الصفحة السابقة

الصفحة التالية

نصل الى سوال يطرح نفسه، وهو: لماذا لم يجرو الجابري على اتهام رسول اللّه محمد(ص) اوالايديولوجيا الاسلامية (او بالاحرى الجانب الالهي منها) بالهرمسة، ما دام قد اكتشف افكارا جديدة ليست غنوصية؟، ولماذا لم يتطرق الى «نهج البلاغة» للامام علي بن ابي طالب، وهو منبع العرفان في الاسلام، وبخاصة في حديثه عن الزهد والدنيا الفانية التي يرفض ان تغره، واتجاه الامام الاول في عرفانه نحو (الاخرة) رغم انه يقف على سدة المنصب الاول في العالم الاسلامي اي (امارة المومنين)؟ الا يبدو من السذاجة المفرطة ان نفسر علميا التقاطعات الفكرية في التراث الانساني بالسرقات الفكرية اوبالتقليد الفكري الى درجة التطابق، كما يفعل الجابري في بحثه الفضفاض الذي بين ايدينا؟ يتهم المستشرقون الاوروبيون الاسلام عادة بالاقتباس او بالنسج على منوال العهد القديم اليهودي. ويتهم مفكرون آخرون العهد القديم بالاقتباس من الحضارة البابلية التي عاش اليهود بين ظهرانيها زمنا طويلا،وبخاصة شريعة حمورابي وقصة الطوفان وغيرهما. وقد بذل الكثير من الحبر لدحض افكار كهذه تتعلق بالاسلام وسيرة الرسول(ص)، لنصل الى نتيجة مفادها ان التقاطعات الموجودة في الايديولوجياالاسلامية مع افكار سابقة، نابعة من ان الاسلام عبر القرآن الكريم واحاديث الرسول وقبله المسيحية اقربانه جاء ليكمل ويصحح، ويضيف القرآن (ويختم). وبالسياق لم يكن ممكنا تحقيق الفصل الثقافي بين الامم ومعرفة من الذي استقى من الاخر مثلا، اذا علمنا ان الذين يشكون في نسبة نهج البلاغة الى الامام علي على سبيل المثال وجدوا في حديثه وخطبه عبارات تتطابق مع تراث يوناني او هندي، علما ان تراث الامام (رض) سابق على الترجمة بالقطع، ناهيك عن امية رسول اللّه(ص) واتهام العرب الاميين له بانه ياخذ من (اساطير الاولين)، بمعنى ان ثقافة العهدين: القديم والجديد كانت متداولة حتى في البادية.

كل هذا يجعل من محاولات المقارنة الساذجة التي يقوم بها الجابري او غيره بين الاسلام وتراث العرفان والتوحيد السابق عليه مجرد سعي لبرهنة فرضيات مستحيلة، تتجاهل حقيقة اساسية هي ان التراث العربي الاسلامي مصبوغ تماما بالصبغة العربية الاسلامية، وانه تمكن من اسلمة كل الافكار المتداولة وتعريبها، حتى قصص القرآن الموجودة بالنص في العهد القديم (يوسف) فانها انتجت بابداع جديد لم يتناول الا الفكرة المجردة في غاية محددة. ويعرف اي باحث (والجابري من هذه الشريحة) ان فولكلورالانسانية الذي يملا الفضاء وينتقل بين الامم كانسياب الماء والهواء، يجري التعرف على الاصالة والابداع في طريقة استخدامه وصياغته واعادة انتاجه، والا فهل يمكن اتهام الاسلام بانه اقتبس فكرة التوحيد عن اليهودية، او ان اليهود اقتبسوها عن ديانات قديمة مصرية او صينية او هندية. ورغم ذلك فعلينا الاقرار بان التوحيد الاسلامي توحيد خالص مطلق، ومثله العرفان الاسلامي العربي، مختلف عن مثيلاته في توحيده المطلق هذا، علما ان ارسطو العقلاني الذي يضعه الجابري في مواجهة اللاعقل العرفاني الاسلامي، كان يقول بتعدد الالهة، والوهية الافلاك، لقد كان ابن بيئته اليونانية الوثنية، حتى وهو يقدم البرهان عن المحرك الاول الذي لا يتحرك.

كان من ابرز الافكار التي وردت في الفكر الانساني، فكرة الصفوة من البشر، اولئك الذين يتميزون بمقدرة وضعها اللّه فيهم، واوكل اليهم الهداية او الرسالة او الارشاد والتعليم. هذه الفكرة اخذت في طابعهاالاسلامي واحاديث الامام جعفر بن محمد الصادق (سلام اللّه عليه) منحى له خصوصية الايديولوجياالاسلامية، ومنها ما نقله الجابري عن الكافي عن جعفر الصادق عن الامام علي(رض) (والذي راى فيه الجابري تجليا لرويا هرمس بالمقارنة) ما ملخصه: «ان اللّه حين شاء تقدير الخليقة وذر البرية وابداع المبدعات نصب الخلق في صورة كالهباء قبل دحو الارض ورفع السماء، وهو في انفراد ملكوته وتوحيدجبروته، فاتاح نورا من نوره فلمع، فنزع قبسا من ضيائه فسطع ثم اجتمع النور وسط تلك الصورة الخفية فوافقه ذلك صورة نبينا محمد(ص»)، الى ان يقول:

«وانصب اهل بيتك للهداية واوتيهم من مكنون علمي ما لا يشكل عليهم دقيق ولا يعييهم خفي، واجعلهم حجتي على بريتي والمنبهين على قدرتي ووحدانيتي..». ثم يقول الامام الصادق: «وانتقل النور الى غرائزنا ولمع في ائمتنا فنحن انوار السماء وانوارالارض، فينا النجاة وبنا مكنون العلم..» .

فكيف يستنتج الجابري الجذور الهرمسية في حديث كهذا؟ يقول: «تكليم اللّه له تعادل كلمته تسطيح الارض وتمويج الماء ورفع السماء من اجله تنصيبه للهداية، خلق الكون وبسط الزمان وابداع الملائكة وقرن توحيده بنبوة محمد التي هي عناصر تطابق على التوالي العناصر التالية في الميتافيزيقيا الهرمسية:الاله المتعالي (الكلمة) او العقل الاول (الهباء) الطبيعة، الانسان السماوي (الذي يجعل منه النص المذكورآدم بينما يجعل من العقل الاول محمدا) ظهور العناصر الاربعة..

الخ، اما الهداية التي خص اللّه بها اهل بيت النبي فهي تذكرنا بالهداية التي الزم هرمس نفسه القيام بها بعد ان راى ما راى في روياه الكشفية..» والحقيقة انني بعد التدقيق بين الروية المذكورة والنص الوارد في «الكافي» عن الامام علي وجعفر الصادق(رضي اللّه عنهما) لم اجد من التقاطعات ما يودي الى اي تطابق في المضمون كما فعل الجابري وهويلوي عنق النص ليستنتج منه التطابق. يستحيل الاستنتاج من حديث الامام علي ان خلق محمد هو خلق العقل الاول، لان المقصود عادة بالعقل الاول هو اللّه في الفلسفة اليونانية. اما في مسالة الهداية واتصالهابالصفوة فقد الزم هرمس نفسه بالهداية بعد الرويا ليتصدى لمهمة اهله لها انه اكتشف الحقيقة بالرويا.. امااهل بيت النبي فقد تولوا المهمة بالوصاية من الرسول(ص) ولم يدعوا غير ذلك مطلقا، وبكل تاكيد فلايمكن للرسول ان يوصي الا بامر من اللّه، ولا يوصي الا لاناس من جنس طبيعته المتميزة، القادرة على الهداية وتولي المهمة الصعبة، ولكنها موجودة في الصحاح شئنا ام ابينا، والقرآن طالب بالمودة لاولي القربى من النبي(ص): (قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى)«الشورى/23». وتلك جدلية السنة والشيعة المستقاة من القرآن والحديث، فما علاقة الهرمسية بها؟ علما ان كلمة الهباء لم ترد مطلقا في روياهرمس التي تتسم من حيث الصياغة والمضمون بتعددية الصناع والالهة، وليس فيها من التوحيدالاسلامي حتى النوايا . فحديث الامام الصادق لم يذكر الكلمة ابدا، ولا العقل الاول ولا الانسان السماوي. اما العناصر الاربعة فقد كانت بديهية علمية متداولة وما زالت حتى الان.

في محاولته لتعليل معرفة الامام الصادق بالكيمياء وغيرها من العلوم يورد الجابري عن فيستوجير نصوصاهرمسية عن الاتصال باللّه وتصفية النفس ومعرفة الاصباغ الرفيعة التي تحول المعادن الخسيسة الى ذهب(او ما يرادف حجر الفلاسفة بالمصطلح القديم) ويقوده هذا الى ان اتصال الامام بالفكر الهرمسي ادى به الى معرفة علم الكيمياء (والحقيقة انه لم يشر الى الامام الصادق مباشرة وان لمح الى ذلك بالتبعية الفكرية) وبما ان الكيمياء من العلوم الدقيقة المتصلة بالعقل مباشرة وبالتجريب وقد ثبت ان الكيميائي الشهير جابر بن حيان تتلمذ على الصادق بها، وكتب رسائله الشهيرة فان ذلك، وقد ادى الى التشوش لدى الجابري، لم يجد من مخرج منه الا من خلال النصوص الهرمسية، علما ان المتصوفة الذين مارسواالصفاء الروحي والكشف لم يصبحوا علماء في الكيمياء رغم ذلك. وكم يبدو اتصاف تعليل كهذابالسذاجة في محاولة تعليل اتصاف الامام الصادق بممارسة علوم لها صفة التجريبية والعقلانية.

6- جدلية التقدم والتخلف في الحضارة العربية الاسلامية:

يحصر الجابري اسباب تخلف الامة العربية وبدء عصر الانحطاط بعنصرين اساسيين:

الاول - كما راينا - وهو الاهم يتعلق باستقالة العقل (كما تحلوله التسمية) في تيارات الفكر العربي المحددة باثنين:

الموسسة الشيعية المتسمة بتراجع منهجها الثوري بتكامل الانحسار العقلي لديها نظرية وتطبيقا، والموسسة السنية بسيطرة اللاعقلانية على بنيتها النظرية التي كانت عقلانية وسيادة الجمودوالمحافظة عليها.

الثاني: الغزوات الخارجية، وقد حددها بثلاث: المغولية من الشرق والصليبية من الغرب، ومعها تدميرالدولة الاندلسية النهائي وانتصار المسيحية الغازية وطرد العرب من هناك.

هناك اسباب كثيرة لتراجع الحضارة الاسلامية عن الانتاج، والجابري يقع في فخ تقسيم العصور الذي رفضه في هذه الحضارة. فهو في مقدمات كتابه: «تكوين العقل العربي» يتهم هذا العقل بانه في تعامله مع الزمن الثقافي لا يخضع لمقاييس الوقت والتوقيت الطبيعي والسياسي والاجتماعي لان ما يميز الثقافة هوزمنها، وزمن الثقافة العربية هو زمن العقل العربي ما دام ابطال هذه الثقافة خالدون ليستمر تاثيرهم الثقافي ابدا .

على هذا القياس كيف يمكن تعليل عصر الانحطاط ما دام هناك نهوض كونه اولئك الخالدون الذين بهت تاثيرهم وتراجع في زمن ما مترافقا بتراجع مكونات العقل نفسه، وسيادة الجمود والمحافظة على موسسات الانتاج الفكري بدءا من القرن السابع الهجري. فلماذا ادخل الجابري موسسة التشيع الامامي الاثني عشري في المسوولية؟ لكل امبراطوريات العالم بداية ونهاية، وقد تميزت الامبراطورية الاسلامية بانحسار النظام وخلودالايديولوجيا، وفي المقابل تهشمت في اوروبا الامبراطوريات والايديولوجيا معا، ولكن بزغت التكنولوجيا التي مكنت التقدم العلمي من بسط سيطرة الادوات الحديثة على الامم المتخلفة حقبة من الزمن وسيادة عصر الاستعمار. فهل ادت المحافظة الفكرية في موسسات السلطة السنية وتفجر الثورات التي احتدمت تحت شعارات شيعية (من ضمنها العدالة الاجتماعية) الى تحطيم السلطة والعقل المعرفي الاسلامي معا، كما ينظر الجابري؟ لم تكون موسسة الشيعة الامامية دولتها ابدا، حتى الدولة البويهية المتهمة بكونها تلك الدولة لم تكن، عمليا، دوله شيعية اثني عشرية. في المغرب نهضت الدولة الفاطمية وكان لها انجازات حضارية كبيرة باعتراف المورخين ، لكنها لم تعمر طويلا رغم دورها المهدىءلثورات المشرق ضد السلطة العباسية المت آكلة، ولم تكن دولة اثني عشرية.

هذا العصر المحدد للامبراطورية الاسلامية تمكن من تحقيق انجازين هامين، وهما: هزيمة المغول والصليبية والحفاظ على دولة الايديولوجيا الاسلامية على الاقل. اما على صعيد الانجازات الاخرى فان اصدار حكم قيمة لا يمكن ان يتمتع بالاطلاقية، فهو يختلط بعناصر مشوشة يغلب على مصداقيتها ان العرب وقعوا بالكامل تحت السيطرة التركية، التي ساهمت بالمطلق في سحق الحضارة العربية لمدة اربعة قرون، فهل يمكن تحميل العقل العربي المسوولية؟ هنا يجدر بنا التوقف مع المصطلح الذي استخدمه الجابري بداية، وهو «العقل العربي»، فبالقطع لم يكن هناك شيء اسمه القومية العربية المتميزة في اطار الامبراطورية المترامية، ذلك ان المسالة القومية مفهوم من ولادات القرن التاسع عشر، وكانت من اصدارات الحضارة الاوروبية، وظلت ولادتها من اكثرها اثارة للجدل وحتى هذه اللحظة.

يحلو لبعض دارسي التراث ان يحملوا الامام الغزالي (رحمه اللّه) مسوولية بدء الانحطاط عندما حارب الفلسفة وعلم الكلام واعلن الولاء، او ضرورة الولاء، للخلافة العباسية بوصفها رمزا لوحدة المسلمين.ولكن تحميل تيار فكري واحد مسوولية التخلف فيه الكثير من التعسف، فقد بدا ضغط العناصر الخارجية على الدولة الاسلامية يشتد، وساهمت عناصر التحطيم الداخلية المتعلقة بطبيعة السلطة المركزية المهشمة والبعيدة عن العدالة في توزيع الثروة واتاحة المجال للحرية الفكرية التي ساهمت الى حد ما في نهضة الدولة العربية السابقة تلك السلطة المركزية التي لم يكن همها الا محاربة كل ما هو جديد، وخاصة تيارات التشيع التي احتضنت القوى الناهضة في الدولة الاسلامية و«المستضعفين» وجاءت السيطرة التركية المتخلفة اخيرا لتسدد الضربة الاخيرة، رغم توحيدها للعالم الاسلامي شكليا، فقد نهضت تركياعلى حساب الاطراف الاخرى للامبراطورية، وخاضت حروبها المذهبية بعد ذلك ضد الشرق المتشيع،وبدا ان العنصر العربي وطن نفسه على قبول هذا المصير المرير الذي امتد حتى القرن العشرين.

لماذا لم يحاول الباحث الجابري بذل كبير عناء في معرفة عناصر التخلف العربي المتعددة التي لا يمكن حصرها، وحصرها في سطوة التراث على الفعل ودفعه الى اللاعقلنة التي ادت الى تخلف تقني في حين كانت اوروبا تتقدم بوتائر عالية، بينما توقف العرب عن ملاحقة ركب التقدم المتسارع الذي لا يرحم المتوقفين؟ ذاك سوال لا يجد قارىء ابحاثه اي جواب مقنع له..

وظلت الموسسة التي انشاها الامام جعفر الصادق على تماسكها المثير للاعجاب بل وتوسعها على مستوى الاتباع حتى وصل عدد هولاء الى مئات الملايين، رغم جميع عوامل الاعاقة والاضطهادالمذهبي. ولن يكون الحل في اطلاق توصيفات الادانة العنصرية والمطالبة باتباع النهج الذي ادى الى النهضة الاوروبية والمتمثل بتحطيم البنى الفوقية المتمثلة بالايديولوجيا الاسلامية للامة حتى تستطيع تحرير العقل العربي كي يلحق بالركب، فلا يمكن ان تتشابه عوامل نهضة الامم، وليس من مهمة هذه العجالة تقديم الحلول.

 

الفرق والمذاهب: تحقيق في النشاة والمعالم(2)

الاستاذ صائب عبد الحميد

«انما بدء وقوع الفتن اهواء تتبع، واحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب اللّه، ويتولى عليها رجال رجالا على غير دين اللّه» علي بن ابي طالب، نهج البلاغة، الخطبة 50.

تبحث هذه الدراسة في العوامل الاساسية التي ادت الى نشوء الفرق والمذاهب، في الاسلام، وتناول القسم الاول منها، المنشور في العدد السادس من «المنهاج»، العامل الاول، وهو الواقع التاريخي للخلافة ونظام الغلبة، ويتناول القسم الثاني، والاخير الواقع الفكري، ويتمثل بعلم الكلام والفلسفة والتطرف الديني.

العامل الثاني: الكلام الكلام هو العلم المعني باثبات العقائد الدينية من طريق الحجج والبراهين: العقلية والنقلية، كما عرفه غيرواحد من اهل العلم.. وهو عند المسلمين، من حيث النسبة الى مصدره، يمكن تقسيمه الى الاقسام الاتية:

ا- كلام يدور في حدود المعارف القرآنية، ينطلق منها ويعود اليها.. وهذا لا ينبغي النزاع في اصالته، ولانزاع ايضا في ان رائده واميره هو الامام علي(ع) في العديد من خطبه المحفوظة في التوحيد وفي الصفات وفي النبوة، والمعاد، والامامة.

ب- كلام مصدره العقلية الاسلامية، المتاثرة سلبا او ايجابا بالعوامل الموثرة في تشكيل الموقف العقيدي وصياغة المتبنيات العقيدية.. ومن امثلته، الكلام في الجبر الناشىء في ظلال نظام الغلبة، الذي ادى الى ظهور الكلام في التفويض المناقض له، ومثله الكلام في الارجاء والتكفير، الذي كان سببا في ظهور عقيدة«المنزلة بين المنزلتين» التي تقول: ان مرتكب الكبيرة، لا هو مومن كما تقول المرجئة، ولا هو كافر كماتقول المارقة، وانما هو في منزلة بين المنزلتين. وكانت هذه المقولة اساسا في ولادة فرقة جديدة الى جانب الفرق الاخرى. وفرق علم الكلام هي:

1- المعتزلة.

2- الاشاعرة.

3- الماتردية المعتزلة عرفت هذه الفرقة ب «المعتزلة»، وذلك ان اول من قال بهذه المقولة، وهو واصل بن عطاء ثم تابعه عمروبن عبيد، قد كانا في مجلس الحسن البصري، فكلماه في قولهما هذا، فامرهما باعتزال حلقة درسه،فاعتزلا عند اسطوانة في المسجد وانضم اليهما جماعة فسموا المعتزلة.

فكانت هذه هي النواة الاولى لتكوين فرقة «المعتزلة».

وترقى بالمعتزلة الكلام، على صعيد تقرير هذه المقولة، الى قضية «العدل الالهي»، واكثروا الكلام في تدعيمها وابطال كل ما يقدح ولو ظاهرا بالعدل الالهي، حتى لقبوا ب «العدلية»..

وكان العدل الالهي عندهم يدور حول صدق الوعد والوعيد، فاللّه تعالى العادل لا يعذب المحسن ولا يكافىء المسيء، ولايخلف وعده في ثواب المحسن وعقوبة المسيء وقبول التوبة، ولا عفو بلا توبة لان ذلك اخلاف للوعيد،ولاجل ذلك ايضا نفوا الشفاعة.

وفي خضم النزاع الدائر بين الجبرية والمفوضة اختار المعتزلة القول بالتفويض، وجعلوه من اهم اركان العدل الالهي، فسموا لاجله بالقدرية.

هذه الدائرة الواسعة من الكلام، والتي شكلت اركانا اساسية في عقيدة المعتزلة، كان مصدرها الواقع الاسلامي والصراع (الفكري السياسي) الدائر فيه.

وهذه المبادى كلها، مع ملاحظة العوامل الموثرة في نشاتها توكد ان فرقة «المعتزلة» لم تكن في يوم ماامتدادا لاولئك النفر الذين اعتزلوا الصراع ايام عثمان وايام الامام علي، كسعد بن ابي وقاص وعبداللّه بن عمر، بل الذي تفيده هذه المبادى هو ان اعتزال واصل واصحابه كان موقفا تحرريا معارضا لجماعة الحكم ومدرسته الثقافية، وهذا هو السر في رواج هذا اللقب عليهم، ولم يكن مصدره اختيارهم تجنب جميع الفرق وتجنب الدخول في النزاع! لم يكن هذا من مواقفهم ابدا، بل هو ابعد شيء عنهم، يوكد ذلك نضالهم الفكري العنيد ضد الارجاء والجبر اللذين تدعمهما مدرسة السلطة، ويوكده اكثر واكثر الاصل الخامس من اصول عقيدة «المعتزلة». وتقضي هذه الاصول الا يسمى المرء معتزليا الا بالايمان بها جميعا،وهذه الاركان هي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر.. ومثل هذا المبدا الاخير لا تتبناه فرقة اصلا من اصولها ثم يقال: انها تعتزل السياسة والخوض في النزاعات الدائرة بين الفرق، او ان سلفها هم اولئك الذين اعتزلوا عليا والحسن(ع).

اذن كان مصدر تسميتهم بالمعتزلة هو خصومهم بلا شك، سواء كان الحسن البصري، ام قتادة كما في رواية. فلما غلب عليهم ولم يستطيعوا دفعه بتسمية ينتخبونها هم، صاروا الى الدفاع عنه والرضا به،وفسروه بانه اعتزال الباطل واهله، وبالغ القاضي عبد الجبار في مد جذور هذه التسمية الى القرآن الكريم،فقال: ان كل ما ورد في القرآن من ذكر الاعتزال فان المراد منه الاعتزال عن الباطل! لكن الرازي فند هذاالكلام حين اورد، في الرد عليه، قوله تعالى حكاية عن موسى(ع) في خطابه لقوم فرعون: (وان لم تؤمنوالي فاعتزلون)! الاشاعرة في الاونة التي ضعف فيها دور المعتزلة وقوي موقع اصحاب الحديث، ظهر في البصرة ابو الحسن الاشعري بمذهب جديد يعارض فيه المعتزلة وينتصر لاصحاب الحديث. والاشعري، المولود سنة 260ه والمتوفى سنة ثلاثمئة ونيف وثلاثين للهجرة، قد كان اول امره معتزليا، تلميذا لشيخ المعتزلة في عصره ابي علي الجبائي، وقد كان احيانا ينوب عن شيخه في الجدل. ثم طلع على الناس بعد عزلة قصيرة، قيل خمسة عشر يوما، فاعلن توبته عن مقالة المعتزلة في القدر، وقال بقول الجبرية الا انه ادخل عليه مفهوم الكسب، ليكون الانسان مسوولا عن فعله بالكسب. كما رد على المعتزلة عقيدتهم في الصفات وتبنى قول احمد بن حنبل باتباع الظاهر من دون تاويل. لكنه تراجع بعد ذلك الى التاويل في كل ما يوهم التشبيه، الاالاعتقاد بروية اللّه تعالى في الاخرة.

وناقض المعتزلة في منزلة العقل ودوره في الشرع، وخالفهم في مسالة الحسن والقبح العقليين، فجعل الحسن ما حسنه الشارع والقبيح ما قبحه الشارع وليس للعقل دور في معرفة ذلك.

ولم يفرق في العقيدة بين السنة المتواترة واحاديث الاحاد.

وجعل الصفات الثبوتية (العلم، والقدرة، والحياة، والارادة، والكلام، والسمع، والبصر) صفات قديمة قائمة بذاته، لا يقال:

هي هو، ولا هي غيره، ولا لا هو، ولا غيره.

وجوز تكليف ما لا يطاق، وتعذيب المحسن، وثواب المسيء.. اما مصدر عقيدته في الامامة والتفضيل فانما هو الواقع التاريخي لا غير.

الماتريدية سميت هذه الفرقة بهذا الاسم نسبة الى موسسها ابي منصور الماتريدي الذي توفي سنة 333ه، وكان معاصرا للاشعري، غير انه كان بعيدا عنه، في «ما تريد» من ولاية سمرقند، وهو حنفي المذهب، درس فقه ابي حنيفة ورسائله الصغيرة في الكلام، وقد قرر بعض العلماء ان آراء ابي حنيفة في العقائد هي الاصل الذي تفرعت منه آراء الماتريدي.. ولما كان ابو حنيفة يمنح العقل دورا كبيرا في الفقه والمعرفة، خلافالاصحاب الحديث، فقد ظهرت آثار ذلك في المذهب الماتريدي وميزته كثيرا من المذهب الاشعري.

فالاشعري قال: ان معرفة اللّه واجبة بالشرع. اما الماتريدي فقال: يمكن للعقل ادراك وجوبها.

ونفى الاشعري الحسن والقبح العقليين، فيما اثبتهما الماتريدي.

والماتريدي خالف اصحاب الحديث منذ البداية في الصفات، وقال بوجوب حمل المتشابه على المحكم وتاويل كل ما يوهم التشبيه.

والاشعري يرى ان افعال اللّه لا تعلل لانه لا يسال عما يفعل، وهم يسالون. ويرى الماتريدي ان افعال اللّهلا تكون الا على مقتضى الحكمة من دون ان يقال: ان ذلك واجب على اللّه تعالى لانه مختار مريد.

وجوز الاشعري على اللّه ان يعاقب الطائع ويثيب العاصي، ومنع من ذلك الماتريدي لان ثواب الطائع وعقاب العاصي انما هو لحكمة قصدها وارادة ارادها.

واجاز الاشاعرة ان يخلف اللّه وعده، ومنع الماتريدية ذلك.

وكان الاشعري قد فارق المعتزلة في الجبر والاختيار، وميز قوله عن قول الجبرية الخالصة باضافة عنصرالكسب، والكسب عنده هو الاقتران بين الفعل الذي هو مخلوق للّه تعالى وبين اختيار العبد، من غير ان يكون للعبد تاثير في الكسب! هذا القول الذي وصفه العلماء بانه يودي الى الجبر لا محالة، لان هذاالكسب مخلوق للّه تعالى كالفعل نفسه! فبعضهم وصفه بانه الجبر المتوسط، وبعضهم وصفه بانه الجبرالكامل.

اما الماتريدي فقد قال بالكسب ايضا، ولكن الكسب عنده من فعل الانسان بقدرة اودعها اللّه سبحانه وتعالى فيه.

وفي جميع هذه الاقوال ترى الماتريدي يقترب من المعتزلة احيانا ويوافقهم احيانا اخرى، لذا وضع الكوثري تخطيطا لاربعة مذاهب، جعل الطرفين: اصحاب الحديث، والمعتزلة، وبينهما الاشاعرة اقرب الى اصحاب الحديث، والماتريدية اقرب الى المعتزلة.

ومن الامور التي تقارب فيها الماتريدي والاشعري القول في الروية وفي مرتكب الكبيرة، وفي الامامة.

ج- مصادر الكلام الاجنبية عن الواقع الاسلامي، وهي على قسمين:

اولهما: ما اضطر اليه العلماء الذين وجدوا انفسهم معنيين بالدفاع عن العقيدة الاسلامية امام متكلمي الامم الاخرى الوافدة على الاسلام او المجاورة لحدوده، والتي ترجع الى تراث كلامي عريق.. فوجدبعض العلماء المسلمين انفسهم امام غزو فكري مدجج بالسلاح، ولابد لاجل محاربته ان يواجهوه بسلاح من جنس سلاحه، وبخاصة ان المنهج الحديثي الغالب على العلماء آنذاك لم يكن وافيا في متابعة كل شاردة وواردة تقذف بها المدارس الكلامية تلك.

فكان هذا دافعا نحو ولوج علم الكلام وسلوك سبله ودخول مداخله واستخدام اساليبه في الحجاج والبراهين والتفريعات ونحو ذلك.

وهذا في نفسه غير مستنكر، بل هو حسن ومحبذ جدا حين يكون اصحابه من اهل العلم والمعرفة واليقين. ولقد افلح كثير منهم في الرد على شبهات متكلمي الامم الاخرى من صابئة ونصارى ومجوس وهنود وغيرهم، في كتب ومناظرات، ودحضوا حجج كثير من الزنادقة المتاثرين بهم.

وثانيهما: ما وقع عليه طلبة العلوم، من مختلف المستويات، من كتب الكلام والفلسفة الاجنبية في عصرالترجمة وبعده.

فهذا وان كان يمثل ظاهرة حضارية هامة، الا انه قد خلف اثرا سلبيا، تمثل في تسرب كثيرمن المقولات الفلسفية الواردة الى الثقافة الاسلامية، ودخوله في امهات المسائل العقيدية التي تناولهاالمتكلمون.

واسوا الاثار التي تركها هي تلك التي دخلت في بحوث «الصفات»: صفات الخالق البارىء ذي الجلال والاكرام..

والحق ان مباحث الصفات كانت قبل عصر الترجمة مصدرا للنزاع والانقسامات، ثم زادها ذلك تعقيداوتعميقا.

الصفات محور فرق جديدة انقسم المسلمون، في تفسير صفات اللّه تعالى، الى ثلاث طوائف، ولكل طائفة فريقان:

1- الطائفة الاولى: ذهبت الى ان آيات الصفات واحاديثها يجب ان تجري على ظواهرها.. ثم انقسموا في معنى هذا الكلام الى فرقتين:

الفرقة الاولى: ذهبت الى ان المستفاد مما جاء في القرآن والحديث في الصفات، من قبيل «يداللّه» و «عين اللّه» و«وجه اللّه» ونحوها، انها جوارح (اعضاء) كجوارح المخلوقين! ووصفوه تعالى شانه بالجسمية،فقالوا: هو جسم، وهولاء هم «المشبهة» و«المجسمة». وقد ثبت على هذا الاعتقاد فرقتان، هما:«الظاهرية» و«الكرامية».

الفرقة الثانية: اجرت هذه الالفاظ على ظاهرها، ولكن خالفوا المجسمة بالتصريح بالتجسيم والتشبيه،فقالوا: نقول ان له تعالى يدا ووجها وعينا وجارحة يسمع بها، وانه مستقر على العرش استقرارا، وانه ينزل الى سماء الدنيا كل ليلة وانه يغضب ويفرح، ولكن من دون ان نشبه ذلك بشيء من المخلوقات، بل نقول انها بالمعنى اللائق به تعالى! وهولاء هم «الحشوية» من «اصحاب الحديث» و «السلفية»، وهم لا يختلفون في النتيجة عن الفرقة الاولى الا بالالفاظ، فاولئك وصفوا جسما مركبا منفعلا متغيرا وصرحوا بانه جسم، وهولاء وصفوا الاوصاف نفسها، ثم قالوا: بلا كيف! والفريقان معا يتفقان على خبر غريب، يرويه واحد عن واحد، تفرد به اسرائيل عن ابي اسحاق، وتفرد به ابو اسحاق عن عبداللّه بن خليفة، وتفرد به عبداللّه بن خليفة عن عمر، وتفرد به عمر عن رسول اللّه(ص). وعبداللّه بن خليفة الذي عرفت الرواية باسمه مختلف فيه!: تقول روايته هذه: ان كرسيه تعالى وسع السماوات والارض، وانه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار اربعة اصابع، وان له اطيطا كاطيط الرحل الجديد اذا ركب من ثقله! وفي رواية اخرى لهذا الخبر: «وما يفضل منه الا اربع اصابع»! واعتقدالحشوية والسلفية بهذه الرواية ليشاركوا بها المجسمة.

والفريقان يتفقان على امتناع التاويل ولزوم الاخذ بالمعنى المستفاد من الظاهر، وهم لاجل ذلك انكرواوجود المجاز في اللغة العربية، وجعلوا هذه الالفاظ كلها على الحقيقة! وهذا كلام غريب جدا على لغة العرب، دعت اليه العصبية المذهبية! وعلى هذا تعاملوا مع المتشابه كتعاملهم مع المحكم! يقول ابن الجوزي: «اعلم ان عموم المحدثين حملوا ظاهر ما تعلق من صفات الباري سبحانه على مقتضى الحس،فشبهوا، لانهم لم يخالطوا الفقهاء فيعرفوا حمل المتشابه على مقتضى الحكم..

فوجود المتشابه في القرآن والسنة امر مسلم».

وهذه الطائفة اتهمت بالمشابهة باليهود، وبالقرائين منهم خاصة، اذ وقف هولاء على ظواهر تفيد التجسيم في التوراة! ولقد استدل ابن تيمية لهذه العقيدة بنصوص من الانجيل ايضا! لكن هذا، ايضا، لا يدل على الاقتباس المباشر، وانما يدل على انه قد وقع في امة الاسلام كالذي وقع في الامم السابقة لا سيما اليهود والنصارى... وانما ياتي دليل التاثر من ملاحظة اهتمام بعض اصحاب تلك الديانات الذين دخلوا في الاسلام بهذا النوع من الحديث، الحديث الدال على التشبيه والتجسيم، كما في احاديث كعب الاحبار الذي اكثر عنه ابو هريرة ونسب بعض احاديثه الى الرسول(ص)، كما نسب ذلك رواة حديثه الذين سمعوه يحدث عن كعب مرة وعن رسول اللّه(ص) مرة، فخلطوا ونسبوا بعض احاديث كعب الى الرسول، وقد تقدم هذا سابقا..

فيكون التاثر من طريق متابعة احاديث مدسوسة عن هذا او عن غيره، وهذا ارجح بكثير من التلقي المباشر عن اليهود والنصارى.

2- الطائفة الثانية: حملت ما يتعلق بصفات الباري تعالى على خلاف الظاهر، اذا كان الظاهر مفضيا الى التشبيه او التجسيم..

وهي فريقان:

الفريق الاول: قطع بان المراد لا يمكن ان يكون صفات خارجية، من قبيل الحلول والتحيز والاعضاءوالانفعال، لكنهم لم يدخلوا في البحث عن المراد منها، بل قالوا: اللّه اعلم بما اراد، وقد عرفنا بمقتضى العقل ان اللّه تعالى ليس كمثله شيء، فلا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها، وقطعنا بذلك،الا انا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه، مثل قوله تعالى:

(الرحمن على العرش استوى)، وقوله تعالى:(خلقت بيدى)، وقوله تعالى: (وجاء ربك) الى غير ذلك، ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الايات وتاويلها، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بانه لا شريك له، وليس كمثله شيء، وذلك قد اثبتناه يقينا.وعد الشهرستاني من هولاء: مالك بن انس، اذ قال:

الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والايمان به واجب، والسوال عنه بدعة. كما عد منهم: احمد بن حنبل وسفيان الثوري وداود بن علي (الظاهري). والاصح ان كلام هولاء اقرب الى الفرقة الثانية من الطائفة الاولى، الحشوية واصحاب الحديث الذين تقدم التعريف بهم آنفا، فهو اجراء على الظاهر دون تكييف، لكن هذا الفريق من الحشوية واصحاب الحديث و«السلفية» قد تقدم على اولئك في التفسير والبيان ولم يلتزم قولهم: «السوال عنه بدعة» فتورط في التشبيه.

والى هذا اشار الشهرستاني نفسه.

الفريق الثاني: قطع، ايضا، بان المراد لا يمكن ان يكون صفات خارجية، ثم ذهب الى ضرورة تاويل مايتعلق بالصفات الى المعاني اللائقة بجلاله تعالى والموافقة لما قطع به العقل وثبت به التنزيل المحكم من انه تعالى شانه (ليس كمثله شيء)، (لا تدركه الابصار) فهذه نصوص محكمة ليس فيها من التشابه شيء، وقد قطع العقل بمعانيها، فلابد من رد المتشابهات اليها.

فهم لاجل ذلك اعتمدوا المجاز في اللغة، واحالوا اليه كل ما يتعلق بالصفات من المتشابه الذي لا يستقيم ظاهره مع تلك المحكمات التي قطع بها العقل ايضا.

وعلى هذا المبدا جمهور «اهل السنة والجماعة» اتباع الاشعري، والمعتزلة، واتباع اهل البيت(ع)«الشيعة»، غير ان الجماعات الثلاث اختلفت في ما بينها في مدى اعتماد التاويل، على ثلاث مراتب:

1- فكان الاشاعرة اقلهم رجوعا الى التاويل، لما اعتمدوه من الاخبار الواردة في الصفات، فكانهم اجرواالتاويل على القرآن من دون الحديث! فما ورد فيه الحديث تمسكوا بظاهره غالبا، فجوزوا روية العبادربهم جل شانه يوم القيامة، رجوعا الى اخبار عندهم، فلم يوولوا قوله تعالى: (الى ربها ناظرة)«القيامة/75:

23».

اما الايات التي فيها الوجه والايدي والاعضاء فقد اولوها باعتماد المجاز، ولم يجروها على ظواهرهاالمودية الى التشبيه، ووافقوا فيها الجماعتين الاخريين.

2- اما المعتزلة فكانوا على خلاف الاشاعرة، اذ اطلقوا العنان للتاويل، اعتمادا على الدور الذي منحوه للعقل، ومنهجهم في الحديث الذي يقتصر على قبول المتواتر فقط، فيما اعتمد الاشاعرة احاديث الاحادالتي لم ترد الا من طرق رجال متهمين غالبا، عند المعتزلة على الاقل.

يقول البغدادي (من الاشاعرة) في الطعن على ابي الهذيل العلاف (من ائمة المعتزلة): ومن فضائحه قوله:ان الحجة من طريق الاخبار في ما غاب عن الحواس من آيات الانبياء(ع) وفي ما سواها لا تثبت باقل من عشرين نفسا فيهم واحد من اهل الجنة، او اكثر.. ولم يوجب باخبار الكفرة والفسقة حجة وان بلغوا عددالتواتر الذي لا يمكن معه تواطوهم على الكذب، اذا لم يكن فيهم واحد من اهل الجنة.. وزعم ان خبر مادون الاربعة لا يوجب حكما.. ومن فوق الاربعة الى العشرين قد يصح وقوع العلم بخبرهم، وقد لا يقع العلم بخبرهم.

ومن هذا يظهر ان القسم الاعظم من الاحاديث التي تتعلق بهذا الباب، ويعتمدها الاشاعرة فيتوقفون عن التاويل بسببها، هي عند المعتزلة ساقطة الاعتبار، ما وسع من دائرة التاويل عندهم.

ولقد نسب الى بعض المعتزلة، في هذا الباب، ما لا يمكن تصديقه، كالذي نسبه الذهبي الى عمرو بن عبيد من انه عرض عليه حديث للنبي(ص) فقال: لو سمعت الاعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته، ولو سمعت ابن مسعود يقوله ما قبلته، ولو سمعت رسول اللّه(ص) يقول هذالرددته! ولو سمعت اللّه يقول هذا، لقلت: ليس على هذا اخذت ميثاقنا. والذهبي قد روى، في عمروبن عبيد، حتى الاشياء التافهة من اطياف الحانقين عليه وتعليقاتهم.. وحتى لو صح عنه ما تقدم فغلطه الفاحش انما هو في ما وجهه الى الرسول والى اللّه تعالى، وكان الصواب ان يقول: ان مثل هذا لا يصح عن رسول اللّه البتة.. ونحن لا ندري ما هو هذا الحديث الذي عرض عليه، ولعل الذهبي نفسه قد استحيى من ذكره، لعله من احاديث المجسمة او موضوعات الجبرية المكذوبة على الرسول(ص)! ومهما كان فالمعتزلة قدموا العقل على الحديث، بخلاف الاشاعرة، وجعل بعضهم العقل هو الاصل الاول، وهو الاصل للكتاب وللسنة، وقد شذ النظام واتباعه فاسقطوا السنة بالكامل.

وعلى هذا اتسعت دائرة التاويل عند المعتزلة، ولم يقفوا عند ما يدل على التحيز والانفعال، بل تعدواذلك حتى الى الصفات الثبوتية، كالعالم، القادر، الحي، السميع، البصير، وقالوا: ليس لهذه الصفات معنى اكثر من الوصف، وهو قول القائل بان اللّه عالم، قادر... وانه ليس هناك صفات على الحقيقة هي العلم والقدرة والحياة.. وانما الصفات كلمات ملفوظة او مكتوبة.

ولاجل مقولتهم هذه عرفوا بالمعطلة لانهم عطلوا جميع الصفات حتى الثبوتية منها.

واول من قال بهذا: الجهم بن صفوان، وتابعه واصل بن عطاء موسس هذه الفرقة «المعتزلة» فاصبح المعطلة كلهم ينتسبون الى الجهم بن صفوان، فيقال: «الجهمية» كما يقال:

«المعطلة».

وعقيدتهم بان الصفات كلمات ملفوظة نتج عنها اعتقادهم بان اللّه تعالى كان في الازل بلا صفة ولا اسم من اسمائه وصفاته العليا، اذ ليس هناك الفاظ وكلمات في الازل، لان اللّه تعالى لا يجوز ان يصف نفسه في الازل. من هنا اصبح كلامه تعالى مخلوقا له كسائر المخلوقات. ومن هنا ظهرت مقولة: «ان القرآن مخلوق» التي دار حولها نزاع كثير جر الى سفك دماء كثيرة وتعذيب وافتتان، ظهر فيه «المعتزلة» في مظهر«مفتشي العقائد» بلا مسوغ من شرع ولا عقل، فكان منهم ظلم كثير على مدى حكومة المامون والمعتصم والواثق.

3- لم تخضع الجماعة الثالثة لاخبار الاحاد المتهمين، ولا سلطت العقل على السنة، بل اتبعت في ذلك منهجا يقول: «ما دلك القرآن عليه من صفته فائتم به واستضى بنور هدايته. وما كلفك الشيطان علمه مماليس في الكتاب عليك فرضه، ولا في سنة النبي(ص) وائمة الهدى اثره، فكل علمه الى اللّهسبحانه».

فهناك في القرآن الكريم محكمات يستضاء بنورها ويوتم بها، وفي سنة النبي(ص) وائمة الهدى بيان صدق لا تشوبه شائبة وفيه تمام الهدى، وليس وراء ذلك شيء الا ايكال العلم الى اللّه تعالى.

ويقول: «ان للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب: مذهب اثبات بتشبيه، ومذهب النفي، ومذهب اثبات بلاتشبيه.. فمذهب الاثبات بتشبيه لا يجوز.. ومذهب النفي لا يجوز.. والطريق في المذهب الثالث: اثبات بلاتشبيه». اذن لا تعطيل، انما هو اثبات ولكن بلا تشبيه.

ويقول: «ما وحده من كيفه.. ولا اياه عنى من شبهه» في نفي التكييف والتشبيه.

ويقول: «لا يجري عليه السكون والحركة.. ولا يوصف بشيء من الاجزاء ولا الجوارح والاعضاء.. ولا يقال:له حد.. ولا ان الاشياء تحويه.. او ان شيئا يحمله» فهو رد صريح على من يجري اخبار الصفات وآياتهاعلى ظواهرها وعلى الحقيقة دون المجاز.

وعلى خط ى هذا المنهج سار من اهتدى بهذا الهدي، هدي الكتاب والسنة، فاثبتوا المحكمات اصولاللعقيدة، وعمدوا الى المتشابهات فردوها الى اصولها المحكمة، واتبعوا فيها سنة النبي وبيانات ائمة الهدى من آله. فقالوا اذن بوجود المجاز في اللغة واعتمدوه في ارجاع المتشابه الى المحكم، فعملوابالتاويل في هذه الحدود مقتفين الاثر الصادق الذي وجدوه كله منسجما مع المحكم، رادا المتشابه اليه،فنفوا كل ما يدل على التشبيه والتجسيم، ثم اثبتوا له تعالى الصفات الثبوتية، على انها صفات قائمة بذاته،وليست هي اشياء منفصلة عنه زائدة عليه كما ذهب اليه الاشاعرة.

كما نفوا جواز الروية التي اثبتها الاشاعرة في الاخرة، عملا بقوله تعالى: (ولا تدركه الابصار) «الانعام/103»ورجوعا الى احاديث اهل البيت القاطعة بهذا المعنى، وتاكيدا بالبرهان العقلي وادلته المانعة لاحكام الروية.

3- الطائفة الثالثة: وتضم الذين اتخذوا السكوت عما يتعلق بالصفات، وهم فريقان:

الاول: يقول بجواز كون المراد منها هو الظاهر اللائق بجلال اللّه تعالى، كما يجوز ان يكون المراد خلاف الظاهر كما يذهب اصحاب التاويل، ولكن لا يقول ان المراد هذا او ذاك.

قال ابن تيمية: هذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم. فهي ليست مقولة لفرقة من الفرق بل مذهب لاشخاص باعيانهم.

والثاني: امسك عن الكلام فيها بالكلية، ولا يزيد على تلاوة القرآن وقراءة الحديث. وهولاء ايضا لايشكلون فرقة، بل افراد لم تهتد قلوبهم الى الحقيقة، ف آثروا السكوت على الخوض بما نهى عنه الشرع المقدس.

العامل الثالث: التطرف الديني من اخطر المشكلات التي تعرض لها الفكر الديني هي مشكلة تطرف اتباعه في تفسير معانيه وفي تطبيق احكامه، فيتجاوزون الضوابط الثابتة في تفسير نصوصه ومفرداته، والحدود المعلومة في تطبيق احكامه.

هذا التطرف هو الذي سماه الدين «غلو» وهو يقابل التقصير في معرفة الدين وتطبيق احكامه.

والغلو انما تصاب به النفوس الوالهة المتعلقة بشيء من الدين غير انها لم تكن تفقه روح الدين، ولم تتذوق معانيه، ولا ادركت مقاصده واهدافه الكبرى، ولا قرات القرآن الكريم كله قراءة واعية وعلى مستوى واحدمن الاهتمام، ولا تذوقت جمال القرآن ولا وقفت عند خطابه اللاذع للمغالين، ولا لفت انتباهها اسلوب القرآن الحكيم في سد جميع منافذ الغلو.. فبعد ان فقدت كل هذا جنحت مع اهوائها فجاوزت الحد في معشوقها، وكثيرا ما وقعت في تاليهه بشكل سافر، او على درجة اقل من ذلك.

ومنذ اقدم مراحل التاريخ البشري، وقبل نوح(ع)، بلغ الغلو بالناس ان عبدوا سلفهم الصالح واتخذوهم آلهة من دون اللّه، فلما دعاهم نوح(ع) الى التوحيد قالوا: (ولا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولايغوث ويعوق ونسرا) «نوح/71: 23»! وهذه الاسماء (ود) و(يغوث) و(سواع) و(يعوق) و(نسر) انما هي اسماء عباد صالحين كانوا قبلهم باجيال، فكانوا يعظمونهم، ويزداد التعظيم جيلا بعد جيل حتى بلغ الامران اتخذوا لهم تماثيل باسمائهم ليعبدوها! وظهر الغلو عند اتباع الديانتين اليهودية والمسيحية، وبلغ بالنصارى ان الهوا عيسى بن مريم عليهماالسلام، قالوا: ابن اللّه! وقالوا: ثالث ثلاثة! كل ذلك من فرط حب معه جهالة، ونزعة وثنية في اتخاذالوسائط الى اللّه تعالى والتوجه اليها بالعبادة، ولو من طريق مجاوزة الحد في تعظيمها واضفاء الصفات الالهية عليها، من قبيل الخالقية والرازقية والاحاطة علما وقدرة، فقالت النصارى: ان المسيح يصنع المعجزات بقدرته الذاتية وليس باذن اللّه! وجاء الاسلام فكان اكثر دقة في تشخيص الغلو وسد الابواب دونه، فكان القرآن يخاطب الانبياء مخاطبة العبيد الفقراء الذين لا يملكون لانفسهم نفعا ولا ضرا، ويعاتبهم وينذرهم انذار من لم يكن له مع اللّه عهد،كل ذلك ليصرف افئدة المومنين وارواحهم عن مسالك الغلو.. فيتلو علينا نبا آدم(ع)، فيقول:

(ولقد عهدناالى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما) «طه/20:

115».

ويخاطب داود(ع) فيقول: (يا داود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق...) وبعد هذا،بعد ان يخبر عن خلافته للّه تعالى في الارض، لا بالغلبة، ولا بالشورى، ولكن بجعل من اللّه تعالى، يقول على الفور: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل اللّه ان الذين يضلون عن سبيل اللّه لهم عذاب شديد بمانسوا يوم الحساب) «ص/ 38: 26»! ويخاطب سيد البشر وخاتم النبيين بما يغلق امام الناس بعده كل منافذ الغلو لو انهم يعقلون، فيقول: (قل انما انا بشر مثلكم يوحى الي انما الهكم اله واحد) «الكهف/ 18: 110».. وهو قادر على ان يقول: «قل انابشر» ويتم المعنى، ولكن هذا التاكيد ثم الحصر ب «انم» ثم التمثيل ب «مثلكم» ابلغ تعبير في تثبيت المعنى وقطع كل الطرق امام الشبهات والجهالات.

والى اكثر من هذا ذهب النبي(ص)، فاكد ان الغلو لا ينحصر بعبادة البشر، بل هو حاصل حتى في التشددوالتطرف بالعبادات، فما جاوز فيها السنة فهو غلو.. حدث الفضل بن العباس، فقال: قال لي رسول اللّه(ص) غداة يوم النحر: «هات فالتقط لي حصى» فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف، فوضعهن في يده فقال: «بامثال هولاء، بامثال هولاء، واياكم والغلو، فانما اهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»! ظهور الغلو بين المسلمين الغلو بمعناه الواسع، الشامل لكل ما جاوز الحد، كثير جدا بين المسلمين، دخل في كافة مجالات الاعتقادوالعبادات وحتى المعاملات والاعراف، مما يصعب الوقوف معه على حد.. ومن حالاته الظاهرة هذاالكم الهائل من الخرافات والاكاذيب المصنوعة في مناقب الاولياء والصالحين وفضائلهم، وقلما تجدرجلا تعلقت به طائفة لم تنسج حوله الاساطير! وكتب المناقب عامة طافحة بهذا اللون من الغلو.

اما الغلو في العبادات، فهو كثير عند اهل الانقطاع، كما قد يقع فيه المتنطعون الذين يجاوزون الحد في التدقيق والتشدد في السنن.

والذي سوف يتوجه اليه البحث من اصناف الغلو هو ما اتخذ شكل المقالة، او صح ان يسمى مقالة يدعواليها رجل او طائفة.

وقد ظهر هذا النوع من الغلو مبكرا جدا، منذ ساعة وفاة النبي(ص)، اذ خرج عمر بن الخطاب مكذبا موت النبي(ص) يصرخ بالناس: «ان رجالا من المنافقين يزعمون ان رسول اللّه توفي، وان رسول اللّه ما مات،ولكنه ذهب الى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه اربعين ليلة ثم رجع بعد ان قيل قد مات،واللّه ليرجعن رسول اللّه فليقطعن ايدي رجال وارجلهم يزعمون ان رسول اللّه مات»! وبالمقارنة نجد ان كثيرا من مقولات الفرق الغالية لم تخرج في البدء عن اطار هذه الكلمة، كما هو عندالكيسانية وغيرهم..فهذه اول مقولة غالية في الاسلام، ظهرت ثم انطفات من ساعتها، كان الباعث اليهاكما يروى عن عمر نفسه تاويل خاط ىء لبعض آي القرآن! فروي عنه انه كان يتاول قوله تعالى:

(ليظهره على الدين كله) على انها خبر عن النبي(ص) في حال حياته، فلا يموت حتى يعم الاسلام البشرية!وقد قال: كنت ارى ان رسول اللّه سيدبر امرنا! يعني انه يكون آخرنا! دون ان يتنبه الى قوله تعالى: (ومامحمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افئن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم) «آل عمران 3:144».

وهذا هو الاصل في معظم الشبهات التي تقود الى الغلو والانحراف بشتى الوانه، بتاويل آية او آيتين بحسب الراي من دون النظر في الايات الاخر التي تتصل معها في الموضوع، ولو تحقق مثل هذا النظر لمابقيت دعوة متاولة باطلة الا اكتشفت سر توهمها. انها القراءة القاصرة للقرآن الكريم، والجهل بروح الاسلام وبمقاصده النبيلة.

وفي تلك الايام ظهر تكذيب موت النبي انتهى باصحابه الى الردة! اولئك «بنو عبد القيس» قوم من البحرين، لما بلغهم نبا وفاة النبي(ص) قالوا: لو كان محمد نبيا لما مات! وارتدوا!! فجمعهم سيدهم الجارود بن المعلى، فقال لهم: اني سائلكم عن امر فاخبروني به.. قالوا: سل عما بدالك.

قال: اتعلمون انه كان للّه انبياء في ما مضى؟ قالوا: نعم.

قال: تعلمونه او ترونه؟ قالوا: لا بل نعلمه.

قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا.

قال: فان محمدا(ص) مات كما ماتوا، وانا اشهد الا اله الا اللّه واشهد ان محمدا عبده ورسوله. فعادوا الى رشدهم ودينهم.

وهذا هو ثاني مصادر الغلو، وعليه تقوم الكثير من شبهات الغلاة، انه ما يظنونه حججا عقلية، فيتساءلون عن اشياء تخفى على عقولهم هم فيظنون انها من المحال، كتساول هولاء:

كيف يكون نبيا ثم يموت؟ لوكان نبيا حقا لم يمت! ثم اتخذ الغلو اشكالا مختلفة، واصبح يولف فرقا واحزابا تتعصب لمقولاتها اشد التعصب حتى تموت دونها! وكان ابشع تلك المقولات ما انتهى الى تاليه البشر وهدم النبوة والامامة.

غلو المارقين وآثاره

الصفحة السابقة

الصفحة التالية

ى بدايتها، اي برؤية الكواكب والشمس والقمر، وكيف ان يوسف‏كان يشعر بان لتلك الكواكب شعورا وادراكا من خلال قوله، كما ورد في القرآن: (اني رايت احد عشركوكباوالشمس والقمر رايتهم لي ساجدين)، وفعل «رايتهم‏» معروفة دلالته في اللغة العربية.

وكيف تنتهي القصة بتفسير الرؤية العجيبة التي ظلت محفورة في ذاكرة يوسف اكثر من‏عشرين سنة، اضافة الى دراسة التطور المهم في الحوادث بعد رؤيا الملك والتوزيع الرائع في النور والظلال‏والايقاع في‏التعبير.. هذا كله سوف يعيننا في اكتشاف قالب القصة الاسلامية.

من هوالمخاطب في القصة الاسلامية؟ وهناك نقطة يمكن ان تكون ختاما لهذه الاثارات، وهي هاجس الخطاب، فمن هوالمخاطب في القصة الاسلامية؟ ربما يبدو للوهلة الاولى ان المسلمين هم المعنيون فقط بالخطاب القصصي،ولكن الحقيقة هي ان‏خطاب القصة الاسلامية يمتد ليشمل مساحات واسعة من العالم، بل يمكن ان يشمل‏العالم باسره× لان الاسلام هو التفسير الارقى للانسانية، مع التاكيد على نقطة اساسية، وهي ضرورة الاخذ بنظرالاعتبار النسيج‏الثقافي للمجتمع، المتاثر بطبيعة الحال بعوامل تاريخية وجغرافية وعوامل بيئية اخرى لاعلى اساس منح محورية كاملة، وانما في اجراء ما يمكن التعبير عنه بعض «الرتوش‏» الحيوية في تكوين‏القصة‏ونسيجها.

الاحكام الاسلامية عبداللّه نصرى‏تقسم الاحكام الاسلامية الى اقسام ثلاثة: ا احكام اولية اقتضت حكمة الشارع ان تكون جميع الاحكام الصادرة عنه مبنية على المصالح والمفاسدالفردية والاجتماعية. فالشارع يجعل حكم «الوجوب‏» لما كن فيه مصلحة تستدعي تحقيقها للمكلف، وحكم‏«الحرمة‏» لماينطوي على مفسدة تستوجب صيانة المكلف عنها، ومثال الاول وجوب الصلاة ووجوب الصوم،ومثال الثاني حرمة الخمر وحرمة اكل لحم الخنزير. وقد اطلق الفقهاء على هذا النوع من الاحكام الاحكام‏الاولية،وعلى موضوعاتها بالعناوين الاولية.

ب احكام ثانويالية لهم، لقتال ا