقدم من ظهور عنوان الحكم او القضاء بالحق في كون الحكم نفسه حقا لا من ناحية تحقق موضوعه خارجا وعدمه، ومضافا الى ان سياق الحديث يناسب الحث على التعلم ولزومه، ومن الواضح انه واجب بلحاظ الاحكام الشرعية لا الموضوعات، فان الجهل بها وخطاهالا يكون موجبا للنار ان صريح الرواية الحصر وان غير من قضى بالحق وهو يعلم يكون في النار، ومن الواضح ان هذا لا يصح لو كان النظر الى الحق من ناحية الموضوع، اذ قد يخط ىء القاضي الحق من ناحية موضوعه، كما اذا اخطا في علمه او اخطات البينة او كان اليمين على خلاف الواقع، مع ان عدم كونه في النار في امثال ذلك التي تكثر في موارد القضاء حيث ان موارد علم القاضي بالموضوع الواقعي قليل وليس غالبيا امر واضح لا يمكن ان يكون هو مقصود الحديث، فلابد من ان يكون النظر فيها الى الحق من حيث الشبهة الحكمية، اي الحكم الكلي الذي لابد من ان يتعلمه القاضي من طرقه الشرعية قبل التصدي للقضاء. وهذا هو المناسب مع التعبير بالعلم حيث ان القاضي في الشبهات الحكمية لابد من ان يتعلم الاحكام، بخلاف الشبهة الموضوعية فانه لا يجب عليه فيه ذلك، بل يكتفي بالموازين الظاهرية من البينة والايمان، وحمل العلم في الحديث على الاعم من العلم الوجداني والحجة الشرعية كالبينة واليمين خلاف الظاهر جدا.

ومما يوكد هذا الفهم، ايضا، ان الرواية لها ذيل حيث ورد فيه «وقال(ع): الحكم حكمان: حكم اللّه وحكم الجاهلية، فمن اخطا حكم اللّه حكم بحكم الجاهلية». وقد نقل مع الصدر في كل من نقل الكافي والفقيه والتهذيب والخصال، وهو وان كان يحتمل فيه ان يكون من الجمع في الرواية لا الرواية الواحدة الاان نفس جمع الراوي لهما معا يوكد ان المنظور فيهما واحد، ومن الواضح ان المراد ممن اخطا حكم اللّهحكم بحكم الجاهلية لا يمكن ان يكون ناظرا الا الى الشبهة الحكمية والاحكام الكلية التي كان يخط ى فيهاالحكام والقضاة المنحرفون عن اهل بيت العصمة والطهارة،عليهم السلام، فهذا الحديث وامثاله ناظر الى ذلك واجنبي عن مسالتنا.

الوجه التاسع: دعوى الملازمة العرفية بين جواز القضاء بالعلم بالحكم الكلي وجوازه بالعلم بالموضوع،بمعنى انه لا اشكال في جواز حكم القاضي مستندا الى علمه بالحكم في الشبهة الحكمية، فاذا كان علمه حجة في ذلك كان حجة في الموضوع، فيجوز حكمه مستندا الى علمه به ايضا.

وكذلك قد يدعى الملازمة بين حجية علم القاضي بالبينة واليمين، حيث انه لابد من ان يحرزه بعلمه فيحكم على اساسهما. فاذا كان علمه الشخصي بقيام البينة او بيمين المنكر حجة كان علمه بالواقع المترافع فيه ايضا حجة يجوز له القضاء على اساسه.

وفيه: منع هذه الملازمة، اما التعدي من علم القاضي بالحكم الكلي في الشبهة الحكمية الى الموضوع المترافع فيه فواضح الضعف، لان الترافع والنزاع انما هو بلحاظ الموضوع الخارجي المترافع فيه، فلعل الشارع اراد ان يكون مستند حسم النزاع بينهما مستندا واضحا مشهودا محسوسا لهما ولكل احد، فجعل البينة واليمين حجة لا مثل علم القاضي الشخصي، وهذا بخلاف باب الاحكام والشبهة الحكمية التي لانزاع فيها بين المترافعين الا من حيث الموضوع، كيف وباب الاحكام يكفي فيه خبر الثقة الواحد ايضا،فهل يقال بكفايته في حسم المرافعة ايضا! فالقياس مع الفارق.

اما التعدي من علم القاضي بالبينة واليمين الى علمه بالواقع المترافع فيه فايضا في غير محله، لما ذكرناه من احتمال خصوصيته في حسم النزاع على اساس البينات والايمان، والتي تكون من المستندات الحسية والقابلة للاثبات والمشاهدة للمترافعين بخلاف مثل العلم الشخصي للقاضي، على ان كفاية علم القاضي بالبينة واليمين لابد من الانتهاء اليه على كل حال، فلعل الشارع اكتفى بهذا المقدار حيث لم يكن بد منه وهو لا يقتضي اكثر من ذلك، فلعله لابد بلحاظ الواقع المترافع فيه من البينة والايمان.

الوجه العاشر: التمسك بالروايات الخاصة، وهي عديدة: منها ما رواه الكليني (قدس سره) عن علي بن محمد، عن محمد بن احمد المحمودي، عن ابيه، عن يونس، عن الحسين بن خالد، عن ابي عبداللّه(ع) قال: سمعته يقول: «الواجب على الامام، اذا نظر الى رجل يزني او يشرب الخمر، ان يقيم عليه الحد، ولا يحتاج بينة مع نظره، لانه امين اللّه في خلقه، واذا نظرالى رجل يسرق ان يزجره وينهاه ويمضي ويدعه. قلت:

وكيف ذلك؟ قال: لان الحق اذا كان للّه فالواجب على الامام اقامته، واذا كان للناس فهو للناس».

ويقع البحث عن سندها تارة ودلالتها اخرى:

والرواية قابلة للقبول من حيث السند.

اما الدلالة فقد يستدل بها على جواز القضاء بالعلم اما مطلقا او في خصوص حقوق اللّه على الاقل، لماورد في صدر الحديث من ان الامام يقيم الحد مع علمه ولا يحتاج بينة مع نظره، فان لم نحتمل الفرق بين حقوق اللّه وحقوق الناس بان يكون القضاء بالعلم في الاول جائزا دون الثاني ثبت جوازه في القسمين لامحالة اي في الاول بالمطابقة وفي الثاني بالملازمة او عدم القول بالفصل كما تقدم عن السيدالمرتضى(قدس سره) ولا ينافي ذلك ذيل الحديث من ان الحق اذا كان للناس فهو للناس، اذ المقصودمنه لزوم المطالبة في حقوق الناس لا البينة، كما هو واضح.

وان احتملنا الفرق كانت الرواية دليلا على جواز القضاء بالعلم في خصوص حقوق اللّه.

ونلاحظ على هذا الاستدلال: بان الوارد في الرواية ان «الواجب على الامام اذا نظر الى رجل يزني اويشرب الخمر ان يقيم عليه الحد»، وهذا التعبير ظاهر في الامام المعصوم بقرينة ما جاء بعده من التعليل بقوله: «لانه امين اللّه في خلقه»، فان هذا الوصف من مختصات المعصومين،عليهم السلام في السنة رواياتنا، ولهذا فهم مشهور اصحابنا منه ذلك، فجعلوا الرواية دليلا على نفوذ علم الامام المعصوم.

ولو تنزلنا عن ذلك وافترضنا ارادة مطلق الامام والحاكم الشرعي فلا ينبغي الشك في ان المراد منه ولي الامر لا كل قاض، كما ان الظاهر من قوله: «اذا نظر الى رجل يزني» ان يشاهد الامام وقوع المنكر والمخالفة في الخارج، لا مجرد العلم بصدوره من المتهم في الخفاء مثلا، وعندئذ يكون هذا الحكم من الاحكام المرتبطة بصلاحيات ولي الامر بالخصوص ومسووليته تجاه المجتمع والحيلولة دون وقوع المنكرات الظاهرة فيه، وليس مربوطا بمسالة القضاء وجواز الاستناد فيه الى العلم.

وان شئت قلت: انها صلاحية اجرائية لولي الامر وليست قضائية، ولو تنزلنا عن ذلك فغايته جواز القضاءبالعلم الحاصل من الشهود والنظر اي العلم الحسي لا الحدسي، فتدبر جيدا.

ومنها ما ورد بشان قصة النبي(ص) في شرائه للناقة من الاعرابي، وقد نقلها الصدوق في «الفقيه» بسندين الى قضيتين متشابهتين وان كان بينهما فروق، وقد علق عليهما بان اختلافهما من جهة انهما في قضيتين كانت احداهما قبل الاخرى، وما ذكر سنده منهما ينتهي الى ابن عباس واكثر رجال السند فيه مجهولون ومن العامة، والنقل الاخر ابتداه مرسلا وقال: «جاء اعرابي الى النبي(ص) فادعى عليه سبعين درهما ثمن ناقة باعها منه، فقال: قد اوفيتك. فقال: اجعل بيني وبينك رجلا يحكم بيننا، فاقبل رجل من قريش، فقال رسول اللّه(ص): احكم بيننا. فقال للاعرابي: ما تدعي على رسول اللّه؟ قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتهامنه. فقال: ما تقول يا رسول اللّه؟ قال: قد اوفيته، فقال للاعرابي: ما تقول؟ قال: لم يوفني، فقال لرسول اللّه: الك بينة على انك قد اوفيته؟ قال: لا، قال للاعرابي: اتحلف انك لم تستوف حقك وتاخذه؟ فقال:نعم. فقال رسول اللّه(ص): لاتحاكمن مع هذا الى رجل يحكم بيننا بحكم اللّه عز وجل، فاتى رسول اللّه(ص) علي بن ابي طالب(ع) ومعه الاعرابي، فقال(ع): مالك يا رسول اللّه؟ قال: يا ابا الحسن احكم بيني وبين هذا الاعرابي. فقال علي(ع): يا اعرابي ما تدعي على رسول اللّه(ص)؟ قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه، فقال: ما تقول يا رسول اللّه(ص)؟ قال: قد اوفيته ثمنها. فقال: يا اعرابي اصدق رسول اللّه(ص) في ما قال؟ قال: لا، ما اوفاني شيئا. فاخرج علي(ع) سيفه فضرب عنقه، فقال رسول اللّه(ص): لم فعلت يا علي ذلك؟ فقال: يا رسول اللّه نحن نصدقك على امر اللّه ونهيه وعلى امر الجنة والناروالثواب والعقاب ووحي اللّه عز وجل ولا نصدقك في ثمن ناقة هذا الاعرابي؟ واني قتلته لانه كذبك لماقلت له: اصدق رسول اللّه في ما قال، فقال: لا ما اوفاني شيئا، فقال رسول اللّه(ص):

اصبت يا علي، فلاتعد الى مثلها، ثم التفت الى القرشي وكان قد تبعه فقال: هذا حكم اللّه، لا ما حكمت به».

وطريق الصدوق هذا فيه كلام.

اما الدلالة فقد يقال بدلالة القصة على جواز القضاء بالعلم، لان الامام(ع) قد قضى ببراءة ذمة النبي(ص)من الدراهم استنادا الى علمه الناشىء من عصمة النبي(ص) وعدم امكان تكذيبه، وهو علم يحصل لكل من يلتفت الى ذلك. اما قتله للاعرابي فلارتداده وتكذيبه للنبي(ص) وحيث ان النبي صرح في ذيل الحديث مخاطبا للقرشي بان هذا حكم اللّه لا ما حكمت به، فيفهم منه ان الحكم ليس من مختصات المعصوم وعلمه، بل هو حكم اللّه في حق كل من كان له علم بالواقع يقينا.

وفيه: ان الرواية كالصريحة صدرا وذيلا في ان مراد النبي(ص) من قوله للرجل القرشي: «هذا حكم اللّه لاما حكمت به» ما فعله امير المومنين(ع) من الحكم بارتداد الاعرابي وقتله نتيجة تكذيبه للنبي(ص)، لاالاستناد وعدم الاستناد الى العلم، فان القرشي لم يكن له علم بالواقع وامتنع عن الحكم به او طلب البينة،وانما جهل ولم يتفطن الى ما يستلزمه كلام الاعرابي من تكذيب النبي(ص)، فالاشكال عليه انه لم يتفطن لما ينبغي ان يكون واضحا لكل مسلم معتقد بالنبي(ص) حقا من ان من يكذب النبي في اي امر من الاموريصبح كافرا، فالمراد بحكم اللّه هذه الكبرى لا كبرى جواز القضاء بالعلم، ولعل القرشي لو كان عالمابالواقع لجرى على طبق علمه فطرة وبحسب طبعه.

فالحاصل: الرواية بصدد تعبير القرشي انه لا يتفطن الى الملازمة التي ذكرها امير المومنين(ع)، خصوصااذا فرضنا ان ذاك الرجل القرشي هو ابو بكر كما ذكره المحقق المجلسي الاول(قدس سره) وانه المسموع مشهورا، والغرض اظهار جهالته بامر النبوة او غير ذلك من الامور، وليست ناظرة الى مسالة فقهية فرعية،اي جواز استناد القاضي الى علمه الشخصي.

نعم، الحديث، على تقدير صحته، يدل بالملازمة على ان ما اجراه امير المومنين(ع) من الحد على الاعرابي المرتد والمتجاهر بتكذيب النبي(ص) وجها لوجه استنادا الى علمه بذلك كان صحيحاوجائزا، فيدل بالملازمة على جواز القضاء بالعلم.

الا ان هذا ايضا غير تام، وذلك:

اولا: لان هذا مع اختصاص مورده بالمعصوم لا دليل على انه كان من باب القضاء ليدل على جواز قضاءالمعصوم بعلمه فضلا عن غيره، بل لعله من باب الولاية والصلاحية التنفيذية للامام على ردع كل من يجاهر بموجب الحد، خصوصا مثل تكذيب النبي(ص) علنا ومعاندته كما هو المظنون في مورد الرواية فلا يمكن ان يستفاد منه حكم في باب القضاء بالعلم، خصوصا مع ما في ذيله من قوله(ص): «فلا تعد الى مثلها».

وثانيا ان العلم الحاصل للقاضي في مورد الرواية ليس شخصيا، بل مستند الى اصل ديني بين ولازم لاصل العقيدة، فيكون عدم سماع تلك الدعوى لكونها ساقطة في نفسها من زاوية تلك الديانة عند كل معتقد بها، لا بملاك نفوذ علم القاضي الشخصي.

وان شئت قلت: ان هذه الدعوى لا تقبل في المحكمة اصلا، لكونها غير ممكنة وغير محتملة في شريعتناوعقيدتنا، وهو شرط آخر لا ربط له بمسالة نفوذ علم القاضي الشخصي. اما قتله فلانه ارتكب جريمة الارتداد امام الحاكم وفي المحاكمة مقرا بذلك ومتجاهرا به، واين هذا مما نحن فيه؟! ومنها ما رواه الكليني(قدس سره) بسند معتبر عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: «دخل الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهل على ابي جعفر(ع) فسالاه عن شاهد ويمين، فقال: قضى به رسول اللّه(ص) وقضى به علي(ع) عندكم بالكوفة، فقالا: هذا خلاف القرآن، فقال: واين وجدتموه خلاف القرآن؟ قالا: ان اللّه يقول:(واشهدوا ذوي عدل منكم) «الطلاق/2»، فقال: قول اللّه:

(واشهدوا ذوي عدل منكم) هو لا تقبلوا شهادة واحد ويمينا. ثم قال: ان عليا(ع) كان قاعدا في مسجد الكوفة فمر به عبداللّه بن فضل التميمي ومعه درع طلحة، فقال علي(ع): هذه درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة، فقال له عبداللّه بن فضل: اجعل بيني وبينك قاضيك الذي رضيته للمسلمين، فجعل بينه وبينه شريحا، فقال علي(ع): هذه درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة، فقال له شريح: هات على ما تقول بينة. فاتاه بالحسن فشهد انها درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة، فقال شريح: هذا شاهد واحد، ولا اقضي بشهادة شاهد حتى يكون معه آخر، فدعا قنبرفشهد انها درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة، فقال شريح: هذا مملوك، ولا اقضي بشهادة مملوك، قال:فغضب علي(ع) وقال: خذها، فان هذا قضى بجور ثلاث مرات. قال فتحول شريح وقال: لا اقضي بين اثنين حتى تخبرني من اين قضيت بجور ثلاث مرات؟ فقال له: ويلك او ويحك اني لما اخبرتك انها درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة فقلت: هات على ما تقول بينة، وقد قال رسول اللّه(ص) حيث ما وجدغلول اخذ بغير بينة. فقلت: رجل لم يسمع الحديث فهذه واحدة. ثم اتيتك بالحسن فشهد فقلت: هذاواحد لا اقضي بشهادة واحد حتى يكون معه آخر، وقد قضى رسول اللّه(ص) بشهادة واحد ويمين، فهذه ثنتان. ثم اتيتك بقنبر فشهد انها درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة، فقلت: هذا مملوك، وما باس بشهادة المملوك اذا كان عدلا. ثم قال: ويلك او ويحك ان امام المسلمين يومن من امورهم على ما هو اعظم من هذا».

وقد نقله الصدوق، ايضا، باسناده الى محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع) واقتصر على قصة علي(ع) مع شريح، وزاد في آخرها:

ثم قال ابو جعفر: «ان اول من رد شهادة المملوك...» وهذا السند ايضا معتبر،فالرواية لها طريقان معتبران.

والاستدلال بما ورد في ذيلها من قوله(ع): «ويحك او يحك ان امام المسلمين يومن من امورهم على ماهو اعظم من هذا»، فانه بمثابة اشكال رابع على شريح القاضي بان امام المسلمين امين على امورهم، بل هو يومن من امورهم على ما هو اعظم من هذا، فلابد من قبول قوله وحصول العلم بصحته والحكم على طبقه بلا حاجة الى المطالبة بالبينة والشهود، فتدل بالملازمة على جواز القضاء بالعلم.

وفيه اولا: من المظنون قويا ان مقصود الامام(ع) بهذا الذيل نفس ما ورد في الرواية السابقة عن النبي(ص)، فيكون المراد التعريض بشريح واظهار جهله وجهالته بمقام الامام(ع) وعصمته وضرورة تصديق كلامه، لان من يومن ويصدق كلامه في اصل الدين والشرائع النازلة من السماء كيف لا يومن على ما هو اهون من ذلك، فيجري فيه ما ذكرناه في التعليق على الرواية السابقة من ان مثل هذه الدعوى ساقطة في نفسها، ولا ربط لذلك بمسالة نفوذ علم القاضي الشخصي.

وثانيا: لو سلمنا وافترضنا ان المنظور اليه في هذا الذيل مطلق الامام والحاكم على المسلمين لا خصوص المعصوم(ع) فمع ذلك نقول: ان المستفاد منه ليس هو الايراد على شريح القاضي من جهة عدم العمل بعلمه وانه لماذا لم يحصل له العلم فيقضي به، بل المستفاد منه حينئذ وجود اصل وحجة حاكمة ومقدمة في باب القضاء على كل حجة اخرى، وهو قول امام المسلمين فيما يرجع الى امورهم، لانه امين عليهم سواء حصل للقاضي علم بذلك ام لا، وهذا ايضا مطلب اجنبي عن مسالتنا.

ومنها ما ورد في صحيح سليمان بن خالد عن ابي عبداللّه(ع) قال: «في كتاب علي(ع) ان نبيا من الانبياء شكا الى ربه فقال:

يا رب كيف اقضي في ما لم ار ولم اشهد؟ قال: فاوحى اللّه اليه:

احكم بينهم بكتابي واضفهم الى اسمي فحلفهم به. وقال: هذا لمن لم تقم له بينة».

وقد نقله الكليني بتفصيل آخر ايضا بسند معتبر الى ابان بن عثمان عمن اخبره عن ابي عبداللّه(ع) قال:«في كتاب علي ان نبيا من الانبياء شكا الى ربه القضاء فقال: كيف اقضي بما لم تر عيني ولم تسمع اذني؟فقال: اقض بينهم بالبينات واضفهم الى اسمي يحلفون به، وقال: ان داود(ع) قال: يا رب ارني الحق كما هوعندك حتى اقضي به، فقال: انك لا تطيق ذلك، فالح على ربه حتى فعل، فجاءه رجل يستعدي على رجل، فقال: ان هذا اخذ مالي، فاوحى اللّه الى داود ان هذا المستعدي قتل ابا هذا واخذ ماله، فامرداود(ع) بالمستعدي فقتل واخذ ماله فدفع الى المستعدي عليه، قال: فعجب الناس وتحدثوا حتى بلغ داود(ع)، ودخل عليه من ذلك ما كره، فدعا ربه ان يرفع ذلك، ففعل ثم اوحى اليه ان احكم بينهم بالبينات واضفهم الى اسمي يحلفون به» والسند تام لولا الارسال وان كان المرسل ابان الذي هو من اصحاب الاجماع.

وتقريب الاستدلال ان الرواية، وان كانت تنقل قصة وقعت في شريعة سابقة وموردها قضاء ذلك النبي المعصوم لا محالة ولهذا خصصها بعض الفقهاء بعلم المعصوم فقط، الا ان ظاهرها بيان حكم ثابت في شرعنا ايضا ومن قبل كل قاض، لا خصوص القاضي المعصوم.

والوجه فيه مضافا الى ان ظاهر كلام المعصومين،عليهم السلام عموما بيان حكم شرعي حتى عندماينقلون واقعة لا مجرد نقل القصة ان التعبير الوارد في صدرها بقولwه(ع): «في كتاب علي(ع») والذي كان كتابا للاحكام الشرعية يستند اليه الائمة كثيرا في مقام بيان الحكم لاغراض ونكات لا مجال لشرحها هنا،وكذلك ما ورد في ذيلها من التعبير بقوله: «هذا لمن لم تقم له بينة» بناء على انه من كلام الامام(ع) لا ممااوحى اللّه الى ذلك النبي، خير شاهد على ان الامام(ع) كان غرضه من نقل هذه القضية تعليم حكم القضاء في شريعة اللّه عموما، فلا يختص بالشريعة السابقة، كما انه لا يختص بقضاء المعصوم، بل يعم كل من له صلاحية القضاء شرعا، وعلى هذا الاساس يقال بدلالة الحديث على جواز القضاء بالعلم باحدتقريبين:

1- ان المفهوم من قوله: «كيف اقضي في ما لم ار ولم اشهد» انه في ما راى وشهد لم يكن عنده اشكال،وليس ذلك الا من جهة انه كان يحكم عندئذ بما راى وشهد لا محالة، لان هذا هو المرتكز في الاذهان،فهذه الجملة تدل على المفروغية عن جواز الحكم بما كان قد رآه وشهده، وانما اشكاله في ما لم ير ولم يشهد، فيدل امضاء ذلك من قبل اللّه والسكوت عنه على صحته ونفوذ القضاء بالعلم، وهذا سنخ دلالة مفهومية سكوتية.

2- ان يقال بظهور هذا الحديث ابتداء في تفصيل موارد القضاء الى ثلاثة اقسام: مورد علم القاضي ورويته للواقع، ومورد قيام البينة على الواقع ومورد الشك وعدم العلم والبينة، وان هذه الموارد مراتب طولية لانكشاف الواقع والوصول اليه، وان موضوع حجية البينة والايمان ما اذا لم يكن علم للقاضي، وهذاالترتيب والتسلسل يدل على ان حجية البينة واليمين للقاضي انما هو باعتبار طريقيتهما الى الواقع واثباته بهما، فاذا كان منكشفا بالعلم جاز الحكم به لا محالة.

ويلاحظ على هذا الاستدلال:

اولا: ان قول النبي(ص): «كيف اقضي في ما لم ار ولم اشهد» وان كان يدل على ان الاشكال كان عنده في ما لم ير ولم يشهد الا ان هذا لا يدل على جواز القضاء بالعلم، لان الظاهر ان المحذور الذي كان في نظره انما هو محذور الحكم بما يكون على خلاف الواقع، والذي يكون القاضي في معرضه في موارد عدم العلم والاطلاع، فيكون الاتيان بقيد «في ما لم ير ولم يشهد او لم يسمع» انما هو بهذا الاعتبار، ولهذا جاءالجواب عاما وبيانا لكبرى كيفية القضاء، ومفهومه عندئذ انه في موارد العلم بالواقع لا محذور من هذه الناحية، وهذا لا يلازم حجيته القضائية، فلا يعلم ان النظر اليها، وقد تقدم ان الحجية القضائية يكون العلم ماخوذا فيه على نحو الموضوعية لا الطريقية المحضة الى الواقع.

فالحاصل: ان ظاهر هذا الحديث او المحتمل من ظهوره ان ذلك النبي كان بصدد تحصيل العلم بالواقعيات كما هي، ولهذا شكا الى ربه انه كيف يقضي في ما لم ير ولم يشهد، فهو ناظر الى الواقعيات وطلب اليها طريقا، لا الى باب الحجية القضائية في موارد الشك. وما ورد في جوابه من الوحي بيان كيفية القضاء عموما، فاذا لم يذكر فيه الا البينة والايمان كان ادل على عدم نفوذ علم القاضي الشخصي، على ماسياتي تقريبه.

فلا يمكن ان يستفاد من السكوت حجية علم القاضي الشخصي في القضاء وفصل الخصومة.

ومنه يظهر الاشكال على التقريب الثاني، فانه مضافا الى ما عرفت من ان ذكر عدم الروية والشهادة في سوال النبي لذلك لا لجعل صورة علم القاضي قسيما للبينة والايمان في الحجية القضائية، ما ورد في الجواب من التعميم حيث ورد في صدره «احكم بينهم بكتابي واضفهم الى اسمي فحلفهم به» وهذاالصدر ليس مخصوصا بموارد عدم العلم ولا موارد اليمين، بل يعم تمام الصور والاقسام، فهذا قرينة على عدم ارادة التصنيف والتقسيم للحجية القضائية، بل يكون ظاهر الحديث انه بصدد بيان كيفية القضاءعموما، وانه من حيث الحكم لابد من ان يكون بحكم اللّه وما انزله في كتابه، ومن حيث الموضوع وطرق اثباته يكون بالبينات والايمان، فيكون على وزن قوله(ص): «انما اقضي بينكم بالبينات والايمان».

وثانيا: لو سلمنا بالدلالة فغايته حجية علم القاضي الشخصي في حقوق الناس لا مطلقا، وذلك بقرينة ماورد فيه من ذكر اليمين والتحليف مما هو مخصوص بحقوق الناس، ودعوى عدم احتمال الفرق او الغاءالخصوصية ممنوع بعدما عرفت من القول بالفصل واحتماله عرفا. كما انه مخصوص بما اذا كان علم القاضي حسيا حاصلا من مثل السماع والمشاهدة والنظر، لانه الوارد في السوال، ودعوى حمل ذلك عرفا على مطلق العلم بالواقع وان ذكر النظر والمشاهدة من باب كونهما من طرق حصول العلم عادة فيتعدى الى كل ما يوجب العلم ممنوعة في مثل باب القضاء الذي يتحرج فيه من اعطاء الحكم ويطلب فيه التثبت والتاكد، ومن هنا لم يكن اشكال في عدم امكان التعدي الى العلم الحاصل من العلوم الغريبة.

ومنها الروايات التي تنقل بعض اقضية امير المومنين علي،بن ابي طالب(ع) والتي قد يستظهر منهااعتماده فيها على علمه في مقام القضاء، من قبيل رواية ابي الصباح الكناني عن ابي عبداللّه(ع) قال: «اتي عمر بامراة قد تزوجها شيخ، فلما ان واقعها مات على بطنها فجاءت بولد، فادعى بنوه انها فجرت وتشاهدوا عليها، فامر بها عمر ان ترجم، فمر بها على علي(ع) فقالت: يا ابن عم رسول اللّه(ص) ان لي حجة، قال:

هاتي حجتك، فدفعت اليه كتابا فقراه، فقال: هذه المراة تعلمكم بيوم تزوجها ويوم واقعهاوكيف كان جماعه لها، ردوا المراة، فلما كان من الغد دعا بصبيان اتراب ودعا بالصبي معهم، فقال لهم:العبوا حتى اذا الهاهم اللعب قال لهم: اجلسوا حتى اذا تمكنوا صاح بهم، فقام الصبيان وقام الغلام فاتكاعلى راحتيه، فدعا به علي(ع) وورثه من ابيه وجلد اخوته المفترين حدا حدا، فقال عمر: كيف صنعت؟فقال: عرفت ضعف الشيخ في تكاة الغلام على راحتيه».

ومن هذا القبيل ايضا ما جاء في معتبرة محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع)، قال: «كان لرجل، على عهدعلي، جاريتان فولدت احداهما ابنا والاخرى بنتا، فعدت صاحبة البنت فوضعت بنتها في المهد الذي فيه الابن واخذت ابنها، فقالت صاحبة البنت:

الابن ابني. وقالت صاحبة الابن: الابن ابني، فتحاكما الى اميرالمومنين(ع) فامر ان يوزن لبنهما، وقال: ايتهما كانت اثقل لبنا فالابن لها».

فقد يستدل بمثل هذه الروايات على كفاية علم القاضي بالواقع في القضاء بلا حاجة الى بينة، بل يكون مقدما عليها وموجبا لسقوطها عن الحجية وترتيب آثار الكذب والفرية على المشهور كما صنع الامام(ع)في الرواية الاولى، ولا يصح ذلك الا بناء على حجية علم القاضي في القضاء.

الا ان الصحيح ان هذه الروايات ايضا اجنبية عن محل البحث، لانها تدل على ان الامام(ع) قد استطاع بحذاقته وعلمه وحكمته ان يقوم بما يكشف واقع الحال الذي كان ملتبسا على الاخرين حتى عن مثل الخليفة وفي المحكمة، فيصبح الواقع بينا وزيف المدعي وكذبه ظاهرا عند الجميع، واين هذا مما نحن بصدده، وهو حجية علم القاضي الشخصي بمجرد دعواه على المتهم انه عالم بصدور الجرم منه؟!.

وان شئت قلت: ان هذه الروايات على تقدير صدورها تدل على حجية ما يظهر في المحكمة بالقرائن القطعية البينة والواضحة للجميع على كذب احد الطرفين او صدقه المتنازعين، وهذا لا اشكال فيه عندنا،فانه من قبيل العلم بقيام الشهود او عدالتهم او صدور اليمين او النكول، الى غير ذلك مما يرجع الى العلم الحسي الحاصل في المحكمة، ولا شك في حجيته ولزوم الانتهاء اليه لا محالة، فتدبر جيدا.

هذه عمدة الادلة التي يمكن ان يستدل بها على نفوذ علم القاضي الشخصي، وقد عرفت عدم تمامية شيء منها لاثبات ذلك، وان الحق مع صاحب الجواهر(قده) حيث ادعى انه لا تتحصل لولا الاجماع دلالة على نفوذ علم القاضي، وان اقصى ما يمكن تحصيله من غير الاجماع عدم جواز الحكم بخلاف العلم.

ونضيف الى ذلك انه حيث تقدم عدم ثبوت اجماع تعبدي في المسالة، خصوصا في حقوق اللّه كماتقدم ان مقتضى الاصل العملي عدم الحجية وعدم نفوذ حكم القاضي عند الشك في حجيته، فيثبت لامحالة انه لا يجوز للقاضي ان يستند في فصل النزاع الى علمه الشخصي الا اذا استطاع ان يحول علمه الشخصي في المحكمة الى ما يكون قرينة قطعية حسية واضحة لاثبات الجرم على المتهم او انتزاع اعتراف واقرار منه بذلك، فيكون الاستناد اليهما لا الى مجرد دعوى العلم على المتهم، ولا فرق في ذلك بين ان يكون علمه المدعى حاصلا له بالحس والمشاهدة او بغيره من موجبات العلم، فان العلم الحسي او القريب منه وان كان اثبت وآكد في الحجية القضائية من العلم الحدسي الا انه من المحتمل ان تكون نكتته الحجية القضائية الحسية، بمعنى قابلية الاثبات للاخرين في المحكمة ودفع التهمة عن القاضي لاحسية العلم في نفسه للعالم، وهذا لا يكون في مجرد دعوى العلم الحسي والمشاهدة من قبل القاضي،كما لا يخفى.

نعم، مع حصول العلم الشخصي للقاضي تسقط حجية البينة واليمين، اذ يكونان كذبين بحسب نظره، فلايمكن ان يكونا حجة، لان طريقيتهما ملحوظة ايضا في حجيتهما القضائية في الجملة، فلا يمكنه الحكم على طبقهما، كما ذكر في الجواهر، وقد تقدم في صدر المسالة الاشارة الى ذلك ايضا.

الوجه الحادي عشر: ما قد يظهر من كلمات ابن الجنيد من ان رسول اللّه(ص) كان يكتفي في ترتيب آثارالاسلام بالظاهر، ولم يكن يجري وفق علمه بحقائق الناس، وكذلك الحال في المرافعات، وانما كان يقضي وفق البينات والايمان، وهذا يدل على عدم حجية علم القاضي الشخصي في القضاء.

وهذا الوجه واضح الضعف، وقد اجيب عنه في كلمات السيد ومن تاخر عنه باحتمال الفرق بين باب القضاء وباب ترتيب آثار الاسلام من الطهارة ومصونية الدم والمال ونحو ذلك، فيكتفي بالظاهر في الثاني، بخلاف الاول الذي يطلب فيه الوصول الى الحق والواقع.

على ان احتمال كون موضوع تلك الاثار هو اظهار الاسلام ولو كان في علم اللّه والرسول كاذبا متجه. نعم الثابت ان النبي(ص) وغيره من المعصومين،عليهم السلام لم يكونوا يحكمون في المرافعات وفق علمهم الغيبي بالواقع، الا ان هذا لعله كان من جهة عدم علمهم الفعلي بجميع الجزئيات في افعال المكلفين وان كانوا قادرين على العلم بها ان شاووا او من جهة ان العلم الغيبي اساسا ليس حجة قضائية وان كان فعليالدى المعصوم، نظير العلم الحاصل من العلوم والاسباب غير العرفية الغريبة كالرمل والجفر والتنجيم.

الوجه الثاني عشر: ما قد يستفاد من بعض الروايات الخاصة من حصر طريق الاثبات القضائي بالبينة واليمين، وعمدته ما يلي:

1- صحيح هشام بن الحكم عن ابي عبداللّه(ع) قال: «قال رسول اللّه(ص): انما اقضي بينكم بالبينات والايمان وبعضكم الحن بحجته من بعض، فايما رجل قطعت له من مال اخيه شيئا فانما قطعت له به قطعة من النار».

فيقال بدلالته بمقتضى مفهوم الحصر على نفي الحجية القضائية لعلم القاضي الشخصي.

وقد يناقش في الاستدلال المذكور باحد وجوه:

الاول: النقض بالاقرار او شهادة شاهد واحد ويمين المدعي، فانهما لم يذكرا في الحديث مع انه لا اشكال في جواز الاستناد اليهما في القضاء، فما هو الجواب عنهما يكون بعينه الجواب عن سندية العلم.

وفيه: مضافا الى امكان دعوى شمول عنوان القضاء بالبينات والايمان لهما ايضا، اما الشاهد الواحدواليمين فواضح، واما الاقرار فلانه نحو شهادة من قبل المتهم على نفسه، وقد عبر عن الاقرار بالشهادة في بعض الروايات كرواية المدائني عن ابي عبداللّه(ع) قال: «لا اقبل شهادة فاسق الا على نفسه» وكذلك في رواية صالح بن ميثم عن ابيه عن الامام(ع) عن الاقرار بالشهادة راجع الرواية المتصلة. والمراد من البينة ،الشهادة المعتبرة ان الدلالة على الحصر لا تنافي ثبوت خلافه في بعض الموارد، فانه لو دل عليه دليل يكون مقيدا لاطلاق مفهوم الحصر بمقداره لا اكثر، فاذا لم يقم دليل على جواز الاستناد الى علم القاضي الشخصي قضائيا كان اطلاق مفهوم الحصر حجة لنفية لا محالة.

الثاني: ان الحصر الوارد في هذا الحديث اضافي، اي بالاضافة الى القضاء بالواقع اعتمادا على العلم الالهي الغيبي الذي ورد في بعض الروايات انه سيقضي به القائم(عج) بلا سوال بينة ويمين.

وفيه: ان هذا خلاف اطلاق الحصر، فيكون بحاجة الى قرينة، ولم يرد في الحديث ما يدل على ان النبي(ص) بصدد نفي اعتماده على خصوص العلم الغيبي وان كان مقتضى اطلاق الحصر ذلك ايضا، بل لو كان النظر الى المقابلة مع القضاء بالعلم بالواقع فيكون المناسب المقابلة مع مطلق العلم لا خصوص ذاك العلم، على انه لو كان المقصود نفي القضاء بالعلم الغيبي مع فعليته عند المعصوم فهو يدل بالاولوية على عدم حجية العلم العادي للقاضي، كما هو واضح.

الثالث: ان هذا الاطلاق معارض بما دل على نفوذ علم القاضي وجواز استناده اليه من الايات والروايات المتقدمة.

وفيه: مضافا الى ما تقدم في التعليق عليها من عدم تمامية دلالة شيء منها ان اطلاق هذا الحديث مقدم على ما دل من الايات والروايات المتقدمة بالاطلاق، لكونها ناظرة اليها. نعم لو تم دليل على جواز القضاءبالعلم الشخصي للقاضي بالخصوص كان مقيدا لمفهوم الحصر، الا انه لم يتم شيء من ذلك.

 

الصفحة السابقة

الصفحة التالية