rabic Transparent"'>
تمهيد
اكتسب هذا التيار سماته الرئيسية من افتراقه عن
التيارات
البحثية العربية الاخرى بانه يتعامل مع
التراث العربي من وجهة
نظر الثقافة الغربية ومقولاتها الفلسفية مباشرة.
ولهذا يفترق
عن الاستشراق وتياراته الغربية من ناحية الوسائل
المستخدمة
في تقويم التراث الاسلامي، فالاستشراق يتبع طريقة
النفي
المطلق للاسلام بمعنى افتراضه فساد النظرية قبل الشروع في دراستها، لتجيء الدراسة مجرد بحث عن مكامن الطعن
فيها
وتجاهل الايجابيات والحقائق، بينما يدعي
التغريبيون
العلمانيون انهم يضعون المنهج العقلي اساسا
لبحوثهم، ليكون
العقل والتراث الحضاري الاوروبي المقياس الوحيد.
وهكذا تبدو
تلك البحوث كانما هي دراسات مقارنة مع انحياز مطلق
لكل
مفرزات الفلسفة الاوروبية، ومن دون تحفظ.
ينطلق الباحث محمد عابد الجابري، من خلال تحديداته
لطبيعة العقل الاوروبي ومقارنته بالعقل العربي،من
تحديد
مفترض لثوابت كل منهما. فهو يرى ان ثوابت العقل
الاوروبي
اثنان هما: اولا: اعتبار العلاقة بين العقل
والطبيعة علاقة
مباشرة، فهي وهو على صعيد الوجود، اي على ارضية
واحدة.
وثانيا: الايمان بقدرة العقل على تفسير الطبيعة
والكشف عن
اسرارها، وهو ما يطلق عليه صعيد المعرفة.
ثم ينطلق موكدا ان هذا العقل لا يحتوي ثابتا ثالثا
يتعلق
بالالوهية، لان اللّه هو الطبيعة ، فاله
افلاطون،على سبيل
المثال، هو الصانع المرتبط بما صنع وهو الطبيعة،
اما اله
ارسطو فهو المحرك الاول، اي انه مجرد اله منطقي
لتفسير
الحركة في الكون. اللّه في العقل الاوروبي اذا
وسيلة للتفسير،
وليس ثابتا هدفا في تكوين بنية هذا العقل.
اما العقل العربي فيحتوي ثوابت ثلاثة بالترتيب
التالي: اللّه
الانسان الطبيعة، ويقول: اذا اردنا تكثيف
هذه العلاقة حول
قطبين اثنين كما فعلنا للفكر الاوروبي كانا: اللّه
والانسان
وتسجيل غياب الطبيعة النفس، لان الطبيعة تاخد دور
الوسيط
المعين على اكتشاف اللّه وتبين حقيقته، فالهدف من
تامل
الطبيعة هو الوصول الى معرفة اللّه، وجودا
وتاثيرا وليس اكثر
.
وحتى يكون اكثر تحديدا يطلق حكم القيمة الحاسم
التالي
قائلا: ان العقل الاوروبي يرتبط بالمعرفة،
اماالعقل العربي
فيرتبط اساسا بالسلوك والاخلاق، ويفسر ذلك كما يلي:
«برغم
اتجاه العقل اليوناني اخلاقيا، لكن الفرق كبير
بين الاتجاه من
المعرفة الى الاخلاق والاتجاه من الاخلاق الى
المعرفة: اي
التمييزفي موضوعات المعرفة بين الحسن والقبح وبين
الخير
والشر باعتبار ان مهمة العقل ووظيفته، بل
وعلامة وجوده، هي
حمل صاحبه على السلوك الحسن ومنعه من اتيان الفعل
القبيح..». ويعلل استنتاجه من تفسير لفظة عقل نفسها
في
اللغة العربية بان هذا التفسير ينطلق من السلوك
البشري
واليه، لا الى الطبيعة وظواهرها . فالعقل العربي،
بهذا
الاعتبار، عند الجابري، «تحكمه النظرة المعيارية
الى الاشياء،
بمعنى ان التفكير يتجه في بحثه للاشياء عن مكانها وموقعها في منظومة القيم التي
يتخذها ذلك التفكير مرجعاومرتكزا، في مقابل النظرة الموضوعية التي تبحث في الاشياء
عن مكوناتها الذاتية وتحاول الكشف عماهو جوهري فيها. فالنظرة المعيارية نظرة
اختزالية تختصر الشيء في قيمته،
وبالتالي في
المعنى الذي يضفيه عليه الشخص (بما هو نتاج مجتمع
وثقافة)
صاحب تلك النظرة، اما النظرة الموضوعية فهي
نظرة تحليلية تركيبة، تحلل الشيء الى عناصره الاساسية لتعيد
بناءه بشكل
يبرز ما هو جوهري فيه» .
هذا الراي، كما نرى، يقود ببساطة الى النزعة
العرقية في
تصنيف البشر وعقولهم، رغم ان الباحث يحاول ان
ينفيها عن
نفسه بشدة في مفاصل بحثه، وهو ايضا يحكم على العقل
العربي عموما باللاعقل، او بانه ادنى مرتبة من ان
يتمكن من
الوصول الى انجازات علمية ومعرفة بارزة كما استطاع
ذلك
الاوروبيون ممامكنهم من السيادة على العالم.
وحتى نكون اكثر بساطة وتحديدا فان الباحث الجابري
وهو
ينطلق الى هدف نبيل هو تقدم الامة العربية من خلال
معرفة
اسباب تخلفها يتهم العقل العربي بمسوولية انحدار
الكيان
العربي الحالي، محللامكوناته، ومقارنا بما هو ارقى
منه (العقل
الاوروبي) ومطالبا بالتغيير، هذا التغيير الذي
يتجه الى
مصدروحيد هو التراث العربي الاسلامي والثقافة
الناتجة عنه
باعتبار ان العقل ينتمي اليها (اي الثقافة)،
لان العقل العربي في رايه هو جملة المبادىء والقواعد التي تقدمها
الثقافة العربية
للمنتمين اليها كاساس لاكتساب المعرفة، والتي
تفرض عليهم
بوصفها نظاما معرفيا . وهو في هذا المجال لا يتوانى
عن
تبني آراء شعوبية صريحة في توصيف العرب والعقل
العربي
حين ينقل راي الجاحظ (من البيان والتبيين، ج 3ص 49
و50)
والذي يقول فيه: «ان كلام الفرس ياتي عن طول فكرة
واجتهاد وخلوة ومشاورة ومعاناة وتفكر ودراسة. اما كل شيء
عند العرب فهو بديهة وارتجال كانه الهام وليس هناك
معاناة
ولا مكابدة ولااحالة فكر ولا استعانة وانما ان يصرف
همه الى
الكلام والى رجز يوم الخصام..».
ويشفع هذا الراي للجاحظ براي الشهرستاني الذي يقول:
«العرب يميلون الى تقرير خواص الاشياءوالحكم
باحكام
الماهيات والحقائق واستعمال الامور الروحانية،
اما العجم
فيميلون الى تقرير خواص الاشياء والحكم باحكام
ميلهم الى
تقرير طبائع الاشياء والحكم باحكام الكيفيات
والكميات
واستعمال الامور الجسمانية». العقل العربي، عند
الجابري اذن، «نظرته ذاتية لانها لا تعتمد على الاستدلال
والبرهان بل على
الحدس والوجدان» .
وحتى لا يتهم بالتعسف في استخدام حكم قيمة شديد
القسوة
كهذا، يتابع الباحث هجومه على «الذات الاسلامي»
في
مراحل التاريخ المختلفة متجنبا الهجوم على
الايديولوجيا
نفسها حتى لا يعرض نفسه للاتهام، عاكسا المسالة
بسحبه
الحاضر نحو الماضي ومعتبرا ان العقل العربي اوقف
انتاج الفكر
منذ الف ومئتي سنة على الاغلب، وان الامة احالت
هذا العقل
على التقاعد واضعة الالهام والكشف بديلا
من التجريب والبحث،
ذلك ان الزمن الثقافي المكون للعقل لا يخضع لمقاييس
الوقت
والتوقيت الطبيعي والاجتماعي والسياسي، فزمن
الثقافة
العربية هو زمن العقل العربي، ما دام ابطال هذه
الثقافة
خالدون يستمر تاثيرهم الثقافي ابدا. من هذه
المقدمات، وعلى
هذه القاعدة يبني تحليله الهجومي على فكرموسسة اهل
البيت
الممثلة بالامام جعفر الصادق(رض)، وهو موضوع بحثنا
هذا.
تحليل المنهج في دراسة التشيع
ينطلق ممثل التيار التغريبي موضحا افكاره في ثلاث
قنوات
رئيسية هي:
اولا: تحميل «التراث الاسلامي» المشكل للعقل
العربي
مسوولية تراجع الامة العربية المستمر، ولكن
ليس كل هذا
التراث، بل تنحصر المسوولية في التيارات التي
تمكنت من
الهيمنة واقالة العقل واحلال الكشف العرفاني
بديلا.
ثانيا: الجانب العرفاني من الفكر الاسلامي الذي
يشكل جزءا هاما
من الثقافة الاسلامية والذي هو وليدمدرسة اهل
البيت
والتشيع، حمل على كاهله مهمة تدمير الاسس الصحيحة
لبناء
العقل العربي بماينسجم مع انتاج المعرفة المودية
للتقدم.
ثالثا: يكون الالتزام بالتراث الاسلامي برمته، بما
في ذلك
الايديولوجيا الاسلامية، وفي قمتها
فكرة الالوهة، ابرز مسببات
تدمير الابتكار والابداع العلمي في العقل العربي
او علله، ويعد
الالتزام بالافرادوانتاجهم الفكري، وجمود العقل
المشرقي
العربي عند ذاك الانتاج باعتباره نهاية للاجتهاد
وليس بداية
له(وقد مضى على رحيلهم قرون عديدة) علة توقف حركة
الفكر العربي في الزمن الذي عاش فيه
اولئك الافراد، وهذا
يعني توقف حركة الزمن العربي ودورانه في حلقة لا
يستطيع
منها فكاكا.
هذه القنوات الثلاث يمكن لها ان تلخص الخطوط العامة
لافكار
السيد الجابري في بحثه، ضمن التراث الاسلامي، عن
اسباب
جمود العقل العربي وتخلفه الموديان الى تخلف الامة
ووقوعها
تحت سيطرة الغرب الاوروبي. وهو، في هذا السياق،
يقدم
ايحاءاته حول ان امكانية تقدم الامة مرتبط
بالانفكاك عن تراثها
رغم مديحه لجوانب من هذا التراث، وبخاصة المعتزلة
واتباع
الطريق الذي سارت عليه الحضارة الغربية التي
انتجت ثقافة
اسهمت في تشكيل العقل المبدع، بما في ذلك تهميش
فكرة
الالوهة والدين والتراث والنظر المستمر نحو
الامام، في زمن
مفتوح ليس له آفاق.
«ذلك ان مشروع النهضة العربية الحديثة قام، وما زال
يريد ان
يقوم، على بعث ما قد مضى لا على القطعية معه،
فالاسلام لم
يقم من اجل نفي الماضي والقطعية معه بل قام من اجل
التصحيح، من اجل رد الناس الى دين ابيهم ابراهيم.
فهناك
ظاهرة الاجترار الثقافي العربي في العصور
المتعاقبة، والتداخل
بين العصورالثقافية في الفكر العربي منذ الجاهلية
الى اليوم،
يعينها المثقف كزمن راكد يشكل جزءا اساسيا
وجوهريامن
هويته الثقافية وشخصيته الحضارية، حضور القديم مع
الجديد
كمنافس ومكبل. يجب ان تطرح مشكلة التقدم ليس في
اطار
الماضي بل في اطار المستقبل، اي العمل على تحقيق
قطيعة
ابستمولوجية مع الماضي لتدشين زمن ثقافي جديد على
اسس
جديدة» . ثم يتابع موكدا بجزم: «اقرر ان الحركة
في الثقافة العربية كانت وما تزال حركة اعتماد لا
حركة نقلة،
وبالتالي فزمنها يعدها للسكون لا الحركة
على الرغم من كل
حركتها، والدليل ان الفكر الشيعي فقها وكلاما
وسياسة اكتمل
مع جعفر الصادق..» .
والواقع ان الاشارة الى الامام الصادق(رض) واكتمال فكر مدرسة اهل البيت معه لم يات لمجرد الاشارة الى جمود هذا الفكر منذ العام 148ه/765م وحسب، بل يهدف بالجوهر الى الانتقال مباشرة لتحديد ان العرفان الشيعي والباطنية الشيعية «وقد كانا من اقوى العوامل التي دفعت بالمامون الى الاستنجاد بارسطوفي اطار استراتيجية عامة كانت تهدف الى تنصيب العقل العقل الكوني حكما في النزاعات الايديولوجية والدينية، لان الصراع مع الشيعة كان صراعا ايديولوجيا، الايديولوجيا من اجل السياسة وليس العكس..» . هذان العاملان ساهما في تدمير المنهج العقلي، او بطريقة اوضح، انهما دفعاالسلطة لتنصيب العقل ليكون في مواجهة اللاعقل المتمثل في العرفان الشيعي الذي يهدد الدولة.الباحث هنا ينفي عن المعارضة الشيعية وانتاجها الفكري انه سمات للعقلانية، بل انها في رايه تقف على النقيض مع ارسطو العقلاني الذي تم الاستنجاد بفكره وترجمته الى اللغة العربية ليقف في مواجهة التشيع، ثم يمضي استطرادا الى اطلاق حكم قيمة كالتالي: «وجد الشيعة في الهرمسية × المعين الذي لا ينضب الذي استمدوا منه فلسفتهم.. كانوا اول من تهرمس في الاسلام..». والباحث يستدرك هنابتخصيصه التهرمس لغلاة الشيعة الذين وظفوا فكرة المعلم التي تعادل هنا الوصي او الامام، مترافقة مع فكرة التطهير وفكرة الاله المتعالي، اضافة الى الجوهر الكامن في الامام علي او الرسول محمد او سلمان الفارسي، متجهين الى الهدف الرئيسي وهو اتصال الامام باللّه وتلقي العلم منه . لكنه يضيف استدراكاآخر ايضا، في محاولة جديدة قديمة، لابعاد الامام جعفر الصادق عن كون تلك الافكار نابعة منه، موضحاان الامام الصادق كان «يبدي تضايقه من الطريقة التي يتحدث بها الغلاة عن الائمة ويعارض الثورة المسلحة وسالم العباسيين واهل السنة، مكتفيا بهدف عام هو السيطرة الثقافية وصولا الى السيطرة السياسية..» الصادق اذن، في نظره، هو الشخصية العلمية التي اشتغلت بتنظيم المذهب ورفع الشبهات عنه، لهذا قام بطرد ابرز مشايعيه من الغلاة المعروفين، وهو ابو الخطاب الذي ادعى علم الامام بالغيب وحلول اللّه فيه،لكن الصادق الى جانب ذلك اصر على ان ائمة اهل البيت يرثون النبوة ويستاثرون بفهم حقيقة الدين ويعلمون باطن القرآن..