الصفحة السابقة

الصفحة التالية

غير ان الشيخ المفيد، في ما يتصل بقصد القربة، اشترطها لانعقاد الوقف، والا خرج الوقف عن ان يكون حبسا مطلقا ودائما، الامر الذي يتيح لنا من باب اولى ان نجعل البحث في الوقف داخلا من الناحية المنهجية ضمن قسم العبادات وليس ضمن قسم المعاملات او نحوها من الاقسام الفقهية، ولكننا لم نجد من اتبعه من الفقهاء، كما اننا لا نميل من جانبنا الى هذا الاتجاه بحسب ما ابدينا في مكان آخر من راي حول عملية توزيع الاحكام الشرعية وانما نميل الى وضعه ضمن قسم «الايقاعات» التي تجعل من الارادة المنفردة مصدرا واصلا لنشوئها،وذلك لان الوقف يعتبر بموجب ما تبيناه سابقا من شروطه من اظهر حالات فكرة الارادة المنفردة وتطبيقاتها.

وهذا ما صرح به بالفعل كثير من المحدثين الذين تناولوا موضوع الوقف.

المؤسسة الخاصة وتقابل نظرية الوقف، في الاسلام، نظرية انشاء المؤسسة الخاصة في القانون الوضعي، حيث استحدثت بعض القوانين الوضعية نظاما اسمته بالمؤسسة ليحل محل نظام الوقف.

والمؤسسة بحسب بعض النصوص: مال مخصص لغرض معين، وينشا بموجب سند رسمي او وصية، بحيث تكون ارادة المنشي ء المنفردة هي التي تنشي ء هذا النوع من المؤسسات لتنتج آثارها اما في حياته، او بعد وفاته عن طريق الوصية، ثم يلتزم المنشىء بارادته المنفردة، ايضا بان ينقل الى المؤسسة التي انشاها ملكية ما تعهد به من المال الذي خصصه لها..فالارادة المنفردة تكون بهذا قد خلقت شخصا معنويا والتزاما نحو هذا الشخص.

ولهذا عرف بعضهم المؤسسة بانها «تصرف قانوني صادر من جانب واحد، ويعتبر تاما لمجرد صدوره..اذ هو تصرف غير واجب التسليم شانه في ذلك شان الوقف في صورته الاسلامية».

المبحث الثالث: الوصية التعريف الوصية، اصطلاحا، عبارة عن «تصرف مضاف الى ما بعد الموت..في تمليك عين او منفعة، او تسليط شخص على فعل، او اسقاط لحق من الحقوق».

ضروب الوصية ..فالوصية على هذا اما ان تكون ل«تمليكية»، كان يوصي لشخص على نحو التمليك بشي ء من تركته عينا او منفعة.

واما ان تكون «عهدية»، كان يعهد الى شخص بتادية عمل معين عنه، مثل فريضة الحج، او تنفيذ مشروع باسمه..او نحو ذلك.

كما قد تكون في صورة ثالثة على شكل «اسقاط» حق من حقوق الموصي او تنازل عنه كمن يعتق للّه عبدا، او يتنازل عن حق ارتفاق او يبري ء شخصا مما له عليه من ديون، مضافا الى ما بعدالموت.

صدور الوصية عن ارادة منفردة:

وبذلك كله يبدو واضحا ان الوصية تصرف شرعي صادر عن ارادة الموصى المنفردة، الامر الذي جعل بعضهم يعتبرها قسما من «الايقاعات» وليس من اقسام العقود او نحوها،بدليل عدم اشتراط القبول في اية صورة من صور الوصية المذكورة بما فيها الصورة التمليكية لانها تتم بالايجاب وحده.

ولكن هذا الحكم بعدم اشتراط القبول والذي تبناه البعض بمن فيهم الشيخ المفيد وزفر والشافعي في احد قوليه، جاء خلافا لراي المشهور الذي قصر مهمة هذا الحكم على خصوص الصورة «العهدية» القائمة على «عمل»، بيد ان هذا التخصيص لا يخلو في تقديرنا من تحكم..فالقبول اذا ما اشترطناه على الموصي له لا يختلف في حالة ما اذا كانت الوصية تمليكية او عهدية، فمثلما لا يصح ان يفرض على شخص تملك شي ء قهرا من دون رضاه، مثلما لا يصح ان يفرض عليه تنفيذ عمل وبذل طاقة من دون موافقته ورضاه.

وعلى اية حال، فاني لا اجد تنافيا بين فكرة اشتراط القبول، وبين اعتبار الوصية ضربا من ضروب «الايقاعات» التي تقوم على ارادة منفردة..ذلك ان الالتزام بالوصية امر ثابت ومحقق طالما لم يرجع الموصي عن وصيته قبل الموت، حيث لا يكون للموصي له بعدئذ رد على هذه الوصية علاوة على ان القبول الذي يكون بعد الموت لا قبلة انما اشتراط فلدخول الموصي به في ملك الموصي له.

اما الحق الذي يعط ى للموصي له بالرجوع قبل الموت، مما قد يعني عدم لزوم الوصية، فهو امر طبيعي، ذلك ان الوصية هي عبارة عن اضافة الى ما بعد الموت، وتحققها ونفوذها ولزومها لايحصل الا بعد واقعة الموت.

شمول الحكم لسائر الحالات الناشئة عن الوصية:

هذا، والحق ان الوصية، باعتبارها تصرفا صادرا عن ارادة منفردة، لا تختص فقط بحالة الايصاء، وانما يمكن ان تشمل ايضا حالة الرجوع عنها، وحالة ردها، اذ ان كلا من الرجوع والرد انمايتم كذلك بارادة منفردة، وايجاب لوحده، اي سواء كان التصرف في الوصية صادرا عن الموصي او الموصى له.

المبحث الرابع: الايجاب المقترن بميعاد توصيف الاصل ان الالتزام الناشي ء عن عقد لا يتم الا بعد اقتران القبول بالايجاب، اي باتحاد الارادتين الصادرتين عن الموجب والقابل وتواردهما على موضوع واحد.

راي القانون لكنه مع ذلك فقد ذهبت بعض التقنينات الوضعية الى ان الالتزام يمكن ان ينشا بالايجاب وحده. اي قبل اقترانه بالقبول واتحادهما في وعاء واحد، وذلك عندما يتقدم احدالمتعاقدين وهو الموجب- بعرض الى المتعاقد الاخر وهو القابل بشان ابرام عقد معين معه، بحيث يربط رغبته هذه بميعاد صريح او ضمني..يتحلل بعده عن التزامه اذا لم تصدرالموافقة بالقبول من الطرف الاخر خلال فترة هذا الميعاد.

هذه الحالة من الايجاب تسمى، في الاصطلاح القانوني، ب«الايجاب القائم الملزم» تمييزا لها عن حالة «الايجاب القائم غير الملزم» الذي يصدر غير مقترن بميعاد للقبول، الامر الذي يعط ي الموجب الحق بالرجوع عن ايجابه ولو اكتمل لهذا الايجاب كيانه القانوني او الموضوعي.

الارادة المنفردة اساس التزام الموجب:

واساس التزام الموجب في البقاء على ايجابه في الحالة الاولى المذكورة، يعود الى «الارادة المنفردة» الصادرة عن الموجب، وليس العقد الذي ما زال غير ملتثم ولا متتام بعد، ولا الى اي اساس او سبب قانوني آخر قد يتصوره او يبرره بعضهم.

بل ان بعض التقنينات الوضعية، كالقانون المدني الالماني في المادة (145) منه، يعضدها جانب من الفقه الفرنسي، يميل الى الزام الموجب بالبقاء على ايجابه لفترة زمنية معقولة حتى لو لم يربط الموجب نفسه بميعاد معين، لان طبيعة الايجاب تقضي بهذا النحو من الالزام حرصا على استتباب التعامل وضروراته.

موقف الفقه الاسلامي اما بالنسبة الى الفقه الاسلامي فلا اجد فيه ما يمنع من الاخذ بفكرة الالتزام بالايجاب المقترن بمدة، وذلك عملا بمبدا سلطان الارادة، الذي بمقتضاه يمكن للشخص ان يلزم نفسه وبارادته الذاتية وحدها، وان كان هذا الالزام يوجد للغير حقا. ثم استنادا الى الحديث الشريف القائل بان المؤمنين عند شروطهم..فالشخص اذا ما شاء وهو عازم على ابرام عقد- ان يربط نفسه بقيد تطمينا للطرف الاخر وحسبانا لبعض الظروف، فليس ثمة ما يمنعه من ذلك طالما كان تصرفه هذا لا يخالف الجواز الشرعي.

بل ان هناك من توسع من الفقهاء في الزامية الايجاب، كالمالكية الذين جعلوا الايجاب ملزما في كل حالاته، طالما كان المتقاعدان منشغلين بموضوع التعاقد. حتى لو رجع الموجب عن ايجابه قبل صدور القبول، اذ يبقى الايجاب قائما وملزما حتى يقبل الطرف الاخر او ينتهي المجلس بالاعراض او بغيره..ومن باب اولى ان يظل الايجاب قائما لو قرن الموجب ايجابه بمدة،او اذا كان العرف قد جرى على تقييد الموجب بمدة محددة .

لكنه يبدو، بالنسبة الى راي الشيخ المفيد في المسالة، من خلال تحليل لفكرة العقد، انه لم يعط للايجاب قوته الملزمة الا اذا كان مقترنا بالقبول، مضافا الى ضرورة حصور التقابض. اذ يجوزبموجب هذا الشرط الاخير او فحواه (اي طالما لم يحصل التقابض) ان يرجع كل من المتعاقدين عن قوله بعدم ابرام العقد، ومن باب اولى ان يجوز للموجب اذا انفرد بايجابه لوحده ان يرجع عنه حتى لو اقترن بمدة..طالما كان التقابض، بالطبع، بعد لم يحصل.

ولعل اطلاق الحديث الشريف القائل: «البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا الا بيع الخيار» يؤيد هذا الاتجاه الذي تبدي من شيخنا المفيد، ذلك ان الخيار الذي يطلق عليه بخيار المجلس، يجعل لكل من البائع والمشتري بعد ابرام العقد ان يرجع عنه، الا اذا افترقا او خير احدهما للاخر بقوله: اختر فيقول: امضيت البيع او ما في معناه.. ومن باب اولى ان يكون للموجب الخيار او حق الرجوع طالما لم يقترن ايجابه بعد بالقبول، وان قيد بمدة.

المطلب الثاني: الالتزامات غير المالية المبحث الاول: النذور والعهود النذر وحالاته النذر عبارة عن الزام الانسان نفسه بامر من الامور التي لم يكلفه اللّه تعالى به، قاصدا به القربة، كمن يوجب على نفسه ان يؤدي مناسك الحج، او يقوم بصوم يوم او شهر، ونحوها من الالتزامات غير المالية اذا عوفي من مرضه، او ربح في تجارته، او كفي شر عدوه..بل يمكن ان يسري النذر حتى الى الالتزامات المالية، مثل ان يوجب المرء على نفسه ان يقيم مشروعا خيريا بماله او يتصدق على الفقراء او نحو ذلك، ولكن حيث ان الالتزامات غير المالية في هذا المجال هي الاكثر شيوعا بين الناس، لذلك وضعنا هذا الموضوع تحت بندالالتزامات غير المالية.

مشورعية النذر:

ولا ريب في مشروعية هذه الحالات ونحوها من النذور..ذلك ان ضابط النذر ان يقع في طاعة، واجبا كان او مندوبا او مباحا راجحا، وان يكون مقدورا عليه اذ لا نذر في معصية اوفي شىء خارج عن حدود القدرة والطاقة، كما ورد في الحديث الشريف القائل: «لا نذر في معصية اللّه، وكفارته كفارة يمين».

صدور النذر عن ارادة منفردة وعليه فان الناذر يصير ملزما بارادته في الوفاء بما الزم به نفسه، فان لم يف بذلك ترتبت عليه كفارة مخصوصة تقوم على اساس التخيير بين عتق رقبة او صيام شهرين متتابعين او اطعام ستين مسكينا، او تقوم على اساسين من التخيير والترتيب والمنطبقين على كفارة اليمين حيث يلزم الناكل عتق رقبة او اطعام عشرة مساكين او كسوتهم، فان عجز عن ذلك صام ثلاثة ايام، على الراي المشهور عند الامامية، وبالاتفاق لدى فقهاء المذاهب الاربعة.

ومن ذلك يتبين ان انعقاد النذر انما يتم بارادة منفردة، هي ارادة الناذر، وانه بالتالي لا يجوز له الرجوع عما عقد به نذره لوجوب الوفاء به كما اشرنا، والا ترتبت عليه كفارة، اضافة الى الاثم.

كما يصح لنا من خلال ذلك، ان نعد النذر بعمومه حالة من حالات الالتزام بالارادة الواحدة، وخاصة اذا ما كان الالتزام منصبا على اداء مالي، باعتبار ان نظرية الارادة المنفردة تقتضيهابحسب الاصل.

شروط النذر ولكن انعقاد النذر متوقف في الاصل على اجراء صيغة مخصوصة تلك التي تقوم على بر او زجر او تبرع، وعلى شروط وضوابط متعددة... اتينا على بعضها آنفا.

العهد واليمين العهد، ومثله اليمين، ضربان من ضروب النذر..لذلك هما لا يختلفان عنه في الاحكام والشرائط والضوابط عدا ما يتصل بالصيغة.

فصيغة «العهد» ينبغي ان يعبر عنها بلفظ مخصوص دال عليها، كعاهدت اللّه او علي عهد اللّه ان افعل كذا.

اما صيغة «اليمين» فيلزم ان يتم فيها الحلف باللّه تعالى وحده،او احد اسمائه الحسنى، على ان لا يكون اليمين طريقا من طرق الاثبات في باب المرافعات.

ومن ذلك كله نستنتج ان الالتزام بالنذر وضروبه المختلفة من اليمين والعهد.. يلزم ان يكون ناشئا عن ارادة منفردة غير معتمدة على ارادة اخرى كما مر بنا في الحديث عن النذر وان توقف النذر واليمين في بعض التكاليف الشرعية على اذن الزوج والوالد مثلا، اما في العهد فلا يتوقف في الاصح على اذن احد ايا كانت درجة ولايته وسلطته. وطبيعي ان هذه الارادة لكي تنتج اثرها لابد من توافر الشروط العامة فيها من البلوغ والعقل والقصد والاختيار.

الاعتراض بشان لزومية النذر ولكن ثمة اعتراض اثير بشان حقيقة الالتزام وتوابعه من العهد واليمين، اذ قيل عن هذا الالتزام بانه لا يصح اعتباره التزاما شرعيا وفرديا بالمعنى المعروف عن الالتزامات والتصرفات القانونية، وذلك لعدم خضوع الامر فيه للتقاضي وما يترتب عليه من توقيع الجزاءات، فمن لم يف بنذره او عهده الشرعي او يمينه فلا يترتب عليه ما يترتب على النكول بالتصرفات الفردية العادية من جزاءات دنيوية او قضائية، من حيث ان امر الوفاء به واجب او مفترض بين العبد وربه فقط فلا يترتب عليه سوى جزاءات اخروية.

ولكن الواقع انه، وان لم يترتب على ذلك سوى جزاءات اخروية، فان فكرة الالتزام بالارادة المنفردة في النذر وشبهه تظل سارية، وملحوظة، حيث لا تخرج عن كونها حالة من حالات الالتزام بهذه الارادة، اذ لا يفرق على الاقل في نطاق الاحكام الشرعية ان يكون الالتزام ناشئا عن علاقة بين المرء وربه، او بينه وبين شخص آخر نظير له.

على ان بعض الفقهاء، كالحطاب من فقهاء المالكية، قد اراد ان يفرق في هذا المجال بين حالة ما اذا كان النذر لمعين، فانه يخضع للقضاء، وبين حالة ما اذا كان هذا النذر لغير معين فلا يقضى به. وتلك حالة خاصة..

وطبيعي انه لا يوجد لذلك النمط من الالتزامات القائمة على العلاقة بين العبد وربه اساس في القوانين الوضعية حتى يرد عليها النزاع، او تثور بشانها فكرة الالتزام، وما يقتضيها من مرافعات قضائية.

المبحث الثاني: الطلاق وبعض حالاته التعريف الطلاق عبارة عن رفع القيد الثابت شرعا بالنكاح، وفق صيغة واحكام مخصوصة، او هو على حد تعبير بعض الفقهاء وبعض التقنينات الوضعية: «حل عقدة الزواجبصيغة مخصوصة.

وقوع الطلاق بالايقاع ويتم الطلاق، في الاصل، بالايقاع اي بارادة الزوج المنفردة، اذ لا يتوقف وقوعه على رضا الزوجة او قبولها، لان «الطلاق لمن اخذ بالساق» كما في الحديث الشريف.

وهذا الحكم متفق عليه بين الفقهاء، خلافا لبعض القوانين الوضعية التي اناطت امر الطلاق في بعض حالاته برضى الزوجة، او بطلب يصدر من احدهما.

كما لا شان بوقوع الطلاق ان يتم عن طريق المحكمة الشرعية او غيرها من الهيئات القضائية، او ان يبادر الى توثيق اشهار طلاقه لدى الموثق المختص او ان يقدم لهذا الموثق اقرارا كتابيا يتضمن حالته الاجتماعية فتلك اجراءات شكلية اقتضتها طبيعة الظروف الاجتماعية..

وعليه، فمن طلق بارادته المنفردة امام شاهدين عدلين مسلمين (واشهدوا ذوي عدل منكم) «الطلاق/2» بصيغة:

«انت طالق» وما سواها من الصيغ الصريحة التي تفيد التعيين فقدبانت بواحدة.

تجريد صيغة الطلاق ولعل الطلاق هو ابرز واظهر حالات «الايقاع» الناشي ء بارادة منفردة، وذلك لعدم توقفه على رضا الزوجة او قبولها كما مر ، ولتجريده من التعليق على شرط او صفة، وخلوصه من الاكراه والهزل، حيث تحل الرابطة الزوجية التي هي عصمة مستفادة من الشرع بمجرد ايقاع صيغة الطلاق الصريحة المجردة عن اي شرط او صفة او شكلية.

ولذلك لا يقع الطلاق في الراي المشهور عند الامامية بالكتابة ولا بالكناية ولو نوى بها الطلاق، ولا باي شكل من الاشكال المؤدية الى اللبس والاغلاق، اعتمادا على ما صرح به الامام الباقر بصيغة الحصر: «..انما الطلاق: ان يقول: انت طالق..».

ولكن لفقهاء المذاهب الاربعة آراء اخرى مختلفة في هذا المجال، حيث افاد الشيخ ابن رشد في كتابه المقارن عن بعض ذلك بقوله: «وكل الذي اتفقوا فيه ان الطلاق يقع اذا كان بنية وبلفظ صريح، ولكنهم اختلفوا هل يقع بالنية الذي ليس بصريح، او بالنية دون اللفظ، او اللفظ دون النية. واتفق الجمهور منهم على ان الفاظ الطلاق المطلقة صنفان صريح وكناية» كماصرح غيره بان الطلاق يقع بالصريح وان لم ينوه جادا او هازلا ونحو ذلك من الاختلافات في الاحكام التي تشوه صورة الطلاق المشرقة المبنية على ارادة منفردة صريحة ومجردة.

الطلاق الرجعي التعريف الرجعة عبارة عن «اعادة مطلقة غير بائن الى ما كانت عليه بغير عقد».

وعليه فالرجعة حق اعط ي للزوج وحده باعادة الرابط الزوجية بعد حلها، طالما كانت العدة قائمة والشروط مستوفاة، وهي نوع من انواع ما يسمى بالطلاق السني قبالا للطلاق البدعي الذي يخترق بعض الشروط او يخل بها.

الرجعة ايقاع وتعد الرجعة بصورتها الشرعية، المذكورة «ايقاعا» يتم بارادة الزوج المنفردة ولا يتوقف على ارادة الزوجة كطرف آخر، ولذلك صرح بعض الفقهاء بما يفيد ان الزوج: «هو املك برجعتها ما لم يخرج عن عدتها» لكنه لم يشترط كما هو الراي الارجح في الرجعة الاشهاد، خلافا لاصل الطلاق، وان استحبه احتياطا لثبوت الولد منه.

ويظهر ان الحكم بعدم توقف الرجعة على رضا الزوجة باعتبارها ايقاعا امر متفق عليه بين فقهاء المسلمين جميعا دونهما خلاف، حيث صرح الشيخ ابن رشد بعدم اعتبار رضاالزوجة في الرجعة، مسندا هذا الحكم الى اجماع المسلمين لقوله تعالى (وبعولتهن احق بردهن) «البقرة/228».. بل جعل الامام مالك عدم اشتراط رضا الزوجة جزءا من التعريف بالرجعة، حيث قال: «ان الرجعي هو الذي يملك فيه الزوج رجعتها من غير اختيارها» لكن الرجعة تتميز من اصل الزواج بانها تصح بالفعل، اي بالممارسة الجنسية، مثلما تصح بالقول الصادر عنه، خلافا للشافعي الذي قصر حق الرجوع بالقول وحده، ولكن مع القدرة.

المبحث الثالث: الاعتاق وما يجري مجراه يطلق على العتق ويراد به: «خلوص الادمي او بعضه من الرق منجزا بصيغة مخصوصة». وهذه الصيغة في الاصل متنزعة من كلمة التحرير او ما بمعناها. ومعلوم ان الرق يختص باهل الحرب من دون اهل الكتاب القائمين بشرائط الذمة والمحميين بالعهد.

ويجمع الفقهاء على ان العتق هو من اظهر اعمال الخير والاحسان، واكثرها اجرا وفضلا حتى روي عن الرسول الاعظم(ص) قوله: «من اعتق عبدا مؤمنا لوجه اللّه اعتق بكل عضو منه عضوامن النار».

اسباب ازالة الرق وتكون، في الاصل، ازالة الرق باحد اسباب اربعة هي ما يقال لها اصطلاحا: المباشرة، والسراية، والملك، والعوارض، ولكل من هذه الاسباب ونحوها شرائط واحكام اتى الفقهاءعلى تفصيلها، ولكننا لا نجد اليوم اية فائدة من وراء عرضها.

زوال العبودية بارادة منفردة وتزول العبودية او الرقية بارادة المولى المنفردة، من دون ان يكون للمعتق او العبد اي خيار في ذلك، اذ يصبح بمجرد اجراء صيغة العتق (بالمباشرة) حرا، وقادرا على ان يتصرف كيف يشاء بما اباحه اللّه تعالى اياه من وجوه التصرف. كما يكون املك بنفسه من اي احد في معيشته وتصرفه.

التدبير وهكذا الشان بالنسبة الى صورة التحرير الاخرى التي تحدث بالتدبير لا بالتحرير الفعلي، ومعلوم ان «التدبير» هو عتق يجري مجرى الوصية، بمعنى ان عملية التحرير لا تكون ماضية ومنجزة الا بعد وفاة مالك العبد او مولاه، وانما سميت هذه الصورة بالتدبير، لان المدبر دبر امر دنياه باستخدامه واسترقاقه وامر آخرته باعتاقه.

المكاتبة ولكن المكاتبة وهي صورة من صور التحرير لا تحصل الا بالاتفاق بين العبد وسيده، حيث يمكن العبد فيها من شراء نفسه من مولاه بمال يكتسبه العبد- حينما يتيسر له ان يكون صاحب عمل او مكسب.

وقد عبر بعض الفقهاء بالفعل عن هذه الحالة ب«المكاتبة» اي بصيغة المفاعلة التي تحتاج في انعقادها الى طرفين والى وجود اتفاق بينهما يقضي بانهاء حالة الرق. وهذه المكاتبة تتميز بكونهامربوطة باداء مبلغ، ومنجمة على اساس دفع هذا المبلغ باقساط، ومدعمة بشهادة الشهود.

وبهذا الشكل تخرج هذه الصورة على وجه الخصوص عن حالات فكرة الالتزام بالارادة المنفردة وتطبيقاتها.

المطلب الثالث: اسقاط الحقوق والالتزامات انشاء الحقوق واسقاطها الارادة المنفردة مثلما يمكن ان تصير مصدرا او سببا لانشاء الحقوق والالتزامات مثلما يمكن ان تصير سببا آخر لاسقاطها وانهائها..وقد مر البحث مطولا في الحالات المتعلقة بانشاء تلك الحقوق والالتزامات القائمة على ارادة منفردة، ويظل من مهمتنا البحث في الحالات المتعلقة باسقاط هذا النحو من الحقوق والالتزامات.

اسقاط الحقوق ثم ان هذا الاسقاط قد يكون حالة واردة على عين..، كما قد يكون حالة واردة على دين.

الحقوق العينية:

وابرز حالات الاسقاط للحقوق الواردة على عين.. والتي خصها الدارسون بالبحث هي كل من حقوق الرهن، حيازية كانت او تامينية، وحقوق الارتفاق. سقيا كانت او شربا او مرورا او مطلا،ثم حق الشفعة باعتباره في راي حقا شرعيا قابلا للاسقاط..ونظائرها من الحقوق الواردة على الاعيان او الاشياء والتي يمكن اسقاطها بارادة واحدة، وهذه الحقوق والحالات سوف لانعرض لها بالبحث، لانها خارجة عن موضوع النزاع بين فقهاء القانون على الاقل، لان موضع الخلاف بينهم والذي انعكس بدوره على الفقهاء المسلمين يقوم كما مر على الحقوق الشخصية المتعلقة بالذمة او الدين.

الحقوق المتعلقة بالدين:

اما الحقوق المتعلقة بالذمة او الدين فلا يمكن حصرها لانها ليست كالاعيان، ولكنه يمكن حصر اسباب سقوطها او على الاقل بيان اهمها، وهي: الابراء، والوفاء، واتحاد الذمة، والمقاصة،ومرور الزمان المانع من سماع الدعوى..الموسوم في الاصطلاح القانوني بالتقادم.

واسباب سقوط هذه الحقوق..منها ما يمكن ان يسقط بارادة منفردة بالابراء، ومنها ما لا يمكن ان يسقط الا بارادة مزدوجة كالوفاء او بواقعة مادية كالتقادم.

وطبيعي اننا سوف لا نعرض الا لتلك الحالة التي تتم بارادة منفردة وهي الابراء..خاصة وان هذه الحالة تعتبر، فقها وقانونا، من ابرز حالات الالتزام بالارادة المنفردة، او على الاقل من ابرزالحالات التي فشا النزاع طويلا بشانها بين الفقهاء، وهذا ما سنراه.

الابراء: سبب من اسباب سقوط الحقوق بالارادة المنفردة تعريف وتوصيف الابراء، اصطلاحا هو «حالة من التصرف الشرعي الذي يؤدي الى اسقاط ما في الذمة من حقوق مالية للغير اختيارا بدون عوض».

وهذه الحالة من الابراء تختلف عن حالة «البراءة للذمة» التي تنتهي الى تساقط الحقوق والالتزامات بالوفاء المتبادل، والتي اشار اليها بعضهم تحت عنوان «مختصر كتاب البراءات»،حيث تضمن هذا المختصر بيان اقرار الدائن بوفاء المدين له بحقوقه كاملة، الامر الذي ترتب عليه براءة ذمته، وذلك عن طريق «رسم كتبي».

نشوء الابراء بارادة منفردة ثم ان الابراء باعتباره ايقاعا او ناشئا عن ارادة منفردة لم يسلم من الجدل والنقاش بين الباحثين من رجال الفقه والقانون، فقد ثار فيه الجدل واسعا ولا تزال ذيوله قائمة حتى الان حول سببية نشوئه، حيث ذهب بعض هؤلاء الباحثين الى اعتبار الابراء تصرفا شرعيا او قانونيا ناشئا من جانب واحد، هو ارادة الدائن المنفردة، بينما ذهب بعضهم الاخر الى اعتباره تصرفا صادرا من جانبين متمثلين بارادة كل من الدائن والمدين.

وقد نزع الى الاتجاه الاول جمهرة الفقهاء على اساس ان الغرض الاساسي من الابراء هو الاسقاط للحق كالشفعة، والقصاص، والطلاق، وليس الغرض منه هو التمليك للعين كالتبرعات.

كما نزع الى الاتجاه نفسه كثير من التقنينات الوضعية التي يمكن استخلاص هذه الفكرة منها بشكل واضح.

اما الاتجاه الثاني الذي اعتبر الابراء تصرفا صادرا من جانبين، فقد نزع اليه جانب من الفقه الاسلامي يتمثل بالمالكية وقول للشافعية، وذلك اعتبار ان في الابراء دلالة على نقل الملكية،حكمه في ذلك حكم التصرفات القائمة على التبرع والتي لا يملك احد بارادته المنفردة ان يجبر الاخرين بقبولها، كما نزع الى هذا الاتجاه الثاني بعض التقنينات الوضعية، ومن بينهاالقانون المدني الفرنسي وقانون الموجبات والعقود اللبناني.

وطبيعي ان الاخذ باحد الاتجاهين المذكورين ليست مسالة نظرية بقدر ما هو مسالة عملية تترتب عليها آثار شرعية وقانونية مختلفة.

ولكن ليس من مهمتنا، في هذا النطاق الضيق من البحث، ان نعني بهذا النحو من المجادلات، وبخاصة بعد ان كاد يستقر الراي الفقهي، بل القانوني، على اعتبار الابراء حالة من حالات الارادة المنفردة التي تقوم على جانب واحد متمثل بارادة الدائن وحده التي لا يتوقف ايقاعها نفسه على قبول ارادة الطرف الاخر ورضاه، كما نصت بالفعل على ذلك بعض التقنينات الوضعية كما مرت الاشارة اليها آنفا. فمن شاء ان يبرىء مدينة بارادته ورغبته واحاسيسه الخيرة..استطاع ذلك.

وان اباه هذا المدين او رده، سقط كل من الحق والالتزام الناشئين عن الدين بالتقابل..لا بالتقايل! صحيح ان الابراء قد لا يمكن فرضه على المدين، اذ يجوز ان يكون هذا المدين غير راغب في هذا التنازل بناء على ما قد يكون فيه من منة ياباها المدين ويترفع عنها، مضافا الى ما قد يكون في ذلك من مساس بكرامته واعتباره الادبي او التجاري.

ولكن طالما سقط الحق بالابراء، فان الالتزام المتصل به لا يعود بناء على قاعدة فقهية عامة واردة في هذا المضمار مضافا الى ان العودة تعني انشاء التزام جديد، وذلك لا يكون الا باتفاق، ومن ثم قالوا انه لا يجوز الرد بارادة واحدة.

بل ان الابراء يظل موصوفا بانه تصرف صادر من جانب واحد حتى لو قلنا انه يرتد بالرد، وذلك وفقا لراي بعض الفقهاء الذي جاء توفيقا بين الاتجاهين، وطبقا لنص قانوني يقول: ان «الابراءيتم متى وصل الى علم المدين ويرتد بالرد».. وذلك بعد ان صرح في مقدمته ان الالتزام ينقضي: «اذا ابرا الدائن مدينة مختارا..» وقد تطابق بالفعل على هذا الحكم، بل وعلى هذا النص حرفيا كثير من التقنينات الوضعية السائدة.

مصادر البحث بعد الرجوع الى القرآن الكريم وبعض تفاسيره رجعنا الى المصادر التالية:

اولا: مصادر الحديث 1- الحر العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة، ط الحجرية طهران 1337.

2- الطوسي، ابو جعفر محمد بن الحسن: الاستبصار في ما اختلف فيه من الاخبار، تحقيق السيد حسن الخرسان، دار الاضواء، بيروت، ط 3.

3- الطوسي، محمد بن الحسن: تهذيب الاحكام، مطبعة النعمان، النجف، 1377.

ثانيا المصادر الفقهية:

4- الانصاري، الشيخ مرتضى: المكاسب، تحقيق السيد محمد كلانتر بيروت، سنة 1410 ه.

5- البهوتي، منصور بن يونس: الروض المربع، منشورات مكتبة الرياض الحديثة، الرياض.

6- الحلي، نجم الدين جعفر بن الحسن، المعروف بالمحقق:

شرائع الاسلام تحقيق عبد الحسين البقال ط النجف.

7- الخوئي، السيد ابو القاسم: تعليقا على كتاب منهاج الصالحين للسيد محسن الحكيم.

8- الخميني، السيد روح اللّه: تحرير الوسيلة، تعليقا على كتاب وسيلة النجاة للسيد ابو الحسن الاصفهاني.

9- الدمشقي، محمد بن عبد الرحمن: رحمة الامة في اختلاف الائمة مطابع قطر الوطنية 1401 ه.

10- ابن رشد، محمد بن احمد القرطبي: بداية المجتهد، ط المكتبة التجارية بمصر.

11- الشافعي، محمد بن ادريس: الام..مطابع دار الفكر، بيروت.

12- العاملي، زين الدين الجبعي: الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية تعليق كلانتر، مؤسسة الاعلمي، بيروت.

13- عليش، فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الامام مالك ط 1978 م.

14- الكاساني، علاء الدين بن مسعود: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتب العلمية، بيروت ط 2.

15- الشيخ المفيد، محمد بن نعمان العكبري، المقنعة: ط طهران.

16- النجفي، الشيخ محمد حسن الشيخ باقر: جواهر الكلام في شرح الاسلام، ط طهران 1271 ه.

ثالثا مصادر الفقه الحديثة 17- ابو زهرة، الشيخ محمد: الملكية ونظرية العقد في الشريعة الاسلامية دار الفكر العربي، القاهرة.

18- ابو زهرة، الشيخ محمد: محاضرات في الفقه الاسلامي على المذاهب الاربعة. ط القاهرة.

19- بدران، بدران ابو العينين: حقوق الاولاد في الشريعة الاسلامية والقانون ط الاسكندرية سنة 1987 م.

20- حسين، د. احمد فراج: الملكية ونظرية العقد، مؤسسة الثقافة الجامعية الاسكندرية ط 1.

21- الخفيف، الشيخ علي: احكام المعاملات الشرعية.

22- الخفيف، الشيخ علي: التصرف الانفرادي والارادة المنفردة.

23- عبد البر، محمد زكي: تقنين الفقة الاسلامي، ط ادارة احياء التراث الاسلامي بدولة قطر.

24- عبد البر، محمد زكي: التصرفات والوقائع الشرعية، دار القلم، الكويت ط 1 1402 ه.

25- العطار، د. عبد الناصر: نظرية الالتزام في الشريعة الاسلامية والتشريعات العربية، الكتاب الاول ط القاهرة.

26- فرج، د. عبد الرازق حسن: نظرية العقد الموقوف في الفقه الاسلامي، دار النهضة العربية، القاهرة 1969.

27- المظفر، محمود (المؤلف): احياء الاراضي الموات، المطبعة العالمية القاهرة 1972.

28- المظفر، محمود (المؤلف) 2- دروس في كتاب البيع، محاضرات معدة للالقاء على طلاب الجامعة الاسلامية، على الالة الكاتبة.

رابعا المصادر القانونية:

29- ابو السعود، د. رمضان: مبادىء الالتزام، الدار الجامعية ط 1984.

30- ابو ستيت، د. احمد حشمت: النظرية العامة للالتزام ط 2 القاهرة 1954.

31- تناغو، د. سمير عبد السيد: نظرية الالتزام، موسوعة القضاء والفقه ج 28.

32- الحكيم، د. عبد المجيد: مصادر الالتزام، ط الخامسة، مطبعة نديم بغداد 1977.

33- ذنون، د. حسن: اصول الالتزام، مطبعة المعارف، بغداد 1970.

34- زكي، د. محمود جمال الدين: الوجيز في شرح القانون المدني المصري ج 1 ط 3 مطبعة جامعة القاهرة 1978.

35- سلطان، د. انور: النظرية العامة للالتزام ج 1، مصادر الالتزام دار المعارف بالقاهرة.

36- سلامة، د. احمد: مذكرات في نظرية الالتزام، الكتاب الاول، مصادر الالتزام، القاهرة ط 1981.

37- السنهوري، د. عبد الرزاق:

1- مصادر الحق، المجلد الاول، دار احياء التراث، بيروت.

2- الوسيط في شرح القانون المدني، ط القاهرة.

38- الصدة، د. عبد المنعم: مصادر الالتزام ط سنة 1984.

39- طه. د. غني حسون: الوجيز في النظرية العامة للالتزام، الكتاب الاول مطبعة المعارف بغداد 1971.

40- عبد الباقي، د. عبد الفتاح: نظرية العقد والارادة المنفردة ط 1984.

41- الغياتي، د. لاشين محمد يونس: الارادة المنفردة كمصدر للالتزام بين النظرية والتطبيق ط 1 1986.

42- الكزبري: ، د. مامون: نظرية الالتزامات، ج 1 مصادر الالتزامات، دمشق.

43- مطلوب، د. عبد المجيد: نظرية الارادة المنفردة في الفقه الاسلامي، بحث منشور بدون تاريخ.

44- مرقس، د. سليمان: الوافي في شرح القانون المدني الطبعة الرابعة سنة 1987.

45- النقيب، د. عاطف: نظرية العقد، منشورات عويدات، بيروت، باريس.

46- يكن، د. زهدي: شرح قانون الموجبات والعقود، ج 3 ط بيروت.

خامسا نصوص القوانين:

ورجعنا، اضافة الى ذلك، الى بعض نصوص القانون ومنها: مجلة الاحوال الشخصية التونسية 1956، القانون المدني السوري، والقانون المدني السوداني، والقانون المدني الفرنسي،والقانون المدني السويسري، والقانون المدني الكويتي، القانون المدني العراقي، وقانون الموجبات والعقود اللبناني، ومجلة العقود والالتزامات المغربية، والقانون المدني المصري.

سادسا بحوث في بعض المجلات والصحف:

ابراهيم، احمد 1- العقود والشروط والخيارات، مجلة القانون والاقتصاد، جامعة القاهرة، السنة الرابعة، العدد السادس.

2- التزام التبرعات، المصدر نفسه، السنة 3 العدد 2 ابو سعد، محمد شتا: اصول فكرة الالتزام عند الحطاب، جريدة الشرق الاوسط العدد الصادر في 1/5ر1985.

عبد اللّه، د. ليلى: دور الارادة في تقييد حق الملكية، مجلة الحقوق، جامعة الكويت، السنة 6 العدد 4.

العنبكي، د. نزار: الالتزام الناشىء عن الوعد الصادر من جانب واحد، مجلة العلوم القانونية والسياسية، بغداد، المجلد السادس، العددان الاول والثاني سنة 1978.

اليعقوب، د. بدر: الابراء عقد هو ام تصرف بارداة منفردة، مجلة الحقوق، الكويت السنة 7 العدد 2.

علي وقانون الطوارىء

د. محمد ط ي

حالة الطوارىء حالة الطوارىء هي الحالة التي تكون البلاد فيها او نظام حكمها مهددين بخطر. وهي تبيح اللجوء الى انظمة استثنائية تتولى، بموجبها، السلطة التنفيذية (الحكومة)، او رئيس البلاد، كافة السلطات. فينعدم الفصل في ما بينها، كما تصبح الحقوق والحريات، واحيانا ارواح الناس، تحت تصرف هذه السلطة، فتصادر وتقمع وتقتل، متذرعة بالحفاظ على الامن وعودة الامورالى مجاريها الطبيعية.

ولكي نستطيع ادراك مغزى هذه الحالة والنظام الذي يرعاها، لابد لنا من التذكر بان كل الصراع البشري الذي خيض في مواجهة الحاكمين، كان يهدف الى تامين تلك الاقانيم الثلاثة الضرورية لاستقرار الانسان وتفتح شخصيته وقيامه بدوره في الحياة العامة لمجتمعه وامته.

فبعد ان عانت البشرية من الاستبداد والتسلط لمدة آلاف من السنين، استطاعت الفئات الدنيا فيها، وهي التي تشكل الاكثرية الساحقة في كل بلد من البلدان، ان تنتزع الحق في ان تناقش الامور التي تكون فيها احوالها مطروحة للمصادرة على شكل ضرائب واتاوات حكومية، فقد كانت مهمة الهيئات التمثيلية للطبقة الشعبية ان تعط ي رايها في قوانين الفرائض الضريبية.

ثم، وفي مرحلة لاحقة، وبعد مزيد من المعاناة في مواجهة الملاكين العقاريين الكبار، والملك على راسهم، امكن وضع القيود على حرية السلطة المطلقة بالتصرف بالانسان وحريته،فعرفت في الغرب مبادىء حقوق الانسان التي اعترفت له نظريا بانسانيته، ومنحته امكانية المشاركة السياسية، وحمته من تسلط الجلادين والهيئات القضائية المنصبة لصالح الملك وحكومته.

وهكذا اعتبر الناس، في البلدان التي تحققت فيها هذه المكاسب، انهم حازوا حريتهم وحقوقهم بشكل كامل، وانه لم يبق امامهم الا ممارستها والحفاظ عليها، حتى يقيموا الفردوس الموعودعلى الارض.

الا ان حاجات السلطة ما لبثت ان فرضت نفسها، واذا بالناس يكتشفون، ليس فقط سرابية معظم الحقوق والحريات التي نالوها حقوقيا ولم يستطيعوا ممارستها، بسبب فقدانهم الوسائل المادية لذلك، بل وايضا حق السلطة في مصادرتها في الاحوال التي تعتبرها استثنائية، وهي حالات متعددة، يمكن اختصارها بحالات الخطر الذي يهدد البلاد والنظام السياسي.

تدابير حالة الطوارىء اما التدابير التي يجري اللجوء اليها، في الحالات الاستثنائية المذكورة، فهي على انواع، ومنها:

اعلان حالة الحصار: وقد ابتكرت لمواجهة احتلال العدو لارض وطنية. وهذه حالة الحصار الفعلية، ولكن بالاضافة اليها ابتكرت حالة اخرى لا تشترط هذا الاحتلال، وهي التي تسمى حالة الحصار الوهمية، او حالة الحصار السياسية، وتقضي بمصادرة الحريات جميعا، وفي احسن الاحوال مصادرة اهمها، وذلك في حالة بروز خطر وشيك على الامن الداخلي او الامن الخارجي.

اما اهم التدابير التي يمكن ان تتخذ فهي:

انتقال سلطة الضابطة من السلطة المدنية الى السلطة العسكرية.

توسيع نطاق سلطة الضابطة هذه في حالات متعددة لتشمل مداهمة البيوت، نهارا وليلا، وابعاد الاشخاص الذين لا سكن خاصا لهم في المنطقة المعنية.

التفتيش عن الاسلحة والذخائر ومنع الاجتماعات واصدار التشريعات التي تعدها ماسة، بالامن العام.

توسيع صلاحيات المحاكم العسكرية...

نظرية سلطات الحرب والظروف الاستثنائية: لم تكن الصلاحيات التي اعطتها حالة الحصار كافية في زمن الحرب في نظر الحكام، لذلك ابتكرت لهم نظرية سلطات الحرب التي خولتهم، الى جانب سلطة الغاء الحريات التقليدية ذات الطابع السياسي، الغاء حريات اساسية كحرية العمل، ومنحتهم صلاحية مصادرة العمال لصالح الدفاع الوطني، وفرض الاقامة المحددة عليهم وحرمانهم من حرية اختيار مكان اقامتهم، كما منحتهم سلطة مصادرة الاشياء والمشروعات الضرورية للمجهود الحربي. والى جانب هذا اعترف القضاء للسلطة التنفيذية،والعسكرية بخاصة، بصلاحية خرق القوانين تحت حجة مواجهة الظروف الاستثنائية.

اعلان حالة الطوارىء: تعلن هذه الحالة عادة عند وجود خطر داهم، او لدى وقوع احداث من طبيعتها ان تحدث فتنة عامة في البلاد.

اما سلطات الطوارىء فهي عادة: بالاضافة الى مصادرة المشاريع والاشياء والاموال تمكن الحكام المحليين (حكام الولايات) من منع التجول واقامة مناطق محظورة وتحديد اقامة الاشخاص ومنع السكن في بعض الاماكن.

كما تمكن وزارة الداخلية من منع التجمعات، وحكام الولايات من اغلاق محال التجمع. وهي كذلك تمكن، وفقا للقوانين، وزارة الداخلية وحكام الولايات من تفتيش المنازل ومراقبة الصحافة، كما انه يصبح ممكنا توسيع سلطات المحاكم العسكرية في هذه الحالة.

على انه اذا كان اعلان بعض هذه الحالات يقتضي موافقة البرلمان (كحالة الطوارىء اذا استمرت اكثر من اثني عشر يوما) فان البرلمان قد اصبح في العديد من الدول الاوروبية اداة طيعة في يد الحكومة، لانه ينتمي باكثريته واياها الى حزب واحد، او تكتل حزبي محوري واحد تتشكل الحكومات من قيادييه، فيكون البرلمانيون تابعين لها.

السلطات الديكتاتورية: اضافة الى جعبة القوانين المحددة للحريات بل المصادرة لها، والتي القينا عليها نظرة سريعة، حملت الدساتير في نصوصها، او الاعراف، احكاما اخرى ربما كانت احيانا اكثر صراحة في دلالاتها، فالدستور الالماني يتحدث عن «حالة الضرورة» (م 81) والفقهاء الدستوريون الفرنسيون يتحدثون عن «الديكتاتورية المؤقتة» المستندة الى المادة 16. والممارسات الدستورية الاميركية تكرس سلطات ديكتاتورية للرئيس في زمن الحرب.

حالة الضرورة في الدستور الالماني: في هذه الحالة يتمتع المستشار الالماني بصلاحيات واسعة جدا تجاه البرلمان. ويتم اللجوء الى هذه الحالة اذا طرح المستشار مسالة الثقة بحكومته ولم ينل الاكثرية المطلقة، فبدلا من ان يستقيل، فهو يستطيع اما ان يطلب حل البندستاغ (مجلس ممثلي الشعب) او ان يتعايش معه. ولكن في هذه الحالة، اذا رفض هذا المجلس المشاريع التي تعلنها الحكومة مستعجلة يستطيع المستشار ان يعلن حالة الطوارىء التشريعية، وذلك شرط موافقة البندسترات (مجلس ممثلي الدول - الولايات)، فتكون المشاريع نافذة رغم معارضة البندستاغ. وهذه الحالة تستمر ستة اشهر ويمكن تجديدها ستة اشهر اخرى.

الديكتاتورية المؤقتة في الدستور الفرنسي (م 16): في بعض الظروف الاستثنائية، يمكن لرئيس الدولة ان يحل محل السلطات العامة ويمارس حكما فرديا تحت حجة انقاذ الامة والمؤسسات.

اما شروط اللجوء الى هذا التدبير فهي وجود خطر جدي يهدد مؤسسات الجمهورية او استقلال الامة او وحدة اراضيها او امكانيتها في تنفيذ التزاماتها الدولية، ويؤدي الى توقف العمل المنتظم للمؤسسات العامة الدستورية.

في هذه الظروف، يحق للرئيس اتخاذ كل التدابير التي تفرضها تلك الظروف. وذلك طبعا من وجهة نظره، ومن دون ان تشاركه اية سلطة اخرى. اما المدى الزمني لممارسة هذه الديكتاتورية، فهو، وان بدا مرتبطا بعودة الامور الى نصابها، الا ان تقديره يعود للرئيس. فقد عمد الجنرال ديغول الى هذه الصيغة عندما قام بعض الضابط الفرنسيين في الجزائر بانقلاب عسكري على السلطات الفرنسية المحلية في 21 نيسان-1961، فاعلنت الحالة الاستثنائية في 23 نيسان واستتب الوضع في 25 نيسان، محسوما لصالح الحكومة، الا ان الحالة الاستثنائية استمرت حتى 30 ايلول-1961.

السلطات الديكتاتورية للرئيس الاميركي زمن الحرب: يقضي العرف بان يتمتع الرئيس الاميركي، في زمن الحرب، بسلطة اتخاذ قرارات خطيرة ماسة بالحقوق والحريات والملكية لحاجات المجهود الحربي، كمصادرة الاشخاص والاموال وحتى الامر بالاعتقال الاداري للمشبوهين (في نظر السلطة). وهذا ما قام به الرئيس روزفلت في الحرب العالمية الثانية، لا ضداليابانيين المقيمين في الولايات المتحدة وحسب، بل ضد الاميركيين من اصل ياباني.

وقد ساعد موقف المحكمة العليا «حامية الحريات والدستور»، على تكريس هذه الصلاحيات بعد ان ظهرت اولا على شكل تدابير مؤقتة.

ان كل هذا يجري في بلدان اعتمدت فيها «اعلانات حقوق الانسان» منذ ما يزيد على مئتي عام، ومنها التي دفعت ثمنا باهظا لممارستها نظاما اعتبر منافيا لحقوق الانسان.

فاذا تجاوزنا الاطار الذي تمثله هذه النماذج من البلدان، فاننا نقع على نماذج من سلطات لا حدود لها في حالات الحرب وحتى في حالات السلم وفي الظروف العادية والاستثنائية جميعا.

حالة الطوارىء في الانظمة الاسلامية هل كانت الانظمة الاسلامية افضل؟ في الاجابة عن هذا السؤال نرى من الضروري التمييز بين نظم الحكام المسلمين التي شغلت التاريخ الاسلامي منذ وقت مبكر جدا، من الناحية النسبية، وبين ما حمل الاسلام من مبادىءطبقت في عهد الرسول(ص) وفي عهد علي(ع).

نظم الحكام المسلمين لقد كانت هذه النظم، في معظمها، من اسوا ما عرفته البشرية، فهي كانت تعتبر ان الغاية الاولى والاخيرة هي الكرسي التي يهون دونها سفك الدماء وتكديس البشر في السجون والقطع والتشريد والتنكيل والتمثيل، فمن معاوية الى ابنه يزيد، ومن زياد الى الحجاج، ومن السفاح الى العديد من خلفائه، الى الامراء، الى المماليك، الى العثمانين، حيث كان الصلب والخوزقة وقطع الاطراف والاعضاء، عقوبات تطال المعارضين واحيانا اقرباءهم وارحامهم، حتى اذا شارفت الدولة «الاسلامية» العثمانية على نهايتها، اكتشف ابناؤها انه يوجد في مكان ما من العالم مايسمى بالانسان وان له حقوقا وحريات لا يمسها الحاكم الا بشروط معينة. عندئذ نبذوا نظام الحكام المسلمين الذي خبروه نظاما ظالما متعسفا وحشيا، لا تعرف الانسانية الى قلبه سبيلا،فارتموا على الفكر الغربي يعبون من مناهله كما صوره لهم اصحابه، وراحوا يطالبون دولتهم بتطبيقه حتى اذا عجزوا في نهاية المطاف ساروا في ركاب الغرب حامل لواء «حقوق الانسان»،فاذا به، بعد ان حطم الدولة التي كانت تظلهم، يستعمرهم ويستعبدهم لقاء خدماتهم، ويفتت اوطانهم ويسلم فلسطين لليهود ويسلم سائر البلدان الى صنائعه، فيكتب علينا الذل والمسكنة الى ما شاء اللّه.

اما الاسلام، فلم يعمد اولئك القلقون على الحقوق والحريات الى ان يستنطقوه، ربما لان ابطاله كانوا يبرزون لهم على صورة اباطرة الدولة الاموية، رمز الدولة العربية القومية القادرة القاهرة، او على صورة هارون الرشيد في الف ليلة وليلة مع الجواري والخصيان، او على صورة صلاح الدين في احسن الاحوال، وهي صور لا ظل لحقوق الانسان فيها من قريب او بعيد،او ربما تبدى لهم على صورة السلطان محمد الفاتح الذي كان يوصي ابناءه، ممن سيلي عرش السلطنة ان يقتل الواحد منهم اخوته وابناء اخوته جميعا حتى لا ينازعوه الحكم ويدعوا قبله الحقوق. ولو انهم استنطقوا القرآن والسنة الصحيحة لوفروا على انفسهم وعلينا هذا المصير الرهيب.

حقوق الانسان في الاسلام ان الحقوق التي حملها الاسلام للانسان هي الحقوق الفعليه المكرسة لحالة التكريم التي خصه بها اللّه (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) «الاسراء/70».

ونحن، اذا حاولنا ان نستقصي تلك الحقوق، فاننا لابد عاجزون، ولكن هذا لا يمنع من استقصاء فهمنا لها، من تصويرها بقدر ما نملك من قدرات ذهنية وطاقات. وعلى ذلك يمكن ان نقول:ان اللّه قد حرر الانسان من العبودية كما منحه سائر الحقوق والحريات المتعلقة بشخصه كانسان.

التحرير الاساسي هذا التحرير يتمثل بتحريم اي شكل من اشكال الوهية الانسان المدعاة. فقد منع تعالى مظاهرالتاله التي فرضها الملوك والاباطرة على الناس، سواء بوصفهم آلهة اساسيين ام ثانويين، ام ممثلين للالهة، وذلك بقضائه على اساس الشرك الذي لا يغفر للمتمسك به سواء كان مدعي الالوهية (الحاكم) او المحكوم القابل بذلك. قال تعالى: (ان اللّه لا يغفر ان يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء) «النساءر48». كما قال تعالى: (قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد الا اللّه ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون اللّه فان تولوافقولوا اشهدوا بانا مسلمون) «آل عمران/64».

من هنا نسفت نظرية الحاكم الاله فتحرر الانسان، تحرر في مملكة الفراعنة، وبلاد الرافدين وسائر الممالك التي كانت تقيم نظام العبودية العامة او المعممة، كما يدعوها منظرو «نمط الانتاج الاسيوي»، فنزل الحاكم الى الارض وزالت صفة القداسة المزعومة عنه. كما وجب ان تزول كل آثار استعباده الناس، ذلك الاستعباد الذي كان يتمثل بملكية الرعية واموالها وحرياتها،والذي كان يسمح له بالقتل، والسوق الى السخرة ومصادرة الاموال، كان ذلك ضروريا، ولعل من يسائل التاريخ عما استهلك الفراعنة من الارواح والجهود في بناء الاهرامات، او عمااستهلك الاباطرة الرومان من الانفس في بناء قلعة بعلبك، يدرك ما كان يدعيه الحاكم من حقوق قبل المحكومين.

 

الصفحة السابقة

الصفحة التالية