بسم اللّه الرحمن الرحيم

 

اول المنهاج

بقلم رئيس التحرير

يتحدث المثقفون كثيرا، في الاونة الاخيرة، في منتدياتهم وعلى صفحات الجرائد والمجلات، عن ان البشرية في سبيلها الى ان تدخل، او هي قد دخلت بالفعل، عصرا جديدا هو عصرالعولمة.

ويشير بعضهم، في هذا الصدد، الى ما يجري في العالم اليوم من تداخل امور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والسلوك فيه من دون مانع من حدود سياسية او جغرافية، ومن دون اعتداد بالفوارق والانتماءات الدينية او العرقية او الوطنية، والى ما نشهده من تواصل بين الدول والشعوب حتى صارت اشبه بالاحياء والضواحي لمدينة واحدة، وذلك بسبب سرعة المواصلات، والتطور الهائل الذي حققته تقنيات الاتصالات ووسائل الاعلام، والثورات المتلاحقة في مجال «المعلوماتية» وشبكاتها الدولية.

ويرى بعض المفكرين ان هذا ليس العولمة، بل هو ناتج من نواتجها، وشرط ضروري موضوع في خدمة تحققها وتقدمها وتوسعها، وانما العولمة في الحقيقة والعمق هي مرحلة تحول اقتصادي عميق يجري في ظل هيمنة الدول الراسمالية الكبرى لتحكم في النهاية سيطرتها على دائرة الانتاج، بعد ان احكمت سيطرتها في عهود الاستعمار السابقة على دائرة السوق والتبادل.

وهذه الرؤية الاخيرة للعولمة تخرج بها من مجرد كونها حالة حضارية وانجازا تقنيا -كما هو عليه الحال في الرؤية الاولى -الى كونها مشروعا اقتصاديا ولعبة سياسية دولية.

ومهما يكن من امر فالذي يهم المعنيين بشؤون الثقافة، بمعناها الشامل للافكار والمفاهيم والقيم وانماط السلوك، هو البحث في ما يمكن ان يطرحه الواقع الحضاري المتطور الذي نعيشه الان -بما تتيحه تقنياته العالية من قدرة فائقة على الفواصل بين البشر ومد نشاطهم بمختلف وجوهه عبر الحدود والتواصل التي كانت تفصل بينهم -من مشكلات وقضايا ثقافية.

وبالنسبة الينا، نحن المسلمين، قد يبدو لفريق منا لاول وهلة ان الامر كله يجري لمصلحتنا، واننا الطرف الرابح في لعبة العولمة، فرسالة الاسلام رسالة عالمية، ونبينا(ص) مرسل الى الناس كافة: (وما ارسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا) «سبا:

28»، (وما ارسلناك الا رحمة للعالمين) «الانبياء: 107». فما علينا، والحال هذه، الا ان نقدم الاسلام وثقافته الى العالم كله عبر وسائل البث والتواصل التي اتاحها لنا تقدم العلم.

وقد يبدو لفريق آخر العكس من ذلك تماما، لان العالم الاسلامي المتخلف تقنيا سيكون ضحية عملية اختراق ثقافي وتخريب شامل لهويته يقوم بها الغرب المعادي للاسلام او غيرالمسلم بوساطة وسائل التاثير الثقافي التي صنعها هو، والتي يحسن استخدامها ويعرف كيف يطورها لمصلحته.

والذي يبدو لي ان كلتا الرؤيتين مغرقة في الغلو والمبالغة.

اما الاولى المتفائلة فلانها تنظر الى الثقافة الاسلامية بوصفها ارثا ناجزا بين يدي اهلها، جاهزا للنقل والتصدير من محيطه وعالمه الى غيره من العوالم دونما عائق، والى جانب ذلك فهي تتجاهل ما يواجه الثقافة الاسلامية من داخلها وفي محيطها من ازمات وتحديات.

اما الثانية المتشائمة فلانها تغفل في الحساب ما تتمتع به الثقافة الاسلامية من عناصر قوة وحصانة ذاتية تجعلها عصية على الاختراق بالمعنى الذي يفكر فيه اصحاب هذه الرؤية، وها هي تجارب الماضي تشهد على ان انفتاح الثقافة الاسلامية على ثقافات الامم الاخرى الذي حدث بصورة متكررة ومتواصلة، منذ الفتح الاسلامي وحتى عصر الاستعمار الديث، لم يؤد الى تخريب الثقافة وتذويب الهوية، وانما اسهم في اغنائها وكان حافزا لاهلها على الاجتهاد والابداع.

والمطلوب هو رؤية متوازنة للبعد الثقافي في قضية العولمة المطروحة هذه الايام بقوة.. رؤية ترى الى الافاق المفتوحة في العصر الراهن امام الثقافة الاسلامية ولا تنسى العدة اللازمة لاقتحام العوائق المنصوبة فيها، او تتجاهل الرياح المضادة القادمة منها.

ومن اجل الاسهام في تشكيل هذه الرؤية وبلورتها طرحت «المنهاج»، في ندوتها لهذا العدد، قضية العولمة في بعدها الثقافي على ثلة من المفكرين والباحثين المهتمين بالشان الثقافي الاسلامي، وهي اذ تعد ما طرح في منتدى هذا العدد من افكار وآراء مدخلا للبحث واثارة عامة له ترجو ان يكون ذلك باعثا للباحثين المتخصصين على متابعته على نحو اكثر عمقاوتفصيلا.

خالد العطية

 

دراسات

الالتزامات الشرعية الناشئة عن الارادة المنفردة

 (بحث فقهي موازن بالقانون الوضعي)

د. محمود المظفر

 

بسم اللّه الرحمن الرحيم

(... واوفوا بالعهد ان العهد كان مسئولا) «الاسراء/34» (... انما يتذكر اولوا الالباب × الذين يوفون بعهد اللّه ولا ينقضون الميثاق) «الرعد/19 و 20» (صدق اللّه العلي العظيم) تمهيد الالتزامات الارادية الالتزامات الارادية، المعتد بها شرعا او قانونا، قد تكون التزامات ناشئة كما هو الاصل عن ترابط ارادة بارادة اخرى تطابقها، اي عن ايجاب وقبول، وهو المسمى ب«العقد» الذي تسري تطبيقاته على نطاق واسع من الروابط الاجتماعية.

وقد تكون هذه الالتزامات ناشئة، تارة اخرى، عن ارادة واحدة، وعلى وجه الاستقلال، اي من دون ان تكون متوقفة وهي تنتج اثرها الشرعي على الارتباط بارادة ثانية صادرة من طرف آخر.

وهذه الصورة هي التي يطلق عليها، في الاصطلاح الفقهي، «الايقاعات»، وفي الاصطلاح القانوني «الارادة المنفردة»، والتي تسري تطبيقاتها هي الاخرى على نطاق غير يسير من الروابط الاجتماعية، المتمثلة بكل التزام شرعي احادي قائم على صورة «ايقاع» او تعهد.

ولعل المحقق الحلي في كتابه الخالد «شرائع الاسلام»، كان اول من راعى هذه المنهجية في تقسيمه الاحكام الشرعية، حيث وزعها بقدر ما يتعلق الامر بالالتزامات الادارية الى قسم خاص بالعقود وآخر بالايقاعات، مضافا الى قسم العبادات، الذي صدر به «الكتاب» بوصفه قسما تقليديا سائدا في سائر الكتب الفقهية، ومضافا الى قسم رابع واخير اسماه «الاحكام»، وارادبه اي تصرف او التزام ناشيء عن امر او حكم شرعي صادر مباشرة من الشارع، من دون ان يكون للارادة دخل في تكوينه.

وكنت قد عرضت لهذه المنهجية عندما اتيحت لنا الفرصة لالقاء محاضرات على طلبة «الجامعة العالمية للعلوم الاسلامية» في لندن، شرحا وتعليقا، على كتاب «الشرائع».

واجد الان ان الفرصة تتاح لنا مرة اخرى لنتخذ من تلك المنهجية اساسا لهذه الدراسة الخاصة بالالتزامات الشرعية الناشئة عن ارادة منفردة او «ايقاع».

نظرية الارادة المنفردة وانما انيطت هذه الدراسة التي نتطلع الى توسيع آفاقها في مجال آخر بموضوع الارادة المنفردة، من دون غيره من الموضوعات المذكورة. فذلك لاني لاحظت ان هذا الموضوع قد اغفله معظم الباحثين المعاصرين المعنيين بالدراسات الفقهية اغفالا بينا، وقصروا اهتمامهم بالمقابل على موضوع العقد- بوصفه مصدرا من مصادر الالتزامات الشرعية بحيث صاغوا من هذاالموضوع نظرية عامة ومستوعبة، ناهبك عن اهتماماتهم الاخرى التي انصبت على تطبيقاتها الواسعة، مع ان الموضوعين العقد والارادة المنفردة يصدران من منهل واحد، هو الارادة، الامرالذي جعل بينهما تجانسا في هذا الموضوع مع تضارع في الاهمية.

كما لاحظت، من جهة اخرى ان الخلاف بين فقهاء القانون على وجه الخصوص ما برح قائما حول الارادة المنفردة، منذ ان بدا الاهتمام بشانها بوصفها مصدرا للالتزام في اواخر القرن التاسع عشر، مضافا الى ان هذا الخلاف قد انعكس بدوره على بعض الدراسات الفقهية الاسلامية الحديثة.

لذلك كله، وجدت من المفيد ان نعرض بشيء من التركيز لهذا الخلاف الذي يدور حول فكرة الالتزام بالارادة المنفردة، لعلنا نصل اذا ما واتتنا الادلة الى صياغة نظرية عامة فيها، تضاهي او تضارع نظرية العقد التي اخذت نصيبها من البحث والدراسة.

موضع الخلاف على ان مما يجدر ذكره هنا هو ان الخلاف المشار اليه عن الارادة المنفردة، انما يتركز حول صلاحية هذه الارادة لتكوين الالتزام في ذمة صاحبها، واعتبارها بالتالي مصدرا عاما ومستقلا من مصادر الالتزام، اذ هناك من يميل كما سنرى الى الاعتراف بهذه الفكرة باعتبارها مصدرا للالتزام، في حين يميل آخرون الى انكارها واخراجها عن دائرة المصادر الا على نحو الاستثناء.اما صلاحية هذه الارادة في انتاج آثار شرعية او قانونية اخرى غير تكوين الالتزام، فلا اجد بشانها اي خلاف بين المدارس الفقهية والقانونية المختلفة، لانها امر واقع ولا سبيل الى نكرانه اوتجاهله.

الاثار الاخرى التي تنتجها الارادة المنفردة فارادة الشخص، بمفردها واستقلاليتها، قادرة من غير ما خلاف اجده:

على ان تكون، من ناحية، سببا في اكتساب الملكية، كما في الوصية، فالموصى له يستطيع ان يكتسب حقا عينيا، متعلقا ببعض ممتلكات الموصي التي تقررها ارادته المنفردة، على ان تكون مضافة الى ما بعد وفاته.

وعلى ان تكون، من ناحية ثانية، سببا آخر لانقضاء بعض من تلك الحقوق العينية كمن يتنازل عن حق رهن، او حق انتفاع مقرر لصالحه على بعض اعيان المالك، كحقوق الشرب، والسقي،والمرور، والمطل ونظائرها.

كما ان الارادة الواحدة قد تكون، من ناحية ثالثة، قادرة على ان تكون سببا في اسقاط بعض الحقوق المالية او انهائها، كما في الابراء ونحوه.

وارادة الشخص بمفردها قد تصلح، من جهة رابعة، لتكون سببا في تصحيح بعض العقود او انفاذها، كما في العقد القابل للابطال قانونا، او العقد الموقوف في الفقه الاسلامي الذي تجعله الاجازة اللاحقة الصادرة من المالك عقدا صحيحا ونافذا، كما اشار بالفعل الى ذلك بعض فقهائنا الاعلام.

كما قد تكون الارادة المنفردة، من جهة اخرى، سببا لانهاء انماط مختلفة من العقود الموصوفة بعدم اللزوم، كما في عقد الوكالة، فالموكل يستطيع ان يعزل وكيله عن مهمته دونما ادنى حرج، كما ان الوكيل بدوره يستطيع بارادته ان يتنازل عن حق الوكالة، وكل من العزل والتنازل يتم كما ترى بارادة واحدة. وباعتبارهما من العقود غير اللازمة، وذلك لاسقاط الرابطة العقدية اصلا فيهما او انهائها.

من كل هذا يتبين ان موطن الخلاف المتعلق بمسالة الارادة المنفردة بين الفقهاء من شرعيين وقانونيين، انما يتركز فقط، كما سبق ان اشرنا، حول نقطة واحدة، وهي قدرة هذه الارادة على انشاء الالتزام في ذمة صاحبها مع اعتبارها مصدرا عاما ومستقلا من مصادر الالتزام، الى جانب العقد وغيره من المصادر العامة الاخرى للالتزام، اما ما سوى ذلك من آثار الالتزام، فلا اجدخلافا بين الفقهاء عموما بشان قدرة الارادة او المشيئة الواحدة على تحقيقها وايجادها والتي مر بنا قبل هنية بيانها.

وعليه سوف يقوم بحثنا في فصل اول على معالجة نقطة الخلاف المذكورة المتعلقة بامكانية جعل الارادة المنفردة مصدرا عاما للالتزام، والذي سوف نوزعه الى ثلاثة مطالب:

المطلب الاول: نتحدث فيه عن الجدل الفقهي القائم بصفة خاصة بين فقهاء القانون الوضعي.

المطلب الثاني: ونتحدث فيه عن الخلاف المتسرب الى فقه الشريعة الاسلامية حول هذا الموضوع.

اما المطلب الثالث: فسوف نخصصه لبيان الراي الراجح في الموضوع في ضوء مرئياتنا وانطباعاتنا الخاصة، مقرونة بالدليل.

ويجدر بنا بعدئذ ان نعرض في «فصل ثان» لاهم الحالات او التطبيقات الخاصة بالارادة المنفردة، بما في ذلك الالتزامات غير المالية، كالطلاق ونحوه، توسيعا لقاعدة الارادة المنفردة ونطاقها، معتمدين في ذلك على آراء جملة من فقهاء المذاهب الاسلامية المختلفة، مع المقارنة في حدود ضيقة مع بعض التقنينات الوضعية وشروحها المعروفة.

الفصل الاول:

قدرة الارادة المنفردة على تكوين الالتزام المطلب الاول: راي فقهاء القانون نشا، منذ اواخر القرن الثامن عشر الميلادي، تقريبا، وما زال، خلاف واسع بين فقهاء القانون الوضعي حول امكانية اعتبار الارادة المنفردة مصدرا عاما للالتزام، وتبلور من خلال ذلك كمامرت الاشارة اليه اتجاهان متميزان:

الاتجاه الاول ينزع الى انكار قدرة الارادة المنفردة على انشاء الالتزام في وجه عام، وقد انحاز الى هذا الاتجاه فريق من فقهاء القانون الفرنسي من تقليديين ومحدثين، ولهذا حمل هذاالاتجاه مسمى «النظرية الفرنسية».

ويرى هؤلاء ان المشيئة الواحدة لا تصلح بمفردها، وعلى وجه الاستقلال، ان تنهض بانشاء اي التزام في ذمة صاحبها، ذلك ان الالتزام لا يمكن ان يتحقق، في تقديرهم، الا حيثما توجدرابطة قانونية، وان هذه الرابطة بالتالي لا يمكن ان تنشا الا بارتكازها على طرفين او ارادتين متوافقتين فيما تهدفان اليه من تحقيق آثار قانونية، اي عن طريق «العقد». وعليه فالعقد يعد اساس الالتزامات ومصدرها الفاعل.

ولعله من هنا ذهبت بعض الاتجاهات المتطرفة في ظل القانون الدولي العام المعاصر الى تجريد فكرة الارادة المنفردة عن اية قيمة قانونية اذا نظر اليها بمعزل عن اي ظرف او وضع تتدخل فيه ارادة اخرى، حتى لو عبرت عن نفسها بطريق السكوت، بل عبر بعضهم في وصف فني رائع، ان الالتزام بالارادة المنفردة انما هو بمثابة بناء على رمال متحركة.

وقد ساق هؤلاء ادلة اخرى تدعيما لرايهم لا نرى مجالا لعرضها في هذا النطاق الضيق من البحث، على اننا لا نراها تصلح لنفي فكرة الارادة المنفردة باعتبارها مصدرا للالتزام لانها ادلة غيرمنطقية، فما قيل مثلا من اقتصار بعض التقنينات الوضعية على ايراد حالات او تطبيقات معينة ومحدودة للارادة المنفردة، الامر الذي يجعلها حالات استثنائية امر غير جدير بالاعتبار، لان هذا لا يمنع من صياغة قاعدة عامة للارادة المنفردة وجعلها صالحة للتطبيق على اية حالة اخرى يمكن ان تنشا في اطارها.

اما الاتجاه الثاني فينزع الى الاعتراف بفكرة الارادة المنفردة، وقد انحاز الى هذا الاتجاه جانب من الفقه الالماني، ولهذا اطلق عليه مسمي «النظرية الالمانية»، ويوجه هؤلاء لرايهم بان الالتزام المنبثق عن فريق واحد لا ينشا الا عن ارادة الملتزم وحده وعلى وجه الاستقلال، حيث لا يحتاج الى اتجاه لارادة طرف آخر، وهو الذي وقع الالتزام لصالحه، ولهذا فان الملتزم المذكور لا يمكنه التحلل من التزامه طالما لم يصدر بعد من الطرف الاخر ما ينم عن رفضه للايجاب الصادر عن الملتزم.

واستنتج منظر هذه الفكرة الاستاذ «سيجل» من ذلك الزامية الايجاب وحده، وبالتالي عدم امكانية العدول ممن صدر عنه الايجاب اصلا.

كما وجه هذا الراي بتوجيهات وادلة اخرى، لا مجال هنا لعرضها، ونرى انها ادلة لا تخلو من وجاهة واعتبار، وسنرى ونحن نعرض لراينا الذي نتفق فيه بصفة عامة مع اصحاب هذا الاتجاه جانبا من هذه الادلة.

المطلب الثاني: راي الفقهاء المسلمين وعلى صعيد الفقه الاسلامي برز ايضا بحسب ما استنتجه بعض الباحثين المحدثين المعنيين بالدراسات الاسلامية اتجاهان متميزان حول نظرية الارادة المنفردة، فذهب فريق من الفقهاءالى الاعتراف بالارادة المنفردة بوصفها مصدرا عاما للالتزامات الشرعية، من دون ان يحددها بحالات معينة في حين ذهب فريق آخر الى انكار قدرة هذه الارادة على تكوين الالتزامات الاعلى نحو الاستثناء:

اولا: راي المعترفين بفكرة الارادة المنفردة ولعل من ابرز من ذهب من الفقهاء المسلمين كما هو معروف الى هذا الاتجاه القاضي بالاعتراف بقدرة الارادة المنفردة على تكوين الالتزامات الشرعية هم فقهاء المالكية، الذين صورهم بعض الباحثين بانهم الطرف الوحيد الذي توصل الى هذه الفركة واماط اللثام عنها بوصفها نظرية اسلامية تفوق في بنيانها وكيانها النظري نظرية الالتزام الوضعية، بحيث جعلواالارادة الواحدة هي الاصل في تكوين التصرفات الشرعية، وليس العقد.

واكد هذا المعنى الرازي، في تفسيره المعروف، عند تعرضه لاية العقود، حيث جعل العقد يتشكل من الزام كل طرف لنفسه بشيء معين. وهذا يعني ان الارادة المنفردة ذاتها هي مصدر الالتزامات الارادية وليس العقد المبني على ترابط الارادتين وتوافقهما.

وعليه فانه بموجب هذا الراي اذا ما التزم شخص باداء مال لاخر من دون ان يبرم عقدا معه، فانه مع ذلك يكون ملزما له ما لم يمت او يفلس.

ويمكن الاستدلال لهذا الراي ببعض الايات الكريمة التي تحث على الالتزام بالعهد والوفاء به، مثل قوله تعالى (واوفوا بعهد اللّه اذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم اللّهعليكم كفيلا) «النحل/91» (واوفوا بالعهد ان العهد كان مسئولا) «الاسراء/34» وقوله تعالى (انما يتذكر اولوا الالباب × الذين يوفون بعهد اللّه ولا ينقضون الميثاق) «الرعد/19 -20».

ومعلوم ان التعهد مثلما يمكن ان يحصل من جانبين، يمكن ان يحصل من جانب واحد وفي صورة منفردة، خلافا للعقد الذي يدل على الشد والاستيثاق ولا يكون الا بين اثنين.

كما يمكن الاستدلال للراي المذكور بفحوى ما جاء في قصة يوسف(ع) في قوله تعالى: (قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وانا به زعيم) «يوسف/72» اي كفيل، وذلك في اشارة الى امكانية التزام الواحد عن طريق الكفالة.

وقد استحب بعض الباحثين المحدثين هذا الاتجاه فايده معتقدا انه اجدر بالقبول من الاتجاه المقابل، ومعللا بانه اذا صلحت الارادة المنفردة ان تكون مصدرا في حالات معينة من الالتزام. صلحت كذلك ان تكون مصدرا في غيرها من الحالات...اذ لا فرق بين التزام وآخر في هذا الشان.

وعلى الرغم مما عرف، بين الباحثين، من ان فقهاء المالكية كانوا هم الطرف الوحيد الذي اخذ بنظرية الارادة المنفردة، لكني لاحظت ان ثمة اطرافا اخرى من الفقهاء المسلمين قد نزعواالى هذا الاتجاه، وفي مقدمتهم بعض فقهاء الامامية، امثال الشيخ الانصاري الذي اوضح في كتابه المعمق «المكاسب» ان الايقاعات او الارادة الواحدة تقوم على التحقق والنفوذ اي انتاج اثرها الشرعي بمجرد اجراء الصيغة، دونما حاجة الى ارتباطها بارادة اخرى. ثم اوضح، وهو يتحدث عن فكرة الخيارات: ان اشتراط الخيار في الايقاعات امر يتنافى مع فكرة النفوذوالتحقق، اضافة الى ان مفهوم الشرطيعني وقوعه بين اثنين، بخلاف الايقاع الذي يعتمد على طرف واحد.

والى التفرقة في الحكم بين العقد والايقاع اوضح فقيه آخر من الامامية، وهو الشيخ صاحب الجواهر، ان الايقاعات هي تلك التي يكفيها ويفي بها الايجاب وحده، او القصد، او الرضاالصادر من جانب واحد، خلافا للعقد الذي يلزم ان يشتمل على ايجاب وقبول، او رضا الطرفين، او على قصد من الجانبين.

وهذه التفرقة تدل بوضوح على الاعتراف بصحة الالتزام بالارادة المنفردة واستقلاليتها في التاثير.

ومعلوم ان كتاب «الجواهر» جاء شرحا على كتاب «شرائع الاسلام» للمحقق الحلي، الذي اعط ى «الايقاعات» خصوصية معينة واهتماما متميزا عندما فصلها وهو يبرمج لكتابه عن العقدبقسم مستقل وخاص، كما سبق ان اشرنا، وعندما ضمن هذا القسم صورا عديدة للالتزامات المالية وغير المالية الناشئة عن ارادة منفردة او ايقاع، مثل الطلاق ومداخلاته كالرجعة والظهاروالايلاء، ومثل العتق واصنافه كالمكاتبة والتدبير والاستيلاد، ثم مثل الاقرار والجعالة والايمان والنذور ونحوها من التصرفات الشرعية الصادرة عن ارادة ومشيئة واحدة.

وكذلك يبدو ان الشيخ المفيد ينزع للاخذ بفكرة الارادة المنفردة، وذلك من خلال ما اورده في كتاب «المقنعة» من تطبيقات وصور لهذه الارادة والدالة على ضرورة الالتزام بمضمونها، وان لم يكن ذلك قد جاء بصورة متناسقة.

بل يمكن ان نعتبر ان الفقيه ابن تيمية، من فقهاء الحنابلة، كان من بين من اخذ بفكرة الالتزام بالارادة سواء كانت هذه الارادة منفردة او مرتبطة بارادة اخرى، حيث جعل لارادة العاقد في العقود المالية سلطانا يلزم الشخص بكل ما تعهد به، وذلك لتغليب القاعدة العامة التي اشارت الى وجوب الوفاء بالعقود (لاحظ الاية ر1 من سورة المائدة والاية /34 من سورة الاسراء» وضرورة قيام الشخص بكل ما تعهد وما التزم به، ثم لتغليب القاعدة العامة التي تقضي بجعل الرضا سببا لنقل الحقوق واسقاطها والمشار اليها «بسورة النساء».

وفي كل هذا وغيره من القواعد والاحكام التي بينها الفقيه المذكور دلالة واضحة على الاقرار بسلطان الارادة في الالتزامات الناشئة عن العقود والعهود، احادية كانت اومتعددة.

ومضافا الى كل هذا فان الراي في ما يبدو- متفق عليه بين جميع الفقهاء بصدد امكانية سقوط بعض الحقوق بالارادة المنفردة، وبخاصة في حالة الاسقاطات المحضة من قبيل الطلاق والعتاق، اما موضوع الخلاف بين فقهاء المالكية، من جانب وفقهاء المذاهب الثلاثة الاخرى من جانب آخر فيرتكز حسبما استنتج بعض الباحثين بطائفة «التبرعات الايجابية» من صدقة وهبة ونحوها، فان تمام العقد متوقف على قبول المتبرع له المعين وهذا عند الجمهور، واما عند مالك فان الالتزام يتم بالايجاب وحده.

ثانيا راي الفقهاء المنكرين لفكرة الالتزام بالارادة المنفردة وفي مقابل ذلك كله ذهب جانب آخر من الفقه الاسلامي يتمثل في ما قيل بفقهاء المذاهب الثلاثة (الحنفية والشافعية والحنابلة) الى انكار قدرة الارادة الواحدة على تكوين الالتزامات الشرعية من وجه عام، وان امكن لها ان تنشيء بعض الحقوق او الالتزامات غير المالية او تسقطها كما مر بنا قبل هنية.

فالاصل ان الشخص لا يكون ملزما ان يتقيد بما اوجبه على نفسه، من حق او مال، يعطيه الى آخر من دون عقد او ترابط، ذلك ان هذا النحو من الالتزامات الشرعية انما هو من قبيل التبرع،والتبرع غير ملزم عندهم حيث لا يجبر الانسان على تبرعه، خلافا للمالكية، كما سبق ان راينا.

اما بشان الايات، الانفة الذكر، والتي استدل بها المعترفون بفكرة الالتزام الارادة المنفردة فقد اعتبروا انها جاءت على سبيل النصح والارشاد وليس على سبيل الالزام، شانها في ذلك شان الامر بكتابة الدين، فمن اوفى بما عليه من تعهدات فقد حصل على الاجر والثواب، لان ذلك هو الافضل والاولى، وان امتنع عن الوفاء فلا اثم عليه.

ولعله مما يمكن ان يجري بهذا الاتجاه ما صرح به امام الشافعية في كتابه «الام» بالنسبة الى كل من الوصية والهبة والصدقة، ونحوها من وجوه الملك سوى الميراث: ان المتملك يكون بالخيار ان شاء قبلها وان شاء ردها، الامر الذي يجعل هذا النحو من التصرفات الشرعية قلقة وغير لازمة او ثابتة، لانها ترد بالرد.

بل قد يبدو، من تصريحات بعض فقهاء الامامية، ومن بينهم الشيخ المفيد والشهيد الثاني، انهم يميلون الى هذا الاتجاه القاضي بانكار فكرة الالتزام بالارادة المنفردة،حيث اعتبروا التصرفات المبنية على التبرع، مثل الهبة والصدقة والنحلة ونحوها من العناوين والتصرفات، غير لازمة ولا ملزمة، وذلك بموجب ما اعطي المتبرع من حق الرجوع عن التزامه،حتى بعد عملية الاقباض، طالما كانت العين قائمة، ولم يتصرف الموجب بها تصرفا متلفا للعين او ناقلا للملكية او نحوها من التصرفات.

ولكن الواقع ان هذا النحو من التصرفات الشرعية المبنية على التبرع، وان بدت انها من حالات الارادة المنفردة وتطبيقاتها المعروفة، الا انها اقرب صلة بالعقود منها بالعهود المبنية على ارادة واحدة، نظرا لافتقارها الى ايجاب وقبول، ناهيك عن اشتراط القبض والتسليم فيها، الامر الذي لا ينبغي ان تسري عليها احكام الارادة المنفردة باعتبارها مصدرا للالتزام، او يجري بشانهاالخلاف المطروح حول هذه الارادة، وذلك على الاقل بالنسبة الى راي هؤلاء الفقهاء ونظراتهم من فقهاء المذاهب الاخرى.

المطلب الثالث: رجحان العمل بفكرة الالتزام بالارادة المنفردة اما نحن فنرى من جانبنا ان الاقرب الى الصواب، في مسالة الارادة المنفردة، التي طال الجدل حولها واسعا في ظل القانون الوضعي كما سبق ان عرضناه هو الاخذ بالاتجاه الاول الذي يقضي بامكانية الاعتراف بالارادة المنفردة بوصفها مصدرا عاما للالتزامات الشرعية او القانونية، بحيث تكون هذه الفكرة صالحة للانطباق على اية حالة من حالات التصرف الصادرة عن«ايقاع» او مشيئة واحدة، وان لم يرد بها نص شرعي او وضعي محدد.

فبالاضافة الى الادلة النصية والحجج والاعتبارات التي استند اليها انصار هذه الفكرة، والتي تدل دلالة واضحة وصريحة على لزوم الاعتراف بنظرية الارادة المنفردة، الامر الذي لا يحتاج الى اعادة الاستدلال بها...يمكننا، ايضا، ان نسند راينا ونبنيه على عدة ادلة واعتبارات اخرى، وهي لا تخرج عن كونها اعتبارات منطقبة، واخرى عملية، بالاضافة الى بعض الاعتبارات والجوانب المنهجية.

1- الاعتبارات المنطقية فهذه الاعتبارات، وما يجري مجراها، لا تمنع الشخص في الاصل من ان يلزم نفسه بارادته المنفردة وان يحملها من القيود والاعباء والالتزامات ما تتفق مع رغباته وقدراته الفعلية، طالما كان ذلك ناشئا عن رضا وقناعة، وغير خارج عن حدود المشروعية في الفقه والقانون.

وهذا ما يتفق فعلا مع مبدا حرية الارادة، او مبدا سلطان الارادة ونحوها من المبادىء التي غدت من المقومات الاساسية للشخصية الانسانية والتي اقرتها الانظمة والقوانين الشرعية والوضعية.

لكن قيل للرد على هذه الحجة المنطقية: انه اذا كان من الجائز ان يصير الشخص مدينا بارداته المنفردة، حيث يلزم نفسه بذلك وفقا لمبدا سلطان الارادة، فليس من الجائز ان يصير الطرف الاخر دائنا او صاحب حق من دون ارادته ورغما عن انفه، فلو اشترطنا عليه ان يقبل ذلك فقد تجاوزنا مرحلة الارادة المنفردة الى مرحلة العقد الكامل.

وللرد على هذا الاعتراض يمكن القول، طبقا للتصوير الموضوعي للالتزام، بانه ليس ثمة ما يجير الطرف الدائن على قبول الحق الذي انشاه له المدين، بل لا يشترط وفقا للمنطق القانوني اوالشرعي ان يكون الدائن موجودا او معروفا وقت نشوء الالتزام، كما هو الحال في فكرة الاشتراط لمصلحة الغير، كمن يوصي ببعض امواله لمن سيولد من ابنائه.

وما من شك ان للارادة سلطانا وقدرة على تكوين الالتزامات على الذات، وان لم يقترن بارادة طرف آخر، وان لم يكن لها القدرة على انشاء الالتزامات في حق الغير بان يصبح الشخص مدينا دون رضاه، اذ تحول بذلك اعتبارات اولية جماعها حماية الفرد وضمان استقلاله، وبحيث صار من المسلم به ان الشخص لا يستطيع اثقال غيره بالتزام الا في حالات استثنائية كحالة الفضالة.

2- الاعتبارات الواقعية اما من ناحية الاعتبارات الواقعية او العملية، فلا ينبغي ان ننكر ان ثمة حالات كثيرة قد حرص القانون الوضعي في النص عليها ومراعاتها، كما حرص بالمقابل الفقهاء المسلمون على ايرادهاباعتبارها حالات ملزمة وناشئة عن «ايقاع» ارادة منفردة.

ومن بينها واشهرها: حالة الالتزام بالجعالة او ما يسمى قانونا «الوعد بجائزة»، وحالة الالتزام بانشاء الوقف الخيري او ما يجري مجراه من المؤسسات الخاصة التي يقرها القانون. ثم حالة الايجاب الملزم غير الملحوق بالقبول، والتي تقضي بان يظل المرء على وعده او عهده وهو يوجب شيئا على نفسه حتى انتهاء المدة المضروبة.

ومن بينها ايضا كل من حالات الالتزام بالنذر او العهد، او باليمين او الوصية، والتي سياتي عرضها مفصلا في نطاق الفصل الخاص بالتطبيقات.

مضافا اليها ما نص عليه القانون من حالات اخرى كحالة السند لحامله التي يكون الشخص ملزما بارادته المنفردة تجاه آخر لم يعين الا في ما بعد، وحالة الاشتراط لمصلحة الغير ونحوها من الحالات التي حرص القانون في النص عليها.

هذا اذا اردنا ان نقتصر على تلك التطبيقات او الحالات المتعلقة بفكرة «انشاء الالتزام ومنعكساته من الحقوق الشخصية» والتي هي منشا الخلاف ومناطه بين الباحثين.

اما اذا اردنا ان نوسع من دائرة التطبيقات على فكرة الارادة المنفردة، لنتناول حالات اسقاط بعض الحقوق الشخصية، او الحقوق العينية، وحالات زوال بعض الروابط العقدية غير اللازمة،مثل عقد الوكالة والوديعة والعارية، او حالات اكتساب حق الملكية التي يمكن ان تكون الارادة المنفردة سببا في اكتسابها.

اذا اردنا ذلك ونحوه، فان الامر سوف يتسع مداه، بحيث تخرج تلك الحالات تماما عن وصفها بانها حالات استثنائية لتصبح حالات شمولية. يمكن ان نبني على اساسها قاعدة اونظرية.

بل حتى لو اقتصر الامر فقط على تلك الحالات الخاصة ب«انشاء الالتزام ومنعكساته»، وهي بلا شك حالات معدودة ومحدودة في حدود ما وصل الى علمنا، فان الواقع العملي لا يحول دون صياغة نظرية او قواعد عامة تجعل من الارادة المنفردة مصدرا عاما للالتزام الى جانب «العقد» ونحوه من مصادره الاخرى المعروفة. فانه اذا صلحت الارادة الواحدة لان تكون مصدراللالتزام في حالات وتطبيقات معينة، صلحت كذلك لان تكون مصدرا للالتزام في غيرها من الحالات التي قد تنشا، اذ لا فرق بين التزام وآخر في هذا المضمار.

ثم اننا، فوق ذلك، نعرف ان القاعدة العامة شرعية كانت ام قانونية عندما تشرع لا يشترط فيها، من حيث المبدا، ان تكون منطبقة بالفعل على حالات واسعة الانتشار، وانما يشترط اويفترض على الاقل فيها ان تكون صالحة للانطباق على اية حالة يمكن وقوعها حالا او مستقبلا.

بل ان القاعدة الشرعية او القانونية قد لا تصاغ ولا تنطبق فعلا على اية حالة موجودة، تحسبا وتوقعا لحدوث حالات صالحة للانطباق عليها، فالقاعدة القانونية او الشرعية لا يضر في عموميتهااو تجريدها عدم انطباقها على حالات قائمة فعلا، اذ لا تكون القاعدة وهي تشرع ناظرة الى اشخاص بذواتهم، ولا الى وقائع او حالات بعينها، لذلك فانها لا تضع حكما لغرض بعينه، وانماتضع حكما لغرض يتحدد بوصفه وعناصره وشروطه.

3- الاعتبارات المنهجية منهجية الفقه الاسلامي، من حيث العموم، تختلف في طرحها للاحكام الشرعية عن منهجية القوانين الوضعية المتاثرة اصلا بالقانون الروماني، حيث تقوم هذه القوانين كما هو معروف على منهج نظري ينحو الى ايراد القاعدة العامة او المسبب ثم تتناول الاسباب اي المصادر واحكامها حالة حالة، لذلك بدا في نظرية الالتزام بالحق، اولا، وقسموه الى حق شخصي (التزام)وحق عيني ثم تكلموا عن احكامه في حالة التطبيق.

اما طريقة الفقه الاسلامي فتقوم، في الاصل، على منهج عملي ومنطقي في ما يتصل، على الاقل، بالحقوق المدنية، وذلك بايراد التطبيقات او الحالات التفصيلية وهي الاسباب او المصادر،دون التعرض في الغالب للنظرية او القاعدة العامة لها وهذه الطريقة هي الطريقة التشريعية نفسها التي جرت عليها بعض القوانين الانجلوسكسونية والجرمانية.

ولكن يظل الفرق في النتيجة بين المنهجين التشريعيين غير شاسع، اذ يمكن بلورة الحالات والمسائل التفصيلية المعروفة في ثنايا الكتب الفقهية الاسلامية الى نظريات او قواعد عامة صالحة لاحتواء اية مسالة او حالة اخرى مستجدة، وعلى العكس من ذلك يمكن ايراد التطبيقات حالة حالة او مسالة مسالة للقواعد العامة الموضوعة، بموجب السياسة التشريعية لبعض القوانين الوضعية، وذلك كلما عرضت المسائل على صعيد القضاء والمشورة والافتاء.

وعلى اية حال فان هذه التفرقة الملحوظة بين المنهجين المذكورين المنهج النظري الذي اتبعه جانب من القانون الوضعي، والمنهج الذي اتبعه الفقه الاسلامي هي التي اوجبت الالتباس على بعض الباحثين ممن عرض لمسالة الالتزام بالارادة المنفردة على وجه الخصوص، حيث تصور فصرح هذا البعض ان الفقه الاسلامي لا يعرف من فكرة الالتزام بالارادة المنفردة سوى حالاتها المنصوص عليها في ثنايا الكتب الفقهية، وهي بالطبع حالات محدودة، الامر الذي جعله يعتقد ان هذه الحالات قد وردت بصفة خاصة، وعلى سبيل الاستثناء من الحكم العام القاضي بعدم الالتزام بالارادة المنفردة.

ولكن فاته ان طريقة الفقه الاسلامي كما اوضحنا لا تقوم على ايراد القواعد العامة، وانما تكتفي بايراد الاحكام حالة حالة، وهذه الحالات لا تمنع من تطبيق حالات اخرى عليها اذا مااقتضى الامر ذلك.

وعلى هذا النحو، نجد ان الفقه الاسلامي، حين اهمل كما هو منهجه العام ذكر القاعدة العامة بالنسبة الى فكرة الالتزام بالارادة المنفردة واقتصر على بعض حالاتها ومسائلها التفصيلية كالذي فعله جمهور الفقهاء...فان ذلك لا يعني لزوم الوقوف على هذه الحالات واعتبارها حالات استثنائية، وانما يمكن انتزاع قاعدة عامة في هذا المضمار للارادة المنفردة تصلح لاحتواء اية حالة اخرى يمكن ان تثار، او تعرض، على صعيد الواقع.

وهكذا الشان بالنسبة الى غير الارادة المنفردة من مصادر الالتزام، حيث نجد ان الفقه الاسلامي لم يضع بالنسبة الى العقد، مثلا، قاعدة او نظرية عامة لفكرة العقد تلم شتات العقود بانواعهاوتطبيقاتها المختلفة، وانما نجد على العكس من ذلك عقودا مسماة تاتي عقدا اثر عقد على ترتيب غير منسق او مبلور غالبا، ويختلف هذا الترتيب من كتاب لاخر، حتى ليظن الباحث على حد قول الباحث السنهوري ان الفقه الاسلامي في هذا المضمار لا يعرف سوى هذه الحالات المسماة، وان اي اتفاق لا يدخل تحت عقد من هذه العقود لا يكون مشروعا، مع انه خلاف الواقع.

وهكذا توارد الظن على بعض الباحثين الاخرين بالنسبة الى فكرة الارادة المنفردة، فتصور ان اية حالة اخرى من الحالات التي اهمل الفقه ذكرها مما يصدر عن ارادة منفردة لا يصح الاخذبها ولا الالتزام بشانها، بناء على خروجها عن نطاق المشروعية.

والامر نفسه بجري بالنسبة الى فكرة المسؤلية التقصيرية، او العمل غير المشروع، او ما نسميه نحن في الفقه الاسلامي ب«الضمان» باعتباره مصدرا من مصادر الالتزام، حيث ان هذا الفقه عالج هذه النظرية كما هو معروف من خلال حالتين او ثلاث حالات فقط توجب الضمان، وهي حالات الغصب والاتلاف ووضع اليد. ومع ذلك فلو امكن وقوع الضرر، عن غيرطريق هذه الحالات، فلا ينبغي ان يتعطل القرار الاسلامي عن اصدار حكمه بهذا الشان، اذ تظل هناك قاعدة منطوية تحت تلك الحالات، يمكن للباحث وللمفتي استخدامها وبالتالي تطبيقها على اية حالة او قضية اخرى مستجده لوجود العناصر والشروط والمعالم المشتركة.

وعليه يمكن القول، في قناعة، نتيجة بحث مستفيض، ان الاقتصار في الفقه الاسلامي على ذكر التطبيقات والحالات التفصيلية لاي موضوع او باب من الابواب الفقهية، بما فيها موضوع الارادة المنفردة (اي الايقاعات وما سواها من الاسقاطات) لا يعني وجوب الاقتصار على هذه الحالات واخراج ما سواها عن حكمها، اذ يمكننا صياغة نظرية او قاعدة عامة بهذا الشان صالحة للانطباق على تلك الحالات المفروضة، وعلى اية حالة او مسالة اخرى مستجدة، سواء ما كان منها متعلقا بانشاء حق شخصي او التزام الذي هو الرافد الاساسي لقاعدة الالتزام بالارادة المنفردة، وسواء ما كان منها متعلقا بانشاء حق عيني او اسقاطه كحق الملكية وحقوق الارتفاق، او متعلقا بزوال بعض العقود غير اللازمة او تصحيحها او نحو ذلك من الحالات التي تصدر عن ارادة منفردة، الا ما خرج منها عن الجواز الشرعي بنص او دليل.

ولعلنا، في هذا البحث المقتضب، نستطيع ان نلم ولو يسيرا بعناصر هذه النظرية من خلال اعتمادنا على بعض المصادر الفقهية المعروفة وذات الاهتمام الخاص بتطبيقات الارادة المنفردة.

الفصل الثاني:

الارادة المنفردة في مجال التطبيق تمهيد تناول بعض الفقهاء المسلمين، ومن اليهم من فقهاء القانونن الوضعي، بالبحث طائفة من الحالات والمسائل التي تصلح، ان تكون تطبيقا وتحريرا لفكرة الارادة المنفردة، ونحن بدورناسنتناول بالبحث بعضا من تلك الحالات وفي حدود ما يمكن ان تعطيه من دلالة على الالتزام والالزام بالارادة المنفردة، لعل ذلك يتيح لنا ان نؤصل نظرية او قاعدة للارادة المنفردة من حيث كونها مصدرا للالتزامات الشرعية المتعلقة بالذمة او العين، وتلك المتعلقة بالالتزامات الشرعية غير المالية...وذلك خلافا لما جرى عليه الفقه في ظل القانون الوضعي الذي بحث عن الارادة المنفردة من حيث كونها مصدرا للالتزامات (اي الحقوق الشخصية) بشكل خاص لكونها موضع الخلاف. وعليه فان دراستنا عن حالات الارادة المنفردة وتطبيقاتها سوف تتسع لكل ما يتصل ب:

1- الالتزامات الشرعية المالية.

2- والالتزامات الشرعية غير المالية.

3- كما ستتسع، ايضا، لبعض ما يتصل بالالتزامات السلبية الناشئة عن اسقاط الحق او انهائه، وذلك على اعتبار ان هذه الالتزامات الاخيرة سوف تكون مقابلة للالتزامات الاولى المالية منهاوغير المالية باعتبارها التزامات ايجابية.

وكل هذا سنبحثه في المطالب الثلاثة التالية:

المطلب الاول: الالتزامات المالية المبحث الاول: الجعالة التعريف الجعالة (مثلثة الجيم)..تطلق، ويراد بها لغة: «المال الذي يجعل مقابل فعل» اما، في الاصطلاح فتطلق ويراد بها:

«الاجارة على منفعة مظنون حصوله» او «الالتزام الذي ياخذه الانسان على نفسه بان يمنح آخر اجرا مقابل عمل ينجزه»، مع عدم اشتراط المعلومية في العمل والعوض، وبنحو لا يؤدي الى التنازع، وذلك كمن يلتزم باداء مبلغ من المال لمن يردله ضالته، او يحقق له مطلبه، او كمن يعطي على نفسه وعدا او عهدا بان يمنح مكافاة لاوائل الخريجين او المتسابقين مثلا في مضمار اعمال فنية. ولهذا اطلق، في الاصطلاح القانوني، عليهامسمى «الوعد بجائزة».

مشروعيتها ويمكن الاستدلال على مشروعيتها بقوله تعالى في قصة يوسف: (قالوا واقبلوا عليهم ماذا تفقدون × قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وانا به زعيم) «يوسف/71 - 72»، اي كفيل، كما يمكن الاستدلال ب آيات اخرى سبق بيانها والخاصة بحكم الوفاء بالعهد، وعدم نقض المواثيق.

وقد اعتبرت هذه الحالة من ابرز حالات الالتزام بالارادة المنفردة او «الايقاعات» وتطبيقاتها واكثرها دلالة او تعبيرا عن الفكرة، كما تطابقت في ما يبدو- كلمات الفقهاء من شرعيينوقانونيين على مشروعيتها، وعلى لزومها من جانب الجاعل او الواعد وعدم لزومها من جانب المجعول له، ومن هنا اعتبرت ايقاعا او فعلا صادرا عن ارادة منفردة، لعدم توقف الالتزام بها على ارادة اخرى. ويكون مدى التزام الجاعل منوطا بالقدر والشرط الذي شرطه هو على نفسه.

يقول الشيخ المفيد- وهو يحدد طبيعتها في بعض من امثلتها:

«واذا جعل صاحب الضالة لمن ردها جعلا، فواجب عليه الخروج اليه منه، على ما سماه من قدره وشرطه فيه على نفسه».

بل ان حكم الجعالة باللزوم على الجاعل يسري حتى لو لم يشترط هو شيئا على نفسه، حيث يضيف الشيخ المفيد الى ذلك قوله: «واذا وجد الانسان عبدا آبقا او بعيرا شاردا، وكان له على ذلك جعل..ان كان وجده في المصر فدينار، وان كان وجده في غير المصر فاربعة دنانير..بذلك ثبتت السنة عن النبي(ص) ».

ويبدو ان هذا التحديد بهذا المقدار للعوض هو خاص بما اذا كانت الضالة من نوع العبيد او الجمال، اما اذا كانت شيئا آخر فان العوض يتحدد- كما صرح الشيخ المفيد نفسه وفق الاعراف والعادات السائدة، ووفق ظروفها الزمانية والمكانية.

ولكن قيل ان الالتزام الناشيء عن الجعالة في مثل هذه الصورة ونحوها لا يقوم على اساس الارادة المنفردة، وانما على اساس العقد بناء على ان الجعل لا يثبت الا بالشرط..اي بالاتفاق كماهو راي الشافعية ، او على اساس الاثراء بلا سبب بناء على ثبوت الاستحقاق من دون شرط كما هو راي الحنفية ، الامر الذي دعا الاستاذ السنهوري الى ان يستبعد «الجعالة» بعمومها من دائرة الارادة المنفردة باعتبارها مصدرا للالتزام.

ولكننا لا نقره على هذا الاتجاه، لان دور الارادة المنفردة في مثل تلك الصورة يظل قائما، حتى لو جرى الاشتراط، او ثبت الاستحقاق بالشرع، فلولا ارادة الجاعل الخاصة وما فرضه على نفسه من التزامات، فلا مورد لقيام فكرة الجعالة.

على ان تلك التي اثير حولها الاشكال المذكور هي صورة واحدة من صور الجعالة..فان جاز اخراجها عن هذه الدائرة لطبيعتها الخاصة، فان حكمها لا يسري على بقية صور الجعالة وخاصة ان الشيخ المفيد قد ترك تقديرات العوض في غير حالة العبد والجمل الضالين الى العرف والعادة او الظروف الزمانية والمكانية السائدة كما مر.

الوعد بجائزة والجعالة، في صورتها او في مصطلحها القانوني وهو (الوعد بجائزة)، ورد النص بها صريحا في عدد من التقنينات الوضعية باعتبارها صورة من صور الارادة المنفردة، ولكنها صورة جاءت على سبيل الاستثناء وليس تطبيقا للقاعدة كما تفيد بذلك النصوص القانونية المختلفة، حيث تقول المادة 162 مصري: «من وجه للجمهور وعدا بجائزة يعطيها عن عمل التزم باعطاء الجائزة لمن قام بهذا العمل، ولو قام به دون نظر الى الوعد بالجائزة او دون علم بها...الخ».

ولكن تقنينات، او مشروعات اخرى للقوانين، اعتبرت «الوعد بجائزة» صورة عادية من صورة الارادة المنفردة وليست صورة استثنائية، لان حكم الالتزام بالارادة المنفردة يعتبر قاعدة عامة صالحة للتطبيق على اية حالة من حالات الارادة المنفردة..حتى لو لم يرد نص محدد..تقول المادة (60) من مشروع القانون المدني الفرنسي الايطالي الذي عقد فصلا خاصا للارادة المنفردة باعتبارها مصدرا عاما للالتزام: ان هذه الارادة اذا كانت مكتوبة، واقترنت باجل محدد تلزم صاحبها بمجرد وصولها الى علم من توجهت اليه ولم يرفضها، وتنطبق على الارادة المنفردة القواعد التي تنطبق على العقد عدا القواعد المتعلقة بضرورة توافق الارادتين لانشاء الالتزامات.

وبهذا النحو جاء النص صريحا في المادة (228) من المشروع التمهيدي للقانون المدني المصري، والتي الغيت في ما بعد لما تبدى لواضعيها من اتجاه جديد بالنسبة الى نظرية الارادة المنفردة.

كما يبدو ان القانون المدني الاردني الحالي يميل الى هذا الاتجاه حسبما استظهرناه.

المبحث الثاني: الوقف تعريفه الوقف، في الاصطلاح الشرعي، عبارة عن «تحبيس الاصل واطلاق المنفعة» اخذا من قوله(ص): «حبس الاصل وسبل المنفعة» او هو حالة من التابيد المانعة من اجراء التصرفات القولية او الفعلية على عينه، المؤدية الى خروج الوقف عن حده، من دون تسبيل المنفعة التي اطلقها الواقف، فان كانت هذه المنفعة مقتصرة ومحبوسة على جماعة معينة او قوم مخصوصين قيل للوقف بانه وقف ذري او خاص، وان كانت المنفعة شاملة، اي محبوسة على الكافة، قيل:

بانه وقف عام او خيري، وللجهة بانها جهة عامة او خيرية.

وقد ورد عن الرسول الاعظم(ص) في رواية مشهورة انه قال:

«اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث: صدقة جارية، او علم ينتفع به من بعده، او ولد صالح يدعو له» ويقصد بالصدقة الجارية الوقف في مدلوله الاصطلاحي، ومن هنا جعل الشيخ المفيد: «الوقف والصدقات» تحت بند واحد.

الالتزام بالوقف وينشا الالتزام بالوقف بمجرد صدور الصيغة الدالة عليه، اي انه لا يفتقر الى القبول، وانما تكفيه الارادة الواحدة الصادرة عن الواقف، والتي توجب الالتزام بجميع مقتضياته الشرعية ومايترتب عليه من آثار.

وهذا الراي الذي يقضي بعدم اشتراط القبول، يعبر عن راي اكثرية فقهاء المذاهب..سواء كان الوقف ذريا او عاما، وذلك لاصالة عدم الاشتراط، ولان الوقف يعبر عن ازالة ملك فيكفيه الايجاب شانه شان الجعالة والعتق والطلاق.

ومثلما لا يشترط فيه القبول، فقد قيل: انه لا يشترط فيه قصد القربة، وان توقف عليها الثواب.

ولهذا كله قضى الشيخ المفيد بعدم جواز الرجوع في الوقف بعد صدور صيغته، لان الوقف بمثابة الصدقة الثابت عدم الرجوع فيها، كما قضى بعدم جواز تغيير شرائطه ولا نقله عن وجوهه وسبله التي رسمها الواقف باي حال.

ويتاكد عدم الجواز في الرجوع اذا ما اخرج الواقف الوقف عن يده الى من وقفه عليه، وفاقا لراي بعضهم ممن اناط صحة الوقف بخروجه عن يده.